يتصور أن يكون بين اللفظتين تفاضل في الدلالة، حتى تكون هذه أدل على معناها الذي وضعت له من صاحبتها على ما هي مرسومة به، ثم يقول ﵁:
"هل يقع في وهم أن تتفاضل الكلمتان المفردتان من غير أن ينظر إلى مكان تقعان فيه من التأليف والنظم بأكثر من أن تكون هذه مألوفة مستعملة وتلك غريبة وحشية، أو أن تكون حروف هذه أخفّ وامتزاجها أحسن، وهل تجد أحدًا يقول هذه اللفظة فصيحة إلّا وهو يعتبر مكانها من النظم وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها وفضل مؤاسنتها لأخواتها، وهل قالوا: لفظة متمكنة ومقبولة، وفي خلافها قلقة ونابية ومستكرهة إلَّا وغرضهم أن يعبِّروا بالتمكُّن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من جهة معناها، وبالقلق والنبو عن سوء التلاؤم، وأنَّ الأولى لم تلتق بالثانية في معناها، وأنَّ الثانية لم تصلح أن تكون لفقًا للتالية في مؤداها، وهل تشك إذا فكرت في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤] فتجلَّى لك منها الإعجاز، وبهرك الذي ترى وتسمع أنك لم تجد ما وجدت من المزية الظاهرة، والفضيلة القاهرة إلَّا لأمر يرجع إلى ارتباط هذا الكلام بعضه ببعض، وإنه لم يعرض لها الشرف إلّا من حيث لاقت الأولى الثانية، والثالثة الرابعة، وهكذا إلى أن تستقر بها إلى آخرها، وأن الفضل نتج مما بينها، وحصل من مجموعها، إن شككت فتأمل: هل ترى لفظة بحيث لو أخذت من بين أخواتها وأفردت من الفصاحة ما تؤديه، وهي في مكانها من الآية، ﴿ابْلَعِي﴾ واعتبرها وحدها من غير أن تنظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها، وكذلك فاعتبر سائر ما يليه.. ومعلوم أن مبدأ العظمة في الآية في أن نوديت الأرض، ثم أمرت، ثم كان النداء بيا دون أي.. ثم إضافة الماء إلى الكاف دون أن يقال ابلعي الماء ... إلى آخر ما قال.
ويستدل على أن الكلمة ليس لها فصاحة ولا بلاغة في ذاتها أنَّ الكلمة تروق في موضع، ولا تروق في آخر في كلام الناس، فلو كانت الكلمة إذا حسنت كان حسنها من ذاتها، لاستحسنت دائمًا، وما استهجنت أبدًا.
وينتهي من هذا إلى أنَّ جمال الكلام ليس في توالي ألفاظه في النطق، بل إن تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل.
ويسترسل الجرجاني في إثبات أنَّ الكلمات ليست لها فصاحة ذاتية، إنما بلاغتها في اجتماعها مع غيرها في تلاقي المعاني، وأنه ليس للألفاظ ولا للحروف حسن ذاتي منفرد، ولا قبح ذاتي منفرد، إنما حسنها في تلاقيها مع أخواتها في الدلالة وتساوق المعاني، وما تنتجه من صور بيانية، ومراتب أهل البيان في مقدار قدرتهم على اختيار الألفاظ المتآخية في معانيها، ويفهم من كلامه أنَّ النظم لا يلتفت إليه وحده، إنما يلتفت
стр. 72
إلى معانيه أيضًا، وأنه يريد من النظم الكلمات لا ذات الكلام كله برناته القوية أو الهادئة التي تنساب في النفس، وتتغلغل فيها حتى تصل إلى أعماقها.
٤٥- هذا رأي الجرجاني، وله مقامه، يقصر البلاغة والفصاحة على الأسلوب ومجموع العبارات التي تتضافر في الدلالة على معانٍ متآخية، وتتآخى الألفاظ في الدلالة على هذه المعاني.
وهناك فريق آخر، ومن هؤلاء الجاحظ، يرون للحروف وللكمات فصاحة، عندما تتلاءم حروفها ولا تتجافى مخارجها، ولا يكون فيها تكرار، فلا فصاحة في مثل ما رواه الجاحظ.
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر
فإنَّ تكرار الحروف جعلها غير متلائمة، وغير سهلة في النطق.
وقد عقد ابن الأثير في كتابه "المثل السائر" فصلًا قيما ذكر فيه فصاحة الكلمات وقبحها، في رنينها وفي تآخي حروفها، وقال: "إنَّ من الكلمات ما له نغمة أوتار، ومنها ما له صوت حمار"، وضرب على ذلك الأمثال، فقال: "إن كلمة السيف لها مرادف، وهو الخنشليل، فهل هما متماثلتان في الفصاحة والنغمة الصوتية، ومثل كلمة غصن، وكلمة عسلوج بمعنى الغصن، فهل هما متماثلتان في النغمة وسهولة النطق".
ويبدو من كتاب "إعجاز القرآن" للباقلاني أنَّه يرى أنَّ للكلمات ذاتها فصاحة خاصة، وأن تخيُّرها يدل على قدرة قائلها، وعلوّ بيانه، فإذا كانت المعاني البلاغية لجملة القول، ففي اختيار الألفاظ المتناسبة في موسيقاها، وفي نغمتها، وفي رنَّتها قوية أو هادئة على حسب المقام، فللفظ دخل في الاختيار. ويقول الباقلاني في ذلك:
"قد علم أن تخير الألفاظ للمعاني المتداولة المألوفة، والأسباب الدائرة بين الناس أسهل وأقرب من تخير الألفاظ لمعان مبتكرة، وأسباب مؤسَّسة مستحدثة، فإذا برع اللفظ في المعنى البارع كان ألطف وأعجب من أن يوجد اللفظ البارع في المعنى المتداول المتكرر، والأمر المتقرر المتصور، ثم انضاف إلى ذلك التصرف البديع في الوجوه التي تتضمَّن تأييد ما يبتدأ تأسيسه، ويراد تحقيقه، بأنَّ التفضال في البراعة والفصاحة، ثم إذا وجدت الألفاظ وفق المعاني، والمعاني وفقها لا يفضل أحدهما على الآخر، فالبراعة أظهر.
ثم يقول:
"وأنت ترى جمال الكلمة من القرآن يتمثّل في تضاعيف كلام كثير، وهي غرة جبينه، وواسطة عقده، والمنادى على نفسه بتميزه وتخصصه برونقه وجماله، واعراضه في حسنه ومائه"١.
стр. 73
ومن هذا النقل يتبين أنَّ الباقلاني يرى أن ألفاظ القرآن غرة في كل كلام، وأن لها رونقًا، وأنَّ لها دخلًا في إعجازه، وأنَّ صورة الكلمة ومخارج حروفها لها روعة ذاتية؛ لأن ذلك من عند العزيز الحكيم.
وإنَّ المتأخرين ممن كتبوا في إعجاز القرآن رأوا أنَّ في الكلمة في القرآن بلاغة خاصة بأدائها، بمدها وغنِّها، وبأصواتها الموسيقية، وبنغماتها الحلوة، فلا يمكن أن يكون التآخي بينها وبين أخواتها في المعاني فقط، بل إن التآخي كما هو ثابت في المعاني ثابت في الموسيقى، وإذا كان الله تعالى قد اختار للقرآن ترتيلًا يبدو فيه نغمه ومده، ورنين ألفاظه، فلا بُدَّ أن تكون ألفاظه قد اختيرت لمزية في كل كلمة لا في مجموعها فقط، ومن أنصار الرأي الذي نظر إلى فصاحة الكلمة الرافعي -رحمه الله تعالى، ورضى عنه- في كتابه "إعجاز القرآن" فقد قال:
"لما قرئ عليهم القرآن رأوا حروفه في كلماته، وكلماته في جمله ألحانًا لغوية رائعة كأنها لائتلافها وتناسبها قطعة واحدة، قراءتها في توقيعها، فلم يتفهَّم هذا المعنى، وأنه أمر لا قبل لهم به، وكان ذلك أبين في عجزهم، حتى إنَّ من عارضه منهم كمسيلمة جنح في خرافاته إلى ما حسبه نظمًا موسيقيًّا أو بابًا منه، وطوى عما وراء ذلك من التصرُّف في اللغة وأساليبها ومحاسنها ودقائق التركيب البياني، كأنه فطن أن الصدمة الأولى للنفس العربية إنما هي في أوزان الكلمات وأجراس الحروف دون ما عداها، وليس يتَّفق ذلك في شيء من كلام العرب، إلَّا أن يكون وزنًا من الشعر أو السجع، وهو بهذا لا يرى رأي الجرجاني في أنَّ الكلمات ليس لها مزايا خاصة، والله أعلم".
٤٦- هذان رأيان يبدو أنَّهما متعارضان في كون فصاحة الكلمة جزءًا من البلاغة أو الفصاحة، وإن لم يكن بينهما فرق، فالأول لا ينظر إلى الجزء وهو الكلمة، بل لا ينظر إلا إلى المجموع المؤتلف، والآخر ينظر إلى الأجزاء وإلى المجموع معًا، بل لا يرى المجموع يكون بليغًا إلَّا إذا انتهى إلى ألحان مؤتلفة من حروف في كلمات متآلفة، وكلمات في أسلوب مؤتلف في نغماته وترتيله، وتناسق بيانه.
ولا شكَّ أن الكلمة وحدها من غير أن تكون في مجموعة ليس لها بلاغة ولا مؤدى، فكلمة شجر من غير أن تكون في كلام ليس لها مؤدَّى إلا أن تكون في جملة مفيدة تؤدي معنى، وتكون بحروفها وقوتها أو لينها متآخية مع أخواتها من الكلام، ولكن لا بُدَّ للكلمة مع الكلمات الأخرى من أن تكون متلاقية في لحن القول والمراد منه، وتحقيقه، فهي وحدها لا تؤدي منفردة، ولكن بضمها إلى أخرى يكون المعنى القوي، ويكون النغم الجميل، ويكون الترتيل الذي يملأ النفوس، وتطمئن به، وتقشعر منه الأبدان إن أنذر، وتهدأ إن بشر، وتتفكر العقول إن دعا إلى التأمل.
стр. 74
ومن أنصار هذا المذهب الخطَّابي المتوفَّى سنة ٣٨٨هـ، فهو يقول في رسالته: "واعلم أنَّ القرآن إنما صار معجزًا؛ لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف، متضمنًا أصح المعاني مع توحيد له عزت قدرته، وتنزيه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان بمنهاج عبادته من تحليل وتحريم، وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساوئها، واضعًا كل شيء منها في موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه ولا يرى في صورة العقل أليق منه"١.
وفي الحقيقة أنَّ الخطابي ينظر إلى الأسلوب على أساس أنَّ الألفاظ قوامه, وهي دعامة بنيانه، حتى إنَّ القرآن الكريم لو حاولت أن تنزع كلمة من جملة لتضع غيرها المرادفة لها لاختلَّ البناء واضطرب، وهو يقول في ذلك: "اعلم أن عمود هذه البلاغة التي تجمع لها هذه الصفات هو وضع كل نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به، الذي إذا أبدل مكانه غيره جاء منه إما تبدل المعنى الذي يكون منه فساد الكلام، وإمَّا ذهاب الرونق الذي يكون معه سقوط البلاغة، ذلك أنَّ في الكلام ألفاظًا متقاربة في المعاني، ويحسب أكثر الناس أنها متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب".
وبهذا انتهى إلى أنَّ الألفاظ في الكلام البليغ لها مقصد خاص من المتكلم، إما لنغمتها وإما لمعناها أو هما معًا، ولا يكون مرادفها صالحًا لِأَنْ يحلَّ محلها.
٤٧- وكون كل كلمة لها لحن قائم بذاته لا نحسب أن الجرجاني ينكره، ولكن مذهبه البلاغي باعتباره من علماء البيان يجعله يتَّجه إلى العبارة المتآلفة، والأسلوب الذي تتلاقى معانيه، ولا يتجه ابتداء إلى الألفاظ، ولعلَّه أيضًا يقبل أن تكون الألفاظ متآخية النغم مؤتلفة الألحان متلاقية في الترتيل. وهو يقرره على أنَّه فرض مقبول فيقول ﵁ في تلاؤم الحروف في الكلمات:
"إن أخذنا بأن يكون تلاؤم الحروف في الكلمات وجهًا من وجوه البلاغة وداخلًا في عداد ما يفاضل به بين كلام وكلام على الجملة، لم يكن لهذا ضرر علينا؛ لأنه ليس بأكثر من أن يعمد إلى الفصاحة فيخرجها من حيز البلاغة والبيان، وأن تكون نظيرة لها، وفي عداد ما هو شبيههما من البراعة والجزالة، وأشباه ذلك مما ينبئ عن شرف النظم، وعن المزايا التي شرحت لك أمرها، وأعلمتك جنسها، أو يجعلها اسمًا مشتكًا، يقع تارة لما تقع عليه تلك، وأخرى لما يرجع إلى سلامة اللفظ مما يثقل على اللسان، وليس واحد من الأمرين بقادح فيما نحن بصدده، وإن تعسف متعسف في
стр. 75
تلازم الحروف، فبلغ به أن يكون الأصل في الإعجاز، وأخرج سائر ما ذكروه في أقسام البلاغة من أن يكون له مدخل أو تأثير فيما له كان القرآن معجزًا، كان الوجه أن يقال له: إنه يلزمك على قياس قولك أن يجوز أن يكون هنا نظم للألفاظ. وترتيب لا على نسق المعاني، ولا على وجه يقصد به الفائدة، ثم يكون مع ذلك معجزًا وكفى فسادًا".
وينتهي القول في هذا إلى أن الخلاف بين الجرجاني والخطابي والجاحظ وغيرهما يكون في أمرين غير جوهريين:
أولهما: إنَّ الجرجاني لا يعتبر للألفاظ جمالًا، وأنها في النظم تكون لنغماتها وألحانها مساعدات للمعاني، ولكنه يمنع منعًا مطلقًا، ونحن معه، أن تكون الألفاظ وحدها والكلمات منفردة سببًا للإعجاز، إنما الإعجاز يكون في أمور كثيرة؛ منها: تناسق الكلمات، وما تشعه من معانٍ وأخيلة بيانية في وسط أسلوب مكتمل البنيان يلتقي بنغمه وفواصله، وصوره البيانية، مع الألفاظ المحكمة، والمعاني السليمة التي لم يكن للناس عهد بها من قبل.
стр. 76
نظرات في ألفاظ القرآن:
٤٨- إن الألفاظ في ضمن الأسلوب البياني الرائع، ونعتقد مؤمنين أن كل لفظ في القرآن له معنى قائم بذاته، وفيه إشعاع نوراني يتضافر مع جملته، ويساعد بعضه بعضًا في المعاني العامَّة للأسلوب والعبارات الجامعة، وإنَّ العبارات مجتمعة يساعد بعضها بعضًا.
ولسنا نستطيع إحصاء تلك النواحي في جمال ألفاظ القرآن إحصاءً، ولكنا نضرب من الأمثال على مقدار طاقتنا، ومن غير أن نصل إلى أقصى الغاية، وإنما نسدد ونقارب، بل المقاربة فوق طاقتنا، وقد سبقنا إلى تلك المحاولة فحول البيان.
اقرأ قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] .
وإذا قرأنا وردَّدنا البصر كرتين، وجدنا كل كلمة في حيزها لا تفارقه، ولو فارقته لوجدناه فارغًا لا يملؤه غيرها، ولنبتدئ بالإشارة إلى ما في كل كلمة مما اختصت به.
الأولى: كلمة ﴿آمِنَة﴾ فالأمن معناه عدم الخوف من مغير يغير عليهم، أو عدو يساورهم ولعلَّ ذلك إشارة إلى مكَّة، أو أنَّ هذه القرية هي هي، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٧٦] ، فتجد في هذه الكلمة إشارة إلى نعمة ليست لغيرهم، واختصوا بها دون الناس أجمعين.
الثانية: كلمة ﴿مُطْمَئِنَّة﴾ فمعنى الإطمئنان يتَّصل بالنفس، فهي قد منحها الله تعالى القرار والسكون والدعة من غير ضعف، ومع هذه الدعة كان هو يقويها ويثبتها، مع ما أعطاهم الله من سلطان أدبي على العرب، وهم ملتقى اجتماعهم ومستقر شعائرهم الدينية ومقامهم الكريم الطيب، فكل هذا يشع من كلمة مطمئنة.
الثالثة: ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا﴾ فإنَّ هذا يشير إلى سهولة الحياة، وأنه لا يأتيهم كسائر العرب بانتجاع الكلأ، والتنقل في الصحراء، لا ينالون الحياة إلا بشق الأنفس، وبذوقهم في طلبهم الرزق حر الحياة وقرها.
الرابعة: كلمة ﴿رَغَدًا﴾ فالرغد هو الرزق الطيب المذاق المريء غير الوبيء، وهو الواسع الكثير، فهم في رزق يأتيهم سهلًا طيبًا، واسعًا مريئًا لا وباء فيه.
ولكنهم كفروا بهذه الأنعم كلها، فأي صورة بيانية أروع من هذه الصورة، وتجد الكلمات الأربع متآخية في معانيها، متلاقية في ألحانها، منسجمة في نغماتها، وكل كلمة منها تعطي صورة بيانية، فآمنة فيها صورة البلد الذي لا يساوره عدو في وسط موطن فيه يتخطّف الناس، ومطمئنة يشير إلى الاطمئنان النفسي الساكن القار كالماء الساكن الذي لا تعبث به الرياح، ويأتيها رزقها طيبًا من كل مكان، تشير إلى المكانة التجارية التي يأتيها الخير من كل بلد قاص ودان، وأن لهم رحلة الشتاء والصيف.
وإن مجموع الكلمات مع ما تشعه كل واحدة من معانٍ وصور يصور حال جماعة من الناس على هذه الأمور المجتمعة غير المفترقة، وكلها فيوض من أنعم الله تعالى، ومع ذلك تكفر هذه النعم فلا تشكر، بل تجحد الحق ولا تؤمن، وهنا تجيء الصورة الثانية من عقاب ومؤاخذة على ما ارتكبوا من كفر بأنعم الله، ونجد أن كلمة
стр. 77
أنعم فيها فصاحة وصورة بيانية؛ إذ إنهم لم يكفروا بواحدة، بل كفروا بها كلها، فكان الجحود أشد، والضلال أبعد، ولكلمة أنعم نغمة هادئة مع سعة المعنى في الكلمة؛ إذ إنها نعم متضافرة، وفيوض خير من الله تعالى متكاثرة.
هذه حال ما أفاض الله تعالى به عليهم، كانت فيها صور النعم واضحة كلًّا وجزءًا في كل كلمة سيقت لذلك.
فلننتقل من الآية الكريمة إلى الصورة التي حلَّت محل الأولى، ولننظر إلى الكلمات السامية كلمة كلمة، ثم ننظر إلى الصورة التي تتكون من هذه الكلمات التي كانت كل منها صورة قائمة بذاتها، وهي أيضًا جزء من الصورة الكبرى التي يكونها المثل القرآني السامي.
الكلمة الأولى: أذاقها الله: في التعبير بأذاق إشارة إلى أنَّ الإيلام مس نفوسهم، وبعد أن كانوا في ترف صاروا يذوقون الضر.
يقول الزمخشري١ في معنى الإذاقة: "قد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد، وما يمس الناس منها، فيقولون: ذاق فلان البؤس والضرر، وأذاقه العذاب، شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المر"، ونرى من التعبير والتقابل أنهم بعدما سكن قلوبهم من اطمئنان، وما كان من العيش الرغد ذاقوا الجوع، وبما منحوا من أمن ذاقوا الخوف، وهكذا تجد التقابل.
والكلمة الثانية: لباس الجوع والخوف، فيها صورة بيانية رائعة، فهي تصور الجوع والخوف كأنَّه لباس لبسهم وأحاط بهم إحاطة الدائرة بقطرها، لا يخرجون منه إلَّا إليه، ولا يدورون إلّا في دائرته، وإن ذلك بلا ريب يفيد الإحاطة الشاملة الكاملة التي لا يستطيعون منها فكاكًا، وهذا يفيد استمراره، وتجدده آنًا بعد آنٍ، ولقد قال الزمخشري: "وإنَّ اللباس قد شبَّه به لاشتماله على اللابس، ما غشي الإنسان والتبس به من بعض الحوادث، وأمَّا إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف فلأنه لما وقع عبارة عمَّا يغشى منهما ويلابس، كأنه قيل: ما غشيهم من الجوع والخوف".
ومهما يكن تصوير إمام البلاغة الزمخشري من أنَّ التعبير باللباس يفيد أنه غشيهم وأحاط بهم، فإن في الكلام صورة بيانية تصوّر حالهم بعد الأنعم التي أنعم بها عليهم، وكفروا بها من أنهم في صورة من كان لابسًا للجوع والخوف، وهم يذوقون، كمن يلبس ملبسًا كله قتاد، يجرح أجسامهم، ودمي جلدهم، بيد أن هذا لا يدمي الجلد، ولكن يمسّ الحشا بالجوع، والنفس بذهاب الأمن والاستقرار، وإنا نجد أن هذه الصورة البيانية التي يصورها القرآن قد تضافرت الكلمات في تكوينها فاشترك فيها التعبير بأذاقهم، والتعبير باللباس، وكون اللباس جوعًا وخوفًا، ولباس الجوع والخوف أشد.
стр. 78
إيلامًا من لباس الشوك؛ لأنَّ الشوك يؤذي الجلد حسًّا، ولباس الجوع والخوف يؤذي الجسم ويؤذي النفس، وإذا قوبلت هذه الصورة عند الكفر بالصورة الأولى من أمن واطمئنان، ورخاء في العيش وطيبه واتساعه، وَجَدت الفارق بين صورة النعمة التي كفروا بها والشقاء الدائم بعد الكفر.
ومن ذلك يتبين مقام كل كلمة في تكوين الصورة العامة، فوق النغمة الهادئة، والتصور الحكيم.
٤٩- ولنتقل إلى مثال آخر، لا نختاره من القرآن اختيارًا، ولكن نأخذه من غير تخير؛ لأنَّ التخيُّر يكون فيما يكون فيه المختار وغير المختار، وكتاب الله تعالى كله خيار، وكله فوق طاقة البشر؛ ولأن الذي يختار يفرض من نفسه حكمًا، ومن يكون حاكمًا على كتاب الله تعالى؟ إنما بحكم على الكتاب من أنزل الكتاب، الذي تعهد بحفظه، وإنما نحن نتلمسه ونطلبه من الكتاب من غير تخيّر؛ لأنه فوق طاقتنا، وفوق التخير.
اقرأ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا، قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٣، ٨٤] .
اقرأ هذه الآية، وقِفْ عند كلماتها، وتأمَّل في تآخي نغمها، وتآخي معانيها وتصويرها في جملتها للنفس الإنسانية -الكلمة الأولى: أنعمنا، فقد أضافها الله تعالى إليه، وإنعام الله تعالى فيض وإسباغ يغمر صاحبه، والإنعام من الله تعالى يقتضي الشكر، كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] وكان هذا يقتضي إقبال الإنسان عليه سبحانه، والإقبال بالطاعة، ولكنَّه لم يقبل بل كفر وطغى أن رآه استغنى.
الكلمة الثانية: أعرض، وهي كناية عن البعد عن الله تعالى وعدم الإقبال عليه، تعالى الله علوًّا كبيرًا، وأصل أعرض في المعنى الحسيّ أن يولِّي عرض وجهه بألَّا يقبل على الله تعالى، ويطلب المزيد من النعم بالطاعات يقدمها، ويحب الله تعالى ويخلص له إذ أنعم، ولكنَّه يظن أنه استغنى، وعند ظنّ الاستغناء يكون الطغيان، ويكون ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، ووراء ذلك الفساد الكبير والشر المستطير.
الكلمة الثالثة: نأى بجانبه، النأي هو البعد، وكلمة بجانبه، مؤدَّاها اتخاذ جانب آخر غير جانب الله تعالى، فيسير في ضلاله البعيد، ويقول الزمخشري: إن كلمة "نأى بجانبه" تأكيد لمعنى أعرض. ونقول: إنها تأكيد لمعنى الإعراض من حيث إنه الخطوة التالية بعد الإعراض، فالإعراض عن الكلام عدم الإصاخة إليه، وعدم الالتفات
стр. 79
إلى دعوة الحق، وأنَّ هذه خطوة تكون من بعد أن يبتعد عن الله تعالى ويجافيه، وترى من هذا أنَّ الكلمات من حيث السياق يأخذ بعضها بحجز بعض في نغم مؤتلف، من حيث إن كل معنى يعقبه أخق له مترتب عليه متناسق معه.
ومن مجموع هذه الكلمات يتبيِّن كيف كان أثر النعمة كفرًا بها، وكيف يتدرَّج الكفر بها، حتى يكون البعد التام عن الله، فتكون الطاعة في جانب، ونفس المنعم عليه في جانب آخر، وهو جانب العصيان والضلال البعيد، ثم الطغيان من وراء ذلك.
والصورة البيانية من هذا الكلام قد تضافرت في تكوينها الألفاظ كلها مجتمعة، وكل كلمة صورة بيانية في ذاتها، فإنعام الله تعالى يعطي صورة بيانية للمنعم وفيض نعمه تعالى، والإعراض بتلقيها بجانب الوجه صورة حسية، ثم النأي من بعد ذلك.
هذه صورة المنعم عليه في جحود نفسه، وعدم التفاتها إلى الاعتراف بالنعم وشكرها، مع أنَّ شكر المنعم واجب عقلًا، وهو منبعث من الضمير الطيب الطاهر.
لننتقل من هذه الصورة التي تصورها الكلمات منفردة؛ إذ كل كلمة صورة بيانية رائعة، ثم هي بتضامنها وتلاؤمها تعطي صورة كاملة لنفس كفرت بأنعم الله وبطرت معيشتها واتخذتها سبيلًا لظلم العباد، والكفر برب الناس ملك الناس.
ثم نتجه إلى صورة تلك النفس، وقد أصابها الشر، ولم تنل النعمة، وهنا كلمتان كلتاهما تصور صورة من نزول الضر، وأعقابه في النفس الجاحدة، الكلمتان هما: "مسه الشر" و "كان يئوسًا"، إنَّ المسّ وهو الإصابة بالشر، وإنَّ التعبير بمسٍّ يفيد أن الأصابة بالشر ولو خفيفة تصيب من النفس ما تجعلها يائسة، والشر كل ما لا يرغب فيه، ويطلق على الأمور الضارة حسيًّا ونفسيًّا، وعلى الأمور القبيحة خلقيًّا. والتعبير بالشرِّ هنا يشمل الضار؛ كقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢] ، ويشمل نتائج الطغيان والعصيان، فيكبه الله تعالى على وجهه، ويشمل العقاب الذي ينزله جزاءً لما ارتكب، وإذا كان قد جحد بنعمة الله تعالى؛ إذ أنعم بها وأعرض، ونأى بجانبه، فإنَّ النفس التي تطغى بالنعمة تذل وتهون وتضعف بسلبها، ويصيبها اليأس المطلق إذا نزلت بها النقمة.
الكلمة الثانية: كان يئوسًا، وهنا نجد كلمة كان الدالة على اللزوم والاستمرار ككان في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] ، وكلمة يئوسًا بصيغة المبالغة الدالة على لزوم اليأس وإيغاله في النفس، وعدم افتراقه عنها، فيكون في حال بؤس مستمرٍّ، ويأس دائم، يكفر إذا أنعم الله عليه، ويصاب بالطغيان، ويكفر إذا اختبره الله تعالى بالشر يصيبه.
стр. 80
ولا شك أنَّ هذه الجمل السامية والكلمات تصور حال إنسان غير قارٍّ ولا ثابت، تبطره النعمة، ويوئسه الاختبار، وكل ذلك في ألفاظ منسجمة في نغماتها، متضافرة في معانيها، تدل على النفس المنحرفة وتصورها.
ولقد ختم الله الاية الكريمة بقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٤] ، وهنا نجد النص الكريم يفيد ما يدل على أنَّ الناس جميعًا ليسوا سواء في ذلك، فمنهم شقي على الصورة التي ذكرها سبحانه، ومنهم سعيد، وهم الصابرون الذين لا تضطرب نفوسهم بنازلة تنزل، ولا يطغون بنعمة تسبغ، وكأنَّ هذه الجملة في موضع التخصص من عموم الإنسان المذكورة أولًا كالاستثناء في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ، وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ، إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: ٩-١١] .
والكلمة السامية ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِه﴾ ، نجد فيها ثلاث كلمات منها ينبثق نور، فالأمر للنبي ﷺ بأن يقول ذلك، فيه ما يصور أنَّ بعض الناس كذلك، وأنَّ في الناس من ليسوا كذلك، فدلَّت كلمة "قل" التي تتضمَّن الرد على هذا الاعتراض المفروض، وانتقل الكلام من ضمير المتكلم من الذات العلية إلى الخطاب الذي أمر به النبي ﷺ ؛ لأنَّ الأمر تنبيه يتولَّاه صاحب الرسالة المتكلِّم عن الله نازلًا إلى مرتبة المسترضين ليواجههم بالرد، وفي ذلك فضل تنبيه وتقريب، وذات الانتقال من المتكلم إلى المخاطب فيه تجديد بياني، وتصوير بلاغي، والشاكلة -الهيئة والصورة والسجية، والمنج الذي يخطه لنفسه ويسير عليه من الضلالة كالأولين، والهدى للمهتدين، والشاكلة تطلق على الطريقة، ويقول الزمخشري: إنها من قولهم: طريق ذو شواكل، الطرق التي تتشعب منها.
وفي هذا الكلام معانٍ دقيقة تنبعث من صور الكلمات، ومرامي العبارات وحسن المقابلات، إنَّ الناس قسمان: قسم شاكلته تلقى النعمة بالإعراض، ووراء الإعراض الظلم والطغيان والفساد في الأرض، وقسم صابر ضابط لنفسه لا تبطره النعمة، بل يصبر عليها، فيطيع ويقوم بحق شكرها. والأوّل مضطرب النفس غير منضبط القلب، تطغيه النعمة فيستكبر، وتوئه النقمة فيكفر باليأس من رحمة الله.
وإن لله تعالى العلم الكامل بالصنفين، وهو مجاز للفريقين، وقد ختم النص الكريم بقوله تعالت كلماته: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ وهنا نجد المعاني تشع بنورها من هذه الكلمات.
стр. 81
فأولًا: الفاء التي تفيد ترتيب الجزاء على الأعمال، وثانيًا: التعبير بربكم الذي فيه الإشارة إلى أنَّه خلق فسوَّى، وهو المربي المكمل، الهادي كلًّا إلى غايته، وثالثًا: ترتيب العلم الكامل على كونه الخالق، ورابعها: ذكر العلم الكامل بأفعل التفضيل الذي يدل على أنه لا علم فوقه إن كان ثَمَّة تفاضل، وخامسًا: التعبير عن الجزاء بأنه أثر الهداية، وأنَّ الله تعالى أعلم بالمهتدين، وسادسًا: التعبير بأفعل التفضيل في أهدى، أي: إنه العالم بمن اهتدى بعد أن يغفر الله، وسابعًا: في التمييز بكلمة سبيلًا، وفيه بيان بعد نوع من الإبهام، وكذلك يكون العلم متمكنًا فضل تمكن، علم بالهداية وعلم بمنهاجها، وهو السبيل القويم.
٥٠- بعد هذا النظر السريع إلى تلك الآية نتجه إلى آية أخرى، نجد فيها الكلمة تدل على معنى لو غيّرت بغيرها مما يكون في معناها ظاهرًا، مرادفًا لها بادئ الرأي، لا يمكن أن يؤدي المعنى الذي يشرق منها، ويجتمع به في الدلالة صورة اللفظ، وإشراق المدلول.
اقرأ قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّس﴾ [التكوير: ١٨] ، فإننا لو أردنا تغيير كلمة من هاتين الكلمتين لتغيَّرت الصورة البيانية، ولننظر فيهما.
الكلمة الأولى: وهي الصبح، فإنَّها تدل على النور الذي يتخلَّل الظلمة، ويسري فيها شيئًا فشيئًا، وينبعث في هذا الوجود فيملؤه نورًا، وتنبعث من بعده الحياة، ويخرج الناس إلى معايشهم بعد سبات الليل وسكنه، وما يغشى به الكون من لباس الظلمة.
ولا شكَّ أن كلمة الفجر قد تدلُّ على بعض معاني كلمة الصبح، والعلماء يعدونهما من المترادفين، ولكن عند التحقيق نجد كلمة الفجر تدل على معنى شق الظلمة، وعلى مجرَّد ابتداء نهاية الظلمة، ولذلك يقترن بها ذكر الليالي، كما قال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ١-٣] ، فقد كان ذكر الليالي مع الفجر متناسبًا؛ لأنَّ الليل متآخٍ مع الفجر في معناه، وقصد به مجرد نهاية الليالي.
ولكن كلمة الصبح لوحظ فيها الإشارة إلى ابتداء النهار، فإذا كان وقت الفجر والصبح واحدًا فإنَّ الفجر فيه بيان إنهاء الليل، والصبح ابتداء النهار، ولذا يستحين الناس أن يقال طلع الفجر، ولا يقال طلع الصبح، بل يقال أشرق الصبح، وهنا نجد المعنى واحدًا في الجملة، ولكن الدلالة اللغوية الدقيقة مختلفة، فهذا إشاق وذاك إنهاء.
والكلمة الثانية: كلمة ﴿تَنَفَّس﴾ فإنَّ كلمة التنفس في ذاتها تدل على بدء مظاهر الحياة شيئًا فشيئًا؛ وذلك لأنَّ أصل التنفس من النفس، وهي الحياة، وهي أيضًا الريح،
стр. 82
وهي الحركة الدائمة المستمرة في الداخل والخارج، فهي تشمل ما يدخل في النفس من أسباب الحياة، وما يخرج منها لتستمرّ الحياة، ويقال: نفس عني، أي: فرج عني، وبذلك يكون كلمة التنفس يندرج فيها ثلاثة معانٍ تتصل بالحياة الدائمة المستمرة، أولها: التنفس بمعنى الحياة، وثانيها: حركتها واستمرارها، وثالثها: تدرجها في الظهور شيئًا فشيئًا، ولو أنك وضعت كلمة أشرق بدل تنفَّس، كأن يقال ولكلام الله تعالى المثل الأعلى: "والصبح إذا أشرق، أو أصبح أو أنار أو أضاء"، فإنَّ كلمة منها أو كلمات لا تقوم مقام تنفس، ولا تغني غناءها.
ولو أننا تركنا لفظ تنفس بانفرادها، وتابعناها مقترنة بكلمة الصبح، وهو النور الذي يبتدئ به النهار، ونظرنا ما يصوره قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّس﴾ ورأينا كل حي في الوجود، يفيض عليه الإصباح بالعمل والحركة، فالندى يصيب الزهور، والضوء يضيء الحدائق الغناء، والطوير تزقزق بموسيقاها، وينبعث كل من في الوجود خارجًا من لباس الليل إلى معاش النهار، فالزارع يخرج إلى حقله، والماشية تنبعث من مرابضها ناعقة فرحة، سائرة إلى المراعي ترعاها، والكلأ تنتجعه، والصبيان يخرجون من أكنانهم كما تخرج الطير من أكنانها، وكل ما في الوجود يخرج مما يخفيه الظلام.
وهكذا نجد كل مظاهر الحياة تندرج في الظهور، حتى يصل إلى الضحى، فيكون المعترك القوي الصاخب اللاغب، فهل ترى كلمة تدل على هذه المعاني أبلغ من كلمة: والصبح إذا تنفس، وبهذا يتبين أنَّ ألفاظ القرآن الكريم كل كلمة في حيِّزها، لا يملأ غيرها في موضعها فراغها.
٥١- بعد هذا البيان الذي حاولنا فيه أن نتسامى إلى أن نذكر مواضع البلاغة أو الفصاحة في كل الكلمات التي سقناها وتلونا آياتها، وكون كل كلمة في موضعها ذات بلاغة خاصة تصور صورة بيانية رائعة، وهي مع أخواتها تتلاقى في صورة كاملة، لها أطياف تروع القارئ، وتستولي على لب المتفهم.
ولننتقل الآن من الألفاظ إلى عبارات لها معانٍ لا يحل محلها في نسجها ولا في مدلولها ما يقوم مقامها، ولنذكر منها أربع آيات.
أولاها: قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيِْمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦] .
وإن هاتين الآيتين الكريمتين تصوران رجلًا آتاه الله تعالى العلم بالآيات الموجبة التصديق بالحق، وإن هذه الآيات أحاطت بقلبه ونفسه، حتى لا مناص من إنكارها كما
стр. 83
يحيط الإهاب بالجسم، ولكنه ترك الأخذ بالهدى استجابة لداعي الشيطان، وصار من الضالين الذين أغواهم إبليس اللعين، فكان مثله كمثل من ينسلخ عن الإهاب الذي لبسه ولصق بجسمه، ولو شاء الله تعالى لرفعه من كبوة الضلال بما آتاه الله تعالى من علم، ولكنَّه هو الذي انحطَّ إلى الأرض ونزل إليها بسبب هواه، فصار مثله كمثل الكلب يلهث دائمًا، إن ترك يلهث، وإن حمل عليه يلهث، ولننظر في الكلمات التي تشتمل عليها هذه الآيات.
الكلمة الأولى: ﴿انْسَلَخ﴾ والسلخ نزع جلد الحيوان، يقال: سلخته فانسلخ، ووضع هذه الكلمة في ذلك النص الكريم له معنى لا يوجد في لفظ غيره، وهو يشير إلى أن البينات والآية المعلمة للحق أحاطت به، ولصقت بنفسه واتصلت بعقله اتصال إهاب الحيوان بلحمه، ولكنَّه انسلخ من هذه البينات، فكلمة انسلخ فيها استعارة، فشبَّه الكفر والفساد بالانسلاخ في الإهاب لكمال الملازمة؛ ولأنَّ الانسلاخ يكون بمعاناة وعنف، إذ إنّ مادة المطاوعة لا تكون إلّا للأفعال التي تحتاج إلى معالجة، فلا يقال كسرت القلم فانكسر، ولا يقال كسرت الزجاج فانكسر، ولكن يقال كسرت الباب فانكسر، ويقال: طويت الحديد فانطوى، فكان هذا تصويرًا لإثبات أنَّ الكفر ضد الفطرة، وأنه يحتاج إلى معاناة للنفس، ومقاومة لدواعي الهوى، ولكنها لا تكون إلَّا اتباعًا لهوى الشيطان.
الكلمة الثانية: اتبعه الشيطان: أي لحقه الشيطان، فإنَّه يقال: أتبعه إذا لحقه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِين﴾ [الشعراء: ٦٠] ، وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥] ، وقوله تعالى: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢] ، وإن وضع هذه الكلمة في هذا الموضع لهو وضع بلاغي عميق، ففيه إشارة إلى أنَّ الشيطان إنما يلاحق الذين يتركون الآيات، ولا يعملون على الأخذ بموجب البينات، فأول دركات الضلال هو ترك الدلالة المعلمة للحق مع قوة سلطانها، وإن تركها فإنَّ الشيطان يلحقه، ويأخذ به إلى آخر غايات الضلال، وإذا وصل إلى هذه الدرجدة صار من الغاوين، والغواية معناها الجهل المردي، الذي يصحبه اعتقاد فاسد مردود، وكأنَّه بهذا الانسلاخ من موجبات المعرفة، ودواعي الحقيقة ينقلب من عالم بالبينات مدرك لها إلى جاهل أراده جهله في الفساد.
الكلمة الثالثة: ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْض﴾ ومعنى أخلد إلى الأرض ركن إليها، يحسب أنَّ الركون إليها يجعله خالدًا، ويجعله باقيًا مستمرًّا، وهو يريد البقاء على أي صورة، وإنَّ مقابلة هذه الكلمة بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ أي: بالبينات، يفيد أنه اختار الاستفال بدل الارتفاع، والضعة بدل الرفعة، ويكون في هذا إثبات أن الرفعة تكون بطلب الحق والإيمان والاستجابة لبيناته، وعدم الانخلاع من موجبها.
стр. 84
وكل هذه المعاني تشرق من مقابلة الارتفاع بالإخلاد إلى الأرض.
وهنا نجد صورة رائعة تلتقي فيها أطياف مميزة بألفاظ مصوّرة، فهي تصور شخصًا أفاض الله تعالى عليه بأسباب الإيمان بالحق، والتصقت به حتى صارت كأنها جزء من كيانه، وقد اتصلت ببنائه، ولكنه بسبب أنه أخلد إلى الأرض وكان نزوعه متصلًا بأعلاقه قد سلخ البينات الملتصقة بها بانغماس في الضلال متكرر مستمر، حتى انسلخ من الهداية، وفي ذلك إشارة بيانية إلى أنَّه ترك الهداية بعد عمل مستمر قام به، فهو قد ابتدأ في الشر متبعًا هواه، ثم كرره حتى كون له خطوطًا في نفسه، وتكرَّر حتى صارت الخطوط مجاري، فكان الانسلاخ، وبعد الانسلاخ وجد الشيطان طريقه فأتبعه بغية الضلال، وقد مثله تعالى بمثال آخر، وذكر له صورة أخرى.
وذكر في الكلمة الرابعة: "فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث"؛ واللهث كما يقول علماء اللغة: أن يخرج الحيوان لسانه مرطبًا بلعابه في حال عطشه أو جوعه أو إعيائه، أو إهاجته وذعره، ويقولون: إن أخسّ أحوال الكلب أن يكون منه اللهث في كل أحواله، فإنه يكون مكروبًا دائمًا، وقد ذكر القرآن الكريم حال من ينسلخ من الهداية إلى الغواية بأنَّه يكون في حال هياج نفسي مستمر لا يستقر على قرار، ولا يسكن على حال؛ إذ إن الهداية إيمان، والإيمان اطمئنان وقرار، ومن يكفر بالله وينسلخ على هدايته اتباعًا لهواه يكون في لهج مستمر، فيكون كالكلب في أخسِّ أحواله وأذلها، إن هيج لهث وبدت صورته شوهاء، وإن سكت عنه بدا على هذه الصورة.
وإن هذا تصوير واضح لمن غلب عليه هواه؛ إذ تغلب عليه شقوته، ويكون في اضطراب وشعور بحرمان دائم يستقر في نفسه؛ لأنَّ الهوى يجعل النفس طلعة تتطلع ولا تهدأ ولا تستقر ولا تطمئن.
ونرى من هذه الآية وما سبقتها كيف يكون كل لفظ مؤديًا معنى خاصًّا يقصد، ويعطي صورة من البيان لها أطياف كأطياف صورة التصور الحسية التي تصورها يد صناع لمصور ماهر، ولكلام الله تعالى المثل الأعلى، ومن مجموع هذه الصور المتكوّنة من الكلمات تكون صورة كلية يتمثَّل فيها أعلى صور البيان.
٥٢- ولننتقل من هذه الصورة الرائعة التي تتكوّن من مجموع صور بيانية للعبارات إلى صورة بيانية؛ لبيان حال ما ينزل بالكفار يوم القيامة، ولا يصحّ أن يجول بخاطر أحد أنَّنا نبحث في ألفاظ القرآن الكريم متخيّرين، بل نفتح فنجد الأمثال الواضحة من غير تحرّ ولا تخير.
стр. 85
لقد قال تعالى في سورة الدخان في تصوير غذاء المشركين يوم القيامة، وترى كل كلمة من النص تبيّن صورة مؤلمة مزعجة لما يتناولون، ويشترك في الصورة نغمة الكلمات ونسقها وتآخيها.
اقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ، طَعَامُ الْأَثِيمِ، كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ، كَغَلْيِ الْحَمِيمِ، خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ، ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ، ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٣- ٤٩] .
ولننظر إليها، ونبيّن ما فيها من صورة بيانية تتخذ منها ومن أخواتها صورة بيانية لأغلظ عيش وأقسى حياة، وكيف يكون الغذاء كله إيلامًا لا إشباع فيه، وإيذاء لا متعة معه، ثم يختم القول بتهكُّم على من كان يحسب نفسه عزيزًا كريمًا، والمؤمنين أراذل منبوذين.
أولى هذه الكلمات شجرة الزقوم، وهذا استعمال قرآني لم يكن كثيرًا عند العرب، وإن كان أصل اشتقاقه من لغتهم، والزقّوم صيغة مبالغة من الزقم، الزقم إعطاء الطعام الكريه أو الأمر الكريه، ويقال: تزقَّم إذا ابتلع شيئًا كريهًا غير مرغوب فيه، بل تنفر عنه الطباع وتستكرهه.
فشجرة الزقوم الشجرة التي لا تثمر إلّا ثمرًا كريمًا تعافه النفوس، ولا يناله المتناول إلَّا مكرهًا بإكراه من ذي جبروت، أو من جوع، أو من يكون في حال من يريد تناول أيَّ شيء مهما يكن ذلك الشيء، ومهما يكن مذاقه، ومهما تكن وباءته، والتعبير بشجرة الزقُّوم فيه إشارة إلى أنَّه طعام مثمر مستمر؛ لأن ثمراته الوبيئة الكريهة لا تنقطع، فهي شجرة دائمة الإثمار.
وفي هذه الآية يذكرها، وفي آية أخرى يذكر سبحانه أنَّها تنبت في أصل الجحيم، فهي من ثمرات شجر جهنم، وفي ذلك تصوير لحال الطعام، وتصوير لحال المقام، وكيف أنَّ المترف في الدنيا يتنقَّل من وادٍ نيراني إلى وادٍ مثله، وكل حياته منها، فإقامته فيها، وغذاؤه من ثمار أشجارها، وبئس مثوى الكافرين.
الكلمة الثانية: طعام الأثيم، يقول الذين تكلموا في ألفاظ القرآن: إنَّ الإثم الأمر المبطئ عن الخير المعوق عنه أو المؤخّر له، وعبَّر عنها بكلمة أثيم، وهي صيغة مبالغة من أثِم، وصفة مشبهة تدل على حال دائمة مستمرة، فهي تدل على أنه فعل الإثم كثيرًا، ولذلك وصف بصيغة الصفة المشبهة، وهو حال دائمة عنده؛ إذ الصفة المشبهة تقتضي أن يكون الموصوف بها في حال دائمة في صفتها لا تفارقه ولا يفارقها، وهنا معنيان كلاهما يدل على بلاغه اللفظ، وعظم مؤداه:
أول المعنيين: ذكر الوصف الذي يشير إلى أنَّ سبب ذلك الجزاء هو الإثم الدائم الكثير الذي كان منه في الدنيا، فالجزاء من جنس العمل، والعدل يقتضي ألَّا يتساوى المسيء بالمحسن، هل يستوي الأعمى والبصير؟
стр. 86
ثانيهما: إنَّ ذلك الثمر الكريه الذي تثمره شجرة من نار جهنم هو الطعام الدائم المستمر الذي لا يقدّم للطغاة إلّا هو، فلا يذوقون طيبًا؛ لأنَّهم لم يذيقوا الناس في الدنيا طيبًا، وهو يكون جزاء الخبيث إلا خبثًا.
الكلمة الثالثة: كالمهل يغلي في البطون، والمهل دردى الزيت، أي: الراسب، أو بقايا الزيت، وتكون عادة سوداء معتمة، ثم هي في ذاتها شيء رديء، وأعطاه القرآن وصفًا وهو أنَّه يغلي في البطون، فهو بقايا رديئة أصابها العطن لغليانها، إمَّا لحموضتها؛ إذ تغلي كالأشياء العطنة التي تتخمَّر وتغلي بالزبد، وإمَّا لأنها تكون ذات حرارة شديدة تغلي من شدة هذه الحرارة، ولعلَّ غليانها من الأمرين، فهي متعفنة تغلي بالزبد من الحموضة، أو هي حارة تغلي منها البطون لشدة الحرارة، وفي كلتا الصورتين تدخل على البطون غذاءً وبيئًا، إن كان فيه مادة الغذاء، وليس غذاء مريئًا، فهو إن يمنع غائلة الموت ويبقى فإنَّمَا يبقى لتستمر الآلام، وتكون حياته نكدًا، فطعام كريه في مذاقه وبيء في مآله، مؤلم في كل أحواله.
وقد يقال: إنَّ الأظهر هنا أنَّ الغليان من العفونة التي تكون من بقايا هذا الزيت؛ لأنَّ التشبيه جاء بعد ذلك في قوله تعالى: ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيم﴾ وهو الماء الحار إذا بلغ أقصى درجات الحرارة، فغَلَى واشتدَّ غليانه، والجواب: إنَّ الزيت يغلي مع شدة الحرارة كغليان الماء، وهو في هذه الحال يكون أشد؛ لأنه يكون في درجة حرارة أعلى، وكان تشبيهه بالماء للتصوير والتقريب، وكثير من تشبيهات القرآن للتقريب والتصوير، فالغليان يكون بالعفونة وبالحرارة معًا.
الكلمتان الرابعة والخامسة: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ فإنَّ كل كلمة من هذه الكلمات تصور صورة عنيفة لهذا الذي عصى وغوى، وضلَّ إذ حسب أنه استغنى.
فكلمة الأخذ تنبئ عن القبض بعنف، وقد كان في القرآن الكريم ما يدل على العنف فيها كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] ، وكان الأخذ بأمر الله لملائكة غلاظ شداد، فكان الأخذ في ذاته شديدًا، وكان الآخذون أشدَّاء، وتجهيلهم هنا مع وصفهم في آية أخرى بأنهم غلاظ شداد، فيه إرهاب وبيان لعظم الأخذ بالآخذين.
وقد فسَّر سبحانه في الآية بما يدل على شدة الأخذ، وبيان أنه نوع خاص منه؛ إذ قال سبحانه: ﴿فَاعْتِلُوه﴾ ؛ إذ العتل هو الأخذ بمجامع الشيء والإحاطة به، وجره بالقهر والعنف، فإذا كان الأخذ في ذاته عنيفًا، فهو في هذا النص أشد عنفًا؛ إذ هو جر وإحاطة قوية بالمأخوذ، وإن الأخذ بهذه الصورة من جر عنيف وإحاطة فيه ما يدل على الإهانة والتحقير، وخصوصًا إذا كانوا يحسبون أنهم وحدهم الكرام، وغيرهم أراذل دونهم، فإن الأخذ بطريق لعتلٍّ يعطي صورة للمهانة التي يكون عليها من يستكبرون على
стр. 87
الحق أن يتبعوه، ويتبع الحق أهواءهم، وفي هذا بيان أنَّ هذا العنف جزاء وفاق لما كان منهم من غطرسة مقتية، فإنهم سيعاملون بمثلها يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلّا من أتى الله بقلب سليم.
الكلمتان السادسة والسابعة: ﴿إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيم﴾ ، فكلمة سواء معناها: المكان المتوسط، والجحيم: النار المتأججة التي تكون في مهواة، والصورة التي توضحها كل كلمة من هذه أنَّه يؤخذ عنوة ويوضع في وسط النيران المتأججة التي تشتعل وتتأجج مرتفعة من وهدة جهنم إلى أعلى، ويلقى في المكان المتوسط بحيث لا يكون قادرًا على الخروج منها، بل هو في وسطها لا ينتقل إلا إليها، وليته يستمر على حاله لم يجئ له عذاب من خارجها، بل إنه يجيئه العذاب من الخارج، فيلتقي عذاب الداخل والخرج معًا، بل يجيء ما تدل عليه العبارات التالية:
الكلمات الثامنة والتاسعة والعاشرة: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ ، والصب هو نزول الماء من أعلى إلى أسفل، ويكون متدفقًا مندفعًا، وهو مرتفع من فوق رأس الأثيم من عذاب الحميم، فالصب في ذاته من علٍ يؤلم ولو كان ماء باردًا، فكيف الحال إذا كان عذابًا، فهو صب لا لأجل التبريد، ولكن لأجل التعذيب، والإضافة هنا بيانية، أي: عذاب هو الحميم، وهو السائل الحار الشديد الحرارة، فهو عذاب ينزل فوق الرأس فيذيب أديمه ويصهره دهنًا.
وباجتماع الآيات من أولها يكون العذاب المهين في غذاء من المهل من الزيت الرديء يغلي في البطن من شدة العفن، ويغلي من شدة الحرارة، ويساق في هذا الحال مأخوذًا أخذًا عنيفًا محيطًا بمجامعه إلى وسط جهنم، ثم ينزل من فوق رأسه عذاب هو سائل شديد الحرارة، يصب على رأسه صبًّا عنيفًا يذيب كل ما يقع عليه.
ومع هذا العذاب المهين المؤلم الشديد يوجد عذاب معنوي بالتهكم عليه، فيقول لسان الحال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ ؛ ليعلم أنه كان طاغيًا.
٥٣- هذه جمل من الآيات الكريمة تسامينا فحاولنا أن نسمو إلى ألفاظ قرآنية مشرقة بمعانٍ، وكل كلمة منها لها طيف خاص بها، وتدل على معانٍ عميقة تصور ناحية بيانية تبدو واضحة في انضمامها لغيرها، وتتكون من مجموع الصور البيانية للكلمات صورة بيانية رائعة، وإذا كان لكل صورة حسية أطياف تعطي الصورة حيوية، فالصور البيانية لها أطياف عالية، تعطي الصورة روعة عالية، لا توجد في أي كلام غير القرآن الكريم.
وإن الصور البيانية القرآنية تبدو أوضح ما تكون في القصص القرآني، وإن كان كل البيان القرآني رائعًا واضحًا، فإنَّ القرآن في وصف الحوار والأجواء الفكرية والاعتقادية يصورها تصويرًا واضحًا، فإذا وصف حالًا لرجل تجده يصور قلبه وخواطره.
стр. 88
اقرأ قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ، فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٠، ٢١] ، هذه القصة بسياقها كل لفظ منها ينبئ عن معنى اللهفة والحذر، فهذا الرجل الناصح الأمين تجده يسعى من أقصى المدينة، والتعبير بأقصى يدل على المحبة الخالصة الطيبة، ثم كلمة يسعى تدل على أنه جاء عدوًا لا قرار عنده ولا اطمئنان، وقوله: ﴿إِنَّ الْمَلَأ﴾ ، وهو كبار القوم يدبرون الأمر ليقتلوك.
واستجاب موسى لنصيحة الرجل الأمين، فخرج خائفًا يترقب "انظر إلى كلمة يترقب" فهو ينظر يمينًا وشمالًا وأمامًا وخلفًا يترقَّب من يأتيه من أمامه، ومن يأتيه من ورائه، ومن يأتيه من شماله ومن يمينه، وكلمة يترقب تصور تلك الحال، وتصور النفس المحترسة الآخذة تجدها في اطمئنان نفسي، واحتراس من غير اضطراب، فالمترقب الخائف غير المضطرب الخائف؛ لأن الخائف المضطرب لا يحسن الترقب ولا الحذر، فيصيبه الهلع فيخاف من غير مخوف، ويقع بهلعه وفزعه فيما يخشاه، ولفظ القرآن الكريم ينبئ عن هذه المعاني السامية، والكلمات صور لمعانٍ حسية ومعنوية، ظاهرة وباطنة، والله سبحانه السميع العليم والحكيم الذي أنزل كتابه المبين الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
стр. 89
الكلمة مع أخواتها والعبارات مع رفيقاتها:
٥٤- قلنا: إن للكلمة إشراقًا خاصًّا، فكل كلمة لها إشعاع فكري، ولكنها لا يبدو منها ذلك الإشعاع والبلاغة البيانية إلا مع أخت لها تناسبها، وتتلاقى فكريًّا معها، فمثلًا كلمة -تنفس- التي ذكرناها في قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّس﴾ لا ينبعث منها ذلك الإشعاع الفكري إلّا إذا كانت كلمة الصبح معها، فلا بُدَّ لكي يكون ذلك الإشعاع المعنوي صحيحًا واضحًا مؤديًا إلى غايته من أن يكون مقترنًا بالصبح، ومع أن الإشعاع منها وحدها، إلّا أنه لا يضيء إلا مع كلمة الصبح، وكلمة الصبح تفترق عن كلمة الفجر، إلّا إذا كان يتبعه التنفس والإسفار، فالصبح والتنفس متلازمان، وإن كان كل منهما مؤديًا معنى مستقلًّا، والتلازم كان بألا يتبين ذكل المعنى الاستقلالي إلا بضم الأخرى إلى الأولى.
وذلك ما أشرنا إليه في ابتداء الكلام في بلاغة الكلمة القرآنية، وما ارتضاه الجرجاني الذي حمل عبئ القول عن نفي بلاغة اللفظ المنفرد، فقيد نفيه بأن يكون مستقلًّا منفردًا، فإذا انضم إلى غير بدت بلاغة الكلمة في أنه يكون لها صورة بيانية وبانضمامها تكون لها صورة بيانية من الهيئة المجتمعة.
стр. 90
وقد راجعنا من بعد ذلك القاضي عبد الجبار١ في كتابه "إعجاز القرآن"، فوجدناه يقرر فصاحة الكلمة منفردة، ولكن لا تبدو بلاغة معانيها إلا إذا تضامت مع غيرها، فهو يقول:
"اعلم أن الفصاحة لا تظهر في إفراد الكلام، وإنما تظهر في الكلام بالضم على طريقة مخصوصة، ولا بُدّ مع الضم من أن يكون لكل كلمة ابتداء، وقد يجوز أن تكون هذه الصفة بالمواضعة التي تناول الضم، وقد تكون بالإعراب الذي له مدخل فيه، وقد تكون بالموقع، وليس لهذه الأقسام رابع؛ لأنه إما أن تعتبر فيه الكلمة أو حركاتها أو موقعها، ولا بد من هذا الاعتناق في كل كلمة، ثم لا بد من اعتبار مثله في الكلمات إذا انضم بعضها إلى بعض؛ لأنه قد يكون لها عند الانضمام صفة، وكذلك لكيفية إعرابها وحركاتها وموقعها، فعلى هذا الوجه الذي ذكرناه، إنما تظهر مزية الفصاحة بهذه الوجوه دون ما عداها.
هذا كلام من ذلك الإمام المعتزلي، نهج فيه نهجًا فلسفيًا، ولكنه يؤدي إلى ما قصدنا إلى بيانه، ولعله يريد من المواضعة الوضع اللغوي للكلمة، ويشمل ذلك الأصل اللغوي، والحقيقة العرفية، والمجاز والاستعارة والتنبيه، وغير ذلك، ويريد من الموقع موقع الكلمة من أخواتها من غير تنافر بينهما، بحيث تكون الكلمة لقف أختها، متناسقة متناسبة، ولعله يريد من موقع اختيار الكلمة في وضعها بأن تكون فاعلًا أو مفعولًا أو حالًا، أو فيها اختصاص؛ إذ عبَّر بالإشارة القريبة، وهكذا، فهو لم ينظر إلى بنية الكلمة وحدها، بل نظر إلى موقعها من الإعراب.
وعلى ذلك نرى أنَّ الكلمة البليغة تظهر بلاغتها مع أخواتها، وأنَّ الكلمة قد تكون بليغة في موضع، ولا تكون بليغة في موضع آخر في كلام الناس، أمَّا القرآن فالكلمة تكون بليغة دائمًا؛ لأنَّ منزل القرآن وهو الله تعالى يضع الكلمات في مواضعها، وفي الكلام الذي ينسب إلى الناس قد تكون اللفظة في موضع بليغة، وفي غيره غير ذلك، ولذلك يقول عبد الجبار في تفاوت كلام الناس: "لا بُدَّ في الكلامين اللذين أحدهما يكون أفصح من الآخر أن يكون إنما زادوا عليه بكلِّ ذلك أو بعضه -أي: بالأمور السابقة، ولا يمنع في اللفظة الواحدة أن تكون إذا استعملت في معنى تكون أفصح منها إذا استعملت في غيره" والله أعلم.
стр. 91
٣- الأسلوب القرآني:
٥٥- قد تكلمنا في سابق قولنا في ألفاظ القرآن المفردة، أنّ اللفظ المفرد له بلاغة خاصة في ضمن الأسلوب، وأن كل كلمة في جملة من الكلام تدل بمفردها على معانٍ تتساوق مع المعنى الجملي للكلام، وأن كل كلمة تكون بمفردها صورة بيانية تكون جزءًا من الصورة العامَّة للقول، وقلنا: إن ذلك ليس معناه أن الكلمة لو جردت من الكلام تعطي وحدها ذلك الإشراق، ولكن ينبثق نورها بالتضام مع غيرها من غير أن يفنى ضوءها في ضوئه، ولا تنمحي صورتها البيانية التي أشرقت بهذا التضامّ.
وقلنا: إنَّ ذلك لم ينكره أحد حتى الجرجاني١ الذي تشدَّد في اعتبار الأسلوب وحده هو سر الإعجاز، من غير التفات إلى معاني المفردات.
وإذا أردنا أن نحرِّر القول الذي رآه الأكثرون، وخالف فيه الجرجاني ومن لفّ لفه، فإننا نقول: إنَّ كلمات القرآن لها في تناسق حروفها وتلاقي مخارجها إشراق بلاغي، ولكن لا ينكشف ذلك الإشراق إلَّا بالتضام، أي: إنَّ الإشراق ذاتي، وهو الأصل، ولكن شرط ظهوره تضام الكلمة مع غيرها.
وفي هذا المقام نتكلَّم على الأسلوب والصور البيانية التي تتكون منه، والتآخي بين ألفاظه في النغم وفي تناسق القول؛ بحيث تكون كل كلمة في موضعها الذي وضعت لا تنفر من أختها، ولا يمكن تغييرها، وكأن الكلمات في الأسلوب نجوم السماء وأبراجها، لا تزايل أماكنها، ولا تخرج من مواطنها، ويقول في ذلك القاضي عياض في "الشفاء":
"الوجه الثاني من إعجازه صورة نظمه العجيب، والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب، ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء عليه، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له، ولا استطاع أحد مماثلة شيء منه، بل حارت فيه عقولهم، وتدلهت دونه أحلامهم، ولم يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم من نثر أو نظم أو سجع أو رجز أو شعر"٢.
وإن الأسلوب هو الصورة البيانية التي تظهر في معنى رائع، وكلام مشرق، يثير في النفس أخيلة الحقيقة يصورها ويبينها، ويحس الإنسان فيها بأطياف المعاني، كما يحس بأطايف الصورة على حسب تثقيف المصور، وحسن الاختيار في ألوان الصور، فللأساليب ألوان تحسن وتنسق، وتصريف في أوضاعها كما قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٦٥] .
ولقد قال في هذا المعنى الخطابي٣ في رسالة إعجاز القرآن: "وأما رسوم النظم فالحاجة إلى الثقافة والحذق فيها أكثر؛ لأنها لجام الألفاظ، وزمام المعاني، وبه تنتظم
стр. 92
أجزاء الكلام، ويلتئم بعضه ببعضه فتقوم له صورة في النفس فيتكلم بها البيان" وإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفناه، فقد علم أنه ليس المغرد بذرب اللسان وطلاقته كافيًا في هذا الشأن، ولا كل من أوتي حظًّا من بديهة حاضرة وعارضة كان ناهضًا بحمله ومضطلعًا بعبئه، ما لم يجمع إليها سائر الشروط التي ذكرناها على الوجه الذي حدَّدناه، وأنَّى لهم ذلك، ومن لهم به١: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
وإنَّ الشروط التي ذكرها في آنف قوله هو اختيار الألفاظ من ناحية معانيها، وقوة تماسكها بعضها ببعض، وأشار إلى أنَّ الألفاظ قد تكون مترادفة في الظاهر، ولكن عند التحقق في مرماها يكون الاختلاف، وإن كان المعنى الجملي واحدًا.
وإنَّ الناظر إلى أسلوب القرآن الكريم في الخطاب والبيان يجده مختلفًا، فمثلًا أحيانًا يكون بالاستفهام، والاستفهام أحيانًا للتوبيخ، وأحيانًا للتقرير، وأحيانًا يكون للتنبيه، والكلام يكون بإطناب لا حشو فيه قط، ومعاذ الله أن يكون في كلامه تعالى ما يشبهه، وفي الإطناب يكون تكرار القول، وأحيانًا يكون الكلام إيجازًا ليس فيه إخلال، وأحيانًا يكون الكلام تهديدًا تضطرب له القلوب وتفزع، وأحيانًا يكون توجيهًا يدعو إلى التأمل والفكر، وأحيانًا ببيان أحكام الحلال والحرام وتوجيه أنظار المكلفين إلى حكمها، وكل ذلك في أسلوب متناسب مؤتلفة ألفاظه، ومؤتلفة معانيه، بحيث يتكّون من الجميع صورة بيانية متناسقة في معانيها مؤتلفة في ألفاظها لا ينبو واحد منها في لفظ أو معنى، بل يتآخى الجميع.
стр. 93
التآلف في الألفاظ والمعاني:
٥٦- التآلف في الألفاظ، بألَّا تكون بينها نفرة في المخارج، ولا نفرة في النغم، بل يتلاقى نغمها، وتسهل مخارجها، فلا تكون واحدة نابية عن أختها، بل تتآلف وتتآخى في نسق واحد، بحيث لا تبدو واحدة ينطق غير مؤلف مع نطق تاليتها، أو كما قال الجرجاني في "دلائل الإعجاز": "كل كلمة لقف مع أختها، ولو حاولت أن تنزع كلمة لتضع مكانها في معناها ما ائتلف السياق ولا انسجم الأسلوب" ويقول في هذا الباقلاني في كتابه "إعجاز القرآن":
"واعلم أن هذا علم شريف المحلّ، عظيم المكان، قليل الطلاب، ضعيف الأصحاب، ليست له عشيرة تحميه، ولا أهل بيت عصمة تفطن لما فيه، وهو أدق من السحر، وأهول من البحر ... وكيف لا يكون كذلك وأنت تحسب أن وضع الصبح، في موضع الفجر يحسن في كل كلام، إلَّا أن يكون شعرًا أو سجعًا، وليس كذلك، فإن إحدى اللفظتين قد تنفر في موضع، وتزل عن مكان لا تزل فيه اللفظة الأخرى، بل تتمكّن فيه، وتضرب بجرانها، وتراها في مظانها، وتجدها في غير منازعة في أوطانها، وتجد الأخرى لو وضعت في موضعها لكانت في محلّ نفار، ومرمى شرار، ونابية عن استقرار"١.
هذا ما ذكره الباقلاني في كتابه، وإذا طرحنا ما فيه من سجع لم يجئ على رسله، واتجهنا إلى ما يرمي إليه وجدناه سليمًا دقيقًا، وإنه لا ينطبق على كلام كما ينطبق على القرآن، ومقام القرآن فيه مقام الذروة والسنام.
وإن التأليف ليس فقط في نسق الألفاظ ونغمها، بل إنه يشتمل التآخي في المعاني كالتآخي في المباني، فلا يكون معنى لفظ نافرًا من المعنى الذي يجاوره، ويتألف من الألفاظ والمعاني وما توعزه من أخيلة، وما تثيره من معانٍ متداعية يدعو بعضها بعضًا، ويتألف منها علم زاخر، كثير خصب، وقد عبَّر عن هذا المعنى الوليد بن المغيرة بقوله: "إن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق".
ولنذكر لك شاهدًا على ما نقول هو قصة الأعرابي الذي سمع قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] ، فأخطأ القارئ وقال: غفور رحيم، فقال الأعرابي: إنه يقطع الأيدي نكالًا فلا يتفق القول، فراجع القارئ نفسه وأدرك المعنى.
٥٧- وإن التآخي في المعاني والألفاظ ونسقها ونغمها ومعانيها واضح في كل آيات القرآن، لا في آية دون أخرى، ولا في سورة دون سورة، فلا تجد في لفظ معنى يوجه الخاطر إلى ناحية، ويليه آخر يوجهه إلى ناحية أخرى، بل تجد النواحي متحدة إمَّا بالتقابل وإما بالتلاصق والمجاورة، وفي كلتا الحالين تجد معنى كل لفظ يمهد لمعنى اللفظ الآخر، فلا تنافر في المعاني، كما أنه لا تنافر في الألفاظ، وهما في مجموعها يناسبان في النفس غذاء رطيبًا مريئًا، ونميرًا عذبًا سلسبيلًا.
وقد ساق الباقلاني آيات ليست مختارة اختيارًا؛ لأنَّ آيات القرآن كلها لا نظير لها، فليس اختيار من ينتقي؛ لأنَّ كله خير، وسنذكر آيات مما ذكر وأخرى لم يذكر كأن نفتح الكتاب، فيبدو نوره فنقبس منه قبسة.
وقرأ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
стр. 94
صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣] .
هذه الآيات الكريمة بعباراتها وإشاراتها البيانية، وسياقها تدلّ على ابتداء الرسالة المحمدية، وانتهاء أمر الناس في الأخذ بها، وعاقبة من اهتدى، ومن ضلَّ وعصى وغوى.
وإذا نظرت إلى الآيات الكريمات مع ما سبقها وجدتها كلامًا متآخيًا، يندمج بعضه في بعضه في ائتلاف لا نفرة فيه، فالآية قبلها تبين طرق كلام الله تعالى لخلقه، فقد قال تعالى قبل هذه الآيات: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١] .
ولنبتدئ بالإشارات البيانية التي وعدنا أن ننبه إلى بعضها، فليست لنا الطاقة إلى إدراك كلها، ولعل غيرنا يدرك بعضًا آخر، ولا أحسب أننا جميعًا نصل إلى كنه إشاراتها.
فهنا نجد كلمة "كذلك" تربط هذه الآيات بما فيها، فهي تدل على المؤاخاة بينهما، وهي تشير إلى علوِّ الله في المعنى الذي قرره "إنه عليّ حكيم" وتشير إلى حكمة اختيار الطريقة في الرسالة المحمدية.
ولننظر في الألفاظ نجد التآلف بينها في النطق والنغم، أفلا نجد ائتلافًا بين كلمة أوحينا، وكلمة روحًا، وكلمة من أمرنا، لا أنبه إلى ما فيه من تآلف في النطق، وتآخذ في المخارج والنغم، فذلك بَيِّنٌ لا يحتاج إلى بيان، وهو يتصل بالذوق والجرس في السمع، فهو يدرك بالحس، ولا ينبه إليه بالمعنى.
ولكن نريد أن ننبه إلى التآخي في المعنى لكل كلمة سيقت، وما تتسع له كل واحدة من معانٍ تتلاقى مع أخواتها وتأتلف، فتعطي صورة بيانية رائعة.
فكلمة أوحينا تدل على أن خطاب الله تعالى لرسله لا يكون جهرًا يعلمه كل واحد، ويسمعه كل إنسان، فهو خطاب لرسول، والرسالة بمجرى الأمور تكون بين المرسِل وبين من يرسله، والتعبير بأوحينا إيطال لقول من يقولون: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَة﴾ أو قول من يقولون عن جهل الله ورسالاته الذين يقولون: ﴿لَوَْا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أي: نراه ونحسه، ولذا رد الله تعالى قولهم بقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٨، ٩] .
فكلمة أوحينا مع حلاوة لفظها فيها إشارة إلى هذه المعاني في عمومها، ولم يبين نوع الوحي؛ إذ هو على ضروب مختلفة متعددة بالنسبة لخطاب الله تعالى لأنبيائه.
стр. 95
عامة، وبالنسبة لمحمد خاتم النبيين خاصَّة، وذلك إمَّا برسول يشاهد، يرى ويسمع كلامه؛ كتبليغ جبريل للنبي ﷺ "يراها النبي ﷺ وحده"، وإما بإلقاءٍ في الروع كما قال ﷺ : "إن روح القدس نفث في روعي"، وإمَّا بمخاطبة الله تعالى وسماع كلامه سبحانه من غير حس، كما كان في المعراج وفرض الصلوات.
وبكل تلك الأنواع والطرق كان وحي الله تعالى لنبيه ﷺ .
ونجد في إضافة الإيحاء إلى الله تعالى بيان عظمة الوحي، وكون الإيحاء إلى النبي ﷺ مخاطبًا له ﷻ إعلاءً لشأنه، وبذلك تتآخى في رفع شأن الرسالة والنبي ﷺ .
وقوله تعالى: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ ، والروح هنا قال أكثر المفسرين للقرآن إنه جبريل، ونرى أنها تشمل جبريل ﵇، فقد سمَّاه الله تعالى روح القدس، ويكون معنى الإيحاء الإرسال، ويشمل القرآن، ويشمل الشريعة نفسها، وتسميتها بالروح لما فيها من معنى البقاء والحياة إلى يوم القيامة، وإضافتها إلى من أمر الله تعالى لتشريفها وتشريف من جاءت إليه وبعث باسمها، وهكذا نجد مع ائتلاف الألفاظ في النسق والنغم وجرس الكلام تآخيًا في المعاني، فإنها كلها تدل على شرفها بعظم مصدرها وهو الله تعالى، وكبر المعاني في ذاتها، فكان لها شرف المعاني، وكان لها شرف أنها من الله تعالى، فأيّ كلام بليغ يصل إلى كل هذا في التآلف بين المعاني والألفاظ.
٥٨- والآية السامية تحوي في سياقها دليل الرسالة، فيقول تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ ، وإن هذا النص الكريم مع إيجازه يرمي إلى ثلاث حقائق:
الأولى: إنَّه ما كان يعلم علم الكتابة، فلم يكن قارئًا ولا كاتبًا، وعبَّر هنا عن العلم بالدراية؛ لأن الدراية علم يأتي بالتعلُّم والممارسة؛ فهو علم كسبي، وأنه ما كان يعلم بالدراية، ونفي الدراية في الإيمان؛ لأنه لم يكن هناك من يلقنه علم الإيمان إلَّا أن يكون إلهامًا من الله تعاونه الفطرة المستقيمة، وقد يقال: إنَّ النبي ﷺ كان مؤمنًا منذ بلغ التمييز وقبل ذلك، فكيف كان لا يدري الإيمان، والجواب عن ذلك: إنه كان موحدًا، ولكن بقية ما يقتضيه الإيمان من صلوات وزكوات وتنظيم للمجتمع وطرق التعامل السليم، ما كان يدريه، وبهذا يفسر قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٦، ٧] .
الثانية: إنَّ في هذا الكلام السامي حجة على أنَّ القرآن من عند الله تعالى، وأن محمدًا لم يأت به من عنده؛ لأنه ما كان يقرأ ولا يكتب، وهذا كما قال الله تعالى في
стр. 96
سورة أخرى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] .
الثالثة: إنَّ قوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ الدراية داخلة على الاستفهام، ففي الدراية متجه إلى الحقيقة، أي: إنَّه ما كان يدري حقيقة الكتاب ولا تفصيل الإيمان، وهذه تأكيد لنفي العلم بالكتاب علم دراية، ونفي العلم بتفاصيل الإيمان علم دراية.
ولا شك أن كل كلمة من هذا النص وما سبقه تتآخى مع ما بعدها وما قبلها في تقرير حقيقة ثابتة، وهي أنَّ القرآن روح من عند الله، وكل روح فيها حياة، وحياته في الشريعة التي أنزلها، والتوحيد الذي دعا إليه، والحق الذي أثبته، والصلاح الذي بثه، ودفع الفساد في الأرض، ولكن القرآن نور هذا الوجود ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ .
٥٩- وننظر في النص وانسجام ألفاظه، وتلاقي معانيه، وإنك تجد للاستدراك هنا موضعًا طيبًا؛ إذ إن النص الكريم السابق كان فيه نفي الدراية عن حقيقة الكتاب وعن حقيقة الإيمان، والاستدراك هنا لا يفيد أنَّ نفي الدراية دائم، بل إنه ينتهي بعلم الكتاب الذي هو النور الذي يهدي به الله تعالى.
ولنترك الكلمة للباقلاني في الإعجاز فهو يقول:
"جعله روحًا؛ لأنه يحيى الخلق، فله فضل الأرواح في الإحياء، وجعله نورًا؛ لأنه يضيء ضياء الشمس في الآفاق، ثم أضاف وقوع الهداية إلى مشيئته، ووقف وقوع الاسترشاد به على إرادته، وبَيِّنَ أنه لم يكن ليهتدي إليه لولا توفيقه، ولم يكن ليعلم ما في الكتاب ولا الإيمان لولا تعليمه، وأنه لم يكن ليهتدي لولا هداه، فقد صار يهتدي، ولم يكن من قبل ذلك ليهتدي، أي: إنَّ القرآن الكريم قبل نزوله ما كان النبي ﷺ يدري ما الكتاب ولا الإيمان، وبعد نزوله اهتدى وعلم، وبلغ مرتبة أن يحمل الهداية والإرشاد للناس بعد أن كان لا يدري الكتاب ولا تفصيل الإيمان، وهذا يفيد أنَّ القرآن تعليم الله للنبي، وللناس من بعده".
وإنَّ الكلام السامي ﴿وَلَكِنْ جَعَْنَاهُ نُورًا﴾ في هذا استعارة تمثيلية، أي: إنَّه هو كالنور المضيء الذي لا يضل فيه الساري ولا يختفي على من يبصر بسببه شيء، بل إن فيه تأكيد التشبيه بجعله هو النور، وأن الذين لا يبصرون حقائقه وما فيه من علم، العيب فيهم وليس فيه، والنقص منهم وليس منه، وإضافة جعله نورًا إلى الله تعالى تشريف له فو ق تشريف، وهو يتفق مع النسق الذي ابتدأ به النص الكريم، ولكن مع أنَّه النور الذي يهدي، لا يهتدي به الناس من غير أن يكون ذلك بمشيئة الله تعالى، فقال
стр. 97
سبحانه: من نشاء من عبادنا. فبيِّن سبحانه سلطانه على القلوب، وخصَّ بالهداية من شرَّفه بأنه من عباده، تعالى سلطانه، وقام عدله، وفي هذا إشارة بيانية إلى أن الذي شاء الله تعالى هدايته هو من خلص نفسه، وجعلها الله وحده، وشرف بأنه من عباد الله لا من إخوان الشياطين.
ولقد شرَّف الله تعالى نبيه بأن نسب إليه هداية الإرشاد، وبيان السبيل فهو نور معه نور الكتاب، ولذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أكَّد الله تعالى عمل النبي ﷺ ببيان سبيل الحق والدعوة إليه، وأنَّه المستقيم الذي لا عوج فيه ولا اضطراب.
فهنا هدايتان: أولاهما: هداية التوجيه والإرشاد وبيان الحق ودعوته، وهي للرسل؛ لكيلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، فمن علم واستنار واهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنِّما يضل عليها، وما الله بظلام للعبيد، والهداية الثانية العليا، وهي امتلاء القلب بالإيمان بعد أن سار في طريقه وأرشد إليه، وهذا لمن يشاء الله هدايته من عباده المؤمنين.
وقد ذكر الله تعالى من بعد ذلك الحكم العدل بإعطاء الطائع جزءاه من ثواب، وما يستحقه العاصي من عقاب، فقال تعالى: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُور﴾ أي: وإليه وحده مآل الأعمال كلها، وكل امرئ بما كسب رهين، فمن عمل صالحًا فله جزاؤه، ومن عصى وبغى نال عاقبه ما عمل.
ونرى من هذا تآخي المعاني في الآيات، وتسلسل ما ترمي إليه، فبيِّن أولًا بعث النبي ﷺ ، وإعطاء الدليل بمجزة القرآن، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وذكر ثانيًا الحجّة على صدق القرآن، ثم أشار إلى أنه نور، وذكر أن النبي ﷺ علمه الإرشاد وبيان الحق والطريق إليه، وأن الهداية من بعد ذلك.
هذا تآخي المعاني، وكون كل معنى مقدَّم للذي يليه والتالي مبني عليه ودعامة لما بعده، أمَّا تآلف الألفاظ في النغم والحروف فأمر فوق طاقة البشر.
وإنه ليتألَّف من هذا الكلام صور بيانية للوحي، والقرآن ونوره وهداية الأنبياء وموضعها، وهداية الله تعالى، وثمرتها في القلوب، وكونه لعباد الله المخلصين، لا لعبدة أهوائهم وشهواتهم.
стр. 98
صور بيانية للطمع والشح ثم الندم
...
صورة بيانية للطمع والشح ثم الندم:
٦٠- تلك صورة لمن سيطر عليهم الشيح فذاقوا عاقبته، ثم تنادوا بالتوبة والتلاوم قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ، وَلَا يَسْتَثْنُونَ، فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ، فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ، فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ، أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ، فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ، أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ، وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ، فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ، قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ، قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ، فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ، قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ، عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ، كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ١٧- ٣٣] .
سبحان الله تعالت كلماته، وعزَّ قرآنه، وعلا بيانه، ولعلَّ من فضول القول أن أقول: إنَّ الآيات تصوير رائع لنفس الشحيح وحرصه وندمه؛ إن ذلك من فضول القول؛ لأنَّ القرآن كله رائع لا يصل إلى روعته كلام مطلقًا، ولا يستطيعه قائل.
إن الآيات الكريمة فيها:
١- صورة بيانية لنفس الحريص الغافل عن سلطان الله تعالى.
٢- وصورة بيانية لغفلة الحريص عن قضاء الله تعالى، وأن كل شيء عنده بحساب.
٣- وفيها بيان لحال المناعين للخير، وما يدور في نفوسهم.
٤- وصورة بيانية للندم كيف يدخل النفوس بعد التنبه.
٥- ثم حال الندم وما يليه من توبة نصوح.
٦- ثم بيان حال الرجال في رضا الله تعالى.
وقبل أن نتكلم في تلك الصور البيانية نقول: إن الألفاظ ليس فيها نبوة تبدو، ولو بترجيح النظر كرَّات، والتناسق فيها متوافق النغم تفيد برنينها، وتصل إلى القلوب في عميقها، والمعاني متآخية تتجِه كلها إلى تصوير الطامعين أهل الشح، وكيف يبتدئ بالحرص العنيف المغالى فيه، وتغليب الطمع في كل شيء، والاستيثاق من تحقق ما يطمع فيه، كما يصور له الطمع، ثم يشتدُّ المنع حتى يكون لكل خير، ثم تكون المفاجأة.
هذا، وإنَّ مجال التصوير يظهر في أنَّ الموضوع كله ذكر مثلًا لكل منَّاع للخير؛ لأنه ذو مال وبنين، ودفعه غروره بما آتاه الله من مال ثم كفر به واعتدى، وكانت
стр. 99
عاقبته أن حُرِ َم مما طغى به، وصار يوم القيامة أمام الجزاء الأليم، بيد أنَّ أولئك أصحاب الجنة وهي الحديقة المثمرة، كانت لديهم فرصة الرجاء بعد الندم، أما هؤلاء فقد فاتت فرصة الرجاء ولات حين مناص، ولنذكر بعد ذلك ما نستطيع الإشارة إليه من النواحي البيانية.
٦١- الصورة الأولى: صورة الطمع المتغلغل في النفس الذي ينسيها كل شيء ما عدا ما تطمع به النفس، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ، وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ .
اختبرهم الله تعالى بالطمع كما اختبر أصحاب البستان المثمر، ونرى التشبيه هو ما يسمَّى التشبيه التمثيلي، وهو تشبيه حال الطاغين المعتدين أنْ رأوهم استغنوا؛ لأنهم ذو مال وبنين، فغلبهم الطمع، حتى أوبأهم في أسوأ الأحوال، والعناد مع الله تعالى، بحال أهل الحديقة إذ غرَّهم الغرور، فظنوا أنهم واصلون إلى ما يبتغون، وأقسموا على ذلك غير مقدِّرين عاقبة ولا حسابًا لم يأتي به الله تعالى، والتشبيه بلا ريب للتقريب، لا للمساواة؛ لأنَّ حال الكفار أشد عتوًّا وأبلغ غرورًا، وهكذا كل تشبيهات حال القيامة وما وراءها بحال ما يقع، ليس للتساوي، أو لأن المشبه به أبلغ في وجه الشبه، ولكن لتقريب الغائب بتصويره بالحاضر، ومثل ذلك تصوير المعنويات بالمحسوسات، وما يكون من جزاء وعقاب هو من المحسوسات، ولكنه غائب.
وهنا في النص نجد تصوير النفس الطامعة؛ إذ إنها لشدة رغبتها تتصور محل الطمع واقعًا لا محالة، لذلك أقسموا جاهدين في قسمهم ليصرمنها، أي: ليقطعنُّها قطعًا يستأصلونها من أدناها، وهذا اللفظ في هذا المقام أبلغ من القطع؛ لأنَّ الصرم قطع من الجذور، أي: هو قريب من القلع، ولتصورهم استجابة لطمعهم أنهم واصلون أكدوا الصرم باللام ونون التوكيد الثقيلة، ولشدة الطمع م يتوقعوا تخلفًا قط، ولذلك لم يستثنوا، فلم يقولوا: إن شاء الله، أولًا؛ لأنَّ حرصهم ورغبتهم الجامحة أنستهم الله تعالى؛ ولأن تطلعهم إلى ما تهوى أنفسهم لم يجعل لاحتمال التخلف موضعًا في عقولهم، وكانت اللهفة والحرص على التنفيذ قد جعلاهم معجلين التنفيذ، فهم يبكرون به مصبحين غير متلبثين ولا متأخرين؛ لأن القطع أمر محبوب لا يرون معه إبطاء ولا تريثًا، بل يستعجلون ما يريدون، بل ما يهوون.
وقد صوَّر الله غفلتهم عمَّا يقدره الله تعالى، مع أنه متحقق، فهم يقدرون ويرغبون ويستعجلون، والله من ورائهم محيط، وقد صوَّرَت الآية الكريمة قدر الله تعالى بقوله تعالت كلماته: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ، فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ ، الطائف العارض الذي يعرض ليلًا من ريح صرصر عاتية، أو عواطف تقتلع الأشجار وتلقي بالثمار، وهذا الطائف بأمر الله تعالى، فكل شيء في الوجود بإرادة الله تعالى القدير، والصريم الأخشاب المتراكمة، أو الأشجار القائمة
стр. 100
المصروم ثمرها المقطوع منها ما أينعت، وهذا بلا شك تصوير بَيِّنٌ لما يجريه الله تعالى في الأرزاق، ومهما يقدّر الإنسان في كسب الرزق ويحاول التحكم فيه فإنَّ الله تعالى فوق ما يقدّر.
ونرى من هذا تصوير ما في نفوسهم، وبيان ما يحيط بهم في بيان متماسك في ألفاظه، متآخٍ في معانيه.
٦٢- ولقد صوَّر صورة الحرص ومنع الخير في أعنف صوره النفسية، فقال تعالت كلماته: ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ، أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ، فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ، أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ .
أنزل الله بالحديقة ما أنزل وهم لا يعلمون، فكان حرصهم على ما هو عليه، وتعجلهم لجني الثمار كما هو، وقد صور الله تعالى ذلك بذكر حالهم أنهم تنادوا، أي: نادى بعضهم بعضًا مجمعين على ما أرادوا، أن أصبحو في الغد مبكرين على زرعكم وثماركم الذي حرثتم أرضه، وأصلحتم ثمره، إن كنتم تريدزن قطعه وقطف ينعه. ويلاحظ أن التعبير بصارمين فيه معنى الإرادة الصارمة للقطع الذي لا ريب فيه.
وإن معنى التعجل والحرص قد أكد بقوله تعالى حكاية عنهم: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ، أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ هذه النصوص تصور اجتماعًا وافتراقًا، فقد اجتمعوا على نية القطع، واجتمعوا على المسارعة فيه، واجتمعوا على أمر خبيث لم يعلنوه، ولكن اتفقوا عليه في تخافت وإسرار، واجتماع على تلك النية الخبيثة، وإن كلمة يتخافتون تصوير لحالهم الحسي ولأمرهم النفسي، ولمعنى المنع، فإنَّ الامتناع عن الخير لا يكون إلا بإصرار النفوس والتفاهم في سرٍّ، ولا يكون في جهر، فتخافتوا على ألَّا يعطوا مسكينًا، وعبَّر عن المنع عن إعطاء المسكين بمنعه من الدخول، فهم لا يمنعون العطاء فقط، بل يمنعونه من الدخول نهيًا مؤكدًا وبإصرارٍ على المنع، ولو بالدفع أو القهر، فضلًا عن الطردِ والنهر، وإغلاق الأبواب وإقامة الحراس المانعين، أكَّدوا تنفيذ فكرتهم بما حكى الله عنهم من تأكيد المنع بالنون الثقيلة، هذه أحوال اجتماعهم، أمَّا افتراقهم فهو دخولهم على الحديقة، متفرقين كلٌّ في جانب منها، ودلَّ على ذلك قوله: ﴿فَانْطَلَقُوا﴾ فهم ذهبوا ليقطعوا ويجمعوا، كلٌّ في جانبٍ تجمعهم فكرة التعجل والتصميم والإلحاق في منع المساكين، وقال تعالى في تصوير تعجُّلهم مع سيطرة فكرة المنع عليهم ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِين﴾ ، فغدوا معناها أقدموا في باكورة الغداة، والحرص معناها المنع والتشدد فيه، والمعنى: إنهم أصبحوا قاصدين القطع، ومعتزمين المنع من حق الفقير، بل منع دخوله، وموضع قادرين هنا هو وصفهم بالقوة على العمل والتنفيذ والمنع بكل الوسائل.
стр. 101
هذا تصوير لا تعرف اللغات تصويرًا للحرص والتعجل والاستيثاق بالإيمان وعدم التردد فيما يعملون، ونية السوء، والتخافت فيها مثله، ولو اجتمعت الإنس والجن أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا.
٦٣- ولكن الآيات الكريمات بعد تصوير حالهم هذه في التعجل والحرص، لتصوير المفاجأة، وتنبيه المفاجأة للغافل، وإيقاظها للضمير النائم، وإثارتها للوجدان الساهي، فيقول سبحانه في رؤيتهم لتهدُّم ما بنوا عيه إشباع طمعهم، وما حملهم على نية البشر، فقال تعالت كلماته: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ .
كانت المفاجأة بمقدار الحرص والطمع، واسترسالهم في المطامع المادية حتى استأثروا بها ولم يعطوا منها حق الفقير المسكين والسائل والمحروم، وإذا كان حرصهم بلغ أقصاه، فالمفاجأة بالحرمان كانت أشدَّ وقعًا، أصابتهم بالحيرة الشديدة، والضلال البعيد، وأوّل الضلال أنهم توهَّموا غير أرضهم، فلمَّا استيقنوا أحسّوا بضلال آخر معنوي أشدَّ فتكًا في النفوس وتأثيرًا في القلوب، وهو إحساسهم بالضلال المعنوي إذ قدروا، ولم يدركوا تقدير الله، وحسبوا أن الأمر إليهم وحدهم، والله فوقهم، فلمَّا أدركوا ضلال تفكيرهم قرروا الحقيقة الثانية، وهي أنَّ الله تعالى قدّر حرمانهم، وما قدره نافذ لا محالة، ولذا قالوا كما حكى الله عنهم مؤكدين: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُون﴾ ، فالإضراب معناه هنا: إنهم ترقوا من حال الضلال المؤكد إلى حال الإيمان بالحرمان المؤكد.
وإن قوله تعالى عنهم: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُون﴾ بعد ﴿إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ فيه إشارة واضحة إلى الأسف والألم المرير؛ ألم الضلال والحرمان من الهداية، ثم الحرمان المطق من الثمرات التي طمعوا فيه، وتخافتوا على ألَّا يعطوا الفقير.
وإذا كانوا قد اجتمعوا على ما كان منهم أولًا، فقد اجتمعوا على المفاجأة والحرمان ثانيًا، ولكن يظهر أنَّ الشر لا يمكن الإجماع عليه دائمًا، بل لا بُدَّ من قائم لله تعالى بحجة، وإذا لم يستمع له قول ابتداء فإنَّ قوله سيكون له صدى في النتيجة بعد أن تتبدى الأمور وتنجلى.
وكذلك كانت حال أصحاب الجنة، فقد كان فيهم رشيد ينبههم إلى خطأ ما أزمعوا أن يفعلوه، وقد حكاه الله بقوله: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ .
الوسط هو الأمثل، والوسط في أوصاف الخير هو الأمثل دائمًا، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ، وهذا الأمثل عندما رأى حالهم وتدبيرهم وطمعهم، وما يسرون به وما يجهرون، وما يتخافتون وما يعلنون، لاحظ
стр. 102
أنهم نسوا الله فأنساهم أنفسهم، فكان لا بُدَّ لكي يدركوا صالح أمورهم أن يؤمنوا بالله وأن يذكروه في أعمالهم ظاهرة وباطنة، فهم لا ينقصهم الجد في العمل، ولكن ينقصهم الإيمان، فقال لهم: ﴿لَوْلَا تُسَبِّحُون﴾ أي: هل تسبحون وتنزهون الله تعالى وتقدسونه، وتعلمون أنه القاهر فوق كل شيء، وأنه العليم الحكيم، وهنا كان فيما حكاه الله تعالى بالتعبير: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ الاستفهام الداخل على النفي في معنى الإثبات؛ لأن نفي النفي إثبات، وهو يدل على التوبيخ، وتذكيرهم بأنهم لم يفعوا ما فعلوا فاقدين للمنبه المرشد، فقد أرشدهم إلى الطريقة المثلى والمنهاج الأسلم، وهو الإيمان بالله تعالى وتقديسه وتنزيهه، والإحساس بأنه الغالب على كل شيء، القاهر فوق عباده.
٦٤- إن المفاجأة مع التذكير، ووجود الضمير والنفس اللوامة من شأنها أن تحيي موات القلوب، وخصوصًا أنه وجد من بينهم من ربط بين الحرمان الذي فوجئوا به والضلال الذي كان من نسيان ربهم، وحرصهم وطمعهم، وتفاهمهم على حرمان الضعيف مما أخرج الله تعالى من الأرض، كان ذلك كله سبيل الهداية التي تجيء، ومن القارعة التي تقرع الحسّ والنفس تنبهوا فعلموا ما ينقصهم، وأنهم لهجوا في الدنيا، ولم يذكروا الله تعالى خالق السماوات، فقالوا فيما حكى الله تعالى عنهم: ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ .
بعد أن تنبهوا من غفتلهم، واستأنسوا بالحق من تذكير أمثلهم طريقة استجابت نفوسهم لداعيه، وعلموا أمرين: علموا أنهم كانوا غافلين عن ربهم، وعلموا أنهم ظلموا أنفسهم وظلموا الناس فيما تخافتوا به، قالوا في إعلان إيمانهم بالله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ نقدِّس وننزِّه ونسلِّم أمورنا لربنا الذي خلقنا وربَّانا وهو الحي القيوم القائم على كل شيء، فرجعوا بذلك إلى الله تعالى خالق كل شيء، ولكنه لا يكون الرجوع كاملًا إلا إذا تابوا توبة نصوحًا، وأحسنوا التوبة، وأول طريقة للتوبة هو الإقرار بالذنب، إقرار من يحس بذل المعصية، وذل الذنب قربة، كما يقول ابن عطاء الله السكندري: "إن معصية أورثت ذلًّا خير من طاعة أورثت دلًّا" ولهذا الإحساس بالذنب، قالوا مؤكدين القول: ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِين﴾ لقد ظلموا أنفسهم بطمعهم وحرصهم، ونسيان ربهم، وظلموا الناس بمنع الفقراء من حقهم، وإن الإحساس بألم المعصية من شأنه أن يجعل كل واحد يلقي تبعة التقصير أو التنبه على غيره، فهم كانوا مجتمعين على طمعهم وحرصهم وتعجلهم، ولكنهم بعد أن أحسوا بجرمهم أخذ كل واحد يتبرأ من أنَّه الذي ابتدأ بالدعوة بالمعصية، وأن الآخر هو الذي دعا فأجاب، ولذا قال الله تعالى حكاية عنهم بعد أن دخل الإيمان قلوبهم وأشربوا حبه: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُون﴾ كل واحد منهم يلقي على الآخر لومًا، لا كل اللوم، فإنهم جميعًا
стр. 103
ملومون؛ لأنهم جميعًا نووا وهمُّوا أن ينفوا ما نووا، والتلاوم هنا ليس هو الاختلاف الذميم، ولكنه من الإحساس الكريم؛ إذ إنَّهم أحسوا بأن عبء المعصية كاملًا ينوء بكل واحد منهم، فيريد أن يلقي جزءًا منه على صاحب له، وإن اتفاقهم لا يجيء من غير داعٍ منهم، فإذا كان أوسطهم دعاهم إلى الخير ولم يستجيبوا فقد وجد منهم من دعا إلى الشر واستجابوا له، وكان شرهم متعدد الأطراف، فكان كل منهم قد دعا إلى ناحية دون الأخرى، وهنا نجد أن التعبير بالتلاوم لا يدل على الفرقة والانقسام، بل إنَّه في هذا لا ينافي الالتئام.
وإنهم ينتهون من هذا التلاوم الذي ابتدأ بالألم من عبء المعصية، ينتهون بعد التلاوم لفرط إحساسهم بالندم إلى أن يقولوا: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ كان الإقرار بالذنب في هذه المرة أقوى من الإقرار أولًا؛ لأنهم أحسُّوا بالهلاك الشديد ينزل بهم، قالوا منادين الويل: ﴿يَا وَيْلَنَا﴾ ، أي: أيها الويل النازل باستحقاق أقبل، فإن ذلك وقتك، ونحن موضعه، ولا نتزايل عنه ولا نخرج، وعلَّلوا الويل الذي يستحقونه بأنهم كانوا طاغين، والطغيان دائمًا يؤدي إلى الظلم، فإن كانوا في الآية السابقة قد اعترفوا بالظلم، ففي هذا النص السامي اعترفوا بسببه وهو الطغيان، والطغيان يتبدئ من وقت أن يحسّ الشخص بأنه استغنى عن معونة غيره، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦، ٧] ، وقد ظنوا أنهم لا يحتاجون إلى معونة أحد، وأن الله لا يمنعهم خيرًا أوتوه، وأن الأرض أرضهم والعمل عملهم، والكسب كسبهم وحسبوا أن الثمرات آتية لا محالة.
بعد ذلك اتجهوا خاضعين إلى ربهم، معتقدين أنَّ الخير بيده، وأن لا سلطان إلا سلطانه، فاتجهوا بالرجاء بعد أن رأوا المنع جهارًا نهارًا، وقالوا راجين: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ هنا كان التفويض كاملًا، وإن ذلك النص الكريم يفيد في تفويضهم ثلاثة أمور في أجمل تعبير من الله تعالى عن ضمائرهم الخائفة، بعد أن خلعوا رداء الطغيان:
أولها: الرجاء، والرجاء يتضمَّن معنى التفويض من ناحية أنَّهم لا يرجون إلَّا من الله، ومن ناحية أنَّ كل ما يكون من الله تعالى خير، فإذا كان نزل بهم ما يكرهون فعسى أن يكون الخير في هذا الحرمان، كما قال تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] ، ومن الخير أن هذبت نفوسهم، وإذا كان حالهم من قبل حال طغيان وغرور، فعسى أن يعطيهم الله تعالى بديلًا لما منعوه، ويكون معه الاطمئنان.
ثانيها: الاتجاه إلى الله تعالى مالك أمورهم ومربيهم، والكالئ لهم والحامي، والشعور بالمساواة مع المساكين في ربوبية الله الخالق لكل شيء.
стр. 104
ثالثها: قولهم: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُون﴾ ، ولا أحسب أنَّه يمكن أن تضع كلمة مكان راغبون، مع إلى، وتجد في هذا التعير إشارات بيانية رائعة؛ أولاها: في تكرار كلمة ربنا للشعور بنعمه سبحانه الظاهرة والباطنة، والثانية: في تقديم الجار والمجرور على خبر إن، فإن ذلك التقديم للقصر، وهو يفيد أنهم لا يرغبون في مال ولا نشب، ولا يحسبون شيئًا يمكن أن يكون بغير إرادة ربنا؛ إذ كانوا قد حسبوا أنهم بجهودهم يصلون ويمنعون الماعون، ويقسمون ألَّا يدخلنها مسكين، ولكنهم الآن لا يتجهون إلّا إلى الله تعالى العلي القدير، والتعبير براغبون يفيد أنهم يسيرون في طريق الله تعالى وحده برغبة ومحبة، فهم يطلبون طريق الله تعالى لا خوفًا من عقابه، ولا رجاء لثوابه فقط، ولكن محبة لذاته العلية، فانتقلوا من دركة العصيان إلى مرتبة المحبة وطلب الرضوان.
٦٥- ونرى في هذه الآيات الكريمة المصورة تللك القصة التي تشتمل على العبرة الواضحة، فيها تتلاقى المعاني، وكل معنى ردف لما سبقه، ومقدّم لما يليه في تآخٍ بَيِّن جزئياته، وتعانق مع كلياته، كل جزء من الكلام يوعز لما يليه، وفيها الألفاظ مؤتلفة في نغم يهز النفس، وتآلف بين الألفاظ مفردة وجملًا، وفيها تصوير للنفس الإنسانية كيف يدخل إليها الطمع، ومع الطمع الشح، وإذا سكن الشح قلبًا دخل منه الظلم وهضم الحقوق، وإنه لكي ينجو المؤمن من أن يكون ظالمًا عليه أن يراقب مداخل الشح إلى نفسه، فإن سدَّ طرقها إليها فقد فاز وكان عادلًا، كما قال تعالى في سورة أخرى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] ، فإن وراء الشح الهلاك، ووراء السماحة الفوز.
وإن الآيات تصور لنا حال من يغتر، ومن يطغيه الاستغناء، ومن يحرم نعمة الاعتماد على الله تعالى والتفويض إليه، ثم حاله عندما يفاجأ فيجد قدر الله تعالى أمامه يرد عليه طغيانه، ثم تصوّر النفس التائبة، وذلك كلام العزيز الحميد.
стр. 105
النفس الفرعونية:
٦٦- وإذا كانت هذه الآيات التي تلوناها تصور النفس التي تطغى أن رأتها استغنت، وحسبت أنه لا قدر فوق ما تقدر، وكيف تفاجأ بقدر الله فتتنبه، فقد صور الله تعالى في كتابه العظيم النفس التي تطغى، فتتغطرس فتتحكم في الرقاب، وتفرق بين العباد، فهذه يأخذها الله تعالى أخذ عزيز مقتدر، ولا مكان لتوبتها؛ إذ تفاجأ؛ لأنه لا يكفر ذنوب العباد إلّا ردها، ولا سبيل لردِّ ما فعلوه، ثم كان فسادهم، وتضييعهم الناس، ولذلك يؤخذون بذنوبهم، واقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٤، ٥] .
ولا شَكَّ أن نسج الآيات متماسك بخيوطٍ دقيقة غير قابلة لأن تنقطع، وهي واضحة في تصوير الحاكم الفاسد كيف يعلو في الأرض، وكيف يتحكّم، وقد قال الباقلاني في صيغة العبارة بالنسبة للآية الأولى:
"هذه تشتمل على ست كلمات، سناؤها وضياؤها على ما ترى، وسلاستها وماؤها على ما تشاهد، ورونقها على ما تعاين، وفصاحتها على ما تعرف".
وهي تشتمل على جملة وتفصيل، وجامعة وتفسير، ذكر العلوّ في الأرض بستضعاف الخلق بذبح الولدان وسبي النساء، وإذا تحكَّم في هذين الأمرين فما ظنك بما دونهما؛ لأن النفوس لا تطمئن على هذا الظلم، والقلوب لا تقر على هذا الجور، ثم ذكر الفاصلة التي أوغلت في التأكيد، وكفت في التنظيم، وردت آخر الكلام على أوله، وعطفت عجزه على صدره.
ثم ذكر وعده بالتخليص بقوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ ، وهذا من التأليف بين المؤتلف، والجمع بين المتسأنس"١.
هذا ما ذكره الباقلاني من ناحية التآخي في الألفاظ والالتحام في نسجها، وإنك لتجد ذلك التآخي في سوق العلوِّ الذي تعالى به وهو في الأرض، فقال تعالى: ﴿عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ فهو علوّ من في الأرض، ولاصق بها، فليس يعلو إلى السماء، ولكنه مستمر في الأرض، فهو استعلاء وليس بعلوِّ، والاستعلاء طلب للعلوّ، أو الإحساس به، وليس قائمًا على أيّ اعتبار، فكان ذلك التقابل في اللفظ من حيث الانسجام ومن حيث المعنى فيه دليل على أنه استكبار وليس علوًّا في ذاته.
ولكن كيف يستقيم له هذا العلو وهو لاصق في الأرض متنقل فيها، إنما هو الغلوّ في الكبر، وحمل الناس على الإقرار أو السكوت، أو ظهور الرضا وما هم براضين؛ لأن أساس الرضا التخيير ولا اختيار، فإن لم يكن فلا رضا.
ولننتقل من ذلك النص المصور للاستعلاء الكاذب الظالم إلى ما سكله لحمل الناس على السكوت عنه، أو الخضوع له كارهين، وإن مردت نوسهم على الخضوع، حتى صاروا كالطائعين، وذلة الإحساس بالتحكم قارة في نفوسهم حتى أخضعتها، فجعلتها خانعة، أظهرتها راضية ولا رضا عندهم؛ لأنه لا اختيار لها فيما تختار.
стр. 106
ذكر سبحانه ما سلكه فرعون كما يسكله أيّ طاغية من طواغيت هذه الدنيا الذين يظهرون في كل زمن، وفي أرض كأرض مصر، وناس كناسها، كما أشار إلى أنه عمل على تفريق جمعهم وتشتيت أفكارهم، وصاروا متفرقين في ذات نفوسهم ولا تجمعهم جامعة حق ولا ثورة على ظلم، بل كان يقول لهم في استكبار: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ ويقول في استنكار: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] .
وقد قال تعالى فيما سلكه: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ وهنا نجد كلمات ثلاثًا، كل واحدة منها تنبئ عن قصد الفرقة والانقسام بعد الوحدة والالتئام، فكلمة جعل هي بمعنى صيَّرَ، وهي تدل على أنهم كانوا متحدين في المشاعر والأحاسيس، متفقين في المنازع والمطامح والآمال، فجعلهم متفرقين منتشرين في غير اجتماع، تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتَّى، والكلمة الثانية "أهلها" فهم كانوا قبلها أهلًا، أي: إنهم كانوا مجتمعين غير منقسمين، فلكي يعلو عليهم أجمعين فرَّق جمعهم وشتَّت شملهم، فكيف يعلو إنسان مهما يكن طاغوته ومهما تكن قوته وغلظته وحيلته على قوم متحدين مجتمعين، ولكنه يخذل بينهم، ثم يملك عليهم.
والكلمة الثالثة كلمة "شيعًاط، فإنَّ الشياع يتضمَّن معنى الانتشار، وأن يقوى جزء على الآخر، يحسب كل جزء منهم أنه أقوى من الآخر، وأنه لا تربطه به رابطة، ولا يجمعهم به قومية أو رحم، أو تشابك المصالح، ودفع المضار، فإذا كانوا كذلك استعلى واستكبر، ولا يجد من يرده عن غيه، ويقمعه في شره، فيكون الهلاك، وتقطع الأسباب.
وإن النتيجة التي تكون أثرًا لذلك أن يجعل من طائفة منهم بطانة له، وجندًا يستنصر بهم ويتخذهم أسواطًا يضرب بها غيرهم، ويتحكم في جمعهم، ولذلك قال تعالى في ذكر هذه النتيجة الحتمية التي تتبع التفرق تبعية المسبب لسببه، والنتيجة للمقدمة: ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ أي: يصور طائفة منهم ضعفاء، أو يطلب ضعف طائفة منهم، ويتتبعه، وهنا إشارة بيانية رائعة لا تكون إلا في القرآن الكريم، وهذه الإشارة هي أنه ذكر الطائفة المستضعفة، ولم يذكر الطائفة التي جعل فيها قوته يضرب بها رقاب الناس، والسبب في أنه تعالى لم يذكرها موصوفة بالقوة؛ لأنها وإن لبست لبوس القوة ليست -في حقيقة أمرها- قوية في شيء؛ لأنها ليس لها اختيار فيما اختارت؛ ولأنها لا تملك من أمرها شيئًا، بل مسخَّرة لطغواه، مراده له، وليست بمريدة فيما تفعل، والقوي هو الذي يفعل ما يريد هو لا ما يريده غيره، ويعمل ليرضي شهوة نفسه لا ما يرضي غيره، وليس هو من تكون إرادته فانية في إرادة غيره، قد لبس جلد النمر، وما هو إهابه، وإذا كانت الطائفة المستضعفة إيذاؤها بدني مادي، فهؤلاء الذين ظهروا بمظهر القوة إيذاؤهم معنوي، وهو فناء إنسانيتهم وإرادتهم وتفكيرهم، وكل مكونات
стр. 107
الإنسان الكامل، فهم ضعفاء وإن ظهروا كأنهم الأقوياء، فجنود السلطان الغاشم لا يعتبرون الأقوياء؛ لأنهم أداة طائغة، وإمعات طامعة.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى: ذكر الضعفاء تمهيدًا لبيان مظاهر الطغيان الذي يفعله الملوك مع مَن يتحكَّمون فيهم بحكم الهون والفساد، لا بحكم المصلحة والرشاد، وأنَّهم يرتكبون أقصى ما تتصوره العقول من تذبيح وتقتيل، ولذا قال تعالى: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ ، وإن ذلك شأن الطغيان دائمًا، يقتل نخوة الأمة بقتل شبابها، أو زجّهم في غيابات السجون من غير أمد، ومن غير حكم، كما رأينا في حكم الدكتاتورية في ألمانيا، وفي إيطاليا، وهكذا، وقد رأينا مثل ذلك في العراق.
وقد ختم الله تعالت كلماته النص السامي بالباعث على الطغيان والتحكم والاستعلاء، وتفريق الأمة، فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِين﴾ ، أي: إنَّ الفساد مستحكم متغلغل في أطواء نفسه، وقد بعثه على جعل الأمة متفرقة، وتحكيم طائفة من طائفة، فأغرى بينهم العداوة والبغضاء، يحسّ كل فريق منهم بأنه مظلوم، وظالمه هو الفريق الآخر، يتظالمون فيما بينهم ويتعادون؛ ليتمكَّن الظالم من ظلمهم والتحكم في رقابهم، وأن يقول لهم: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ ولا ينكر أحد، ولو في قلبه؛ لأن كل فريق يتهم الآخر بأنه عين عليه، ويريد النكاية به.
وقد أكَّد سبحانه وصف الإفساد فيهم بأَنَّ وبِكَانَ الدالة على أنَّ الفساد كان في الماضي، ومستمر في الحاضر، وببيان أنه داخل في ضمن المفسدين في الأرض إخوان إبليس، وينطبق عليه قوله تعالى في شأن الظالمين الذين يمنون الناس الأماني ويكذبون ويخلفون: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٤-٢٠٦] .
وإن هذا الوصف الذي ساقه الله تعالى للوالي الفاسد هو وصف فرعون ومن استعلى واستكبر، وووصفه لكل طاغية من طغاة الدنيا يمنِّى الناس الأماني، حتى إنه ليصور لهم أنه سيجعل لهم الأرض نعيمًا، وخيراتها لبنًا وعسلًا، حتى إذا حكم تحكَّم، وكانت شهوته نظامًا، وهواه حكمًا، ولا بُدَّ أن يرضى الناس حكومته طوعًا أو كرهًا، ومن قال له اتق الله قطع عنقه، أو سلط عليه كلابه الذين جعلوا أنفسهم ملكًا له، يملك رقابهم، ويظنون أنفسهم الأحرار، وهم العبيد حقًّا.
٦٧- هذا ما تصوره الآيات في وصف فرعون وأمثاله من الطواغيت الذين يظهرون في العصور المختلفة، وإذا لم يتسموا باسم فرعون ففيهم صفاته وفعاله، وفي
стр. 108
أتباعهم أوصاف أتباعه, المستضعفون مأكولون في عهودهم، كما هم مأكولون في عهده.
وبعد تصوير الله تعالى طغيان فرعون كان من نسق البيان الرائع أن يذكر نهايته، وأنَّه إذا وصل الطغيان إلى أقصى حدِّه كانت النهاية؛ لذا ذكر في مقابل إرادته الإفساد، وكونه متغلغلًا في كيانه، ذكر في مقابله إرادة الله تعالى، وإرادته سبحانه فوق كل إرادة، ولو كانت طغيان فرعون، ولذا قال سبحانه في بيان إرادته: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥، ٦] .
إرادة طاغية مغرورة مستكبرة، وهي إرادة الطغيان، وإرادة كريمة معطية مانحة مانعة من الشر والعبث، وهي إرادة الله ، فهو سبحانه يمُنُّ على المسضعفين، ونجد هنا تعميمًا في المنِّ، فلم يذكر ما يمنُّ به، بل كان التعميم، فهو سبحانه يمنُّ عليهم بالحرية بعد الاستعباد، ويمنُّ عليهم بالقوة بعد الضعف، ويمنُّ عليهم بالعزة بعد الذلة، ويمنُّ عليهم بالثمرات بعد الجدب، وهكذا تتعدد النعم التي يمنُّ بها سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] . وكل هذه المعاني هي بعض ما تدل عليه كلمة "نمنُّ"، وخَصَّ سبحانه من بين هذه النعم التي يمنُّ بها نعمة كبيرة هي الخلاص من حكم فرعون إلى أن يكونوا أئمة، أي: ولاة لأنفسهم لا يملك أحد التحكم فيهم ولا السيطرة، فكل حر أمير في نفسه، ويجعل منهم أمراءهم وأولياء أمورهم، لا يفرض عليهم أمير لا يرضونه ولا ولي من غيرهم، وآراؤهم في حكمهم هي الغالبة، فلا يحكمهم متحكِّم، ولا يسيِّر أمورهم متغلب، فانظر كيف جمعت الكلمة كل هذه المعاني، وجاءت من بعد ذلك كلمة تدل على كمال إرادته سبحانه في هذا الوجود فقال: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين﴾ ، ونجد أنه سبحانه لم يبين الموروث، وفيه إشارة إلى عموم ما آل إليهم؛ إذ إنهم سيخلفونه في جنات وعيون، وكنوز ومقام وكريم، ولكن يكون لهم هذا إذا استقاموا على طريقة الحق، ولم يخرجوا عن جدته ومنهاجه، وغير ذلك.
بعد هذا يبين أنَّ طغيان فرعون انتهى بالفناء، وأن يذوق عاقبة أمره، كما اغتر أصحاب الحديقة بحديقتهم المذكورة، فقال تعالت كلماته:
﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ .
стр. 109
التمكين كان بإعطاء سلطان لهم في الأرض، إذا استطاعوا القيام بحق التمكين، فإنه يحتاج إلى قوى نفسية عالية وإدراك لمعنى العزة والكرامة، ولم يمردوا على الذلة والمهانة.
ثم يبين سبحانه عاقبة الظلم، وأنه لم يدفع المحذور، فقال تعالى:
﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ .
لقد كان فرعون وحده، ووزيره وجنود معهما تابعين غير مستقلين في فكره أو إرادة فهم ما كانوا يحذرون أن يدبّر الناس ما ينتقضون به على حكمها، أو يقتلوا فرعون، فقد أراهم رب العالمين، فكان موت فرعون على ما قدره الله تعالى لموسى ﵇ ومن معه، وهكذا كل طاغية يطغى ويستبد، ويرتكب الفجور في كل ناحية، حذر أن تخرج خارجة، وبعد أن يكون منه ما يكون من مثل ما فعل فرعون، ثم تكون من بعد كلمة الله تعالى هي العليا، ويقع المحذور في وقت لا يملك الرجوع، كما قال فرعون وقد أدركه الغرق، قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس: ٩٠-٩٢] .
٦٨- وبعد ذلك البيان الذي حاولنا به الوصول إلى بعض أسرار المعاني القرآنية التي تعلو ولا يعلى عليها، واليانعة الثمار الدانية القطوف في أعلاها، والثروة الخصبة المملوءة حياة في أدناها، كما قال البليغ العربي القرشي، نريد أن نشير إشارة إلى ما وصل إليه تفكيرنا في إجمال ما سبق، فنجد:
أولًا: اتساق العبارة في المقابلة بين العلوِّ المصطنع والالتصاق بالأرض، الذي يفيد مع هذا المقابلة اللفظية أنَّه سيطر على الأرض واستمكن فيها وتحكَّم حتى ساغ له أن يقول: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١] .
ثانيًا: إنَّ التعبير باستضعاف، وأنَّ كل من يراد على الضعف ليس طبيعيًّا فطريّا، ولكنه يكن بالاستضعاف، وأنَّ كل من يراد على الضعف لا يستسلم فيستضعف، بل يقاوم ويناضل، فيموت عزيزًا أو يمنحه الله تعالى القوة، وإنَّ الرضا بالذل يؤدي إلى الموت، وطلب العزة يؤدي إلى الحياة، وكما قال خليفة رسول الله أبو بكر -رضي الله تعالى عنه: "اطلب الموت توهب لك الحياة".
وثالثًا: إنَّ الاستضعاف يؤدي إلى الموت لا محالة، ويكون الموت على نحو لا كرامة فيه، وصوره بقوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ ،
стр. 110
فهو موت ذليل فيه خسة الذل وقتل النخوة، أما الموت في سبيل الكرامة فهو موت عزيز كريم، ورحم الله الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده إذ يقول: "إن موتًا في سبيل الحق هو عين البقاء، وحياة في ذلك هي عين الفناء".
رابعًا: إنَّ القوة تكون للقوي بتمكين الله تعالى وبمشيئته، وذلك بأن يهيئ الأسباب ليستبدلوا بضعفهم قوة فيمنحهم الأمن، وذلك بأن يجعلهم يشعرون بأنهم سادة، وليسوا عبيدًا، وهذا يتضمَّنه التعبير بقوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّة﴾ ، أي: يجعلهم مسيطرين على أنفسهم، كما نوَّهنا فيما ذكرنا من قوله تعالى، كما منَّ الله تعالى على بني إسرائيل إذ جعلهم مالكين لأنفسهم مسيطرين على أمورهم؛ إذ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْم اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] ، ومعنى جعلهم ملوكًا أنَّه جعلهم أحرارًا يملكون شئون أنفسهم، ويتولون أمورهم لا مسيطر يسيطر عليهم.
هذه نظرات إلى النص القرآني الكريم في بعض شأن فرعون ومآله، ومن يجري في حكم شعبه على طريقته، ويتحكم في الرقاب تحكمه، ونجد فيه جمال اللفظ، وجمال القصص، والألفاظ التي تشع منها المعاني كأنَّها الضياء المتلألئ، والماء العذب النمير الذي ينساب في النفس المؤمنة، والله سبحانه هو العلي الحكيم، وكلامه هو النور المبين الهادي إلى رب العالمين.