ذكر سبحانه ما سلكه فرعون كما يسكله أيّ طاغية من طواغيت هذه الدنيا الذين يظهرون في كل زمن، وفي أرض كأرض مصر، وناس كناسها، كما أشار إلى أنه عمل على تفريق جمعهم وتشتيت أفكارهم، وصاروا متفرقين في ذات نفوسهم ولا تجمعهم جامعة حق ولا ثورة على ظلم، بل كان يقول لهم في استكبار: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ ويقول في استنكار: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] .
وقد قال تعالى فيما سلكه: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ وهنا نجد كلمات ثلاثًا، كل واحدة منها تنبئ عن قصد الفرقة والانقسام بعد الوحدة والالتئام، فكلمة جعل هي بمعنى صيَّرَ، وهي تدل على أنهم كانوا متحدين في المشاعر والأحاسيس، متفقين في المنازع والمطامح والآمال، فجعلهم متفرقين منتشرين في غير اجتماع، تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتَّى، والكلمة الثانية "أهلها" فهم كانوا قبلها أهلًا، أي: إنهم كانوا مجتمعين غير منقسمين، فلكي يعلو عليهم أجمعين فرَّق جمعهم وشتَّت شملهم، فكيف يعلو إنسان مهما يكن طاغوته ومهما تكن قوته وغلظته وحيلته على قوم متحدين مجتمعين، ولكنه يخذل بينهم، ثم يملك عليهم.
والكلمة الثالثة كلمة "شيعًاط، فإنَّ الشياع يتضمَّن معنى الانتشار، وأن يقوى جزء على الآخر، يحسب كل جزء منهم أنه أقوى من الآخر، وأنه لا تربطه به رابطة، ولا يجمعهم به قومية أو رحم، أو تشابك المصالح، ودفع المضار، فإذا كانوا كذلك استعلى واستكبر، ولا يجد من يرده عن غيه، ويقمعه في شره، فيكون الهلاك، وتقطع الأسباب.
وإن النتيجة التي تكون أثرًا لذلك أن يجعل من طائفة منهم بطانة له، وجندًا يستنصر بهم ويتخذهم أسواطًا يضرب بها غيرهم، ويتحكم في جمعهم، ولذلك قال تعالى في ذكر هذه النتيجة الحتمية التي تتبع التفرق تبعية المسبب لسببه، والنتيجة للمقدمة: ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ أي: يصور طائفة منهم ضعفاء، أو يطلب ضعف طائفة منهم، ويتتبعه، وهنا إشارة بيانية رائعة لا تكون إلا في القرآن الكريم، وهذه الإشارة هي أنه ذكر الطائفة المستضعفة، ولم يذكر الطائفة التي جعل فيها قوته يضرب بها رقاب الناس، والسبب في أنه تعالى لم يذكرها موصوفة بالقوة؛ لأنها وإن لبست لبوس القوة ليست -في حقيقة أمرها- قوية في شيء؛ لأنها ليس لها اختيار فيما اختارت؛ ولأنها لا تملك من أمرها شيئًا، بل مسخَّرة لطغواه، مراده له، وليست بمريدة فيما تفعل، والقوي هو الذي يفعل ما يريد هو لا ما يريده غيره، ويعمل ليرضي شهوة نفسه لا ما يرضي غيره، وليس هو من تكون إرادته فانية في إرادة غيره، قد لبس جلد النمر، وما هو إهابه، وإذا كانت الطائفة المستضعفة إيذاؤها بدني مادي، فهؤلاء الذين ظهروا بمظهر القوة إيذاؤهم معنوي، وهو فناء إنسانيتهم وإرادتهم وتفكيرهم، وكل مكونات
стр. 107
الإنسان الكامل، فهم ضعفاء وإن ظهروا كأنهم الأقوياء، فجنود السلطان الغاشم لا يعتبرون الأقوياء؛ لأنهم أداة طائغة، وإمعات طامعة.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى: ذكر الضعفاء تمهيدًا لبيان مظاهر الطغيان الذي يفعله الملوك مع مَن يتحكَّمون فيهم بحكم الهون والفساد، لا بحكم المصلحة والرشاد، وأنَّهم يرتكبون أقصى ما تتصوره العقول من تذبيح وتقتيل، ولذا قال تعالى: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ ، وإن ذلك شأن الطغيان دائمًا، يقتل نخوة الأمة بقتل شبابها، أو زجّهم في غيابات السجون من غير أمد، ومن غير حكم، كما رأينا في حكم الدكتاتورية في ألمانيا، وفي إيطاليا، وهكذا، وقد رأينا مثل ذلك في العراق.
وقد ختم الله تعالت كلماته النص السامي بالباعث على الطغيان والتحكم والاستعلاء، وتفريق الأمة، فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِين﴾ ، أي: إنَّ الفساد مستحكم متغلغل في أطواء نفسه، وقد بعثه على جعل الأمة متفرقة، وتحكيم طائفة من طائفة، فأغرى بينهم العداوة والبغضاء، يحسّ كل فريق منهم بأنه مظلوم، وظالمه هو الفريق الآخر، يتظالمون فيما بينهم ويتعادون؛ ليتمكَّن الظالم من ظلمهم والتحكم في رقابهم، وأن يقول لهم: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ ولا ينكر أحد، ولو في قلبه؛ لأن كل فريق يتهم الآخر بأنه عين عليه، ويريد النكاية به.
وقد أكَّد سبحانه وصف الإفساد فيهم بأَنَّ وبِكَانَ الدالة على أنَّ الفساد كان في الماضي، ومستمر في الحاضر، وببيان أنه داخل في ضمن المفسدين في الأرض إخوان إبليس، وينطبق عليه قوله تعالى في شأن الظالمين الذين يمنون الناس الأماني ويكذبون ويخلفون: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٤-٢٠٦] .
وإن هذا الوصف الذي ساقه الله تعالى للوالي الفاسد هو وصف فرعون ومن استعلى واستكبر، وووصفه لكل طاغية من طغاة الدنيا يمنِّى الناس الأماني، حتى إنه ليصور لهم أنه سيجعل لهم الأرض نعيمًا، وخيراتها لبنًا وعسلًا، حتى إذا حكم تحكَّم، وكانت شهوته نظامًا، وهواه حكمًا، ولا بُدَّ أن يرضى الناس حكومته طوعًا أو كرهًا، ومن قال له اتق الله قطع عنقه، أو سلط عليه كلابه الذين جعلوا أنفسهم ملكًا له، يملك رقابهم، ويظنون أنفسهم الأحرار، وهم العبيد حقًّا.
٦٧- هذا ما تصوره الآيات في وصف فرعون وأمثاله من الطواغيت الذين يظهرون في العصور المختلفة، وإذا لم يتسموا باسم فرعون ففيهم صفاته وفعاله، وفي
стр. 108
أتباعهم أوصاف أتباعه, المستضعفون مأكولون في عهودهم، كما هم مأكولون في عهده.
وبعد تصوير الله تعالى طغيان فرعون كان من نسق البيان الرائع أن يذكر نهايته، وأنَّه إذا وصل الطغيان إلى أقصى حدِّه كانت النهاية؛ لذا ذكر في مقابل إرادته الإفساد، وكونه متغلغلًا في كيانه، ذكر في مقابله إرادة الله تعالى، وإرادته سبحانه فوق كل إرادة، ولو كانت طغيان فرعون، ولذا قال سبحانه في بيان إرادته: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥، ٦] .
إرادة طاغية مغرورة مستكبرة، وهي إرادة الطغيان، وإرادة كريمة معطية مانحة مانعة من الشر والعبث، وهي إرادة الله ، فهو سبحانه يمُنُّ على المسضعفين، ونجد هنا تعميمًا في المنِّ، فلم يذكر ما يمنُّ به، بل كان التعميم، فهو سبحانه يمنُّ عليهم بالحرية بعد الاستعباد، ويمنُّ عليهم بالقوة بعد الضعف، ويمنُّ عليهم بالعزة بعد الذلة، ويمنُّ عليهم بالثمرات بعد الجدب، وهكذا تتعدد النعم التي يمنُّ بها سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] . وكل هذه المعاني هي بعض ما تدل عليه كلمة "نمنُّ"، وخَصَّ سبحانه من بين هذه النعم التي يمنُّ بها نعمة كبيرة هي الخلاص من حكم فرعون إلى أن يكونوا أئمة، أي: ولاة لأنفسهم لا يملك أحد التحكم فيهم ولا السيطرة، فكل حر أمير في نفسه، ويجعل منهم أمراءهم وأولياء أمورهم، لا يفرض عليهم أمير لا يرضونه ولا ولي من غيرهم، وآراؤهم في حكمهم هي الغالبة، فلا يحكمهم متحكِّم، ولا يسيِّر أمورهم متغلب، فانظر كيف جمعت الكلمة كل هذه المعاني، وجاءت من بعد ذلك كلمة تدل على كمال إرادته سبحانه في هذا الوجود فقال: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين﴾ ، ونجد أنه سبحانه لم يبين الموروث، وفيه إشارة إلى عموم ما آل إليهم؛ إذ إنهم سيخلفونه في جنات وعيون، وكنوز ومقام وكريم، ولكن يكون لهم هذا إذا استقاموا على طريقة الحق، ولم يخرجوا عن جدته ومنهاجه، وغير ذلك.
بعد هذا يبين أنَّ طغيان فرعون انتهى بالفناء، وأن يذوق عاقبة أمره، كما اغتر أصحاب الحديقة بحديقتهم المذكورة، فقال تعالت كلماته:
﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ .
стр. 109
التمكين كان بإعطاء سلطان لهم في الأرض، إذا استطاعوا القيام بحق التمكين، فإنه يحتاج إلى قوى نفسية عالية وإدراك لمعنى العزة والكرامة، ولم يمردوا على الذلة والمهانة.
ثم يبين سبحانه عاقبة الظلم، وأنه لم يدفع المحذور، فقال تعالى:
﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ .
لقد كان فرعون وحده، ووزيره وجنود معهما تابعين غير مستقلين في فكره أو إرادة فهم ما كانوا يحذرون أن يدبّر الناس ما ينتقضون به على حكمها، أو يقتلوا فرعون، فقد أراهم رب العالمين، فكان موت فرعون على ما قدره الله تعالى لموسى ﵇ ومن معه، وهكذا كل طاغية يطغى ويستبد، ويرتكب الفجور في كل ناحية، حذر أن تخرج خارجة، وبعد أن يكون منه ما يكون من مثل ما فعل فرعون، ثم تكون من بعد كلمة الله تعالى هي العليا، ويقع المحذور في وقت لا يملك الرجوع، كما قال فرعون وقد أدركه الغرق، قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس: ٩٠-٩٢] .
٦٨- وبعد ذلك البيان الذي حاولنا به الوصول إلى بعض أسرار المعاني القرآنية التي تعلو ولا يعلى عليها، واليانعة الثمار الدانية القطوف في أعلاها، والثروة الخصبة المملوءة حياة في أدناها، كما قال البليغ العربي القرشي، نريد أن نشير إشارة إلى ما وصل إليه تفكيرنا في إجمال ما سبق، فنجد:
أولًا: اتساق العبارة في المقابلة بين العلوِّ المصطنع والالتصاق بالأرض، الذي يفيد مع هذا المقابلة اللفظية أنَّه سيطر على الأرض واستمكن فيها وتحكَّم حتى ساغ له أن يقول: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١] .
ثانيًا: إنَّ التعبير باستضعاف، وأنَّ كل من يراد على الضعف ليس طبيعيًّا فطريّا، ولكنه يكن بالاستضعاف، وأنَّ كل من يراد على الضعف لا يستسلم فيستضعف، بل يقاوم ويناضل، فيموت عزيزًا أو يمنحه الله تعالى القوة، وإنَّ الرضا بالذل يؤدي إلى الموت، وطلب العزة يؤدي إلى الحياة، وكما قال خليفة رسول الله أبو بكر -رضي الله تعالى عنه: "اطلب الموت توهب لك الحياة".
وثالثًا: إنَّ الاستضعاف يؤدي إلى الموت لا محالة، ويكون الموت على نحو لا كرامة فيه، وصوره بقوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ ،
стр. 110
فهو موت ذليل فيه خسة الذل وقتل النخوة، أما الموت في سبيل الكرامة فهو موت عزيز كريم، ورحم الله الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده إذ يقول: "إن موتًا في سبيل الحق هو عين البقاء، وحياة في ذلك هي عين الفناء".
رابعًا: إنَّ القوة تكون للقوي بتمكين الله تعالى وبمشيئته، وذلك بأن يهيئ الأسباب ليستبدلوا بضعفهم قوة فيمنحهم الأمن، وذلك بأن يجعلهم يشعرون بأنهم سادة، وليسوا عبيدًا، وهذا يتضمَّنه التعبير بقوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّة﴾ ، أي: يجعلهم مسيطرين على أنفسهم، كما نوَّهنا فيما ذكرنا من قوله تعالى، كما منَّ الله تعالى على بني إسرائيل إذ جعلهم مالكين لأنفسهم مسيطرين على أمورهم؛ إذ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْم اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] ، ومعنى جعلهم ملوكًا أنَّه جعلهم أحرارًا يملكون شئون أنفسهم، ويتولون أمورهم لا مسيطر يسيطر عليهم.
هذه نظرات إلى النص القرآني الكريم في بعض شأن فرعون ومآله، ومن يجري في حكم شعبه على طريقته، ويتحكم في الرقاب تحكمه، ونجد فيه جمال اللفظ، وجمال القصص، والألفاظ التي تشع منها المعاني كأنَّها الضياء المتلألئ، والماء العذب النمير الذي ينساب في النفس المؤمنة، والله سبحانه هو العلي الحكيم، وكلامه هو النور المبين الهادي إلى رب العالمين.
стр. 111
قوة البلاغة في الأسلوب من كلمات متآلفة:
٦٩- يقول الخطابي في رسالته في إعجاز القرآن في بيان البلاغة القرآنية: "اعلم أنَّ عمود هذه البلاغة التي تجمع لها هذه الصفات هو بموضع كل منوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به الذي إذا أبدل مكانه غيره جاء منه سقوط البلاغة؛ ذلك أنَّ في الكلام ألفاظًا متقاربة في المعاني، يحسب أكثر الناس أنَّها متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب كالعلم والمعرفة، والحمد والشكر، والبخل والشح، وكالنعت والصفة، وكقولك: اقعد واجلس، وبلى ونعم، والأمر في ترتيبها بخلاف ذلك؛ لأنَّ لكل لفظة خاصة تتميز بها عن صاحبتها".
وهكذا يسترسل في بيان التفرقة بين الألفاظ، ويضرب الأمثلة في القرآن، وفي اللغة في التفرقة بين الألفاظ التي يزعم أنها تدل على معنى واحد يؤديه كل واحد منها من غير افتراق في المؤدَّى مع أنَّ المؤدى مختلف متباين.
стр. 112
وإنه يذكر أن ألفاظ القرآن مختارة تدلّ على أدق معانيها، فمثلًا ذكر عن إخوة يوسف ﵇ أنهم قالوا: أكله الذئب، ولم يقولوا: افترسه؛ لأنهم لو قالوا افترسه لطالبهم ببعض أثره، والأكل إفناء الجسم في جسم.
وإنَّ الخطابي ليقول في بحثه القيم: "اعلم أن القرآن إنما صار معجزًا لأنه جاء بأفصح ألفاظٍ في أحسن نظوم التأليف، مضمِّنًا أصحَّ المعاني من توحيد له عزت قدرته، وتنزيه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان بمنهاج عبادته، من تحليل وتحريم، وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساوئها، واضعًا كل شيء منها في موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه، ولا يرى في صورة العقل أمر أليق منه".
وإذا كانت ألفاظ القرآن ومعانيه لها ذلك المكان الأسمى الذي لا يمكن أن يناهد إلى سمائه إنسان أو جن، شرقي أو غربي، فإنَّ في القرآن مع جمال الألفاظ ورونق الأسلوب، خاصة لا يصل إليها أحد في الألفاظ والأسلوب والمعاني.
وقد قسَّم الخطابي الكلام البليغ إلى أجناس ثلاثة، ومراتبها في نسبة التبيان متفاوتة، ودرجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية، "فمنها: البليغ الرصين الجزل، ومنها: الفصيح القريب السهل، ومنها: الجائز الطلق السلس، وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود، دون النوع الهجين المذموم الذي لا يوجد في القرآن شيء منه ألبتة".
وإنَّ هذا الكلام لا يمكن أن يمر من غير أن نبدي عليه ملاحظة لاحظناها، أنه يفرض أنَّ الكلام البليغ يتفاوت بتفاوته في الجزالة والسلاسة والسهولة، وهذا يوهم أنَّ القرآن الكريم تتفاوت بلاغته، وهذا الزعم باطل، فالقرآن كله رتبة واحدة في البلاغة، في المنزلة التي لا يمكن أن يسمو إليها بليغ؛ لأن البلاغة أن يكون الكلام موافقًا لمقتضى الحال، فالعبارات الجزلة القوية تكون في موضع الإنذار، والعبارات السهلة غير المسترسلة تكون في التبشير، والعبارات المسترسلة في مواضع التنبيه إلى وجوب التفكير والتدبر، وكل بليغ في موضعه، ولا يختار سواه، فلا تكون عبارات الإنذار كعبارات التبشير، ولا تكون عبارات الدعوة إلى التأمل كعبارات التهديد والتخويف، هذه ملاحظة أبديناها على عبارة الخطابي، وكان حقًّا علينا أن نبديها، فلا نجعلها تمرُّ بغير تعليق.
وإنَّ الخطابي قد بيِّنَ أن القرآن الكريم قد اشتمل على الأجناس الثلاثة في عبارات قيمة حازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة، وأخذت من كل نوع من أنواعها شعبة، فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة، وهما على الانفراد كالمتضادين؛ لأن العذوبة نتاج السهولة والجزالة والمتانة في الكلام تعالجان نوعًا من الوعورة، فكان اجتماع الأمرين في نظمه
стр. 113
مع نبوغ كل واحدٍ منهما عن الآخر فضيلة خص بها القرآن، يسَّرها الله بلطيف قدرته مع أمره؛ ليكون آية بينة ودلالة على صحَّة ما دعا إليه من أمور دينية، وإنما تعذَّر على البشر الإتيان بمثله لأسباب؛ منها: إنَّ علمهم بجميع أسماء اللغة العربية وبألفاظها التي هي ظروف المعاني والحوامل لها غير كامل، ولا تدرك أفهامهم جميع وجوه النظم التي بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض، فيتوصلون باختبار الأفضل من الأحسن من وجوهها إلى أن يأتوا بكلام مثله.، وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حامل، ومعنى قائم، ورباط لهما ناظم.
وإنَّا نوافق الخطابي في أنَّ قدرة البلغاء من الناس على الإتيان بمثل القرآن من أسبابه نقص علمهم باللغة، جزلها وسهلها، وعدم علمهم بالمعاني، وأنَّى يكون علمهم بجوار علم الله تعالى الذي أحاط بكل شيء علمًا.
ونقول من ناحية ثانية: إن البلغاء من الناس يختلفون جزالة وسهولة واسترسالًا، تبعًا لطبائعهم وبيئاتهم، وما يتجهون إليه، فالفرزدق كان يميل إلى اختيار الألفاظ القوية أو الحوشية، ويقتحم بذلك الوعر من القول، وقالوا: إنه كان يحاول أن ينهج نهج البدويين من الجاهلين، وجرير يتخيِّر السهل العذب من الألفاظ، وكذلك كان الأمر في شعراء الجاهلية؛ فامرؤ القيس كان يتخيِّر الوعر الجزل من الألفاظ، وهو يقيم في الصحراء العربية، ولانت ألفاظه لمَّا كرثته الكوارث، ورحل إلى أنقرة، وهكذا ... فكان من البلغاء من البشر من غلبت عليهم عذوبة الألفاظ، ومنهم من غلبت عليهم جزالتها وقوتها، بل وعورتها، ويختلف الرجل الواحد باختلاف حاله، وتغير البيئات عليه.
هذا في بلاغة البشر، أمَّا القرآن فبلاغته من عند الله خالق كل شيء، القادر على كل شيء، والخالق للناس وبيئاتهم، فكان في كلامه المبين، كل أجناس القول ومناهج البيان بلا تفاوت في البلاغة القرآنية، وإن اختلفت ألوان الألفاظ وأجناسها بين جزل قوي وعذب سهل، وكلام مرسل ينساب في النفس أنسياب النمير، وكل من موضعه.
стр. 114
التلاؤم:
٧٠- يقصد بالتلاؤم في الأسلوب أن تأتلف مخارج الحروف والكلمات كما ذكرنا، والانسجام في النّغَم بينها، ويعدُّ القاضي عبد الجبار أنَّ تآخي النغم في الألفاظ والحروف من حلاوة الكلام ومحسناته، ولكنا نقول: إنَّها بالنسبة للقرآن الكريم من تأثيره في النفوس، فهو في القرآن طريق الوصول إلى القلوب، وإنَّ نظمه على ما سنبيِّن يسير هو وأسلوبه بألفاظه ومعانيه إلى القلوب ليأخذها من طبعها الأرضي ليعلوَ بها إلى الأفق السماوي.
ويذكر أبو عيسى الرماني فائدة التلاؤم فيقول: "والفائدة في التلاؤم حسن الكلام في السمع، وسهولته في اللفظ، وتقبل النفس لمعناه، لما يرد عليها من حسن الصورة, وطريق الدلالة، ومثل ذلك مثل قراءة الكتاب في أحسن ما يكون الخط والحرف، وقراءته في أقبح ما يكون من الحرف والخط، فذلك متفاوت في الصورة وإن كانت المعاني واحدة".
وإنَّ الكلام يذاق كما يذاق الطعام، فكلما كان التنسيق والتلاؤم حسن في الذوق.
وإن لغتنا العربية لغة نطق ابتداء، وصارت من بعد لغة كتابة، ولم تنفصل عنها خاصتها، فهي نطق وكتابة، ولذلك كان لمخارج الحروف أثر في فصاحة الكلام، ولا شكَّ أن مخارج الحروف مختلفة منها ما يكون في أقصى الحلق، ومنها ما هو من أدنى الفم، ومنها ما هو في الوسط بينهما، فالتلاؤم فيها بأن تكون الكلمة حروفها متقاربة المخارج، والكلمات متقاربة المخارج ليسهل النطق على اللسان، وتتقبله الأسماع.
فإذا أضيف إلى ذلك التآخي في المعاني كان التلاؤم الكامل، والأسلوب الرابع، وذلك ما جاء في القرآن.
стр. 115
٣- تصريف البيان:
٧١- تختلف مناهج البلغاء كُتَّابًا وشعراءً، كل يجيد منهاجًا معينًا ويمتاز فيه، ويكون من الأوساط في غيره أثر دون الأوساط، فمنهم من يجيد الوصف، ويحكي الأشياء لقارئه كأنه يراها، ومنهم من يجيد القول الوعر العنيف، ولا يكون منه السهل الميسّر، ومنهم من يجيد شعر الغزل ولا يجيد غيره، ومنهم من يجيد القول الساخر، ولا يجيد القول الجاد، كما نرى في بعض كتاب العصر، ومنهم من يجيد الكتابة في السياسة، فإذا كتب في غيرها هان وابتذل، ومنهم من يجيد الكتابة في التحليل وإثارة التأمل، وهكذا، وقلَّ من يجيد الدخول إلى الكلام البليغ في أكثر من باب أو بابين، ويكونان متآخيين غير متناقضين.
أما القرآن المعجز الذي هو فوق قدرة البشر، فإنَّ البلاغة فيه في كل أبواب القول، وهي في كل باب تعلو علوًّا كبيرًا عن المجيدين في هذا الباب وحده، ولذلك كان تصريف القول فيه من تهديد وإنذار وتبشير، وإثارة للتأمل، ودعوة للتفكير في آيات
стр. 116
الله تعالى الكونية والقرآنية، والتفكير في النفس وفي الحس، كل ذلك من دلائل الإعجاز وسره.
ولقد قال سبحانه في ذلك: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤١] ، أي: إنَّ التصرف لزيادة التنبيه، وكلما زاد تنبيههم بالحق وإرشادهم ازدادوا نفورًا، فزادوا كفرًا، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٨] ، أي: إنَّ الله تعالى صَرَف في القرآن يضرب الأمثال وبيان الأحوال رجاء أن يؤمنوا، ولكن سبق الكفر إليهم جعلهم يأبون الإيمان بالله والخضوع له، فزادوا نفورًا عن الحقائق، كما ينفر المريض السقيم عن الدواء الناجع، والغذاء الصالح، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٤٥] ، ذكر الله تعالى أنَّه يصرِّف القرآن بذكر الأمثال والأحوال، ولكن الذين سبق الضلال إليهم يجادلون، والجدل في الحق الواضح المبين يطمس الحقائق ويطفئ النور، ويختفي نور الحق وسط الأقوال المتضاربة والأهواء المتنازعة.
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] .
وقال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦] .
وقال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٦٥] .
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٥] ، أي: نصرِّف الآيات ليفقهوه ويدركوا الحق إنْ كانوا غير ضالين، ولم يطمس على قلوبهم، وليقولوا درست وتعلّمت، ويكذبوا أن طمس على قلوبهم ولم يؤمنوا بالحق، كما قالوا يعلمه غيره، ورد تعالى عليهم بقوله:
﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] ، وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٨] .
٧٢- وبهذه النصوص الكريمة تبيَّنَ أنَّ القرآن كان يصرف الآيات، بمعنى أنه يتضمَّن الأمر بالتوحيد والتكليفات الشرعية التي بها صلاح المجتمع وتكوين مدينة فاضلة تحترم فيها حقوق الإنسان احترامًا كاملًا، بأوجه مختلفة من البيان، من تهديد وإنذار، إلى تبشير وتوبيخ واستنكار، ودعوة إلى التأمل في خلق الله تعالى، وفي القول ومناهج التأثير، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
стр. 117
وإنَّ التصريف في القرآن الكريم على ضربين: أحدهما في المعاني، وثانيهما: في الألفاظ والأساليب، فأمَّا التصريف في المعاني فإن المؤدَّى في جملته يكون واحدًا في عدة مواضع، ولكن لها في كل مرة عبرة, وهذا تصريف في المعاني وإن كانت الألفاظ تختلف أو تتقارب أو تتحد العبارات في بعض الأحيان، ولقد قال في تصريف المعاني الرماني في رسالته إعجاز القرآن: "وهذا الضرب من التصرف فيه بيان عجيب يظهر فيه المعنى بما يكتنفه من المعاني التي تظهره وتدل عليه، وتصريف المعنى في الدلالات المختلفة قد جاء في القرآن في غير قصة، منها: قصة موسى ﵇ في سورة الأعراف، وفي طه والشعراء؛ لوجوه من الحكمة، منها: التصرف في البلاغة من غير نقصان، ومنها: تمكين العبرة والموعظة"١.
٧٣- وأول تصريف في مناحي القول في القرآن يكون في السور، فمنها: الطوال التي يجد فيها القارئ أبواب العلم الإسلامي المختلفة من بيان الوحدانية، وبطلان الوثنية، وتوجيه الأنصار إلى الكون، وما فيه من دلالة على قدرة الله، والأرض وما حوت من كنوز وزروع وثمار، من اتصال الأرض بالسماء بالمطر الذي يكون غيثًا يحيي الأرض، وينبت الزرع، ويسقي كل حيّ، ومن شرائع فيها المصلحة الإنسانية وكرامة الإنسان، وتكريمه بالعقل.
وفيها القصار التي يسهل على القارئ حفظها، وأن يعيها صدره لما فيها من جمل قصار يسهل وعيها والاعتبار بهان وذكرها في صلواته، وفيها بيان الوحدانية وذكر اليوم الأخر، وفي بعضها تجد أحكامًا شرعية مثل قوله تعالى في سورة الكوثر: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ، ففيها ذكر لليوم الآخر ومقام النبي ﷺ ، ومقام الشانئين الذين عادوه وعادوا الحق معه، وحكم الأضحية.
واقرأ قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ، ففي هذه السورة القصيرة جماع الخصال الإنسانية التي تصلح الآحاد والجماعات، وهي الإيمان الذي يعمر القلوب ويوجه الجوارح، فلا صلاح لإنسان أو جماعة إلَّا إذا صلحت القلوب، وأثمر الإمان العمل الصالح في الآحاد، وكانت الجماعة كلها للحق تتواصى عليه وتتعاون، فما صلح قوم ضاع الحق بينهم، وتخاذلوا في نصرته، وإن السبيل إلى احتمال أعباء الحق هو الصبر، فإنَّ الصبر فيه ضبط النفس، والابتعاد عن الشهوات، وجعلها خاضعة
стр. 118
للعقل، بحيث تكون أمة ذلولًا لا سيدًا مطاعًا، وما تخاذل قوم عن نصرة الحق إلَّا لأنَّ الشهوات قد استولت على نفوسهم، وصار السائد على الجماعة الهوى المطاع، والشح المتَّبَع، ولذلك نصَّ الله على أنَّ الجماعة الفاضلة هي التي تتواصى على الحق، فلا يذل صاحب حق ولا يعلو أهل الباطل، وتتواصى على الصبر، وضبط النفس، وقدعها عن أهوائها وشهواتها.
وفي القرآن السور المتوسطة التي ليست بالطوال ولا القصار، ومنها ما يقرب من الطوال، ومنها ما هو قريب من القصار، وهي مشتملة على جل مقاصد الشريعة الإسلامية في عبارة موجزة مثيرة، ولكن بوضوح، ومبينة ولكن بإيجاز.
وكأن الله بذلك التصريف في السور بين الطويل والمتوسط والقصير، وكلها في أعلى درجات البلاغة، يقدِّم مائدته الكبرى وهي القرآن للناس أجمعين، ذوى العلم الذين يتَّسع علمهم للإحاطة بالسور الطوال وما فيها من علم بالشريعة، وما فيها من علم الكون الذي لا يحيط به من دونهم، وهم أوتوا مدارك تسمو إليها، وتستخرج من كنوزها جواهر.
وأعطى الذين يشغلهم أسباب الرزق عن الإحاطة قصار السور، وفيها غناء لا قصور فيه، بل إنه كمال في كمال.
وبين هؤلاء وأولئك الذين يطلبون السور المتوسطة طولًا، وهم الشادون في العلم الذين لهم من وقتهم ما يمكنهم أكثر ممن كانت لهم قصار السور.
وقد يقول قائل: هل تقسيم القرآن إلى سور قصار وما بينها تنزيل من الله تعالى؟ ونقول في الجواب عن ذلك: إنَّ ترتيب السور بوحيٍ من الله تعالى وقد بيَّنَّا ذلك فيما أسلفنا من قول في جمع القرآن.
стр. 119
التكرار في القرآن:
٧٤- كانت السور منها القصار ومنها الطوال، وإنَّ الجميع بترتيب من الوحي الإلهي، ولم يكن من عمل النبي ﷺ من غير وحي، بل هو من توقيف الله تعالى ووحيه، وإنَّ وضع الآيات بعضها بجوار بعض من وحي الله تعالى؛ إذ كانت الآية إذا نزلت على النبي ﷺ أمر بوضعها في مكانها من السورة التي يعينها بالوحي النازل عليه، والذي كان لا يني عن الاتصال به فيما يتعلق بالقرآن الكريم. وإن ذلك من الإعجاز؛ إذ إنَّ الآيتين المتلاصقتين مع أنهما قد تكونان نزلتا في زمنين متباعدين، نجد أن كل واحدة لقف للأخرى، هما صنوان متلازمتان متآخيتان، وذلك من سرِّ الإعجاز ودلائله؛ إذ إنَّ التناسق البياني بينهما متصل، والمعاني متلاقية، وكل واحدة منها تتم الأخرى في الموضوع في أحيان كثيرة، وفي التوجيه النفسي والتوالد المعنوي بينهما؛ بحيث لا يتصور القارئ للقرآن الكريم، أو المستمع لترتيله والمدرك لنغمه؛ لا يحسب أن بينهما فارقًا زمنيًّا في النزول.
وبجوار طول السور وقصرها، مع الإعجاز في كلها، قد نجد في القرآن تكرارًا، وهو من تصريف البيان، لا من الإطناب المجرَّد، إنما هو لمقاصد ولتوجيه النظر، ومناسبة المقام، ولقد لاحظ ذلك الأقدمون الذين تكلموا في سر الإعجاز، وقد قال في ذلك الجاحظ في كتابه الحيوان:
"ورأينا الله ﵎ إذا خاطب العرب والأعراب أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي والحذف، وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكى عنهم جعله مبسوطًا وزاد في الكلام".
وإنَّا نقدِّر كلام الجاحظ حق قدره، وإن ذلك واضح في كثير من آي القرآن، وإن الأعراب الذين يعتمدون على ذاكرتهم؛ لأنهم أميون يناسبهم الكلام الموجز، وأحيانًا يغني فيهم لمح القول ولحنه وإشارته، ولكن نلاحظ ثلاثة أمور:
أولها: إنه قال: وزاد في الكلام، وإنَّا لا نحسب أنَّ هذه الكلمة تتفق مع بلاغة القرآن ولا مقامه، فليس في القرآن زائد، وإن أطنب في القول؛ لأن الزيادة تتسم بالحشو، ومحال ذلك في أبلغ القول الذي نزل من عند الله تعالى، ولعله أراد معنى البسط والإطناب لا أصل الزيادة، ولا يمكن أن يكون قد أراد الحشو، ولكن مع كل نقول: هذه العبارة ليست سائغة.
الثاني: إنَّ الآيات المكية وقد كان الخطاب لعبدة الأوثان، فإنَّا نجد فيها بسطًا في القول، وخصوصًا في الاستدلال من الكون على أنَّ الله خالقه، وفي الاستدلال بعجزهم، والالتجاء إليه سبحانه.
اقرأ قوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ، أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ، أَمْ مَنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٠-٦٤] .
стр. 120
وإن هذا الكلام الكريم لا يمكن أن يكون خطابًا لليهود وحدهم، وإنما هو خطاب للعرب، ولم يكن باللمح والإشارة، بل كان بالتصريح والعبارة، فلم يكن بالإيجاز، وإن كان الإيجاز القرآني من نوع الإعجاز، بل كان بالإطناب المتَّسِق المبين، وكان فيه بعض التكرار في موضعه؛ لأنه التوجيه إلى النظر فيما تحت أيدهم هو في ذاته مقدمة لنتيجة هي الوحدانية للمعبود، ما دامت وحدانية الخالق قد ثبتت بهذا الكلام، فكان لا بُدَّ أن تذكر النتيجة أمام كل مقدمة؛ لأنها وحدها دليل، ولو لم تذكر النتيجة أمام كل مقدمة لكانت النتيجة ثمرة لمجموعها، مع أنَّ كل واحدة منها صالحة لِأّنْ تكون الوحدانية نتيجة لها، دون أن تنضمَّ معها غيرها.
الملاحظة الثالثة: وهي مبنية على الملاحظة السابقة، أنَّ الإيجاز والإطناب يكون لكل موضعه ومقامه، فلكلِّ مقام مقتضاه الذي توجه أحوال البيان المعجز.
وقد لاحظنا أنَّ مقام الاستدلال على الوحدانية من المواضع التي يحسن فيها الإطناب، وكلام الله تعالى اتجه إلى ذلك كما رأينا في الآية السابقة، وكما نرى في سورة الرحمن، فإنها تذكير بنعم الله تعالى، وكل نعمة كفروا؛ إذ استعملوها في غير موضعها، وفي أمر الله تعالى ونهيه، وإذا كان جزاء النعم كفرًا بالمنعم، وإشراك غيره معه في العبادة، فقد قال تعالى في سورة الرحمن: ﴿الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ، الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ، وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ، وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ، فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ، وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ، فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ، فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلى آخر السورة الكريمة.
وهكذا نجد بعد كل نص سام تتبين فيه نعمة لخالق بديع السماوات والأرض يكون تذكير بنعم الله، ووجوب شكرها بالطاعة وتجنب المعصية، والإقرار بوحدانية المعبود، وألَّا يعبدوا غيره ، وفي ذلك إشارة إلى أن كل نعمة من هذه النعم، وبينة من هذه البينات توجب وحدها الشكر، وتوجب الإقرار بوحدانية الله .
стр. 121
قصص القرآن من الناحية البيانية:
٧٥- ومن المواضع التي يحسن فيها الإطناب بل التكرار أحيانًا قصص القرآن، ولا نذكره هنا من ناحية أنَّه من وجوه الإعجاز في ذاته، فلذلك موضع خاص من القول، إنما نذكره من ناحية التكرار فيه، وموضع ذلك من سرِّ الإعجاز وبلاغة القرآن التي لا تساميها بلاغة في الوجود، وإنَّ ذلك التكرار من تصريف القول الذي هو وجه من وجوه البيان القرآني الذي قصد إليه الكتاب العزيز.
لقد تكرَّرت قصص الأنبياء، فذكرت قصة نوح عدة مرات بالإطناب أحيانًا، والإيجاز أحيانًا، وذكرت عيسى عدة مرات، وذكرت قصة إبراهيم عدة مرات، وذكرت قصة موسى عدة مرات، وإنه يبدو بادي الرأي أنَّ ذلك من مكرور العقول، وفيه التكرار، فما وجه البلاغة في هذا التكرار؟
إننا إذا نظرنا نظرة فاحصة تليق بمقام القرآن ومكانته في البيان العربي، نجد أن التكرار فيه له مغزى؛ ذلك أنَّ القرآن ليس بكتاب قصص، وليس كالروايات القصصية التي تذكر الحوادث المتخيلة أو الواقعة.
إنما قصص القرآن وهو قصص لأمور واقعة يساق للعبر وإعطاء المثلات، وبيان مكان الضالين ومنزلة المهتدين، وعاقبة الضلال وعاقبة الهداية، وبيان ما يقاوم به النبيون، ووراءهم كل الدعاة للحق، فهو قصص للعبرة بين الواقعات، لا لمجرد المتعة من الاستماع والقراءة، ولذلك قال الله تعالى في آخر قصة نبي الله يوسف ﵇: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١] .
ولكي يتبين للقارئ الكريم أنَّ التكرار بتسبب تعدد العبر التي هي المقصد الأول من القصص، نذكر قصة إبراهيم وقصة موسى -عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتمّ التسليم، فإنهما ذكرتا كثيرًا في القرآن الكريم.
قصة إبراهيم:
٧٦- ذكرت قصة إبراهيم في القرآن عدة مرات؛ لتعدُّد العبر فيها، وإنَّ إبراهيم كان أبا العرب، فقصصه له مقامه عند العرب، ونذكر من قصة بعضه لا كله، فإنه ليس هذا مقام ذكره في القرآن.
أ- أول ما نذكر من قصة إبراهيم هو ما يربطه بالعرب، وما كان شرف العرب به بناء الكعبة، فقد ذكر هذا البناء الذي قام به، وعاونه فيه ابنه إسماعيل -عليهما الصلاة والسلام، وبإبراهيم وإسماعيل تشرَّف العرب بأنهم سلالتهما، وبالبيت الحرام اعتزوا، وعلوا في العرب؛ إذ كان مثابة للناس وأمنًا، وقد قال تعالى في هذا البناء الذي قام بأمر رباني:
стр. 122
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٤-١٢٨] .
ثم بَيِّنَ من عد ذلك بعث النبي ﷺ ، وأنه كان استجابة لدعوة إبراهيم ﵊، وبذلك تتبين الصلة بين الإسلام ودعوة إبراهيم، فإذا كان العرب يفتخرون بإبراهيم ﵇، فهذه دعوته قد استجيبت في محمد ﷺ .
ب- نجد بعد هذه القصة قصة النفس البشرية في نبيّ الفطرة إبراهيم ﵇؛ إذ النفوس ولو كانت مؤمنة تتمتع بكثرة الدليل؛ لتزداد إيمانًا، وإن كان أصل الإيمان قائمًا، فزيادة البينات تزيد المؤمن إيمانًا، وتزيد الجاحد كفرًا وعنادًا.
واقرأ قصة طلبه زيادة الإيمان: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠] .
ومن قبل ذلك في الذكر كانت قصته مع الملك عندما ناقشه في إثبات وجود الله وكيف استطاع إبراهيم ﵇ أن يفحمه؛ إذ هو لا يؤمن إلَّا بالمحسوس؛ إذ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] .
وترى في قصة إبراهيم والطير أنَّه صوَّر النفس الإنسانية، ولو كانت نفس نبي مؤمن يدعو إلى تكشّف المجهول، وتعرُّف المستور، والمؤمنون يهديهم الله تعالى، ومن لا يريدون الهداية يتركون في غيهم يعمهون.
وفي قصة إبراهيم مع الملك نجد إبراهيم الأريب يأخذ بالطريق الذي يحسم الخلاف دون الطريق الذي يحدث لجاجة من غير إفحام؛ إذ الملك فهم أن القتل إماتة
стр. 123
وتركه إحياء، فلم يسترسل رسول الله الفطن الأريب في تعريف للموت والحياة، بل عمد إلى ما يفحمه حسيًّا، فبهت الذي كفر، والله لا يهدي القوم الظالمين.
ومن هذا نرى أنَّه ليس ثمَّة تكرار في المعاني والعبر والعظات، وإن كان الموضوع في الأحوال الثلاث يتعلق بإبراهيم ﵇.
ج- ولننتقل إلى قصة أخرى موضعها يتعلق أيضًا بإبراهيم ﵇، وهو تدرُّج النفس الإنسانية في الاتجاه إلى طلب الحقيقة الإلهية، والإيمان بالوحدانية. كيف ابتدأ إبراهيم ﵇ تأمله في الكون؛ ليتعرَّف من الوجود سر الوجود، وعظمة الخالق، فأوَّل ما استرعاه نجم ساطع تألَّق فحسبه ربه، ولكنَّ الرب موجود دائمًا، فلمَّا غاب نفر مما زعم، ثم رأى القمر فحسبه كذلك، ثم رأى الشمس، وهكذا حتى هدي إلى أن سرَّ الوجود يجب أن يكون غير هذا كله، فاتجه إلى الله، وإليك القصة كما ذكرها القرآن، وكما وقعت، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَاَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْم إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٧٤-٨٠] .
ونرى من القصة أنَّها مغايرة تمام المغايرة لما سبق، وإنْ كانت غير معارضة لها، بل هي متمِّمة، ولا تكرار في القصص، إنما الموضوع وهو إبراهيم ﵇ هو المتكرر، ونرى أنه ابتدأ بنفي عبادة الأصنام على أساس أنَّ البديهة تدعو إلى ذلك، وأنَّ ضلال العقل هو الذي يؤدي إلى عبادتها، ثم أخذ يبين أنَّ طريق اليقين يبتدئ بالشك في صدق ما تضل فيه الأفهام، فأخذ يعرض على عقله ما يتصور أن يكون فيه نفع، فاتَّجَه إلى الكوكب الساري، ثم إلى القمر المنير، ثم إلى الشمس السراج، فوجد أنَّ كل ذلك يأفل، ويجري عليه تغيُّر، فاتَّجَه إلى خالق ذلك كله، ولذلك يقول بعض العلماء، ومنهم ابن حزم الظاهري: إن إدراك الله ضروري إذا استقامت الفطرة، ولم تركس في ضلال الأوهام.
د- انتقل سيدنا الخليل من الاهتداء إلى الله تعالى إلى عمل إيجابي نحو الأصنام، دفعه الشباب ونور الله إلى أن يحطِّمها، وهذا يجيء في قصص القرآن الكريم، فيذكر سبحانه أنَّه عقب أن نال إبراهيم رشده، وهو في حياطة الله، تقدَّم
стр. 124
ليثبت ضلال عبادتها، وأنَّها لا تضر ولا تنفع، فحطَّمَها، ويقول في ذلك: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ، قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ، قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ، قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ، فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ، قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ، قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ، قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ، فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ، ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ، قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرّكُمْ، أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ، قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ، قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ "صدق الله العظيم".
[الأنبياء: ٥١-٧٠] .
هذه قصة من قصص إبراهيم ﵇ ذكرها القرآن الكريم في موضع غير المواضع السابقة، ولا نرى تكرارًا فيها، وإذا كان قد ذكر في قصة تتبع الكواكب والقمر والشمس الحكم على أبيه وقومه بالضلال، فقد ذكر ذلك مجملًا في الأول، أما هنا فقد ذكر المناقشة التي جرت بينهم في ذلك، ثم ذكر تدبيره في حطم الأصنام، وإثبات عجز الأصنام بالدليل القاطع، ثم نجاته من النار، فكان بهذا مثبتًا بالعمل أنهم لا ينفعون ولا يضرون، ولما سألوه عمَّا فعل بالأصنام قال متهكمًا: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ ، فأنطقهم بضلالهم؛ إذ نكسوا ثم قالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ، وقد أثبت الواقع أيضًا أنَّ الله وحده هو الذي يضر وينفع؛ إذ جعل النار ﴿بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ .
وهنا لا نجد تكرارًا مطلقًا، وإن الموضوع واحد، فهذه قصة إبراهيم، ولكن فرقت في أبواب شتَّى؛ لأن النسق القرآني المعجز اقتضى ذلكح إذ يكون كل جزء مكونًا لقصة ذات عبرة مستقلة في ذاتها، فهي قصة واحدة الموضوع، في قصص متعددة العبر.
стр. 125
هـ- ولندخل إلى جزء آخر من قصة إبراهيم، ونراه مستقلًّا غير مكرَّر، وهو صلة إبراهيم بأبيه، وكيف كان حريصًا عليه مع رفق الدعوة وإحسان البنوة، وطرق الهداية الرشيدة، يقول الله تعالى حكاية عن إبراهيم بعد أن صار صدِّيقًا نبيًّا:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا، يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا، يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا، يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا، قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا، قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤١-٤٧] .
وهنا نجد رفق الدعوة التي تفيض بحنان البنوة في عباراتها، وفي نغماتها الهادئة، وفي معانيها العاطفة، ولا يمكن أن يوجد في أيِّ لغة في أيِّ كلام عبارات برفق الدعوة والعطف والرعاية بمثل هذه العبارات؛ لأنها كلام العليم الحكيم العزيز الكريم.
وبمقدار ما في عبارات الابن من رفقٍ واسترضاءٍ واستعطاف كانت عبارات الأب كما صوَّرها القرآن جفوة، وكأنَّها الجنادل تصك الآذان، ولم يمنع ذلك الابن العطوف من أن يعد أباه بأن يستغفر له ربه؛ لأنه له مكانة عند الله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ .
ولكن الله تعالى يخبره بأنه ليس له أن يستغفر لأبيه؛ لأن كل امرئ بما كسب رهين، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وكل إنسان وما قدَّمت يداه، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، وقد نهى الله تعالى عن الاستغفار للمشركين، وعفا عن إبراهيم إذ استغفر لأبيه، ولكنه أمره بالبراءة منه فتبرأ، وقال تعالى في ذلك:
﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ، وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٣، ١١٤] .
هذه قصة إبراهيم ﵇، قبضنا منها قبضة؛ لكيلا يتوهَّم القارئ للقرآن، أو المستمع لتلاوته أنَّ فيها معاني مكررة وألفاظًا مرردة، ومنها يتبين أنه لا تكرار قط فيها، ولكن حكمة العليم الخبير تعالت كلماته اقتضت ذكرها متفرقة الأجزاء في مواضع؛ لتكون كل عبرة بجوار خبرها في القصة، ولو اجتمعت في مكان واحد لاختلطت العبرة بالقصة الخبرية، وما تميزت كل عبرة تميزًا يجعلها كونًا مستقلًّا مقصودًا بالذات، وبقية الأجزاء التي لم نرطّب قمنا بذكرها لا تكرار فيها، بل كل
واحدة لها عبرتها.
стр. 126
قصة موسى ﵇:
٧٧- قصة سيدنا موسى ذكرت في القرآن الكريم كثيرًا؛ لأنه هو الذي نزلت عليه التوراة، وفيها المبادئ المقررة في الشرائع السماوية، وكثير من أحكام المعاملات فيها لم ينسخ، بل جلها صدَّق عليه القرآن الكريم كما وصفه الله تعالى؛ إذ قال سبحانه: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [آل عمران: ٥٠] ؛ ولأنها تبيِّن أحوال اليهود؛ ولأنَّ فيها أوصافهم الحقيقية من الشكِّ والتردد في الحق وخذلانه، وما وسموا به من خنوع وخضوع، إلى آخر ما ذكره القرآن عنهم، وكل ذكر لهم يجيء معه ذكر لنبي من الأنبياء، ففيهم تجارب الإنسانية الفاسدة، وحالهم في هذه الأيام هي امتداد لما ذكره القرآن من أوصافهم.
وإن المتتبع لقصة سيدنا موسى في القرآن يجدها متعددة العبر، في جهاده وفي قومه، وفيما لقيه وهو من أولي العزم من الرسل الذين جاهدوا في الله حق جهاده، ففي كل واقعة من وقائع حياته عبرة، ولا تكرار بالقدر الذي يتوهَّمه التالي للقرآن أو المستمع لتلاوته، ولنقبس قبسات من ميلاده إلى جلاده مع فرعون الطاغية الذي كان من أغنى ملوك العالمين، وأشدّهم طغيانًا، ولسنا نحصي كل المواضع، بل نذكر ما يتوهم فيه التكرار من قصد لجديد.
أ- أول ما نتجه إليه هو ميلاده؛ وما أحيط به من خوارق العادات، فقد قال تعالى في سورة القصص: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ، وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ، فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٧-١٣] .
وفي هذه القصة نجد عِدَّة خوارق للعادات اقترنت بنبيّ الله موسى ﵇ في نشأته، فقد وُلِدَ فخافت عليه أمه؛ إذ إنَّ فرعون اللعين الذي يعدّ أستاذًا لكل طاغة في الأرض كان يرهق بني إسرائيل، يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم؛ لكيلا تكون منهم في القبائل قوة تناوئ حكمه، وترد طغيانه، ولكنَّ الله تعالى ألهم نفس أمه الصافية أن تصنع له تابوتًا، وتلقي فيه فلذة كبدها، وتدفعه إلى البحر، فكان الوحي
стр. 127
أو الإلهام صادقًا كل الصدق، مصدِّقًا كلَّ التصديق، فالتقطه آل فرعون ليكون المصير والمآل أن ينجو، وأن تكون رسالته عدوًّا للشرك، وحزنًا على آل فرعون؛ إذ إنه سيقاوم فرعون ويقتلعه من أرض مصر، وقد وهب امرأة فرعون الرحمة لهذا المُلْقَى في اليم، وقد ألهم الله أمّ موسى أن تتقصَّاه حتى تعرف أنه آل أمره إلى بيت فرعون، ويجيء الأمر الثالث الخارق للعادة، فيمتنع الرضيع عن المراضع بأمر الله التكويني، وتعرف أخته التي تقصَّت أخباره، فتدلهم -وهي المترقبة المترصدة- على من يكفله، تدلهم على أمه، وبذلك يرده الله تعالى إليها كما وعد، وهو أصدق الواعدين، وقد اقترنت هذه الخوارق بنشأة موسى، كما تقترن الخوارق بنشأة كل رسول من رب العالمين، وقد رأيناها من بعد مقترنة بولادة محمد خاتم الأنبياء، وآخر لبنة في صرح النبوة، مما هو مذكور في السيرة النبوية المعطَّرة، وإنَّ سورة القصص يرى التالي لها المتتبع للقصة أنها ذكرت بالإجمال ولادته ونشأته في بيت فرعون إلى أن أرسله الله رسولًا نبيًّا، ولاقى فرعون في عزمة المؤيد من الله تعالى، وفيها ختام حياة فرعون، وما انتهى إليه من غرق في اليمّ.
ابتدأت بعد نشأته ببيان أنَّه فهم طغيان فرعون، وظلمه لبني مصر عامة، وتخصيصه بني إسرائيل بظلم خاص، فيقول الله سبحانه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ، قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٤-١٧] .
أدرك موسى بنفاذ بصيرته القدرة على الحكم على الأمور والعلم بمداخلها، فأعطاه الله تعالى حكمة وعلمًا، وخرج من سجن القصر إلى حيث الشعب، يتحسّس الأمور، ويتعرَّف مقتضياتها وغايتها ومآلاتها، فدخل المدينة في وقت لا يعلم أهلها أنه من قصر فرعون، ورأى الإسرائيلي الذي يدل ظاهر الحال على أنه من المظلومين، يقتتل مع المصري الذي يدل ظاهر الحال على أنه من الظالمين، فاستنصر به الذي من شيعته على الذي من عدوه، وقتله ولكنه ندم؛ إذ قتل قبل أن يتبيِّن، وتاب إلى الله، واعتزم على ألَّا يعود لمثلها.
ولكن تتكرَّر المأساة، وتعاوده رغبته في الانتصار لمن هو من شيعته، فينبهه الآخر إلى أنَّه لا يصح أن يكون جبَّارًا في الأرض؛ إذ جاء من شيعته من يستنصر به على مصري آخر فيعرفه المصري فينبهه.
стр. 128
عندئذ يحس الطبيب الأمين الذي أراد الله تعالى له أن يكون من المصطفين الأخيار، بأنَّه صار في خطر أن يبطش به فرعون وأعوانه، وقد جاء النذير بذلك: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ، فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٠، ٢١] .
خرج من المدائن إلى حيث الأمن والاستقرار، خرج إلى الصحراء؛ حيث السماء الصافية، والنور المشرق، فتوجه تلقاء مدين، وارتبط حاله بشعيب كبير مدين، وخاطبه الله تعالى من وراء الشجرة، وقد آنس نارًا ذهب ليصطلي هو وأهله بها، فهداه الله تعالى، وبعثه إلى فرعون وقومه ليلقى الطاغي الول في العالم، وأُعْطِي المعجزة الأولى، وكانت لأنَّ الله تعالى يخاطبه، وقد قال الله تعالى لما أتى إلى جذوة النار: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ، اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ، قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ، وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ، قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ، وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ، وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ، فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٣٠-٤٠] .
إلى هنا بَيِّنَ القرآن حياة الكليم ﵇، من وقت أن نشأ رضيعًا، وكيف كلأته عناية الله تعالى وهو يتدرَّج حتى صار شابًّا سويًّا قادرًا، ورأى الظلم عيانًا، وصقلته الحاجة الشديدة حتى صاح ضارعًا إلى ربه ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ، فصار من تربَّى في تَرَف فرعون في حاجة إلى عيش الكفاف، ووجده في أن يكون أجيرًا لشعيب بمهر إحدى ابنتيه، فالتقى فيه ترف النعمة ابتداء حتى زهد فيه، لما تأشب حياته فيه من إحساس مرير بالظلم، فأقبل على الشعب يعيش في وسطه عيشًا مريرًا، ولكنه هنئ، وحياة لأغبة، ولكنها في راحة الضمير والوجدان.
стр. 129
عندئذ بدت أرهاص النبوة، ثم كانت الرسالة، وشعر بشدة التكليف؛ لأنَّه سيكون في مواجهة فرعون الذي قتل من قومه نفسًا، والتقى فرعون بطغوائه وجهله، فحسب أنَّ الله في السماء الدنيا، وأراد ان يتخذ الأسباب للارتفاع إليه، ومع جهله بالحقائق الإلهية استكبر هو وجنده، فكأنَّ الجند في جانبه، والشعب ليس في جانبه، أو هو مغلوب على أمره لا يحرك ساكنًا حيث يجب أن يتحرك، ولا يدفع ظلمًا يجب أن يدفع، ثم نزل العقاب بفرعون وجنده، فألقوا في البحر. هذه قصة موسى رضيعًا فشابًّا قويًّا، فأجيرًا فتيًّا، فمبعوثًا نبيًّا، فمجاهدًا مجالدًا، حتى أدال الله تعالى من الطاغي المتغطرس.
٧٨- جاء بعد هذا الإجمال تفصيل لما ذكر بالإجمال من الوقائع، وكان في التفصيل ذكر للنعم التي أنعم الله بها على موسى.
وأوَّل تفصيل كان في ذكر التأهب للقاء فرعون، فقد توقَّع أنه سيلقى عنتًا، وما ذكر من بعض التكرار؛ فلأنه لا بُدَّ منه ليقوى موسى على اللقاء، وليذكر بالنعم التي أنفذته سابقًا؛ ليعلم أنَّ الله تعالى معه ومؤيده ومنقذه، ذكَّره بنعمه عليه رضيعًا ثم كيف ابتدأ التكليف، ثم كيف استعان بأخيه، ثم كيف استعدَّ للقاء الرهيب؛ إذ قال: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي، وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا، وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا، إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا، قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى، وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ [طه: ٢٥-٣٧] ، ثم ذكَّره بعظم مِنَنِه السابقة؛ ليتأكَّد أن الله تعالى مؤيده بنصره، وليعلم أنَّه مهما يكن أمر فرعون فإن الله تعالى لن يمكنه منهما.
ثم جاء التكليف بالرسالة ومخاطبة فرعون نتيجة للآات التي ذكرها أولًا، ثم ذكرها ثانيًا؛ ليربط التكليف بها، وهذا نص التكيف الخطير: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى، قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى، قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى، فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٣-٤٧] .
وفي هذا النص دعاهم إلى التقدُّم برقيق القول إرشادًا لسبيل الدعوة؛ إذ هي تكون بالتي هي أحسن ليلين الطاغي وليسكن الناقر، وقد أبديا لله سبحانه الخوف من أن يطغى، فوعدهما سبحانه بأنه سيكون معهما، وقد سبق القول بسابغ نعمه وصادق وعده، وكان لا بُدَّ من ذكر ذلك عند دعوتهما إلى ذلك الإقدام الخطير.
стр. 130
وقد كانت إجابة فرعون أن سألهما عن ربهما، فأجابا قائلًا أحدهما ومصدقًا من الآخر: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى، قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى، قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى، كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه: ٥٠-٥٤] .
وأخذا يذكران أسباب الهداية مبينين حقائق الوجود كله، ولما تقدَّم موسى له بالعصا التي قُلِبَت ثعبانًا مبينًا، وقال : ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى، فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٧، ٥٨] . التقى السحرة وموسى، ووقعت المعارك بين الحق يؤيده الله، والسحر يؤيده الباطل، والله يطمئن عبده الرسول وقد رأى السحرة، فيقول له: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: ٦٨] .
وقد كانت نتيجة المعركة بين الحق والباطل أن خرَّ السحرة ساجدين لله، وهنا تتجلَّى الحقيقة، ويتجلَّى الفداء في سبيل الحق، والطغيان الفرعوني الذي يستكثر أن من المصريين من يذعن للحق قبل أن يأذن الطاغوت الأثيم، وينذر بالعذاب ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ .
وهنا تتجلَّى قوة الإيمان؛ لأنه إذا سكن القلب واطمأنت به النفس هان تهديد العباد ولو كان من فرعون ذي الأوتاد، ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى، إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا، وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه: ٧٢-٧٥] .
وينتهي هذا الجزء من قصة موسى وفرعون بأنه مقصد قائم بذاته، وهو تفصيل اللقاء بين الحق يؤيده الدليل، وبين الباطل يؤيده الطاغوت، وفيه قوة الإيمان عند المؤمن، وما جاء من ذكر لآلاء سبق بيان فيها، فلكي يتخذ من التأييد الأول والوعد به وصدق الوعد دليلًا على صدق الوعد الجديد، وقد اشتدت الشديدة.
استمرَّت المجاوبة بين الحق والباطل في داخل الشعب المصري وبين آل فرعون والمؤمن، ولعله -والعلم لله وحده- أنَّ الذين آمنوا من آل فرعون وأهل مصر عدد قليل؛ كالذين آمنوا بمحمد من بعد قد كانوا عددًا قليلًا، ومن الضعفاء، فكان لا بُدَّ من هجرة موسى من مصر، كما هاجر محمد من مكة إلى المدينة، وكان معه الذين اتبعوه بإحسان، ونالهم ما نالهم من الأذى.
خروج بني إسرائيل وموسى من مصر:
٨٠- كان أتباع موسى ﵇ من بني إسرائيل الذي جاء لاستنقاذهم وبعث للدعوة إلى الوحدانية أولًا، واستنقاذ المظلومين من الظالمين ثانيًا، فكان لا بُدَّ من الهجرة، ومن أراد أن يلحق بهم من المصريين.
لقد جاء الأمر بالهجرة وأن تكون ليلًا، كما كانت هجرة محمد ﵇ خفية، وقد ساق قبل الخروج قصة الدعوة الموسوية، وما لاقته من فرعون وشيعته؛ ليتبين أنَّه لا أمل في إيمان غير الذين آمنوا من قبل، لذلك جاء الأمر بالهجرة كما جاء بعد ذلك الأمر بالهجرة لمحمد ﷺ ، قال الله تعالى في ذلك: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ، فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ، إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ، وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ، وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ، فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ، كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ، فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ، فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٥٢-٦٤] .
انتهى أمر فرعون بهذا الإغراق، ولكنَّه لمَّا أوشك على الغرق جاء إليه الإيمان متأخرًا، فكانت المعجزة أنَّ الله أبقاه مثلًا للأخرين، وأنَّ الله سبحانه يقول مفصِّلًا مهلكه من غير تكرار، وإن ذكر المقدمات مفصّلًا، قال سبحانه: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس: ٩٠-٩٢] .
انتهى فرعون، ونلاحظ هنا ثلاث ملاحظات:
أولاها: إنَّ فرعون كان دائمًا يذكر جنوده على أنهم الذين يوالونه في طغيانه، ويمالئونه في عدوانه، وينصرونه، والشعب لا يذكر في مقام المناصرة لفرعون.
стр. 133
وثانيتها: إنَّ الذين آمنوا من الشعب عدد لا يكون كثرة تهزّ ملك فرعون، وإذا كانوا كثرة لم يذكروا مع فرعون؛ لأنهم فريسته، فلم ينصروا بكثرتهم دعوة موسى، وكانوا كشأنهم فيم يتعلّق بملوكهم إن خالفوا الحقّ نافق منهم من ينافق، وتملّق من يتملق، والشعب وقف موقف النظارة، ولذلك كانت الهجرة؛ إذ قلَّ النصير المؤيد، وكثر العدو المناهض.
وثالثتها: إنَّ الله تعالى أجرى على يد موسى معجزات تتصل بمصر الزراعية كما ذكر في سورة الأعراف، ولقد ذكر في السورة موسى وفرعون، وذكرت هنا كما ذكرت في غيره العصا والسحرة، وكررت لأنَّها المعجزة الكبرى التي تحدَّى بها، كما كان القرآن الكريم يذكر كثيرًا في القرآن؛ لأنه المعجزة الكبرى التي جاء بها محمد -صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد اختبر الله تعالى آل فرعون بمعجزات زراعية تتعلق بالزرع والضرع، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ، فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ، فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ، وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ، فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠-١٣٦] .
وهكذا توالت المعجزات حتى بلغت تسعًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا، قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا، وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا، وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الإسراء: ١٠١-١٠٥] .
هذه قصة موسى مع فرعون ومع أهل مصر، قد ذكرنا جزءًا منها، وهي في فصول متعددة من أجزاء القرآن الكريم، ونلاحظ مع بلاغة القصص وقوة تأثيره الذي قد نتكلم عليه من بعد، أنَّه لا تكرار في جزء من القصة، فلا يكرر جزء بمعناه في آيات واحدة، بل يذكر أيضًا بمعناه في آيات أخرى، وإنَّ كل جزء من القصة في معناه وجزئياته وغاياته ومراميه إلى مقصد، بل لكل جزء معنى سيق له، لم يسق له غيره، وإذا كانت بعض العبارات أو المعاني تكررت، فإنَّ ذلك لبيان المقصد الأصلي من الجزء، فمثلًا رأينا في لقاء موسى لفرعون أنه ذكرت عبارات النعم وهو رضيع، وكيف سهَّل الله سبيل العيش الرغيد؛ ليبين له سبحانه أنَّه معه في لقاء فرعون، كما كان مع أمه في إلقائه في اليمِّ؛ ليلْقَى فرعون وهو رابط الجأش، وهكذا نجد تكرار بعض المعاني؛ لأنها ذكرت في موضعها الأول مقصودة، وذكرت في موضعها الثاني تمهيدًا لقصده، وتثبيتًا لمغزاه، فالتكرار لم يكن لمجرد التكرار، بل هو تجديد للمعاني، ليس ترديدًا، والفرق بين التجديد ومجرَّد الترديد أنَّ الترديد يكون تكرارًا لا غاية لها، أو يكون لمجرد التوكيد، أما التجديد في تكرار اللفظ فإنه يكون لغاية بعده لا تتمّ إلا به.
стр. 134
موسى مع بني إسرائيل:
٨١- لقد قسِّمَت قصة موسى في القرآن إلى قسمين: أحدهما ما كان وهو في مصر يجاهد فرعون ويجالده، وقد أشرنا فيه إلى أنَّه لم يكن تكرارًا إلَّا لتجديد الأمر؛ إذ يكون تمهيدًا للمقصد من الجزء لا يتمّ البيان إلَّا به، أو هو مقدمة يتلوها الجزء الذي سيق له القول، وكان لقصد غير الأول.
أمَّا القسم الثاني فهو ما كان بعد الهجرة إلى الطور، وصار موسى مع بني إسرائيل، وقد خلصوا من فرعون وجنده، وفي هذا القسم تلقَّى الألواح وعُلِّمَ التوراة، ولاقى المرارة فيها من بني إسرائيل وضعفهم وتقليدهم، كما لاقى من قبل الجهاد مع فرعون.
وفي قصة بني إسرائيل مع موسى ﵇ يتبين ما يكون عليه قوم قد مردوا على الخنوع، وضعفت فيهم النفوس، واستمرءوا الهون من الحياة، ورضوا بالمكان الدون واستقروا فيه١.
انتقل بهم موسى ﵇ إلى الطور، فأرسل الله لهم السلوى والمنّ طعامًا، وأظلَّ الله تعالى عليهم بالغمام حتى لا تلفحهم شمس الصحراء، ثم توالت عليهم النِّعَم، وتوالت خوارق العادات، ولقد ذكرت الآيات القرآنية في أول سورة البقرة بعض أخبارهم، فقال تعالى:
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ، وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ، وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ
الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ، وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ، فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٤٧-٧٤] صدق الله العظيم.
وفي هذه النصوص السامية المعجزة المحكمة نجد القرآن الكريم يذكر بني إسرائيل بأنَّ الله تعالى خصَّهم بنِعَم لم يعطها غيرهم، وأنَّه فضلهم في عصرهم بأن جعل منهم الذين يقاومون طاغوتًا من أعظم طواغيت الأرض، وخصَّهم بكثرة المعجزات التي تجري على أيدي نبيهم الذي هو من أولي العزم من الرسل، وأنه سبحانه جعل من ذرية يعقوب أبيهم أنبياء كثيرين ومرسلين، ومع هذه النِّعَم المتضافرة، والآيات المتكاثرة، يكفرون بالنعمة ويبطرون معيشتهم، ويتخذون تفضيل الله لهم تفضيلًا نسبيًّا في عصرهم ذريعة للكفر بالنعمة لا لشكرها، وأنَّ الله قد أخذ عليهم الميثاق ألَّا يعبدوا غيره ولا يؤمنوا إلّا به، ولكن نفوسهم التي مردت على التقليد والخنوع للقوي سوَّلت لهم أن يعبدوا العجل، كما كان يعبده المصريون، وفعلوا ذلك تقليدًا وخضوعًا للأهواء، وتركوا وراءهم ظهريًّا أوامر الله تعالى الذي أنقذهم من ظلم فرعون، الذي كان يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم. ويأمرهم الله تعالى بأن يدخلوا متطامنين خاضعين، فيحرّفون كلام الله تعالى عن مواضعه، ويمنُّ الله تعالى عليهم بخيرالطعام وأطيبه، فيأخذهم الإلف إلى ما دونه، ويستبلدون الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ لأنهم خاضعون لأهوائهم غير مستطيبين لرزق ربهم، ويرون المعجزة نهارًا، وينعمون بها؛ إذ يطلبون الماء فلا يجدونه، فيأمر الله نبيه موسى الكليم بأن يضرب الحجر بالعصا، فينبعث اثنتا عشرة عينًا، ويكون لفرقهم الأثنى عشرة مشاربهم ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠] .
ومع هذا النعم المتوالية والآيات البينات الباهرة يأمرهم الله تعالى بالطاعات، ويأخذ عليهم الميثاق بأن يرفع عليهم الطور حتى يصير كأنَّه فوقهم تأكيدًا للميثاق بالآية التي اقترنت به، ومع ذلك لا يطيعون عامدين؛ إذ يتولَّوْن معرضين عن ذلك البيان الموثق؛ لأنهم قد طبعوا على الجحود، وكانوا مضرب المثل فيه، وإذا كانت الآيات قد تضافرت بالبيان عليهم، فإنَّ الله تعالى جعل فيهم ومنهم آية بينة تدل على أن الجحود لا ينشأ عن نقص الدليل، بل يكون مع تضافر البينات، فتزيدهم الآيات كفرًا وعنادًا.
стр. 137
وإنَّ الله تعالى يأمرهم بيوم السبت لكي يكون لهم راحة واستجمامًا، وأن يبتعدوا فيه عن المادَّة ويعكفوا على أنفسهم يهذّبونها ويفطمونها عن دواعي المادة، فيذهب شرّهم المادي ورغبتهم في طلب المادة إلى أن يعملوا فيه شرهًا وطعمًا، فيمسخ الله تعالى نفوسهم قردة تنزو مثلها، وخنازير تطلب الخسائس طلبها.
"إنَّ الله تعالى يختبرهم في إيمانهم بأن يذبحوا بقرة، ولكنَّهم تأثرًا بالمصريين وما كانوا عليه من عبادة العجل، يتردَّدون في ذبح البقرة، فيجادلون في ذبحها متجاهلين أمرها،، ولو أتوا إلى أيّ بقرة فذبحوها لكان في ذلك الاستجابة الكاملة، ولكنهم يثيرون الريب حول الطلب، سألوا عن حقيقتها، وعن كونها صغيرة أو كبيرة، فأجيبوا، ثم سألوا عن لونها فأجيبوا، ثم سألوا عن كونها متخذة معلوفة للنماء والتوالد، أم هي ذلول عاملة، فذبحوها وما كادوا يفعلون تقليدًا للمصريين وتأثرًا فأفكارهم، وأوهامهم في دينهم".
هذه قصة بني إسرائيل في تلقيهم لأوامر الله تعالى، وما جاء القرآن خاصًّا بهم في عهد موسى ﵊ فهو لمقاصد أخرى من أجزاء القصة كما ذكرنا في قصة موسى ذاته.
стр. 138
بنو إسرائيل والأرض المقدسة:
٨٢- لم يكن بنو إسرائيل في عهد موسى إلّا قومًا أذلَّهم الخضوع وضربت عليهم الذلة، وأمرضتهم الطاعة الذليلة التي كانت رقًّا أو ما يشبهه، وقد بدا ضعف نفوسهم في عهد موسى، فقد أراد أن يدخل بهم الأرض المقدسة، فضعفوا ووهنوا وتلمَّسوا لأنفهسم المعاذير، وما هي إلَّا معاذير المستكين المؤثر للاستكانة، والرضا من الحياة بأدناها.
طلب منهم موسى أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لهم أن يدخلوها، ولنسمع إلى كتاب الله تعالى يحكي حالهم من الجبن والخنوع والذل.
قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْم اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، يَا قَوْم ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ، قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ، قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ، قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي
стр. 139
وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ، قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٠-٢٦] .
هذا نص القرآن الكريم في قصة جُبن اليهود وتخاذلهم على أن يدخلوا الأرض المقدَّسة التي كتب الله عليهم أن يدخلوها، ويجب أن ننبه هنا أن المراد أنَّ الله تعالى كتب عليهم أن يدخلوها، لا أنه كتبها لهم ملكًا دائمًا مستمرًّا باقيًا يطلبون بحقه، وأنَّ ذلك هو مفهوم الكتابة، ويستفاد من النص الكريم ذلك أنَّ النص الكريم ليس فيه أنه كتبها لهم، بل كتب فقط عليهم أن يدخلوها؛ إذ يقول سبحانه عن طلب موسى منهم الدخول: ﴿يَا قَوْم ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ، فالكتابة التي فرضها الله تعالى هي الدخول وهو واجب وليس بحق، فلم يكتب لهم أرضًا، بل فرض عليهم أمرًا، بدليل عودة الضمير على الدخول المكتوب لا على الأرض.
وإن منطق الحوادث يوجب عليهم أن يدخلوها؛ ليقيموا فيها شعائر الموسوية؛ إذ إنهم خرجوا من مصر لعدم صلاحيتها لِأَنْ تقوم فيها شرائع موسى، كما لم تصلح مكة لِأَنْ تكون موطن الشرع الإسلامي إلّا عبد تحطيم الأوثان، وأن يمنع المشركون من دخولها؛ لأنهم نجس لا يدخلون المسجد الحرام بعد عامهم.
وإن دخولهم فيها كان لأجل إقامة التوراة فيها، وجعلها الحكم الذي لا ترد حكومته، وما كانت لذواتهم، فلم تكن لأنهم بنو إسرائيل، بحيث يكون الاستحقاق ذاتيًّا، أو ميراثًا يرثه الأخلاف عن الأسلاف، وقد انتهى عهد موسى، وانتهى شرعه، وحالت أحوالهم وتغيَّرت أمورهم، وليست الأرض ميراثًا يؤخذ، إنما الأمر هو الدخول لإقامة الشريعة الموسوية، وقد نُسِخَت بشريعة محمد، فصارت الخلافة النبوية إلى محمد خاتم النبيين، فقومه الذين يقيمون شرع الله هم أهلها، والذين يجب عليهم أن يدخلوها آمنين مطمئنين، فليست أرض الله ميراثًا يورَث للذوات، إنَّمَا هي مقام الشرع الناسخ لا المنسوخ.
ويلاحظ من بعد ذلك أمور ثلاثة قد أشارت إليها الآيات الكريمات:
أولها: إنَّ الاسترخاء والضعف النفسي قد أصابهم بسبب ترفهم أولًا، واستضعافهم ثانيًا، وطغيان فرعون في حكمهم ثالثًا، وبأنَّهم حرموا حب الفداء، وإذا حرم قوم حب الفداء هانت عليهم أنفسهم ورزقوا الوهن، وكذلك بنو إسرائيل، فقد خافوا من غير مخوف، وماتت فيهم النخوة، كما تدل الآيات الكريمات.
стр. 140
وثانيها: إنَّ ضعفهم أفقدهم قوة الإيمان، والشك في حكم الديَّان، حتى إنهم ليقولون لموسى ﵇: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون. وذلك تهكُّم يدل على وَهَن إيمانهم، كما وهنت نفوسهم.
وثالثها: إنَّ الأمم لا تتربَّى إلَّا بتعوّد خشونة العيش، كما تعوَّدت نعومته، وأن تذوق جشبه كما ذاقت حلاوته، ولذلك بَيِّنَ الله أنه لا يمكن أن يدخلوا الأرض المقدَّسة التي كتب الله تعالى عليهم أن يدخلوها، فقال سبحانه: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ .
وهذا كما يبدو من الآية تحريم كوني، أي: إنَّه لا يمكن أن يستطيعوا الدخول إلى الأرض المقدسة مقاتلين مجاهدين إلَّا بعد أن يذهب عنهم ذل الوهن، ويأتي جيل جديد قد ذاق طعم الشدة، وعلم الحياة نضالًا، ولم يعلمها استكانة وضعفًا، والتقدير بالأربعين لا أحسب أنه يقصد به العدد، ولكن يقصد به الكثرة التي تنشئ جيلًا تربَّى في شظف العيش وصلابة الحياة وقسوتها.
ولقد أخذ هذه الحقيقة القرآنية ابن خلدون، وجعل أساس قوة الأمم شدة الحياة وصلابتها، فإنها إذا استرخت أدال الله منها بقوم أولي بأس شديد تربَّوا في البداوة، وذاقوا بأسها.
стр. 141
٢- قصص القرآن لون من تصريف بيانه:
٨٣- ذكرنا أنَّ البيان القرآني فيه تصريف القول على ألوانٍ متعددة متباينة في حقيقتها متلاقية في غياتها، ولا يمكن أن يكون لكلام بشر مع سموِّ البلاغة وبلوغها المقام الذي يناصى في كل أصنافها، بل لا يمكن أن يبلغ الغاية في صنف واحد من أصنافها، وقد ذكرنا ما في القرآن من إطناب من غير تكرار، وذكرنا ما يتوهم فيه التكرار في القصص، وبيَّنَّا أنه لا تكرار يعد ترديدًا ولو على سبيل التوكيد، وما يتوهم فيه التكرار إنما هو تجديد المعنى لغاية أخرى ومقصد آخر، وكان الذكر لما يتوهم تكراره فيه كمال المعنى، ولا يمكن أن يستغنى القول عنه، إنما التكرار المردود يكون فيما لو حذف المتوهم تكراره ما نقصت الغاية، وما اختل بيان المقصد، وتكرار القرآن ليس على هذا، بل هو تكميل لا بُدَّ منه، وتتميم لا يستغنى عنه، وذلك يكون في القصص، وفي الاستدلال بآيات الله تعالى الكونية، على وحدة من خلق وكون وأبدع، وقد ضربنا على ذلك الأمثال.
والان نذكر القصص القرآني على أنه لون من تصريف البيان القرآني، وتغير أشكاله كما ذكر الله تعالى في القرآن: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ .
стр. 142
إن القصص القرآني فيه العبرة، وما ذكرت قصة إلّا كان معها عبرة أو عِبَر، وفيها المثلات لمن عصوا وتركوا أمر ربهم، وفيها بيان ما نزل بالأقوياء الذين غرهم الغرور، والجبابرة الذين طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد، والله من ورائهم محيط.
وإن القصص فيه إيناس صاحب الرسالة المحمدية بأخبار إخوانه من المصطفين الأخيار، وإثبات قوله، فقد كانت تلك الأخبار الصادقة ما كانت لتعليم إلا لمن شاهد، وما شاهد أحداثها وهو لا يزال في بطن الغيب، كما قال عقب قصة مريم: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤] وكما قال تعالى في قصة موسى ﵇ ووقائعها، قد قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٤-٤٦] .
لم يكن محمد مشاهدًا الأحداث التي جاء القرآن الكريم بقصصها، وهي صادقة وثابتة في الصادق من أخبار النبيين في كتبهم التي يتداولها أهل الكتاب، ولم يتناولها التحريف.
ولم يكن بمكة مدرسة لاهوت، بل لم يكن بمكة يهود ولا نصارى إلا خمَّار ألحدوا بأن النبي ﷺ أخذ منه كذبًا وبهتانًا، فقال الله تعالى ردًّا عليهم: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] .
وكانت مكة بلدًا أميًّا، ليس به علم، ولا رياسات، إلّا مباريات رياسية في البيان، وكان محمد ﷺ أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، وقد قال الله تعاى وهو أصدق القائلين: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] .
لذلك نقول: إن القصص القرآني ذاته فيه إعجاز ذكره الكتاب جاء على لسان أمي لا يقرأ ولا يكتب؛ إذ هو النبي الأمي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
ويتساءل أيّ تالٍ للقرآن: من أين جاء محمد بهذا القصص الحق، وهو لم يشاهد وقائعه، ولم يقرأها؛ لأنه لم يكن قارئًا؟ إنه من عند الله العزيز الحكيم علَّام الغيوب، وبذلك كان القصص الصادق من التحدي.
стр. 143
التصريف البياني في قصص القرآن:
ذكر الله تعالى الحقائق الإسلامية في القصص، فلم يكن عبرة فقط، بل كان بيانًا لحقائق الإسلام، فنجد فيه بيانًا لعقيدة التوحيد، والبرهان عليها جاء في سياق القصص عن النبيين السابقين، فقد رأيت في قصص سيدنا إبراهيم ﵇ كيف كانت الدعوة إلى التوحيد، وكيف أبطل عبادة الوثان بأنها لا تضر ولا تنفع، وأنه جعلها جذاذًا إلا كبيرًا لهم، وأنهم أرادوا عقوبته بالحرق بالنار، فجعلها الله تعالى بردًا وسلامًا على إبراهيم.
واقرأ بعض القصص عن سيدنا نوح الأب الثاني للبشر، ترى الأدلة على التوحيد بأن نجد في بعضها أدلة التوحيد تساق للضالين، ويوجه أنظارهم إلى الكون وما فيه فقد قال تعالى:
﴿قَالَ يَا قَوْم إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا، وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا، ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا، فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا، مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا، وَقَدْ خََقَكُمْ أَطْوَارًا، أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا، وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا، ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا، لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [نوح: ٢: ٢٠] .
ألم تر في هذه النصوص السامية تسلية واضحة للنبي ﷺ ؛ إذ فيها بيان ما لقيه نوح، وكيف كانت الأدلة القاطعة لا تزيدهم إلا نفورًا من الحق وفرارًا من أتباعه، وإصرارًا على الباطل، وفي كل ذلك عزاء للنبي ﷺ ؛ لئلَّا تذهب نفسه حسرات على كفر الكافرين وجحودهم بعد الأدلة القاطعة.
ومع هذا العزاء الروحي، والعبرة التي تريح الدعاة إلى الحق، نجد في السياق البرهنة على التوحيد، وأن الله تعالى وحده هو الخالق، وأنه بالتالي المستحق للعبادة وحده، فلا معبود سواه.
وسوق الأدلة على التوحيد في سياق قصة يجعله يسري إلى النفس من غير مقاومة، وتكراره يجعله يخط في النفس خطوطًا، وتتعمق الخطوط فيكون الإيمان.
стр. 144
وإنك لترى الدعوة إلى التوحيد واضحة في قصة يوسف ﵇، فهو في السجن يدعو إلى التوحيد وعبادة الله وحده، ويجعل سلواه وهو في السجن الدعوة إلى الوحدانية، وسوق الأدلة، فالله تعالى يحكي عنه أنه يقول لصاحبيه في السجن: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ، يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٣٧-٤٠] .
انظر إلى الاستدلال القيم على أن الواحد الأحد خير من أرباب متفرقين، يتيه العقل فيهم، وأنهم لا حقائق لهم تتعلق بالألوهية، ثم يذكر ذلك عقب أن بين تأويل ما عجز عنه المئولون من رؤى، وقال: أنه قد علمه ربه.
ثم انظر إلى هذا القصص، وذكر التوحيد يجيء في أثناء السجن بسبب فرية نسائية افترينها عليه، ويجيء في وسط قصة نسوة المدينة أنه يكون طريفًا، فيكون له تأثيرًا أقوى وأشد.
٨٤- وليس القصص القرآني فيه إثبات أنَّ الله وحده هو المستحق للعبادة، وبطلان عبادة الأوثان التي هي أسماء سمَّوْها هم وآباؤهم، ما أنزل الله تعالى بها من سلطان، بل فيها إثبات الوحدانية أمام الذين يدعون ألوهية المسيح ﵇.
واقرأ قصة عيسى ﵇، فإن فيها الدليل على أنه ليس إلّا عبدًا لله تعالى، ولقد قال في ذلك: ﴿يَا أَهْل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا، لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧١، ١٧٢] .
ونرى من هذا أن ذكر قصة عيسى أو ذكر جزء منها اختص ببيان وحدانية الله وإثبات بطلان أنَّ الله تعالى ثالث ثلاثة، وساق الدليل، وهو أنَّ الله تعالى خالق كل شيء، وله ما في السماوات والأرض، وصلة كل مخلوق كمثيله وإن اختلف طريق غيره،
стр. 145
فصلة المسيح ﵇ بالله من حيث الخلق والتكوين كصلته بأي مخلوق سواه، ولا يؤثر في هذه الصلة التكوينية أنه عبد ممتاز، وأنه رسول من رب العالمين، وإن كانت طريقة تكوينه أنه وُجِدَ من غير أب، فإن ذلك لا يجعله إلهًا أو ابن إله، كما قال تعالى في مقام آخر فيه إشارة إلى قصة عيسى؛ إذ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] .
واقرأ قصة أخرى لسيدنا عيسى ﵇، فقد قال الله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ، لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ، لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧١-٧٦] .
وهنا نجد الرد على من يجعلون المسيح إلهًا، لقد نفى الدعوى من أصلها؛ إذ بَيِّنَ أن المسيح الأمين لم يكن يدَّعيها، ولا يمكن أن يدَّعيها، فقد كان هو داعيًا إلى التوحيد، نافيًا للشرك بربوبية الله، وأنه كسائر الناس مخلوق، وأن الله ربه كما هو رب الناس جميعًا، وبين سبحانه بطلان دعوى الألوهية له ولأمه بأنهما محتاجان، ويأكلان الطعام كسائر الناس، والله تعالى غنيّ لا يحتاج، وليست له صفة الحوادث من طعام وغذاء، وبيِّن ثالثًا أنه لا يضر ولا ينفع إلَّا بإذن من الله تعالى خالقه من غير أب، وأنه من بعد ذلك عبد لا يستنكف ولا يستكبر.
ونرى أن نفي التثليث وإثبات بطلانه بالدليل جاء في ضمن قصة، فكان تصريفًا في الاستدلال؛ إذ إن سوق الدليل في ضمن قصة يجعله أكثر سريانًا في النفس، وانسيابًا في أطوائها.
الحث على المعاملة الطيبة في القصص:
٨٥- وإنه مما جاء في القصص أنَّ دعوة النبيين -عليهم الصلاة وأتم السلام- جاءت للخير إلى حسن التعامل، وإصلاح الأرض، وأنَّ إصلاح الأعمال والنفوس ومنع الفساد في الأرض من أعظم المقاصد في الشرائع السماوية بعد عبادة الله تعالى والإيمان باليوم الآخر، وإذا كان ذلك في ضمن قصة استمكنت في النفس وتجهت إلى مداخلها من غير تعويق من ملاحاة جديدة، غير ما كان في عهد النبي الذي ذكرته القصة.