٢- قصص القرآن لون من تصريف بيانه:
٨٣- ذكرنا أنَّ البيان القرآني فيه تصريف القول على ألوانٍ متعددة متباينة في حقيقتها متلاقية في غياتها، ولا يمكن أن يكون لكلام بشر مع سموِّ البلاغة وبلوغها المقام الذي يناصى في كل أصنافها، بل لا يمكن أن يبلغ الغاية في صنف واحد من أصنافها، وقد ذكرنا ما في القرآن من إطناب من غير تكرار، وذكرنا ما يتوهم فيه التكرار في القصص، وبيَّنَّا أنه لا تكرار يعد ترديدًا ولو على سبيل التوكيد، وما يتوهم فيه التكرار إنما هو تجديد المعنى لغاية أخرى ومقصد آخر، وكان الذكر لما يتوهم تكراره فيه كمال المعنى، ولا يمكن أن يستغنى القول عنه، إنما التكرار المردود يكون فيما لو حذف المتوهم تكراره ما نقصت الغاية، وما اختل بيان المقصد، وتكرار القرآن ليس على هذا، بل هو تكميل لا بُدَّ منه، وتتميم لا يستغنى عنه، وذلك يكون في القصص، وفي الاستدلال بآيات الله تعالى الكونية، على وحدة من خلق وكون وأبدع، وقد ضربنا على ذلك الأمثال.
والان نذكر القصص القرآني على أنه لون من تصريف البيان القرآني، وتغير أشكاله كما ذكر الله تعالى في القرآن: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ .
стр. 142
إن القصص القرآني فيه العبرة، وما ذكرت قصة إلّا كان معها عبرة أو عِبَر، وفيها المثلات لمن عصوا وتركوا أمر ربهم، وفيها بيان ما نزل بالأقوياء الذين غرهم الغرور، والجبابرة الذين طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد، والله من ورائهم محيط.
وإن القصص فيه إيناس صاحب الرسالة المحمدية بأخبار إخوانه من المصطفين الأخيار، وإثبات قوله، فقد كانت تلك الأخبار الصادقة ما كانت لتعليم إلا لمن شاهد، وما شاهد أحداثها وهو لا يزال في بطن الغيب، كما قال عقب قصة مريم: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤] وكما قال تعالى في قصة موسى ﵇ ووقائعها، قد قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٤-٤٦] .
لم يكن محمد مشاهدًا الأحداث التي جاء القرآن الكريم بقصصها، وهي صادقة وثابتة في الصادق من أخبار النبيين في كتبهم التي يتداولها أهل الكتاب، ولم يتناولها التحريف.
ولم يكن بمكة مدرسة لاهوت، بل لم يكن بمكة يهود ولا نصارى إلا خمَّار ألحدوا بأن النبي ﷺ أخذ منه كذبًا وبهتانًا، فقال الله تعالى ردًّا عليهم: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] .
وكانت مكة بلدًا أميًّا، ليس به علم، ولا رياسات، إلّا مباريات رياسية في البيان، وكان محمد ﷺ أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، وقد قال الله تعاى وهو أصدق القائلين: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] .
لذلك نقول: إن القصص القرآني ذاته فيه إعجاز ذكره الكتاب جاء على لسان أمي لا يقرأ ولا يكتب؛ إذ هو النبي الأمي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
ويتساءل أيّ تالٍ للقرآن: من أين جاء محمد بهذا القصص الحق، وهو لم يشاهد وقائعه، ولم يقرأها؛ لأنه لم يكن قارئًا؟ إنه من عند الله العزيز الحكيم علَّام الغيوب، وبذلك كان القصص الصادق من التحدي.
стр. 143
التصريف البياني في قصص القرآن:
ذكر الله تعالى الحقائق الإسلامية في القصص، فلم يكن عبرة فقط، بل كان بيانًا لحقائق الإسلام، فنجد فيه بيانًا لعقيدة التوحيد، والبرهان عليها جاء في سياق القصص عن النبيين السابقين، فقد رأيت في قصص سيدنا إبراهيم ﵇ كيف كانت الدعوة إلى التوحيد، وكيف أبطل عبادة الوثان بأنها لا تضر ولا تنفع، وأنه جعلها جذاذًا إلا كبيرًا لهم، وأنهم أرادوا عقوبته بالحرق بالنار، فجعلها الله تعالى بردًا وسلامًا على إبراهيم.
واقرأ بعض القصص عن سيدنا نوح الأب الثاني للبشر، ترى الأدلة على التوحيد بأن نجد في بعضها أدلة التوحيد تساق للضالين، ويوجه أنظارهم إلى الكون وما فيه فقد قال تعالى:
﴿قَالَ يَا قَوْم إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا، وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا، ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا، فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا، مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا، وَقَدْ خََقَكُمْ أَطْوَارًا، أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا، وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا، ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا، لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [نوح: ٢: ٢٠] .
ألم تر في هذه النصوص السامية تسلية واضحة للنبي ﷺ ؛ إذ فيها بيان ما لقيه نوح، وكيف كانت الأدلة القاطعة لا تزيدهم إلا نفورًا من الحق وفرارًا من أتباعه، وإصرارًا على الباطل، وفي كل ذلك عزاء للنبي ﷺ ؛ لئلَّا تذهب نفسه حسرات على كفر الكافرين وجحودهم بعد الأدلة القاطعة.
ومع هذا العزاء الروحي، والعبرة التي تريح الدعاة إلى الحق، نجد في السياق البرهنة على التوحيد، وأن الله تعالى وحده هو الخالق، وأنه بالتالي المستحق للعبادة وحده، فلا معبود سواه.
وسوق الأدلة على التوحيد في سياق قصة يجعله يسري إلى النفس من غير مقاومة، وتكراره يجعله يخط في النفس خطوطًا، وتتعمق الخطوط فيكون الإيمان.
стр. 144
وإنك لترى الدعوة إلى التوحيد واضحة في قصة يوسف ﵇، فهو في السجن يدعو إلى التوحيد وعبادة الله وحده، ويجعل سلواه وهو في السجن الدعوة إلى الوحدانية، وسوق الأدلة، فالله تعالى يحكي عنه أنه يقول لصاحبيه في السجن: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ، يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٣٧-٤٠] .
انظر إلى الاستدلال القيم على أن الواحد الأحد خير من أرباب متفرقين، يتيه العقل فيهم، وأنهم لا حقائق لهم تتعلق بالألوهية، ثم يذكر ذلك عقب أن بين تأويل ما عجز عنه المئولون من رؤى، وقال: أنه قد علمه ربه.
ثم انظر إلى هذا القصص، وذكر التوحيد يجيء في أثناء السجن بسبب فرية نسائية افترينها عليه، ويجيء في وسط قصة نسوة المدينة أنه يكون طريفًا، فيكون له تأثيرًا أقوى وأشد.
٨٤- وليس القصص القرآني فيه إثبات أنَّ الله وحده هو المستحق للعبادة، وبطلان عبادة الأوثان التي هي أسماء سمَّوْها هم وآباؤهم، ما أنزل الله تعالى بها من سلطان، بل فيها إثبات الوحدانية أمام الذين يدعون ألوهية المسيح ﵇.
واقرأ قصة عيسى ﵇، فإن فيها الدليل على أنه ليس إلّا عبدًا لله تعالى، ولقد قال في ذلك: ﴿يَا أَهْل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا، لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧١، ١٧٢] .
ونرى من هذا أن ذكر قصة عيسى أو ذكر جزء منها اختص ببيان وحدانية الله وإثبات بطلان أنَّ الله تعالى ثالث ثلاثة، وساق الدليل، وهو أنَّ الله تعالى خالق كل شيء، وله ما في السماوات والأرض، وصلة كل مخلوق كمثيله وإن اختلف طريق غيره،
стр. 145
فصلة المسيح ﵇ بالله من حيث الخلق والتكوين كصلته بأي مخلوق سواه، ولا يؤثر في هذه الصلة التكوينية أنه عبد ممتاز، وأنه رسول من رب العالمين، وإن كانت طريقة تكوينه أنه وُجِدَ من غير أب، فإن ذلك لا يجعله إلهًا أو ابن إله، كما قال تعالى في مقام آخر فيه إشارة إلى قصة عيسى؛ إذ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] .
واقرأ قصة أخرى لسيدنا عيسى ﵇، فقد قال الله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ، لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ، لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧١-٧٦] .
وهنا نجد الرد على من يجعلون المسيح إلهًا، لقد نفى الدعوى من أصلها؛ إذ بَيِّنَ أن المسيح الأمين لم يكن يدَّعيها، ولا يمكن أن يدَّعيها، فقد كان هو داعيًا إلى التوحيد، نافيًا للشرك بربوبية الله، وأنه كسائر الناس مخلوق، وأن الله ربه كما هو رب الناس جميعًا، وبين سبحانه بطلان دعوى الألوهية له ولأمه بأنهما محتاجان، ويأكلان الطعام كسائر الناس، والله تعالى غنيّ لا يحتاج، وليست له صفة الحوادث من طعام وغذاء، وبيِّن ثالثًا أنه لا يضر ولا ينفع إلَّا بإذن من الله تعالى خالقه من غير أب، وأنه من بعد ذلك عبد لا يستنكف ولا يستكبر.
ونرى أن نفي التثليث وإثبات بطلانه بالدليل جاء في ضمن قصة، فكان تصريفًا في الاستدلال؛ إذ إن سوق الدليل في ضمن قصة يجعله أكثر سريانًا في النفس، وانسيابًا في أطوائها.
الحث على المعاملة الطيبة في القصص:
٨٥- وإنه مما جاء في القصص أنَّ دعوة النبيين -عليهم الصلاة وأتم السلام- جاءت للخير إلى حسن التعامل، وإصلاح الأرض، وأنَّ إصلاح الأعمال والنفوس ومنع الفساد في الأرض من أعظم المقاصد في الشرائع السماوية بعد عبادة الله تعالى والإيمان باليوم الآخر، وإذا كان ذلك في ضمن قصة استمكنت في النفس وتجهت إلى مداخلها من غير تعويق من ملاحاة جديدة، غير ما كان في عهد النبي الذي ذكرته القصة.
стр. 146
اقرأ قصة شعيب ﵇، فقد قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ، وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥-٨٧] .
أمَا ترى في هذا النص القرآني الذي تتضمَّنه قصة شعيب ﵇ دعوة صريحة إلى ناحية علمية تتصل بالإصلاح الاجتماعي، ومنع الفساد في الأرض، والقيام بحق الأمانة في التعامل.
وفي موضع آخر من قصة شعيب نجده يكرر الدعوة، ثم يبين سبحانه كيف تقاوم دعوة الحق بالإصرار على الشر، وكيف كان الإصرار عليه، إلى أن يديل الله تعالى بما ينزل بالعصاة، ومما يؤدي إلى فساد أخلاق الأمة، لقد قال الله تعالى حكاية لقول شعيب: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ، وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ، قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ، قَالَ يَا قَوْم أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٤-٨٨] .
ونرى من هذه المجاوبة أنهم يصرون على ما هم عليه، ويعدون إرشادهم إلى الحق في المعاملة تدخلًا في شئونهم المالية، وكأنهم يظنون أن شئون المال لا صلة له بالتدين، كما يجري على ألسنة بعض الذين لا يريدون بالدين الحق وقارًا، ويبين سيدنا شعيب ﵇ أنه إذ ينهاهم هو أول من يتمسَّك بألَّا يفعل ما نهى عنه، إذ يقول: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ وفي ذلك إشارة إلى أن من يدعو إلى أمر يهدمه إن خالفه في عمله، وأن الاستجابة إلى الداعي إلى الخير تقتضي أن يكون الداعي مستجيبًا له، وهكذا، فإنَّ الله تعالى يأخذ على بني إسرائيل، أنهم يأمرون الناس بالبرِّ وينسون أنفسهم، فقد قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] .
стр. 147
ميزان العدالة في الحكم:
٨٦- ويبين الله بطريق القصص القرآني -لأنه من تصريف البيان كما أشرنا- أنَّ مقياس الحكم العادل إدراك الحق، وألَّا يجعل القاضي أو الحاكم للهوى سلطانًا في الحكم، فإن كان الهوى كان الشطط في الحكم، ومظنَّة الوقوع في الظلم، وإن كان الحاكم لا بُدَّ أن يكون مدركًا للحق فلا بُدَّ من عنصر العلم وإبعاد الهوى.
واقرأ قصة داود ﵇ الذي أعطاه الله الملك والحكمة، فاقرأ العبارات السامية التالية: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ، قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ، فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ، يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢١-٢٦] .
هنا نجد القصة عن نبي الله داود ﵇ تتضمَّن ثلاثة أمور في التنبيه على كل واحدة منها تنبيه إلى أمثل الطرق للوصول إلى العدل في الأحكام.
أولها: إنَّه سبق إلى الحكم من غير أن يستمع إلى كلام الخصم، فقضى لأحد الخصمين، قبل أن يستمع إلى كلام الآخر، فإن ذلك مدرجة الظلم، بل قد يكون ظلمًا.
ثانيها: إنَّه لم يكتف بالحكم في القضية المعروضة، بل عمَّم الحكم، والقضاء يكون في القضية المدروسة ولا يتجاوزها.
الأمر الثالث: وهو يفصل التفرقة بين الحكم الظالم والحكم العادل، أن الحكم العادل لا يكون بالهوى والشهوة، وأما الحكم الظالم فإنه يكون تحت سلطان الهوى والشهوة. وأن الملوك والحكام المستبدين يكون مصدر شرهم أهواؤهم، فهم يتبعون أهواءهم فيما يحكمون به، وما ينزلونه بالناس، فهم يسنون النظم تبعًا لأهوائهم ويطبقونها تبعًا لأهوائهم، ويجعلون شيعتهم تسارع إلى تنفيذ أهوائهم، ولا يفهمون المصلحة إلا تابعة لأهوائهم، فإذا نهى الله تعالى نبيه داود عن اتباع الهوى وهو خليفة
стр. 148
حاكم، فإنما نهاه عمَّا يؤدي إلى فساد الحكم، وبهذا يتبين أن حكم الهوى كان مصدر فساد الحكم في الماضي، كما هو مصدر الفساد في كل الأزمان، وذكر ذلك في قصة من قصص القرآن يزيد المبدأ تبينًا وتأكيدًا، وقد بيَّنَّا أن ذكر أيّ أمر في قصة يجعله يسري في النفوس، ويدخل إلى الضمائر إن كان فيها استعداد للحق.
ولا شكَّ أن هذا كله يدل على أن القرآن يصرف فيه سبحانه البيان تصريفًا ليكون أقرب إلى التأثير والدفع إلى العمل، وليس ذكر القصص للعبرة فقط، بل هو مرشد وهادٍ مع ذلك إلى أقوم السبيل، والله أعلم.
بيان بعض الأحكام بالقصص القرآني:
٨٧- من صور التصريف البياني بالقصص القرآني بيان بعض الأحكام الشرعية، فإنَّ ذلك يثبت هذه الأحكام ويدعمها؛ لأنها تكون أحكامًا متفقًا عليها في كل الشرائع السماوية، وبيان أنها غير قابلة للنسخ، وأنها مؤكدة ثابتة، وفي القصة تكون حكمة شرعيتها قائمة والغاية منها ثابتة، ولنذكر من قصة قابيل وهابيل ولدي آدم.
فقد قال الله تعالى فيها: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ، فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٧-٣١] .
هذه القصة تثبت أن الغيرة والحسد يؤديان إلى الاعتداء، وأن ذلك يحدث بين أقرب الناس بعضهم لبعض، وأنه لا علاج للحسد بإخراجه من النفوس، فهو فيها دفين، نعم إنه مرض، ولكنه مرض لا يمكن أن يكون منه شفاء، والناس ليسوا سواء فمنهم شقي وسعيد.
وإذا كان الأمر كذلك فلا علاج إلَّا ببتر من استكن في قلبه الحسد، وصار من شأنه التعدي استجابة له، والاعتبار في النظم لصلاح الجماعة لا لصلاح الآحاد فقط، ولذلك قال الله تعالى عقب ذكر قصة ولدى آدم: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: ٣٢] .
стр. 149
وإنا لنرى هذا القصص المحكم قد ارتبط فيه الحكم بسببه، فهو في جزء من القصص ذكر سبحانه ما كان بين الأخ وأخيه من محاربته فطرة الأخوة الرابطة، وأنه حمل نفسه حملًا على ارتكاب جريمته؛ إذ هي مخالفة للطبائع السليمة، ولذلك قال : ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُه﴾ حتى إذا تمَّت الجريمة رأى بشاعتها في جثة أخيه، فأراد أن يواريه فضَلَّ، حتى رأى غرابًا هو أحنّ على أخيه منه، وهو أعلم كيف يواري سوءة أخيه.
وما كانت أمور الناس لتترك فوضى، يجرم من يجرم ثم يندم، فكانت شريعة القصاص؛ لأن الاعتداء بالقتل اعتداء على حق الحياة في كل إنسان، ومن قتل نفسًا بغير حق فهو على استعداد لقتل غيرها، ففي عمله تعريض النفوس الإنسانية لاعتداء المعتدين المفسدين، ومن أحياها بالقصاص من القاتل، فكأنما أحيا الناس أجمعين، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاة﴾ [البقرة: ١٧٩] .
وإن هذا يدل على أن شريعة القصاص شريعة أزلية خالدة باقية، وأنها كانت في الشرائع السابقة، ولم تخل شريعة من شرائع النبيين الكرام منها، ولقد ذكرت بحكمتها ونتيجتها، وهي إحياء للأمة وإهمالها إماتة لها.
ولا شك أنَّ ذلك تصريف بياني قرآني في بيان الأحكام:
وقد جاءت الأحكام أكثر تفصيلًا في بيان القصاص في الأطراف مع النفس في قصص عن بني إسرائيل، والتوراة وما جاء فيها، ولنتل على القارئ الكريم بعض ما جاء في ذلك، وإن كنَّا سنتلو أكثر مما تلونا من الماضي، ولقد قال الله تعالى في وصف بعض بني إسرائيل في عصر النبي ﷺ الذين أرادوا أن ينفروا من حكم التوارة في مجرم ارتكب جريمة، لاجئين إلى النبي ﷺ ، حاسبين أن عنده حكمًا أخفّ من حكم التوراة لهوًى في نفوسهم. قال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ، إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ
стр. 150
مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ، وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَْ﴾ [المائدة: ٤٢-٥٠] .
وترى من هذا النص الكريم بيانًا للأحكام الشرعية الخاصة بالقصاص في تفصيل محكم مستقر مقنع، فهو يجعل القصاص في الأطراف، كما هو ثابت في النفس، بل إنه يثبت القصاص في الجروح، ويوثق الأحكام بأنها نفذت في الإنجيل؛ إذ جاء الإنجيل مصدقًا لما بين يديه من التوراة، ويوثقها بأن القرآن مصدق لما جاء في التوراة، ولكن له هيمنة وسلطا، يبقي ما يبقي، وينسخ ما ينسخ، وما يثبت أنه نسخ من أحكامها فهو منسوخ؛ لأن له الهيمنة الكاملة.
وفي القصاص الشريعة باقية، وفي التوراة كما هو في القرآن جواز العفو عن القصاص؛ إذ يقول سبحانه: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَه﴾ ، والقصاص ثبت بالقرآن، فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٨، ١٧٩] .
وهكذا نجد ذكر الأحكام الثابتة التي لم يعترها تغيير ونسخ بطريق القصص نوع من تصريف البيان وتثبيت الأحكام.
стр. 151
أسلوب القصص في القرآن:
٨٨- قد ذكرنا في القول الأسبق ما يختص به أسلوب القرآن من صور بيانية في ألفاظه، فكل لفظ يعطي صورة بيانية يناسب المقام الذي ذكر فيه، ويتجمع من الأسلوب صورة بيانية تكون الصورة اللفظية أجزاء فيها، وإن كان لها صفة الاستقلال، ومن المجموع تتكون صور تصوّر المعاني، ويكون لها أطياف في اجتماعها وانفرادها.
وذلك ثابت في أسلوب القصص، كما هو ثابت في كل أساليب القرآن الكريم من غير تخصيص فيها، بل كلها درجة واحدة يعجز البشر عن أن يصلوا إليها، فكل لفظ له إشعاع نوراني يشع منه، وكل جملة ينبثق منها النور الإلهي الذي تنطفئ بجواره كل الأنوار.
ومع هذا فالقصص القرآني باعتباره قصصًا، فيه إخبار عن أمم ووقائع وأنبياء يجادلون أممهم وأشخاص يعاندونهم، وأن القصص يمتاز مع الصور البيانية التي تنبعث من الكلام مجردًا، يصور أخرى تصور الأشخاص والوقائع والمشاهد، فإذا ذكرت حال شخص صور تصويرًا واضحًا كأنك تراه وتشاهده، والعبارات تصور حاله من خوف، أو حنان، أو انزعاج أو جحود، وكأن المعاني صور واضحة في الشخص المتحدث عنه، ولو أن مصورًا متحركًا يصور الشخص في مشهد من مشاهد الذعر، ما كان أكثر تصويرًا من الألفاظ القرآني والأساليب في تصويرها.
ولنذكر في ذلك بعض ما تلونا من قبل، لنعيد تلاوة حا أم موسى وقد ولدت ولدها، وهي تعلم أن فرعون يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم، وتضطرها الفطرة الملهمة التي كانت بمثابة وحي أو هي وحي لها أن تلقي ولدها في اليم؛ لأنه خير لها أن يلقى لقدر الله تعالى وقضائه، من أن يذبح بين يديها، وهذا ما نعيد تلاوته، وما أطيب القرآن في إعادة تلاوته: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ، وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ٧-١٢] .
إن القصة ترينا صورة أم مضطربة منزعجة خائفة لما أثقلت ألقت حملها، فإذا أثقال جديدة، إنما تريد نجاته، فيعلوها الاضطراب والخوف والفزع، وإذ الإلهام يجيئها بإلقاه باليم مع إثلاج قلبها بألَّا تخاف وألَّا تحزن، ومَنَّ الله تعالى عليها بالاطمئنان بأنه سيعود إليهًا، وهكذا يكون الاطمئنان في موطن الخوف، والقرار في موطن الاضطراب، والسكون في موطن الهلع، يغيب عنها فلذة كبدها فيفرغ قلبها، ويغلب الفزع على الاطمئنان وهي تغالب حال الفزع بحال الاطمئنان إلى أن وعد الله تعالى بالاطمئنان، ويصطرع الأمران في نفسها، يغلب الإلهام فتطمئن، ويغلب الفزع القلبي
стр. 152
فتكاد تبدي أمرها وتظهر سرَّها، ولو علم به أعداؤه وأعداؤها أعداء الله تعالى؛ ولكنَّ الله تعالى يربط على قلبها بالصبر وهي تصبر، ولكنها لا تسكن بل تتحرك بعمل، فترسل أخته لتتقصى أخباره، وتتعرَّف أحواله، فترى المعجزة الكبرى؛ إذ يمتنع عن المراضع، حتى يعود إلى أمه وتأخذه أخته إلى الأم التي تضطرب بين اليأس والرجاء، بين الأمل الباسم والحرمان الدائم.
اقرأ النص القرآني، وتراه مصورًا لحال تلك الأم الرءوم، فهل تجد مصورًا متحركًا أو واقفًا يستطيع تصوير هذه الحال، ولكنه القصص القرآني المصور الذي نزل من عند الله تعالى.
٨٩- ولنعد إلى قصة موسى وقد تربَّى في قصر فرعون، حيث الترف والبطر، وفي جو الغطرسة والسلطان ومن يدَّعي لنفسه الألوهية، فهل شعر موسى بما يشعر به المترفون المسرفون الذين يستعبدون الناس، ولكنه في الوقت ذاته كان يعيش في أحضان قومه، حيث كان على كثب ممن يقتل فرعون أبناءهم ويستحي نساءهم، فهو البعيد عنهم بحسه القريب منهم بنفسه، يعيش معهم وإن جفاهم في المسكن والإقامة، ولذلك كان القريب في قصر فرعون المستأنس بمن يئويهم فرعون، فيعيش معهم.
ولقد بدا ذلك على أكمله يوم أن بلغ رشده،, واستطاع أن يخرج من محبس فرعون في النعم، ويلاقي الحياة التي يلاقيها قومه، ولقد قص الله قصصه بعد أن بلغ رشده، وصار رجلًا سويًّا، في أسلوب ينُمُّ على الرغبة في الجهاد وتحمل شدائد الحياة، فيقول سبحانه في أحسن قصص مصور: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [القصص: ١٤، ١٥] .
خرج موسى من المحبس، ودخل المدينة، وأهلها لا يتوقعون أن يخرج رجل في ظل القصر، إلى حيث الشعب، ينازل من ينازل ويسالم من يسالم، إلى حيث الحياة اللاغبة العاملة، فكان ذلك مفاجأة، عبر عنها القرآن بقوله: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ ، وخرج ونفسه مملوءة غيظًا على الذين كانوا أداة في يد فرعون يسوم بهم الناس عذابًا، فوجد مصريًّا يقتل واحدًا من شيعته، فسارع إليه دفاعًا عن اليهودي المعتدى عليه، فاندفع فقتل المصري.
ولكنه قد استرجع ضميره الذي كان في غفوة بسبب العداوة المستحكمة بين العنصرين، وبسبب ما رأى من فرعون ومن معه من جند وأشياع، وأهل مصر صامتون كدأبهم عندما يرون ظلمًا عنيفًا صارخًا يقفون كالنظارة، لا يتحركون لظلم واقع، ولا لهم مستحكم مانع.
стр. 153
وتكررت المأساة بين اليهودي الذي استنصره بالأمس ومصري آخر، فيقوى صوت الضمير على استغاثة اليهودي، ويعلم أنه فرعوني ضالّ كثير الشكاس، وأن المصري مظلوم في معاملته، ولكنه مع ذلك تغالبه في نفسه مشاعر، فهَمَّ بأن يبطش بالذي هو عدوّ لهما، عندئذ نطق المصري لائمًا مذكِّرًا موسى بأنه يريد أن يكون جبارًا في الأرض، وما يريد أن يكون من المصلحين الذين يعلمون على الإصلاح بين المتخاصمين من غير إضافة اعتداء إلى اعتداء، ويقول له من عتب لائم: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩] .
وموسى في نفس حائرة بين عزِّ الدنيا وقد تركه وراء ظهره، وجعل نداءه دبر أذنه، وبين الحق والعدل والإخلاص وهو إلى الثاني يميل، ومن الأول ينفر، وبينا هو على هذه الحال يتردّد بين ماضٍ مريح، وجديد يريد أن يخوض في شدائده؛ ليعيش كما يعيش قومه، فيشاركهم في ضرَّائهم وإذا النذير ينذره: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] ، قضي الأمر وانتهت الحيرة، واستقبل الحياة الجديدة بلأوائها وجهًا لوجه، ولنترك القول لكتاب الله تعالى يذكر لنا حاله من بعد ذلك الإنذار؛ إذ نجد التصوير الذي تعجز عنه كل أدوات التصوير الساكن والمتحرك، وهو يصوّر موسى قد أحس بخطر قوم فرعون، وفرعون وآل مصر يترقبونه، فالله يقول في كلام مصوّر للأرواح والأشباح: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ، وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢١-٢٤] .
تصوير للحيرة، قريب النعمة خائف يترقب المتتبع والمترصد، ويتوجه من ريف مصر وخضرته إلى لفح الصحراء وجدبها، ثم هو يحس بالحاجة وهو الذي كان يتناول ويرمي؛ وإذ لفحته الشمس أوى إلى الظلِّ، لا يرجو إلَّا الله، ويعلم أن الله تعالى لا يتخلَّى عنه.
وإني مهما أحاول من تصوير للقصة بعبارتي، فلن نصل إلى ما يقع في نفس القارئ إذا تلاها مجردة من غير تعليق عليها، إنها تصور ربيب النعمة في صورة كأنها المرئية، وكأنها مشاهدة محسوسة، وليس أخبارًا مكتوبة أو متلوة.
إنه حائر، فيفاجأ بإحدى المرأتين تأتيه تمشي على استحياء، وهي تدعوه إلى أبيها ليجزيه أجر ما سقى لهما، ويذهب الشاب القوي إلى الشيخ الضعيف، وهنا يرى
стр. 154
الشجرة الوارفة في وسط الصحراء، ويجد الحياة الزوجية وراحة الحياة بعد شقائها، ويذوق طعم الدنيا، ولم يكن في بيت فرعون يذوقها، ذلك أنَّ النعيم معنى نسبي لا يذوقه إلا من ذاق الألم في هذه الدنيا، والنعيم من غير ألم يرنقه يكون راحة عفنة، فموسى ﵇ بعد أن نال عيشه بالكدِّ واللغوب، وعاش بين الرجاء والخوف أحسَّ بطعم الحياة ومعناها، وتأهَّب للرسالة؛ لأن الرسالة لا تكون إلَّا لمن اصطفاهم الله تعالى ممن ذاقوا طعم الحاجة وعزة الحق، ولم يترفوا بالنعيم، وكذلك أمر النبيين والصديقين، وكذلك كان تاريخ كل الأنبياء، وخصوصًا أولي العزم من الرسل.
هذا، وإنَّا نطالب القارئ أن يقرأ أيّ جزء من قصة موسى، فإنك تراه مصورًا للموقف الذي يعرض له أبدع تصوير؛ وكأنك تشاهد، ولا تسمع وتتلو، وإنه لهو القصص الحق.
٩٠- وإنك إذا قرأت مجادلة المشركين مع نبي من الأنبياء، كنوح وإبراهيم وعيسى وشعيب وهود، تحسّ بأنك تشاهد مشهدًا مرئيّا، لا أنك تستمع إلى كلام متلوّ، فتنتقل أنت وعقلك وجوارحك كلها إلى هذا المشهد الكريم الذي يصور عقلية الذين يجالدون، وما يبذله الرسول، وما يتحمّله في سبيل إقناعهم أو إلزامهم كلمة التقوى، ولا يريدونها، اقرأ مجادلة نوح ﵇ لقومه، وهم يجادلون في الله، ونوح يريد أن يهديهم بأمر الله تعالى، واتل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ، فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ، قَالَ يَا قَوْم أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ، وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ، وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ، قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِين﴾ [هود: ٢٥-٣٣] .
هذا مشهد من مشاهد القول تجد فيه مناقشة قوية بين دعوة الحق، وجحود أهل الباطل، وتراه كأنَّه مصور أمام البصيرة، وترى فيه صاحب الحق يدلي بالبينات، والحق وحده أبلج، وترى فيه أهل الباطل يتخذون من الحس دليلًا على الحق، وحسهم
стр. 155
كاذب، فيستدلون على أنَّ الدعوة ليست دعوة حق بأنَّ أتباعها الفقراء الأرذلون في أعينهم الذين يزدرونهم، والنبي ﵇ يجادلهم بالتي هي أحسن، وهو يسوق البينات، ولكنهم يتبرَّمون بدعوة الحق.
ولا شك أنَّ العبارات تدل على المعاني المقصودة فقط، بل وضعت الألفاظ ومعانيها وأطيافها في بيان مصوّر يسكن به الخيال والنفس، كأنَّه واقع محسوس لا قصص متلو فقط.
وبعد ذلك بَيِّنَ الله تعالى لنوح أنَّهم لا يؤمنون، ولم يبق إلَّا إنزال العقاب بهم، واقرأ صورة العقاب تراه قصصًا مجردًّا، ولكنَّه مشهد واضح بيِّن يصل إلى درجة المرئي للقارئ المتنبه، اقرأ قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ، وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ، وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُوَ، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ، حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ، وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ، قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ، وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ، قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ، قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [هود: ٣٦-٤٨] .
ذلك هو بعض قصص نوح ﵇ من وقت أن يئس من إيمانهم وأخبره ربه العليم الحكيم أنَّه بلغ الحجة وحقق الرسالة، وأنَّه لن يؤمن أحد من قومه لم يكن قد آمن، وأن العقاب نازل لا محالة، وترى كل نص من نصوص هذا الجزء من القصة مصورًا بيانيًّا لما أنزله تعالى، فترى جزءًا يصور كيف أخذ نوح يبني سفينته، والقوم ينظرون إليه ساخرين غير عالمين بالعاقبة التي تنتظرهم، والغاية التي قدرها الله تعالى
стр. 156
من هذا البناء والخيال يرى الصورة من وراء العبارات كأنَّها بين يديه حقيقة بالعيان وليس خبرًا من الأخبار، وإن كان يذكر من أعلى صور القصص المصور. ثم ترى الإيذان بالابتعاد عن موطن الغرق، وقد فار التنور، وإنِّي قد أدرك من هذا أنها كانت تسير بالبخار إذا فار التنور فتحرَّكت بعد أن فار، والله تعالى أعلم بمراده، وإن كان اللفظ دالًّا، بل هو مصور لتنور فار فحرَّك ببخاره ما حرك من آلات تسير السفينة، وتجري بهم في موج كالجبال، والقارئ يرى في هذا صورًا تثير الخيال، وتجعل الخبر مرئيًا أو كالمرئي، وإن ذكر الموج في هذا المقام يصور كيف كان السيل عارمًا، وأنه لم يكن غيثًا، حتى لم يبق إلّا من خرج بالسفينة نجيا.
ثم نجد في ذلك القصص أمرًا معنويًّا مصورًا كأنه ملموس، وهو حنان الأب ورفقه بولده، فقد رأينا في النبي المجاهد عاطفة الأبوة تعلو؛ فينادي ابنه، وكأننا نسمع النداء في مشهد من مشاهد الأبوة، ثم نجد الابن وقد غرَّه غرور الصبا، والابتعاد عن التصديق، حتى حسب أنه بمنجاة من الغرق؛ إذ اعتصم بحبل آوى إليه، وحال بينه وبين أبيه الموج، فكان من المغرَقين، والأب تنفطر نفسه، فتغلبه شفقة الأبوة عن رؤية أمارات الموت، ويتَّجِه إلى ربه باكيًا حزينًا إذ نجا أهله إلّا ابنه فيقول، وكأنَّنا من فرط التصوير نسمع أنين الأب، بعد أن نجا كل من في السفينة، وقد استوت في طريقها وهلك ظالمون، يضرع إلى ربه يقول: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ ، وكان قد وعده ربه بأن ينجي أهله، فيقول: إن وعدك الحق، وأنت أحكم الحاكمين، وهنا نجد رب العالمين يبيِّن أنه داخل في عموم الكافرين؛ لأنه كفر، وأهلك هم الذين آمنوا، ولم يعارضوك، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ .
تعارض العطف مع الو اجب، فتحت قوة العاطفة الأبوية نطق بما نطق فنبهه الله تعالى إلى الواجب، ولم ينبه غافلًا، ولكنه نبَّه يقظًا مؤمنًا ضارعًا وإن كان قد ناجى ربه بصوت البشرية، فتاب و ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ .
стр. 157
القصص الحق المصور في أهل الكهف:
٩١- ومن أروع القصص القرآني المصوّر في صدقه، وسرد حقائقه قصة أهل الكهف التي هي آية وحدها في التصوير البياني القصصي الصادق، وهي في كل جزئية تصور الأمر كأنَّه مرئي بالحس، لا مذكور بالخبر وحده، واقرأ قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا، إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا، فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا، ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى، وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا، هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا، وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا، وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا، إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا، وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا، سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا، وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا، قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٩-٢٦] .
هذه قصة أهل الكهف والرقيم، وهو الحجر الذي رقم عليه أنه رمز لمأواهم ليكونوا عبرة، وليكونوا دليلًا ناطقًا على الإيمان بالبعث والنشور، وإن الذين يجحدون بهما يرونهما عيانًا فيهم؛ إذ بعثهم الله ، وقد حسبوا أنهم مضى عليهم يوم أو بعض يوم.
والقصة الكريمة كما ذكرها القرآن الكريم في قصصه الحق لها مشاهد تذكر كأنها ترى، وكأن الإنسان يعاين وقائعها، وفي أسلوب قرآني قصصي يؤخذ منه مغزى القصة في غير التباس، ولا ارتياب.
стр. 158
المشهد الأول: إبواء فتية آمنوا بربهم، وزادهم الله تعالى هدًى، وقد فرّوا من الوثنية إلى الوحدانية، ومن الوثنيين إلى جوار ربهم، وقد ربط الله على قلوبهم، فاستمسكوا بإيمانهم، واعتصموا بربهم، وكان الإيمان قد سَكن وعاء القلب، فربط الله تعالى بالصبر حتى لا يخرج من وعائه الذي استقرَّ فيه واطمأنَّ، فلا يتشعع أمام أي حادث، وإنَّ الإيمان إذ سكن واطمأنوا كانت رحمة الله تعالى أن ضرب على آذانهم، بمعنى: إنَّه خيَّم عليها فأصبحت لا تسمع لغو الحديث، وأنهم إذا آووا إلى الكهف قطعهم الله تعالى عن لغو الوثنية وظلم أهلها، فاجتمع لهم الإنزواء عن الناس والبعد عنهم بالحس، فلا يرون الناس ولا يسمعون عنهم، وساروا في غيبوبة كأنهم الموتى، وليسوا أمواتًا، وتحسبهم أيقاظًا وهم رقود، وكل ذلك في تصوير قصصي كأنَّ التالي للقرآن يراهم، وهم يهرعون إلى الكهب يأوون راجين الرحمة والرشاد، مبتعدين عن الآثام وما في الدنيا، وقد زادهم الله تعالى فجعلهم رقودًا، وهنا نجد الصورة واضحة أن ناسًا يظن أنهم أيقاظ وهم رقود، وقد بقوا على ذلك سنين عددًا تجاوزت ثلاثمائة.
والمشهد الثاني: بعثهم، وقد اختلف الناس في أمر المدة التي استمرّوها في الكهف، وقد مرَّت الأجيال، وهم يحسبون أنهم أيقاظ، فقد استمرّوا كما ذكر في القرآن الكريم ثلاثمائة سنة وزادوا تسعًا.
ويجيء بعد البعث الكلام في المدة التي مكثوها، والسبب في اختيار مأواهم، فقص الله خبرهم بالحق تفصيلًا بعد أن ذكره إجمالًا، لقد قاموا من سباتهم، وهم يرددون إيمانهم بالله تعالى، واعتراضهم على أقوامهم، ويحكون ما كان منهم مع أقوامهم ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ وأنَّ قومهم اعتزلوهم وهم لا يعبدون إلّا الله تعالى، ونرى الصورة القصصية واضحة بينة، هادية مرشدة تصور الملاحاة بينهم وبين أقوامهم، حتى اعتزلوهم معتصمين بربهم، مؤمنين به، وهذا المشهد كل أجزائه واضحة، حتى إنه يصور الكهف ومن فيه، وخرجوا منه في مشهد واضح بيِّن، هو كالعيان بتصوير القرآن الكريم.
والمشهد الثالث: منظرهم وهم رقود، وحال الكهف وصورته، فهم في فجوة منه يتَّجِهون فيه إلى الشمال، الشمس تخرج لهم من المشرق يمينًا، وتودِّع الكون في غربهم، فالشمس والهواء، يحيطان بهم، وذلك أصلح مكان؛ إذ يستقبل الشمس في غدوها طالعة، وفي غروبها رائحة والهواء من البحر يجيء إليهم، فينعشهم نسيمه العليل، فأسباب الحياة الطيبة قائمة ومهيأة لهم وهم رقود، وإن كان الرائي يحسبهم أيقاظًا، والوصف القصصي يصور المكان كأنَّ القارئ للقرآن يراه، وهو يتلو كتاب الله تعالى.
стр. 159
وإنهم في هذه المنامة يتقلبون كالأيقاظ الأحياء بإرادة الله تعالى وأمره الكوني ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ ، ولا يترك القرآن الكريم من الصورة المكانية شيئًا إلا بيَّنَه وصوره، فيذكرهم وكلبهم يحرسهم وهو بالوصيد، وهو فجوة بالجبل الذي فيه الكهف، فالتصوير القصصي كامل يرى فيه القارئ صورة للمكان، وكأنها مصورة بصورة باهرة، وليست كلامًا متلوًّا، ولكنه كلام الله تعالى العزيز الحكيم.
وإنَّ المكان فيه رهبة وحالهم فيه هيبة ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ .
المشهد الرابع الذي تصوره القصة، وقصص القرآن كله حق لا ريب فيه، وهو تيقظهم بعد الرقدة، وحالهم وقد رأوا الحياة اللاغبة التي كانوا عنها غافلين، وكانوا فيها راقدين، وأوّل سؤال توجّهوا به، سألوا به أنفسهم، كم لبثوا في منامهم، وقد سالهم هذا السؤال واحد منهم، فقالوا كأنهم مجمعون أنهم لبثوا يومًا أو بعض يوم، ولكنهم كشأنهم لم يتخبَّطوا، ولعلهم ظنّوا أن المدة أطول من ذلك، ولذلك قالوا: ربكم أعلم بما لبثتم، وهنا نجدهم اتجهوا إلى الحياة يطلبون رزقهم، ومعهم نقود فضية قد ضربت منذ تسع وثلاثمائة سنة تكشِف للناس عن أمرهم، وكانوا ككل أهل الإيمان أهل تسامح، فقد طلبوا من مبعوثهم أن يتلطّف، وألَّا يشعر بهم أحدًا، حتى لا يكون منهم أذى، ويظهر أنهم بهذه النقود عثر الناس على أمرهم، وعرفوا حقيقتهم، وكان إلهام الله بذلك ليعرف الناس حقيقتهم، وتكون حياتهم في الكهف ورقدتهم فيه دليلًا محسوسًا على أنَّ وعد الله تعالى بالقيامة حق، ولذا قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ وهذه كلها مشاهد في القصة تعاين فيها أحداثها في قصص محكم.
стр. 160
التصريف في صور العبارات القرآنية:
٩٢- من أدل شيء على بلوغ القرآن أعلى درجات البلاغة تصريف المعاني والألفاظ في كل باب من أبواب القول، وقد أشرنا إلى ذلك في أول كلامنا في بيان تصريف الكلام القرآني، وتصريف القول يتناول الألفاظ، وتصريف الألفاظ يتضمن لا محالة تصريف المعاني؛ لأنه لا مرادف في القرآن، ولا يوجد أسلوب يؤدي معنًى يؤديه الأسلوب الآخر، وإن كان يبدو بادي الرأي أن المعنيين يتحدان في جوهر المعنى، ولكن عند التامل في الإشارات البيانية التي تشير إليها الألفاظ، والتي تطيف حولها وتشع منها، تجدها مختلفة، وإن كل تغيير في العبارات القرآنية عن أخواتها في مثل موضعها يحدث تغييرًا في المرامي، ولمح القول، حتى الوقوف والفواصل تؤدي باختلاف نغمها ما لا تؤديه مثيلاتها ممَّا هو في موضوعها، وإن النغمات القرآنية التي تتخالف أحيانًا تكون كل نغمة في مقامها تومئ بموسيقاها إلى إشارة لا تومئ إليها نغمة أخرى لآية في هذا الموضع نفسه.
ولنضرب في ذلك بعض الأمثال في الاختلاف في الأسلوب، والموضوع واحد، وتغيّر المعاني ورفقها، وكل فيما يناسبه.
стр. 161
الاستفهام والنفي:
٩٣- لا شكَّ أن النفي المجرَّد والنفي بطريق الاستفهام، كلاهما يدل على أصل النفي، ولكن النفي بطريق الاستفهام أقوى دلالة في معنى النفي؛ لأنَّ النفي بالاستفهام فيه معنى أنَّ المخاطب سبق إلى النفي، فكان النفي من القائل، والإقرار به من المخاطب، اقرأ قوله تعالى في ادّعاء المشركين أن الله تعالى حرَّم بعض الأطعمة، فنفى الله ذلك بقوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ، قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ، قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعامخ: ١٤٨-١٥٠] .
ألا ترى أن هذا الاستفهام للنفي؛ إذ المعنى الجملي: ما عندكم من علم بأن الله تعالى حرَّم عليكم، إن أنتم إلّا تخرصون، تتوهمون ما ليس له حقيقة واقعة.
ولا شك أن المجيء بصورة استفهام فيه مزيتان؛ إحداهما: تنبيه إلى أنه كان يجب عليهم قبل أن يعتقدوا أن يتعرَّفوا الدليل الذي يسوغ لهم العلم حتى لا يقولوا على الله ما لا يعلمون. والثانية: إنَّ في الاستفهام حملًا لهم على أن يقروا بالنفي، وفوق ذلك كله فإنَّ سياق الكلام فيه توبيخ لهم؛ لأنهم بنوا عقائدهم على أمور باطلة لا أساس لها من حق ولا علم، وأنَّ هذا نوع من الاستفهام الذي يراد به النفي يعبر عنه علماء البلاغة بأنه استفهام إنكاري؛ لإنكار وقوع موضع الإنكار، وهناك إنكار يقال له: إنكار الواقع، وهو يكون في معنى التوبيح على ما وقع على أنَّه لا أصل له.
اقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] ، وهذا إنكار لما وقع منهم، وإنكار الواقع توبيخ؛ ذلك لأن المشركين كانوا يوجبون الطواف عراة، وكانوا يحرمون البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، والله نفى ذلك التحريم بهذه الصيغة ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي
стр. 162
أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ والنفي بصيغة هذا الاستفهام فيه مبالغة؛ لأنَّ فيه إشارة إلى أنَّه لا يسوغ لعاقل أن يكون منه ذلك التحريم؛ لأنه عمل غير معقول في ذاته؛ إذ المؤدَّى: لا أحد حرم زينة الله من لباس ساتر، ولا أحد يحرم طيبات الرزق التي لا خبث فيها من حيث الحقيقة، ولا من حيث المعنى، ما دام طريق الكسب طيبًا، وأنَّ الله لا يأمر إلّا بالقسط الذي يتفق مع الفطرة، ولذا قال تعالى من بعد ذلك: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] .
وقال سبحانه من قبل هذه الآيات: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ، فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ، يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٢٩-٣١] .
٩٤- وقد ذكر عبد القاهر في كتابه "دلائل الإعجاز" الحكمة في سبب تسمية الاستفهام بالإنكاري، سواء أكان لإنكار الوقوع بمعنى النفي، أم لإنكار الواقع بمعنى التوبيخ، فقال -رضي الله تعالى عنه:
"وأعلم أننا وإن كنا نفسِّر الاستفهام في مثل هذا الإنكار بالنفي، فإن الذي هو محض المعنى أنَّه ليتبين السامع حتى يرجع إلى نفسه، فيخجل ويرتدع، ويبين الجواب إما لأنه قد ادَّعى القدرة على ما فعل ما لا يقدر عليه، فإذا ثبت على دعواه قيل له: فافعل، فيفضحه ذلك، وإمَّا لأنه همَّ بأن يفعل ما لا يستصوب فعله، فإذا روجع فيه تنبه، وعرف الخطأ، وإما لأنه جوَّز وجود أمر لا يجوز مثله، فإذا ثبت على تجويزه وبّخ على تعنته، وقيل له: فأرناه في موضع وفي حال، وأقم شاهدًا على أنه كان في وقت. ولو كان يكون للإنكار، وكان المعنى فيه من بدء الأمر، لكان ينبغي ألا يجيء فيما يقوله عاقل: إنه يكون حتى ينكر عليه، كقولهم: أتصعد بي إلى السماء، أتستطيع أن تنقل الجبال، أإليّ رد ما قضي من سبيل".
ومؤدَّى هذا الكلام أنَّ الإنكار إذا كان نفيًا لوقوع أمر فمؤدَّاه أن الأمر لا يقع، ولا يعقل أن يقع، فهو نفي مؤكد؛ إذ هو ليس نفيًا للفعل فقط، بل هو نفي له مع بيان أنه لا ينبغي ولا يجوز أن يقع، وإذا كان الفعل قد وقع فهو توبيخ على الوقوع، واستنكار له، كما رأيت في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] ، ويلاحظ أنَّ الإنكار سواء أكان إنكارًا للوقوع بمعنى النفي
стр. 163
أم إنكارًا للواقع بمعنى التوبيخ، فإنَّ فيه حمل الفاعل على الإقرار بالنفي أو إثبات ما أوجب التوبيخ.
٩٥- ومن الاستفهام في القرآن ما يكون لبيان الاستحالة، وهو يقارب في معناه نفي وإنكار الوقوع إلى حدِّ أنه يكون احتمالًا غير معقول، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ بمعنى: إنَّك تخلق فيهم بصرًا يبصرون به، وأن هذا فيه استفهام إنكاري، ويه استعارة تمثيلية، فقد مثّلت حالهم بحال الأصمِّ الذي لا يسمع، أو في آذانه وقر، وبحال من فقد البصر، وأن يطلب هدايتهم كمن يطلب السمع من الأصم، أو يطلب الإبصار ممن فقد البصر، فالاستفهام لاستحالة موضوع السؤال وأنه لا يقع.
ومن ذلك أيضًا الاستفهام الذي عبَّر به القرآن عن حال الجاحدين الذين يتوهمون أن الفقراء في الدنيا لا يمكن أن يكونوا هم أول المهتدين، متوهمين أنَّ الفضل بسعة الرزق وكثرة المال لا بالتقوى والمسارعة إلى الخير، فالله تعالى يصوّر حالهم بهذا الاستفهام، فيقول ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الأنعام: ٥٣] ، فالاستفهام على مقتضى نظرهم يوجب ألَّا يكون الله تعالى منَّ عليهم قبلهم، وذلك من فساد القياس؛ إذ قاسوا الفضل بمقياس المادة، ولم يقيسوه بمقياس الفضيلة والتقوى والمسارعة إلى الخير.
ومن الاستفهام الذي ينبئ عن استحالة الجواب قوله تعالى آمرًا نبيه:
﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] فالاستفهام هنا واضح أنه ليان استحالة أن يدعو النبي ﷺ ما يدعون من دون الله تعالى، وأنَّ حالهم في عقيدتهم الباطلة، كحال من يسير في بيداء، وقد استهوته الشياطين الصارخة فاندفع إلى غير هدى حتى تاه في المهمه القفر، وله أصحاب ينادونه فلا يستجيب لهم؛ لأن الباطل قد ضرب على قلبه؛ ولأن استهواء الشياطين قد غلب عليه.
ومن قبيل الاستفهام الداخل على ما لا يجوز التغيير فيه ما جاء على لسان إبراهيم ﵇، وقومه يحاجُّونه يريدون أن يردّوه، فقد قال تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي﴾ [الأنعام: ٨٠] .
ومن الاستفهام الذي يدل على استحالة موضوعه ما ذكره من أنه يوجِّه إلى السيد المسيح عيسى ﵇ يوم القيامة؛ إذ يقول سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّه
стр. 164
يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٦-١١٨] .
وهنا نجد تلك المجاوبة التي أعلمنا أنَّها ستكون بينه وبين المسيح عيسى ابن مريم -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتمّ التسليم، كان الاستفهام فيها لبيان استحالة أنَّ ابن مريم قال لهم: اعبدوني وأمي واتخذونا إلهين من دون الله، ولذلك جاءت الإجابة على السؤال باستحالة موضوعه، وأنَّه ما كان ولا يمكن أن يكون من عبد الله ورسوله عيسى ﵇.
٩٦- ومن الصيغ الاستفهامية تلك التي تجيء في القرآن الكريم ما يكون للإفحام والرد؛ كالرد بالصيغة الاستفهامية؛ إذ يقول عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة: ١٨] .
وإن ذلك الاستفهام مع دلالته على استنكار قولهم فيه دلالتان أخريان:
إحداهما: إعلامهم بأنَّه سيعذبهم بذنوبهم، وأنهم مأخوذون بما يقرفون من سيئات، وما يجترحون من مآثم ومظالم.
الثانية: الدلالة على أنَّ عمل الخير له ثوابه، وعمل السوء له عقابه، وأنَّ من يقول غير ذلك فهو مبطل، وما كان لهم أن يدعوا محبَّة الله، وأنَّهم منه بمنزلة الأبناء من الآباء، ومع ذلك يعصونه، وينشرون في الأرض الفساد.
فهذا استفهام مع ما فيه من إحكام واستنكار يتضمَّن معاني سامية، فيها التهديد لمن عصى، والتبشير لمن أطاع.
وهنا لون من ألوان الاستنكار تراه منصَّبًا على المساواة الظالمة بين الخير الأدنى، وما هو أعلى منه، كما في قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٩] .
стр. 165
لقد كانت قريش تتنافس على السقاية وسدانة البيت الحرام، وتتسابق إلى عمراته إن احتاج إلى عمارة، ويحسبون أنَّ ذلك يجعل لهم فضلًا على الناس ولو كانوا مشركين، وقد قرَّر سبحانه أنَّ الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والتقدم لفداء الحق ونصرته لا يساويه مجرَّد السقاية والسدانة والعمارة، ولو كان لبيت الله الحرام الذي هو مثابة للناس وأمن، فالإيمان والعمل الإيجابي لنفع الناس وحماية الحق والذود عنه هو في المكانة السامية، وقد أتى سبحانه بذلك في صيغة استفهام إنكاري، وهو منصَبٌّ على التسوية بين الأمرين، وهو استنكار فيه توبيخ، وفيه إبطال للباطل، وإحقاق للحق، وإعلاء لشأن الإيمان والجهاد، وأنَّه فوق كل شأن.
ومن الاستفهام الذي يحكي عن المشركين الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ما يذكر على سبيل الاستغراب، وظنّ الاستحالة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا، قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا، أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٤٩-٥١] .
ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الرعد: ٥] .
وإنَّ هذه الاستفهامات هي من قبيل الإنكار والاستغراب، فترى المشركين يعلنون إنكارهم للبعث، ويستغربون أن يكون، يسغربون البعث في ذاته، ويقرنون ذلك بحال الذين يموتون من بعشرة أجسامهم بعد أن يصيروا رفاتًا، ويضيفون إلى استغراب البعث في ذاته ما يقررونه في اعتقادهم من أحوالهم، يحسبون أنَّها تبرر الإنكار، أو تزيد الاستغراب، فيسألون من الذي يبعثهم من مراقدهم، ويوهم قولهم أن ذلك غريب.
وفي سورة الرعد في النص لاذي نقلناه يستغربون ويتعجبون، بين الله تعالى أن موضوع العجب هو عجبهم؛ لأن البعث فيه سر الوجود، إذ إنهم لم يخلقوا عبثًا، وإذا كان الابتداء ليس فيه عجب، فالإعادة ليست فيها عجب أيضًا، فالاستغراب موضوع استغرابهم هم.
وإنا نجد في كل الأمثلة التي ذكرناها في الاستفهام تصريفًا في القول يوجد جدة في كل جملة عن سابقتها، وإنَّه لو كان النفي أو الاستغراب والتعجب أو الاستنكار والتوبيخ بلغة واحدة ما كان التنويع في التعبير، الذي هو ميزة لكل كلام، فضلًا عن أبلغ كلام رأته الإنسانية؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا
стр. 166
من خلفه، وإنَّه بديع في نسقه، في أعلى درجات الإبداع، وإنه كما قال الكافر الذي سمعه يعلو، ولا يعلى عليه، وأنه ذو القطوف الدانية، والجمال دائمًا.
٩٧- ومن الاستفهام ما يكون تقريرًا للواقع، وذلك يكون في الحال التي تستوجب العجب، أو توجب الاستنكار؛ إذ يكون الواقع المقرر مستنكرًا؛ لأنه ليس من صنيع أهل الإيمان، ولا مما تستسيغه الفطرة السليمة، أو تستحسنه الأخلاق الحكيمة، اقرأ قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ١-٧] .
وإنَّ هذا الاستفهام التقريري الذي يؤكد الرؤية العالمة من النبي ﷺ ، فإن معنى: أرأيت، لقد رأيت الذين يكذبون بالدين، وأن مجيء العبارة بطريق الاستفهام فيه تأكيد لمعنى الرؤية لأولئك الذين اتَّصفوا بهذه الصفات الغريبة التي تتماسلك فيها كل صفة مع أختها، كأنها ملازمة لها لا تفترق عنها، وكأنها منها، فالتكذيب بالدين هو صفة الجاحدين، لا يؤمنون بالحق ولا يهتدون بهديه، وأولئك دأبهم النفرة من الناس، وألَّا تكون فيهم رحمة بالضعيف، فهم يقهرون اليتيم ويذلونه ويرهقون، ويمنعون كل عون؛ إذ يمنعون الزكوات التي هي عون الأقوياء للضعفاء، وهم لا يتذكرون ربهم، ولا يدنون منه، حتى في الصلاة، وصلاتهم ويل عليهم، وليست قرية لهم، وهي محسوبة عليهم على أنَّها من السيئات، ولا تحسب لهم على أنها من القربات، وهم في أعمالهم يراءون، والرباء شرك خفي، ومن تصدق يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك.
وإن موضع الاستفهام هنا لا يغني عنه التقرير المجرد؛ لأن مؤدّى الاستفهام أنَّ المخاطب قد سُئلَ عن الرؤية مثلًا، فأاب عنها بالإيجاب، فكان تقرير الواقعة بإقرار من المسئول، فهو تقرير معه التصديق، وهو مع ذلك تنبيه إلى الصفات المرذولة التي اتصف بها أولئك الجاحدون بأصل الدين، من قهر اليتيم ومنع المسكين، والصلاة الساهية عن معنى القرب إلى الله تعالى، وهم يراءون الناس ويمنعون كل عون حقيقي.
ومن الاستفهام التقريري الذي يثير الانتباه إلى الحقائق التي يتضمَّنها قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ، قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦، ٤٧] .
إن هذه الآيات الكريمات فيها عدة استفهامات أولها تقريري، وهو تقرير الرؤية كأنهم سئلوا عنها، فأجابوا بالإيجاب، فكان التقرير مؤيدًا بالإقرار، وكان حكمًا مؤيدًا.
стр. 167
بالدليل، وهو الإقرار سلطان الأدلة، والاستفهام كان موضع الاستفهام الأول، وهو قوله تعالى: ﴿إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ وهو استفهام في معنى النفي، فهو إنكاري، أي: إنَّه لا إله غير الله يأتيكم، فهو يتضمَّن مع النفي إقرارًا من السامعين بأنه لا إله غيره، وإثارة العجب ممن لا يقرون بهذه الحقيقة، فهي موضع البرهان، وقد تضمَّن النص الكريم استفهامًا ثالثًا لتوجيه النظر إلى ما يصرفه القرآن من أدلة مختلفة، وذلك الاستفهام توجيهي تنبيهي تقريري، وهو قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ فقوله: ﴿كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ فيه توجيه النظر إلى تصريفه للآيات، وجاء بصيغة الاستفهام لتصوير التصريف في الآيات التي أنزلها الله تعالى، أو كانت في الكون، وما كان ذلك التصور لها ليتحقق إذا لم تكن الدعوة إلى النظر، ثم الاستفهام الذي يأخذ النظر ليضعه على ذلك التصريف، ثم كان الاستفهام متضمنًا معنى الاستنكار لحالهم؛ إذ إنهم مع تصريف الآيات وجعلها في صورها جديدة تسترعي الالتفات والاتجاه إلى إدراكها والتنبه لها، ومع ذلك -لكثرة جحدوهم ولجاجة الباطل في نفوسهم- يعرضون، ولا تستولي على نفوسهم، كشأن الفكرة المجددة، فإنها تسترعي الأفهام وتأخذ بالألباب، ولكنهم عموا، فلا يجديهم تصريف، ولا يأخذ بألبابهم تجديد الأسلوب؛ لأنهم معرضون، إنك لا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين.
وفي النص استفهام تقريري على منهاج لا يعرف إلّا في القرآن، فإني لم أقرأ كثيرًا في غير القرآن ذلك المنهاج الاستفهامي؛ إذ يقول سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧] فالتعبير في الاستفهام -أرأيتكم- ليس مشهورًا في الأساليب العربية، ونجد هنا الخطاب تكرر فيه، فالتاء المفتوحة خطاب، والكاف خطاب، والتاء خطاب للمفرد، والكاف خطاب للجمع، والتاء متجهة إلى مخاطبة النبي ﷺ ، والكاف متجهة إلى خطاب الجمع، فاجتمع خطاب النبي ﷺ وخطاب الجماعة، وذلك لأنَّ في الاستفهام تقريرًا لرؤية النبي ﷺ ، وتقريرًا لرؤية كل المخاطبين بالقرآن الكريم، وكان لا بُدَّ لاجتماع الخطابين، خطاب النبي ﷺ ؛ ليقرِّر الواقع وهو علمه ﵇، وتقرير الحقيقة الثابتة للناس أجمعين، وهي أنَّ عذاب الله الذي يجيء بغتة في خفاء أو جهرة في وضح النهار لا يهلك إلّا القوم الظالمون؛ فهو جاء لأجلهم منصبًّا عليهم، وهنا أمران يجب التنبيه إليهما.
أولهما: إنَّ الزمخشري ومن حاكاه كالبيضاوي وغيره قالوا: إنَّ الكاف حرف لتأكيد الخطاب لا موضع لها من الإعراب، فهي ليست ضميرًا، ولكنَّها من الحروف التي تبنى على غير محل من الإعراب، وحجتهم أنَّ رأى استوفت المفعولين من غير تقدير
стр. 168
الكاف في موضع الضمير، ونحن نميل إلى أنَّها ليست زائدة لتأكيد الكلام، وليست حرفًا، ولكنَّها اسم بمعنى أنفسكم، ويكون تأويل القول على هذا: أرأيت أنفسكم، وجمع ليشمل كل الناس وكل المخاطبين، وعلى هذا التأويل يكون المعنى: أرأيت أيها النبي الناس وقد صاروا عرضة لعذاب يعمّ الجميع أم يخص الظالمين الذين ظلموا أنفسهم وظلموا الناس وظلموا العقل فضلّوا وأضلوا كثيرًا، وأفسدوا في الأرض والله لا يحب الفساد.
الأمر الثاني: إنَّ قوله تعالى: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ فيه استفهام إنكاري بمعنى إنكار الوقوع، والمعنى: لا يهلك إلّا القوم الظالمون، واقتران الكلام بالوصف يدل على سبب استحقاق الهلاك وهو الظلم، فبظلم منهم هلكوا، وكان ذلك تأكيدًا للنفي بذكر السبب في أنهم اختصوا بالهلاك.
ومن هذا النوع في الاستفهام الذي اقترن بتاء الخطاب والكاف، وكان كلاهما بالمفرد، قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا، قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٢، ٦٣] .
والله يحكي عن إبليس اللعين وهو يخاطب رب العالمين، والاستفهام لتقرير الواقع لا لنفيه، والكاف على قول الزمخشري هي تأكيد لمعنى التأكيد، ونحن نرجِّح ذلك؛ لأن التاء مفرد والكاف مفرد، وهو تأكيد لفظي يتوافق فيه المؤكِّد مع المؤكَّد في الإفراد والجمع، أمَّا الاستفهام السابق فمعنى التأكيد فيه بعيد، للتخالف في الإفراد والجمع، وهذا النوع من البيان لتصريف القول، وقد ذكر طبيعة إبليس الفاسدة بأنه سيجعل ذلك الذي كرَّمه تعالى عليه الهلاك لذريته إلا قليلًا، وهذا من غرور إبليس، ومن يسكن الشيطان قلوبهم، وهذا كقوله: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩، ٤٠] .
ونلاحظ أنَّ دخول الاستفهام على رأي، مع وجود ضميري خطاب في جملة واحدة أو على قول الزمخشري: ضمير خطاب وحرف خطاب، هو استعمال قرآني، لا أعرف أنَّ العرب قد استعملوه كثيرًا قبل القرآن، وفيه من معاني الاستنكار أو التنبيه أو التعجب في أبلغ صور، وأنَّ هذا من سرِّ الإعجاز، ودليل على أن القرآن لم يكن علمه البياني عند العرب من قبله.
٩٨- والاستفهام أحيانًا يكون للتسوية بين أمرين، ويكون هذا لبيان وحدة النتيجة والغاية مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] ، وإن أداة الاستفهام في هذا ليست للاستفهام الحقيقي،
стр. 169
ولا للإنكار ولا للتعجب، ولا لغير ذلك مما ذكرناه من مقاصد للاستفهام، وفي النص القرآني تأكيد لجحود الذين كفروا، والإشارة إلى أنهم سبقوا إلى الجحود، فالأدلة مهما تكن قوية لا تجد مكانًا فارغًا لتملأه، ولكنها تجد قلبًا مملوءًا جحودًا، فلا سبيل لأن يدخل الحق، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] .
فهنا كانت التسوية بين أمرين من حيث الانتهاء إلى نتيجة واحدة، فإن الأمر الذي لا يكون ثمَّة مفر منه، يست
وي فيه الصبر والجزع من حيث إن كليهما لا يدفع المحظور، وإن كان الصبر أجدى؛ لأنه يوجد في الجملة قرارًا ورضا وتقديرًا للأمر، كما قال ﷺ : "إن صبرتم أجرتم، وإن جزعتم وزرتم".
وقد تكون ألف الاستفهام للترديد بين أمرين في ظاهر القول، وليست الغاية متحدة، والعقل يقرر صدق أحدهما في قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا، رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا، وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧-٢٩] فإن هذا الاستفهام ليس فيه تسوية بين أمرين في الحكم أو النتيجة والغاية، بل المعقول يثبت أحدهما وينقض الآخر بدليل من العقل والحس، فإنه لا شك أن الأشد خلقًا هو الأكبر حسًّا، والأعظم تأثيرًا، والأدق إحكامًا، وهو السماء بما يتصف فيها، وإذا كان سبحانه مالك السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما من دابَّة، فهو على ما يشاء قدير.
ومؤدَّى هذا الكلام نفي سلبي وحكم إيجابي، فأمَّا النفي السلبي فهو أنَّ الإنسان ليس أشد خلقًا، وأما الحكم الإيجابي فهو بيان سلطان الله القاهر فوق كل شيء.
وهذا النوع من الترديد إنما يكون دائمًا لحمل المخاطب على الحكم الصحيح، فهو لا يدل على التسوية، بل يدل على التفرُّق في الحكم، ولينطقوا بالصواب أو ليلتزموا به إن لم ينطقوا، أو ليفحموا إن لم يسترشدوا وضلوا، وهو استدلال على الحكم، ومن ذلك النوع من الاستفهام قوله -تعالت كلماته:
﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ، نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ، أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ، لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ، إِنَّا لَمُغْرَمُونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ، أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ، أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ
стр. 170
شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ، نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٨٥-٧٣] .
ونرى هذه الاستفهامات المتقابلة التي يجيء فيها بين الاستفهامين لفظ أم التي تدل على التعادل بالظاهر من اللفظ، ولكنَّها ليست متعادلة من درجة الحقيقة الثابتة، فهي مقابلة بين حق وباطل، للتنبيه على الحق بالدليل، والتنبيه بالاستفهام بطريق التقابل، فإذا الخالق هو الله سبحانه، فالفطرة والبداهة والحس تقرران الأول، فالحكم بلا ريب ينتهي بمقتضى التقابل هو أنَّ الخالق هو الله سبحانه، وكذلك الأمر في الزروع، وكذلك الأمر في الماء، وكذلك الأمر في النار.
فهو استفهام ليس على حقيقته، ولا للإنكار المجرد، ولكنه للتنبيه والاستدلال على الحق بالإشارة إلى البطلان الذي يكون في الجانب المقابل للحق، فإنه إذا بطل النقيض كان الحكم بصحة نفيضه، فإذا كان التردد بين كونهم الخالقين، والخالق هو الله، وتأكّد بالحسِّ بطلان وصفهم بالخلق، فقد ثبتت صفة الخلق لله تعالى، وبذلك يكون الاستفهام للتنبيه والاستدلال كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] .
ومن ذلك النَّوع ما حكاه الله تعالى عن سيدنا يوسف، وهو يقول لصاحبي السجن: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] ، فإنَّ هذا التقابل بين باطل تثبت البداهة بطلانه، وإذا بطل أحد المتقابلين صدق الآخر، فكان الاستفهام للتنبيه إلى الحق مؤيدًا بالدليل القاطع.
٩٩- والاستفهام للتنبيه كثير في القرآن، وكذلك لإثارة العجب حول ما يدَّعون من ترهات وأباطيل، وبيان وجه غرابتها، ولا يمكن إحصاء ذلك، واستقراؤه وتتبعه، ولكن يمكن ضرب الأمثال، وما يذكر يكون شاهدًا على ما لم نرطب ألسنتنا بتلاوته، ولا أسماعنا بالاستماع له والإنصات والتدبر فيه.
اقرأ قوله تالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ، فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ، فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ، فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٤-٢٩] إلى آخر القصة، وترى القصة ابتدأت بالاستفهام للتشويق وللتنبيه إلى الاستماع، وقد ابتدأت بعبارة فيها إجمال لتكون تمهيدًا لما يجيء بعد ذلك من التفصيل.
стр. 171
ومن الاستفهام الذي للتنبيه إلى قدرة الله تعالى، وهم لا ينكرون الجواب، فيكون الاستفهام للإقرار به وتقريره قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ، فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ، كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ، وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٣١-٣٦] .
ففي الآية الأولى كانت أربعة استفهامات عن الرزق من يرزقه، وعمَّن يملك السمع والأبصار فيسلبهما إن شاء أو يبقيهما، ويردهما إن سلبهما، وسألهم عمَّن يخرج الحي من الميت ومن يدبّر الأمر، فسيقولون الله في إجابة هذه الأسئلة، فجاء الاستفهام الأخير في هذه محرّضًا على التقوى؛ إذ إنَّ التقوى كانت من نتائج إقراراهم بالإجابة الصادقة عن هذه الأسئلة التقريرة التنبيهية؛ إذ إنَّ العبادة لا تكون إلا الخالق وحده، فالمعبود الذي يستحق أن يكون إلهًا هو الخالق النافع الضار.
ونرى أنَّ الأسئلة كانت إجاباتها بالإيجاب لا بالسلب، وبَيِّنَ ما ترتَّب على الإيجاب بإقرارهم الصريح، وهو أن تمتلئ قلوبهم بتقوى الله تعالى، فلا تعبد غيره.
وجاءت الآيات بعد ذلك أسئلة، الإجابة في بعضها بالسلب؛ لأنها خاصة بما يشركون بها عبادة الله من أوثان وغيرها.
الاستفهام الأول كان عن شركائهم هل يفعلون ما قرروا أنَّ الله يفعله، ولسان حالهم أن يجيبوا بالسلب؛ لأنهم يرون أنَّهم لا يضرون ولا ينفعون، وسألهم عمَّن يبدأ الخلق ثم يعيده، ولسان حالهم يقوله: الله.
وهكذا نرى أنَّ الاستفهام في كل هذه المقامات في القرآن كان لإثارة التنبيه إلى الحقائق، وإذا انتبهت العقول اتجهت إلى طلب الحق في غير عوج بل بطريق مستقيم.
وإنِّي أحسب أنَّه بعد أن نزل القرآن وأشرب الناس مناهجه ومسالكه، كان من أجود الطرق التعليمية إثارة الانتباه بالاستفهام تنبيهًا إلى ما يوجه إلى التلاميذ من علم، فكان استفهام القرآن موضحًا أقوم المسالك للتنبيه إلى الحقائق وإثارة الأفهام إليها، وتفتيح الذهن لتدخل عليه المعاني، والحقائق العلمية.
стр. 172
١٠٠- وإن القرآن سلك في الاستفهام مسلكًا لم نره كثير الاستعمال عند العرب من قبل نزول القرآن، ولكنَّه شاع بعد نزوله من غير سموِّ إلى مسلك القرآن، وهو دخول أداة الاستفهام على حرف النفي، مثل قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ، وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ٦-١١] .
فأنت ترى من السياق القرآني أنَّ همزة الاستفهام دخلت على لم التي هي حرف نفي، فالاستفهام دخل على حرف نفي وجاء بينهما فاء هي للدلالة على أن السؤال مرتّب على ما كان قبله، وما قبله كان تعجبًا من أمر البعث؛ إذ قالوا: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ وإنَّهم كذَّبوا بالحق لما جاءهم، فكانت الآيات التي وليت الاستفهام ردًّا على تكذيبهم، وفيها الدلالة على إثبات ما أنكروا، فالفاء للدلالة على ترتيب الاستفهام، لكنَّها أخَّرت عن أداة الاستفهام؛ لأنَّ الاستفهام له الصدارة، فهي مؤخرة عن تقديم في نسق الترتيب الفكري.
والاستفهام الداخل على النفي مؤدَّاه الحث على النظر؛ لأن الاستفهام عن نفي النظر وتقرير عدم النظر، فإذا كان الاستفهام ابتداءً يقرر أنهم لم ينظروا، وفي النظر تَعَرُّف لآات الله تعالى في الكون، فالاستفهام وحرف النفي يدلان على الإثبات، وهو هنا طلب النظر، فكأنَّ المعنى: على هذا المنطق المستقيم ثبت أنكم لم تنظروا، فالواجب أن تنظروا، فالاستفهام ابتداءً كما يبدو من سياق الكلام يقرر أنهم لم ينظروا؛ لأنَّ عدم النظر كان موضع الاستفهام، ومن المقررات البلاغية أن الاستفهام دائمًا يدخل على ما يكون موضع شك، ويقدّم فيه ما يكون موضع الشك، فإذا كان موضع وقوع الفعل كان الاستفهام مسلطًا على الفعل، مثل قول الموحديين للوثنين: ﴿أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ [الأنعام: ٧١] فهنا نجد موضع الاستنكار هو ذات الفعل، فكان عقب أداة الاستفهام، وإذا كان الفعل قد وقع وموضع الشك هو الفاعل، فإنه يجيء وراء الاستفهام؛ كقوله تعالى حكاية عن قوم إبراهيم؛ إذ رأوا أصنامهم جذاذًا، قال الله تعالى عنهم أنهم قالوا له: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٢] فالفعل ثابت بالعيان أمامهم، ولكن الفاعل هو الذي يريدون البحث عنه ومعرفته.
وبهذا المنطق البياني نرى أنَّ الاستفهام في هذا النص "أفلم ينظروا" داخل على الفعل المنفي، فإذا كانت الهمزة للتنبيه أو التقرير أو التوبيخ، لأنهم لم ينظروا، وهو
стр. 173
الراجح في نظري، فيكون لإنكار الوقوع وإنكار الواقع، وإذا كانوا يوبخون لأنهم لم ينظروا، فالتوبيخ يكون دعوة للفعل، وحثًّا على النظر.
ومن الاستفهام الداخل على النفي قوله تعالى في قصة القرآن عن أنبائهم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ، قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٩، ١٠] ونجد في الاستفهام الذي صدرت به الآية الكريمة أن همزة الاستفهام دخلت على "لم" النافية، فكان موضع الاستفهام عدم إتيان نبأ الذين من قبلهم، ولو سرنا على ما يقتضيه السياق اللفظي للنص السامي يكون الاستفهام عن عدم الوقوع، ومعناه: إنه لم يأتكم، وإذا كان الاستفهام للتقرير أو التنبيه فمؤدَّاه أنه لم يأتكم ذلك، وفي هذا تشويق لمعرفته، وتوجيه لطلبه، ولذلك جاء من بعد ذلك النبأ عن الرسل السابقين، ويكون في هذا تثبيت الخبر لمن يطلبه مصغيًا إلى حقائقه معتبرًا بعبره.
ولقد جرت بين كُتَّاب علم البلاغة كلمة: نفي النفي إثبات، ويطبقونه على استفهام يدخل على فعل منفي، فيكون الاستفهام داخلًا على منفي، والاستفهام نفي، فيكون نفيًا لنفي، ونفي النفي إثبات، وإنَّ ذلك يسير إذا كان الاستفهام للإنكار، إنكار الوقوع، فيكون إنكارًا للمنفي فيكون إثباتًا، وقد قلنا: إنه حتى في هذه الحال لا يخلو الاستفهام من تنبيه وإقرار بما جاء الاستفهام عنه، ولكن الاستفهام الداخل على النفي يتضمَّن الحثّ على طلب الأمر المنفي الذي دخل عليه الاستفهام كما رأيت في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾ كما تلونا من قبل، وقد يكون إلى تلقي علم ما نفى في حيز الاستفهام كما رأيت في الآية السابقة.
وقد يتضمَّن الحثّ على العمل، والتحريض عليه إذا كان ذلك العمر غير محقق في الوجود، أو هناك شروع في تحقيقه، وذلك يكون غالبًا عند فنيّ الأمر المستقبل كما نرى في قوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٣-١٥] .
ونرى من ذلك أنَّ الاستفهام دخل على النفي، وهو عدم القتال أو عدم الأهبة له، والاستعداد للتقدم، فالمستفهم عنه عدم القتال والاستعداد له وقد وجدت أسبابه، وتعدّدت موجباته، فكان الاستنكار منصبًّا على النفي والاستنكار لحال مستمرة حث
стр. 174
على تغييرها، وإذا كان الاستنكار على ما وقع توبيخًا لمن أوقعه، فالاستنكار لأمر لم يقع بظاهر الحال واستصحابها تحريض على تغييرها، وتوجيه للإتيان بها.
وإنَّ الاستفهام الذي ينطبق عليه قول بعض الكتاب في علم البلاغة، وهو: نفي النفي إثبات، يكون في مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى، ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٣٧-٤٠] وترى من هذا أنَّ الاستفهام دخل على النفي فكان إنكاريًّا لنفي الوقوع، فنفى على زعمهم القائل أنَّه لم يك في نشأته من مني، أو كانوا عن ذلك في غفلة ساهين، وكانوا في حاجة إلى التذكير، والإحساس بمبدئهم، ليعرفوا منتهاهم، وإنَّ الذي أوجدهم من منيٍّ أشخاصًا ذكورًا وإناثًا قادر على إعادتهم، كما بدأهم يعودون.
فالاستنكار لجهلهم هذه الحقيقة، أو تجاهلهم، وكأنهم لا يعلمون، فاستنكر هذا عليهم فكان نفيًا مستنكرًا لحال التجاهل.
ولا شكَّ أن هذا فيه تنبيه، وفيه لوم على تجاهلهم تلك الحقيقة، وبيان أنه يجب عليهم أن يعرفوها، ليكونوا في تذكر دائمٍ بقدرة الله تعالى في تدرجهم في الوجود من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات، ويعلموا بذلك قدرة الله تعالى على الإعادة.
ومن الاستفهام الداخل على النفي الذي هو من قبيل أن نفي النفي إثبات، التنبيه إلى أن النبي يصنع على عين الله تعالى، ويتولَّاه، وألا يكون في يأس من رحمة الله تعالى، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ، الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ، وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ، وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: كلها] .
فإنَّ الاستفهام هنا لإنكار الوقوع، أي: لإنكار أنَّ الله تعالى لم يشرح صدر النبي ﷺ ليتلقَّى الوحي الذي أوحى به إليه، وإذا كان الإنكار نفيًا فالمؤدي للقول: قد شرحنا صدرك، وكان الاستفهام للنفي.
١٠١- وإننا في ختام هذا البحث من التصريف البياني في القرآن نقرر بالنسبة للاستفهام فيه، أنَّ الاستفهام باب من تصريف القول في القرآن، وفيه من أسرار الإعجاز ما فيه، فمن الاستفهام ما يكون بعبارات تتفق مع النسق العربي السليم، ولكنَّه لم يعرف بين البلغاء قبل القرآن، وإني أرى أن أكثر صيغ الاستفهام التي جاء بها القرآن غير مسبوقة قبله، وأنَّ الاستفهام كان يستعمل أحيانًا للتنبيه، وأحيانًا للاستدلال، وأحيانا للتعجّب، وأحيانًا ليوجه الأنظار إلى الكون وما فيه، وما يجري بين الناس، وأنَّ ذلك كله مما يدل على علوِّ القرآن على مستوى ما كان عليه أكبر البلغاء، وأقواهم سلطانًا في الأسلوب العربي.
стр. 175
الحقيقة والتشبيه والاستعارة في القرآن:
١٠٢- هذا باب من أبواب تصريف القول في القرآن وضرب الأمثال به، والحقيقة في اصطلاحنا ليست مقابلة للمجاز بكل فروعه فقط، بل هي مقابلة للمجاز والتشبيه والاستعارة، وهي ضرب من ضروب المجاز، وإذا كان علماء البلاغة يعدُّون التشبيه من قبيل الحقيقة؛ إذ إن أساس الحقيقة في نظرهم أن يستعمل اللفظ فيما وضع له، والتشبيهات التي تكون بأدوات التشبيه الألفاظ فيه موضوعة في مواضعها، والمجاز الذي يقابل الحقيقة أنْ تكون الكلمة دالة على غير ما وضعت له؛ لعلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى الذي استعملت فيه مع قرينة دالة على هذا وعدم إرادة المعنى الأصلي.
ذلك هو اصطلاح علماء البلاغة، ولا غبار عليه، ولكنَّا في مقام الإعجاز القرآني نذكر الحقيقة -غير المجاز، غير التشبيه، ونريد الحقيقة المجردة، أي: استعمال الألفاظ فيما وضعت له من غير ذكر مقابلة بين لفظ ولفظ عن طريق التشبيه الذي يجمل المعاني أو يقرّبها، أو يأتي بصورة بيانية تلتقي فيها الحقيقة مع إثارة خيال يكون كأطياف الصور.
فالحقيقة التي نطق عليها حقيقة ونحن نتكلَّم في القرآن هي ما تدل عليه الألفاظ في أصل وضعها من غير مجاز ولا استعانة بتشبيه، ولا مشاحة في الاصطلاح. ونتكلم هنا في الحقيقة والتشبيه، والاستعارة التي هي التشبيه من غير ذكر أداة التشبيه أو ما يدل عليه. وفي القرآن هذه الأمور كلها مع أنواع المجاز المرسل الذي لم تكن العلاقة فيه بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي المشابهة بينهما.
١٠٣- إنَّ القرآن قد كان فيه التعبير بالحقيقة، وهنا نجد السكاكي يعتبر التعبير المجازي أبلغ من التعبير عن المدلولات بالألفاظ التي وضعت لها، وقد يكون ذلك في غير القرآن، ولكنه ليس على إطلاقه حتى في غير القرآن، أما القرآن فليس فيه جزء أبلغ من جزء ولا أبين، بل كل في موضعه وفي منهاجه، بلغ أقصى درجات البلاغة التي لا تسامي ولا تناهد، وليس في طاقة أحد من البشر أن يأتي بمثله.
ولا شك أنَّ بعض الموضوعات القرآنية لا يكون للمجاز أو للتشبيه فيها موضع، بل إن المجاز والتشبيه فيها يخلّ بالبلاغة فيها حتى في كلام الناس، وليس من النثر الفني فيها التشبيه إلا أن يكون للتقريب.
стр. 176
وإن الحقيقة تستعمل في كثير من مواضع القرآن كالأحكام الشرعية التكليفية؛ لأنَّ بيانها يحتاج إلى أن تكون الكلمة محدودة المعنى ليتمَّ القيام بموجبها، وتكون الطاعة محدودة المعالم، لا احتمال فيها؛ إذ إنَّ المطالبة يعمل توجب تعيينه بما لا يوجد فيه احتمال لمعنى غير المراد، ليتمَّ التكليف على بينة وعلم واضح بالمطلوب.
وكذلك القصص، فإن القصص ذكر لحقيقةٍ ما وقع لتكون به العظة الكاملة، بحيث يتجه التالي للقرآن إلى مغازي القصة، ومراميها من غير تزيد، كما رأينا في كثير من القصص القرآني فيما تلونا من قصص نوح وإبراهيم وموسى ويوسف من قبله، فإنك ترى فيه الحقائق مجردة إلا من بيان وجه العبرة، ولا تجد المجاز والتشبيه إلا قليلًا.
وكذلك الاستدلال على الوحدانية بالنظر في الكون وما اشتمل عليه، والنظر في الشمس والقمر والنجوم المسخرات وهكذا، مما يوجب الاتجاه مباشرة إلى الحقائق.
١٠٤- وإن بلاغة الحقائق التي تذكر من غير استعانة بمجاز أو تشبيه لا تقل عن المواضع التي كان فيها تشبيه أو مجاز بالاستعارة أو غيرها، فإن ذلك يكون لمعان مقصودة، وغايات أخرى وراء فكرة البلاغة التي هي وصف عام للقرآن كله من غير تفاوت، لأنها تتعلق بكتاب الله العزيز الذي لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، ولو كان معه الجن والإنس، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
ويقول في ذلك الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن: "إن عجيب نظمه وبديع تأليفه لا يتفاوت، ولا يتباين، على ما يتصرف فيه من الوجوه التي يتصرف فيها من قصص، ومواعظ واحتجاج، وحكم وأحكام، وإعذار وإنذار، ووعد ووعيد، وتبشير وتخويف، وأوصاف، وتعليم أخلاق كريمة وشيم رفيعة، وسير مأثورة، وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها، وتجد كلام البليغ الكامل، والشاعر المفلق، والخطيب المصقع يختلف على حسب الأحوال".
وبعد أن يبين اختلاف البلغاء فيما يجددون من أبواب ثم يقصرون في غيرها فيقول: "وقد تأملنا نظم القرآن فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه على حد واحد في حسن النظم وبديع التأليف والوصف لا تفاوت فيهن ولا انحطاط عن المنزلة العليا. ولا إسفاف فيه إلى الرتبة الدنيا، وكذلك تأملنا ما ينصرف فيه من وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة فرأينا الإعجاز في جميعها على حدو احد لا يختلف، وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة تفاوتًا وتبينًا، ويختلف اختلافًا كبيرًا، ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة، فرأيناه غير مختلف ولا
стр. 177
متفاوت، بل هو نهاية البلاغة، فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه البشر؛ لأنَّ الذي يقدرون عليه قد بيَّنَّا فيه التفاوت الكثير عند التكرار وعند تباين الوجوه".
ونرى من هذا أنَّ الإجماع على أنَّ القرآن كتاب الله لا تتفاوت عباراته١؛ لأنه من عند الله الذي لا تفاوت بين الأشياء عنده، ولا فرق في البلاغة بين ما كانت الحقائق فيه تذكرة مجرَّدة عن التشبيه والمجاز.
ولنذكر بعض آيات الأحكام التي تذكر الأحكام مجردة، اقرأ آية المحرمات، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا، حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النساء: ٢٢-٢٥] .
هذا آية من آيات الأحكام لم يستعمل فيها المجاز ولا التشبيه، ومع ذلك هي بالغة من البلاغة حدَّ الإعجاز القرآني، فالتآخي بين الألفاظ والمعاني ثابت، حتى إنَّ كل كلمة فيها حكم تومئ إلى التي تليها، مع بيان الحكمة الشرعية، والتعيل لبيان المحرمات التي حرمها، وكانت حلالًا في الجاهلية في زعمهم؛ كزواج من كانت زوجة لأصل من أصوله، وابتدأ بها سبحانه لِمَا لها من خطر وشأن، إذ يتبين تحريم ما أحلُّوا بزعمهم، وما يبتدأ به الكلام يكون قوي التأثير، وقد وصفه سبحانه بأنه فحش في الواقع؛ لأنه أمر غير مألوف في الطبائع السليمة، والأخلاق الكريمة، وأنه ممقوت عند الناس لا يفعله رجل يألفه الناس بل يمقتونه، ولذلك كان يسمَّى عند العرب "نكاح
стр. 178
المقت"، فمع أنَّ الجاهلية ما كانت تحرّمه بزعمها، كانت تكرهه وتمقته، ولا يفعله الكرام.
ولمَّا جاء النص الكريم بتحريم الأمهات وهنَّ الأصول من علٍ، استشرفت النفس لمعرفة حال البنات، أتحلّ أم تحرم، فجاء التحريم في وقت الاستشراف إليه والتطلع نحوه، فكان البيان وقت الحاجة إليه، وكذلك الأخوات وهنَّ أولاد الآباء والأمهات والعلاقة بهنَّ تلي العلاقة بالأولاد، ثم جاء من بعد أولاد الأبوين، وهنَّ الأخوات أولاد الأجداد، وهنَّ العمات ثم الخالات فكانت كل طائفة ممهدة لذكر التي تليها، تجذبها إليها بمقتضى تداعي المعاني، كل معنى يدعو أخاه، وكل واحدة تلتحم مع أختيها في تآلف لفظي، وتآخٍ معنوي.
ولقد كانت المرضع تعد أمًا كالأم النسبية؛ لأن هذه إذا كانت قد حملته في بطنها، وغذته من دمها جنينًا، فتلك قد وضعته في حجرها وغذته من لبنها رضيعًا وأنشزت عظامه، وأنبتت لحمه، كما كانت الأولى، فكان من تداعي المعاني أن يذكر في إيجاز غير مخلٍّ الأمهات الرضاعيات من أولادهن، ومن التقى معه على ثدي واحد.
كان من مقتضى التناسق المعنوي أن تذكر بعد صلات النسب الصلات السببية، وهي المصادرة، فابتدأ بأمهات الزوجات، ثم اتجه الذهن بعد تحريم أمهات نسائكم إلى الربائب؛ لأنه إذا ذكرت الأم تطلَّعت النفس إلى ذكر حكم البنت، فذكر بعد تحريم أمهات الزوجات ما يتعلق بتحريم بنات النساء وهنَّ الربائب، وذكر حكمة التحريم وهي أنَّهنَّ في حجره وكبناته.
وإذا ذكرت أمهات الزوجات وبناتهن، وزوجات الآباء، يكون لتتميم القول، ولما يستدعيه قانون تداعي المعاني أن تذكر زوجات الأبناء أهنّ حلال أم لا.
وهكذا نرى أن المعاني كل وا حدة تدعوها السابقة فتلاحقها في اتساق ونسق جامع.
وكل ذلك في نغم متآخٍ، وفي صورة بيانية من مجموع القول، فعندما تقرأ الآيات من أولها إلى آخرها تجد صورة بيانية لأسرة متكاملة، ليس فيها تقاطع، بل فيها تراحم وتواصل ومحبة ومودة، فما كان ذلك التحريم إلّا لتكون المودة هي الواصلة، فلا يفحش ابن مع أبيه، ولا يمقت ولد أباه، ولا يعتدي أب على ابن.
وإنَّ ما اختص به القرآن من تقابل بين الحقائق في البيان، وتوافق في العبارات من غير منافرة، ولا معاضلة، متحقق ثابت لا مجال لإنكاره، وما اختصت به العبارات من إشراق وضياء، تجده منيرًا حول الكلمات.
стр. 179
وإذا كنا قرأنا آيات الزواج وتكوين الأسرة، فلنقرأ حكم الله إذا تنافر ودها، وأصبح التفرق بينهما أمرًا لا بُدَّ منه: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ ، فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا، فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا، وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا، ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا، أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى، لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ١-٧] .
وترى من هذه النصوص القرآنية أنها تضمنت أحكامًا كثيرة، تضمنت أحكام الطلاق وأحكام العدة، وأحكام الرجعة، وأحوال المعتدات، وتضمنت بعض أحكام الرضاعة، وأحكام النفقات بين الزواج، وخروج المعتدات من بيوتهن.
وهنا نلاحظ ملاحظة نفسية قد نبَّه إليها القرآن الكريم في ألطف تعبير وأعطف نص، وكأنه بلسم لشفاء نفس مجروحة، قد أرثتها حرقة الألم بسبب الفراق، وذلك أنَّ الآيات موضوعها الطلاق، وهو لا يكون إلّا إذا تعذَّر الوفاق، فالنفوس تكون مضطربة، واليأس يكون مخيمًا، والعلاقات تكون في حال يائسة، ولذلك نجد فتح باب الأمل لتلك النفوس التي اعتراها يأس من الحياة الزوجية السليمة؛ إذ يقول سبحانه بعد وضع الحدود، وأن من يتعداها يظلم نفسه ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] ، ثم يبين العدة، ويبين أنها فيصل تفرقة أو عودة، وأنَّ المطلوب إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ويذكر أنَّ الأمر قد يكون في طيَّاته ما يخرج النفوس من مضطرب الخلاف إلى متسع الوفاق، فيقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] من ذلك المزدحم الذي تعترك فيه الأحاسيس والمشاعر بين عشرة طيبة أو فرقة لا ظلم فيها، ويقول في ذلك المقام أيضًا: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣] وبعد أن يبين العدة للآيسة
стр. 180
من الحيض، ومن لم تره وهي ثلاثة أشهر، ثم يبين عدة الحامل بعد أن يبين عدة الحائل هنا، ويقول لنفوس محرجة آسفة حزينة عرفت الحاضر والماضي، قد فات إن خيرًا وإن شرًّا، وهي تجهل القابل، فهي تجهل ما يطويه، فيقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤] ، ويذكر وجوب النفقة في مواضع وجوبها، وأحوال وجوبها، والإرضاع ووجوبه، ثم يبين مقدار الواجب، على أن يكون على قدر طاقته، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧] .
وهكذا نجد العبارات القرآنية السامية فيها طمأنة النفس على ما يطويه المستقبل، فيجعل لهم رجاء بمخرج يخرجهم، أو يجعل من أمره يسرًا، وإن هذا النوع من القول هو الذي يقال عندما تتأزم النفوس، وتقطّع العلاقات بعد ودٍّ كان دائمًا أو كان يرجى له الاستمرار، ويشترط لتحقيق ذلك الأمر الذي فرج الله به الكروب التقوى والعمل الصالح، وإن هذين إذا تحققا في تلك الحال طابت النفوس ورضيت بالواقع إن لم يكن منه مناص، وغيرته بالإيمان إن كان ثمَّة محل للتغيير.
وإن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، ليعلم الذين يرون أسرة قد ضاقت صدور أهلها حرجًا، واستولى عليها من الحياة الزوجية الصالحة يأس وغلبت شدتها، وذهب رخاؤها أن يفتح باب الرجاء فيها بعد إغلاق الآمال، وأن يكون ميسرًا، ولا يكون معسرًا، وأن يكون مبشرًا، ولا يكون منفرًا.
وإن تلك النصوص القرآنية السامية تجد فيها البلاغة التي تصل إلى أعلى الدرجات في ذاتها لا في نسبتها، فابتدأ الله تعالى الخطاب للنبي ﷺ ، ثم خاطب المسلمين من بعد مواجهته، وخوطبوا بالجمع للإشارة إلى تكافل جمعهم، وتضافرهم وتعاونهم على البر والتقوى في المواطن الحرجة، والاستعانة بالمشورة والرأي، وقد أمر بالرفق بالمرأة، فلا يطلقها إلَّا وهي متصلة بحالة العدة، لكيلا يرهقها بإطالتها، فتكون بين اليأس والرجاء في قلق نفسي، وهكذا استمرَّت الأحكام الرفيقة تبين الآيات منها حكمًا بعد حكم.
وجمال التعبير يشرق دائمًا، وحلاوة النغم تنساب في النفس انسياب النمير العذب، كما تنطلق الأحكام إلى العقل والقلب في اتعاظ واعتبار واهتداء إلى الحق، وفي انسجام فكري.
وإذا كان سرد الأحكام وخصوصًا في موضع دقيق كأحكام الأسرة يكون بادي الرأي في كلام الناس جافًّا غير مشرق، فإن ذلك في كلام الناس، أمَّا في كلام الله تعالى فإنَّه مشرق طيب الأعراق، واضح القسمات في نغم هادئ يطب للقلوب جفاءها، فيذهب، وللنفوس فتنقى الشح، وهو عظة وهداية وتوجيه إلى العدل المطلق المنظم للأسرة في سلامتها وبقائها، وفي فصلها وانتهائها، وسبحان الله العليم الخبير.