← Общие книги

Общие книги · id 23103

دليل الداعية

ناجي بن دايل السلطان

Полный текст (239 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

١٣- إقامة الدروس الدائمة: أخي الداعية إن عملك الدؤوب والمستمر، والهادي مثمر ومفيد مع مرور الزمن، وإن كنت لا تشعر بذلك، فالابن عند أبويه يكبر ولكن لا يشعر بذلك الأبوان لوجوده بينهما، ووجودهما معه في البيت، أما الناس فهم يشعرون بذلك، بل يرونه واضحًا، وكذلك عملك في الدعوة إلى الله إنه يثمر وثماره يانعة، شعرت بذلك أو لم تشعر، بل قد لا تشعر كالأب لا يشعر بنمو ولده، وأنت كداعية ينبغي عليك ألا يشغلك عمل عن عمل فالداعية كالطائر تجده ينتقل من غصن إلى غصن، ومن شجرة إلى أخرى بخفة ورشاقة لا يطول به المقام في مكان واحد، وكذلك الداعية يسلك جميع الطرق، ويتبع جميع السبل الناجحة لتبليغ رسالة ربه إلى الناس كافة، وخاصة الذين في محيطه وبلده أو قريته أو الذين هو مكلف بالعمل معهم، فلو أن كل داعية قام بما يجب عليه في الدائرة المحدودة له لم يبق أحد إلا وصلته الدعوة، وبلغته الرسالة وقامت عليه الحجة، وفي هذا الموضوع يفضل أن يركز الداعية على الدروس الدائمة المستمرة اليومية، أو الأسبوعية في إحدى كتب العقيدة أو العبادات، أو التفاسير أو الأحاديث النبوية أو السيرة، أو اللغة العربية أو غيرها من الكتب الإسلامية المعاصرة، ويفضل الجمع بين بعض هذه العلوم، والتنويع في ذلك يعد أكثر فائدة، فإن التجربة أثبتت نجاح ذلك وعظيم فائدته، وبقاء المعلومات في الذاكرة أكثر وأطول والتأثر بها أبلغ، فحاول أخي الداعية أن يكون لك دروس ثابتة في كتاب معين مفيد، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، فأعن أخاك

стр. 177

بتوصيل العلم له عن طريق إقامة الدروس الدائمة والمستمرة، أو عن طريق نشر العلم في مجتمعات الناس، وأفرادهم فالعلم لا بد من نشره وتوصيله إلى جميع الناس، والرسول ﷺ قد قال: "بلغوا عني ولو آية" ١. ويقول ﷺ : "نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع" ٢. ومما ينبغي عمله تفقد أحوال المدعوين ومن يحض الدروس، والسؤال عن أحوالهم كما هو نهجه ﷺ عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس ﵁، فقال رجل: "يا رسول الله أنا أعلم لك علمه". فأتاه فوجده جالسا في بيته منكسا رأسه، فقال: "ما شأنك؟ " فقال: "شر، كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ فقد حبط عمله، وهو من أهل النار"، فأتى الرجل فأخبره أنه قال: "كذا وكذا" فقال النبي ﷺ : "اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكن من أهل الجنة" ٣. "وقد تفقد ﷺ من غاب عن حلقته بسبب حزنه على وفاة ابنه. وكان صحابي يحضر حلقة الرسول الكريم ﷺ مع ابن له، وكان الرجل يحبه حبًّا شديدًا، فمات الولد، وامتنع الرجل أن يحضر الحلقة حزنًا على ابنه. ففقده النبي ﷺ فسأل عنه فأخبر عن حاله، فلقيه وعزاه. وروى الإمام النسائي عن معاوية بن قرة عن أبيه ﵁ قال: "كان نبي الله ﷺ إذا جلس إليه نفر من أصحابه، وفيهم رجل له ابن صغير يأتيه من خلف ظهره فيقعده بين يديه، فهلك، فامتنع الرجل أن يحضر

стр. 178

الحلقة لذكر ابنه، فحزن عليه ففقده النبي ﷺ فقال: "ما لي لا أرى فلانا؟ " قالوا: يا رسول الله "بنيه الذي رأيته هلك"، فلقيه النبي ﷺ فسأله عن بنيه، فأخبره أنه هلك فعزاه عليه. ثم قال: "يا فلان؟ أيما كان أحب إليك أن تتمتع به عمرك، أو لا تأتي غدًا إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه بفتحه لك؟ " قال: "يا نبي الله؟ بل يسبقني إلى باب الجنة، فيفتحها لي هو أحب إليَّ" قال: "فذاك لك" ١"، ففي هذا الحديث نجد أن النبي ﷺ سأل عن الرجل الذي غاب عن حلقته؟ فأخبر عنه: فلقيه ﷺ وسعى إلى إزالة سبب غيابه، وذلك ببيان فضل من مات ابنه فصبر عليه.

стр. 179

١٤- الداعية والجمعيات الخيرية: إن الداعية المخلص هو الذي يستطيع أن يسلك عدة طرق، وأساليب للدعوة وإلى الله، ويكون ذكيًّا لا يخدع ولا يتنازل عن أمر من أمور دينه، فإن الوسائل قد كثرت والأساليب قد تعددت، فلا بد للداعية أن يقتحم هذه المجالات، ويسلك هذه السبل من أجل نشر دعوته، ورفع راية التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله عن طريق الدخول في الجميعات الخيرية والحملات الإغاثية، فإنها تحتاج من الداعية المسلم إلى بذلك الجهد، والمال والفكر والوقت فلا تبخل على إخوانك بمساعدتهم، والدخول معه وبذل ما تستطيعه من الفكر النير، والتخطيط السليم المنظم، وبذل الوقت والجهد ودعم هذه الجمعيات الخيرية ماديا ومعنويا، والارتباط معهم معظم الوقت في إدارة الأعمال والحسابات حتى لو لزم الأمر منك الحضور يوميا فلا تبخل بذلك، إن اشتراك الداعية في الجمعيات الخيرية، والمنظمات الإغاثية المعروفة بصدقها، وسلامة منهجها واستقامة القائمين عليها لهو من أجل الأعمال الدعوية، فعن طريق هذه الجمعيات الخيرية، والمنظمات الإغاثية تصل إلى جمهور الفقراء والمعوزين الذين ألجأتهم ظروف الحياة إلى الحاجة والفقر، ومن غيرك أيها الداعية يستطيع أن يقوم بهذا الدور العظيم، والعمل الخيري المتعدي نفعه إلى خلق كثير والتخفيف من معاناتهم؟؟ إذا لم تحتسب أنت أيها الداعية وتبذل الوقت، والجهد من يفعل ذلك؟؟ إن عمل الداعية في سبيل الوصول إلى هداية الناس، وردهم إلى الصواب وتعليمهم أمر دينهم لهي غاية عظمى، وهدف نبيل من أهداف الدعوة، إن من أهم وسائل الدعوة

стр. 180

أن تقدم للفقير ما يحتاجه من طعام وكساء وعلاج، ومأوى وإذا زارك أو زرته فتستقبله بالبشاشة، وطلاقة الوجه وإظهار الحب والعطف، والنصح بالتي هي أحسن كل هذه الأمور تجعلك قريبًا من الناس يفرحون بقدومك، ويسمعون كلامك ويعملون ما ترشدهم إليه من أمور دينهم، ودنياهم بكل ارتياح دون ملل أو سأم أو ضجر وتبرم، فينبغي للداعية أن يكون له دور فعال ومؤثر في الجمعيات الخيرية، والمنظمات الإغاثية المنتشرة داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، فإن هذه الجمعيات والمنظمات تقوم بجهود جبارة في الإغاثة حال الكوارث والنكبات، وما تقوم به هذه الجمعيات من رعاية وعناية بالأسر الفقيرة، ورعاية الأيتام والأرامل، ومشروع تفطير صائم وكفالة يتيم، وغير ذلك من الجهود التي تقوم بها هذه المنظمات الإغاثية، فعليك أن تشد عضد إخوانك وتعمل معهم، فالعمل معهم يعد بوابة تدخل منها للدعوة إلى الله، ونشر هذا الدين في محيط هؤلاء في بقاع كثيرة من هذه الأرض فرسالة الداعية عالمية لا تحدها حدود، ولا تحصرها أرض ولا تخص جنسًا دون الآخر ولا عرقًا معينا، ولا قبيلة دون الأخرى ولا لونًا دون لون ولا غنيا دون فقير: أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم فالداعية دائما يلتمس أيسر الطرق، وأسهل السبل في دعوته إلى الله فهو كالشمعة تحترق لتضيء الطريق للسالكين، والسائرين إلى الله ، بأمن وأمان فالدعاة يحملون في قلوبهم نور الإسلام وحلاوة الإيمان، وبرد العيش لا يخافون إذا خاف الناس ولا يقلقون إذا فزع الناس، أيها الداعية الكريم عليك أن تحمل راية الدعوة إلى الله وتبذل كل غال ونفيس، فإن الله يبارك في جهود الدعاة

стр. 181

وينفع بها مع قلة الإمكانات العددية والمالية وحتى المعنوية، ومع ذلك نرى النتائج طيبة، والإيجابيات كثيرة والسلبيات قليلة، ولله الحمد فكن أخي الداعية من حزب الله المخلصين الذين يستمدون قوتهم من فاطر الأرض والسماوات، وبالمقابل هناك منظمات وهيئات إغاثية نصرانية همها، وهدفها التنصير أو إخراج المسلمين من دينهم، أو التشكيك في دين الإسلام والطعن فيه حتى ينسلخ المسلم من دينه، وعقيدته بل وهويته الإسلامية، فيعيش بلا دين ولا مبدأ ولا قيم، ولا أخلاق قد وقع الكثير من المسلمين في حبائل الشيطان، وأسرهم الهوى وكبلتهم المعاصي، والآثام بسبب هذه الدعوات المغرضة، تجدهم يجرون خلف كل ناعق، همهم إشباع بطونهم وفروجهم، وهذا ما يريده أصحاب المنظمات اليهودية والنصرانية، قد خططوا له ورصدوا له الأموال الضخمة بينما نرى تجار المسلمين وأصحاب رؤوس الأموال قد بخلوا في الإنفاق على مشاريع الدعوة إلى الله إلا من رحم ربك، فتنبه أيه االداعية لهذا المخطط الخبيث، وقابله بمخطط مضاد مستمد من تعاليم الدين الحنيف، فأنت صاحب المبدأ السليم تسير على نور وبرهان من رب العالمين، وهم يسيرون على عمى وضلال، لهم صولة وجولة وانتفاشه إذا نام أهل الحق أو غفلوا، أما إذا وقف الدعاة والمصلحون صفًّا واحدًا، فإن الزبد يذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ ١.

стр. 182

١٥- دور المرأة في الدعوة: إن ما سبق وما سيأتي في هذا الكتاب عن أهية الدعوة، وواجب الدعاة ودور المربي -يعني الداعية- ينطبق على الرجل والمرأة، فالمرأة مكلفة كما أن الرجل مكلف بشرائع الدين، وأصول العبادة وفروعها، والمرأة جزء من الرجل لها ما له وعليها ما عليه كما أن الرجل جزء من المرأة كذلك -مع التحفظ- ولا نقول كما يقول الغرب الكافر عن المرأة أنها مثل الرجل سواء بسواء في العمل، والخروج إلى الشارع والسفور وممارسة ما تريد دون وزاع أو رادع، وإطلاق العنان لها وللرجل في الشهوات، وعدم المعارضة بحجة الحرية الشخصية، أي حرية تهدر القيم، وتهدم الأسر وتخلط الأنساب؟؟ أي حرية شخصية تهين كرامة المرأة، وتجعلها سلعة رخيصة للرجل تكون بجانبه في المصنع وفي المكتب وفي المتجر، تكد وتكدح تلهث وراء لقمة العيش، وحطام الدنيا الزائل وتترك البيت وتربية الأولاد بل قد لا تنجب أولادًا؛ لأنها مشغولة غير فارغة للبيت والأولاد، مشغولة في شهواتها وملذاتها، وما تلبث أن يكبر بها السن فتكون غير صالح للعمل لكبر سنها، فتتحول إلى دور العجزة ليس لها ابن يحنو عليها، ولا زوج يعطف عليها ولا أخ يرحمها ولا أب يعولها، إن للمرأة في الإسلام دور عظيم مع بني جنسها من النساء إذ إنها تستطيع أن تدخل البيوت وتجتمع بالنساء وتحدثهن، وترشدهن إلى تعاليم الإسلام السمحة والقيام بمهام الدعوة، وتتحمل مسئوليتها في جميع مراحل الدعوة، ولذلك كان من الضروري أن تنال المرأة الحظ الوافر من الرعاية

стр. 183

المستمرة أثناء تعهدها وتربيتها منذ الطفولة حتى تصبح زوجة صالحة، وأما حنونا ومربية فاضلة وداعية جادة، عندها تستطيع أن تقوم بمسئولياتها في الحياة، ولقد ارتكبت الحضارة الغربية جرائم عدة بحق الإنسان، وبحق شعوب الأرض حين نشرت فسادها وفتنتها، وكان من أخطر ما نفذته هو أن دفعت المرأة دفعًا إلى أحضان الرذيلة والزنا والفتنة والفساد، ولقد دفع الغرب المرأة إلى لهيب الشهوة الجنسية، وفتنتها دفعا قويًّا ضاربين بكل القيم التي تدعو إليها الأديان كلها، لقد ضربوا بها عرض الحائط، وعزلوا الدين عن الحياة -كما سبق وأشرنا إلى ذلك في أول هذا الموضوع- ومع هذا وذاك نحمد الله أن جعل في بلاد المسلمين مسلمات يفهمن هذا الوضع، ويقمن بالدعوة إلى الله والموعظة الحسنة، شأنها في ذلك شأن الرجل، فللمرأة والرجل قضايا مشتركة في ميدان الدعوة، والبلاغ وميدان التربية والبناء، فالإيمان والتوحيد وتدبر منهاج الله، وممارسته وتطبيقه في واقع الحياة قواعد أساسية للمرأة والرجل، وربما تختلف بعض الأساليب، ولكن النهج العام يمضي واحدًا.

стр. 184

١٦- دعوة غير المسلمين إلى الإسلام: كما تقدم في هذا البحث أن الدعوة إلى هذا الدين واجب على كل مسلم، ومسلمة بعينه حسب قدرته واستطاعته لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ومما تقدم عرفنا كيف نتعامل مع المسلمين في دعوتهم إلى ترك المخالفات الشرعية، والأعمال البدعية التي لا تمت إلى هذا الدين بصلة لا من قريب ولا بعيد، وقد شاعت وانتشرت بين كثير من المسلمين حتى صارت عندهم من الشرع، بل إنهم يغضبون على منكرها، ويناصبونه العداوة والبغضاء جهلًا منهم لهذا العمل البدعي الذي شاب عليه الكبر وشب عليه الصغير، والداعية يتعامل مع المسلمين في دعوتهم إلى ترك المخالفات الشرعية، وامتثال الأوامر التي أمر الله بها وتطبيقها على أرض الواقع، والحث على فعلها والترغيب في الاستمرار عليها، وبيان الأجر العظيم المترتب على فعلها هذا للمدعو، فما لك أنت أيها الداعية إذا دعوت غير مسلم فأسلم وكنت أنت السبب في إسلامه وانقياده، وإنقاذه من النار، ودخوله مع المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، عن سهل بن سعد قال: قال ﷺ : "لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم"١ الحديث. وغير المسلمين أصناف كثيرون فمنهم أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى، ومنهم من يعبد الحجر والكواكب وو.. إلخ ومنهم الملحد الذي لا يؤمن بإله البتة ولا ينقاد لدين كالشيوعية، كل هؤلاء أصناف من الناس في ذمتك أيها الداعية، وأنت مسئول عنهم يوم القيامة هل بلغت لهم هذا

стр. 185

الدين ودعوتهم إلى اعتناقه أم لا؟؟ إن هؤلاء الأصناف من البشر كالقطيع من الأنعام التي تهيم على وجهها في الأرض، همهم بطونهم وفروجهم لا يعلمون عن الآخرة شيئًا، ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ ١ وصفهم الخالق بقوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ ٢ ومعلوم أن دين الإسلام هو دين الفطرة التي فطر الناس عليها، فما دام هذا الدين هو دين الفطرة، فيكون اعتناقهم للإسلام سهل ويسير لا سيما في هذا العصر الذي أصبح العالم فيه بمثابة قرية صغيرة من ناحية الاتصالات والمواصلات، فتستطيع أن تتصل بمن شئت من بلاد العالم، وأنت جالس في غرفة بل باستطاعتك أن تتصل وأنت سائر في الطريق في إحدى وسائل النقل الحديثة، وباستطاعتك السفر بسهولة أيضا، والداعية عليه أن يستغل هذه الظروف وهذه الفرص، فتجد المسلم يذهب إلى بلاد الكفار، والكافر يأتي إلى بلاد المسلمين إما للعمل أو للتجارة أو السياحة، وقد يكون للدراسة فهذا الاختلاط وهذه الاتصالات الميسرة يجب أن تستثمر، وتستغل في الدعوة إلى الله من قبل المسلم الذي يرى هؤلاء، ويختلط بهم إما في العمل أو الدراسة أو التجارة، ولا يمل ولا يكل من دعوتهم. وإليك بعض أساليب دعوة أهل الكتاب خاصة: ١- تذكيرهم بنعم الله . ٢- الثناء على أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام، وبيان أنهم يدعون إلى دين واحد وهو الإسلام.

стр. 186

٣- دعوتهم لمراجعة ما نزل عليهم في كتبهم من الإيمان برسول الله ﷺ في الإنجيل، ولا تزال بعض نسخ الإنجيل سالمة من تحريفهم. ٤- ترغيبهم في الإسلام وبيان تميزهم إذا دخلوا في هذا الدين. ٥- العدل في الحكم عليهم"١. وهناك أساليب ناجحة ونافعة وهي حسن المعاملة، والتعامل مع الكفار بالصدق، واللين والأناة والحكمة والإكرام فقد أكرم النبي ﷺ وفد نصارى نجران لما قدموا عليه في المدينة، ودخلوا على النبي ﷺ مسجده، وحانت صلاتهم وكان ذلك بعد العصر، فقاموا يصلون في مسجد النبي ﷺ وأراد الناس أن يمنعوهم، فقال ﷺ : "دعوهم"، "وقد ذكر ابن القيم في زاد المعاد بأنه إذا لم يكن ذلك عادة، وكان ذلك في مصلحة الدعوة فلا بأس؛ لأنهم جاءوا يسمعون من النبي ﷺ ويسمع منهم"٢، وهناك صنف آخر من الكفار وهم الوثنيون: الذين يعبدون الأصنام في هذا العصر مع تقدم العلم والاختراع، ومع ذلك ما زالوا في كثير من بلدان العالم يسجدون لهذه الأصنام من دون الله، فهناك آلة ترمز عندهم بإله الشمس والشيطان وإله الخير "ورمز بوذا" معروف ومشهور لدى الكثير، وهنا يأتي دور الداعية وخاصة من حكمت عليه ظروف الحياة الاتصال بهؤلاء ومجالستهم، ومحادثتهم والبقاء معهم عليه دعوتهم إلى الدين الصحيح، وبيان عظمة الخالق وعظمة خلقه وبديع صنعه، وأنه وحده المستحق للعبادة، ومن وسائل دعوة غير المسلمين الاهتمام من قبل الداعية بغير المسلم وإشعاره

стр. 187

بقيمته وأنه عضو نافع وجزء لا يتجزأ من هذا الخلق الذي هو معبد لله وخاضع له، بل إن هذا الكون شمسه وقمره وكواكبه خاضع طائع لخالقه، فكيف بك أيها الإنسان حري بك، وجدير بك أن تخضع وتطيع لهذا الخالق العظيم وتعبده وحده، ولا تشرك به شيئا فهو المستحق للعبادة وحده دون سواه، فقد كان من هديه ﷺ دعوة غير المسلمين من يهود ونصارى، ووثنيين وغيرهم دعوة جماعية، وفردية حسب المقتضيات والظروف بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، وبالمناظرة والمحاورة أحيانًا، وكثيرًا ما كان اليهود يناظرون الرسول ﷺ ويلقون عليه الأسئلة للتعجيز، والمباهاة فكان يأتيه الجواب من السماء كالصاعقة عليهم، وهناك فئة ثالثة من الكفار وهم الملحدون١، وهم ما يعرف الآن بالشيوعية لا يؤمنون بإله البته لا يدينون بدين، هؤلاء لا بد من مناظرتهم، وبيان أن هذا الكون لا بد له من موجد وخالق عظيم، وأنه لا يمكن لشيء أن يخلق نفسه أو يتكون بنفسه، واضرب له مثالًا أيها الداعية اللبيب بسفينة محملة بأنواع البضائع جاءت من الهند، ورست في ميناء جدة هي التي صنعت نفسها، وحملت نفسها وأفرغت حمولتها بنفسها. سيقول الملحد: هذا غير معقول؟ فنقول له: وهذا الكون والخلق العظيم دون خالق غير معقول، إن الكفار الذي لا يؤمنون بدين أصلًا يسهل دخولهم وانقيادهم للإسلام إذ إن الإنسان بفطرته يبحث عن دين يعتنقه، فتجد الملحد أحيانا يجرب عدة أديان عله يجد فيها السعادة والراحة فلا يجد فيقى حائرًا، فإذا يسر الله له

стр. 188

داعية يدله ويرشده إلى الدين الحق فإنه يعتنقه بسهولة، من هذا يتبين أن دعوة غير المسلمين بمختلف أنواعهم، وأصنافهم واجب على كل مسلم ومسلمة أن يقدم ما يستطيع من كلمة طيبة، ومعاملة حسنة وإسداء الإحسان والمعروف وتقديم الهدية، فقد ذكر عبد الملك القاسم وفقه الله في إحدى كتبه أن أحد الشباب كان يعمل ممرضًا في المستشفى التخصصي بالرياض، وكانت له علاقات طيبة مع جميع العاملين في المستشفى، وخاصة الأطباء بما فيهم غير المسلمين، فكان يقدم لهم الخدمات ويدعوهم إلى وليمة في مكان جميل وطيب -استراحة- بين فترة وأخرى، وعند انتهاء خدمات أحد الأطباء الإنجليز أراد هذا الشاب أن يقدم له هدية، فاستشار أحد أصدقائه فقال: قدم له كتابًا لعل الله أن ينفعه به، وكان في نية هذا الشاب أن يقدم له تحفة لعلمه أن الإنجليز يحبون التحف، وعندما ذهب يشتري تحفة دخل أحد المكتبات العامة، وإذا بعينه تقع على كتيب صغير باللغة الإنجليزية، فتذكر قول صديقه فاشتراه ووضعه داخل التحفة، وقدمها هدية في حفل متواضع، وذهب هذا الطبيب إلى بلده وفتح الهدية فسر بها كثيرًا وخاصة أن بداخلها كتابًا، ففرح به كثيرًا فبدأ في قراءته فإذا هو عن الإسلام، وقال: في نفسه يا إلهي هذا الدين الذي كنت أسمع عنه كثيرا فشرح الله صدره للإسلام، فأسلم بسبب هذا الكتيب الذي لا يتعدى قيمته خمسة ريالات فقط، وأرسل رسالة بعد فترة إلى صديقه الشاب، وقد نسيه الشاب. وإذا في الرسالة، أخي في الإسلام أخبرك أنني دخلت في الإسلام ونطقت بالشهادتين -أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله- بسبب هذا الكتيب الذي أهديته لي، وقد أختار

стр. 189

اسم صديقه فسمى به نفسه. فانظر أخي الداعية وفقك الله: كم وقع الهدية في النفس وحسن الأخلاق والمعاملة الحسنة التي كان يعامل بها الشاب هذا الكافر الذي أسلم فيما بعد، وقبل ما في الكتاب من خير وهداية، وغيره كثير ممن أسلم بسبب كتاب أو كلمة طيبة، أو شريط إسلامي أو تأثر بأخلاق مسلم، وحسن معاملته وصدقه، فبادر أيها الداعية الكريم إلى تقديم الخير والنور للناس أجمعين وخاصة غير المسلمين، فإنهم بحاجة ماسة إلى هذا الدين الذي هو الحياة، والنور والسعادة للبشر قاطبة، فكم دخل في هذا الدين من أناس كانوا من أشد أعدائه، وألد خصومه قبل إسلامهم، حاربوه وناصبوه العداء، وكادوا لأهله، بل قد قتلوا من ظفروا به من المسلمين، ومع ذلك دخلوا في هذا الدين وبذلوا أرواحهم رخيصة في سبيله بعد أن ذاقوا طعم الإيمان وحلاوة الإسلام. وفي هذا الزمان الذي اختلط فيه المسلمون بغيرهم من الكفار، بل إن غير المسلمين قد وفدوا بكثرة إلى بلاد المسلمين للعمل، مثل: تبادل السفراء والملحقيات العسكرية والثقافية، وغيرها من الشركات التي تعمل في بلاد المسلمين بل إنه قد لا يخلو بيت من بيوت المسلمين من عامل، أو خادمة أو سائق غير مسلم١. سؤال يطرح نفسه.

стр. 190

ماذا قدمت لغير المسلمين من دعوة للدخول في هذا الدين؟ ألا تحب أن ينقذك الله من النار إذا بذلت الجهد لإنقاذ هذا الكافر من النار، وأنت تعلم أيها الداعية أنه لو مات على الكفر أنه في النار، ثم هو سيتعلق برقبتك يوم القيامة ويقول: يا رب أنصفني من هذا فقد رآني على الكفر، فلم يأمرني ولم ينهني؟ فماذا يا ترى يكون جوابك أما الجبار في يوم لا ينفع فيه مال، ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ثم عليك أيها الداعية الكريم أن تعرض الإسلام بصورته الناصعة على من تحت يديك من الخدم، والعمال والسائقين بين فترة وأخرى كلما سنحت الفرصة، فإنك والله مسئول عنهم يوم القيامة، وإذا أردت منهم الاستجابة فعليك بحسن الخلق والمعاملة الحسنة، وأن تلقاهم بوجه طلق، ولا تبخل عليهم بهدية تشجيعية ولا تكلفهم بأكثر مما يطيقون ولا تكثر في لومهم وعتابهم، واحذر الفظاظة والغلظة معهم أو إهانتهم باعتبار أنهم خدم وعبيد، والله قد قال لنبيه ﷺ في محكم التنزيل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ١ وبهذه المناسبة أذكر أنني كنت في مركز الدعوة والإرشاد في الفجيرة في الإمارات العربية المتحدة، فأتى أحد المواطنين ومعه خادمة تريد أن تسلم، وتعلن إسلامها وتأخذ شهادة بذلك كما هو متبع. فسألته: كيف أسلمت؟؟ ففاجأني بقوله: هذه ثالث خادمة تسلم عندنا والحمد لله. فأعدت عليه نفس السؤال؟؟ فأخبرني أنه تم إسلامها وإسلام غيرها من غير جهد، ولا تعب إنما كان بالمعاملة الحسنة من قبلي ومن قبل جميع أهل البيت من زوجة، وأبناء

стр. 191

كلنا يعاملها وكأنها واحدة من أفراد الأسرة، ولا أذكر أننا قسونا عليها في أي يوم من الأيام، فقلت له: فعلًا هذه من أخلاق النبوة حيث إن أنس بن مالك خدم النبي ﷺ قال أنس: لم يقل لي يومًا "ما" لماذا فعلت ولماذا لم تفعل؟؟ فيا حبذا أن نتحلى بهذه الأخلاق ونتصف بهذه الصفات المرغبة في الإسلام، والتي هي في نفس الوقت دعوة إلى الإسلام بالقدوة الحسنة، حتى يكون لدعوتنا قبول عند غير المسلمين إذا دعوناهم إلى ديننا، يجب علينا جميعًا أن نتحلى، ونتصف بصفات الإسلام ونتأدب بآدابه، ونتخلق بأخلاقه وقدوتنا في ذلك نبينا محمد ﷺ فقد وصفه ربه بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ١ سئلت عائشة ﵂ عن خلق النبي ﷺ فقالت: "كان خلقه القرآن"٢ فيا لها من أخلاق حميدة وصفات فاضلة يجدر بكل مسلم أن يتصف بها، ويتخلق بهذه الأخلاق الفاضلة ويتأدب بآداب القرآن، ويتخذه منهج حياة يتربى عليه، ويربي عليه من يعول من أولاد وزوجة وخدم وغيرهم. وإن مما يجدر الإشارة إليه أن كل مسلم يلتقي بكافر في عمل أو دراسة، أو حتى لقاء عابر في سفر أو اجتماع، أو حتى في الطريق أو الأسواق، فإن عليك أيها المسلم حقًّا لهذا الكافر، وهو التبليغ والبيان للإسلام إذا كنت تجيد اللغة وإلا تأتي بمترجم بينك وبينه. أيها المسلم الداعية يا من شرفه الله بالإسلام لا تبخل على غيرك بهذا النور الذي آتاك الله إياه، ولا تيأس من عدم الاستجابة فما عليك إلا البلاغ ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٣ والهداية بيد الله : ﴿إِنَّكَ لَا

стр. 192

تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ١ ونلخص طريقة دعوة غير المسلمين فيما يأتي: "١- القدوة الحسنة فلا بد أن يكون المسلم قدوة يقتدى به في الخير، ويظهر الإسلام على تصرفاته وأفعاله، وبعض الناس يخطئ في مفهوم القدوة، فيظن أن القدوة تستلزم العصمة. ٢- الاتصال الشخصي بالكافر، وهو ما يعرف بالدعوة الفردية، فإما أن يسلم وإما أن يقلل الشر عنده، ويمتنع عن أذى المسلمين. ٣- إكرام المدعو بتقديم شيء من الطعام والإهداء، ويتحرج بعض المسلمين من عمل هذا الأمر لقول النبي ﷺ : "لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي" ٢. فإن المراد أكل المودة، أما تقديم الطعام لغرض الدعوة والإحسان، فلا بأس بذلك بل قد رغب فيه القرآن الكريم فقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا، إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ ٣. فمدحهم الله على إطعام الطعام للأسير، والأسير لا بد أن يكون كافرًا؛ لأن المسلم لا يجوز أسره، فالإطعام من باب الإحسان إليه، ومن ثم دعوته إلى الدخول في الإسلام. ٤- الدعوة بالمال بتأليف المدعو، والحمد لله أن مكاتب الدعوة قسم الجاليات، ومكاتب الجاليات المنتشرة في المملكة العربية السعودية تقوم بتوصيل هذه المساعدات إلى المحتاجين للإحسان إليهم وتأليف قلوبهم.

стр. 193

٥- الدعوة بالكتيب والنشرة والشريط وهذا ما نجده واضحا في القرآن الكريم والسنة المطهرة، فقد دعا نبي الله سليمان بالكتاب حيث أرسل إلى أهل اليمن كتابا مع الهدهد ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بسم الله الرحمن الرحيم، أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ١، والرسول ﷺ دعا إلى الله بالكتاب أرسل كتابا إلى كسرى، وأرسل كتابا إلى هرقل وأرسل كتاب إلى المقوقس، وأرسل إلى ملوك العرب يدعوهم فيها إلى الإسلام وإلى اعتناق هذا الدين"٢، ولكن هناك بعض المفاهيم الخاطئة التي تعيق الدعوة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر. "١- عدم التفريق بين محبة الخير للكافر ومحبة الكافر، فكثير من المسلمين لا يفرقون بين محبة الخير للكافر ومحبة الكافر، إن محبة الخير الذي هو الهداية واجب على كل مسلم؛ لأن الدعوة واجبة والدعوة هي الخير. ٢- اعتقاد أن البراءة من الكفار تقتضي الغلظة في التعامل معهم، والقوة عليهم وعدم احترامهم، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الدعوة لا تقوم مع هذه الصفات والله يقول: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ ٣، أي لعموم الناس. ٣- يعتقد بعض الناس أنه يجوز له إهانة الكفار وظلمهم وتأخير حقوقهم، وعدم علاج مرضاهم ويستدلون بقوله ﷺ : "إذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه" ٤.

стр. 194

مما قاله القرطبي: أراد النبي ﷺ أن يربي المؤمنين على العزة بمعنى لا تفسحوا لهم عن الطريق إكرامًا واحترامًا وليس معناه، إذا لقيتموهم في طريق واسع فألجئوهم إلى حرفه حتى يضيق عليهم؛ لأن ذلك أذى لهم وقد نهينا عن أذاهم بغير سبب. انتهى كلامه ﵀. ٤- من المفاهيم الخاطئة عن بعض الدعاة أنه لا يعرف التدرج في الدعوة بل يقرن الدعوة بالحسبة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك أن كافرا أراد أن يسلم، فذهب به من يعرفه من المسلمين إلى إمام المسجد عندهم ليسلم على يديه، فلما دخل عليه فتح له محاضرة، وقال له إذا أسلمت: زوجتك عليك حرام لا بد أن تبغض أهلك وتتبرأ من والديك. فقال: أمهلني يا شيخ فخرج ولم يعد. ٥- بعض الدعاة يتحرج من تقديم التحية "السلام" للكافر، والمسألة فيها خلاف، والذي أرى أن الكافر لا يجوز أن يُبدأ بالسلام، لكن عندنا من التحيات ما يناسب الكافر الذي هو في فترة الدعوة، وفي وقت التجاذب تقول: "صباح الخير" "مساء الخير" مرحبًا. ٦- ومن المفاهيم الخاطئة في الدعوة: أن بعض الدعاة إلى الله عندما يأتي إليه كافر يريد أن يسلم يقول له: اصبر تأن لا تسلم حتى تقتنع، أو يقول: تأتي غدا بعد قراءة هذا الكتاب، لا أريدك أن تسلم اليوم وترتد غدا -يذكره بالردة- أو يفتح معه ملف تحقيق هل هو صادق في إسلامه أم لا؟؟ أيها الداعي الكريم إنه إذا قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل في دين الله، وأصبح من أهل التوحيد، فلنفرض أنه ذهب قبل أن يسلم فمات، كيف يكون مصيره؟؟ وإلى أين يذهب؟؟ من الذي أخر هدايته؟؟ أليس أنت، بل ربما في هذه

стр. 195

الفترة الذي أخرت هدايته تأثر تأثيرا سيئا، فابتعد عن الدين الإسلامي بسبب تصرفك. ٧- ومن المفاهيم الخاطئة أن بعض المسلمين يتصور أن الدعوة إنما تكون بالخطبة والمحاضرة والدرس فقط، وهذا خطأ لا بد مع هذا العمل الفردي مع المدعو، انظر إلى أحوال الصحابة الذين أسلموا في زمن النبي ﷺ أكثر العشرة المبشرين بالجنة أسلموا على يدي أبي بكر"١. بعد أن عرفنا بعض العوائق لتجنبها، نأتي إلى الثمرة والهدف من هذا الجهد، إذا ما أسلم الكافر، ماذا تعمل معه؟ اعلم أنه لبنة جديدة في المجتمع الإسلامي، واللبنة حين توضع في الجدار تحتاج إلى عناية ودراية ووقت، فهي لا تتحمل الاهتزاز تسقطها الحركة البسيطة، وتذيبها العوامل الطبيعية إذا لم تجد حماية، ورعاية في البداية حتى تشتد تجف. من مقتضيات ذلك أن تصبر على هذه اللبنة حتى تجف، وتقوى تحت الحماية والرعاية المركزة، فتبقى في الجدار لبنة قوية متماسكة مع اللبنات تحمل غيرها وتتحمل البناء عليها بعد ذلك، وهكذا المسلم الجديد في بدايتة يشبه اللبنة الرخوة، فعليك أيها الداعية أن تصبر على هذا المسلم الجديد وتتدرج معه في التكاليف، فقد وصلت معه إلى الهدف الأساسي وهو النطق بالشهادتين، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم

стр. 196

"وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى" ١. ومما يجدر التنبيه عليه الحرص والإسراع في قبول إسلام من أتى راغبا الدخول في الإسلام، وحثه وتشجيعه على النطق بالشهادتين، حتى لو اشترط الداخل في الإسلام ترك بعض الفرائض مؤقتًا على أمل أن يبدأ القيام بها بعد قليل، ومما يدل على ذلك ما رواه الإمام أحمد عن نصر بن عاصم عن رجل منهم: "أنه أتى النبي ﷺ فأسلم على أن لا يصلي إلا صلاتين، فقبل منه ذلك"٢. موافقته ﷺ على ما اشترطت ثقيف لدخولهم في الإسلام أن لا صدقة عليهم ولا جهاد. فقد روى أحمد وأبو داود عن وهب قال: سألت جابرًا ﵁ عن شأن ثقيف إذ بايعت قال: اشترطت على النبي ﷺ أن لا صدقة عليها ولا جهاد، وأنه سمع النبي ﷺ بعد ذلك يقول: "سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا" ٣، إن هذه الموافقة على ترك المقبل على الإسلام بعض الفرائض إجراء مؤقت يرجى من ورائه فتح الباب أمامه كي يدخل في السلم كافة، وها ما بينه الرسول ﷺ عند قبوله شرط ثقيف لدخولهم في الإسلام: "ألا صدقة عليهم ولا جهاد" حيث قال: "سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا". ثم على الداعية متابعة هذا المسلم الجديد، بمعرفة عنوانه ورقم هاتفه ومكان عمله، وسكنه حتى يمكن الاتصال به وتوصيل تعاليم الإسلام

стр. 197

إليه بالتدرج ومتابعته، وتدريبه على تطبيق تعاليم الإسلام -وهذا غالبًا ما تفعله مكاتب الجاليات في المملكة العربية السعودية، وقسم الجاليات في مراكز الدعوة والإرشاد المنتشرة داخل المملكة، وخارجها وفق الله العاملين لما يحبه ويرضاه.

стр. 198

الفصل الثامن: التخطيط: ١- التخطيط والمنهج: ويقصد به إعداد دراسة واضحة لعمل يخدم الدعوة الإسلامية في منطقة معينة، أو لفئة معينة، أو لمجموعة عامة، أو مشاركة في إعدادها، أو كشف خطة وإزالة الستار عن مخطط يستخدم ضد الإسلام، ورصد مظاهره ونتائجه والأدلة عليه، حيث إن كل أمة أو جماعة، أو مؤسسة في انطلاقها ونموها ونجاحها تعتمد على سلامة الأسس، والمنهج الذي تسير عليه وعلى صدق الأهداف التي تسعى إليها، ويحمل هذا كله طاقة بشرية صادقة ومخلصة، لذلك تحرص كل أمة على بناء طاقتها البشرية، وتنمية مواهبها والمحافظة على مكتسباتها، وبغير ذلك يتعثر النمو ويضطرب، أو يضمر ويضعف أو يتوقف ويتعطل، أو ينحسر ويتراجع ويتخلف، وخوفًا من هذا فإنه يجب على الداعاة التنسيق والتخطيط فيما بينهم "فالدعاة إلى الإسلام في أيديهم كتاب واحد بلفظه وحرفه ورسمه، وليس عليهم سوى الأمانة في البلاغ عن الله مما في القرآن الكريم من الآيات والذكر الحكيم، ومما في السنة النبوية المطهرة التي تعتبر بيانا لكتاب الله الكريم ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١، كما أن السنة تعد المصدر الثاني للتشريع قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٢"٣. فالتخطيط يجب أن يوافق هذا المنهج الكتاب والسنة ويستنبط منه.

стр. 199

٢- التخطيط الناجح: أخي الداعية إذا أردت النجاح لدعوتك فلا بد من التخطيط، ووضوح المنهج القويم الذي تسير عليه، وتحديد الدرب ومعالمه كي تصل الدعوة إلى الهدف المنشود، فلا بد أن تجعل لك برنامجًا تسير عليه، وخطة مدروسة واضحة محدودة المعالم والأهداف ينفذها الداعية، ثم يدون ما في هذه الخطة، وما في هذا العمل من حسنات، وإيجابيات وما فيه من نقص وسلبيات تتضح لك أثناء التطبيق، وما يعترض طريقك من عقبات حتى يمكن لها وتذليلها وإيجاد البديل، وذلك بالتشاور مع أصحاب الرأي من المسئولين عن ذلك المرفق "أي مرجعك المباشر". إن التخطيط مهم جدا لنجاح أي عمل، وأي عمل يفقد التخطيط والدراسة قلما ينجح. فإذا أردت أيها الداعية نجاحا لدعوتك فلابد من تطبيق منهاج الله في واقع الحياة، ولا بد من وضع الخطط التي تعالج مشكلات البلد البارزة ويركز على علاجها والقضاء عليها، ويعمل الداعية جهده لتثبيت المنهج الرباني ليؤدي دوره على منهاج النبوة الخاتمة، لذا نقول ونؤكد على بناء شخصية المسلم ونفسيته وتصوراته، وتوفير ميزان أمين يزن به الأمور والأحداث والرجال، وفي هذه المرحلة مرحلة البناء والتخطيط على الداعية أن تثبت من

стр. 200

خطواته ومن نجاحه حتى يستطيع أن يدعو إلى الله على نهج واضح محدد، وعلى علم وبصيرة مرتكزة على خطة سنوية تنظم عمله وحياته، وينشأ عنها خطة يومية وأسبوعية وشهرية، حتى يصبح التخطيط سمة المسلم الداعية الصادق والواعي، فيبدأ عمله بنية صادقة، مصحوبة بالدراسة والنهج والتخطيط، حتى إذا انتهى عمله أخضعه للدراسة والتقويم، وهذه الخطط والوسائل تملك من اليسر والمرونة ما يسمح بتطبيقها في أي ميدان، وأي لقاء فتظل الدعوة عملًا عملًاقا متواصلًا غنيًّا ما دامت القواعد ثابتة على أسس متينة من الكتاب والسنة. إن حياة المسلم الداعية كلها ميدان فسيح للممارسة، والتطبيق على الواقع المحسوس حسب حاجاته ومتطلباته، مع التأكد دائما على أنه يسير على الأهداف والخطط التي يسعى إليها، والوسائل التي يتخذها والأساليب التي يتبعها، ومن ضمن هذه الأساليب والطرق التي على الداعية أن يسلكها بل على المخططين للدعوة أن يضعوها في الحسبان: ١- إرسال الدعاة إلى الأماكن المتاحة، فقد أرسل النبي ﷺ الوفود إلى مشارق الأرض، ومغاربها للدعوة إلى الله ونشر هذا الدين، ومع ذلك جهز الجيوش للمعاندين، والصادين عن دين الله -وكتب السيرة مليئة بذلك. ٢- دعوة الناس عامة إلى الإسلام، ونشر هذا الدين عن طريق بعث البعوث وإرسال الرسائل، فقد أرسل ﷺ البعوث والرسائل إلى الملوك والحكام، عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كتب إلى كسرى، وإلى قيصر وإلى النجاشي، وإلى كل جبار يدعوهم إلى الإسلام وإلى الله تعالى١، وأرسل إلى غيرهم مثل هرقل وغيره كثير. كما كان يعلم

стр. 201

دين الإسلام في بيته وفي مسجده، وفي كثير من الأماكن أثناء المناسبات واللقاءات والاجتماعات في السفر وفي الحضر. لقد قامت الدولة الإسلامية في المدينة المنورة بكل عناصرها الحاكم، والمحكوم الكبير والصغير بأمر الدعوة، واهتمت بها أيما اهتمام حتى جرت في عروقهم، وأصبحت جزاءًا من حياتهم، فلا بد لهذه الأمة الإسلامية أن تنهج هذا النهج، وتهتم بالدعوة في جميع شئونها ومرافقها، وأن تدخل الدعوة جميع مرافق الحياة من صحافة وإعلام، وتعليم وتربية، فينشأ الناس جميعا أفرادا وأسرا جماعات ووحدانا على حب الدعوة، والتفاني في سبيلها وبذل الغالي والنفيس في سبيل الدعوة لرفعة هذا الدين. وينشأ ناشئ الفتيان فينا ... على ما كان عوده أبوه "إن حياة المسلم الداعية كلها ميدان للتخطيط والممارسة والتطبيق، ميدان للتربية والتعليم، إن ميادين الحياة العامة كذلك ميادين إعداد وتطبيق وتدريب، إن حياة الأسرة وحياة الجماعة، وحياة الأمة، والمساجد والمعاهد ووسائل الإعلام كلها ميادين لقاء المؤمنين، وميادين للتربية والبناء. إن الذي يتصدى لمهمات الدعوة الإسلامية عليه أن يتأكد من النهج الذي يسير عليه، والأهداف التي يسعى إليها، والوسائل التي يتخذها، والأساليب التي يتبعها، وقبل كل زاد وقبل كل خبرة، عليه أن يراجع نفسه ويحاسبها حتى يتأكد من نيته، وإخلاصه لله، والنية هي أهم قضية في الميدان الفكري والنظري، وهي أهم قضية في الميدان العلمي والتخطيط"١. إن التخطيط للعمل وتنظيمه يجعل العمل ناجحًا، ويوفر الوقت والجهد بل والمال فلا يصرف في غير محله، والوقت فلا يذهب هدرًا دون فائدة، كما أن التخطيط يجعل المسئول يوزع العمل، والمسئوليات والمهام وفق قدرات الدعاة والموظفين، كما أن من لوازم التنظيم: أ- إعداد دليل للإجراءات والنماذج لكل نشاط دعوي. ب- حفظ المعلومات والوثائق بأسلوب علمي يساعد على سرعة الوصول إليها متى ما أراد ذلك. ج- استخدام التقنية الحديثة والاستفادة منها. د- تطوير اللوائح المنظمة للعمل بصورة مستمرة. هـ- وضع الداعية المناسب في المكان المناسب.

стр. 202

٣- شروط وفوائد التخطيط: وهي باختصار شديد وعلى شكل نقاط. ١- تحديد الأهداف وترتيب أولوياتها مع ربطها بالوسائل. ٢- تحقيق التناسق والانسجام بين الأعمال. ٣- توفير البرامج الزمنية المناسبة. ٤- يساعد على المراقبة والتقويمك ومعرفة ما تم إنجازه. ٥- التوقع للمستقبل واحتمالات تلافيها بإذن الله. ٦- يساعد في كثير من النفقات والجهد. ٧- يساعد على الاستفادة من الوقت واستغلاله جيدًا. ٨- أنه يتيح لجميع العاملين استغلال الطاقات، والإمكانيات المتوقرة والتعرف على الجيد منها. ٩- إجراء التعديلات وإعادة البناء. ١٠- يساعد على انتظام العمل والابتكار والتجديد فيه"١. شروط الخطة: المرونة، الدقة والوضوح، المساهمة في تحقيق الأهداف، الواقعية والمشروعية، التأكد من دقة المعلومات التي تقوم عليها الخطة"٢.

стр. 203

٤- عناصر التخطيط: أ- الأهداف: واضحة، واقعية، قابلة للقياس. ب- الحساب للمستقبل: التوقع، السياسات، الإجراءات، الأهداف المحددة١. ج- مراحل التخطيط: ١- تحديد الأهداف. ٢- جمع المعلومات. ٣- البحث عن المجالات البديلة٢. د- التنظيم: ويقصد به التوزيع المناسب للأفراد والواجبات. ومن فوائد: عدم الازدواجية، توزيع العمل على الجميع، وضوح مكان الخلل، وضوح المسؤولية٣. هـ- التوجيه: ويقصد بذلك، مواجهة المشكلات اليومية والتنسيق بين العاملين٤. و الرقابة: وهي: ١- الربط بين الخطط والنتائج. ٢- التأكد من أن الخطة تطبق والأهداف تتحقق. ٣- التقويم٥.

стр. 204

٥- الإدارة: "١- تعريف الإدارة: أ- هي الجهة أو الوحدة التي تقوم بمجموعة معينة من الواجبات لإنجاز أهداف محددة. وقيل: ب- هي النشاط الخاص بقيادة وتوجيه الجهود البشرية، وتخطيط عناصر الإنتاج الأخرى، وتحقيق الرقابة عليها بقصد الوصول إلى الأهداف التي تسعى إليها المنظمة. وبمعنى أسهل وأبسط هي: المعرفة الصحيحة لما يجب أن يقوم به الأفراد، ثم التأكد من أنهم يفعلون ذلك بأفضل الطرق، وأقل التكاليف أي توفير: جهد، وقت، اتصالات، مال"١. ٢- ما هي الإدارة: هي مجموعة "أهداف، خطة، برامج، توزيع مهام"، وهي المعرفة الصحيحة لما يجب أن يقوم به الأفراد، ثم التأكد من أنهم يفعلون ذلك بأفضل الطرق وأقل التكاليف. أو هي النشاط الخاص بقيادة وتوجيه الجهود البشرية وتخطيط، وتنظيم عناصر الإنتاج الأخرى وتحقيق الرقابة عليها بقصد الوصول إلى الأهداف التي تسعى إليها الإدارة. هل الإدارة علم أم فن؟ الإدارة علم وفن. فن: ويقصد به: مهارة٢ تطبيق العلم حسب اختلاف الأشخاص والأحوال٣.

стр. 205

٦- الإدارة والنظام: يستمد مدير المركز أو مدير الدائرة سلطته ونظامه عادة من الجهة التي عينته، كوزارة الشئون الإسلامية مثلا أو المؤسسة الخيرية، أو الجماعة الخيرية أو هيئات الإغاثة العالمية والمحلية أو ... إلخ. ويفضل أن يسمح هذا المدير لغيره يتولى دور القيادة في بعض الأمور مع الإشراف والمتابعة، وبمعنى أوضح توزيع الصلاحيات على جميع العاملين في حقل الدعوة، وإعطائهم الصلاحيات المناسبة لمجال عملهم. ومن هذا المنطلق تجد الجميع يعمل ويتفانا حبًّا لهذا المسئول لا خوفًا منه، راجين الأجر والثواب من الله لا من المسئولين، والمدير الناجح هو الذي يجعل العمل يسير سواءً كان موجودا أو غير موجود ولا يتأثر العمل بغيابه، وأي عمل يرجى نجاحه لا بد له من إدارة، ونظام نابع عن تخطيط ودراسة كما سبق وبينا ذلك في الموضوع السابق. إن عمل الداعية الفردي والمنبعث من الفرد نفسه وبمفرده وحده الناتج

стр. 206

عن اجتهاداته دون الرجوع إلى أهل العلم والمعرفة، ودون الرجوع إلى دائرة تنظم العمل وتخطط له وترصد حركاته ونتائجه، فإنه عمل قليل الفائدة ونتائجه قد تكون عكسية. إذا لا بد للعمل الدعوي من إدارة تنظم وتخطط كغيرها من الدوائر الأخرى. إن الإدارة التي نريدها هي الإدارة التي تنظم الجهود على أعلى مستوى ممكن، لتجتمع على نشر الخير والصلاح والحق، ومحاربة الفتنة والعدوان والظلم. إن بناء هذه الإدارة بخصائصها الإيمانية، ومقوماتها الشاملة لهي مسئولية الأمة المسلمة، والدعاة المسلمين في كل مكان. إن بعض الإدارات قد تكون واحدة لدى جميع الشعوب، فهذا مدير وهذا نائب مدير، وهذا سكرتير وذاك مستخدم، وهنا ملفات وحاسوب وناسخ إلى غير ذلك من الأمور المنظمة للعمل، إن الإدارة المؤمنة هي التي تنظمي العمل في أعلى مستوى من الإتقان، وفي أقصر وقت ممكن، فهي التي تنظم الوقت والجهد، وتوفر التنسيق وتراعي المواهب والكفاءات، وتحرص على تدريبها وتنميتها لتكون قوية غنية ولتنشر الخير والصلاح، وكذلك فهي الإشراف والمراقبة والمتابعة والتوجيه، وتحدد الصلاحيات والمسئوليات، وتقيم التنسيق والتعاون بين الأفراد، هذه أمور لا بد أن تقوم عليها الدعوة إلى الله في أي مكان وفي أي زمان، وهذا ما نجده واضحًا في نظام الدعوة الإسلامية في المملكة العربية السعودية ممثلة في وزارة الشئون الإسلامية حيث نظمت الدعوة في الداخل والخارج بإدارات مستقلة ترتبط بالوزارة مباشرة تنظم شئون الدعوة والدعاة، وتضع لهم المناهج والأسس والخطط السليمة المستمدة من الكتاب والسنة، وتتابع العمل في الداخل والخارج، مراعية في ذلك التقويم

стр. 207

والتطوير المستمر من خلال ما يكتب، ويرفع من تقارير واقتراحات عن سير الدعوة من قبل الدعاة، إن التنسيق والنظام عنصر أساسي لا يقوم العمل الدعوي بدونه، فهو مطلب لا بد منه لتحقيق الانسجام وتوحيد الجهود، فكل دائرة وكل مركز دعوي يهتم بالدعوة مطالب أن يبادر بالتنسيق مع الدوائر الأخرى، والقطاعات الدعوية المنتشرة داخل المملكة العربية السعودية، وخارجها كل فيما يخصه، ويناسب القطاع الذي يعمل فيه، ويفضل استخدام نماذج موحدة لهذا الغرض. فالتنسيق يعطي فرصة المشاركة لجميع المستويات الدعوية في زيادة الإنماء وفي إثراء الأفكار، والتوصل إلى اختيار أفضل البدائل واتخاذ القرارات القابلة للتنفيذ، كما أن من الضروري سرعة الاتصال بين الرئيس والمرءوس، والعكس وبين المراكز والإدارات المختلفة للتنسيق وتوحيد العمل، والإجراءات والاستفادة من تجارب الآخرين، وتبادل المعلومات والأفكار بصورة منظمة وفعالة، ومن الأمور الأساسية في التنسيق: الموضوعية في التقويم، إذ لا يوجد عمل بشري بلا أخطاء، والذي لا يخطئ هو الذي لا يعمل، وهذا بحد ذاته خطأ، عند ما يقع الخطأ يجب البحث عن أسبابه وليس تركيز كل الجهود على توجيه اللوم وتبادل الاتهام. كما أن الإشراف والتقويم عنصر أساسي في الإدارة، ومن المهم جدًّا متابعة عمل الدعاة لتقويم النتائج، وتطبيق مبدأ دعم الإيجابيات وإيقاف السلبيات، وتشجيع المتميزين من الدعاة وتكريمهم وتوجيه المقصرين، وإرشادهم والأخذ بأيديهم ومساعدتهم في عملهم وتقويم أخطائهم وتصحيحها، حتى يصبح الدعاة جميعًا يدًا واحدة وعملا موحدا بهذا يصل الدعاة إلى المستوى اللائق بهم، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.

стр. 208

٧- أهمية الإدارة: "أي تجمع بشري مهما صغر لا يمكن أن تسير أموره سيرًا صحيحا بدون أن يكون هناك من يدبر هذا التجمع، ولذا أمر الرسول الله ﷺ الناس الذين يخرجون في سفر إذا كانوا ثلاثة، فأكثر أن يؤمروا أحدهم وذلك حتى لا تسود الفوضى، ويحصل التخبط في حياة هؤلاء، ومما أبرز أهمية الإدارة في العصر الحديث: ١- أن الإدارة تعتبر عنصرًا مهما في تحقيق النتائج والأهداف المرجوه. ٢- كبر حجم التجمعات وتعقد عملياتها. ٣- التخصص وتقسيم العمل بحيث يقوم كل فرد بدون، والإدارة هي المسؤولة عن النجاح، أو الإخفاق الذي تصادفه هذه الوزارة أو الإدارة أو المؤسسة. ٤- استخدام موارد اقتصادية تتسم بالندرة. ٥- العمل في ظروف بيئية سريعة التغير لا بد من معالجتها في وقتها. على ضوء المبادئ الأساسية للإدارة وهي: ١- مبدأ تقسيم العمل. ٢- مبدأ المسؤولية والسلطة. ٣- النظام والطاعة. ٤- وحدة الأمر. ٥- وحدة التوجيه. ٦- خضوع المصالح الفردية للمصلحة العامة. ٧- مبدأ مكافأة الأفراد. ٨- مبدأ المركزية. ٩- مبدأ تدرج السلطة. ١٠- مبدأ الترتيب. ١١- مبدأ المساواة. ١٢- مبدأ استقرار العاملين. ١٣- مبدأ المبادأة. ١٤- مبدأ الاتحاد"١.

стр. 209

٨- أهمية الإدارة في الدعوة: يفيد من الإدارة كل صاحب اهتمام بحسبه، فالقائد ورجل السياسة يفيد منها في إدارة من يسوس ويقود، والتاجر وصاحب المال يفيد منها في إدارة تجارته وأمواله، وكذلك الداعية الذي لا يرجو بعمله مثلهم، وإنما يرجو الآخرة والآخرة خير وأبقى. وطبيعة المرحلة التي نعيشها في العصر الحاضر الذي نعيش فيه يؤكد أهمية الإدارة في مجال الدعوة المختلفة تخطيطًا وتنظيمًا، وتنسيقًا وتوجيهًا ومتابعةً وتقويما و.... و.... حتى يكون في مواجهة الجهد والكيد الذي ما برح أعداء الإسلام يحيكونه بتخطيط محكم، وحرصهم على القضاء على هذا الدين بصورة منظمة، وبمناهج مدروسة بحرص ومتابعة ولو طال الزمن، المهم أن يصلوا في النهاية إلى ما يريدون، وليس أدل على ذلك من التخطيط لاحتلال فلسطين بعد "٥٠" عاما وفعلا تم لهم ذلك. ومما يؤكد ضرورة الإدارة للدعوة خاصة: كثرة الأعداد المنظمة للدعوة -بتوفيق الله ثم بجهود الدعاة- إلى قافلة الدعاة، وبالتالي فلا بد من إدارة تلك الأعداد إدارة جيدة، وإلا لم يستفد من تلك الطاقات والجهود. ومن المآخذ على بعض الدعاة اليوم أنهم لا يسيروا في دعوتهم وفق مخطط منهجي مدروس يعتمد المراحل التي يبنى بعضا فوق بعض. يقول د/ محمد لطفي الصباغ: "إن العصر الذي نعيش فيه عصر تخطيط، فأي عمل نريد أن نواجه

стр. 210

به الناس لا نستطيع أن نخرجه ما لم يكن قائما على منهج مدروس. وأعداء الإسلام يحاربون ديننا وفق مخطط بذلت له أعظم الجهود في رسمه، واستفيد من كل معطيات الحضارة في وضعه، فلا ينبغي أن تكون حركة الدعاة إلى الله حركة خبط عشواء لا يعرف الواحد منهم ماذا يريد أن يحققه اليوم، وماذا يريد أن يحققه اليوم وماذا يريد أن يحققه غدًا؛ لأن من السنن الكونية أن التنظيم يغلب الفوضى، إن الذي يسير وفق مخطط لا يتردد في مسيرته، ولا يشعر بالتعب ولا يتعثر في المسير ولا يعبأ بما يعترضه من عواء العاوين، ولا يترك للأحداث الطارئة أن تحرفه عن طريقه، ولا يترك للافتراضات والاحتمالات مجالات لتضيع عليه هدفه الذي يرمي إليه. لا يجوز أن يحركنا أعداؤنا كما يشاؤون.... يقوم أعداء الله أحيانا بأحداث مفتعلة، وبأعمال مخالفة للدين، فإذا الدعاة إلى الله يتحركون بمنطق رد الفعل ويستغرق حركتهم، ووقتهم كله ولا يصبح لهم غير مقاومة هذه الأعمال وينسون هدفهم الأول والأهم، ولا يفهم من كلامي هذا أن نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل الذي أريد تقريره: أن علينا أن نمضي في طريقنا وأن نحقق هدفنا الأول، والأهم في إقامة المجتمع الإسلامي، والفرد المسلم على النهج الذي جاء به الإسلام ولا مانع من أن نقول كلمة الحق كلما دعانا إلى ذلك داع دون أن يصرفنا عن تحقيق المطلب الأهم. ويكون ذلك عن تخطيط من هؤلاء الدعاة. إن من يسير في طريق ويلقى في أثناء سيره أن عدوه قد حفر له حفرة عليه أن يتجنبها ويحذر من الوقوع فيها، ويضع لافته تحذر السالكين من الوقوع فيها، ثم يتابع طريقه؛ لأن اشتغاله بردم الحفرة وذمه من حفرها، واهتمامه

стр. 211

بذلك ينسيه غرضه الأصلي، وهدفه الذي سار من أجل الوصول إليه"١.

стр. 212

الفصل التاسع: نداءات: النداء الأول: إلى حكام المسلمين: إن الدعوة الإسلامية من مقومات الدولة، وركيزة من ركائزها، بل هي أسس متن يقوم عليها بناء الدولة الإسلامية، وهي عرقها النابض، وسر نهضتها، ومصدر عزها وسعادتها، من هذا المنطلق كان من الضروري جدًّا الاهتمام بالدعوة الإسلامية داخل الدولة المسلمة، ودعمها وتوفير الحماية لها، دعمها بكل الإمكانات والمقومات الأساسية للرفع منها وتطويرها، بل وجعلها جزءًا لا يتجزأ من المنهج الداسي حتى يعرف الشباب الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة عن طريق العلم الشرعي المنضبط بالكتاب والسنة، فلا إفراط ولا تفريط، بل اعتدال وتوسط في الدعوة، والحركة الإسلامية فينشأ المجتمع سليم الفكر سليم المنهج سليم الاعتقاد، قوي الإيمان فقد كان هذا نهج الدولة الإسلامية الأولى بقيادة النبي ﷺ في المدينة النبوية، فكانت مهمته الأولى وغايته الأساسية دعوة الناس الى الإسلام عقيدة، وشريعة ومنهج حياة، وإبلاغهم رسالة ربه، وكان ذلك هو الهدف الأول عند تأسيس الدولة الإسلامية. بل إنه ﷺ لم يقتصر على دعوة القريبين منه فحسب، ولكنه أخذ يدعو ملوك ورؤساء الدولة المجاورة وغير المجاورة بعدة طرق ووسائل منها: أولا: طريق البعوث والرسائل إلى الملوك والحكام، روى مسلم

стр. 213

وغيره من حديث أنس ﵁: "كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي، وإلى كل جبار يدعوهم إلى الإسلام وإلى الله تعالى"١. وقد كتب ﷺ إلى هرقل عظيم الروم وفيه: "أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، أو أسلم يؤتك الله أجرك مرتين" ٢ كما كتب إلى كسرى عظيم الفرس. ثانيًا: الدعوة من قبل الدولة عن طريق إرسال البعوث لتبليغ رسالة الله، وعن طريق استقبال الوفود التي كانت تفد على الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة للدخول في الإسلام. من هذا المنطلق واقتداء بهديه ﷺ في الدعوة إلى الله كان على حكام العالم الإسلامي مسئولية عظمى في الدعوة إلى الله بالطرق، والأساليب التي كان يفعلها مؤسس الدولة الأولى في المدينة النبوية ﵊، نداء إلى من أكرمهم الله بالحكم والولاية على المسلمين أن يعملوا على نشر هذا الدين في بلاده، وفي بلاد العالم الإسلامي كل فيما يخصه، والتعاون فيما بينهم لخدمة الدعوة الإسلامية في بلادهم وخارجها من بلاد العالم، لعالمية هذا الدين وعالمية الدعوة إلى الله. إذ بأيدي الحكام الحل والعقد والأمر والنهي، وتغيير المنكر وإقرار المعروف والأمر به بل والإلزام به والعقوبة عليه في بلادهم، وخارجها بالتعاون مع المسئولين عن أمر الدعوة بتطبيق شرع الله في الحدود، والعقوبات لمن خالف شرع الله وخرج عن تعاليم هذا الدين، بيد أن الدعوة إلى

стр. 214

الله تتطلب الرفق واللين بالطرق، والأساليب التي كان يفعلها الرسول ﷺ ، وخلفاؤه الراشدون في الدعوة إلى الله، حيث بعث ﷺ الدعاة، والمعلمين إلى الأمصار والدولة المجاورة مثل مصعب بن عمير إلى المدينة المنورة، وبعث الدعاة إلى قبائل العرب في الجزيرة العربية. ثم عقد ألوية الجهاد والسرايا لنشر دين الله والدعوة إليه، وقتال كل من وقف في طريق الدعوة، وصد عن هذا الدين مما جعل الأمن يستتب، والرخاء يعم والطمأنينة تنتشر، والتعاون يسود المجتمع لهذا نوجه هذا النداء إلى حكام العالم الإسلامي بالاهتمام بالدعوة إلى الله، والعمل على نشرها في كل أرض، وتحت كل سماء والله الموفق.

стр. 215

النداء الثاني: إلى رب الأسرة: وهو غالبًا الأب أو من يقوم مقامه وتكون له الولاية مثل الابن الأكبر، أو العم أو أحد الأقارب وقد تكون ولاية الأسرة لشخص آخر لعدم وجود كفاءة للولاية من الأقارب كالقاضي الشرعي، أو من يوصي به رب الأسرة إذ إن رب الأسرة هو المسئول الأول عنها في حفظ المال والإنفاق، كذلك هو مسئول في حفظ الدين كما هو محاسب على الأموال فهو محاسب أيضا عن الدين، والتربية على الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة لجميع أفراد الأسرة، وهو مسئول غدا أمام الله عن هذه الأسرة هل وفر لها السبل، والطرق والوسائل التي تعين على حب الدين، والقيام بالشعائر الإسلامية كالصلاة والصوم والحج وغيرها، وهو مسئول عن غرس الإيمان والعقيدة الصحيحة لدى جميع أفراد الأسرة، نداء إلى كل أب أن يتعهد جميع أفراد أسرته، ويربيهم التربية الإسلامية السليمة بحيث يكون جميع أفراد الأسرة سليمي الفكر والعقيدة والتصور، فكما أن رب الأسرة مسئول عن توفير الطعام، والشراب كذلك هو مسئول عن سلوك وأخلاق جميع أفراد أسرته، للأسف نقولها بكل مرارة أن بعض أرباب الأسرة يكون معول هدم لأسرته بما يجلبه، ويدخله على أسرته من وسائل التخريب، والدمار تخريب أغلى ما يملكه المسلم دينه، وعقيدته تخريب السلوك فنجد انحرافًا في التربية وغبشا في الفكر، وجهلًا بالدين وتعاليمه السمحة، أخطاء تتكرر في التعامل والمعاملة، انغماس في وحل المعاصي، ورب الأسرة لا يحرك ساكنا وكأن الأمر لا يعنيه، بل قد يساعد على هذا الانحراف
следующие страницы →