يسند بالدليل الواضح الجلي من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة، فإنه أدعى للقبول، إذ إن الدليل يطمئن النفس ويربح الصدر، ويجعل القبول سهلا يسيرًا، والإقناع ممكنا ما دام هذا القول يوافق الدليل والبرهان، أما إذا كان حديث الداعية، وكلامه خاليًا من الدليل مجردًا من الواقعية يغلب عليه الحشو والعبارات الجوفاء المنمقة، فلا تدخل إلى القلب ولا تؤثر في نفوس المستمعين ولا الحاضرين؛ لأن الناس دائما يطالبون المتكلم بالدليل الساطع "من قال الله قال رسوله قال ألوا العلم والعرفان"، وباختصار "الكلام بدون دليل كالطعام بدون ملح"، فليتفطن الداعية لهذا، وليأخذه بالحسبان ولا يغفله أو يغفل عنه أثناء حديثه مع الناس سواء كان هذا الحديث جماعيًّا، أو فرديًّا خاصًّا أو عاما سرا أو علانية فإنه أدعى للقبول والانقياد، إذ إن الحديث في الوعظ والمحاضرات والندوات، وخطب الجمع والعيدين وغيرها إذا لم يتوج بالدليل من الكتاب والسنة، فإنه يكون حافًّا جافًّا لا خير ولا ثمرة، فكثير ما نسمع الكلام الطويل المنمق، والعبارات المعسولة الفصيحة والجمل البليغة الرنانة الخالية من الدليل أثناء الخطب، والمواعظ لا تعد أن تكون مجرد حشو للكلام، وصف للعبارات لا يستفيد منها أحد، ولا تدخل إلى أعماق القلوب، فيا أيها الداعية إلى الله يا من تبذل وقتك، وجهدك بل وحياتك وأغلى ما عندك في سبيل دعوتك، ومنهجك المستمد من السماء أسند قولك بالدليل دائمًا، ولا تترك مجالًا للشك والريب، وعدم الوضوح عند الناس، فيبقى الناس في شك وريبة من أمرهم ولا يقتنعون بما تقول ولا بما تدعو إليه، فإن الدليل مريح للقلب مريح للنفس يجعل قبول الموعظة سهلًا فلا تدع أقوالك
стр. 107
وكتاباتك دون دليل شرعي، واحذر الأجلة الضعيفة أو المكذوبة، فإنها تفسد عليك كلامك، أو مقالتك أو كتابتك فالزم الدليل في جميع ذلك كله تجد الثمرة، والقبول والأجر والثواب عند الله .
стр. 108
٧- ابدأ مع الناس بالأهم قبل المهم:
عند ما يريد الداعية الحديث إلى الناس، فإنه يحتاج إلى أن يقف قليلا ويتأمل، ويفكر كثيرًا فيما يبدأ به وما هو الأهم، وما هي المواضيع التي يجب أن يبدأ بها، ولكثرة المواضيع وحاجة الناس إلى معظمها، فإنه فعلا يحتار ويبدأ يوازن ويعيد حساباته، ثم يرى موضوعًا مهمًّا في نظره فيبدأ به، وإن كان هذا الموضوع غير مهم في نظر غيره، فالداعية هو بماثبة الطبيب الذي يصف الدواء بعد تشخيص الداء، فإن بعض الموضوعات قد يكون مهمًّا عند غير الداعية، فبعض الناس قد يرى ما لا يرى الداعة بالنسبة للأهمية، والحاجة الماسة إلى موضوع "ما" من بين الموضوعات الكثيرة والمحيرة فعلا، عند هذا التوافق وكثرة الموضوعات الهامة والمحيرة بأيها يبدأ الداعية، فإن هناك معايير ومقاييس يجب مراعاتها والرجوع إليها مثل:
١- التأمل في حاجة البلد إذ تختلف عن البلد الآخر.
٢- المعاصي والبدع المنتشرة.
٣- الظواهر غير الطبيعة في البلد.
وباختصار أقول: إذا اجتمع عند الداعية عدة مواضيع فعليه أن ينتقي الأهم، وما تدعو له الحاجة وما يتطلبه البلد من هذه الموضوعات، ولكن الجامع لهذا كله هو التركيز دائمًا على تقوية الإيمان وترسيخ العقيدة والعبادات، والسيرة النبوية، وسيرة الصحابة والعلماء الأبرار، والأحاديث وشرحها والآداب والأخلاق، وكذلك -وهو الأهم- القرآن
стр. 109
الكريم وعلومه، فهو الجامع لما تقدم، فالبلد الذي تنتشر فيه البدع من تعظيم القبور وكثرة الأضرحة المعظمة، والتي تقصد ببعض العبادات كطلب الشفاعة والشفاء وغير ذلك، فهنا الأولى أن يبدأ الداعية بترسيخ العقيدة من جميع جوانبها، والتحذير من الشرك بجميع أنواعه وأشكاله، وبيان خطره على الفرد والمجتمع والدول، ثم بعد ذلك يواصل العمل في الدعوة في الموضوعات الأخرى متدرجًا بالأهم قبل المهم، وبإمكان الداعية أن يجمع بين الأبواب المذكورة بأسلوبه الواضح يشبع الموضوع بحثا وبيانًا من جميع جوانبه، ويبدأ بما تدعو إليه الحاجة وما تقتضيه المصلحة، لكن ينبغي للداعية أن يبدأ بالأهم قبل المهم، وخاصة قضايا العقيدة وترسيخ الإيمان، ففي الصحيحين من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال لما أرسل معاذًا إلى اليمن: "إنك تقدم قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقراءهم، وإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" ١، ففي هذا الحديث التدرج في الدعوة وعمومها، وأن المسلم يجب عليه معرفة أمور دينه عن طريق الداعية المحتسب الذي يستطيع توصيل العمل النافع إلى كل الناس، فأنت أيها الداعية الكريم كقائد السفينة، فلا تدع السفينة تغرق وأنت فيه، بل أنت من ربانها، فلا بد أن تلتمس الطرق والسبل التي تجعلك تنجو، وتنجي غيرك بإذن الله من الغرق في أوحال المعاصي
стр. 110
وأعماق البحار المظلمة المخيفة، فاعمل على النجاة من عذاب الله ، فالنجاة إذًا تكون باختيار الموضوع المناسب وتحضيره، ووضع عناصر له مرتبة ومنسقة واجب من واجبات الداعية، والبدء بالموضوعات الأهم ثم التدرج بعد ذلك، وليس أدل على ذلك من حديث مبعوث الدعوة إلى اليمن معاذ بن جبل ﵁، وقد رسم له رسول الله ﷺ هذا المنهج في الدعوة، حين قال له: "إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله....". الحديث تقدم فالمطلوب من الداعية أن يبدأ مع الناس بالأهم قبل المهم، فإنه أدعى لقبول الفائدة وسرعة الانقياد.
стр. 111
٨- عبرة وعظة:
وفي قصصهم عبرة، لا شك أن إيراد القصص بين فترة وأخرى مما يريح المستمع، ويجعله يتابع ولا يمل، وخاصة إذا كانت القصة تعبر عن الموضوع الذي يتحدث فيه الداعية، إذا كان واعظًا أو خطيبًا، والقرآن الكريم قد اهتم بإيراد القصص، وضرب الأمثال في غير ما موضع من القرآن الكريم، كما أن السنة المطهرة أبرزت هذا الموضوع في كثير من الأحاديث النبوية فكان فيها العبرة، والعظة التي لا تنسى، وإيراد القصة هي بمثابة التجربة في العمل، فنجد الطالب لو نسي كل شيء وغالبا ما ينسى، فإنه لا ينسى التجربة التي أجريت في المعمل أمامه، والقصص في القرآن الكريم كثيرة، وكثيرة جدًّا لا يمكن حصرها ولا الإحاطة بها في هذه العجالة، لكني أشير إلى بعض منها: مثل قصة يوسف وهي من أحسن القصص، وقصص بني إسرائيل مع أنبيائهم، وما أكثرها في القرآن الكريم، قصص الأنبياء مع أممهم، قصص بعض الصالحين، كالخضر، وشعيب، وذي القرنين، ولقمان وغيرهم كثير مما هو مذكور، ومبسوط في كتب التفاسير والسير وغيرهما، مليئة بمثل هذه القصص والأمثال، يحسن الرجوع إليها في مواضعها، واستخلاص العبر والدروس منها، والداعية بحاجة إلى تحريك الشعور ولفت انتباه المستمع، وإزالة الكسل والخمول الذي كثيرًا ما يعتري السامع وخاصة إذا طال الحديث، أو كان عميقا يحتاج إلى تفكير وتجميع واستيعاب، فإن الداعية والحالة هذه يجدر به أن يربط حديثه ببعض القصص القصيرة العبرة المثيرة للشعور المحركة
стр. 112
للوجدان، مع تضمين الكلام ببعض الحكم، والأمثال الدارجة التي توضح المعنى وتزيل اللبس، فإن الداعية اللبيب هو الذي يستطيع بما آتاه الله من العلم الشرعي جذب قلوب الحاضرين والمستمعين إليه، بما يقدمه من علم نافع، وأمثال من الواقع وقصص معبرة وحكم نافعة، وعلم مصوغ بصياغة سهلة وواضحة، بهذا يكون قد جمع على مائدته طبقا منوعا ومشكلًا ومشوقًا، قد جمع فيه من الحكم والأمثال، والقصص المعبرة عن الواقع، فإن المائدة لا تكون شهية إلا بتنوعها وترتيبها وتنظيمها، فمائدة الداعية ينبغي أن تحوي بين جناباتها أصنافًا وألوانًا من الغذاء النافع المفيد للروح، وهو لا بد منه للإنسان إذ إن الروح، والجسد يحتاجان إلى غذاء، وغذاء الروح لا يوجد إلا عندك أيها الداعية اللبيب، فلا تبخل به على إخوانك، فإنه مهم جدًّا ولازم لكل إنسان حتى يكون التوازن، والتكامل بين الجسد والروح، فاحرص وفقك الله على أن يكون موضوع حديثك متضمنًا لما يشفي ويغني فيكون صيبًا نافعًا.
стр. 113
الفصل الرابع: علاقة الداعية بمسئوليه
التغير بالتي هي أحسن
...
الفصل الرابع: علاقة الداعية بمسئوليه:
١- التغيير بالتي هي أحسن:
قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ١، ففي هذه الآية أمر الله نبيه ﵊ بالقيام بالدعوة بعدة طرق كما هو واضح من الآية الكريمة حيث أشارت الآية إلى ثلاث طرق وهي:
الحكمة، والموعظة الحسنة، المجادلة بالتي هي أحسن.
تستخدم مع كل صنف طريقة تناسبه. قال ابن القيم في تفسيره للآية: "جعل الله سبحانه مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق، فعلى الداعية امتثال الشرع في ذلك، بالتيسير وعدم التعسير ولا ما يدعو إلى التعسر، فقد كان هديه ﷺ أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، والمسلم وخاصة من حمل لواء الدعوة عليه أن يسلك أيسر الطرق في دعوته وأن يبشر ولا ينفر، "والتبشير شعار رفعه المنصورن وتسمو به وسلكو طرقه وأساليبه"، وكثيرًا ما نرى أساليبهم يستبشر بها المتعاملون معهم، بينما كان تعامل بعض الدعاة هداهم الله فيه شيء من القوة، والغلظة وتنفير المدعوين، أوليس الداعية إلى الله أحق أن يكون مبشرًا ميسرًا، وأن يكون هذا خلقا وسجيه فيه لا
стр. 114
تنفك عنه بحال؛ لأن ذلك وسيلة للوصول إلى المقصود وسجية التيسير تعني قابلية الداعية للتنازل، والأخذ بالأيسر طالما أن التيسير ممكن، فقد ثبت عن النبي ﷺ : "أنه ما خير بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه"١.
"ولم تكن دعوته ﷺ في يوم من الأيام وسيلة إلى قهر الناس وإذلالهم ولا العدوان عليهن، طلبًا لمغنم، أو تمكينًا لأتباعه على من خالف الدعوة، وإظهارًا لنصرتهم على أعدائهم فقط، لم تكن الدعوة كذلك حين بلغها النبي ﷺ فمن آمن به، واتبعه لم يزدد إلا عزا وقربًا من الله ورسوله، وقد أمر الله رسوله ﷺ أن يأخذ هؤلاء باللين والرحمة ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢ "٣.
وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ٤.
فالأمة التي تعد أبناء مجاهدين تعدهم أيضًا ميسيرين. عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال: "الغزو غزوان فأما من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام وأنفق الكريمة وياسر الشريك واجتنب الفساد، فإن نومه ونبهه أجر كله، وأما من غزا فخرًا ورياءً وسمعة وعصى الإمام، وأفسد في الأرض، فإنه لم يرجع بالكفاف" ٥، ولم يكن صلوات ربي وسلامه
стр. 115
عليه يقبل من أصحابه أي نوع من الغلظة والجفاء والإحراج، اقتداؤنا برسول الله ﷺ يقتضي منا أن نختار الأيسر للناس ونقبله منهم، وإن كان فيه تنازل عن حق من حقوقنا، فتلك المياسرة في الدنيا طريق لتحصيل التيسير، والمغفرة من الله في الآخرة، وكانت الأئمة بعد النبي ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها ما لم يكن إثمًا، فإن عارض الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتدء بالنبي ﷺ ، ومن لزوم التيسير على الناس ورفع الحرج عنهم، فقد تكفل الله له بالوقاية من النار، وغفران الذنوب كما جاء ذلك في الحديث الشريف: عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بمن حرم على النار، أو بمن تحرم عليه النار كل قريب سهل" ١، وعنه ﷺ قال: "حرم على النار كل هين لين سهل قريب من الناس" ٢ وقال الحق: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٣، وفي الحديث الصحيح: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه" ٤، "إن الرفق ما يكون في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه" ٤، والتيسير خير وثماره بركة، حتى في الزوجة: "فإن الخيرية والبركة في المرأة التي اتصفت بتيسير خطبتها، وتيسير صداقها"، قال ﷺ : "خير النكاح أيسره" ٥،
стр. 116
لكي يميل الناس إلى البساطة، وعدم المبالغة في المهور والأفراح بما يرهق الراغبين في العفة، ويسد أبواب التحصين ويفتح أبواب الإنحراف، والتيسير مطلوب من المسلم في النكاح، والدعوة ومن أمثلة التيسير في الدعوة بالتي هي أحسن ما حصل من الأعرابي عند ما بال في المسجد عزم الصحابة على نهره، وزجره فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك. مثال آخر جاء حصين ومعه قريش إلى النبي ﷺ حتى جلسوا قريبا من باب النبي ﷺ ، ودخل حصين فلما رآه النبي ﷺ قال: "أوسعوا للشيخ"، فقال حصين: ما هذا الذي بلغنا عنك؟ أنك تشتم آلهتنا فقال: "يا حصن كم تعبد من آلهة"؟ قال: أعبد سبعا في الأرض وواحدا في السماء، فقال: "فإذا أصابك الضر فمن تدعو"؟ قال: الذي في السماء، قال: "فإذا هلك المال من تدعو"؟ قال: الذي في السماء قال: "فيستحيب لك وحده وتشرك معه غيره، يا حصين أسلم تسلم"، فأسلم فقام إله ولده عمران فقبل رأسه ويديه ورجليه. فلما أراد الخروج قال: شيعوه إلى منزله.
فالتيسير مطلوب في كل شيء، وخاصة في الدعوة التي فيها هداية الناس، وإخراجهم مما هم فيه من كفر، وفسوق وعصيان، مطلوب منك أيها الداعية الكثير من الصبر، والمصابرة والرفق، واللين بعباد الله، وليس معنى الصبر والتيسير التفريط في أوامر الله ونواهيه أو التنازل عن شء منها، فعلى الداعية أن يعلم علم اليقين أن الدين دين الله ليس فيه تنازل ولا مداهنة ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ١.
"ولا يفهم مما ذكر أن الدعوة باللين والرفق، والدعوة بالشدة والقسوة كفتان، أو طرفان متساويان للدعوة بل دلت نصوص الكتاب
стр. 117
والسنة على أن الأصل في الدعوة إلى الله تعالى أن تكون بلين ورفق، ولا يلجأ إلى الشدة، والقسوة إلا عند الضرورة ... في مثل الأحوال التالية:
أ- عند انهاك حرمات الله تعالى وإقامة الحدود.
ب- عند ظهور العناد والاستهزاء بالدين.
ج- عند بدور مخالفة الشرع لدى من لا يتوقع منه ذلك.
مع ضرورة مراعاة ما يترتب على ذلك، ولا يظن أحد أنه إذا وجدت تلك الأحوال، أو بعضها شرع في استخدام الشدة، والقسوة في الدعوة من غير النظر إلى العواقب والنتائج. ليس الأمر هكذا، بل يجب عليه مراعاة ما يتوقع حدوثه عند استخدام الشدة والقسوة، فإن تأكد لديه أن لجوءه إلى الشدة سيكون سبب حدوث منكر أعظم من المنكر الذي أراد إزالته، أو ترك معروف أهم منه فليس له أن يلجأ إليا آنذاك"١.
стр. 118
٢- الداعية والأمن:
الداعية عضو فعال في المجتمع، وله دور كبير وعليه مسئولية عظيمة، وقد تحمل الأمانة التي تبرأت منها السموات والأرض، وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ ١، من هذا المنطلق ومن هذه الأمانة التي تحملها الإنسان وحملها، وهو مسئول فيما بعد عنها أقام بما يجب عليه تجاه هذه الأمانة أم أنه رقد، وقصر وكسل وتكاسل وترك لأعداء الإسلام المجال، وفتح لهم الباب وسهل لهم الطريق بل عبدها لهم، وتركهم يعيثون في الأرض فسادًا فعلى الداعية أن يقف بكل قوة مع إخوانه المسئولين في الدعوة، وفي الدولة بما يخدم المصلحة العامة، وبما يرفع مستوى الدعاة، فلا يبخل على المسئولين في الدعوة، وفي الدولة بالنصح والتوجيه وإبداء الملاحظات، وإظهار السلبيات لتلافيها، وإبراز الإيجابيات وتطويرها وتنميتها، واعتبار الإيجابيات خطوة أولى إلى الطريق الصحيح تتبعها خطوات أخرى، فإن المسئول عن عمل "ما" هو بحاجة إلى من يبصره بالنواقص، ويبصره بعيوبه فرحم الله من أهدى إلينا عيوبنا، فإن الإنسان لا يعرف نفسه إلا عن طريق الآخرين، والمسلم مرآة أخيه، فالداعية غذا رأى خللا في الدائرة التي يعمل فيها فعليه المبادرة، والإسراع إلى سد ذلك الخلل قبل أن يتسع الخرق على الراقع، ولا تسكت حتى تغرق السفينة، وأنت فيها فإن السكوت منكر وجريمة
стр. 119
تعاقب عليها، فبعض الموظفين سامحهم الله وغفر لنا ولهم قد يكون بينه، وبين رئيسه في العمل خلاف، فنجده يطير فرحا إذا رأى الخلل قد ظهر وبرز في الدائرة، أو الشركة أو المدرسة أو الوزارة بل قد يساهم في هذا الخلل، ويزيد في الشق حتى يتسع الشق على الراقع، فلا يمكن سده ولا رقعه بأية حال، ثم تجد هذا الموظف يبرر لنفسه بأنه ليس مسئولًا ولا رئيسًا لهذا العمل، وما عليه لو فشل العمل وقلَّ الإنتاج وانعدمت الفائدة، وانفلت العقد وسادت الفوضى والاضطراب، وسيطرت الأنانية واستبد كل ذي رأي برأيه كل هذا لا يهم هذا الموظف وأمثاله. نقول: لهذا وأمثاله لا نوافقك على هذا التصرف، ولا على هذه المخالفات، والتجاوزات المشينة وغير المسئولة، فأنت محاسب ولك دور بل أنت مسئول أيضًا عما تعمل وتذر، وأنت عضو من أعضاء هذه الدائرة ونجاحها نجاح لك، وفشلها عليك فإذا اتضح لك الخلل، وتركت سده فأنت مقصر ومسئول، وتعد مخالفا لشرع الله قال ﷺ : "الدين النصيحة" ١. فرئيس العمل أو رئيس الدائرة بشر يصيب ويخطئ، والخطأ ليس عيبًا لكن العيب الاستمرار في الخطأ والتعصب للرأي. كما أن الداعية عليه مسئولية عظيمة وهي تغيير الأعمال المخالفة للشرع، والتي لها مساس بالأمن من أمور تخريبية أو محاولة سرقات أو محاولة خطف، أو سطو أو محاولة إشعال حريق أو إشعال فتيل الفتنة، والفوضى والاضطرابات في البلد على الداعية أن يسعى جاهدا في منع مثل هذه التصرفات التخريبة بل القضاء على مثل هذه التصرفات المشينة التي من شأنها زعزعة الأمن، وإشاعة الفوضى
стр. 120
والاضطرابات وإشاعة الرعب، والخوف في قلوب الناس فلا يأمن الناس على أموالهم ولا على أعراضهم بل، ولا على أنفسهم فتضيق عليهم الأرض بما رحبت، فعلى الداعية بذلك الجهد في منع انتشار مثل هذه الأمور، فالداعية جندي من جنود الأمن إذ إن الأمن مطلب شرعي عام لجميع البشر، فلا عيش ولا راحة ولا استقرار، ولا طمأنينة مع الفوضى والاضطراب، وفقدان الأمن فالداعية لا يسمح بهذا بل يكون حصنًا منيعًا من تسرب مثل هذه الأمور الغريبة على الإسلام، وعليه التغيير بالوسائل المتاحة المناسبة حسب تعليمات الشريعة السمحة، فانتشار الفوضى تخلخل في الأمن وقطع مجال الدعوة بل إعلاق بابها في وجه الدعاة المخلصين، فلا مجال للدعوة في بلد تسوده الفوضى، والاضطراب وتسيطر عليه شريعة الغاب، كما هو حاصل في بعض البلدان، فعلى الداعية أن يتفهم الوضع جيدًا ويكون عونا على الخير مانعا للشر والفساد، فكن مفتاحا للخير مغلاقا للشر، فالداعية صاحب رسالة وصاحب هدف عليه أن يسعى جاهدًا لتحقيق الهدف وتأدية الأمانة وتبليغ الرسالة، وهي تبليغ الدعوة ونشر هذا الدين في جميع بلدان العالم، ولا يمكن أن ينتشر هذا الدين إلا بانتشار الأمن، والحماية وتنفيذ الأحكام والحدود التي أمر الله بها وشرعها لحماية المصالح العامة، والخاصة حتى يأمن الناس على أنفسهم وعلى أموالهم وأعراضهم، فالإنسان إذا عاش في بيئة آمنة مطمئنة لا يخاف على شيء مما ذكر، فإنه يستطيع أن يعطي ويأخذ ويتفاعل، وينقاد للدعوة ويتعامل مع الداعية بروح الأخوة والمحبة والتعاون، وهذا أعظم هدف وأبلغ غاية أن يدخل الناس في دين الله أفواجا، وأن يكون
стр. 121
الجميع إخوة على طريق الدعوة الطويل متعاونين متحابين مطبقين لقول الحق : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ١، فالداعية لا يستطيع الحركة إلا بتوفر الأمن بعدها يستطيع الداعية الانتقال من مكان إلى آخر بكل راحة وطمأنية؛ لأنه يعلم أن عرضه وماله ونفسه محفوظة بحفظ الله لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه فالأمن مطلب أساسي لنشر هذا الدين، وتبليغ رسالة السماء إلى العالم ومتى فقد الأمن اضطربت الحياة، وعاش الناس في خوف ورعب، وعدم استقرار ينتج عن ذلك عدم تقبل للدعوة؛ لأن الناس مشغولون بالأمن والبحث عن الأماكن الآمنة، والبحث عن العيش والاستعداد للدفاع عن النفس، والعرض والمال الذي يتوقع الهجوم المباغت من قطاع الطريق، وعصابات الإجرام المنتشرة في بعض بلدان العالم حيث لا تجد رادعا ولا موجها ولا ناصحا، ولا واقفا في طريقها بقوة السلاح، فكيف يهنأ هذا الإنسان الأعزل من السلاح في مثل هذه المجتمعات المتفككة، والمنهارة اجتماعيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا بل كيف يكون عند هذا الإنسان استعداد لقبول الدعوة، وهو يعيش هذه الظروف الحرجة والمخيفة والمحفوفة بالمخاطر إذًا لا بد من إيجاد الأرض الآمنة، والعمل على استتباب الأمن حتى يعيش الناس كل الناس في أمن وأمان، فهو مطلب أساسي يجب على الدعاة وغيرهم السعي إلى تحقيقه، وتثبيته بل وترسيخه والدفاع عنه حتى يأمن الجميع على أنفسهم، وأموالهم وأعراضهم أينما كانوا وحيثما حلوا، فالداعية بالذات يجب أن يساهم بقدر كبير من الحفاظ على النظام، وقطع دابر المفسدين
стр. 122
والمخربين والداعين إلى الفوضى، وانفلات الأمن هؤلاء المفسدون في الأرض لا بد من تضافر الجهود، والقيام بالدور المطلوب من كل فرد على قطع دابرهم حتى يخرس المخربون، والمفسدون في الأرض الذين يدعون الإصلاح، ويرفعون شعاره ظاهرا، وباطنهم الخراب والفساد في الأرض بل المساعدة على انتشار الفوضى، والعمل على زعزعة الأمن والمساعدة في نشر الاضطراب، والفوضى والإزعاج لعباد الله، فهؤلاء المفسدون لا يريدون أحدًا يهنأ براحة، ولا يشعر برائحة الأمن بل يريدون التخريب، ويعجبهم انتشار الفوضى والاضطراب وهم يدعون المحافظة على الأمن وهم ضده، بل إنهم يشاركون في انتشار الفوضى ويصدون عن دين الله ويسخرون من العلماء ويصفونهم بالرجعية والتأخر، ويقفون للدعاة والعلماء بالمرصاد، يقفون حجر عثرة أمام كل داعية إلى الله حتى يتسنا لهم الاصطياد في الماء العكر، وحتى يطلقوا لشهواتهم البهيمية العنان، فهم المفسدون في الأرض حقا، هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنا يؤفكون، هؤلاء يجب على الدعاة وغيرهم كشف الستار عنهم، وتعريتهم وفضح مخططاتهم الإجرامية ضد هذا الدين وأهله، فهل تعرفهم؟ إنهم المنافقون والعلمانيون المرجفون في المدينة يدعون الإصلاح، وهم مخربون ويفرحون بالخراب ويشاركون فيه يدعون العلم والإصلاح، وهم يعملون ضده لجهلهم بهذا الدين ورسالته العالمة لا يعرفون من الدين إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه، فليكن الداعية على حذر من هؤلاء وليعمل على قطع دابرهم، ودابر كل مفسد ومنافق حتى تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذي كفروا السفلى وتصبح الساحة صافية نقية يتحرك فيها
стр. 123
الداعية دون معارض وحتى يعيش الناس في ظل الإسلام، فيشعر الإنسان كل إنسان بقيمة وجوده، بعدها يشعر بطيب العيش وراحة البال، والأمن والأمان وختاما لهذا الموضوع أرجو أن لا يفهم منه خلاف المقصود، كما هو حاصل الآن عند بعض طلبة العلم الصغار هداهم الله من سب، وتجريح لعلماء أفاضل عرفوا بالعلم، والورع وحب الخير والإصلاح، بل حتى الموتى لم يسلموا من شرهم، وتجريحهم والحط من قدرهم، وإنكار علمهم وفضلهم، قد صبوا جام غضبهم على هؤلاء العلماء الأفاضل، وكأنه لا يوجد غيرهم عدوا للإسلام في نظرهم، والعدو الحقيقي للإسلام يتفرج بل يوقد نار الحرب من بعيد وقريب.
كما لا يفهم مما سبق أيضًا، أن الداعية إذا عاش في بلد تسوده الفوضى وعدم الاستقرار أن لا يتحرك، ولا يدعو إلى الله؟! بل قد تكون مثل هذه الظروف مكان خصب للدعوة، وسبب لقبول الناس لها فرارا مما هم فيه من الظلم والبؤس الذي يعيشونه، فقد بدأ النبي ﷺ دعوته في أوساط اجتماعية تسودها الفوضى، وعدم الاستقرار والظلم والجهل، ومع ذلك غير هذه المجتماعات في وقت وجيز حتى انتشر هذا الدين، وبانتشاره ساد الأمن والسلام ربوع البلاد التي وصلها الإسلام والحمد لله.
стр. 124
٣- الجندي المجهول:
الداعية جندي مرابط بل له صولات وجولات أينما حل، وحيثما كان ليس مربوطا بزمان، ولا بمكان فهذا عمله طيلة عمره، وكثيرا ما نسمع بالجندي المجهول والتكريم، والتبجيل وعبارات الثناء والمديح لهذا الجندي الذي يسمونه مجهولا؛ لأنه قدم خدمة لبلده فكيف بالداعية الذي يقدم في كل يوم خدمات لدينه، وعقيدته ويتعب نفسه، ويقضي حياته ويقدم أغلى ما عنده لإرشاد الناس، وإنقاذهم من النار وإخراجهم من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا، والآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن الظلمات إلى النور هذا بحق هو الجندي المعلوم، وليس المجهول هذا هو الذي يستحق التكريم، وعلينا جميعا أن نضع أيدينا بيده، ونسير في هذا الطريق طريق الدعوة وننهج هذا النهج القويم والصراط المستقيم ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١.
فالداعية جندي في الميدان ودائما مرابط وعمله في الدعوة رباط إذ هو أشرف عمل وأحسنه؛ لأن الداعية جندي من جنود الله ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ ٢، والجندي الذي يعمل للخالق، ويراقب الخالق ، لا يكل ولا يمل من العمل المتواصل، مثله في ذلك مثل الجنود المؤمنين المجاهدين في سبيل الله الصادقين في جهادهم إذا هم خاضوا المعارك الجهادية يصولون، ويجولون وينتقلون من ميدان
стр. 125
إلى آخر ويقدمون أوراحهم ودماءهم الزكية رخيصة، طاعة لله، يشعرون مع هذا التعب وهذا الجهد والخطر الذي يتوقعونه بين فترة، وأخرى أن تزهق أرواحهم ومع ذلك كله يشعرون بالراحة النفسية، والسعادة الأبدية لا تعدلها راحة ولا توازيها سعادة، وإذا حطت به الرحال وفتر الجهاد، وقعد المجاهدون تجد هذا المجاهد يشعر بالضيق، وعدم الارتياح "سئل أحد المجاهدين وقد أتى إلى أهله في إجازة قصيرة. لماذا لم تستشهد بعد؟؟ فأجاب لم أكن أهلا للشهادة. فمتى صرت أهلا للشهادة لا شك أن الله سيكرمني بها.
والدعاية عمله أخف وأقل خطورة من المجاهد المقارع للأعداء الذي يتوقع بين فترة، وأخرى أن تزهق روحه، وأن يدنو أجله ومع ذلك تجده يخوض المعارك، ويقتحم المهالك عله ينال الشهادة ومع ذلك فهو قوي النفس قوي العزيمة عالي الهمة كلما سمع هيعة ذهب إليها. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة، أو فزعة طار عليه يبتغي القتل والموت مظانه ... " الحديث١.
فكن أيها الداعية مثل أخيك المجاهد، في الدعوة إلى الله وتبليغ رسالة ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وخالق الناس بخلق حسن وخالط الناس، واصبر على أذاهم فإن النصر مع الصبر، والداعية أينما كان مطلوب منه عمل وتقارير واقتراحات، وما لديه من سلبيات وإيجابيات أثناء ممارسته العمل في الميدان لتقويم العمل، وتطويره والرفع من مستواه ومعالجة السلبيات وتطوير الإيجابيات، كل ذلك يحتاج من
стр. 126
الداعية سرعة في الإنجاز مع الاتقان والعمل بصدق وإخلاص، والداعية قد يكون مرتبطا بدائرة حكومية أو مؤسسة إسلامية أو جماعة خيرية، أو منظمة عالمية، أو مدرسة خيرية، فعلى الداعية أن يقوم بما يكلف به من أعمال، حسب الجداول المعدة والخطط المرسومة، ولا تتأخر أو تسوف أو تترك عمل اليوم إلى الغد، وإذا أعطيت جدول عمل فلا تغير أو تبدل ولا تؤخر أو تقدم من تلقاء نفسك إلا بعد الرجوع إلى المسئول المباشر صاحب الصلاحية، وبعد الرجوع إليه عليك أن تنفذ ما تم الاتفاق عليه بينك، وبينه في الوقت المحدد دون تأخير أو تغيير، بل حاول أن تنتهي في مرحلة زمنية قصيرة، وأن تقدم جميع ما طلب منك من آراء واقتراحات وبحوث، أو مذكرات أو الإجابة على بعض التساؤلات والإشكاليات، أو ترجمة بعض المقالات أو طلب منك تقرير عما تقوم به، أو طلب منك خطة عمل عما تقوم به خلال فترة زمنية، أو طلب منك تقديم تقارير عن ما يقوم به مجموعة من الدعاة "مثل مديري مراكز الدعوة في الخارج، والداخل ورؤساء الأقسام وغيرهم من المسئولين عن سير الدعوة"، والداعية يعلم علم اليقين أن العمل الناجح هو الذي تتضافر فيه جهود العاملين حتى يصبحوا يدًا واحدة، وفي خندق واحد تحت ظل هذا المركز أو هذه المؤسسة، أو هذه الجمعية الخيرية، أو هذه الدائرة الحكومية أو القطاع الخاص. ومن مهمات المسئول عما ذكر أن يأخذ آراء جميع العاملين في هذا القطاع والاستفادة من أفكارهم، وخبراتهم في مجال العمل الدعوي وأن يأخذ في الاعتبار آراءهم، واقتراحاتهم وأن يعمل على تنفيذ الصالح منها، والصائب المناسب للبلد أو المكان الذي هم فيه؛ لأن الذي يصلح لبلد
стр. 127
"ما" قد لا يصلح لآخر وهكذا تختلف الطرق، والأساليب باختلاف المكان والزمان، والاهتمام بآراء الدعاة ودرستها والعمل على تنفيذها مما يعطي الدعاة الثقة بالمسئول عنهم، ويكون ذلك تشجيعًا لهم على مضاعفة الجهود وبذل الطاقة، وارتفاع المعنويات والاهتمام بالعمل أكثر؛ لأن الداعية إذا عومل بهذه المعاملة من قبل المسئول يشعر بوجوده وكيانه، وأنه عضو بارز في المجتمع بل داعية موفق، ومسدد إذا هي آخذت آراؤه واقتراحاته بعين الاعتبار مما يكون عنده حافزًا للعمل والزيادة في الإنتاج والرفع من مستوى الأداء، وتطويره واتباع الطرق والأساليب الناجحة في ذلك كما أن الاهتمام بالعاملين من قبل رئيس العمل، وإعطائهم الثقة في أنفسهم وعدم التضييق عليهم بالدوام، والواجبات يزرع في أنفسهم الثقة ويغرس فيهم حب العمل، والتفاني في تطويره وبذل الوقت والجهد الزائد عن أوقات الدوام الرسمي في العمل إذا لزم الأمر، والداعية مطلوب منه أن يكون قدوة في الخير منجزًا لجميع ما يطلب منه من أعمال، فهو عضو فعال من أعضاء هذه الدائرة، أو هذا المركز وهو بمثابة الجندي المرابط، فأقول لهذا الجندي لا تقصر، أو تسوف فإن التقصير ولو من أحد العاملين في الدائرة، أو المركز يضعف العمل ويختل وتقل الفائدة، فلا بد من التعاون على البر والتقوى من الجميع حتى تكون الفائدة ظاهرة، وتحصل الراحة والألفة والانسجام بين الجميع.
стр. 128
٤- مراجعات:
من الأمور الهامة لنجاح العلم أيا كان هذا العمل أن تراجع مديرك، أو المسئول عنك في العمل، أو من تثق برأيه من الزملاء السابقين لك في العمل، والذين لديهم خبرة ودراية ومعرفة، وإحاطة بالملابسات والمداخلات والإيجابيات والسلبيات التي لا يخلو منها عمل من الأعمال، فكن بها على تبصيرة قبل أن تعمل هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن في التشاور وجمع الآراء والأفكار والمقترحات، ثم تعميمها على الجميع بعد صياغتها وترتبيها، وتدقيقها في ذلك توحيد وتنظيم العمل الدعوي، وتضافر الجهود ونجاح العمل بأيسر السبل وأسهل وأقل التكاليف، والدعوة أهم من الأمور المالية التي يوضع لها المحاسب، والمراجع والمدقق ومأمور الصرف وهي أمور مالية، فكيف بأمور الدعوة؟ والداعية مطلوب منه العمل على توحيد الصف، وجمع الكلمة والرجوع إلى العلماء الكبار أهل الحكمة والمشورة في دقائق الأمور الدعوية، وجليلها ولاسيما أن هؤلاء العلماء محل ثقة المسلمين جميعا، على الداعية ولاسيما أن هؤلاء العلماء محل ثقة المسلمين جميعا، على الداعية إلى الله أن لا ينفرد برأيه ويعمل منفردًا، ويخطط وينظم لنفسه من نفسه، إن هذا العمل المنفرد خطأ كبير شعر به الداعية أو لم يشعر، إنه بهذا العمل وهذا المنهج حري به أن يقع في مشاكل يصعب الخروج منها، مع العلم أن المشاورة والتشاور من سنن المرسلين ورد ذكرها في القرآن الكريم، وفي السنة المطهرة في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
стр. 129
الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ ١، كثيرًا ما كان النبي ﷺ يشاور أصحابه، وهو الذي ينزل عليه الوحي من السماء، ومع ذلك ما استبد برأيه. فلا بد للداعية أن يسير على نهج نبيه وسيرة السلف الصالح من التأني والمشاورة، وعدم البت في أي موضوع إلا بعد دراسته من جميع الجوانب، ووضع الحلول المناسبة وتجنب السلبيات التي قد تعترض الطريق، إذا علم هذا فإنه يتأكد لديك أيها الداعية الكريم المشاورة، والرجوع إلى العلماء وأصحاب الحل، والعقد من المسئولين عن شئون الدعوة، ومعلوم أن الإنسان ضعيف بنفسه قوي باعتماده على ربه ومشاورته لإخوانه؛ لأنه مهما بلغ منالقوة والحنكة والخبرة وسداد الرأي إلا أنه يظل بحاجة إلى المشاورة، والاستفادة من آراء الآخرن وخبراتهم، ولوكانوا أقل منه علما، أو أصغر منه سنا أو أقل منه منزلة، فإذا كنت أيها الداعية تعمل موظفا حكوميًّا في مجال الدعوة، أو في مؤسسة إسلامية أو جماعة خيرية أن ترجع إلى المسئول، وتشاوره وتأخذ برأيه في جميع ما تعمل وتذر شريطة موافقته للكتاب، والسنة وأن تنفذ جميع ما يطلب منك في غير معصية الله ، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فعليك أن تبذل الجهد وتعمل ما يطلب منك بجد واجتهاد وإخلاص وتجرد، متوكلا في ذلك على الله، طالبا منه وحده العون والمدد، فهو وحده المعين والموفق، والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 130
الفصل الخامس: وجوب الدعوة:
١- على من تجب الدعوة:
قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ... ﴾ ١، فكن من أتباع محمد ﷺ باتباع سنته والعمل بما جاء في سيرته، فقد أرسل الدعاة يمنة ويسرة إلى القبائل بل، وإلى الدول -التي تسمى عظمى- في عصره ﷺ أرسلهم يدعون الناس إلى دين الله، وينشرون يسره وتعاليمه السمحة إلى البشرية قاطبة في مشارق الأرض ومغاربها، فالداعية إلى الله عليه واجب تكليفي من الله أينما كان وحيثما حل.
"فهي فريضة من فرائض الله المحكمة؛ لأن بها يستمر الدين الإسلامي، ويعبد الله في الأرض على الوجه الذي شرع بأن يدعو إلى الله على علم، وبصيرة وعلى نور من الله "٢.
"فمنذ قامت دولة الإسلام في المدينة المنورة والدعوة إلى الله أول واجباتها، وأهم أعمالها، ولقد سالمت وحاربت في سبيل الدعوة إلى دين الله الحق المبين، وإزالة الشرك والكفر، وقامت بحماية الأمة الإسلامية دفاعا عن الدعوة وتأمينًا لبقائها واستمرارها، حتى لا تهلك عصبة المؤمنين في الأرض، ثم حملها الصحابة والتابعون بعد عصر
стр. 131
النبوة، وحملها من بعدهم علماء الأمة ودعاتها حتى يومنا هذا، ولم ينقطع حبل الدعوة المتين في عصر من العصور، فقد حمل الإسلام ودعوته من كل خلف عدوله، ولم يخب صوت الدعوة إلى الله في الأرض حتى، ولو سيطر على بعض أطرافها غير المسلمين، كما حدث في بلاد المشرق، أو المغرب العربي في العصر الحديث"١.
فالدعوة إلى الله تجب على كل مسلم ومسلمة تحت قيادة الدولة الإسلامية كما هو حاصل في المدينة المنورة، فترك الدعوة إلى الله معصية وإهمال، وتقصير في حق من حقوق الله ، حيث أمر بها في محكم التنزيل في أكثر من موضع، فعليك القيام بهذا العمل سواء كلفت بها من قبل الدولة، أو المؤسسة أو الجمعية أو غيرها، أخذت عليه أجرًا أم كنت متعاونًا "والأجر من الله العظيم" إلا أن من أخذ أجرًا، وأحسن القصد فإنه بمشيئة الله وبمنه وكرمه سبحانه لا يحرمه الأجر، والثواب لكن العمل متأكد عليه أكثر من غيره؛ لأنه مفرغ لهذا العمل، ولا يسقط العمل الدعوي عن باقي الأمة فالجميع مكلف، وعلى كل واحد أن يقوم بما كلف به من خالقه، ومولاه الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، وهو يطعم ولا يطعم .
"ومن هذا يتضح بجلاء أن المكلف بالدعوة إلى الله هو كل مسلم ومسلمة؛ لأن الأمة الإسلامية تتكون منهم، فكل بالغ عاقل من الأمة الإسلامية -وهي المكلفة بالدعوة إلى الله- مكلف بهذا الواجب، ذكرًا كان أو أنثى، فلا يختص العلماء، أو رجال الحسبة ورجال الدعوة بأصل من هذا الواجب؛ لأنه واجب على الجميع، وإنما
стр. 132
يختصون بتبليغ تفاصيله وأحكامه، ومعانيه نظرا لسعة علمهم به، ومعرفتهم بجزئياته ويزيد الأمر وضوحًا -وهو أن المكلف بالدعوة إلى الله تعالى هو كل مسلم ومسلمة- قول ربنا : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١، ومعنى ذلك أن من اللوازم الضرورية لإيمان المسلم أن يدعو إلى الله، فإذا تخلف عن الدعوة دل تخلفه هذا على وجود نقص، أو خلل في إيمانه يجب تداركه بالقيام بهذا الواجب، وهو واجب الدعو إلى الله"٢.
فمن هذا المنطلق نقول: إنه واجب على كل مسلم ومسلمة بعينه٣، وليس خاصًّا بفئة من الناس أو بمؤسسة أو جمعية خيرية أو مركز دعوة، أو هيئة من هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو دائرة من الدوائر الحكومية، فالأمر أعم وأشمل وأهم من أن يسند إلى فئة بعينها ويسقط عن الباقين، فلا يحركون ساكنًا ولا يغييرون منكرًا؛ لأن أحدهم لا يعتبر تغيير هذا المنكر في نظره القاصر من خصوصياته ولا من واجباته، حتى لو حصلت هذه المنكرات في بيته فما عليه لو تركها ولم يغيرها، إن هذا الفهم جد خطير ومدمر للأخلاق والقيم، وفهم خاطئ شنيع في فهم الدعوة ومتطلباتها
стр. 133
وعمومها، فلا تستطيع أن تقوم بها فئة من الناس أو جماعة، أو مؤسسة فالأمر عام وشامل يهم الجميع ويعم الأفراد كل على حسب قدرته وجهده واستطاعته لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فالدعوة بهذا المفهوم الشامل العام "عالمية أوجبها الله على الجميع الذكر، والأنثى الصغير والكبير الحاكم والمحكوم الحر والعبد، كل على حسب استطاعته وقدرته، فإن من مقتضيات الدعوة وهدفها الأساسي إنقاذ العالم أجمع مما يعانيه منتفكك وتشتت وانحلال وميوعة، ومذاهب وعقائد باطلة وتسلط وعنصرية وبعد عن منهج الله، وإن مما يؤكد أن الدعوة الإسلامية فريضة حتمية، وواجب شرعي على كل مسلم عارف بما يلزم من الدين، وأنها أمر تكليفي من الله في حق كل من ينتمي لهذا الدين، كل على حسبه وطاقته واستعداده، كما أمر أمة الإسلام في كل زمان، ومكان أن يقوموا بدورهم في إنقاذ العالم الإنساني وهداية البشرية جمعاء"١.
قال الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ....﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ ٣.
وهي ماضية إلى يوم القيامة لا تقف عند حدود، ولا بنهاية زمن محدد يحملها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فكن أخي المسلم
стр. 134
ممن يحمل هم الدعوة ويتحمل تبعاتها، فهي باقية ما دامت السماوات والأرض ولها خصائص: "فمن خصائصها أنها ماضية إلى يوم الدين، فهي لست وفقا على قرن دون قرن، ولا على مصر دون مصر، ولا على شعب دون شعب، وبهذه الخاصية تنفرد الدعوة الخاتمة شأنها شأن الرسالة الخاتمة عن دعوات الرسل -عليهم الصلاة والسلام- الذين بعثوا قبل نبينا محمد ﷺ ، ومما يدل على استمرار الدعوة الإسلامية وعمومها:
١- ختم الرسالة ببعثته ﷺ ومقتضى ذلك أن تكون الرسالة الخاتمة كاملة تفي بحاجات البشرية، والدعوة إليها مستمرة وباقية ببقائها.
٢- أنها عامة إلى الناس كافة.
٣- ومن ذلك إخبار النبي ﷺ ببقاء طائفة من أمته على الحق إلى قيام الساعة.
٤- ومن ذلك كون الجهاد في سبيل الله ماضيًا إلى قيام الساعة، والجهاد من أبرز وسائل الدعوة وأهمها.
٥- ومن ذلك أن الله تكفل بحفظ كتابه من التحريف، والتبديل والتزييف إلى يوم القيامة.
٦- ومن ذلك أن الله تكفل بتجديد ما اندثر من معالم الدين، وسنن الهدى، وموجبات الرحمة وذلك بوجود ودوام طائفة على الخير"١.
وإن مما يدفع المسلم إلى الدعوة الإسلامية أنه يحظى بالأجر والمثوبة من الله، ويبلغ أعلى درجات المنازل والرفعة في الدنيا
стр. 135
والآخرة "إذا يتحتم على الدعاة أن يتحركوا للدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجاهدوا في سبيلها ويرخصوا الغالي في إعزازها مع اعتقادهم الجازم أن الإسلام هو صمام الأمان في إنقاذ البشرية من كفرها وإباحيتها وانحرافها، وأنه هو الذي يخلص العالم الإسلامي مما يعانيه من تأخر وانحطاط، وما يصيبه من ميوعة وانحلال، فالأمر يتطلب من كل داعية يدعو إلى الله على بصيرة أن يهب من رقدته، وأن يضاعف من نشاطه، وأن يتحمل المسئولية، ليردوا هذا العالم الضائع، والبشرية المنكودة، والأمم التائهة والشعوب الإسلامية المتمزقة إلى نور الحق، وحقيقة التوحيد وآفاق المعرفة وهدي الإسلام، وأن يقولوا للدنيا، كما قال ربعي بن عامر من قبل لرستم: "ابتعثنا الله لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام"١.
فمطلوب من كل مسلم ذكرًا كان أم أنثى أن يحمل لواء الدعوة، ويعلن حالة الطوارئ القصوى وساعة النفير والتعبئة العامة، وينخرط في ميدان العمل الدعوي بشروطه وضوابطه، فليس لك خيار أن تدعو أن تترك، فالدعوة واجب الجميع، فشارك إخوانك الدعاة في مشارق الأرض ومغاربها في الدعوة إلى الله لتنال الأجر والثواب من الله، وإن قعدت وتكاسلت عن هذا الأمر، فأنت الخاسر والله غالب على أمره وقادر على حماية دينه وتمكينه، وإظهاره في الأرض ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ
стр. 136
قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ ١، وللأسف الشديد ما نجده من جلد وصبر، ومصابرة وتحمل المشاق والسفر إلى أماكن بعيدة وغير آمنة من قبل النصارى أعداء الإسلام لا يألون في مؤمن إلا، ولا ذمة يدعون إلى دينهم الباطل تجد الواحد منهم يصول، ويجول ويعيش في أصعب الأماكن وأقسى الظروف من أجل نشر دينه الباطل يتحمل المشاق ويبذل المال، وقد يبذل النفس في سبيل ذلك، وليته يقف عند هذا الحد بل إنهم يكيدون للإسلام والمسلمين، ويعملون المكائد والمخططات ضد المسلمين ويعملون على خداعهم، لكنهم يخادعون الله وهو خادعهم فالداعية أولى بالبذل، والتضحية والتحمل وحمل الدعوة ليل نهار حتى يظهر الله هذا الدين على يديك، أو على أيدي من بعدك المهم أنك وضعت لبنة يقوم عليها البناء، ومن واجبات الداعية أن يبدأ بأقاربه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ٢، والعشيرة تشمل أهل بيته وقبيلته التي ينتمي إليها، وكذلك من الواجبات دعوة الجيران والتوود إليهم وزيارتهم، والجار يشمل ويعم، والجار في السكن، والجار في العمل، والجار في المزرعة، والجار في المصنع، والجار في المتجر، والجار في السفر، وهو الذي بجوارك سواء كان السفر بالطائرة أو بالسيارة أو القطار، أو غير ذلك ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ٣، وكذلك الجوار بين الدول له حقوق، ومن هذه الحقوق أمر الدعوة وإرسال الدعاة والمعلمين، ومن هذه الحقوق الحفاظ على الأمن والاستقرار
стр. 137
فالتعاون مطلوب من الجميع في تسهيل أمور الدعوة، وتبليغ رسالة الله بين الجيران على اختلافهم، ومن منطلق وجوب الدعوة على الجميع نعلم أن المرأة١ مسئولة عن أمر الدعوة أيضا، وداخلة في خطاب التكليف، فهي في بيتها تربي أولادها وتأمر بالخير، وتنهى عن الشر في بيتها وبين أقاربها وفي جلساتها مع النساء الأخريات، فعملها مع أولادها ومع أقاربها ومع من رأت في الجلسات والمناسبات دعوة، فهي تقوم على خدمة البيت وتربية الأولاد التربية الإسلامية الصحيحة، وتغرس في نفوسهم حب الجهاد وغيره من الفضائل، ومن وجوب الدعوة على الجميع أنها واجبة على الخدم أيضًا، وهم مسئولون عن أمانة الدعوة من المحافظة على الأمانة التي وكلت إليهم، وإتقان العمل والمحافظة على أسرار البيوت، وهذه دعوة بالقدوة وحسن السيرة والسريرة، فقد دخل في الإسلام أقوام بسبب حسن المعاملة والتعامل الصادق الذي كان يعمله التجار المسملون عندما يذهبون للتجارة غلى شرق آسيا كانوا يدعون بأعمالهم، وحسن معاملتهم حتى دخل أهل تلك الديار في دين الله أفواجًا، وما زال هذا الدين في تلك الديار يصيبه المد تارة والجزر تارة أخرى، ومن جوب الدعوة على الجميع نجدها تجب على المعلم، والمعلمة ومن في حكمها كمديري المدارس، ومديري التعليم وجميع من له علاقة عمل بالتربية والتعليم، سواء كان وزيرًا أم وكيلا أم مديرًا لقسم من الأقسام أو مركز إشراف، أو غيرهم كل هؤلاء تتأكد عليهم مسئولية الدعوة، وتوصيلها إلى الأجيال بأيسر الطرق، وأسهل السبل عبر القنوات الموصلة إلى الطالب
стр. 138
والطالبة فهو الثمرة التي يجب علينا جميعا أن نوصل له العقيدة الصافية، ونغرس الإيمان وحب التضحية، ونشر الدعوة والعلم الجاد في نفوس الأجيال الصاعدة. عند هذا الحد أتساءل من بقي من المسلمين غير مسئول عن الدعوة وتبليغها؟ ألا كلكم راع ومسئول عن رعيته إنها واجبة على جميع المسلمين كل فيما يخصه، فالكلمة الطيبة دعوة، والقدوة الحسنة دعوة والمعاملة الحسنة دعوة، والصدقة والسعي لسد حاجة الفقير دعوة، وكفالة الأيتام والإنفاق عليهم دعوة، والإنفاق على المشاريع الخيرية دعوة وتوزيع الشريط الإسلامي دعوة، والزيارات للأقارب وغيرهم دعوة، فالدعوة عامة ومجالاتها كثيرة وكثيرة جدًّا فسبيل الدعوة واحد لا يتعدد قد رسمه الحق من فوق سبع سماوات، وسارت عليه الأنبياء من لدن نوح إلى نبينا محمد ﷺ .
لكن الأساليب متنوعة والطرق متعددة وكثيرة جدًّا، وهذه من الحكمة في الدعوة أن بعضنا يكمل بعضا، فمن أتى ببعض ما يجب عليه في الدعوة وترك البعض الآخر الكفائي لغيره فإنه لا يلام، وكذلك من أتى بما يستطيع وما فتح له فيه من أبواب الجهاد، والدعوة والإنفاق والعلم وغيره، فيكون التكامل والتوازن في الدعوة.
إذًا على كل مسلم أن يسلك الأيسر له، وما يستطيعه لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وكل ميسر لما خلق له وقل اعملوا فسيري الله عملكم ورسوله والمؤمنون، ومن أكثر الأعمال أجرًا عمل الداعية حيث إن أجره يستمر حتى بعد وفاته: قال ﷺ : "من دل على هدى كان له
стр. 139
"من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا" ١، ويقول ﷺ : "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" ٢، ويقول الرسول ﷺ لعلي بن أبي طالب: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدًا خير لك من حمر النعم" ٣، ومعلوم أن حمر النعم الإبل وهي أنفس، وأغلى أموال العرب في ذلك الوقت.
стр. 140
٢- الداعية في سباق مع الزمن:
عمل الداعية يختلف من غيره فهو يعمل لله ويطلب الأجر من الله، وهو في سباق مع الزمن يستمد من الله العون والقوة، فعمل الداعية ديمة متواصل ليل نهار، لا يكل ولا يمل ولا يفتر، ولا يتوانى فمن الله يستمد العون والقوة فما يزال قويًّا باعتماده على ربه وطلب العون منه لا يشعر بعجز، ولا كسل بل يشعر بالنشوة والقوة مع استمرار العمل الدعوي ليل نهار، هذا هو دأب الأنبياء والصالحين قال تعالى عن نوح ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ ١، فأنت داعية إلى الله في كل وقت وحين، وعمل الداعية ميداني أكثر منه مكتبي، فاغتنم الوقت فإنه يمر كما يمر السحاب، والوقت يمضي لا ينتظر أحدًا فالرابح من استغله، وعمل فيه خيرًا والخاسر من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، وترك الوقت يمر دون أن يقدم شيئًا لدعوته، ودينه خسران مبين فالوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، بعض من الدعاة هداهم الله فرط في وقته، وضيعه دون فائدة فندم ندما شديدًا، فوقتك هو عمرك والوقت وعاء يحفظ ما وضع فيه، فما عملت فيه من خير أو شر تجده عند رب عليم لا يغادر صغيرة، ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحدا، فالوقت الذي تعمل فيه خيرا هو لك وأنت الرابح، والوقت الذي لا تعمل فيه خيرًا هو عليك بل هو حسرة وندامة، فالداعية ليس كغيره من الناس يشعرون بالفراغ القاتل، أما علم
стр. 141
هؤلاء المفرطون أن بعض السلف مر على أناس يلعبون ويلهون فقال: "يا ليت الوقت يشترى فأشتري وقتهم". وهذا ناتج من ضيق الوقت عند هذا المصلح لكثرة عبادته، وكثرة الأعمال والأشغال في الخير وفي الدعوة إلى الله، فالمسلم ليس لديه وقت فراغ، فما بالك بمن جعل همه الدعوة إلى الله لا شك أن هذا الاهتمام، وهذا الهم الذي يحمله لدعته يأخذ منه كل وقته وتفكيره، إنه لا يجد وقت فراغ بل سيكون وقته ضيقًا ولا يتسع لباقي الأعمال الكثيرة التي رتبها ووضع لها الجدول، فهو ما بين قراءة في كتاب، أو تحقيق مسألة علمية، أو كتابة موضوع هام، أو ترتيب بحث أو تحقيق كتاب، أو إعداد كلمات موضوعات وعظية لإلقائها في المساجد، والمناسبات والتجمعات العامة، أو إعداد محاضرة ثم إلقائها، أو إعداد خطبة جمعة أو خطبة عيد وهذه تحتاج إلى إعداد واستعداد أكثر، أضف إلى ذلك أن الداعية إن كان ينتمي إلى دائرة حكومية، فهو مكلف بعمل حسب جدول معد والجدول مليء بالعمل المتواصل المنظم، فما على الداعية إلا أن يقوم بما عليه، وينفذ ما في الجدول المعد من إخوانه الإداريين في تلك الدائرة أو المركز الدعوي، "والدعوة إلى الله بابها واسع تشمل دعوة المسلمين وغير المسلمين، فبالنسبة للمسلمين ينتظم تعليمهم ما لا يسعهم جهله من أحكام دينهم، وتبصيرهم بما ينبغي أن يكونوا عليه في عقائدهم، وعباداتهم ومعاملاتهم، وتبين لهم وجه الحق فيما يلتبس عليهم، تصح المعتقد وترد على المعاند والمكابر. وتنظم وعظا لعامة المسلمين وخاصتهم، وإرشادهم ومناصحتهم وموالاتهم، وتنظيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحمل الناس على الالتزام بشرع الله وغير ذلك
стр. 142
من مجالات الخير والإحسان والبر والتقوى.
وبالنسبة لغير المسلمين تبين لهم أن دين الإسلام هو الدين الحق الخاتم، وأن محمدًا ﷺ خاتم المرسلين، وأن شريعته ودينه ناسخ لما سبق من الأديان، وأن الإسلام عام للثقلين، الجن والإنس إلى قيام الساعة، وأن فيه الخير والصلاح للإنسانية أجمع، ثم تعرض عليهم محاسن الإسلام وأنه المنقذ للبشرية من ويلاتها، وما هي فيه من مشكلات اجتماعية وساسية واقتصادية وتطلب منهم الدخول فيه، وترك ما سواه من الملل والنحل، وترد على خصوم الإسلام وأعدائه"١.
فانتبه أيها الداعية الكريم، ولا تترك وقتك يضيع دون فائدة فهو عمرك بل هو حياتك.
قد هيئوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
ثم اعلم أن الأوقات تختلف باختلاف استعداد الناس من عدمه، وتهئو النفوس يختلف من موقت لآخر، فإقبال الناس على الخير وتقبلهم له في رمضان يختلف عن غيره، وقبولهم في موسم الحج يختلف عنه في ما سواه، وقل مثل ذلك في المناسبات المختلفة، والأحداث المتجددة من وقوع بعض الظواهر، وانتشار بعض الإشاعات التي تحتاج إلى إيضاح، وبيان من ناحية الشرع وما يحصل عند الناس على مرور الزمن من أفراح، وأتراح ومصائب تحتاج من الداعية إلى إيضاح وبيان، فأخذ الناس في مثل هذه الأوقات ومراعاة أحوالهم يكون له سر عظيم في التأثير والاستجابة.
стр. 143
٣- كن طبيب عصرك فإن لكل داء دواء:
الطبيب هو الذي يعالج من الأدواء، قد يهرع الناس إلى الطبيب زرافات ووحدانا عند الإحساس أو الشعور بأي ألم أو مرض، ولو أن أحدًا أصيب بمرض فلم يذهب للطبيب لامه الناس، وعتبوا عليه واتهموه بالإهمال والتقصير، أليس كذلك؟؟ ولو أن الناس سمعوا بانتشار مرض، أو نزول وباء لأسرعوا إلى مراكز التطعيم المضاد لهذا المرض أو هذا الوباء، وتزاحموا على مراكز التطعيم من كل حدب وصوب، كل هذا محافظة على سلامة الجسم وصحته، هذا شيء طيب ومطلوب ولا بأس أن يتداوى الإنسان، بل هو من الأمور المشروعة المباحة لكن الداعية يكون طبيبًا من نوع آخر، فالطبيب الذي يعمل في المستشفيات، والعيادات الخاصة والعامة طبيب أجسام، والداعية طبيب الروح، فالإنسان مكون من جسم وروح، ولا حياة للجسم بدون روح ولا بقاء للروح بدون جسم. إذًا لا بد من التوازن بين مطالب الروح ومطالب الجسم، إذ إن بينهما ارتباط وثيق فلا بد من التوازن بينهما، فمن الذي يضع التوازن ويهتم به غيرك أيها الداعية الكريم، فأنت طبيب الروح إن كان الطبيب المعروف يعالج الأجسام، فأنت تعالج الروح التي داخل الجسم فهي أدق وأصعب؛ لأنها داخلة وخفية وصعبة الانقياد للعلاج، فمن الأرواح من يقبل العلاج ويقبل عليه وينقاد له، ومنها من يرفضه جملة وتفصيلا ومن الأرواح من يحتاج إلى فترة طويلة تحت العلاج، فمن يقدم هذا العلاج للناس كل الناس إلا الداعية المخلص في دعوته الذي يتنقل من مكان إلى آخر، ويتجول في
стр. 144
أوساط الناس يغشاهم في بيوتهم وأماك تجمعاتهم، وأسواقهم وأنديتهم ليقدم لهم العلاج ويصرف لهم الدواء بدون جزاء ولا مقابل، الناس يأتون إلى طبيب الأجسام، ويبذلون الأموال الطائلة في سبيل الشفاء من المرض، والداعية هو الذي يتحمل المشاق، والتكاليف ويذهب إلى الناس ويعيش معهم في أوساطهم، وأماكن تجمعاتهم حتى يعرف المرض ويشخصه تماما، ومن ثم يقوم بالعلاد ويبدأ في صرف الدواء، فهو طبيب النفوس الحاذق الماهر الذي يعرف الداء ويصرف له الدواء النافع المفيد، فالداعية مسئول أمام الله إذا لم يقم بهذا الدور الفعل في المجتمع الذي يعيش فيه، وهو مكلف تكليفًا أكيدًا لا خيار له فيه، ولا تراجع بل لو تراجع أو ترك الدعوة إلى الله عاقبة الذي كلفه بها، وهو العليم الخبير عالم السر وأخفى لا يخفى عليه شيء من عملك، ولا حركاتك في الدعوة وفي غيرها، إذا مطلوب من الداعية أن يتحرك بين أوساط الناس، وأن يعمل جاهدًا لعلاج الروح، فهي تمرض وتسقم بقدر من الله، فمن هذه الأمراض ما يكون شديدا، ومنه ما يكون خفيفا وخاصة بدايته. مثلها مثل الجسم تمامًا فأول ما يبدأ خفيفا بسيطًا، ثم يبدأ العد التصاعدي في البعد عن منهج الله، فإن عولج هذا المرض في بدايته شفي صاحبه بإذن الله، وإن ترك المرض حتى انتشر في الجسم وتمكن منه صعب علاجه، إن الداعية كالطبيب فلا يقدم للمصاب بمرض السرطان علاج مرض السكر، ولا لمريض السكر علاج مرض الصدر، بل يقدم لكل مريض العلاج المناسب له، ويراعي كذلك عند تقديم العلاج القدر، والأسلوب الملائمين لطبيعة المريض كي لا يصير ضرر العلاج أكثر من نفعه"١.
стр. 145
فالواجب على الداعية معرفة المرض أولًا من جميع الجوانب، فقد يكون مرض بدعة وقد يكون مرض شبهة، وقد يكون مرض شهوة إلى غير ذلك، فإذا عرفت المرض سهل العلاج، الحمد لله أن هذا العلاج لا يكلف مبالغ مالية ولا تكاليف بدنية؛ لأن العلاج يصرف "بالمجان" -إن صح التعبير- فدور الداعية أن يعطي العلاج بعد معرفة ما عند الفرد، أو الأفراد من مخالفات شرعية في العقيدة أو العبادات أو المعاملات، أو الأخلاق والسلوك إلى غير ذلك مما هو منتشر عند كثير من الناس، فكما أن طبيب الجسم لا يعطي علاجًا واحدًا لعدة أمراض، فكذلك الداعية تعرف على النفوس، وما تميل إليه وما يصلح لها ويصلحها، عندها يمكن للداعية أن يدخل إلى أعماق النفوس والقلوب، ويزيل ما علق بها من أمراض الشهوة والشبهة، والبدعة حتى تصبح بيضاء نقية خالصة لربها وخالقها، "فالمرشدون هم أطباء المجتمع، ومن شأن الطبيب أن يهتم بمعرفة الأدواء، ثم يعمل على علاجها بادئًا بالأهم فالمهم، وهذه طريقة أنصح الأطباء وأعلمهم بالله، وأقوامهم بحقه وحق عباده، سيد ولد آدم عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام، فإنه ﷺ لما بعثه الله بدأ بالنهي عن أعظم أدواء المجتمع، وهو الشرك بالله ، فلم يزل من حين بعثته يحذر الأمة من الشرك، ويدعوهم إلى التوحيد إلى أن مضى عليه عشر سنين، ثم أمر بالصلاة ثم ببقية التشريع، وهكذا الدعاة بعده، عليهم أن يسلكوا سبيله، وأن يقتفوا أثره بادئين بالأهم فالمهم"١.