← Акыда

Акыда · id 23088

شرح العقيدة الطحاوية - البراك - ط التدمرية

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (416 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

خلق له) (كل يعمل لما قد فُرِغَ له) منه (وصائر إلى ما خُلِق له) فمن خلق للجنة فصائر إلى الجنة، ومن خلق للنار فصائر إلى النار، ولكن بالأسباب التي جعلها الله لذلك، فالنار أعدها الله للكافرين، ولن يخلد فيها إلا الكافرون، والجنة أعدت للمتقين، ولن يدخلها إلا نفس مؤمنة. والأخذ بالأسباب هو فطرة فطر الله عليها العباد؛ لكن هناك أشياء ما ينظر بعض الناس للقدر فيها: طلب الرزق فهو من جنس ما سبق به القدر من أمر السعادة والشقاوة، أفيقول عاقل: أنا أجلس ولا أطلب الرزق؛ لأنه سيأتيني؟! لا؛ بل إذا أصبح الناس نهضوا وانتشروا يطلبون الرزق. نعم! قد يقوله الكسول تبريرًا لكسله وخموله ودَعَتِه. وكما أنه موجَب العقل والفطرة، فهو أيضا موجَب الشرع، قال تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولَاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ» [الملك: ١٥]، «فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ» [الجمعة: ١٠] فكيف يأتي هذا لأخطر الأشياء ويقول: إذا كنت من أهل الجنة فسأترك العمل! لا والله، من ترك الإيمان والطاعة اتكالا على القدر، علمنا أنه إن مات على ذلك فهو من أهل النار، وكذا من نام عن صلاة الفجر وقال: إن كان كُتب لي أجر فسيجيئني بدون أن أقوم وأصلي! فهل سيكتب له أجر؟! الله سبحانه رتب المسببات على الأسباب، فهناك مسببات لا تكون إلا بأسباب معينة، ولا يمكن تحصيلها إلا بهذا السبب المعين، كالولد، فلا يمكن لأحد أن يُولد له إلا بنكاح ووطء؟! أما الرزق فله أسباب متعددة، وطرق كسب كثيرة، بخلاف الولد؛ فلا يوجد إلا سبب واحد معين.

стр. 317

كذلك الجنة والنار، الجنة لا يمكن دخلوها إلا بالإيمان والعمل الصالح، فمن فقد هذا السبب فإلى الضد والنقيض. نعوذ بالله! فهذه مقامات عظيمة على المسلم أن يلجأ إلى ربه، ويسأله الثبات والتوفيق والهداية، ويُلِحَّ بهذا الدعاء: «اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ» [الفاتحة: ٥]، ويسأل الله حسن الخاتمة: «تَوَفَّنِي مُسْلِمَاً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ» [يوسف: ١٠١].

стр. 318

[كل شيء بقدر] وقوله: (والخير والشر مقدران على العباد). هذا مضمونه تقدم (١) في قوله: (القدرُ خيره وشره وحلوه ومره من الله تعالى) قال النبي ﷺ : (وتؤمن بالقدر خيره وشره) (٢) قال تعالى: «وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» [النساء: ٧٨]، كل ما يجري على العباد من خير ديني أو دنيوي، أو شر ديني أو دنيوي، فهو جار بقدر، ولا خروج لشيء عن القدر، هذا موجب كمالِ مُلك اللهِ وكمالِ قدرته، وعموم مشيئته، فهو الذي يعطي ويمنع، فكل ما لدى العباد من الخير بأنواعه فهو بمنه وبعطائه، وكل ما مُنِعوا فبعدله سبحانه، (لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت) (٣) وتفصيل ذلك في مثل قوله: «مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» [فاطر: ٢]، وقال النبي ﷺ : (من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له) (٤)، وقال ﷺ لابن عباس ﵄: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله

стр. 319

عليك) (١) لكن كل هذا لا ينافي الأخذ بالأسباب، ولهذا الناس بسبب الجهل، وعدم الاعتصام بهدى الله، اضطربوا؛ فمنهم: من أنكر القدر، ونفى تعلق علم الرب وكتابه ومشيئته بأفعال العباد، وقالوا: إنه لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها. وآخرون أخرجوا أفعال العباد عن مشيئة الله وخلقه وقدرته. وآخرون أثبتوا القدر وأنكروا الأسباب. ومن عُوفي من هذه الضلالات فليحمد الله. فالذين ينكرون الأسباب يقولون: إذا شربت ورويت؛ فالماء لا له أثر في الري، وأكلك لا له أثر في الشبع، ولكن حين شربتَ وأكلتَ خلقَ اللهُ لك الشبع! والنار إذا أشعلتها في الحطب، فليست هي التي أحرقت الحطب؛ لكن لما جاءت النار عند الحطب خلق الله الإحراق فيها! فيكون قولك: (أحرقتِ النارُ الحطبَ) مجازا لا حقيقة! وإنكار الأسباب قول مشهور عن الأشاعرة (٢).

стр. 320

[أنواع الاستطاعة] وقوله: (والاستطاعة التي يجب بها الفعل، من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به فهي من الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الأدوات فهي قَبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب، وهو كما قال تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسَاً إِلَّا وُسْعَهَا» [البقرة: ٢٨٦]). الاستطاعة هي: القدرة، تقول: فلان يقدر على كذا أو لا يقدر، وجاءت النصوص فيها ذكر الاستطاعة، قال : «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [التغابن: ١٦]، «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلَاً» [آل عمران: ٩٧]، وقال ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فَأْتُوا منه ما استطعتم) (١)، وقال ﷺ لعمران بن حصين ﵁: (صلِّ قائما؛ فإن لم تستطع فقاعدا؛ فإن لم تستطع فعلى جنب). (٢) وقال في الكفار: «مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ» [هود: ٢٠]. والاستطاعة نوعان (٣): نوع قبل الفعل. ونوع مع الفعل. فالاستطاعة التي قبل الفعل هي مناط التكليف، فإذا لم توجد فلا تكليف، إذ لا واجب مع العجز.

стр. 321

والقدرة والاستطاعة التي قبل الفعل، مثل: الصحة، وسلامة الآلات، وحصول الأسباب التي لا بد منها في الفعل، فهذه هي مناط التكليف، قال تعالى: «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلَاً» [آل عمران: ٩٧] السبيل: الزاد والراحلة، وكذلك القدرة البدنية لا بد منها، فلا يجب المضي للحج إلا على من توفرت له القدرة البدنية والمالية، فهذه الاستطاعة هي مناط التكليف، ويقر بها جميع الطوائف، ويستوي فيها جميع الناس: المطيع والعاصي كلهم مستطيع، فمن أمر بالصلاة ـ مثلا ـ وهو سليم العقل والحواس وقادر إن صلى أو ترك فهو مستطيع. والنوع الثاني: الاستطاعة التي تكون مع الفعل، ويكون بها الفعل، فهذه ليست مناطا للتكليف؛ بل يمنحها الله لمن يشاء، وهي التي تحصل بالتوفيق والهداية الخاصة، وهي المنفية عن الكفار في مثل قوله تعالى: «مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ» [هود: ٢٠]، «وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضَاً * الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعَاً» [الكهف: ١٠٠ - ١٠١]، وليس المعنى أنهم صم لا يسمعون، فالأصم معذور إذا لم يسمعْ ما يجب سماعه، والأعمى معذور إذا لم يبصرْ ما يجب إبصاره؛ لأنه غير مستطيع؛ لكن الاستطاعة المنفية عنهم هي الاستطاعة التي تكون مع الفعل، وهي ليست مناطا للتكليف، فهم مستطيعون لكن صرفهم الهوى والشهوات عن الانقياد. فمثلا: بعض الناس، يقال له: اترك شرب الدخان، فيقول: لا أستطيع! لا يستطيع بسبب غلبة شهوته، وهو في الحقيقة مستطيع. أو قيل له: حافظ على صلاة الفجر مع الجماعة، فيقول: لا أستطيع، أهو لا يستطيع؟! لا والله، مستطيع، ولو كان عنده أمر فيه مصلحة تهمه لنهض إليها، وظهرت استطاعته! وغلط في هذا المقام طائفتان: من لم يثبت إلا الاستطاعة التي قَبل الفعل، وهم المعتزلة. فقد نفوا الاستطاعة الثانية؛ لأن الله عندهم لا يقدر أن يهدي

стр. 322

أحدا ولا يضل أحدا؛ بل العبد هو الذي يتصرف في نفسه. والطائفة الثانية: حكى قولهم ابن أبي العز في الشرح فقال: إن طائفة من أهل السنة ـ ولم يعينهم (١) ـ قالوا: (الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل) (٢)، وهذا غلط؛ فإن قولهم هذا يقتضي أن معنى قوله تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [التغابن: ١٦] اتقوا الله إذا اتقيتم الله، فلا تجب التقوى إلا على من اتقى، ولا يجب الحج إلا على من حج، وهذا ظاهر الفساد. وقوله: (من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به). التوفيق هو صفة الله تعالى يوفق ويهدي من يشاء، أما الاستطاعة فهي أثر هذا التوفيق، أما قوله: (الذي لا يوصف المخلوق به فهي مع الفعل) أي: الاستطاعة هي صفة للمخلوق لكن بمنح الله له، يمنحها من يشاء.

стр. 323

[خلق الله لأفعل العباد] وقوله: (وأفعال العباد خَلْقُ الله، وكَسْبٌ من العباد، ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم، وهو تفسير (لا حول ولا قوة إلا بالله)، نقول: لا حيلة لأحد، ولا حركة لأحد، ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله) هذا الكلام كله تفصيل لمعانٍ مردها كلها إلى الإيمان بالقدر. وقوله: (وأفعال العباد خَلْقُ الله وكَسْبٌ من العباد) اختلف الناس في أفعال العباد الاختيارية حسب اختلافهم في القدر، فأهل السنة والجماعة يقولون: أفعال العباد هي أفعالهم حقيقة، وهم الموصوفون بها، فالعبد هو المصلي والصائم، والقائم والقاعد، وهو الصادق والكاذب، والمؤمن والكافر، والمطيع والعاصي، هي أفعاله، والله تعالى خالقُ العبادِ وخالقُ أفعالِهم وقدرتهم وإرادتهم؛ لأنه خالق الأسباب والمسبَبَات. فهي مفعولة لله، و «اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ» [الزمر: ٦٢] فلا خروج لشيء عن خلقه وقدرته ومشيئته. وقالت القدرية نفاة القدر: إن العباد هم الخالقون لأفعالهم، فأفعال العباد مخلوقة لهم، وليست بمشيئة الله ولا بقدرته ولا بخلقه. وقالت الجبرية: إن أفعال العباد مخلوقة لله، والعبد لا فعل له؛ بل أفعاله مجبور عليها كحركة المرتعش، وكالريشة في مهب الريح، وحركة الأشجار.

стр. 324

فأثبتوا القدر وعموم خلق الله، لكنهم سلبوا العبد قدرته واختياره وأفعاله، وقالوا: إن نسبة الأفعال إلى العباد مجاز، ومعناه: أنه ليس هو الراكع والساجد؛ لأنه ما فعل هذا بقدرته؛ إذ لا مشيئة له ولا قدرة. فهذان قولان على طرفي نقيض. وقد دل على إبطال المذهبين: مذهبِ القدرية والجبرية قولُ الله تعالى: «لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ» [التكوير: ٢٨]، فأثبت المشيئة للعباد، «وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ» [التكوير: ٢٩] فجعل مشيئة العبد موقوفة على مشيئة رب العالمين . وجاءت الأشاعرة فلفقوا كعادتهم وقالوا: أفعال العباد خلْقٌ لله، وكسب من العباد، لكن مفهوم الكسب عندهم هو: الفعل المقارن للقدرة المحدثة، وهذا بنوه على مذهبهم في نفي الأسباب. فيرون أن العلاقة بين الأسباب والمسبَبَات، وبين قدرة العبد وأفعاله مجرد الاقتران، فيقولون: إن الله يفعل عند الأسباب لا بها، فليس عندهم باء سببية؛ بل يرونها للمصاحبة. فهم يَقْرُبُون في هذا من قول الجبرية؛ لأن قولهم يتضمن: أنه لا أثر لقدرتهم في وجود أفعالهم، كما تقدم في ذكر ذلك في الأسباب (١) وقولهم: إن الماء لا أثر له في حصول الرِّي، ولا أثر للطعام في حصول الشِّبع، ولا أثر لقدرة العبد في حصول فعله. هذا قول الأشاعرة، وقد ذُكر كسبُ الأشعري من الأشياء التي لا حقيقة لها. (٢) والله أعلم بمراد الطحاوي؛ لأن كلمة الكسب في اللغة والشرع تطلق على الفعل «بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ» [الأنعام: ١٢٩]، «بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» [الأنعام: ١٠٨]

стр. 325

وقوله: (ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون) أي: ما يستطيعون، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] وقال في الدعاء الذي علمه لعباده ـ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال الله تعالى: «قد فعلت» (١). وهذا من رحمة الله بعباده، وحكمته في شرعه، وهو من اليسر الذي أراده الله بعباده: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، وبهذا اليسر رفع الحرج عن عباده، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] فله الحمد على ذلك كثيرا. وقوله: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم) هذه العبارة فيها نظر، فالعباد يطيقون أكثر مما كلفهم الله؛ إذ لو كانوا لا يطيقون إلا ما كلفهم؛ فمعناه: أنه كلفهم غاية طاقتهم، فلا يقدرون على شيء بعدها؛ بل ما كلفهم الله هو أقل مما يستطيعونه، ولله الحمد، فقد كلفهم صيام شهر في السنة، أليسوا يطيقون أن يصوموا شهرين؟ بل يطيقون أن يصوموا ثلاثة لو كلفهم بذلك. وقوله: (وهو تفسير «لا حول ولا قوة إلا بالله») تفسير «لا حول ولا قوة إلا بالله»: لا تحول من حال إلى حال، ولا قوة على أي أمر إلا بالله. والإقرار بذلك واستحضاره وذكره يتضمن التوكل على الله والاستعانة به، ولهذا شُرع لمن يجيب المؤذن أن يقول عند قول المؤذن: «حي على الصلاة، حي على الفلاح»: «لا حول ولا قوة إلا بالله» (٢)، استعانة بالله على الإجابة إلى ما دعي إليه.

стр. 326

وهذه الجملة «لا حول ولا قوة إلا بالله» من أنواع الذكر التي دلت السنة على عظم شأنها، كما جاء في الحديث الصحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «ألا أدلك على كَنْزٍ من كُنوز الجنة؟ فقلت: بلى يا رسول الله، قال: قل: لا حول ولا قوة إلا بالله». (١) وذلك لأنها متضمنة لتوحيد الربوبية، ومتضمنة فقر العباد إلى الله فلا مشيئة لهم ولا قدرة لهم إلا أن يشاء الله، ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]، وقد فسر الطحاوي ﵀ هذه الجملة العظيمة بعبارة حسنة، وذلك في قوله: (نقول: لا حيلة لأحد، ولا حركة لأحد، ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله).

стр. 327

[كل ما يجري في الكون بمشيئة الله] وقوله: (وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، غلبت مشيئتُه المشيئاتِ كلَها، وغلب قضاؤه الحيلَ كلَها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدا، تقدس عن كل سوء وحَين، وتنزه عن كل عيب وشَين، قال تعالى: «لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ» [الأنبياء: ٢٣]). هذا يتضمن المرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالقدر، والإمام الطحاوي ﵀ في هذه العقيدة فرق الكلام في القدر وأبدا فيه وأعاد، فقد مضى كلام كثير، ونصوص كثيرة من عباراته تتضمن تقرير الإيمان بالقدر، وما يوجبه هذا الإيمان (١)، ولا شك أن الإيمان بالقدر ـ وهو الأصل السادس من أصول الإيمان ـ من الأهمية بمكان، وقد زلت فيه أقدام، وضلت فيه أفهام، وتحير فيه المتحيرون، وهدى الله إلى الحقِ أهلَ السنة والجماعة أهل الهدى والفلاح، فهم أسعد الناس في كل حق، وهم أسعد الناس بإصابة الصواب في هذا الباب، فهم يؤمنون بأن مشيئة الله عامة، لا خروج لشيء عن مشيئته، فكل شيء من الحوادث والحركات والسكنات العلوية والسفلية، حركة الأفلاك والملائكة والجن والإنس والجمادات، وكل صغير وكبير؛ فهو يجري بمشيئته تعالى وقضائه وتقديره، يجب أن نؤمن بأنه قد سبق به علم الله القديم، وسبق به كتابه الأول، وجرت فيه مشيئته، وهذا تحقيق كمال ملكه، فله الملك كله، لا خروج لشيء عن ملكه، فله التدبير

стр. 328

والتقدير، : «لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ» [البقرة: ١٠٧] وتجد هذا المعنى يُثنى في القرآن كثيرا. وقوله: (وعلمه وقضائه وقدره). كل شيء يجري بمشيئته النافذة الشاملة (وعلمه) القديم (وقضائه) النافذ (وقدره) أي: تقديره، السابق، قال النبي ﷺ : (قدَّر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) (١). وقوله: (غلبت مشيئتُه المشيئاتِ كلَها، وغلب قضاؤه الحيلَ كلَها). مشيئة الله تعالى نافذة وإن خالفتها مشيئات الخلق، فما شاء الله كان وإن لم يشإ الخلق، وما شاءه العباد لا يكون إن لم يشإ الله، كما قال الإمام الشافعي ﵀: ما شئتَ كان وإن لم أشأ … وما شئتُ إنْ لم تشأ لم يكنْ خلقتَ العبادَ على ما علمتَ … ففي العلمِ يجري الفتى والمسن على ذا مننتَ وهذا خذلتَ … وهذا أعنتَ وذا لم تُعن فمنهم شقيٌ ومنهم سعيد … ومنهم قبيحٌ ومنهم حسن (٢) وقضاؤه وحكمه نافذ غالب لحيل الخلق، كما في الدعاء عن النبي ﷺ : (ماضٍ في حكمُك، عدلٌ في قضاؤك) (٣) ومهما فعل الخلق ومهما دبروا؛ فلن يتم لهم شيء إنْ كان قضاء الله مخالفا له، ولن يمضي ولن يتم إلا حكم الله وقضاؤه؛ لكن الخلق يقدرون على فعل الأسباب، فالحيل من الأسباب، والإنسان مأمور بفعل الأسباب والحيل التي توصل إلى ما أمر الله به أو أباحه لعباده؛ ولكن هذه الأسباب محكومة بقضاء الله، ولن يتم بأي سبب وبأي حيلة أثر لأي سبب أوحيلة إلا ما قضاه الله سبحانه، وفي وصايا النبي ﷺ لابن عباس ﵄: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله

стр. 329

لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، جفت الأقلام وطويت الصحف) (١). وقوله: (يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدًا). يفعل سبحانه ما يشاء، فيعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، ويهدي ويضل، ويحيي ويميت، «يُدَبِّرُ الأَمْرَ» [يونس: ٣]، «يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ» [الرعد: ٢٦]، و «يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ» [العنكبوت: ٢١]، كل ذلك جارٍ على وفق حكمته تعالى، فله الحكمة في كل تدبير، كما تقدم في قول الطحاوي: (يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلا) (٢). فهو يهدي من يشاء بفضله وحكمته، ويضل ويخذل ويبتلي من يشاء بعدله وحكمته، فالحكمة ثابتة في كل تدبير، فهو يضع فضله في مواضعه؛ لأن الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، والعدل: وضع الأشياء في مواضعها، فالله تعالى يضع فضله في مواضعه حيث شاء على وفق الحكمة، خلافا لقول الجهمية ومن تبعهم كالأشاعرة: إن كل ما يجري بمحض المشيئة دون أن تكون له تعالى حكمة في هذا التقدير والتدبير، وقد تقدم نحو هذا المعنى (٣). المقصود: أنه يجب الإيمان بأن أفعالَه جاريةٌ على وفق العدل والحكمة، فأفعاله دائرة بين الفضل والعدل، والظلم مما يجب تنزيهه تعالى عنه «وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» [فصلت: ٤٦]، «وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» [ق: ٢٩] (إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) [النساء: ٤٠] والآيات في تنزيهه تعالى عن الظلم كثيرة. فلا يعذب أحدا بغير ذنب، ولا يعذب أحدا بذنب غيره، وجاء في الحديث عن النبي ﷺ : (لو أن الله تعالى عذّب أهل سماواته وأهل أرضه

стр. 330

لعذبهم وهو غير ظالم لهم) (١) فلن يعذبهم إلا بما يقتضي تعذيبهم، وهو قادر أن يعذب من شاء بغير ذنب، أو يعذب من شاء بذنب غيره؛ لكنه لا يفعل ذلك لكمال عدله سبحانه، وقد حرم الظلم على نفسه كما في الحديث القدسي عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ : قال: قال الله تعالى: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما؛ فلا تظالَموا) (٢) فهو لا يظلم ولا يرضى الظلم من أحد من العباد، ولذا حرمه على عباده في شرائعه التي أنزلها على رسله. وإذا عرض للإنسان شيء من الحوادث فعليه أن لا يُحَكَّم عقله الناقص، فكثير من الخلق لقصور علمهم وضعف إيمانهم يعترضون في نفوسهم، أو يتكلمون بألسنتهم على تدبيره تعالى، فتسمع بعضهم يقول ـ إذا ابتلى الله عبدًا ببلاء ـ: (فلان والله ما يستاهل)، وهي عبارة مشهورة عند العامة، وهي تعني: أن الله ابتلى هذا العبد، وهو ليس أهلا لهذا، وهذا اعتراض على تدبير الرب؛ بل يجب الإيمان بحكمة الرب في تدبيره وكمال عدله ، هذا أصل يجب العناية به علما وتفكيرا وتقريرا، وهو الإيمان بكمال عدل الرب في خلقه وأمره وجزائه، فلا تعارض قدر الله بقولك: لِمَ جرى كذا؟ ولِمَ كان كذا؟ فأي خاطر يتضمن الاعتراض على تدبير الله فيجب على المؤمن أن يدفعه بإيمانه بأن الله تعالى حكيم له الحكمة البالغة في كل تدبير وتقدير (٣). وقوله: (تقدس عن كل سُوء وحَين، وتنزه عن كل عيب وشَين). تقدس وتنزه، عبارتان بمعنى واحد، والشيخ الطحاوي كثيرا ما ينوع ويتفنن في العبارات، وهذه المادة (تقدس) موجودة في القرآن كثيرا فاسمه تعالى: (الْقُدُّوسُ) [الحشر: ٢٣]، وقالت الملائكة: «وَنَحْنُ نُسَبِّحُ

стр. 331

بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ» [البقرة: ٣٠] فالتسبيح والتقديس والتنزيه كلها تدل على نفي المعائب، فالقدوس: المنزه عن كل سوء وعيب، ومن عبارات السلف في تفسير القدوس: الطاهر (١). وقوله: (عن كل سُوء وحَين، وتنزه عن كل عيب وشَين). السوء والحَين والعيب والشَّين، عبارات كلها معناها: الأمور المذمومة، فهو تعالى منزه عن كل عيب وسوء ووصف قبيح، فهو منزه عن القبيح في أسمائه وصفاته وأفعاله، فله الأسماء الحسنى والصفات العلا، وأفعاله كلها كمال، كما تقدم (٢) في الحديث في دعاء الاستفتاح: (والشر ليس إليك) فهو لا يضاف إلى الله اسما ولا صفة ولا فعلا؛ لكن السوء والشر والزين والشين يوجد في مفعولات الله ـ أي: مخلوقاته ـ، أما أفعاله تعالى فكلها عدل وحكمة، فخلقه تعالى للأشياء المتضادة من الحسن والقبيح والنافع والضار، والملائكة والشياطين، والصحة والمرض، والموت والحياة، كل ذلك على وفق الحكمة، فله الحكمة البالغة في خلقه للأضداد. ومن حكمه ما بينه لنا تعالى، ومنها ما يظهر لنا بالتأمل والتدبر والتفكر، وما خفي علينا منها ـ وهو الأكثرـ فعلينا أن نفوض ذلك إلى علمه سبحانه، ونؤمن بأن له الحكمة البالغة، وتفاصيل ذلك لا تحيط به عقول العباد «وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمَاً» [طه: ١١٠] ، فلا نحيط بحكمته كما لا نحيط علما بمخلوقاته. وقوله: (قال تعالى: «لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ» [الأنبياء: ٢٣]). ختم الشيخ هذه العبارات المتعلقة بالقدر بهذه الجملة المقتبسة من القرآن: «لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ» [الأنبياء: ٢٣]، هذا مما وصف الله به

стр. 332

نفسه، وتقدم (١) أن كل نفي يوصف الله به؛ فلا بد أن يتضمن إثبات كمال، فلا يوصف تعالى بالنفي المحض الذي لا يتضمن ثبوت كمال؛ لأن النفي المحض ليس فيه مدح ولا كمال، فمما وصف الله به نفسه من النفي: أنه لا يُسأل عما يفعل، لا يتوجه إليه السؤال، وذلك لكمال حكمته، وليس هذا لقوته وقدرته وسلطانه، فمن كان معروفا بكمال الحكمة لا يقال: لِمَ فعلتَ كذا؟ ولِمَ كان منك كذا؟ لأنه حكيم، وأما العباد فإن أقوالهم وأفعالهم عرضة للنقص والخلل والعيب والانحراف فهم يُسألون عن أفعالهم في الدنيا بحكم الشرع، ويُسألون في الآخرة، قال تعالى: «فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ» [الحجر: ٩٢ - ٩٣]، وقال النبي ﷺ : (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما فَعلَ به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه) (٢). فالعباد يُسألون، أما الله تعالى فلا يُسأل، فلا يُقال: لِمَ فعلتَ؟ على وجه الاعتراض، أما السؤال لمزيد المعرفة فلا مانع منه كأن يقول الإنسان: ما الحكمة في كذا؟ لِمَ شرع الله كذا؟ ليعرف الحكمة لا على وجه الاعتراض على التشريع والتدبير. والملائكة لم يكن سؤالهم لربهم عندما قال : «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ» [البقرة: ٣٠] على وجه الاعتراض على تدبير الله، إنما تحيروا في معرفة الحكمة في خلق هذا المخلوق الذي يكون منه ما ذُكر من الإفساد وسفك الدماء.

стр. 333

[انتفاع الأموات بعمل الأحياء] وقوله: (وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات). أي: أن الأموات ينتفعون بدعاء الأحياء لهم بالمغفرة والرحمة ورفع الدرجات وتكفير السيئات، وكذلك ينتفعون بصدقات الأحياء عنهم، فإذا تصدق الولد عن والديه أو عن أحد من أقاربه؛ بل لو تصدق أجنبي عنه انتفع بذلك، وهذا من فضل الله على عباده أن جعل لمن يموت من المسلمين سببا في وصول الثواب والأجر لهم؛ لأنهم ينتفعون به في زيادة الأجور ورفع الدرجات وفي النجاة من العذاب، وقد شرع الله الدعاء للأموات وجوبا واستحبابا، فشرع الدعاء للميت وجوبا بالصلاة عليه بعد موته، فالصلاة على الميت فرض كفاية، وكذلك شُرع الدعاء للأموات عند زيارة القبور وعند دفن الميت، هذه كلها مواضع شرع الله فيها الدعاء لأموات المسلمين، والدعاء والاستغفار للمؤمنين والمؤمنات مشروع، للأحياء والأموات، قال تعالى: «وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ» [محمد: ١٩]، وفي دعاء الأنبياء: «رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ» [إبراهيم: ٤١] هذا دعاءُ إبراهيم، ونوح قال: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنَاً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ» [نوح: ٢٨]. وكذلك الصدقة، فقد ثبت في الصحيح أن سعد بن عبادة ﵁ توفيت أمه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، أينفعها شيء إنْ تصدقت به عنها؟ قال: نعم، قال: فإني أشهدك أنَّ حائطي الْمِخْرَافَ صدقةٌ عليها) (١).

стр. 334

واتفق أهل السنة على أن الأموات ينتفعون بدعاء الأحياء وبالصدقة عنهم، (١) سواء كان المال المنفَق عنه صدقة على فقير، أو قضاء دين عن معسر، أو الإنفاق على أعمال الخير؛ كتعليم القرآن. واقتصر الطحاوي على (دعاء الأحياء وصدقاتهم)؛ لأنه مذهب أبي حنيفة، أو أنه قصد ما اتفق عليه أهل السنة اتفاقا تاما. وكذلك الحج ـ أيضا ـ مما اتفق أهل السنة على وصول ثوابه إلى الميت وانتفاعه به؛ بل والحج عن الحي الْمَعْضُوب (٢) فقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس ﵄، قال: «جاءت امرأة من خَثْعَمَ عام حجة الوداع، قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة، فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ قال: نعم) (٣)، وفي الصحيح عنه ـ أيضا ـ ﵁: (أنَّ امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنتِ قاضيةً؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء» (٤). وعنه ـ أيضا ـ أن النبي ﷺ سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة، قال: مَن شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة) (٥).

стр. 335

وقال محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة: إنما يصل للميت ثواب النفقة، أما ثواب الحج فهو للحاج (١). وهذا خلاف ظاهر الأدلة؛ لأن قوله ﷺ للخثعمية حين قالت: فهل يقضي عنه أن أحج عنه، قال: «نعم»، وقوله ﷺ للجهنية: «حجي عنها»، وقوله ﷺ : «حج عن شبرمة» ظاهره الإطلاق، وصحة الحج عنه، وأن الثواب للمحجوج عنه. ثم بعد ذلك اختلف العلماء في سائر العبادات، كالصلاة والصيام وتلاوة القرآن والذكر، هل يصل ثوابها إلى الميت، إذا عملها الحي عنه؟ أكثر أهل العلم على أن هذه العبادات يصل ثوابها فينتفع بها الميت؛ بل توسع بعض أهل العلم، وقالوا: إن أي قربة يفعلها الإنسان عن الحي أو الميت؛ فإن ذلك يصل إليه، كما في نص زاد المستقنع: «وأيُّ قربةٍ فعلها وجعل ثوابها لميتٍ مسلم أو حي نفعه ذلك» (٢). وهذا توسع كبير. والذي يعنينا في هذا المقام انتفاع الأموات بسعي الأحياء، فأكثر العلماء على أن الأموات ينتفعون بهذه العبادات، فإذا صام أو صلى عن الميت ولو تطوعا، أو قرأ قرآنا، أو سبَّح وهلَّل وكبَّر، يريد أن يكون ذلك عن الميت؛ فإنه ينفعه ذلك، قياسا لهذه العبادات على ما وردت به النصوص، وهؤلاء لا فرق عندهم بين فرض ونفل أو نذر، فينتفع الميت بها جميعا. وفي هذا تفصيل؛ فأما الصيام فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) (٣). وهنا اختلف أهل العلم على مذاهب، فمنهم من قال: لا يُصام

стр. 336

عن الميت مطلقا، وإنما يُطعم عنه عملا بما صح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مُدا من حنطة) (١). وهذه النصوص ربما أجابوا عنها بالنسخ، ولا شك أن هذا الأثر لا يقاوم النصوص الصحيحة الصريحة، والمشهور عن الإمام أحمد: أنه يُصام عن الميت النذر خاصة، أما الفرض؛ كقضاءِ رمضان، والكفاراتِ؛ ككفارة القتل فلا تصام عن الميت، وإنما يُطعم عنه (٢) على ما جاء في أثر ابن عباس ﵄، ولكن الحديث لفظه عام: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه». وإذا كان سبب الحديث هو السؤال عن صوم النذر؛ فـ «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب». وأما الصلاة وتلاوة القرآن والذكر؛ فلم يرد فيها شيء، إنما عمدة من قال بوصول ثوابها وجواز فعلها عن الميت هو قياسها على ما ورد في النصوص من الحج والصيام. وأهل السنة في جملة هذه القضية طرفان ووسط؛ فمنهم من يرى جواز إهداء جميع القُرَبِ. والذي دلت عليه النصوص ليس إهداء الثواب؛ بل هو فعل العبادات عن الغير، وهذا لا بد فيه من نية فعل العبادة عن الغير عند ابتداء العمل؛ كالحج عن المغضوب والميت، كما نبه على ذلك ابن القيم (٣)، فليس الوارد أن الإنسان بعدما يحج يقول: اللهم اجعل ثواب

стр. 337

حجتي هذه لفلان، أو بعدما يتصدق يقول: اللهم اجعل ثواب هذه الصدقة لفلان، أو يصوم يوما ثم يقول: اللهم اجعل ثواب صومي هذا لفلان؛ بل من أصل العمل ينوي فعله عمَّن يريد الإحسان إليه. ثم إن العامل إذا عمل لا يعلم هل كُتِب له ثواب عند الله أو لا، فكيف يقول: اللهم اجعل ثواب هذا العمل لفلان؟! لكن الفقهاء لعلهم نظروا إلى أن المقصود من فعل العبادة عن الميت هو نفع الميت بما يترتب على ذلك من ثواب. ومنهم من قصر ذلك على الدعاء والصدقة والحج على خلاف. وأظهر هذه المذاهب هو الوقوف عند ما ورد، فنقول: ينتفع الميت بدعاء الحي، وهذا محل إجماع، وكذلك الصدقة والحج، ولاسيما الحج الواجب، هذا لا كلام في وصوله، وكذلك الصوم الواجب «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»، وكذا إذا نذر الإنسان عبادةً ثم أدركه الموت ولم يوصِ بما نذر؛ فإن الأدلة تدل على فعلها عنه كالدين؛ فالنذر دين والتزام من المكلف، وما سوى ذلك؛ فإن إلحاقه بما وردت فيه النصوص محل نظر واجتهاد. وفي مقابل مذهب أهل السنة والجماعة الذي قصد المؤلف التنبيه عليه، قول المبتدعة: إن الميت لا ينتفع بشيء من سعي الأحياء، حتى قيل عن بعضهم: لا ينتفع بشيء من سعي الأحياء ولا الدعاء. ولا شك أن هذا باطل ومن شبهاتهم استدلالهم بقوله : «وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى» [النجم: ٣٩]، وقوله : «وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» [يس: ٥٤] ونظائرها في القرآن كثير: «إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» [الطور: ١٦] أي: ما تجزون إلا ما كنتم تعملون، ومن أدلتهم قول ﷺ : (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) (١).

стр. 338

وأجيب عن استدلالات القائلين بعدم انتفاع الأموات بسعي الأحياء، أما الدعاء فمعلوم بالضرورة من دين الإسلام انتفاع الميت بالصلاة عليه، والمقصود من الصلاة على الميت هو الدعاء له، هذا ركنها الأعظم، وكذلك الدعاء لهم عند زيارة القبور (١)، وكذلك انتفاعهم بالصدقة كما تقدم (٢)، فقولهم مردود بهذه النصوص. وأما الآية: «وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى» [النجم: ٣٩] فأجيب عنها بأجوبة، قال شارح الطحاوية ابن أبي العز: إن أصحها جوابان: الأول: «أن الإنسان بسعيه وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء، وأولد الأولاد، ونكح الأزواج، وأسدى الخير وتودد إلى الناس، فترحموا عليه، ودعوا له، وأهدوا له ثواب الطاعات، فكان ذلك أثر سعيه، بل دخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى صاحبه، في حياته وبعد مماته» (٣). وأظهر من هذا هو الجواب الثاني: وهو أن المنفي في الآية هو ملك الإنسان لسعي غيره، فالإنسان لا يملك إلا عمله، «وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى» [النجم: ٣٩]، «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسَاً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ» [البقرة: ٢٨٦] فليس للإنسان إلا عمله، وليس له عمل غيره، ونفي استحقاق الإنسان لعمل غيره لا يستلزم نفي انتفاعه بعمل غيره إذا فعله عنه أو أهدى ثوابه له، كما يقال: ليس للإنسان إلا ماله، أما أموال الناس فليست له، ولا يلزم من نفي ملكه لمال غيره نفي الانتفاع به، فيمكن أن يهديه، أو أن يتصدق عليه، أو ينتفع به بوجه من الوجوه، فالانتفاع أعم من الملك، فلا يلزم من نفي الملك نفي

стр. 339

الانتفاع، وهذا جواب سديد قريب بيَّن (١)، كما دلت على ذلك هذه النصوص، الصدقة عن الميت، والصوم الواجب عن الميت، والحج عن الميت، والدعاء؛ بل وقضاء الدين، كما في حديث أبي قتادة ﵁ عندما ضمن الدين عن الميت؛ فبرئت ذمته، وصلى عليه النبي ﷺ (٢). وأما قوله تعالى: «وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» [يس: ٥٤] وأشباهها من القرآن فيقال فيها ما قيل في الآية التي قبلها: إن الإنسان لا يُجزى إلا بعمله، هذا الذي يستحقه بوعد الله، وهو لا ينفي أن ينتفع بعمل غيره إذا أهداه إليه، وتصدق به عليه. وأولى من هذا الجواب بالنسبة لهذه الآية: أن يقال: هذه الآيات إذا تأملنا القرآن نجد أن كل ما ورد فيه بهذا المعنى يختص بالجزاء على السيئات: «فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئَاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» [يس: ٥٤]، «فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» [الطور: ١٦] وهذا المعنى في القرآن كثير، فيكون موافقا لقوله سبحانه: «وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى» [الأنعام: ١٦٤]، فالإنسان لا يعاقب إلا بذنبه، لا يعاقب بذنب غيره. ومسألة انتفاع الأموات بسعي الأحياء ذكرها ابن القيم في كتابه «الروح» (٣) وبسط القول فيها، وذكر أقوال الناس، وما ذكره ابن أبي العز في شرح الطحاوية هو ملخص من ذلك الكتاب، وذهب ابن القيم، فيه إلى القول بانتفاع الأموات بسعي الأحياء مطلقا، وعلى هذا فمن أخذ بهذا عن اجتهاد، أو تقليد لمن يذهب إلى ذلك؛ فلا شيء عليه.

стр. 340

[إجابة الله لدعاء عباده] وقوله: (والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات). قوله: (ويقضي الحاجات) عطف هذا على ما قبله من عطف الخاص على العام، فاستجابة الدعوات أعم من قضاء الحاجات، قال الله تعالى: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ» [البقرة: ١٨٦]، وقال : «وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» [غافر: ٦٠]، وقال تعالى: «أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ» [النمل: ٦٢]، وأخبر أنه أجاب دعاء الأنبياء؛ كأيوب، قال تعالى: «فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ» [الأنبياء: ٨٤]، وذي النون، قال تعالى: «فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ» [الأنبياء: ٨٨]، وزكريا، قال تعالى: «فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى» [الأنبياء: ٩٠]، وهو يقضي الحاجات ؛ لأن الخير كله بيده، فمن كانت له حاجة؛ كشفاء مريض، أو تيسير عسير، أو زوال فقر، أو رد غائب، أو غيرها؛ فلينزلها بربه ولا ينزلها بالخلق، فقد جاء في أنس ﵁ عن النبي ﷺ : «ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأل شِسْعَ نَعْله إذا انقطع» (١). فلا تحقر الأمور الصغيرة وتجعل دعاءك فقط في الأمور الكبيرة؛

стр. 341

لكن قل: «اللهم أصلح لي شأني كله»، فينبغي على المسلم أن يدعو ربه بقلبه ولسانه، ويعتمد في قضاء حوائجه عليه، ولا يعتمد على الأسباب؛ بل يعتمد على ربه ويدعوه، فالدعاء أعظم الأسباب؛ لأنه التجاءٌ إلى الله في جلب المنافع ودفع المضار، فهو ينفع في رفع البلاء وفي دفعه، وهذا ديدن الخلق كلهم، حتى الكفار يدعون الله، كما أخبر سبحانه عنهم، لاسيما في الشدة: «فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» [العنكبوت: ٦٥]، ومتى وقع المخلوق في ضرورة؛ فإنه لا بد أن يلجأ إلى الله، إلا من فسدت فطرته واستحكم فسادها؛ فإنه تنقطع صلته بربه. وذكر الشارح ابن أبي العز عن ابن عقيل: «أن الله نَدَبَ إلى الدعاء، وفي ذلك معانٍ: أحدها: الوجود، فإن من ليس بموجود لا يدعى. الثاني: الغنى، فإن الفقير لا يدعى. الثالث: السمع؛ فإن الأصم لا يدعى. الرابع: الكرم؛ فإن البخيل لا يدعى. الخامس: الرحمة؛ فإن القاسي لا يدعى. السادس: القدرة؛ فإن العاجز لا يدعى» (١). فكلها تدخل في الإيمان بالله، فدعاء العبد لربه يتضمن الإيمان بأنه سميع قدير غني كريم رحيم، فينبغي للداعي أن يستحضر هذا. والدعاء كغيره من الأسباب لا بد لحصول أثره من توافر الشروط وانتفاء الموانع؛ فإن كل الأسباب الكونية والشرعية يتوقف أثرها على وجود الشروط وانتفاء الموانع. فلا بد في الدعاء من الإيمان بالله والإخلاص له، والتوكل عليه ، بحيث يدعو الإنسان وهو موقن بالإجابة طامع في فضل الله.

стр. 342

ومن موانع الإجابة ما جاء في الحديث عن النبي ﷺ : «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء». (١)، وما جاء في مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه «ذكر الرجلَ يطيل السفر أشْعَثَ أغَبَرَ يمدُ يديه إلى السماء: يا ربُّ يا ربُّ، ومطعمه حرامٌ، ومشربه حرامٌ، وملبسه حرامٌ، وغُذِيَ بالحرام فأنى يستجاب لذلك» (٢) ومن الموانع كذلك الاعتداء، قال تعالى: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]، وفي الحديث: أن عبد الله بن مغفل ﵁ سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: أيْ بُنَيَّ سلِ اللهَ الجنةَ، وتعوذ به من النار؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء» (٣). وفي الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا: إذًا نُكْثِر، قال: الله أكثر» (٤). فإجابة الدعاء أعم من قضاء الحاجة، فلا يلزم من عدم حصول المطلوب أن الله لم يجب دعاءك، فتقول: إن الله لم يستجب لي! وما

стр. 343

يدريك؟ لعل الله أعطاك إحدى هذه الثلاث، ومن أجل ذلك قلتُ: إن قوله: (ويقضي الحاجات) أخصُ من قوله: (والله تعالى يجيب الدعوات). ومن المبتدعة من قال: إن الدعاء إنما شُرع تعبدا فقط، وليس له أثر في حصول المطلوب؛ لأن المطلوب إن كان مقدرا وسيحصل؛ فلا حاجة إلى الدعاء، وإن كان لم يقدر؛ فلا فائدة في الدعاء؛ لأنه لن يحصل سواءً دعوت أم لم تدعُ! فيقال لهم: هناك قسم ثالث، وهو: ما قدر الله حصوله بالدعاء، فما قدر الله حصوله بسبب لن يحصل إلا بهذا السبب، وهذه الشبهة طردها أن يقال لهم: قولوا مثل هذا في سائر الأسباب، فيقال لمن حرث وأراد الزرع والثمر: حرثك وزرعك هذا لا فائدة منه؛ فإن كان الثمر قد قدره الله فستحصل لك بدون عملك هذا، وإن لم يقدر لك فلا فائدة في عملك! وهكذا يقال في لمن سعى لطلب الرزق: الرزق الذي تسعى إليه إن كان مكتوبا لك فسيحصل ولو لم تسعَ، وإن كان غير مقدر؛ فلا فائدة في سعيك، ولا أثر له! وهذه الشبهة تقتضي تعطيل الأسباب الشرعية والكونية، وهذا معلوم الفساد؛ فإن الله قد فطر العباد على فعل الأسباب وعلى رجاء أثرها،، فالمذموم هو الاعتماد على الأسباب، كما قال بعضهم: «الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع» (١)، فالأسباب خلقها الله وقدرها وشرعها وجعلها مؤثرة في

стр. 344

حصول أسبابها، ولكن كل ذلك مرده إلى قدرة الله ومشيئته وتقديره وتدبيره. والآيات والأحاديث في الترغيب في الدعاء كثيرة معلومة، فالله تعالى ندب عباده إلى الدعاء ورغبهم فيه؛ لأن حوائج العباد كلها لديه، فبيده الملك وبيده الخير، وهو المعطي المانع، فلا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، وقد ضمن الله الإجابة لكل من دعا «وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» [غافر: ٦٠] وعد والله لا يخلف الميعاد. وقوله: (ويملك كل شيء، ولا يملكه شيء، ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين، ومن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر وصار من أهل الحين). هذا معطوف على ما قبله، والله له الملك كله، فله ما في السموات وما في الأرض وما بينهما: «قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ» [آل عمران: ٢٦] وكل العوالم في قبضته: «تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ» [الملك: ١] فهو المتصرف في هذا الوجود، وهو خالق كل شيء، وهو المدبر لكل شيء، ومن أسمائه الملك، أي: الذي له الملك، فهو ملك الناس، وهو ملك الأملاك، وهذا كله داخل في توحيد الربوبية، فتوحيد الربوبية يتضمن أنه خالق كل شيء ومليكه: «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» [يس: ٨٢ - ٨٣]، «قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ» [المؤمنون: ٨٨ - ٨٩]. وقوله: (ولا يملكه شيء) فهو المالك وغيره مملوك، وهو مالك الدنيا والآخرة: «وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى» [الليل: ١٣] وكلهم عبيده ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] والعبد المملوك لا يكون مالكا لسيده، ولا شريكا له: «ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ» [الروم: ٢٨] لكن يكون مالكا لما يُمَلِّكُه

стр. 345

سيده، والله تعالى يُمَلِّكُ من شاء ما شاء كما يُمَلِّك العباد ما يعطيهم من الأرزاق يقول : «قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ» [آل عمران: ٢٦] وقوله: (ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين). لا غنى لأحد عن الله طرفة عين، فالخلق كلهم فقراء مفتقرون إلى الله افتقارا ذاتيا، فليس لشيء من ذاته إلا العدم، فالافتقار صفة ذاتية للمخلوق، فالخلق فقراء إلى الله في كل لحظة، ولا يستغني أحد عن الله طرفة عين، بل هم دائما وأبدا مفتقرون إلى الله في وجودهم، وفي كل شؤونهم «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ» [فاطر: ١٥] ومن تحقيق الإيمانِ بربوبيته الإيمانُ بغناه عن كل ما سواه، وبفقر كل ما سواه إليه، فهو تعالى الغني بذاته عن كل ما سواه وكل شيء فقير إليه، مفتقر إليه، فلا غنى لله طرفة عين. وقوله: (ومَن استغنى عن الله طرفة عين، فقد كفر وصار من أهل الحَين). في الواقع لا يمكن لأحد أن يستغني عن الله طرفة عين، لكن الاستغناء الذي يقع من بعض الخلق هو استغناء شعوري كما يحصل من أهل الكفر، فالكافر والغافل هو الذي يمكن أن يستشعر في ذهنه أنه مستغن عن الله، وهو في الواقع غير مستغن، لكن هذا الاستغناء هو بحسب ما يتخيله، وهذا من طغيان العبد وجهله واغتراره بنفسه «كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى» [العلق: ٦ - ٧] إذا رأى نفسه غنيا بما أوتي أوجب له ذلك الطغيان والغرور، كما حصل من قارون، ولهذا من يصاب بهذا الداء لا يلجأ إلى الله ولا يتوجه إليه ولا يعترف بربوبيته؛ بل ينظر إلى ما هو عليه، وما أوتي من قوة وأسباب وحيلة. ومن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر وصار من أهل الحين، أي: من أهل الهلاك.

стр. 346

[إثبات الغضب والرضا لله تعالى] وقوله: (والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى) يثبت المؤلف ﵀ صفتي الغضب والرضى لله سبحانه كما أخبر تعالى عن نفسه، فقال : «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا» [النساء: ٩٣]، وقال : «وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا» [الفتح: ٦]، قال في اليهود: «فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ» [البقرة: ٩٠] وقال ﷺ : (اشتد غضبُ الله على قومٌ فعلوا بنبيه ـ يشير إلى رَبَاعِيَتِه ـ اشتد غضبُ الله على رجلٍ يقتُله رسولُ الله في سبيلِ الله) (١)، وقال ﷺ : (من حلف على يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بها مالَ امرئٍ مسلمٍ هو فيها فاجرٌ لقي الله وهو عليه غضبان) (٢) في حديث الشفاعة في الصحيحين أنَّ آدمَ نوحًا وإبراهيمَ وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام قال كل واحد منهم: (إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضبْ قبلَه مثلَه، ولنْ يغضبَ بعده مثلَه) (٣). وكذلك وصف الله تعالى نفسه بالرضا في آيات كثيرة، فقال : «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ» [المائدة: ١١٩]، وقال : «وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ

стр. 347

ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا» [النساء: ١١٤]، وقال: «ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ» [محمد: ٢٨]، وقال: «وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» [التوبة: ٧٢]، وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: (أُحِلُ عليكم رِضْواني فلا أسْخَطُ عليكم بعده أبدًا) (١). فدلت هذه النصوص من الكتاب والسنة على أنه تعالى يغضب ويرضى، كيف شاء، ورضاه وغضبه ليس كرضا المخلوق وغضب المخلوق، كما هي القاعدة المطردة في صفاته فهو تعالى يحب ويرضى ويسخط ويغضب، والمخلوق يوصف بهذه الصفات وليست صفاته تعالى كصفات المخلوق، ولا صفات المخلوق كصفاته، وهذا معنى قول الطحاوي: (لا كأحد من الورى) أي: الخلق، على حد قوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ» [الشورى: ١١] فقوله: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» [الشورى: ١١] رد للتشبيه والتمثيل، وقوله: «وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ» [الشورى: ١١] رد للإلحاد والتعطيل، فليس سمعه كسمع المخلوق، ولا بصره كبصر المخلوق، ولا حبه كحبه، ولا سخطه كسخطه، ولا غضبه كغضبه، وأهل السنة والجماعة يثبتون الغضب والرضى لله تعالى، ويقولون: إنهما من صفاته الفعلية التابعة لمشيئته؛ فإنه يغضب إذا شاء على من شاء، ويرضى إذا شاء عمَّن شاء. وخالف في ذلك المعطلة كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة (٢) فنفوا حقيقة الغضب والرضى عن الله، وقالوا: إن إثبات هذه الصفات لله يستلزم التشبيه؛ لأنهم يفسرون الغضب: بأنه غليان دم القلب طلبا للانتقام، أو نحوه، ومن أجل ذلك نفوا حقيقة المحبة وحقيقة الرضا، وحقيقة الغضب والسخط والكراهة.

стр. 348

ثم منهم من فسر هذه الأمور بأشياء مخلوقة؛ ففسر المحبة والرضا بالنعم المخلوقة، وفسر الغضب والسخط والكراهة بالعقوبات التي ينزلها الله بالعصاة. ومنهم من فسرها بالإرادة مثل الأشاعرة فسروا المحبة والرضا بإرادة الإنعام، والغضب والسخط والكراهة بإرادة الانتقام؛ لأن الإرادة مما يثبتونه من الصفات السبع. أما أهل السنة والجماعة؛ فإنهم يثبتون هذه الصفات على حقيقتها لله تعالى على ما يليق به سبحانه، على الوجه الذي لا يماثل فيه صفات المخلوقين. ومن الطوائف من أثبت الغضب والرضى لله تعالى، لكن قال: إنها صفات ذاتية قديمة لا تتعلق بها المشيئة كما ذهب إلى ذلك الكلابية، فقالوا: إنه تعالى يغضب ويرضى، لكن غضبه ورضاه لازمان لذاته؛ كحياته وعلمه، ولا يتعلقان بمشيئته. وهذا باطل؛ بل هو تعالى يغضب ويرضى بمشيئته، ولغضبه ورضاه أسباب يحدثها . وفي الحديثين السابقين: حديث الشفاعة: (إنَّ ربي غَضِب اليوم غضبا) رد عليهم؛ فهذا الحديث نص على أن هذا الغضب إنما كان في ذلك اليوم. وحديث أبي سعيد ﵁، وقول الله تعالى لأهل الجنة: (أُحِلُ عليكم رِضْواني فلا أسْخَطُ عليكم بعده أبدًا) دليل على أنه تعالى يحل رضوانه في ذلك الوقت، وأنه قد يحل رضوانه ثم يسخط، كما أنه تعالى يسخط ثم يرضى على من شاء من عباده. وينبغي أن يعلم أنه لا تلازم بين محبته ورضاه، أو غضبه وسخطه تعالى وبين مشيئته، فليس كل ما شاءه الله يكون محبوبا له كما تزعم الجبرية؛ فعندهم: أن كل ما شاءه فقد أحبه، وكل شيء يجري بمشيئة الله؛ إذًا فكل شيء محبوب له!

стр. 349

وقابلهم القدريةُ نفاةُ القدر فقالوا: إن ما أحبه الله فقد شاءه، وما لا يحبه فلم يَشَأْهُ، فعندهم: أن كل ما أمر الله به من الإيمان والطاعة فقد شاءه، وكل ما نهى عنه وأبغضه من الكفر والمعاصي؛ فإنه لا يشاؤه. فسوت الطائفتين بين المشيئة والمحبة، فالجبرية أثبتوا المشيئة على حقيقتها وجعلوا المحبة لازمة له، والمعتزلة أثبتوا المحبة، وجعلوها بمعنى المشيئة. وأما أهل السنة والجماعة فقالوا: لا تلازم بين المحبة والمشيئة؛ فإن الله يشاء ما لا يحب، فما يقع في الوجود من الأمور المسخوطة كالكفر والمعاصي؛ فإنه واقع بمشيئته وليست محبوبة له، وقد يحب سبحانه ما لا يشاء كالإيمان والطاعة ممن لم يوفقه لذلك، ولم يشأْه منه. فتجتمع المحبة والمشيئة: في إيمان المؤمنِ وطاعة المطيعِ، فإيمانُ المؤمن وطاعةُ المطيع اجتمع فيهما المشيئة والإرادة، فهي واقعة بمشيئته ، وهي محبوبة له. وتنفرد المشيئة في كفر الكافر ومعصية العاصي، فهي واقعة بالمشيئة وليس ذلك محبوبا له تعالى. وتفرد الإرادة الشرعية في ما لم يقع من الإيمان والطاعة، كما تقدم ذلك مفصلا (١).

стр. 350

[منهج أهل السنة في الصحابة] وقوله (ونحبُ أصحابَ رسولِ الله ﷺ ، ولا نُفْرِطُ في حب أحد منهم، ولا نتبرأُ من أحد منهم، ونبغِضُ من يبغِضُهم، وبغيرِ الخيرِ يذكرُهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبُهم دينٌ وإيمان وإحسان، وبغضُهم كفرٌ ونفاق وطغيان). نحن أهل السنة نحب أصحاب رسول الله ﷺ ، والصحابي هو: «من لقي النبي ﷺ مؤمنا به، ومات على الإسلام» (١)، هذا هو أحسن ما ضبط به الصحابي. وعلى هذا فالصحابة متفاوتون في صحبتهم للنبي ﷺ ، وأعظمهم حظا من هذه الصحبة هو أبو بكر الصديق ﵁، وهو الذي جاء النص في القرآن على صحبته «إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا» [التوبة: ٤٠]. وهذا الحب للصحابة هو ثمرة الإيمان بفضلهم، وأنهم خير الناس، وقد جاءت النصوص من الكتاب والسنة في الدالة على فضلهم، يقول الله تعالى عنهم: «وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» [التوبة: ١٠٠]، وقال : «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ» [الأنفال: ٧٢] إلى قوله: «أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ» [الأنفال: ٧٤]، ومن ذلك قوله : «لَقَدْ

стр. 351

رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا» [الفتح: ١٨]، وقال تعالى: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا» [الفتح: ٢٩] إلى آخر السورة، ومن السنة ما جاء في الحديث الصحيح عن الرسول ﷺ : (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم) (١) وفي الحديث الآخر: (خيرُ أمتي القرن الذي بُعِثتُ فيه) (٢) وهم أصحاب الرسول ﷺ ، وقال ﷺ : (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) (٣). ومن ذلك قوله ﷺ : (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) (٤) ومن ذلك قوله ﷺ في أهل بيعة الرضوان: (لا يدخلُ النارَ أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة) (٥) وجاءت نصوص تدل على فضلِ أعيان منهم؛ كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وبقية العشرة المبشرين بالجنة، والحسن والحسين، وثابت بن قيس بن شمَّاس (٦)، وعكاشة بن محصن (٧)، وغيرهم. فالأدلة على فضلهم منها ما هو عام في جنس الصحابة، ومنها ما هو أخص من ذلك، ومن الأدلة على فضلهم وتفاضلهم قوله : «لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا» [الحديد: ١٠]، والمراد بالفتح: صلح الحديبية الذي عقده

стр. 352

الرسول ﷺ مع المشركين بمكة في السنة السادسة من الهجرة، سماه الله فتحا؛ لأن هذا الصلح صارت عاقبته خيرا للإسلام وأهله (١). وفيها تصريح بنفي التساوي، «لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ» ثم تصريح بالتفوق والفضل، «أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا» وهم من أسلم بعد صلح الحديبية، والذين أسلموا بعد الصلح وقبل فتح مكة أفضل ممن أسلم يوم فتح مكة، وهم المعروفون بالطلقاء. وأحسن ما قيل في بيان المراد بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، الذين ذكرهم بقوله تعالى: «وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ» [التوبة: ١٠٠]: إنهم الذين أنفقوا وقاتلوا قبل صلح الحديبية، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم؛ وصلح الحديبية حد فاصل بين مرحلتين، ونوعين من المسلمين (٢). وقيل: المراد بالسابقين هم من صلى إلى القبلتين (٣)، وهذا قول ضعيف؛ لأنه لا دليل على تخصيص من صلى إلى القبلتين، ثم كل من صلى إلى القبلة المشروعة فقد أطاع الله، لكن من قال ذلك لاحظ أنَّ من صلى إلى القبلتين لابد أن يكون متقدم الإسلام. ولكن هذا يخرج من مات قبل نسخ القبلة الأولى، وهو من السابقين قطعا، ويخرج من أسلم بعد نسخ استقبال بيت المقدس، ونسخ الاستقبال كان في السنة الثانية، فإنه قد ثبت أن النبي ﷺ بعدما هاجر «صلى إلى بيتِ المقدسِ ستةَ عشر أو سبعةَ عشر شهرا» (٤). فهذا لا يصلح ضابطا للسبق. وقد اختلف الناس في أصحاب الرسول ﷺ إلى ثلاث طوائف

стр. 353

طرفان ووسط، فغلا فيهم أو في بعضهم قوم، وجفا فيهم آخرون، وتوسط فيهم أهل السنة والجماعة، فأهل السنة وسط في أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة والخوارج؛ فالخوارج والنواصب مع الروافض على طرفي نقيض، فالروافض يبغضون أصحاب رسول الله ﷺ ، ويسبونهم ويخصون أبا بكر وعمر بمزيد من السب، ويغلظون فيه، فيبغضون الصحابة عموما، ولا يستثنون منهم إلا القليل، وفي المقابل يغلون في أهل البيت، ولاسيما في علي وذريته من فاطمة ﵃، فمن الروافض من يكفر الصحابة، ومنهم من يفسقهم، فجمعوا بين ضلالتين: ظلاله العداوة والبغضاء لجمهور الصحابة، وظلاله التعصب والغلو في آل البيت. وأما الخوارج فضلالهم في أصحاب الرسول ﷺ حيث كفروا عليًا وعثمان وأصحاب الجمل وأهل التحكيم، فنصبوا العداوة لأفضلَ أهلِ بيتِ الرسولِ ﷺ عليِّ ﵁، وكذلك من تبعهم من النواصب الذين يؤذون أهل البيت ويسبونهم بدوافع سياسية. وأهل السنة والجماعة بين ذلك يحبون أصحاب الرسول ﷺ ، ويتولونهم جميعا، وينزلونهم منازلهم، ويعرفون لكل فضله عموما وخصوصا، ويتبرؤون من ضلالة الروافض، والخوارج، والنواصب. فأهل السنة والجماعة وسط بين الفرق في جميع مسائل الدين، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية، فقال: «هم الوسط في فِرَق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم. فهم وسط في باب صفات الله ، بين أهل التعطيل الجهمية، وبين أهل التمثيل المشبهة. وهم وسط في باب أفعال الله بين القدرية، والجبرية. وفي باب وعيد الله بين المرجئة وبين الوعيدية: من القدرية وغيرهم.

стр. 354

وفي باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية. وفي أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض وبين الخوارج» (١). والطحاوي ﵀ أتى بالعبارات المتضمنة لمعتقد ومنهج أهل السنة والجماعة في أصحاب رسول الله ﷺ ، حيث قال: (ونحبُ أصحاب رسول الله ﷺ ) وحب الصحابة ﵃، هو من الحب في الله، والحب في الله واجب لكل المسلمين؛ فكل من آمن بالله ورسوله تجب محبته على قدر ما يعرف به من الإيمان والتقوى والعمل الصالح، وأحق الناس من ذلك الواجب هم أصحاب الرسول ﷺ ؛ لما خصهم الله به من فضيلة صحبتهم للرسول ﷺ التي لا يشركهم فيها أحد ممن جاء بعدهم. وقوله: (ولا نُفْرِطُ في حب أحد منهم) الإفراط: الغلو وتجاوز الحد، والواجبُ الاعتدال والتوسط، بعدم الإفراط والتفريط، فكل انحراف؛ فإنه يعود إلى أحد الأمرين: إما انحراف بإفراط وتجاوز وغلو، أو تفريط وتقصير وجفاء، وكلهما انحراف عن الصراط، والحق ما وافق الصراط المستقيم. وقوله: (ولا نتبرأُ من أحد منهم) ولا نتبرأ من أحد منهم كما تفعل الروافض أو الخوارج؛ بل نواليهم جميعا، وعند الرافضة مقولة: «لا ولاء إلا ببراء» فلا يكون الإنسان عندهم مواليا لأهل بيت الرسول إلا إذا تبرأ من أبي بكر وعمر، فعندهم أن من والى أبا بكر وعمر؛ فقد أبغض عليا، ومن أبغض عليا فهو ناصبي. نعم من أبغض عليا فهو ناصبي هذا صحيح، لكن زعمهم: أن من والى أبا بكر وعمر فقد أبغض عليا هذا عين الباطل؛ بل أهل السنة

стр. 355

يوالون الصحابة عموما، ويعرفون لهم فضلهم، وينزلونهم منازلهم، فلا يتبرؤون من أحد منهم. والتبري يتضمن: التخلي عنهم، وكراهتهم ومعاداتهم. وقوله: (ونبغِضُ من يبغِضُهم). هذا تأكيد لقوله: (نحب أصحاب رسول الله، ولا نفرط في حب أحد منهم)، فلا نُفْرِط في حب أحد منهم خلافا للرافضة، ولا نبغض أحدا منهم خلافا للخوارج والروافض والنواصب؛ بل لا بد أن نبغض من يبغضهم، فيجب بغض الرافضة والخوارج لضلالاتهم وبدعهم وبغضهم أصحاب الرسول ﷺ . وقوله: (وبغير الخير يذكرهم) كما تفعل الرافضة؛ فإنهم يذكرون الصحابةَ بالسبِ والذم واللعن والتنقص وأنواع الطعن، وكما تفعل الخوراج بتكفيرهم. لكن أشقى الناس في هذا هم الرافضة، فهم شر طوائف الأمة على الإطلاق، فجمعوا إلى أصولهم الكفرية البدعية بعض أصول الطوائف الأخرى، فدخل عليهم مذهب الاعتزال فصاروا رافضة ومعتزلة في آن واحد، وهم الأصل في نشوء الغلو في القبور في هذه الأمة، فهم أصحاب بناء المشاهد والقباب على القبور على معظميهم ممن يعدونهم في أئمتهم أو في عظمائهم، فدينهم يقوم على الشرك، والغلو. وقوله: (ولا نذكرهم إلا بخير). فنذكرهم بصحبتهم للرسول ﷺ ، وفضائلهم، وأعمالهم الصالحة، كالهجرة، والنصرة، ويدخل في ذلك الكف عن مساويهم، وما وقع بينهم مما هو من لوازم البشرية، سواء كان اختلافا جماعيا كما حصل في عهد علي ﵁، أو كان خلافا فرديا، كالذي حدث بين خالد بن الوليد ﵁ وبين عبد الرحمن بن عوف ﵁ فقد كان بينهم شيء؛ فسبَّ خالدٌ
следующие страницы →