← Общие книги

Общие книги · id 23103

دليل الداعية

ناجي بن دايل السلطان

Полный текст (239 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

هؤلاء المفرطون أن بعض السلف مر على أناس يلعبون ويلهون فقال: "يا ليت الوقت يشترى فأشتري وقتهم". وهذا ناتج من ضيق الوقت عند هذا المصلح لكثرة عبادته، وكثرة الأعمال والأشغال في الخير وفي الدعوة إلى الله، فالمسلم ليس لديه وقت فراغ، فما بالك بمن جعل همه الدعوة إلى الله لا شك أن هذا الاهتمام، وهذا الهم الذي يحمله لدعته يأخذ منه كل وقته وتفكيره، إنه لا يجد وقت فراغ بل سيكون وقته ضيقًا ولا يتسع لباقي الأعمال الكثيرة التي رتبها ووضع لها الجدول، فهو ما بين قراءة في كتاب، أو تحقيق مسألة علمية، أو كتابة موضوع هام، أو ترتيب بحث أو تحقيق كتاب، أو إعداد كلمات موضوعات وعظية لإلقائها في المساجد، والمناسبات والتجمعات العامة، أو إعداد محاضرة ثم إلقائها، أو إعداد خطبة جمعة أو خطبة عيد وهذه تحتاج إلى إعداد واستعداد أكثر، أضف إلى ذلك أن الداعية إن كان ينتمي إلى دائرة حكومية، فهو مكلف بعمل حسب جدول معد والجدول مليء بالعمل المتواصل المنظم، فما على الداعية إلا أن يقوم بما عليه، وينفذ ما في الجدول المعد من إخوانه الإداريين في تلك الدائرة أو المركز الدعوي، "والدعوة إلى الله بابها واسع تشمل دعوة المسلمين وغير المسلمين، فبالنسبة للمسلمين ينتظم تعليمهم ما لا يسعهم جهله من أحكام دينهم، وتبصيرهم بما ينبغي أن يكونوا عليه في عقائدهم، وعباداتهم ومعاملاتهم، وتبين لهم وجه الحق فيما يلتبس عليهم، تصح المعتقد وترد على المعاند والمكابر. وتنظم وعظا لعامة المسلمين وخاصتهم، وإرشادهم ومناصحتهم وموالاتهم، وتنظيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحمل الناس على الالتزام بشرع الله وغير ذلك

стр. 142

من مجالات الخير والإحسان والبر والتقوى. وبالنسبة لغير المسلمين تبين لهم أن دين الإسلام هو الدين الحق الخاتم، وأن محمدًا ﷺ خاتم المرسلين، وأن شريعته ودينه ناسخ لما سبق من الأديان، وأن الإسلام عام للثقلين، الجن والإنس إلى قيام الساعة، وأن فيه الخير والصلاح للإنسانية أجمع، ثم تعرض عليهم محاسن الإسلام وأنه المنقذ للبشرية من ويلاتها، وما هي فيه من مشكلات اجتماعية وساسية واقتصادية وتطلب منهم الدخول فيه، وترك ما سواه من الملل والنحل، وترد على خصوم الإسلام وأعدائه"١. فانتبه أيها الداعية الكريم، ولا تترك وقتك يضيع دون فائدة فهو عمرك بل هو حياتك. قد هيئوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل ثم اعلم أن الأوقات تختلف باختلاف استعداد الناس من عدمه، وتهئو النفوس يختلف من موقت لآخر، فإقبال الناس على الخير وتقبلهم له في رمضان يختلف عن غيره، وقبولهم في موسم الحج يختلف عنه في ما سواه، وقل مثل ذلك في المناسبات المختلفة، والأحداث المتجددة من وقوع بعض الظواهر، وانتشار بعض الإشاعات التي تحتاج إلى إيضاح، وبيان من ناحية الشرع وما يحصل عند الناس على مرور الزمن من أفراح، وأتراح ومصائب تحتاج من الداعية إلى إيضاح وبيان، فأخذ الناس في مثل هذه الأوقات ومراعاة أحوالهم يكون له سر عظيم في التأثير والاستجابة.

стр. 143

٣- كن طبيب عصرك فإن لكل داء دواء: الطبيب هو الذي يعالج من الأدواء، قد يهرع الناس إلى الطبيب زرافات ووحدانا عند الإحساس أو الشعور بأي ألم أو مرض، ولو أن أحدًا أصيب بمرض فلم يذهب للطبيب لامه الناس، وعتبوا عليه واتهموه بالإهمال والتقصير، أليس كذلك؟؟ ولو أن الناس سمعوا بانتشار مرض، أو نزول وباء لأسرعوا إلى مراكز التطعيم المضاد لهذا المرض أو هذا الوباء، وتزاحموا على مراكز التطعيم من كل حدب وصوب، كل هذا محافظة على سلامة الجسم وصحته، هذا شيء طيب ومطلوب ولا بأس أن يتداوى الإنسان، بل هو من الأمور المشروعة المباحة لكن الداعية يكون طبيبًا من نوع آخر، فالطبيب الذي يعمل في المستشفيات، والعيادات الخاصة والعامة طبيب أجسام، والداعية طبيب الروح، فالإنسان مكون من جسم وروح، ولا حياة للجسم بدون روح ولا بقاء للروح بدون جسم. إذًا لا بد من التوازن بين مطالب الروح ومطالب الجسم، إذ إن بينهما ارتباط وثيق فلا بد من التوازن بينهما، فمن الذي يضع التوازن ويهتم به غيرك أيها الداعية الكريم، فأنت طبيب الروح إن كان الطبيب المعروف يعالج الأجسام، فأنت تعالج الروح التي داخل الجسم فهي أدق وأصعب؛ لأنها داخلة وخفية وصعبة الانقياد للعلاج، فمن الأرواح من يقبل العلاج ويقبل عليه وينقاد له، ومنها من يرفضه جملة وتفصيلا ومن الأرواح من يحتاج إلى فترة طويلة تحت العلاج، فمن يقدم هذا العلاج للناس كل الناس إلا الداعية المخلص في دعوته الذي يتنقل من مكان إلى آخر، ويتجول في

стр. 144

أوساط الناس يغشاهم في بيوتهم وأماك تجمعاتهم، وأسواقهم وأنديتهم ليقدم لهم العلاج ويصرف لهم الدواء بدون جزاء ولا مقابل، الناس يأتون إلى طبيب الأجسام، ويبذلون الأموال الطائلة في سبيل الشفاء من المرض، والداعية هو الذي يتحمل المشاق، والتكاليف ويذهب إلى الناس ويعيش معهم في أوساطهم، وأماكن تجمعاتهم حتى يعرف المرض ويشخصه تماما، ومن ثم يقوم بالعلاد ويبدأ في صرف الدواء، فهو طبيب النفوس الحاذق الماهر الذي يعرف الداء ويصرف له الدواء النافع المفيد، فالداعية مسئول أمام الله إذا لم يقم بهذا الدور الفعل في المجتمع الذي يعيش فيه، وهو مكلف تكليفًا أكيدًا لا خيار له فيه، ولا تراجع بل لو تراجع أو ترك الدعوة إلى الله عاقبة الذي كلفه بها، وهو العليم الخبير عالم السر وأخفى لا يخفى عليه شيء من عملك، ولا حركاتك في الدعوة وفي غيرها، إذا مطلوب من الداعية أن يتحرك بين أوساط الناس، وأن يعمل جاهدًا لعلاج الروح، فهي تمرض وتسقم بقدر من الله، فمن هذه الأمراض ما يكون شديدا، ومنه ما يكون خفيفا وخاصة بدايته. مثلها مثل الجسم تمامًا فأول ما يبدأ خفيفا بسيطًا، ثم يبدأ العد التصاعدي في البعد عن منهج الله، فإن عولج هذا المرض في بدايته شفي صاحبه بإذن الله، وإن ترك المرض حتى انتشر في الجسم وتمكن منه صعب علاجه، إن الداعية كالطبيب فلا يقدم للمصاب بمرض السرطان علاج مرض السكر، ولا لمريض السكر علاج مرض الصدر، بل يقدم لكل مريض العلاج المناسب له، ويراعي كذلك عند تقديم العلاج القدر، والأسلوب الملائمين لطبيعة المريض كي لا يصير ضرر العلاج أكثر من نفعه"١.

стр. 145

فالواجب على الداعية معرفة المرض أولًا من جميع الجوانب، فقد يكون مرض بدعة وقد يكون مرض شبهة، وقد يكون مرض شهوة إلى غير ذلك، فإذا عرفت المرض سهل العلاج، الحمد لله أن هذا العلاج لا يكلف مبالغ مالية ولا تكاليف بدنية؛ لأن العلاج يصرف "بالمجان" -إن صح التعبير- فدور الداعية أن يعطي العلاج بعد معرفة ما عند الفرد، أو الأفراد من مخالفات شرعية في العقيدة أو العبادات أو المعاملات، أو الأخلاق والسلوك إلى غير ذلك مما هو منتشر عند كثير من الناس، فكما أن طبيب الجسم لا يعطي علاجًا واحدًا لعدة أمراض، فكذلك الداعية تعرف على النفوس، وما تميل إليه وما يصلح لها ويصلحها، عندها يمكن للداعية أن يدخل إلى أعماق النفوس والقلوب، ويزيل ما علق بها من أمراض الشهوة والشبهة، والبدعة حتى تصبح بيضاء نقية خالصة لربها وخالقها، "فالمرشدون هم أطباء المجتمع، ومن شأن الطبيب أن يهتم بمعرفة الأدواء، ثم يعمل على علاجها بادئًا بالأهم فالمهم، وهذه طريقة أنصح الأطباء وأعلمهم بالله، وأقوامهم بحقه وحق عباده، سيد ولد آدم عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام، فإنه ﷺ لما بعثه الله بدأ بالنهي عن أعظم أدواء المجتمع، وهو الشرك بالله ، فلم يزل من حين بعثته يحذر الأمة من الشرك، ويدعوهم إلى التوحيد إلى أن مضى عليه عشر سنين، ثم أمر بالصلاة ثم ببقية التشريع، وهكذا الدعاة بعده، عليهم أن يسلكوا سبيله، وأن يقتفوا أثره بادئين بالأهم فالمهم"١.

стр. 146

فإن هذا دورك وواجبك إن لم تقم به اختل التوازن عند الناس، وضاعت القيم وانتكست الموازين والمعايير والمقاييس، حتى يصبح الحق باطلًا والباطل حقًّا واعتلت النفوس، وهزلت وضعفت عن القيام بالواجبات الشرعية، والأمور الدينية فلا تعرف معروفا، ولا تنكر منكرًا حتى إن السنة تصبح بدعة والبدعة تصبح سنة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فيعيش هذا المريض محجوبًا عن نور هذا الدين المشع إلى العالم، فقد أحيا الله به قلوبًا غلفا وفتح به آذانًا صمًّا وأعينا عميا، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب.

стр. 147

٤- الداعية والمجالس: الداعية ينظر الناس إليه بمنظار آخر فهم يرصدون أقواله، وحركاته ويعتبرونه قدوة لهم في كل شيء، فهو داعية بأقواله كما أنه داعية بأفعاله وحركاته ومظهره، ومخبره فالناس ينظرون إليه أنه قدوتهم، وأن ما يفعله من الشرع، فحذار أن يراك الناس وأنت جالس في مجلس فيه منكر، فيظن الناس أن هذا الجلوس، والرضا إقرار منك لهذا المنكر، والمؤمن كيس فطن فلا يجلس في مجلس فيه منكر، وهو لا يقدر على تغييره، مثل أن يجلس في مجلس فيه غيبة ونميمة أو فيه طرب، وغناء ومزمار وموسيقى ورقص ولهو، أو مجلس فيه لعب الورق والشطرنج، وغيرها من الملهيات القاتلة للوقت، أو يجلس على مائدة يدار عليها الخمر، فإن جلوسه دون تغيير هذا المنكر منكر، وقد يظن به السوء ومن ثم ينصرف الناس عن قبول دعوته، وسماع كلامه ويعتبرونه منافقًا ومرائيًا ومداهنًا وموافقا على عمل الحرام وتناول الحرام، فالداعية يربأ بنفسه وبدعوته عن مثل هذه المجالس السيئة، فلا يجلس فيها إلا إذا كان قصده من الجلوس التغيير، والإنكار فلا بأس بذلك شريطة أن يستجاب له ويغير المنكر، ويرى قبولا لدعوته، فإن لم ير قبولًا واستجابة لدعوته فعليه أن يقاطع هذا المجلس، ويخرج منه ولا يجلس مع قوم يعصون الله ، وقدوتنا في ذلك رسول الله ﷺ فقد كان يغشى قريش في نواديهم، فيأمرهم وينهاهم ولا يجالسهم بل كانت مجالسته للمؤمنين الصادقين امتثالا لأمر ربه ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ

стр. 148

عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ ١، وإياك والمداهنة وهي السكوت عن الحق، أو التكلم بالباطل أو موافقة أهله عليه أو بعضه، ولو بالسكوت على إنكاره مثل أن تجلس مع قوم لا يصلون جماعة في المسجد، أو تكون منهمكًا في العمل الوظيفي، أو غيره من الأعمال الأخرى وتفوتك صلاة الجماعة، فإنك إن فعلت فأنت من الظالمين قال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ٣. أما المجاملة: فإنها تختلف عن المداهنة؛ لأنها بمعنى المداراة وهي جائزة إلا فيما حرم الله سبحانه، فإنها تصير مداهنة كما سبق فحافظ على دعوتك، وعلى سمعتك من الخدش والدنس وصنها نظيفة نقية صافية حتى تلقي ربك بقلب سليم، وتصون عرضك وسمعتك عن الدنس بالمحافظة على أوامر الله، والبعد عما نهى الله عنه.

стр. 149

الفصل السادس: ثقافة الداعية: ١- الإطلاع: من الأمور الهامة للداعية أن يكون واسع الاطلاع كثير القراءة يبحث عن كل جديد، ومن ذلك الكتب الجديدة والنشرات الخاصة بالدعوة، فإن الاطلاع على الكتب، وخاصة كتب العلماء الذين لهم باع طويل وتجربة مديدة في الدعوة، جديرة بالقراءة والاستفادة منها، فسيجد فيها القارئ بغيته وضالته، وسيجد بعض الحلول لمشاكله وتساؤلاته، كما أنه سيجد فيها الأسلوب الأمثل والطريقة الصحيحة للدعوة، وخاصة إذا كانت هذه الكتب قد صدرت من عالم موثوق بعلمه وعقيدته، كما أنه لا بد من الاطلاع على كل ما يصدر من الجهات المسئولة عن أمور الدعوة، والوعظ والإرشاد بين فترة وأخرى من تعاميم، ونشرات وبحوث ومجلات وكتيبات، وتعليمات خاصة بالدعوة والدعاة لا سيما إذا صدرت من قسم الطبع، والترجمة بوزارة الشئون الإسلامية بالمملكة العربية السعودية، أو من جهات موثوقة معروفة بسلامة منهجها، واعتدالها واقتفائها لأثر السلف الصالح. لا شك أنها جديرة بالعناية والاهتمام؛ لأن القارئ سيجد فيها الكثير من التوجيهات والتعليمات، والإرشادات الخاصة بالدعاة، كما يفضل الاحتفاظ بها والرجوع إليها وقت الحاجة، فعمل الدعوة متجدد مع تجدد الزمن

стр. 150

وتغير الوسائل وتعدد الطرق باختلاف المكان والزمان، وتغيرهما فلكل زمان طرقه ووسائله، وأساليبه ولكل مكان الطرق والوسائل، والأساليب الخاصة به فما يحصل في زمان لا يحصل في زمان آخر، وما يصلح في بلد قد لا يصلح في البلد الآخر إذ إن الوسائل متجددة بتجدد الاختراعات، والصناعات فلا بد للدعاة أن يواكبوا ذلك التجديد، ويستخدموا الوسائل الحديثة، ويسخروها في مصلحة الدعوة كما هو حاصل الآن من وسائل الإعلام، وسرعة الاتصال وسهولته حيث إنك تستطيع إيصال صوتك، أو رسالتك إلى أي مكان في العالم، والداعية عليه أن يدخل الميادين التي فيها خدمة للدعوة، ويتعرف على ما جد من طرق وأساليب جديدة في مجال الدعوة، كما أنه ينبغي للداعية أن يكون على اطلاع ومتابعة لما يعمله أعداء الإسلام ضد هذا الدين، وما يحيكونه من مؤامرات في مؤتمراتهم وخلواتهم، حتى لا يخدع وحتى يقابل هذه المخططات، وهذا الهجوم الشرس على الإسلام بصده والوقوف ضده، بل إننا نأمل أن تدخل الدعوة الإسلامية جميع بلدانهم بل بيوتهم، وقراهم حتى يدخل الناس في دين الله أفواجًا وتشرق الأرض بنور ربها بمشيئة الله وقدرته، وما ذلك على الله بعزيز.

стр. 151

٢- الدعوة واللقاءات: احرص على حضور اللقاءات والاجتماعات التي تعقدها الدائرة الخاصة بالدعوة، فكثيرًا ما تعمل الدوائر الحكومية والمؤسسات العامة، والشركات والجمعيات اجتماعًا خاصًّا بأفرادها، يناقش في هذا الاجتماع أفضل الطرق، وأسهل السبل لإنجاز الأعمال، ونجاحها والطرق الموصلة إلى ذلك، كما يناقش المجتمعون غالبًا سلبيات وإيجابيات العمل، والوسائل الكفيلة بالقضاء على السبيات التي تقف حجر عثرة في طريق الدعاة، كما ينقاش غالبا الإيجابيات والإنجازات، ووسائل استمرارها والحفاظ على مكتسبات الدعوة بل الرفع منها وتعزيزها وخاصة المكتسبات والمعطيات، والإنجازات التي حققتها الدعوة خلال الفترة الزمنية الماضية، كل هذه الاجتماعات طيبة ومفيدة إذا تم الاستعداد والتحضير لها من قبل المسئولين، وحضرها رئيس الدائرة وكان له دور فعال في إدارة الجلسة، وما يدور فيها من مناقشات واقتراحات، وتساؤلات وطرح بعض العقبات التي تقف في طريق الدعاة، والحلول المناسبة لها وتقريب وجهات النظر، ووضع النقاط على الحروف، واتبع رئيس الجلسة أسلوب الإقناع بالدليل والبرهان، وعدم التعصب للرأي، فإنني أرى والحالة هذه أن حضور مثل هذه اللقاءات سيسفر عن فوائد جمة ونافعة للمجتمعين، وأنهم سيخرجون من هذا الاجتماع بثمار يانعة وفوائد عظيمة، وخاصة إذا كان العضو المشارك عنصرًا فعالًا يدلي

стр. 152

برأيه بجرأة ويطرح اقتراحاته بصراحة وشجاعة، بدون تعصب للرأي أو تحزب لمذهب أو اتباع لشخص بل هدفه تقويم العمل، والرفع من مستواه والعمل على تطويره، ووضع الوسائل الكفيلة لنجاحه، وبذل الجهد والطاقة لإزالة العقبات التي تقف في طريق الدعوة وتذليل الصعاب، علما أن الذي يعمل هو الذي يجد عقبات وصعوبات، وأشواكًا على الطريق، أم الخامل الجالس القاعد عن المسير فهو لا يجد شيئًا من ذلك كيف يجد عقبات، وهو لا يعمل ولا يتحرك بل غير مبال ولا مهتم، فإن مثل العامل الجاد، والجالس القاعد. كمثل المسافر سفرًا شاقًّا، والجالس في مكان مريح -ومكيف- بين أهله وذويه من الأهل، والأقارب والأصدقاء والأحباب، لا يحس بتعب ولا يشعر بملل يأكل ويشرب ويرقد، فالذي يناقش ويقترح ويشارك في كل مسألة ويدلي فيها بدلوه أثناء عقد الاجتماعات والجلسات، والدورات دليل على قوة همته وأنه يعيش فعلا هم الدعوة، ويعمل لها ويحيا من أجلها. أما الذي لا يناقش ولا يحب الزيادة في تكاليف العمل، فهذا دليل على خموله وعدم جديته غالبًا فهو يحب الجلوس وعدم المسير أما الداعية ذو الهمة العالية، فهو يحب المسير إلى الله داعيًا وموجها يتغلب على جميع الصعاب والعقبات ويذللها، وهذا الصنف هو الذي يكون ناجحا في حياته العملية بما يقدمه من فائدة وعمل وإنتاج، وهذه البرامج واللقاءات التدريبية، والدورات الثقافية من الأمور الأساسية في تطوير وإضفاء روح التعاون بين الدعاة، ولم الشمل، وتوحيد الكلمة، وإذكاء الهمم، وإحياء القلوب، وصقل النفوس، وتبصير الجاهل، تقوية الروح المعنوية لدى الداعية، كل هذا وأكثر يحصل

стр. 153

في مثل هذه البرامج المنظمة، من قبل علماء أفاضل مخلصين نذروا أنفسهم للدعوة إلى الله، فلها يحيون ومن أجلها يعيشون وفي سبيلها يموتون، فاحرص وفقك الله إلى الخير، وفعل الخير إلى حضور هذه المجالس، وأن يكون لك دور فعال فيها، وأن تشارك بإحيائها والعمل على نجاحها واستمرارها لخدمة الدعوة والدعاة، وأن تكون إيجابيًّا وعضوا فاعلا نشيطًا في مثل هذه الدورات، والبرامج التي تعقد بين فترة وأخرى، فلا تفوتك مثل هذه البرامج والدورات، فالعلم متجدد ولا يقف عند حد، والداعية مطلوب منه أن يواكب التطور المادي، والحضاري في دعوته بما يوافق الشرع، ولا يعارضه أو يناقضه، ولا يتوقف الداعية عند أساليب، وطرق قديمة -أكل عليها الزمن وشرب- قد تصلح لزمانها ولا تصلح لزماننا، فالقواعد أمام الدعاة موجودة الكتاب والسنة والأساليب كثيرة، ومتعددة كلها سليمة بشرط أن تدور مع الكتاب والسنة حيث دارا. أما ما يحصل من الاقتراحات والأفكار أثناء الاجتماعات، فهي تحتاج وتفتقر إلى اجتماع الرأي والاتفاق على جميع ما طرح من مسائل، واقتراحات وتدوينها ومن ثم توزيعها على المجتمعين، فهو ضروري من أجل أن تكون هذه القرارات حيز التنفيذ، ولا تكون حبرًا على ورق تغمر في سلة المهملات، فيكون الاجتماع مثل ذر الرماد في العيون، فيصاب المجتمعون بخيبة أمل ويكون هدف الاجتماع مجرد تنفيذ، وعقد اجتماع كما هو مطلوب رسمي من رئيس الدائرة بغض النظر عن ثمرته وفوائده، فلا بد من العناية والاهتمام بالقرارات، وخاصة ما تم الاتفاق عليه من قبل المجتمعين حيث إن هذه النتائج لم تأت من فراغ، وإنما هي عصارة وثمرة جهد، وخبرة من إخوان لك عملوا في

стр. 154

الميدان وجربوا كثيرًا، وخدموا الدعوة طويلا فلا بد من أخذ آرائهم، وأفكارهم بعين الاعتبار، والعمل على أن تكون حيز التنفيذ فاحرص أيها الداعية الكريم على حضور جميع ما يعقد من الندوات، والدورات المتخصصة في شئون الدعوة والمحاضرات العلمية، وجميع اللقاءات ومن هذ اللقاءات والاجتماعات النافعة ما يعقد بين فترة، وأخرى من دورات تدريبية وبرامج مكثفة عن الدعوة والدعاة، يقوم بعقدها وتنظيمها جهات مسئولة عن الدعوة داخل الدولة وخارجها، كما أن هذه الجهة المسئولة عن الدعوة تحدد ما يلقى فيها ضمن برنامج زمني محدد، إن مشاركة الداعية في الاجتماعات، واللقاءات أمر بالغ الأهمية حين تدعو الحاجة إليها، وتنظم شكل صحيح تعد هذه الاجتماعات أسلوبًا فعالًا في تبادل الأفكار والآراء، وتقوية العلاقات بين الدعاة.

стр. 155

٣- الداعية والعلم: الداعية من أحوج الناس إلى رفع مستواه الثقافي والعلمي، وتنمية مواهبه المهارية، وزيادة معارفه ومعلوماته الخاصة والعامة، وذك بتعاهد القرآن الكريم وعلومه، والسنة المطهرة وما يتعلق بها، والاطلاع على أمهات الكتب والمراجع، وخاصة ما يتعلق بأمور العقيدة، ومصنفات الفقه والتأريخ والسير المعتمدة، والمصنفات المأمونة والرجوع إليها عند الحاجة، وخاصة عند ورود سؤال على الداعية لا يجد له جوابًا، أو عند إرادة إعداد بحث لبعض الأمور الخلافية والتحقيق فيها، والتأكد من القول الصحيح المسند بالدليل من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة، فإن السائل أو القارئ غالبًا لا يقتنع إلا إذا سمع الدليل، وأي قول أو تحقيق يخلو من الدليل فهو مردود على قائله، فلا بد للداعية من أن يجتهد، ويبحث ويقرأ ويحقق المسائل الخلافية ويرجح الصواب في ذلك، كما على الداعية أن يبدأ يتفهم الأولويات مثل قضية الإيمان والعقيدة، فلا بد أن تكون عقيدته صافية نقية حتى إذا أراد أن ينقلها للناس ينقلها بهذا الصفاء وهذه الشفافية المرهفة كما علمها، وتعلمها من العلماء الأفاضل، أما إذا كان في إيمان الداعية ضعف، وفي عقيدته غبش أخذ يدعو من غير علم وبصيرة، وروية فإنه يضر أكثر مما ينفع، ويخرب أكثر مما يصلح، ويهدم أكثر مما يبني يتخبط في دعوته يصوب الخطأ، ويخطئ الصواب وينهى عن السنة، ويحث على البدعة جهلًا منه، ويتوخى الحكمة ولا ينظر في العواقب ولا يفقه الترجيح بين المفاسد والمصالح، وبالتالي يتحول إلى معول هدم

стр. 156

ينخر في جسم الأمة كالسوس في الخشب، أو كالسرطان في الجسم، فمثل هذا الذي يدعي الإصلاح ويدعي العمل لصالح الدعوة، وهو في الواقع مفسد ومخرب أقول: يجب على الأمة أن توقفه عند حده، ولا يسمح له بنشر سمومه وأفكاره المنحرفة في المجتمع إلا أن يعرف الحق، ويتوب إلى الله ويعلن توبته من الأخطاء التي وقع فيها، أما إن أخذته العزة بالإثم وتكبر على الحق، فيجب أن يؤدب بما يستحق من ولي الأمر أو من ينيبه من القضاة والأمراء، والولاة والسلاطين فإن عليهم مسئولية إيقاف مثل هؤلاء المخربين لعقائد الناس، ومذاهبهم نحمد الله أن هذا الصنف من الناس قليل فضلا عن الدعاة ففيهم أقل، ثم اعلم أيها الداعية أن مدار الأعمال على النية، فأخلص النية لله وحاول أن تكون علاقتك بالكتب والمكتبات وثيقة، بل يفضل أن تجعل لك وقتا مخصصًا للقراءة يوميا، حاول تدوين١ بعض النقاط الهامة، والعبارات البليغة وغير ذلك مما قد تحتاج إليه فيما بعد، فيسهل الرجوع إليه والاستفادة منه. قال الشاعر: العلم صيد والكتابة قيده ... قيد صيودك بالحبال الواثقة فمن الغباوة أن تصيد غزالة ... وتتركها بين الخلائق ضائعة "ومما يدعو إلى العجب ويثير الدهشة ما صدر من علماء السلف في موضوع العناية بالكتاب والكتابة، وكيفية النسخ والحث على

стр. 157

الجيد من الورق، وصفة القلم الذي يكتب به، والحبر ولونه١، وبهذا كان حرصهم على جمع الكتب عظيمًا وحبهم لها شديدًا فهي جليسهم الذي لا يمل وصاحبهم في السفر، ومائدتهم في الجلسات وأنيسهم في الخلوات بل إن منهم من قال: "لا يدخل إلا سوق الكتب والسلاح"٢، "ومن المعاصرين، الشيخ ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى وغفر لنا وله- يقول عنه الشيخ محمد الشيباني: ولعل الاهتمام بالحديث أصبح شغله الشاغل، حتى كان يغلق محله ويذهب إلى المكتبة الظاهرية، ويبقى فيها اثنتي عشرة ساعة لا يفتر عن المطالعة والتعليق، والتحقيق إلا أثناء فترات أوقات الصلاة. وكان يتناول طعامه البسيط في المكتبة في كثير من الأحيان، ولعمري هكذا الأوائل من أهل الحديث أمثال ابن الجوزي، فقد كان يقول: كنت آكل الخبز اليابس، وأشرب عليه ماء النهر بكورة البصرة"٣، والناس في حال القراءة أصناف متعددة فمنهم من يهتم بالأدب والشعر، ومنهم من هو مغرم بالرياضة وأخبارها، ومنهم من يتابع الأخبار والأحداث، ومنهم من هو مهتم بالصحف والمجلات، ومنهم من هو مهتم بالتجارة والاقتصاد، وما ينشر حول ذلك ومنهم من يعجبه، ويشغله أمور أخرى وو و.... إلخ. إلى كل هؤلاء نقول: عليكم مع ذلك بالعلم الشرعي والثقافة الشرعية، ولا سيما الداعية فثقافته تختلف عن هؤلاء، وأولئك فهو إن قرأ

стр. 158

فيقرأ بعمق لا للإطلاع١، يقرأ ليستفيد ويفيد ويغذي ثقافته، ومعارفه العامة حتى يفيد نفسه أولًا ثم ينقل هذه الفائدة إلى غيره فهو يأخذ، ويعطي فالعبرة من القراءة هي الاستفادة من الكتاب لا بعدد الصفحات، ولا بعدد الكتب التي تنهيها دون أن تستفيد منها، والقراءة المفيدة هي التي يصاحبها ارتياح نفسي وحضور قلب، ورغبة أكيدة وجو مناسب خال من الإزعاج، وإذا مر عليك وأنت تقرأ عبارة غير واضحة، أو حكم شرعي غير واضح كذلك فعليك باللجوء إلى الله بالدعاء، والاستغفار والذكر ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ ٢، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ ٣، ثم عليك أن تسأل أهل العلم، واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون حاول الاطلاع في كتب اللغة العربية لحل ما استعجم من الكلمات، أو الشرح إن كان حديثًا. إذًا لا بد من الحرص على القراءة والاطلاع ولا سيما الدعاة، فهم أحوج الناس إلى أن يتزودوا بالعلم النافع والعمل الصالح، ويتسلحوا بالصبر والإيمان ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ ٤. فالعلم خير زاد وخير سلاح؛ لأنه سبب للتقوى وسبب لكل خير وفضيلة وتقدم، إن من أسباب تأخر أمة من الأمم هجرها للقراءة، فهي مصدر الوعي في المجتمعات وهي نماء العقول، وإبصار للأعمى، ومجالسة للعلماء والفضلاء وبها تعرف أخبار السالفين، ومنها تعلم

стр. 159

أحوال المعاصرين، إن من أفضل ما يعمر به المرء ساعات ليله ونهاره: عبادة ربه جل وعلا، فهي العمر الحقيقي للإنان الذي سيجني ثماره بعد الممات، وإن من أفضل العبادات وأجل القربات: طلب العلم وتحصيله بنية خالصة عن طريق الكتب قراءة على العلماء أو بانفراد، مع الحذر من قراءة أي كتاب مجهول مؤلفه، أو معروف بالفسق والزندقة، والانحراف فالكتب تختلف باختلاف محتواها ومؤلفيها، فهي إما داء أو دواء أخي الداعية عليك بتنمية ثقافتك عن طريق الكتاب النافع، والشريط الإسلامي وحضور المحاضرات والدروس والندوات العلمية، والبرامج الثقافية والدورات الموسمية، أخي على طريق الدعوة احرص وفقك الله على تنمية ثقافتك، وخاصة ما يتعلق بأمور الدعوة، إن الداعية اللبيب هو الذي يحرص كل الحرص على زيادة ثقافته، وتنمية معلوماته العامة، وذلك بالقراءة المستمرة للكتب وخاصة كتب الدعوة، وما يلحق بذلك من بحوث، ورسائل ونشرات تخص الدعوة، ويفضل أن يخصص الداعية وقتًا كافيا للبحث، والتنقيب في أمهات الكتب عن بعض المسائل الخلاقية التي كثيرا ما يتساءل الناس عنها ويختلفون فيها، فيلخص الداعية ما توصل إليه من نتائج وإيجابيات نافعة مقرونة بالدليل، وأن يطلع على ما يجد من بحوث ورسائل وتجارب ناجحة للدعوة الإسلامية، وليس هناك صعوبة في أمر الاطلاع، والقراءة فالكتب والكتيبات والرسائل، والمراجع من أمهات الكتب قل أن تخلو منها مكتبة عامة بل قد توجد جميعها، أو بعضها في المكتبات الخاصة في البيوت والمكاتب المهتمة بالكتب، أما مكتبات وزارة الشئون الإسلامية في المملكة العربية السعودية، والمنتشرة في المدن، وتوابعها

стр. 160

في الداخل وفي الخارج فهي مليئة بأمهات الكتب والمراجع القديم منها والحديث، ومنها يتم التوزيع على المسلمين، وغير المسلمين ممن يريد التعرف على الإسلام، فما عليك أخي الداعية إلا أن تذهب إلى إحدى هذه المكتبات القريبة منك وتنقب وتبحث، وتدون وتسأل وتناقش مع إخوانك وزملائك في العمل الدعوي، فإن العلم ثروة وثمرة يجب أن تحفظه، وتحافظ عليه من النسيان فهو بمثابة الشجرة إن تعاهدتها بالسقي، والإصلاح والعناية وإزالة الشوائب والحشائش نمت، واخضرت وآتت ثمارها يانعة، وإن أهملتها ولم تسقها جفت ويبست وتكسرت، كما أن العلم كذلك، وهو مثل الماء المغمور المجتمع في بئر فإن نزحته، وأخرجت من مائة باستمرار صفا، وتجدد وإن تركته دون تحريك أسن وفسد، فهذان المثلان الأول ينطبق على القراءة، وعدمها والثاني ينطبق على إظهار العلم وتبليغه، أو عدم ذلك، فاختر لنفسك أحد الطريقين واسلك أحد الأمرين لما تقدم من المثلين، واعلم أن الأمة بحاجتك وأن الرب قد كلفك بالدعوة، وسوف يحاسبك ويجازيك على ذلك فلا تجهل بعد العلم، ولا تقصر بعد الجد، ولا تتوقف بعد المسير، ولا تقعد بعد الانطلاق فإن فعلت فهو نكوص، وانتكاسه لا سمح الله ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ١، والداعية في هذا العصر في أمس الحاجة إلى التميز علمًا ودينًا وخلقًا، وأن يكون واسع الاطلاع عميق العلم قوي الدين دمث الخلق له اهتمام بحفظ المتون، وعناية بسائر العلوم والفنون، وأن يتجه الداعية إلى التأصيل العلمي والشرعي، والفهم المبني على الكتاب والسنة، وأقوال السلف

стр. 161

الصالح والتزام منهجهم في المعتقد، والعبادة والدعوة وأن يسعى جاهدا إلى معرفة أحوال الإسلام، والمسلمين في كافة أنحاء العالم -وخاصة الأقليات المسلمة- من أجل تقديم العقيدة الإسلامية الصحيحة لهم أو الدفاع عنها، وتعزيز الدعوة الإسلامية، ومساندة الأقليات والجاليات الإسلامية في تلك الديار. كما أن الداعية عليه أن ينمي ثقافته، ومعلوماته بما يقدم من بحوث علمية، ودراسات متخصصة في عدة مجالات من ذلك على سبيل المثال: ١- أساليب الدعوة الإسلامية، ومشكلاتها ومعوقاتها وطرق الحل. ٢- دراسة الفرق والطوائف والمذاهب، والقضايا الفكرية المعاصرة وبيان موقف الإسلام منها. ٣- تقديم دراسة بين فترة وأخرى عن أوضاع الجاليات، والأقليات الإسلامية في مختلف العالم. ٤- رصد ما ينشر عن الإسلام والمسلمين من كتب، وبحوث ومقالات وبرامج إعلامية، ودراستها وإعداد الرد المناسب عليها عند الحاجة. ٥- الاطلاع على أنشطة المؤسسات الإسلامية عامة، وإعداد درسات وبحوث تسهم في تقوية سبل التعاون معها.

стр. 162

الفصل السابع: واجبات الداعية: ١- كيف يؤدي الداعية واجبه وما هو دوره ؟؟؟ إن الداعية إلى الله أمامه واجبات عظام ومسئوليات جسام، كيف لا وهو يقود الناس إلى هذا الدين، ويرده إليه كلما بعدوا عنه أو انحرفوا إلى غيره، أو لم يدخلوا فيه أصلا ولم يعرفوه، إن الدعوة إلى الله ينبغي أن تكون هم المسلم وديدنه وشغله الشاغل في الليل والنهار، في السر والعلانية، بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، عن طريق ما يقدمه الداعية من محاضرة، أو درس أو خطبة أو نصيحة بينك وبين المدعو مع مراعاة آداب النصيحة، وقدوتك في ذلك الأنبياء ﵊، وأولوا العزم منهم خاصة١، فهذا نوح ﵇ بقي في قومه يدعوهم ليلًا، ونهارًا سرًّا وعلانية ألف سنة إلا خمسين عامًا قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا، وَإِنِّي

стр. 163

كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا، ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ ١ الآيات. وهذا نبينا محمد ﷺ يجعل أول اهتماماته الدعوة سرًّا، ثم علانية حتى قامت دولة الإسلام في المدينة المنورة، وما زالت الدعوة والجهاد من أجل، وأولى اهتماماته ﷺ وكذا الخلف الصالح٢ من بعده، إن الداعية إلى الله أمام أبواب كثيرة، وطرق عدة وأساليب متنوعة عليه أن يقوم بما يستطيع من هذه الأمور التي هي من واجبات الداعية حسب طاقته، واستطاعته لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ومن هذه الواجبات: ١- خطب الجمعة والعيدين. ٢- إعداد وإلقاء المحاضرات أو التقديم لها والتعليق عليها. ٣- إعداد الندوات. ٤- إعداد كلمات الوعظ والإرشاد. ٥- الكتابة. وتشتمل على: أ- بحوث. ب- تحقيق مسائل خلافية. ج- كتابة موضوعات هامة. د- ترجمة. ر- إرسال الرسائل والرد على الأسئلة كتابيًّا. ٦- حضور المناسبات العامة واستغلالها في الدعوة مثل مناسبة الزواج، والعزاء وغيرهما.

стр. 164

٧- تفقد أحوال الناس، ومعرفة الفقراء والمحتاجين في البلد الذي يقيم فيه الداعية. ٨- توزيع بعض الأشرطة والكتيبات. ٩- الاشتراك في وسائل الإعلام "مثل الصحف والمجلات، والإذاعة، والتلفاز وغير ذلك". ١٠- الإجابة على أسئلة الناس الشرعية والاجتماعية. ١١- إعداد دورات علمية مكثفة من قبل الداعية بالتعاون مع غيره. ١٢- عمل دعوي ميداني عام. ١٣- إقامة دروس دائمة. ١٤- الاشتراك في الحملات الإغاثية والجمعيات الخيرية. ١٥- دور المرأة في الدعوة. ١٦- دعوة غير المسلمين إلى الإسلام. ١- خطب الجمعة والعيدين ١: إن الخطابة إحدى وسائل تبليغ الدعوة إلى الناس كافة، لذا فهي من أكبر الوسائل وأهمها للدعوة، حيث إنها أعظم وسيلة قولية لتوصيل ما يريده الخطيب إلى المستمعين إليه، واستمالتهم نحو ما يدعوهم إليه، وإقناعهم به عن طريق المشافة بين الداعي والمدعو، ولذلك شرعت خطبة الجمعة. يجدر بالداعية أن يجتهد كثيرًا في تحضير الموضوع المناسب المربوط بواقع الأمة، وما يشغلها من هموم وحوادث وظواهر غير طبيعية

стр. 165

في المجتمع يجب أن تعالج وأن يضع لها الحلول المناسبة، كما أنه يجب أن تشتمل الخطبة على الأركان، والشروط الخاصة بالخطبة، وأن تلقي بلغة غالب السامعين، وإذا كانت باللغة العربية فإنه يراعي فيها التوجيه لأهم القضايا التي تشغل الساحة، وتبصير المصلين بأمور دينهم، وأمورهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ٢- المحاضرات: إن المحاضرة مجال رحب وواسع للدعوة إلى الله يستطيع المحاضر أن يستقطب جمهورًا كبيرًا ويؤثر فيهم، ولعل مما يؤكد أهمية المحاضرة أن موضوعها يكون أوسع من موضوع الخطبة، والدرس والموعظة فلا بد أن يختار الداعية موضوعًا معينًا يشرحه بالتفصيل، والتوضيح على أن تكون عناصر الموضوع مرتبة حسب أهميتها، وقد يتلو المحاضرة حوار مفتوح مع الحاضرين يجيب فيه المحاضر على الأسئلة المطروحة. ٣- الندوات: هي عبارة عن لقاء مفتوح بين شخصين فأكثر، لتناول موضوع معين تنتقل فيه الأدوار بين المشاركين لتوضيح أحد عناصر الموضوع في جمع من الناس، أو عبر وسيلة من وسائل الإعلام، فالندوة لا تقل في الأهمية عن المحاضرة إلا أنها تختلف عنها قليلًا كما سبق، ومما يؤكد أهمية الندوة، وأثرها في الدعوة هو تعدد المتحدثين فيها فهو أدعى للقبول. ٤- المواعظ: وهذه في الغالب تكون قصيرة وجمهورها قليل، فتكون الموعظة

стр. 166

عبارة عن كلمة توجيهية تناسب المقام، وحال السامعين غير محددة بزمن معين، يفضل أن تشتمل على ما يلين قلوب السامعين ليستعد السامع لفعل الخير، والاستجابة له "والموعظة في معناها تدل على جمع الرغبة بالرهبة، والإنذار بالبشارة، ولهذا قال ابن عطية: "الموعظة الحسنة التخويف والترجئة، والتلطف بالإنسان تجله وتنشطه، وتجعله بصورة من يقبل الفضائل". أما الموعظة الحسنة فلما كان المقصود منها غالبًا ردع نفس الموعظة عن أعمال سيئة، أو عن توقع ذلك منه، كانت مظنة لصدور غلظة من الواعظ، ولحصول إنكسار في نفس الموعوظ"١. ومما ينبغي أن يراعيه الداعية أن تكون الموعظة مختصرة، ومركزة وفي وقت مناسب ففي صحيح البخاري من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ : "كان يتخولهم بالموعظة كراهة السآمة عليهم" ٢. ومما تقدم يتضح أن المحاضرات، والندوات وخطب الجمع والعيدين والنوازل، والمواعظ سمة وعلامة للدعوة الإسلامية، حيث: "أن الخطابة عماد الدعوة من جهة المناهج وطرائق البيان، إذ هي الوسيلة المثلى في تبليغ دين الله وشرعه إلى الناس مباشرة مشافهة، ولقد اعتمد عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام في تبليغ رسالة الله ونشر هذا الدين، وقد أولى الدين الحنيف الخطابة عناية خاصة يتضح ذلك من خلال سيرة إمام الدعاة، وقدوة الواعظين ﷺ ، حتى غدت معلمًا بارزًا من معالم المجتمع الإسلامي، إذ شرعت خطبة الجمعة

стр. 167

والعيدين والنوازل، حتى إن المنبر المعد للخطابة من معالم المسجد النبوي الشريف إذ خطب عليه الرسول ﷺ "١. ٥- الكتابة: والكتابة تشمل أشياء كثيرة منها: أ - كتابة بحوث. ب - تحقيق مسائل علمية فيها خلاف. ج- الكتابة الجيدة لبعض المواضيع المعاصرة. د- ترجمة بعض المواضيع الجيدة التي تخدم الدعوة من وإلى العربية. و كتابة إعلانات ومنشورات تخدم الدعوة. هـ- جمع معلومات وإعداد تقارير تخدم الدعوة. ي- إرسال الرسائل الدعوية، والرد على الأسئلة والفتاوى كتابة. ونعني بالكتابة أن يقدم الداعية للقارئ بين فترة، وأخرى ما يجد في الساحة من أحكام وموضوعات معاصرة، وأن يقوم الداعية بإعداد بحوث ودراسات علمية يتناول فيها التحليل، والتفصيل لقضية من قضايا الدعوة للترغيب فيها أو التحذير والترهيب منها، ويقدمها للقارئ بأي وسيلة متاحة من وسائل الإعلام المقروءة، أو المسموعة أو المرئية، وكذا الدراسات التي من شأنها تطوير أعمال الدعوة، واختبار مدى صلاحية أساليبها، كما أنه مطلوب من الداعية القادر أن يحقق المسائل الخلافية بالأدلة الشرعية، ويرجح القول الصحيح في المسائل، وكذلك الكتابة في أي موضوع يرى أنه هام ويخدم الدعوة، يتناوله بالبحث

стр. 168

والدراسة والتقويم والشرح، والإيضاح أو تتبع مسألة علمية مكتوبة كانت أو مسموعة، فيقوم الداعية بالرد عليها بما يجليها، ويوضح ما فيها من خلاف أو مخالفة للشرع، أو تحقيق مسألة فقهية يكثر فيها الخلاف، فيبين القول الراجح في المسألة، كما أن الداعية عليه حق لإخوانه المسلمين الناطقين بغير العربية، فعليه ترجمة ما يخدم الدعوة، وتقديمه بلغة القوم بأي وسيلة متاحة تصل إليها بسهولة مراعيًا في ذلك حاجة الدعوة ومتطلباتها، وأن يكون النقل صحيحًا سليمًا، ما أحوج الدعوة في الوقت الحاضر إلى المخلصين من الدعاة لكثرة المسلمين غير الناطقين بالعربية، وحاجتهم الماسة إلى معرفة تعاليم الإسلام، وأحكامه بلغتهم عن طريق الكاب، أو الشريط أو عن طريق البث الإعلامي بعدة لغات. وكذلك الكتابة فيما يخص الدعوة، وإعداد تقارير عن سيرها وعن العقبات، والسلبيات التي تعترض طريق الدعاة حتى يمكن حلها١، وعن الإيجابيات حتى يمكن تطويرها والرفع منها، وأخيرًا لا بد للدعوة من إدارة٢ تصد جميع أعمالها وتحركات الدعاة الذين يتبعون هذه الإدارة، والاطلاع على جميع التقارير، ودراستها بعمق ومن ثم وضع الحلول، والتسهيلات للدعاة وحل جميع ما يعترض طريقهم، وإبعاد ما يصدهم عن المضي في هذا الطريق طريق الأنبياء، والصالحين إلى يوم الدين.

стр. 169

٦- حضور المناسبات العامة والاشتراك فيها: حضور المناسبات العامة والاشتراك فيها مثل: أ- الأفراح كالزواج وعقد القران، والاحتفالات والمخيمات، والمجالس العامة والديوانيات لهدف التوجيه والإرشاد، والتأثير والدعوة بالتي هي أحسن. ب- العزاء: على الداعية أن يحضر مثل هذه المناسبات من عزاء، وحضور دفن ويبين حكم الشرع فيها مقرونًا بالدليل من الكتاب والسنة. ٧- تفقد أحوال الناس: الداعية عنصر فعال من عناصر الإصلاح، ولا يتم الإصلاح إلا بالاهتمام بأحوال الناس، والتعرف على أوضاعهم الاجتماعية والثقافية، ومعرفة فقرائهم وأغنيائهم وعالمهم وجاهلهم، حتى يستطيع الداعية معرفة المحتاجين، والمعدمين فيعمل على مساعدتهم، وتوفير ما يحتاجونه من طعام وشراب وغيره، فيقبلوه ويقبلوا على دعوته، ويتعرف على الأغنياء والوجهاء حتى يتمكن من إرشاد الأغنياء، والوجهاء إلى مساعدة فقرائهم، وبذل المال والجاه في سبيل الدعوة إلى الله حتى يكون التوازن في المجتمع بعطف الغني على الفقير. ٨- توزيع الأشرطة والكتيبات: لا شك أن من أنفع ما يقوم به الداعية هو أن يجعل شريطًا إسلاميًّا أو كتابًا نافعًا في يد من يفتقده، وخاصة إذا كان الشريط أو الكتاب "هدية"، فإن له وقع عظيم في قلب المهدي إليه، وقد أثبت هذا العمل فائدته، ونفعه عند كثير من الناس، فبإمكان الداعية استخدام الشريط

стр. 170

خاصة مع الناس الذين لا يحبون القراءة، فيختار الداعية لكل شخص ما يناسبه من الأشرطة، مع الاحتفاظ بأصل الشريط حتى ينسخ منه عند اللزوم، أما من يجيد القراءة ويهواها، فيهدي له كتيبًا مختصرًا؛ لأن الناس في وقتنا هذا يحبون المختصرات، فقد كثرت المشاغل والملهيات، ونادرًا ما تجد أحدًا من عامة الناس يقرأ كتابًا كبيرًا، فحاول أيها الداعية اللبيب قدر المستطاع أن تبحث عن رسالة، أو كتيب موضوعه يناسب عامة الناس، وتوزيعه على من تعرف ومن لا تعرف، ويمكن للداعية أن يسأل العلماء، وطلبة العلم في البلد عما يناسب من الكتب والأشرطة وغيرها، فإذا قام كل داعية بمسئوليته في هذا المجال حسب قدرته، وإمكاناته في محيطه بين أهله وعشيرته، ومن يعرف ومن لا يعرف، أصبح الدعاة يملكون أعظم مؤسسات التوزيع في العالم، وكانت الدعوة الإسلامية تملك من المراسلين جموعًا غفيرة لا تملكها دعوة أخرى في الدنيا كلها. ٩- الاشتراك في وسائل الإعلام: على الداعية أن يقوم بدوره وبما يجب عليه، وبما يكلف به من الاشتراك في وسائل الإعلام عبر القنوات المسموح بها، وتقديم أفضل البرامج النافعة في مجال الإصلاح، والبناء بالحجة والبرهان الساطع عبر هذه الوسائل التي يستمع إليها الكثير من الناس في مشارق الأرض ومغاربها، فتجد من يسمع لك ويقرأ لك وينتفع بعلمك، ويستفيد من آرائك، واقتراحاتك الكثير في جميع أنحاء العالم عبر وسائل الإعلام، فعلى الداعية المستطيع أن يشارك في الصحافة المحلية بكتابة مقالات توجيهية دعوية، أو يتولى زاوية في صحيفة

стр. 171

معينة يرتبط بواسطتها بالجمهور لإرشادهم، وتثقيفهم الثقافة الشرعية، وتصحيح مفاهيمهم، واعتقاداتهم الخاطئة عن الإسلام. أما المشاركات الإذاعية: فتعني أن على الداعية الذي يستطيع هذا النمط تقديم، أو إعداد المادة التي تقدم عبر الإذاعة، أو تبني برنامج أو أكثر يخدم الإسلام عبر هذه الوسيلة. أما المشاركة في التلفاز: فعلى الداعية الذي يستطيع هذا النوع من المشاركة أن يقدم كل جديد عن دعوته، وأن يقوم بإعداد البرامج أو تقديمها عبر التلفاز، أو تبني برنامج أو أكثر يخدم الدعوة عن طريقه، ويوضح للناس جميعًا أن هذا هو الدين الحق، وأنه دين جميع الأنبياء إلى غير ذلك ... ١٠- تلقي الأسئلة والإجابة عليها: ليس كل داعية يستطيع الإجابة على أسئلة الناس، وهنا نقول من تنظيم الدعوة تخصيص دعاة هم الذين يستقبلون الأسئلة ويجيبون عليها، ومع ذلك على كل الدعاة الاستعداد لأسئلة الناس؛ لأنهم يرون في الداعية القدوة، والثقة بما يقول وما يرشدهم إليهم فهم دائمًا يتوجهون للداعية أيا كان بأسئلتهم واستفساراتهم، ومشكلاتهم الاجتماعية والاقتصادية، وحتى الأسرية، فكن لبيبا فطنًا واعيا مدركا متأكدًا من صحة ما تقول، مجيبا إجابة واضحة صريحة لا لبس فيها ولا غموض، وإن كنت لا تعرف الجواب لم تكن متأكد منه الصحيح، أو لم يحضرك الدليل، فقل: لا أعرف، وبإمكانك أن تأخذ عنوان السائل ورقم هاتفه وتخبره بالجواب فيما بعد، بعد أن تبحث في المراجع وتسأل العلماء المتخصصين في ذلك مراعيًا في الإجابة الحكمة، وعدم

стр. 172

الإثارة أو التشكيك وذلك، بالقول الصحيح والبعد عن كل ما يثير العنصرية أو التفرقة بين الناس سواء كانت هذه الأسئلة عن طريق الهاتف، أو الرسائل أو كانت مشافهة، فقد كان النبي ﷺ يهتم بذلك حتى ولو أظهروا الغلظة، والشدة في مخاطبتهم إياه ومن ذلك ما رواه الإمام البخاري عن أنس بن مالك ﵁ يقول: "بينما نحن جلوس مع النبي ﷺ في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال لهم: "أيكم محمد ﷺ ، والنبي ﷺ متكئ بين طهرانيهم؟ فقلنا: "هذا الرجل الأبيض المتكئ" فقال له الرجل: "ابن عبد المطلب" فقال له النبي ﷺ : "قد أجبتك". فقال الرجل للنبي ﷺ : "إني أسألك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد علي في نفسك". فقال: "سل ما بدى لك". فقال الرجل: "أسألك بربك ورب من قبلك آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ " قال: "نعم" قال: "أنشدك بالله آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ " قال: "اللهم نعم" قال: "أنشدك الله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا، فنقسمها على فقرائنا؟ " فقال النبي ﷺ : "اللهم نعم". فقال الرجل: "آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر"١. ١١- إعداد دورات تعليمية: الدعوة تحتاج إلى إعداد دورات تعليمية مكثفة، وإعداد المناهج الخاصة بذلك:

стр. 173

من الأمور النافعة والمفيدة إعداد دورات تعليمية للدعاة تعقد في مدة محددة، تكثف فيها المعلومات حول موضوع معين يهم الدعوة، أو ظاهرة معينة ظهرت في المجتمع، وقد تعقد هذه الدورة لفئة معينة من الناس كالمسلمين الجدد، أو الراغبين في دخول الإسلام من غير المسلمين. ومن ثم يجب إعداد مناهج قابلة للتطبيق المستمر يتولاها الداعية بنفسه، أو يكون مشاركًا فيها أو تعمل هذه الدورات بمشورته، وإشرافه مع توثيقها من المختصين، والمسئولين عن هذا الأمر. ١٢- عمل دعوي ميداني عام: والمقصود به أن يقوم الداعية بجولات وتنقلات في المدن، والقرى المحيطة بالمدينة والبعيدة عنها، فيقوم الداعية بجولات في حدود منطقة عمله سواء كانت هذه الجولات للدعوة، أو تنسيق أعمالها وترتيبها أو الإشراف عليها، مع مراعاة أهل القرى والأرياف فإنهم غالبًا ما ينسون ويتركون، ويهملون لبعدهم وصعوبة الوصول إليهم مع أنهم أحوج من أهل المدن، وأكثر تقبلًا وأكثر جهلًا بأمور الشرع، ولذا كان على الدعاة أن يهتموا بما حولهم من المناطق النائية، وأن يذهبوا إليهم ويبلغوهم دعوة الله، ويتحملوا مشاق الطريق وصعوبته، ويأخذوا معهم بعض الهدايا المعنوية والمادية، ويتفقدوا أحوالهم الاجتماعية، ويتعرفوا على الفقراء فيهم ويحالوا مساعدتهم بما يقدرون عليه من مال وجاه، وغير ذلك حتى يستطيع الداعية أن يرفع من ثقافتهم الشرعية، ويرسخ العقيدة والإيمان في قلوبهم، وعمل الداعية في الميدان يشمل الدعوة الجماعية، والدعوة الفردية وهذه الأخيرة مهمة جدًّا إذ إنها تربي

стр. 174

الأفراد تربية متكاملة، فلا تقتصر أخي الداعية على جانب واحد، وتهمل الباقي بل عليك أن تطرق جميع الأبواب وتسلك جميع السبل، وهذا ما يسمى بالشمولية في التربية، لكن الدعوة الفردية تكون أنجح من الدعوة الجماعية العامة، ولا مانع أن يجمع الداعية هذه وتلك، فالمطلوب من الداعية الشمولية في الدعوة كل على قدر استطاعته، وقدراته وما يتاح له من طرق ووسائل، فصاحب المال يبذل ماله للدعوة وصاحب الجاه يبذل جاهه في تسهيل مهمة الدعاة، وفتح أبواب الدعوة أمامهم، المهم أن يعمل الداعية، ويبذل ويجتهد ولا يكل ولا يمل، ولا يتقاعس فالدعاة يكمل بعضهم بعضًا فمنهم الإداري الناجح، والإداري الدعوي الموفق، والمخطط الماهر والخطيب المفوه والواعظ الحكيم، والموزع الناجح، والصحفي المشهور، والمذيع الفصيح، والكاتب البليغ إلى غير ذلك من الأبواب المتنوعة، والمتعددة أمام الدعاة، لكن على الداعية المتابعة لعمله الدعوي سواءً كان عمله جماعيًّا أو فرديًّا أو كلاهما، فالداعية مثله كالمزارع الذي زرع زرعًا، إن تعاهده وسقاه واعنتى به أثمر وأينع، وإن أهمله وتركه ضعف، وأصفر وصار هشيمًا تذوره الرياح "إن كثيرًا من الناس يجهل أهمية الدعوة الفردية، وذلك ظنا منهم أن الدعوة ينبغي أن تكون للناس عامة، وذلك بإلقاء المواعظ والمحاضرات والدروس العامة، والحقيقة أن هذا لا يكفي، فالدعوة الفردية تكون نافعة في أغلب الأحيان أكثر من الدعوة الجماعية، ولهذا نجد أن النبي ﷺ اهتم بالدعوة الفردية خاصة في أول مراحل الدعوة، فقد كان وضع اللبنات الأساسية للدولة الإسلامية من طريق الدعوة الفردية التي أثرت في الناس أيما تأثير، فجعلت الأفراد المتمسكين بهذا الدين

стр. 175

مضحين له بالغالي والنفيس"١. فعلى الدعاة والمربين أن ينشئوا جيل الإسلام، وشباب الدعوة على خلق النصح والمناصحة، بالحكمة والموعظة الحسنة حتى يكونوا جنودا مخلصين للدعوة، وحملة لمشاعل النور والهداية في العالم، مع ملاحظة بناء الشخصية المتكاملة المتوازنة، بحيث يتربى الشاب المنتمي للدعوة الإسلامية على بناء شخصيته بناءً متوازنا متكاملًا بحيث يراعي المربي -وهو الداعية- في تكوين الشاب، التوازن بين المادة والروح، ويوفق بين الدنيا والآخر، ويربط العبادة والحياة معًا، ويجمع بين التزكية والجهاد، ويوازن بين حقوق الله وحقوق العباد، فهذا التوازن والتكامل في بناء الشخصية الإسلامية يستطيع الشاب أن يمارس حياته الاجتماعية، والعملية والفكرية ونظرته للحياة، والواقع بتوازن وانسجام تام مع واقعية الحياة، وعلى الفطرة التي فطر عليها، دون شطط أو انحراف في المنهج والسلوك والتفكير والاعتقاد ومما ينتج عن الانحراف في التربية والتعليم عواقب وخيمة، وصعبة على الشخص نفسه، وعلى المجتمع الذي يعيش فيه، فتنبه أخي الداعي وأنت تقوم بدور الموجه، والمربي لهذه الأمة، فأنت المسئول وحدك عن هذا العمل، وعن القيام بمهام الدعوة والإصلاح حيثما كنت في بيتك، ومع أهلك وجيرانك ومع من تعرف ومن لا تعرف، حتى يكون المجتمع في سعادة وطمأنينة ورخاء في ظل تعاليم الإسلام السمحة، فأنت أيها الداعية الكريم قائد السفينة، فلا تدعها تغرق وأنت فيها.

стр. 176

١٣- إقامة الدروس الدائمة: أخي الداعية إن عملك الدؤوب والمستمر، والهادي مثمر ومفيد مع مرور الزمن، وإن كنت لا تشعر بذلك، فالابن عند أبويه يكبر ولكن لا يشعر بذلك الأبوان لوجوده بينهما، ووجودهما معه في البيت، أما الناس فهم يشعرون بذلك، بل يرونه واضحًا، وكذلك عملك في الدعوة إلى الله إنه يثمر وثماره يانعة، شعرت بذلك أو لم تشعر، بل قد لا تشعر كالأب لا يشعر بنمو ولده، وأنت كداعية ينبغي عليك ألا يشغلك عمل عن عمل فالداعية كالطائر تجده ينتقل من غصن إلى غصن، ومن شجرة إلى أخرى بخفة ورشاقة لا يطول به المقام في مكان واحد، وكذلك الداعية يسلك جميع الطرق، ويتبع جميع السبل الناجحة لتبليغ رسالة ربه إلى الناس كافة، وخاصة الذين في محيطه وبلده أو قريته أو الذين هو مكلف بالعمل معهم، فلو أن كل داعية قام بما يجب عليه في الدائرة المحدودة له لم يبق أحد إلا وصلته الدعوة، وبلغته الرسالة وقامت عليه الحجة، وفي هذا الموضوع يفضل أن يركز الداعية على الدروس الدائمة المستمرة اليومية، أو الأسبوعية في إحدى كتب العقيدة أو العبادات، أو التفاسير أو الأحاديث النبوية أو السيرة، أو اللغة العربية أو غيرها من الكتب الإسلامية المعاصرة، ويفضل الجمع بين بعض هذه العلوم، والتنويع في ذلك يعد أكثر فائدة، فإن التجربة أثبتت نجاح ذلك وعظيم فائدته، وبقاء المعلومات في الذاكرة أكثر وأطول والتأثر بها أبلغ، فحاول أخي الداعية أن يكون لك دروس ثابتة في كتاب معين مفيد، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، فأعن أخاك

стр. 177

بتوصيل العلم له عن طريق إقامة الدروس الدائمة والمستمرة، أو عن طريق نشر العلم في مجتمعات الناس، وأفرادهم فالعلم لا بد من نشره وتوصيله إلى جميع الناس، والرسول ﷺ قد قال: "بلغوا عني ولو آية" ١. ويقول ﷺ : "نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع" ٢. ومما ينبغي عمله تفقد أحوال المدعوين ومن يحض الدروس، والسؤال عن أحوالهم كما هو نهجه ﷺ عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس ﵁، فقال رجل: "يا رسول الله أنا أعلم لك علمه". فأتاه فوجده جالسا في بيته منكسا رأسه، فقال: "ما شأنك؟ " فقال: "شر، كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ فقد حبط عمله، وهو من أهل النار"، فأتى الرجل فأخبره أنه قال: "كذا وكذا" فقال النبي ﷺ : "اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكن من أهل الجنة" ٣. "وقد تفقد ﷺ من غاب عن حلقته بسبب حزنه على وفاة ابنه. وكان صحابي يحضر حلقة الرسول الكريم ﷺ مع ابن له، وكان الرجل يحبه حبًّا شديدًا، فمات الولد، وامتنع الرجل أن يحضر الحلقة حزنًا على ابنه. ففقده النبي ﷺ فسأل عنه فأخبر عن حاله، فلقيه وعزاه. وروى الإمام النسائي عن معاوية بن قرة عن أبيه ﵁ قال: "كان نبي الله ﷺ إذا جلس إليه نفر من أصحابه، وفيهم رجل له ابن صغير يأتيه من خلف ظهره فيقعده بين يديه، فهلك، فامتنع الرجل أن يحضر

стр. 178

الحلقة لذكر ابنه، فحزن عليه ففقده النبي ﷺ فقال: "ما لي لا أرى فلانا؟ " قالوا: يا رسول الله "بنيه الذي رأيته هلك"، فلقيه النبي ﷺ فسأله عن بنيه، فأخبره أنه هلك فعزاه عليه. ثم قال: "يا فلان؟ أيما كان أحب إليك أن تتمتع به عمرك، أو لا تأتي غدًا إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه بفتحه لك؟ " قال: "يا نبي الله؟ بل يسبقني إلى باب الجنة، فيفتحها لي هو أحب إليَّ" قال: "فذاك لك" ١"، ففي هذا الحديث نجد أن النبي ﷺ سأل عن الرجل الذي غاب عن حلقته؟ فأخبر عنه: فلقيه ﷺ وسعى إلى إزالة سبب غيابه، وذلك ببيان فضل من مات ابنه فصبر عليه.

стр. 179

١٤- الداعية والجمعيات الخيرية: إن الداعية المخلص هو الذي يستطيع أن يسلك عدة طرق، وأساليب للدعوة وإلى الله، ويكون ذكيًّا لا يخدع ولا يتنازل عن أمر من أمور دينه، فإن الوسائل قد كثرت والأساليب قد تعددت، فلا بد للداعية أن يقتحم هذه المجالات، ويسلك هذه السبل من أجل نشر دعوته، ورفع راية التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله عن طريق الدخول في الجميعات الخيرية والحملات الإغاثية، فإنها تحتاج من الداعية المسلم إلى بذلك الجهد، والمال والفكر والوقت فلا تبخل على إخوانك بمساعدتهم، والدخول معه وبذل ما تستطيعه من الفكر النير، والتخطيط السليم المنظم، وبذل الوقت والجهد ودعم هذه الجمعيات الخيرية ماديا ومعنويا، والارتباط معهم معظم الوقت في إدارة الأعمال والحسابات حتى لو لزم الأمر منك الحضور يوميا فلا تبخل بذلك، إن اشتراك الداعية في الجمعيات الخيرية، والمنظمات الإغاثية المعروفة بصدقها، وسلامة منهجها واستقامة القائمين عليها لهو من أجل الأعمال الدعوية، فعن طريق هذه الجمعيات الخيرية، والمنظمات الإغاثية تصل إلى جمهور الفقراء والمعوزين الذين ألجأتهم ظروف الحياة إلى الحاجة والفقر، ومن غيرك أيها الداعية يستطيع أن يقوم بهذا الدور العظيم، والعمل الخيري المتعدي نفعه إلى خلق كثير والتخفيف من معاناتهم؟؟ إذا لم تحتسب أنت أيها الداعية وتبذل الوقت، والجهد من يفعل ذلك؟؟ إن عمل الداعية في سبيل الوصول إلى هداية الناس، وردهم إلى الصواب وتعليمهم أمر دينهم لهي غاية عظمى، وهدف نبيل من أهداف الدعوة، إن من أهم وسائل الدعوة

стр. 180

أن تقدم للفقير ما يحتاجه من طعام وكساء وعلاج، ومأوى وإذا زارك أو زرته فتستقبله بالبشاشة، وطلاقة الوجه وإظهار الحب والعطف، والنصح بالتي هي أحسن كل هذه الأمور تجعلك قريبًا من الناس يفرحون بقدومك، ويسمعون كلامك ويعملون ما ترشدهم إليه من أمور دينهم، ودنياهم بكل ارتياح دون ملل أو سأم أو ضجر وتبرم، فينبغي للداعية أن يكون له دور فعال ومؤثر في الجمعيات الخيرية، والمنظمات الإغاثية المنتشرة داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، فإن هذه الجمعيات والمنظمات تقوم بجهود جبارة في الإغاثة حال الكوارث والنكبات، وما تقوم به هذه الجمعيات من رعاية وعناية بالأسر الفقيرة، ورعاية الأيتام والأرامل، ومشروع تفطير صائم وكفالة يتيم، وغير ذلك من الجهود التي تقوم بها هذه المنظمات الإغاثية، فعليك أن تشد عضد إخوانك وتعمل معهم، فالعمل معهم يعد بوابة تدخل منها للدعوة إلى الله، ونشر هذا الدين في محيط هؤلاء في بقاع كثيرة من هذه الأرض فرسالة الداعية عالمية لا تحدها حدود، ولا تحصرها أرض ولا تخص جنسًا دون الآخر ولا عرقًا معينا، ولا قبيلة دون الأخرى ولا لونًا دون لون ولا غنيا دون فقير: أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم فالداعية دائما يلتمس أيسر الطرق، وأسهل السبل في دعوته إلى الله فهو كالشمعة تحترق لتضيء الطريق للسالكين، والسائرين إلى الله ، بأمن وأمان فالدعاة يحملون في قلوبهم نور الإسلام وحلاوة الإيمان، وبرد العيش لا يخافون إذا خاف الناس ولا يقلقون إذا فزع الناس، أيها الداعية الكريم عليك أن تحمل راية الدعوة إلى الله وتبذل كل غال ونفيس، فإن الله يبارك في جهود الدعاة
следующие страницы →