وإن الحقيقة تستعمل في كثير من مواضع القرآن كالأحكام الشرعية التكليفية؛ لأنَّ بيانها يحتاج إلى أن تكون الكلمة محدودة المعنى ليتمَّ القيام بموجبها، وتكون الطاعة محدودة المعالم، لا احتمال فيها؛ إذ إنَّ المطالبة يعمل توجب تعيينه بما لا يوجد فيه احتمال لمعنى غير المراد، ليتمَّ التكليف على بينة وعلم واضح بالمطلوب.
وكذلك القصص، فإن القصص ذكر لحقيقةٍ ما وقع لتكون به العظة الكاملة، بحيث يتجه التالي للقرآن إلى مغازي القصة، ومراميها من غير تزيد، كما رأينا في كثير من القصص القرآني فيما تلونا من قصص نوح وإبراهيم وموسى ويوسف من قبله، فإنك ترى فيه الحقائق مجردة إلا من بيان وجه العبرة، ولا تجد المجاز والتشبيه إلا قليلًا.
وكذلك الاستدلال على الوحدانية بالنظر في الكون وما اشتمل عليه، والنظر في الشمس والقمر والنجوم المسخرات وهكذا، مما يوجب الاتجاه مباشرة إلى الحقائق.
١٠٤- وإن بلاغة الحقائق التي تذكر من غير استعانة بمجاز أو تشبيه لا تقل عن المواضع التي كان فيها تشبيه أو مجاز بالاستعارة أو غيرها، فإن ذلك يكون لمعان مقصودة، وغايات أخرى وراء فكرة البلاغة التي هي وصف عام للقرآن كله من غير تفاوت، لأنها تتعلق بكتاب الله العزيز الذي لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، ولو كان معه الجن والإنس، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
ويقول في ذلك الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن: "إن عجيب نظمه وبديع تأليفه لا يتفاوت، ولا يتباين، على ما يتصرف فيه من الوجوه التي يتصرف فيها من قصص، ومواعظ واحتجاج، وحكم وأحكام، وإعذار وإنذار، ووعد ووعيد، وتبشير وتخويف، وأوصاف، وتعليم أخلاق كريمة وشيم رفيعة، وسير مأثورة، وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها، وتجد كلام البليغ الكامل، والشاعر المفلق، والخطيب المصقع يختلف على حسب الأحوال".
وبعد أن يبين اختلاف البلغاء فيما يجددون من أبواب ثم يقصرون في غيرها فيقول: "وقد تأملنا نظم القرآن فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه على حد واحد في حسن النظم وبديع التأليف والوصف لا تفاوت فيهن ولا انحطاط عن المنزلة العليا. ولا إسفاف فيه إلى الرتبة الدنيا، وكذلك تأملنا ما ينصرف فيه من وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة فرأينا الإعجاز في جميعها على حدو احد لا يختلف، وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة تفاوتًا وتبينًا، ويختلف اختلافًا كبيرًا، ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة، فرأيناه غير مختلف ولا
стр. 177
متفاوت، بل هو نهاية البلاغة، فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه البشر؛ لأنَّ الذي يقدرون عليه قد بيَّنَّا فيه التفاوت الكثير عند التكرار وعند تباين الوجوه".
ونرى من هذا أنَّ الإجماع على أنَّ القرآن كتاب الله لا تتفاوت عباراته١؛ لأنه من عند الله الذي لا تفاوت بين الأشياء عنده، ولا فرق في البلاغة بين ما كانت الحقائق فيه تذكرة مجرَّدة عن التشبيه والمجاز.
ولنذكر بعض آيات الأحكام التي تذكر الأحكام مجردة، اقرأ آية المحرمات، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا، حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النساء: ٢٢-٢٥] .
هذا آية من آيات الأحكام لم يستعمل فيها المجاز ولا التشبيه، ومع ذلك هي بالغة من البلاغة حدَّ الإعجاز القرآني، فالتآخي بين الألفاظ والمعاني ثابت، حتى إنَّ كل كلمة فيها حكم تومئ إلى التي تليها، مع بيان الحكمة الشرعية، والتعيل لبيان المحرمات التي حرمها، وكانت حلالًا في الجاهلية في زعمهم؛ كزواج من كانت زوجة لأصل من أصوله، وابتدأ بها سبحانه لِمَا لها من خطر وشأن، إذ يتبين تحريم ما أحلُّوا بزعمهم، وما يبتدأ به الكلام يكون قوي التأثير، وقد وصفه سبحانه بأنه فحش في الواقع؛ لأنه أمر غير مألوف في الطبائع السليمة، والأخلاق الكريمة، وأنه ممقوت عند الناس لا يفعله رجل يألفه الناس بل يمقتونه، ولذلك كان يسمَّى عند العرب "نكاح
стр. 178
المقت"، فمع أنَّ الجاهلية ما كانت تحرّمه بزعمها، كانت تكرهه وتمقته، ولا يفعله الكرام.
ولمَّا جاء النص الكريم بتحريم الأمهات وهنَّ الأصول من علٍ، استشرفت النفس لمعرفة حال البنات، أتحلّ أم تحرم، فجاء التحريم في وقت الاستشراف إليه والتطلع نحوه، فكان البيان وقت الحاجة إليه، وكذلك الأخوات وهنَّ أولاد الآباء والأمهات والعلاقة بهنَّ تلي العلاقة بالأولاد، ثم جاء من بعد أولاد الأبوين، وهنَّ الأخوات أولاد الأجداد، وهنَّ العمات ثم الخالات فكانت كل طائفة ممهدة لذكر التي تليها، تجذبها إليها بمقتضى تداعي المعاني، كل معنى يدعو أخاه، وكل واحدة تلتحم مع أختيها في تآلف لفظي، وتآخٍ معنوي.
ولقد كانت المرضع تعد أمًا كالأم النسبية؛ لأن هذه إذا كانت قد حملته في بطنها، وغذته من دمها جنينًا، فتلك قد وضعته في حجرها وغذته من لبنها رضيعًا وأنشزت عظامه، وأنبتت لحمه، كما كانت الأولى، فكان من تداعي المعاني أن يذكر في إيجاز غير مخلٍّ الأمهات الرضاعيات من أولادهن، ومن التقى معه على ثدي واحد.
كان من مقتضى التناسق المعنوي أن تذكر بعد صلات النسب الصلات السببية، وهي المصادرة، فابتدأ بأمهات الزوجات، ثم اتجه الذهن بعد تحريم أمهات نسائكم إلى الربائب؛ لأنه إذا ذكرت الأم تطلَّعت النفس إلى ذكر حكم البنت، فذكر بعد تحريم أمهات الزوجات ما يتعلق بتحريم بنات النساء وهنَّ الربائب، وذكر حكمة التحريم وهي أنَّهنَّ في حجره وكبناته.
وإذا ذكرت أمهات الزوجات وبناتهن، وزوجات الآباء، يكون لتتميم القول، ولما يستدعيه قانون تداعي المعاني أن تذكر زوجات الأبناء أهنّ حلال أم لا.
وهكذا نرى أن المعاني كل وا حدة تدعوها السابقة فتلاحقها في اتساق ونسق جامع.
وكل ذلك في نغم متآخٍ، وفي صورة بيانية من مجموع القول، فعندما تقرأ الآيات من أولها إلى آخرها تجد صورة بيانية لأسرة متكاملة، ليس فيها تقاطع، بل فيها تراحم وتواصل ومحبة ومودة، فما كان ذلك التحريم إلّا لتكون المودة هي الواصلة، فلا يفحش ابن مع أبيه، ولا يمقت ولد أباه، ولا يعتدي أب على ابن.
وإنَّ ما اختص به القرآن من تقابل بين الحقائق في البيان، وتوافق في العبارات من غير منافرة، ولا معاضلة، متحقق ثابت لا مجال لإنكاره، وما اختصت به العبارات من إشراق وضياء، تجده منيرًا حول الكلمات.
стр. 179
وإذا كنا قرأنا آيات الزواج وتكوين الأسرة، فلنقرأ حكم الله إذا تنافر ودها، وأصبح التفرق بينهما أمرًا لا بُدَّ منه: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ ، فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا، فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا، وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا، ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا، أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى، لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ١-٧] .
وترى من هذه النصوص القرآنية أنها تضمنت أحكامًا كثيرة، تضمنت أحكام الطلاق وأحكام العدة، وأحكام الرجعة، وأحوال المعتدات، وتضمنت بعض أحكام الرضاعة، وأحكام النفقات بين الزواج، وخروج المعتدات من بيوتهن.
وهنا نلاحظ ملاحظة نفسية قد نبَّه إليها القرآن الكريم في ألطف تعبير وأعطف نص، وكأنه بلسم لشفاء نفس مجروحة، قد أرثتها حرقة الألم بسبب الفراق، وذلك أنَّ الآيات موضوعها الطلاق، وهو لا يكون إلّا إذا تعذَّر الوفاق، فالنفوس تكون مضطربة، واليأس يكون مخيمًا، والعلاقات تكون في حال يائسة، ولذلك نجد فتح باب الأمل لتلك النفوس التي اعتراها يأس من الحياة الزوجية السليمة؛ إذ يقول سبحانه بعد وضع الحدود، وأن من يتعداها يظلم نفسه ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] ، ثم يبين العدة، ويبين أنها فيصل تفرقة أو عودة، وأنَّ المطلوب إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ويذكر أنَّ الأمر قد يكون في طيَّاته ما يخرج النفوس من مضطرب الخلاف إلى متسع الوفاق، فيقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] من ذلك المزدحم الذي تعترك فيه الأحاسيس والمشاعر بين عشرة طيبة أو فرقة لا ظلم فيها، ويقول في ذلك المقام أيضًا: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣] وبعد أن يبين العدة للآيسة
стр. 180
من الحيض، ومن لم تره وهي ثلاثة أشهر، ثم يبين عدة الحامل بعد أن يبين عدة الحائل هنا، ويقول لنفوس محرجة آسفة حزينة عرفت الحاضر والماضي، قد فات إن خيرًا وإن شرًّا، وهي تجهل القابل، فهي تجهل ما يطويه، فيقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤] ، ويذكر وجوب النفقة في مواضع وجوبها، وأحوال وجوبها، والإرضاع ووجوبه، ثم يبين مقدار الواجب، على أن يكون على قدر طاقته، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧] .
وهكذا نجد العبارات القرآنية السامية فيها طمأنة النفس على ما يطويه المستقبل، فيجعل لهم رجاء بمخرج يخرجهم، أو يجعل من أمره يسرًا، وإن هذا النوع من القول هو الذي يقال عندما تتأزم النفوس، وتقطّع العلاقات بعد ودٍّ كان دائمًا أو كان يرجى له الاستمرار، ويشترط لتحقيق ذلك الأمر الذي فرج الله به الكروب التقوى والعمل الصالح، وإن هذين إذا تحققا في تلك الحال طابت النفوس ورضيت بالواقع إن لم يكن منه مناص، وغيرته بالإيمان إن كان ثمَّة محل للتغيير.
وإن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، ليعلم الذين يرون أسرة قد ضاقت صدور أهلها حرجًا، واستولى عليها من الحياة الزوجية الصالحة يأس وغلبت شدتها، وذهب رخاؤها أن يفتح باب الرجاء فيها بعد إغلاق الآمال، وأن يكون ميسرًا، ولا يكون معسرًا، وأن يكون مبشرًا، ولا يكون منفرًا.
وإن تلك النصوص القرآنية السامية تجد فيها البلاغة التي تصل إلى أعلى الدرجات في ذاتها لا في نسبتها، فابتدأ الله تعالى الخطاب للنبي ﷺ ، ثم خاطب المسلمين من بعد مواجهته، وخوطبوا بالجمع للإشارة إلى تكافل جمعهم، وتضافرهم وتعاونهم على البر والتقوى في المواطن الحرجة، والاستعانة بالمشورة والرأي، وقد أمر بالرفق بالمرأة، فلا يطلقها إلَّا وهي متصلة بحالة العدة، لكيلا يرهقها بإطالتها، فتكون بين اليأس والرجاء في قلق نفسي، وهكذا استمرَّت الأحكام الرفيقة تبين الآيات منها حكمًا بعد حكم.
وجمال التعبير يشرق دائمًا، وحلاوة النغم تنساب في النفس انسياب النمير العذب، كما تنطلق الأحكام إلى العقل والقلب في اتعاظ واعتبار واهتداء إلى الحق، وفي انسجام فكري.
وإذا كان سرد الأحكام وخصوصًا في موضع دقيق كأحكام الأسرة يكون بادي الرأي في كلام الناس جافًّا غير مشرق، فإن ذلك في كلام الناس، أمَّا في كلام الله تعالى فإنَّه مشرق طيب الأعراق، واضح القسمات في نغم هادئ يطب للقلوب جفاءها، فيذهب، وللنفوس فتنقى الشح، وهو عظة وهداية وتوجيه إلى العدل المطلق المنظم للأسرة في سلامتها وبقائها، وفي فصلها وانتهائها، وسبحان الله العليم الخبير.
стр. 181
التشبيه في القرآن:
١٠٥- انتهينا إلى أن التشبيه في القرآن ليس هو مقياس البلاغة، لأن البلاغة القرآنية العالية كما تكون في حال التشبيه والاستعارة والمجاز، تكون أيضًا في الكلام الخالي من كل هذا، وأخص ما يكون ذلك في آيات الأحكام، وقد يكون في القصص والاستدلال، وغير ذلك مما نعرض له، وقد تلونا آيات من آيات الأحكام، وجدنا فيها النص الكريم في حقائقه، وفي بعده عن كل المحسنات البديعية أعلى من كل كلام، وهو بديع في ذاته من غير حاجة إلى البديع الصناعي، أو الاصطلاحي، فإنه فوق قدر البشر، وفوق ما يصطنعه البشر، وما يصطلح عليه العلماء، وإنه يتعلم منه، وإن كان لا يحاكي، ويؤخذ منه، وإن كان الوصول إلى مقامه غير ممكن.
لقد ذكر الرماني في رسالته "النكت في إعجاز القرآن": "التشبيه: هو العقد على أن أحد الشيئين يسد مسد الاخر في حس أو عقل، وإن ذلك التعريف يضع المشبه والمشبه به في مرتبة واحدة، وإني لا أرى ذلك، ولا يراه علماء البلاغة الذين جاءوا بعد أبي الحسن الرماني المتوفى سنة ٣٨٦هـ- فإنهم يعرفونه بأنه جعل أحد الشيئين في مقام الشيء الاخر لأمر مشترك بينهما. وهو في ثانيهما أقوى مظهرًا أو أبين مخبرًا، كما تقول على كالأسد في الشجاعة، فهو في الأسد أظهر، ولا يمكن أن يقال: "إن أحدهما يسد مسد الآخر، صورة ومعنى".
ولنترك التعريف مع رأينا فيه، ولننظر في قوله من بعد، فهو يقول: "وهذا الباب يتفاضل فيه الشعراء، وتظهر فيه بلاغة البلغاء، وهو على طبقات في الحسن، فبلاغة التشبيه الجمع بين شيئين بمعنى يجمعهما، والأظهر الذي يقع فيه البيان بالتشبيه على وجوه" ويذكر وجوه التشبيه وأنواعه فيقول في ذلك:
"منها إخراج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه الحاسة، ومنها إخراج ما لم تجر به عادة إلى ما جرت به عادة، ومنها إخراج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بالبديهة، ومنها إخراج ما لا قوة له في الصفة إلى ما لا قوة من الصفة، فالول نحو تشبيه المعدوم بالغائب، والثاني تشبيه البعث بعد الموت بالاستيقاظ بعد النوم، والثالث تشبيه إعادة الأسجام بإعادة الكتاب، والرابع تشبيه ضياء النهار".
ولا شك أن هذه الوجوه لا تشمل كل أقسام المقسم، فهن التشبيهات ما ليس بوجه من هذه الوجوه، كتشبيه غير الواضح بالواضح، كما ترى ذلك في كثر من
стр. 182
الآيات القرآنية، وكالتشبيه الذي يقصد به بيان ما أكنَّه سبحانه، وما خلق وما دبَّر فهو تقريب بالمغيب عنه إلى المعلوم لنا، وما عند الله أعظم وأكبر، وقد يكون التشبيه لتقريب المعنى الكلي من المعنى الجزئي، أو لتصوير المعني الكلي في بعض جزئياته؛ كقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١] فإنه كان عقد المشابهة بين المعنى الكلي وهو المعنى الجامع الذي يوضح به الحقائق بالأمثال التي ضربها وبينها للناس، ومن ذلك الأمثال التي تضرب لتقريب أصل الخق والتكوين من عقول الملكفين، وهكذا. وقد يكون هذا يتضمنه مطوى كلامه، ولكنه غير بيَّن.
ولقد قسَّم أبو الحسن الرماني التشبيه بالنسبة للغرض منه إلى قسمين: فيقول: التشبيه على وجهين: تشبيه بلاغة وتشبيه حقيقة، فتشبيه البلاغة كتشبيه أعمال الكفَّار بالسراب، وتشبيه الحقيقة نحو: هذا الدينار كهذا الدينار، فخذ أيهما شئت".
ونحن نقول: إن ذلك التقسيم يجوز أن يكون بالنسبة لكلام الناس، أمَّا القرآن الكريم فإن كل تشبيهاته فيها البلاغة وفيها الحقيقة، والمثل الذي ذكره وإن كان في أعلى درجات البلاغة هو الحقيقة، فإن التشبيه صادق في الواقع؛ لأن أعمال الذين كفروا هي السراب الذي له واقع، ولكنَّه وهم يسيطر بأبصار ضالّ، فكما أنه لا جدوى منه، والمتعلق به لا يتعلق بأمر واقع، فكذلك إذا رأوا أن أعمالهم فيها خير يعود عليهم فهم واهمون، والصفة المشتركة في التشبيهين هي أن الوهم وهو ما ليس واقعًا، وتصوروه على أنه واقع، فقد تصوروا أن أعمالهم حسنة؛ إذ زينت لهم أمرًا فظنّوه أمرًا حسنًا، كمن يرى السراب فيحسبه ماء وهو ليس بماء.
ولذلك نقول: إنَّ الوجهين محققان في كتاب الله تعالى، ففي التشبيه القرآني الحقيقة الصادقة، والبلاغة القائمة المعجزة، وقد أتى بالأمثلة على وجه التشبيه التي ذكرها، وتبعه الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن، فلا ضير علينا إذا تابعناه، كما تابعه من كان عصره على مقربة من عصره.
١٠٦- وقد ذكر الرماني، وتبعه الباقلاني مثلًا للتشبيه الذي شبه فيه ما لا يقع عليه الحس بما يقع بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] .
هذا ما ساقه الرماني من الآية، ولنتمّه ببيان ما فيها من تشبيه، فقد قال تعالى بعد ذلك: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ، أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٣٩، ٤٠] .
стр. 183
وقد علق الرماني على التشبيه الأول في الآية الأولى، فقال: "وهذا بيان قد أخرج ما لا تقع عليه الحاسّة إلى ما تقع عليه الحاسة، وإن اجتمعا في بطلان التوهم مع شدة الحاجة وعظم الفاقة، ولو قيل: يحسبه الرائي ماء ثم يظهر أنه كان على خلاف ما قد رأى لكان بليغًا، وأبلغ منه لفظ القرآن؛ لأنَّ الظمآن أشدُّ عليه حرصًا، وتعلق قلبه به، ثم بعد هذه الأمنية حصل على الحساب الذي يصيره إلى عذاب الأبد، نعوذ بالله من هذا الحال، وتشبيه أعمال الكفار بالسراب من حسن التشبيه، فكيف إذا تضمن ذلك حسن النظم وعذوبة اللفظ، وكثرة الفائدة، وصحة الدلالة".
ولم يبين لنا الرماني لماذا كان تعبير القرآن في التشبيه حيث يرى السراب، أبلغ من أن يقال يحسبه الرائي ماء، لم يبين بوضوح أوجه ذلك، ونرى أنَّ قول القائل يحسبه الرائي ماء يفسد التشبيه ولا يفيد الحاجة؛ لأن النص فيه ما يفيد الرغبة في طلب الماء وشدة الحاجة إليه، وذلك محقق في المشبه؛ إذ إن الذين كفروا بآيات الله في وقت حاجتهم إلى عمل صالح يظنون أن عملهم هذا منه وهم محتاجون إلى ما يتقدمون به إلى ربهم من عمل صالح، كالظمآن يطلب الماء.
وأن التشبيه يدل على حيرة الكافرين حتى يتوهموا ما لا يقبل الوقوع واقعًا، وقد أكَّد حيرتهم ما جاء بعد ذلك؛ إذ يقول : ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] .
فإذا كان التشبيه الأول شبه حالهم بحال من يتوهمون في عملهم خيرًا، فيكونون كالظمآن يحسب السراب ماء لحيرتهم، واضطرابهم وحاجتهم إلى الماء، فالمثل الثاني يصور حيرتهم، بسبب أنهم في ظلام دامس، فقد شبه حالهم من حيث الحيرة والتباس الأمور عليهم، وانقطاع المل وأنَّهم يظنّون الخير حيث لا مظنَّة، أعمالهم بظلمة حالكة فوقها ظلمة مثلها، وفوق هذه الظلمات سحاب يوجد غمَّة، فليست أعمالهم خيرًا ولكنها شرٌّ عظيم عليهم، وهم يضاعفون من الظلمات بتوالي أعمال الشر فيهم، وسيهم في طريق الغي الذي لا حدَّ له، وقد تكاتف عليهم سوء ما فعلوا.
وخلاصة ما يستنبط من التشبيهين أنهم في حيرة يطلبون ما ينجيهم فلا يجدونه، وإذا توهموه في أمر زال الوهم بالحقيقة المبصرة، وأنهم بسوء أعمالهم في ظلمات بعضها فوق بعض، وهي في نفوسهم، وما يحيط بهم ظلمة داكنة لا يجدون بصيصًا من الأمل يفتحون أعينهم لرؤيته.
والتشبيهان يعطيان صورتين من البيان تدلان على كمال الحيرة وكمال الظلمة، فالمثل الأول يعطي صورة عطشان يطلب الماء، فيتوهمه في سراب فيجري وراءه
стр. 184
عطشان صاديًا، حتى إذا أجهدته المشقة وبعد الشقة لا يجد شيئًا، والثاني يعطي صورة لشخص كانت عليه الظلمات توضع واحدة فوق واحدة. وإذا كانت فيها فرجة يرجو منها الرؤية لا يصل إليه النور للسحاب الذي كأنه الغمة، ومن تشبيه الأمر غير المحسوس بالأمر المحسوس، كالمثل السابق في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨] .
ويقول الرماني في التعليق على التشبيه: "فهذا بيان قد أخرج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه الحاسة، فقد اجتمع المشبه والمشبَّه به في الهلاك وعدم الانتفاع، والعجز من الاستدراك لما فات، وفي ذلك الحسرة العظيمة والموعظة البليغة" هذا كلام الرماني وهو صدق، وإني أذوق من التشبيه شيئًا بيانيًّا آخر، ذلك أن أولئك الكافرين كانوا يحسبون أن أعمالهم لها أثر في الوجود في زعمهم، ويتوهمون وقوع ذلك وأنهم قدموا، ولكنهم يفاجئون بربح شديدة في يوم عاصف تبدد ما كانوا عليه من أحلام، كانوا يتوهمون أنَّ ما لهم في الدنيا ينفعهم، فلمَّا جاء يوم القيامة بددت أحلامهم، فتقدموا عاطلين في حلبة العمل الطيب، وكان ذلك هو الضلال البعيد، لأنهم زعموا باطلًا، ثم رأوا الحقيقة عيانًا، وفي ضمن القول عبَّر عن عملهم بأنه سراب، أي: إنه شيء ليست له قيمة ذاتية بل هو هباء في ذاته.
١٠٧- وقد جاء الرماني بمثل فيه تشبيه ما لم تجر به العادة بما تجري به العادة، وهو قوله تعالى في توثيق الميثاق على بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٧١] ، ويقول في ذلك الرماني: "وهذا بيان قد أخرج ما لم تجر به عادة إلى ما جرت به العادة، وقد اجتمعا في معنى الارتفاع في الصورة، وفيه أعظ الآيات لمن فكّر في مقدورات الله تعالى عند مشاهدته لذلك أو علمه به، ليطلب الخبر من قبله، ونيل المنافع بطاعته".
هذا ما ذكره الرماني في معنى التشبيه، وهو تشبيه ما لم تجر به العادة، إلى ما جرت به العادة، كأنَّ التشبيه كان لغرض تقريب المعنى، وتصوير الغريب كأنه قريب، وذلك في تشبيه الجبل مرتفعًا كأنه ظلة، وهذا المعنى في ذاته صحيح، ولكنه فيما أعتقد لا يصور معنى التشبيه من كل الوجوه؛ لأن رفع الجبل كان لتوثيق الميثاق عليهم, وحملهم على الأخذ به، وإثبات قدرة الله تعالى، وإلقاء المهابة في قلوبهم، فالتشبيه بالظلة للدلالة على الإحاطة، وتصويره لهم كأنه نازل بهم واقع عليهم، ليعرفوا أنَّ ميثاق الله له رهبته، وأن عليهم طاعته، ولذلك قال سبحانه بعد أن روا الجبل مرفوعًا
стр. 185
عليهم وأنه محيط بهم ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ -أي: بعزم شديد، ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
ومن هذا النوع الذي ذكره الرماني قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤] .
وقد أخرج الرماني التشبيه كالآية السابقة في نظره، فقال: "قد أخرج ما لم تجر به العادة إلى ما جرت به العادة، وقد اجتمع المشبه والمشبه به في الزينة والبهجة، ثم الهلاك بعده، وفي ذلك العبرة لمن اعتبر، والموعظة لمن تفكر في أن كل فانٍ حقير وإن طالت مدته، وصغير وإن كبر قدره".
وما ذكره الرماني حق في إيجاره، ولكنه ناقص، ونوضحه بعض التوضيح فنقول: إن التشبيه تصوير للحياة، فإن مثلها في بهجتها ومسراتها وهناءتها والسعادة فيها مهما تبلغ من المظهر البهي، والزينة الباهرة ليس لها بقاء، وإنما مآلها إلى الفناء، كمثل الماء ينزل من السماء فينبت النبات الذي يأكل منه الناس مستمتعين، والأنعام والدواب، وأنه إذ يبلغ أقصى زخرفه ونضرته ومتعته، وامتلاء أهل الأرض بالغرور، وظنَّوا أن كل شيء في قبضة أيديهم جاءهم أمر الله، فصار النبات هشيمًا، والإنسان رميمًا، كأن لم يغن أحد بالأمس.
وإن ما ذكره الرماني صادق في إيجازه، ولكنه لا يصور الصورة التي يدل عليها التشبيه، وهو يريك الحياة كالعروس في جلوتها، ثم كالهشيم في صغاره.
ومن التشبيهات التي ساقها الرماني قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ، تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القم: ١٩، ٢٠] .
ويقول الرماني في بيان وجه التشبيه: "وهذا بيان قد أخرج ما لم تجر به عادة إلى ما جرت به عادة، وقد اجتمعا في قلع الريح لهما وإهلاكه إياهما، وفي ذلك توحد الآية الدالة على عظم القدرة، والتخويف من تعجيل العقوبة".
وإن هذا القدر الذي ذكره الرماني متحقق، ولكن لا يمكن أن يكون وجه التشبيه هو تشبيه ما لم تجر العادة به بما جرت به العادة فقط، إنما الألفاظ والأسلوب، وما يثيره من صور بيانية تعلو به عن أن يكون لمجرد إثبات ما لا تجري به العادة إلى ما تجري، إنما المقصود من التشبيه فيما نحسب تصوير عذاب الله تعالى، فالله تعالى
стр. 186
أرسل عليهم ريحًا شديدة البرد، في يوم كله بأس وشدة، وهو كالنحس عليهم، طويل في آلامه، ومستمر فيها ولو كان الزمن قصيرًا، ثم يصور الله تعالى نزع المشركين من غرورهم واعتزازهم بمالهم وطغوائهم، وينزعون بعنف شديد لا يقوون فيه على الامتناع ولا الإصرار على البقاء، كما تنزع مؤخرات وجذور نخل غاصت في أعماق الأرض.
هذا بريق التشبيه المرعد الذي يصور ما ينزل بالمشركين الذين طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد.
ومن التشبيهات التي ذكرها الرماني على أنها تقرب ما لم تجر به العادة إلى ما جرت به العادة، قوله -تعالت كلماته: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] .
وقال في التشبيه: قد أخرج ما لم تجر به عادة إلى ما قد جرت به عادة، وقد اجتمعا في الحمرة وفي لين الجواهر السيالة، وفي ذلك الدلائل على عظم الشأن ونفوذ السلطان لتنصرَّف الهمم إلى ما هناك بالأمل.
وإنَّ تصوير التشبيه وقصره على ذلك الوجه، وهو تشبيه ما لم تجر به عادة إلى ما يجري به عادة، ربما يكون غير مصور لمعنى التشبيه، وما يثير من صور.
إن التشبيه تصوير لما يقع إذ تقوم القيامة، فالسماء ذلك البناء الذي تجري فيه الكواكب والنجوم، كل في مساره، وهي البناء الذي بناه الله تعالى شامخًا عظيمًا ذا بروج صار وردة كالدهان.
ومن ذلك تصويره للدنيا إذ تقوم القيامة، فتكون السماء لينة كالورد الذي يشبه الدهن مبالغة في ليونته التي تصل إلى حد السيولة.
١٠٨- ويسوق الرماني أمثلة يتبين فيها تشبيه ما لم يعلم إلا بالنظر بما يعلم بالبداهة من غير محاولة نظر واستدلال، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] ، ويقول في التشبيه هنا: "قد أخرج ما لا يعلم بالبداهية إلى ما يعلم، وفي ذلك البيان العجيب بما قدر تقرر في النفس من الأمور، والتشويق إلى الجنة بحسن الصفة مع مالها من السعة وقد اجتمعا في العظم".
وإنا نجد الآية الكريمة في تشبيهها ليست من قبيل تشبيه ما لا يعلم بالبداهة بما يعلم بالبداهة، فإننا نرى أن كليهما لا يعلم بمجرد البداهة، بل يعلم بالنقل المصدق، فهما سواء في صلتهما بالعلم الضروري، وإنَّما إذا قيل: إنَّ المراد تصوير المعقول بما يتصور أن يكون مشهودًا محسوسًا، والجميع بإخبار الله تعالى لا بمجرد النظر، سواء كان الأمر ضروريًّا أم نظريًّا، وإنا إذا تلونا ما قبل هذا النص وما بعده وهو قوله تعالى:
стр. 187
﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١] .
ونرى من هذا أنَّ المراد السعة في النعمة، وأن السعة في النعمة كالسعة في المكان، وهي تدل عليه، والمراد من الكلام كله الحث على طلب مغفرة الله تعالى، وأن الكلام كله يصور الجنة بأنها خير من الوجود كله، وأنها أوسع، وأنه إذا كانت النار تسع كل المجرمين؛ لأن لها سبعة أبواب لكل باب جزء مقسوم، فالجنة تسع المتقين الأبرار؛ لأنها واسعة عريضة كعرض السماء والأرض.
ومن التشبيه الذي ذكره الرماني على أنه تشبيه ما لا يعلم بالبداهة إلى ما يعلم بها قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] ، ثم قال: "وهذا تشبيه قد أخرج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بالبديهة، وقد اجتمعا في الجهل بما حملا، وفي ذلك العيب لمن ضيع العلم بالاتكال على حفظ الرواية من غير، ولسنا نرى في الكلام ما يدل على أن المشبه لا يعلم بالبداهة، والمشبه به يعلم بالبداهة.
إن الذي نراه ليس علم الرواية وعلم الدراية، وإنما الذي تتجه إليه الآية الكريمة في صدرها ونهايتها، وهو تشبيه علم لا يقرنه العمل، بعدم العلم، فهم يحملون علمًا لا ينتفعون به عملًا، بل يعملون بنقيضه، يحملون علم الهداية ولا يهتدون، كمثل الحمار يحمل أسفارًا.
وكان تشبيههم بالحمار الذي يحمل أسفارًا وهو غير صالح للانتفاع، وفي التعبير القرآني إشارة بيانية تبيّن أن العمل هو ثمر العلم، ولا يقال أنَّه قد نال من أخذه من غير عمل، وذلك قوله تعالى: ﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ أنَّ الله حملهم التوارة علمًا لأجل العمل، فعلموها ولم يعملوا بها، فكانوا غير حاملين.
١٠٩- وقد ساق الرماني من تشبيهات القرآن تشبيهات فيها المشبه يكون أضعف صفة من المشبه به فيلحق به؛ لأنه أقوى صفة منها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِي الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الرحمن: ٢٤] ، ويقول في ذلك: "فهذا تشبيه قد أخرج ما لا قوة له في الصفة إلى ما له قوة فيها، وقد اجتمعا في العظم، إلا أن الجبال أعظم، وفي ذلك العبرة من جهة القدرة فيما سخر من الفلك الجارية مع عظمها، وما في ذلك من الانتفاع بها، وقطع الأقطار البعيدة فيها"، وإن ذلك الكلام حق، فإنَّه إذا كان الجامع بين المشبه والمشبه به القوة، فالجبل أقوى، وإذا كان الظهور فالجبل أظهر، ولكن يلاحظ أنَّ المقصود من التشبيه لا يعني به الرماني كثيرًا، بل تكون عنايته بالأوصاف الظاهرة، أو المقاصد القريبة. وأن المقصود في هذا السياق هو بيان سر الله
стр. 188
تعالى في خلقه وتخيره للإنسان، فإنه إذا كانت الجبال والأوهاد وجدها الإنسان كذلك، وهي رواسي الأرض، وبها ثباتها، فإن الجواري وهنَّ السفن التي تقارب في علوِّها وفي قوتها وأثقالها الجبال تجري على الماء وهو يحملها مع أنه سائل لا صلابة فيه، وتجري فيه، وتنقلهم إلى بلد لم يكونوا واصلين إليه بغيرها، فقدرة الله تعالى فيها أظهر؛ لأنها منشأة ترى نشأتها، وهي تجري بأمر الله تعالى ولا يجرونها.
ويضرب الرماني مثلًا فيما يجري في المعنويات. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٩] . ثم يقول: "وفي هذا إنكار لأن تجعل حرمة السقاية والعمارة كحرمة من آمن بالله وكحرمة الجهاد، وهو بيان عجيب، وقد كشفه التشبيه بالإيمان الباطل والقياس، وفي ذلك الدلالة على تعظيم حال المؤمن بالإيمان، وأنَّه لا يساويه مخلوق على صفته في القياس، ومثله قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] .
ونجد الرماني في المثال يأتي بالتشبيه منفيًّا مستنكرًا، كما أتى به محققًا موجهًا، فإنَّ الاستفهام هنا لإنكار الواقع، فهُم قد آثروا أن يكونوا عامرين للبيت، قائمين بالسقاية والرفادة، وتنافسوا على ذلك زاعمين أنّ فيه الخير كله، وأنه قد يغنيهم عن الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله، بل يزعمون أنهم بدانة البيت الحرام، والقيام على السقاية والرفادة أفضل ممن آمن بالله وجاهد في سبيه، والحقيقة أنهما لا يستويان، فالإنكار للمشابهة والتساوي بينهما فضلًا عن اعتبار السقاية والعمارة أفضل وأشرف. والله أعلم.
هذا ما ساقه الرماني من وجوه التشبيه، وقد نقلناها، كما نقلها الباقلاني؛ لأنها وجوه لها اعتبارها؛ ولأن فيها ضبطًا لأقسام التشبيهات القرآنية، وإن كانت غير شاملة لكل الأقسام، بل إنها ذات وجوه شتى.
ولكنه لم يتعرض إلا قليلًا لأغراض التشبيهات ومراميها، وما تصوره من صور بيانية، وما تنتجه من بسط للمعاني النفسية، وتوجيه للحقائق الكونية والروحية، ووصف للملائكة الأطهار، والآدميين الأخيار.
ولنضرب بعض أمثلة القرآن الكريم التي تجعل فيها المعاني كأنها صور محسوسة لافتة للعقول إلى الكون وما فيه، أقرأ قوله تعالى في تشبيه المنافقين وترددهم بين الحق والباطل، وظهور ضوء الحق، وعمي بصائرهم عنه، فقد قال تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] ، وترى هنا تشبيه حال المنافق المضطرب بين
стр. 189
الحق والباطل، ولكن يريد الحق تابعًا لهواه، فهو يطلبه ليستضيء بنوره، ولكن ما أن يبدو النور حتى يصاب بالعمى بسبب الهوى الذي يسيطر على قلبه، فيضيء النور ما حوله، ولا يستضيء به، وهو الذي استوقد النار، ثم ينتهي أن يصبر كالصمّ الذين لا يسمعون؛ لأنه لا يستمع لنداء الحق، ويصير كالبكم؛ لأنه لا ينطق بالحق الذي يجب عليه أن ينطق به، وكالأعمى الذي لا يميز بين الأشياء؛ لأنه قد طمس الله تعالى على بصيرته فأصبح لا يميز بين باطل استهواه لفساد قلبه، وحق قامت البينات عليه، وفي الحكم عليهم بالصم والبكم والعمي تشبيهات فردية، وهي تقوم على التشبيه.
والتشبيه في هذا النص تشبيه حالٍ بحال، والآية صريحة في ذلك؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ، أي: حالهم كحال الذي استوقد نارًا، فهو تشبيه تمثيلي شبهت حال المنافقين، وأكثرهم من اليهود في كونهم كانوا يتطلعون إلى نبي قد حان حينه، وأدركهم إبانه، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فلمَّا بدا الضوء أضاء من حولهم، ولم يستضيئوا به، فلم يهتدوا بقولٍ سمعوه، ولا نطقوا بحق عرفوه، ولا استرعتهم بينات رأوها فكانوا صمًّا بكمًا عميًا.
وقد ضرب في السياق القرآني مثلًا بتشبيه آخر، بمثل جانبًا من جوابنهم، فقال بعد التشبيه الأول: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ، يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٩، ٢٠] .
وفي هذا المثل شبه حالهم بأمرين: كل واحد منهما تشبيه قائم بذاته، أولهما: إنَّه شبه حالهم بحال قوم أصابهم مطر شديد ينصب عليهم انصبابًا، صحبه غمام بعد غمام فيه ظلمة بعد ظلمة وفيه رعد وبرق، وفيه الإنذار بالعذاب الشديد، فهم في خوف ووجل يحسبون كل صيحة فيها الموت، ويجعلون أصابعهم في آذانهم حذر الموت، وفي هذا تصوير لنفس منافقة، فهي نفس تائهة فارغة دائمًا لا تستقر على أمر، ولا تطمئن على قرار، فهم في اضطراب؛ لأنهم لا يؤمنون بشيء، والإيمان هو المطمئِن دائمًا، ألا بذكر الله تطمئن القلوب، وإذا كان التشبيه السابق يصور حالهم في طلب الدليل وعدم الأخذ به لغلبة الهوى، وسيطرة الشهوة، والجحود الموروث، فهذا التشبيه يصور حالهم من هلع مستمر، وخوف من غير مخوف، ولذلك يقول بعض علماء النفس: إنَّ النفاق منشؤه ضعف في النفوس.
والتشبيه الثاني متفرع عن التشبيه الأول، وإن كان يصلح تشبيهًا قائمًا بذاته، وهو ما أومأ الله تعالى إليه بقوله: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ ، وإن هذا تتميم للأول،
стр. 190
وهو أيضًا قائم بذاته، فإنه إذا كان الرعد يجعلون أصابعهم في آذانهم به، فالبرق الذي يصحب الصيب شديد مفزع له بريق يكاد يخطف أبصارهم، ولكن كان هو تشبيهًا لحالهم، وهي أنَّ المنافق متردد دائمًا، فالبريق يضيء لهم فيمشون فيه، ولكن سرعان ما تظلم عليهم نفوسهم فيقيمون حيث هم من نفاق، ويختم الله تعالى النص القرآني في هذا التشبيه المحكم ببيان قدرة الله تعالى وسيطرته عليهم، وأنَّه سبحانه لو شاء لأفقدهم سمعهم وبصرهم حقيقة، كما فقدوا سماع الحق استماع إنصات، وإدراكه إدراك طالب للحقيقة.
والتشبيه في هذا المثل كسابقه تشبيه تمثيلي، إنَّه شبَّه حالهم في ضعف نفوسهم والبلبال المسيطر عليهم واضطراب أحوالهم بحال قوم أصابهم مطر لم يكن غيثًا منقذًا، بل مرهبًا ومفزعًا، فكانوا في خوف واضطراب من غمام مظلم، وريح عاصف، ورعد قاصف، وبريق خاطف، وصاروا يجعلون أصابعهم في آذانهم حذر الموت، فهو تصوير لضعفهم، وفي التشبيه الثاني الذي هو فرغ بالنسبة لما قبله، تصوير لفزعهم من البرق، وتصوير لكون أسباب الهداية بين أيديهم، وهي في ذاتها مضيئة، ولكنها تظلم عليهم فيقيمون على نفاقهم، ويستمرون في غيهم، والله قاهر فوقهم، لو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم.
١١٠- وقبل أن نغادر الكلام في التشبيه إلى الاستعارة، وهي لون من ألوانه لا بُدَّ أن نشير إلى أمور ثلاثة:
أولها: إن التشبيه بلا شك من أسرار الإعجاز، ويعده الباقلاني من أسباب الإعجاز، ولكن بعد الكلام في القرآن من غير مجاز ولا تشبيه بأيّ لون من ألوانه معجزًا بلغ ذروة البلاغة من غير أن تعرف سببًا واضحًا يدرس على أساسه، وتتعرف اسرار البلاغة فيه من إشعاعه، وليس معنى ذلك أنَّ الإعجاز ليس بيانيًّا، بل هو بياني، ويبدو ذلك في تساوق المعاني، وأخذ الألفاظ بعضها بحجز بعض في إحكام قول ونغم ورنين يكون أحيانًا شديدًا يصك آذان المنذرين، وأحيانًا كأنه نسيم عليل يحيي النفوس ويشفي أسقام القلوب، وأحيانًا يكون وصفًا عميقًا لخواطر النفوس، وما يستكن في القلوب، وهذه هي البلاغة في القرآن التي تعلو أن توضيحها الأفهام كما يرى ضوء الشمس ولا يعرف كنهه، وكما تحس بالحرارة الدافئة، ولا تعرف ماهيتها، والله على كل شيء قدير.
الأمر الثاني: إنَّ تشبيهات القرآن أيًّا كان وجهها صور بيانية، تتضح منها الحقائق الظاهرة، والمعاني العاطفة، كأنها أمور محسوسة مرئية، فإذا كان التشبيه يأمر محسوس كانت الصورة البيانية كأنها مرئية واضحة، فالتشبيه الأول من تشبيهات المنافقين تقرؤه كأنَّك ترى رأي العين رجلًا استوقد نارًا، والسين والتاء للطلب، وهما يدلان على أنه
стр. 191
بذل مجهود في طلب الضوء، وعالج الأمور في طلب الوقود، حتى وصل إليه بجهد ومشقة، ولكن ما إن أضاء حتى ثبت أنه لم يكن في الضوء فائدة له، فلم ير النور الذي طلبه، وأصمّ أذنه عن الحق، وانقبض لسانه فلم ينطق بحق، والبيان القرآن الكريم صور ذلك كأنك تراه لا تقرؤه، تعالت كلمات الله.
والتشبيه بما تضمَّن من تشبيه في آخره يريك صورة الضعف وما يحدثه النفاق في النفوس من ضعف يجعلها تطير حول كل مطار، ولا تطمئن على قرار، فهي تسير برعونة نحو المطامع، وتستخذي وتذل أمام المفازع، وقد شبههم بقوم نزل عليهم مطر ينصب انصبابًا، والظلمات قد صارت كسقف مرفوع فوقهم، والرعد بهزيمه يزعجهم، والبرق يخطف أبصارهم، وذلك تصوير كأنه المرئي، وتبين لمعنى الخوف والاضطراب الذي يسكن قلوبهم، ويجعلهم بين خوف يؤرقهم، ومطامع تحركهم، والشر يحوط بهم في كل أحوالهم.
الأمر الثالث: الذي نجده في تشبيهات القرآن أننَّا نجده يقرب المعاني، ويأخذ من التشبيهات الأدلة المفرقة بين الحق والباطل، اقرأ قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٥، ٧٦] .
ونرى أن التشبيه الأول من قبيل التمثيل، وهو تشبيه حال من يعبد الأصنام إذ يسوي بينها وبين الخلاق العليم -بحال من يجعل العبد الملوك الذي لا يقدر على شيء بحال من رزقه الله تعالى رزقًا حسنًا، وهما لا يستويان حالًا وشأنًا، النتيجة لا يستوي صنم لا يقدر على شيء بالله تعالى الذي يملك الوجود كله، وهو على كل شيء قدير.
وفي التشبيه الثاني كان التشبيه بين حال المشركين في تسويتهم بين الله القادر، والحجر الذي لا يضر ولا ينفع، وحال من يسوي بين رجل أبكم وهو كَلٌّ، وبين رجل ينطق بالحكم ويقيم العدل لا يستويان، فلا تصح عبادة الأوثان وتسويتها بالله.
وإن الله يقرّب الحقائق بين قوم حسيين بالمحسوسات، يضرب الأمثال بالتشبيهات لتقريب الحقائق، وتوضيح الأدلة بما يقربها، ولو كان ذلك بالأشياء التي يستحقرها المشركون، وهي في ذاتها ليست بحقيرة ولكنها جليلة، لأنها من خلق الله تعالى، ولقد قال الله تعالى في ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً ﴿فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] .
وبعد: فإنَّ القرآن غذاء الأرواح، ومائدة الله للنفوس مختلف ألوانها، وكلها طيب الثمرات، نفعنا الله به وجعله درعنا في الأحداث التي تتنزل بنا، نأوي عنده ونركن إليه، ولا نعشو إلا إلى ضوئه.
стр. 192
الاستعارة:
١١١- الاستعارة ضرب من ضروب التشبيه، وتكون العلاقة بين المعنى الأصلي للفظ بالوضع الأصلي والمعنى في الاستعمال المجازي المشابهة، فإذا قال القائل عن رجل شجاع معبرًا عنه بكلمة الأسد، أو قال عن رجل خطيب شجاع أنه على ابن أبي طالب، فإن العلاقة تكون في الأول الشجاعة التي يضرب بالأسد المثل فيها، وفي الثاني الشجاعة والخطابة.
وعلى ذلك يكون بين التشبيه والاستعارة اتصال، وإن شئت فقل: إنها طريق من طرق التشبيه، أو هي تشبيه فيه مبالغة، فإن المشبه يدّعي فيها أنه فرد من أفراد المشبه به، ولذلك لا بُدَّ فيها من أمرين: أولهما: ألَّا تكون ثمَّة أداة تشبيه كالكاف أو الاستعمال أو أن يكون المشبه محمولًا عليه والمشبه محمولًا مثلًا، وألا يكون المشبه مذكورًا بأي صورة من الصور، وثانيهما: أن يكون اللفظ الدال على المشبه به لفظًا عامًّا كاسم جنس، لكن يدخل المشبه في عموم أفراده بمظهر اللفظز، كأن يقول: تقدم للأعداء أسد له لبد، فانتقم الله تعالى به منهم، فإن قرينة القول تدل على أنه إنسان، وكأنك ادَّعيت أنَّ من أفراد الأسد ذلك الرجل الشجاع الذي أطلقت عليه اسم الأسد.
وقد عرَّف أبو الحسن الرماني الاستعارة، فيقال: وهي تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على جهة النقل للإبانة، وهذا التعريف هو في معنى ما ذكرنا، غير أنَّه أشار إلى أن الاستعارة نقل اللفظ من المعنى الذي وضع له إلى معنى آخر لعلاقة المشابهة بين المعنيين، وهو في المعنى ادّعاء أنَّ لفظ المشبه به اتسع حتى صار عامًّا، فدخل في عمومه المشبه، ويفرق بين المعنى بالوضع الأول والمعنى بالوضع الثاني بالقرينة، فهي مانعة من إرادة المعنى بالوضع الأصلي.
والاستعارات في ألفاظ القرآن كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا
стр. 193
تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] .
فالتعبير بأمّ الكتاب تعبير مجازي بالاستعارة؛ لأنَّ الأم هي الأصل وهي التي تقوم على أولادها، ويرجعون إليها في غذائهم وعواطفهم، فتشبهت بها الآيات المحكمات التي هي أصل الدين ومرجعه, وإذا كانت متشابهات، فهي تفسير بالرجوع إلى هذا الأصل، وهو المحكمات.
ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] ، والتعبير مجازي بالاستعارة، والمراد بالأم الأصل، وهو الشريعة المتفقة في كل الديانات، فينسخ الله تعالى ويثبت، ولكن أصل هذه الشرائع لا يتغير، وهو الذي بينه الله تعالى في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] .
ومن الاستعارة في الأفعال قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ﴾ [التوبة: ١١١] . فقد شبه تقديم المؤمنين أنفسهم رجاء ما عنده من نعيم مقيم ورضوان من الله أكبر، شبَّه ذلك بمبايعة بينهم وبين ربهم لكمال الالتزام عليهم، ورجاء ما طلبوه من رضوان ونعيم مقيم، وهي استعارة تمثيلية، والاستعارة التمثيلية فيها تشبه حال بحال، لا تشبيه ألفاظ مفردة بمثلها، وإن المشبه محذوف، ولذا تحقق كونها استعارة.
ومن الاستعارة التعبير عن النفاق بالمرض، وإن ذلك كثير في القرآن، ومنه قوله تعالى في وصف المنافقين: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠] ، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥] .
وفي الآيتين الكريمتين نجده عبَّر عن النفاق بالمرض، وذلك للمشابهة بين مرض الأجساد والنفاق، فهو يفسد القلوب، والعقول والمدارك، كما يفسد المرض الأجساد ويضعف الحركات وقد يشلها، ومعه الوهن دائمًا.
ومن الاستعارات القرآنية التي تعلو إلى أسمى مراتب البلاغة، ولا يصل إليها بيان إنساني، إنما هو بيان القرآن فقط، قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً
стр. 194
مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] .
ففي هذا النص السامي تلاقينا عدة استعارات تبلغ أعلى درجات السمو البياني، ولنأت من آخر النص الكريم، فآخره كأوله من اجتذاب النفوس والعقول والمشاعر إلى معانيه ومبانيه، أضاف اللباس إلى الجوع، وفي ذلك تشبيه بالجوع من إضافة المشبه به على سبيل الاستعارة، فالجوع القائم المستمكن الذي يعم فيه القل ويكثر العدم، والخوف الذي يفزع النفوس، ويذهب بالاطمئنان، ويلقي بالاضطراب شبه باللباس السابغ؛ لأن اللباس يعم ويكسو الجسم كله، وكذلك الجوع إذا عمّ، والخوف إذا طمّ، فإنه لا يبقى في الجماعة أحدًا لم ينله؛ لأن الأزمات الجائحة، والخوف من عدو داهم لا ينجو منه أحد، فكان التعبير عن هذه الحالة باللباس، وفوق ذلكم فإن اللباس يلتصق بالجسم ويلازمه ولا يفارقه، وكذلك الجوع والهم والغم والخوف، وفي ذلك تصوير للأمة أو المدينة إذا عمَّها البؤس والشقاء وداهمها الخوف من كل ما يحيط بها.
وهناك استعارة أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ﴾ فإن اللباس يلبس ولا يذاق، ولكن لباس الجوع والخوف؛ لأنه يتصل بالنفس، وبالنعمة تزول بعد أن كفروا بها، عبر عنه بالذوق، فشبه حال النزول بحال الإذاقة، للنزول الذي ترتب عليه أن أحسّوا بمرارة المذاق بعد أن كانوا في بحبوحة العيش، فكان التعبير بأذاق أنسب لهذا المعنى.
وهناك استعارة تمثيلية ثبتت من مجموع العبارات، وهي تشبيه حال جماعة من الناس كانت مؤمنة مرزوقة، فلما كفرت بالنعم فلم تقم بحقها، ولم تؤد الطاعات، ولم تنته عن المنهيات بحال قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها واسعًا من كل مكان فجحدت نعمة الله تعالى فضاق زرقها، وبدلت من الأمن خوفًا، ومن الرعد جوعًا.
١١٢- ومن الأمثلة التي ساقها الرماني للاستعارة قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] ، يقول في التعليق على هذا النص الكريم: أصل الاشتعال للنار وهو في هذا النص أبلغ، وحقيقته كثرة شيب الرأس، إلّا أن الكثرة لما كانت تتزايد تزايدًا سريعًا، صارت في الانتشار والإسراع كاشتعال النار، وله موقع ف البلاغة عجيب، وذلك أنه انتشر في الرأس انتشارًا لا يتلافى كاشتعال النار.
وإنَّ هذا التعبير لم يكن معروفًا عند العرب، وذلك أنه شبه انتشار الشيب باشتعال النار، للسرعة وللبياض وللملازمة؛ ولأنه ينتهي بتدمير ما تتصل به، وتجعل حطامه ترابًا.
стр. 195
ويسوق الرماني من أمثلة الاستعارة قوله تعالى: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس: ٣٧] ، ويقول الرماني في ذلك: "نسلخ مستعار، وحقيقته يخرج منها النهار، والاستعارة أبلغ؛ لأن السلخ إخراج الشيء مما لابسه، وعسر انتزاعه منه لالتصاقه به، فكذلك لباس الليل".
هذا ما قاله الرماني، ولكي نتصور الاستعارة وما تضفيه من معانٍ على الحقيقة المجردة نقول: إنَّ مفردات الراغب الأصفهاني جاء فيها من مادة سلخ، السلخ نزع جلد الحيوان، وقال تعالى: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ أي: ننزعه، ومؤدَّى هذا الكلام أن المسلوخ المنزوع هو النهار، وأنَّ الجسم الذي انسلخ منه هو الليل، ولذلك قال تعالى كنتيجة للسلخ: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ ، أي: إنا لنزع كانت نتيجته أن صار الناس في ليل مظلم، ويكون معنى الاستعارة أنَّ القرآن الكريم شبه فيه النهار بالنسبة لليل بإهاب من النور أحاط بالليل إحاطة الإهاب بالشاة مثلًا، فلما نزع كان الليل، والجامع بين السلخ والنزع، وهو الرفع لشيء ملازم محتك، ولا شكَّ أن الاستعارة أبلغ كما ذكر الرماني، ولكن ما وجه البلاغة المفضلة، نقول فيما نحسب أن الاستعارة تدل على أن الذي أحاط هو النهار، ونسلخ لا تدل على أيهما هو المحيط بالآخر، ولكن المسلوخ هو النهار، إن هذا يدل على أن النور بالنسبة للكرة الأرضية عارض من نور الشمس، ولذلك ذكر الله الشمس فقال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٨، ٣٩] .
ومن الاستعارات الواردة في القرآن التعبير عن العلم والإيمان بالنور وعن الكفر والعناد بالظلمات، مثل قوله في أول سورة إبراهيم: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ، وقد قال في ذلك الرماني: "كل ما جاء ذكره من الظلمات إلى النور فهو مستعار، وحقيقته من الجهل إلى العلم، والاستعارة أبلغ، لما فيه من البيان بالإخراج إلى ما يدرك بالأبصار".
وإن الظلمات ليست الجهل فقط، بل هي تشمل الجهل والكفر والجحود والعصبية الجاهلية وكل ما يسيطر على الأنفس من غير سلطان من الحق ولا العقل، ولا الاتجاه إلى الحق في طريق مستقيم لا التواء فيه، ولذلك عبَّر عن الباطل بالظلمات؛ لأن له أسبابًا متكاثفة بعضها فوق بعض والنور واحد، وهو الحق وطلبه والإذعان له.
وإن الإخراج من الظلمات إلى النور نقول أنه استعارتان، إن جلعنا الاستعارة في معنى الظلمة، فاستعير لفظ الظلمة وهي حسية للجهل والكفر وتحكم الهوى والجحود؛ لأن هذه يحدث منها ضلال في طلب الحق، كما يحدث الضلال من السير
стр. 196
في الظلام، فكان وجه الشبه الضلال في كلٍّ، والإيمان مع الإذعان له يبعد عن الضلال بالنور إذ يبعد عن الضلال، كما يبعد النور عن السير في الطريق الضال، ويهدي إلى الطريق المستقيم، أو نقول: إن القرآن الكريم يشبِّه حال الضالين الذين يطلبون الحق ويجدون الهداية ويأخذون بها، ومع رسولهم الكتاب المبين الذي يهدي، بحال أولئك الذين يكونون في ظلام دامس لا يهتدون معه، ويخرجون من الظلمة الحالكة إلى النور، فهو تشبيه حال بحال بجامع الحيرة ثم الاهتداء في كلٍّ.
١١٣- ويذكر الرماني من الاستعارة البيانية قوله تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١] ، ويقول في ذلك الرماني: "العقيم مستعار للريح، وحقيقته ريح ليس بها سحاب غيث، والاستعارة أبلغ؛ لأن حال العقيم أظهر من حال الريح التي لا تأتي بمطر؛ لأن ما يقع لأجل حال منافية أوكد مما يقع في حال منافية وأظهر، والمعنى: إنَّ الاستعارة هنا في لفظ عقيم؛ لأنَّ العقيم لا يرجى معها خير قط ولا تنتج؛ لأن العقم حال تمنع الإنتاج، فعدم إنتاج الريح بماء ذكر سببه، وهي أنها ليست منتجة بذاتها كحال العقيم التي لا تحمل ولا تلد، والوصف بالعقم مناسب لأنهم توقعوا أن يكون غيثًا، فكان فيها الهلاك، ولقد بيِّنَ الله تعالى معنى عقمها في آية أخرى، فقال تعالت كلماته: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ، تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٤، ٢٥] .
وهكذا نجد الاستعارات البيانيية في القرآن كثيرًا؛ وذلك لأسباب كثيرة نذكر منها ثلاثة:
أولها: إنَّ اللغة العربية لا تتسع للمعاني النفسية السامية في القرآن، فإنه علم تدل على حقائقه ألفاظ ذات دلالة معينة، وكانت بلغة العرب الذين لم يصلوا هم ولا غيرهم إلى الحقائق العلمية والنفسية التي يتصدى القرآن الكريم لبيانها، وكشف عيون الحقائق فيها، فكان لا بُدَّ من الاستعانة بالاستعارة من الألفاظ التي وضعت للمعاني الحسية لتكشف بها العلوم النفسية والاجتماعية والعقلية، ولتقرب المعاني إلى ذهن الأعراب، ومن هم أعلى منهم إدراكًا؛ لأنه الكتاب المبين، وليخرج الأميين إلى حيث العلم وإلى الكتاب الذي علم الإنسان ما لم يعلم.
ثانيها: إنّ القرآن الكريم فيه الأخبار عن الأمور المغيبة التي وقعت في الماضي، والأمور القابلة، وخصوصًا ما يكون في الجنة من نعيم وفي النار من عذاب أليم، فنعيم الجنة فيه فاكهة ونخل ورمان، وفيها أنهار من عسل مصفى، وفيها أنها من خمر لذة للشاربيين، وهكذا، ولكن أهي من نوع خمر الدنيا، وفاكهتها؟ لقد ورد عن ابن عباس
стр. 197
أنها ليست كخمر الدنيا، وما يذكر فيها ليس من نوع ما في الدنيا، ولا من جنسه، ولقد قال ﵊: $"فيها مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر".
ونحن نؤمن أولًا بأنَّ نعيم الجنة حسي وعذاب النار حسي، ونؤمن ثانيًا بأنَّ كل ذلك ليس من جنس ما هو في الدنيا، بل هو أعلى وأعظم، فكأن الألفاظ التي تقال عن ذلك مستعارة من ألفاظ الدنيا، ليمكن تقريبها إلى النفوس والأشخاص الذين لا يرون إلا المحسوس.
ثالثها: إنَّ الاستعارة تثير صورًا بيانية في الألفاظ والمعاني كالتشبيه؛ لأنها تربط بين المعاني بعضها مع بعض، وفيها نقل ألفاظ الناس من معان إلى القريب منها المتناسب معها، فوق ما يثيره من أخيلة تحلق بالتالي للقرآن في أجواء من البيان، اقرأ قوله تعالى في تصوير حال من اعتراه الندم، ولا يجد مخلصًا إلا أن يعترف قوله: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٩] .
فالتعبير في قوله تعالى: ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ هو استعارة في الدلالة على الندم؛ لأن النادم يحس بالسقوط، ويحس بأنه هبط، فشبه القرآن حالهم في أن الندم برح بهم بمن سقط في يده، وهو دال على سقوطه فيما لا يليق، فشبه المعنى الخاص بالندم من ألم، ومن ظهور للخطأ، أو الإحساس بالخطيئة بمن سقط في يده دليل إثمه، ولا يجد مناصًا من التخلص من جرمه، وأنَّ الصورة البيانية التي تصورها كلمة سقط، وتبين حالهم لا يقوم مقامها كلمة ندموا.
ولقد صوَّر حال أهل الكهف في أنهم لا يسمعون.
فقال ﵎: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ [الكهف: ١١] .
فإن كلمة ضرب تدل على أن الله تعالى منع السماع، كأنه غلق عليهم باب السمع، وضرب عليه، فلا يفتح سنين عددًا، وذلك يصور حالهم من أنهم لا يسمعون ما يجرى، والناس يسحبونهم أيقاظًا يحسون بما يحس غيرهم، ولقد بيِّن الرماني معنى الاستعارة هنا، فقال: حقيقة معناه، منعناهم الإحساس بآذانهم من غير صمم، والاستعارة أبلغ؛ لأنه كالضرب على الكتاب فلا يقرأ، كذلك المنع من الإحساس فلا يحس، وإنما دلَّ على الإحساس بالضرب على الآذان دون الضرب على الأبصار، لأنه أدلّ على المراد من حيث كان قد يضرب على الأبصار من غير ذهاب للبصر فلا يبطل الإدراك رأسًا، وذلك بتغميض الأجفان، وليس كذلك منع الأسماع من غير صمم في الآذان؛ لأنه إذا ضرب عليها دلَّ على عدم الإحساس من كل جارحة يصح بها الإدراك ولأنَّ الآذان كانت طريقهم إلى الانتباه، فلما ضربوا عليها لم يكن سبيل الله.
ومؤدَّى هذا الكلام أنَّ الضرب على الآذان يفيد فقد الإحساس المطلق بعمل الله، وهو غير الضرب على الأبصار؛ لأن عدم الإبصار لا يقتضي فقد الإحساس؛ إذ قد يكون غير مبصر بإغماض، ولكن الإسماع لا يفقده مع بقاء الآلة سليمة إلا بفقد الإحساس، فإذا كان الله تعالى قد ضرب على آذانهم مع بقاء الآذان سليمة، فإن ذلك لا يكون إلا بفقد الإحساس، والله على كل شيء قدير.
стр. 198
المجاز والكناية:
١١٤- المجاز يعم الاستعارة وغيرها من أنواع المجاز؛ إذ إنَّ المجاز معناه أن ينقل اللفظ من دلالته على المعنى الذي وضع له إلى معنى آخر، ولعلاقه بينهما، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي، مثل قوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ، سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٧، ١٨] .
فإن المكان لا يدّعي إنما يدعي من يحلون في هذا المكان، والقرينة الاستحالة، والعلاقة هي المحلية، أطلق المحل وأريد الحال، ومثل قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩] .
والآذان لا تدخلها كل الأصابع، وإنما أريد بعضها، والعلاقة هي الجزئية أطلق اسم الكل وأريد الجزء، وهكذا.
وتختص الاستعارة من بين أنواع المجاز بأنها مجاز علاقته المشابهة بين المعنى الأصلي والمعنى الذي نقل اللفظ إليه، وقد كان التقسيم المنطقي يوجب أن نتكلم في استعارات القرآن بعد الكلام في المجاز ذاته؛ لأنَّ الكلام في العام يسبق الكلام في الخاص؛ إذ إن العام جزء من الخاص، والخاص جزئي والعام كلي، ومن المقررات المنطقية أن كل عام جزء لجزئيه، ويضربون ذلك مثلًا بالحيوان والإنسان، فالإنسان حيوان ناطق، فيتكون من جزءين؛ جزء هو الحيوانية، والثاني النطق بمعنى العقل والإدراك، ووزن الأمور، فالحيوان وهو الكلي جزء من الإنسان، وهو النوع الجزئي.
ولكن عدلنا عن منطق التقسيم في التصنيف إلى تقديم الجزئي على الكلي أو إلى تقديم الاستعارة على عموم المجاز؛ لأن الاستعارة من حيث إنَّ العلاقة فيها المشابهة كانت ضربًا من ضروب التشبيه، دخل فيه المشبه في عموم المشبه به، فكانت المناسبة بينها وبين ما سبقها من تشبيه أقوى من دخولها في عموم المجاز.
стр. 199
وقدمنا الاستعارة لأنها أشهر وأكثر في القرآن، وأكثر تصويرًا لمعاني البيان، والصور البيانية القرآنية فيها أوضح، وقد ضربنا على ذلك الأمثال، وقصر عبد القاهر في كتابه "دلائل الإعجاز" القول على الاستعارة وما يتبعها من تمثيل وضرب للأمثال، فقد قال -رضي الله ﵎ عنه:
"وأنا أقتصر هنا على ذكر ما هو أشهر منه -أي: من المجاز- وأظهر، والاسم والشهرة لشيئين الاستعارة والتمثيل، وإنما يكون التمثيل مجازًا إذا جاء على حد الاستعارة".
فالاستعارة أن تريد تشبيه الشيء بالشيء، فتدع أن تفصح بالتشبيه وتظهره وتجيء إلى اسم المشبه به فتعتبره المشبه وتجريه عليه، تريد أن تقول: رأيت رجلًا هو كالأسد في شجاعته وقوة بأسه سواء، فتدع ذلك وتقول: رأيت أسدًا.
وأما التمثيل الذي يكون مجازًا لمجيئك به على حد الاستعارة فمثاله قوله في الرجل يتردَّد في الشيء بين فعله وتركه: أراك تقدّم رجلًا وتؤخِّر أخرى، فالأصل في هذا أراك في ترددك كمن يقدّم رجلًا ويؤخر أخرى، ثم اختصر الكلام، وجعل كأنه يقدم رجلًا ويؤخّر أخرى على الحقيقة.
وكذلك نقول للرجل يعمل في غير معمل: أراك تنفخ في غير فحم، وتخط على الماء، فتجعله في ظاهر الأمر كأنه يخط، والمعنى على أنّك في فعلك كمن يفعل ذلك، ويقول في الرجل يعمل الحيلة حتى يميل صاحبه إلى الشيء قد كان يأباه، ويمتنع منه: ما زال يفتل له في الذروة والغارب، حتى بلغ منه ما أراد، فتجعله بظاهر اللفظ كأنَّه كان من فتل ذروة وغارب، والمعنى على أنه لم يزل يرفق بصاحبه رفقًا يشبّه حاله فيه حال الرجل يجيء إلى البعير الصعب فيحكه، ويفتل الشعر في ذروته وغاربه حتى يسكن ويستأنس، وهو في المعنى مثل الرجل يقول: فلان يقرد فلانًا، يعني به أنه يتلطف له فعل الرجل ينزع القراد من البعير ليلذ لذلك، فيسكن ويثبت في مكانه، حتى يتمكن من أخذه، وهكذا كل كلام رأيتهم قد نحوا فيه هذا التمثيل، ثم لم يفصحوا بذلك، وأخرجوا مخرجه، وإن لم يريدوا تمثيلًا.
وإنَّ الأمثال كلها من قبيل التمثيل، وهو من باب الاستعارة، كما قال عبد القاهر ذلك؛ لأنَّ الاستعارة ذات شعبتين، إحداهما أن تكون في تشبيه شيء بشيء، من غير أداة كتشبيه الرجل بالأسد، وتشبيه حال بحال، وهو التمثيل، وهاتان الشعبتان تجريان في التشبيه الذي يكون بأداة التشبيه، كما تكونان في الاستعارة؛ إذ إنهما متلاقيان في المعنى والاختلاف في طريق الأداء.
стр. 200
ومن الاستعارة التمثيلية ظهرت الأمثال التي تعد من جوامع الكلم، فهي ليست إلا تشبيه حال بحال، فهي تشبيه حال مضربها بحال موردها، تقول العرب: "الصيف ضعيف اللبن" فموردها أنَّ شيخًا طلب يد فتاة فردتها لكبر سنّه، وكان الزمان صيفًا، ثم احتاجت من بعد إلى قدر من اللبن عنده، فقال لها: "الصيف ضيعت اللبن" فصار مثلًا يضرب لمن يرفض أمرًا، ثم يجيء يطلب شيئًا ما كان يحتاج إليه لو لم يرفض.
وهكذا، والأمثال من أبلغ كلام العرب؛ لأنها تؤدي معانيها في أوجز لفظ، وأروع خيال.
١١٥- وإن عبد القاهر يعد طرق التعبير ثلاثة، الحقيقة، ويدخل فيها التشبيه على طريق علماء البلاغة، وقد بيَّنَّا من قبل أننا نعد الحقيقة ما لا يدخل في عمومها التشبيه، ولا مشاحة في الاصطلاح، والاختلاف لفظي.
والثاني من طرق البيان المجاز، وقد أشرنا إلى القول فيه.
والثالث من الطرق الكناية: ويعرف عبد القاهر الكناية بأنها: "أن يريد المتكلم إتيان معنى من المعاني، فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة، ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود، فيؤتى به إليه، ويجعله دليلًا عليه، مثال ذلك قولهم طويل النجاد، "أي: طويل علاقة السيف" يريدون طويل القامة، وكثير الرماد يعنون كثير القرى، وفي المرأة نثوم الضحى، والمراد أنّها مترفة مخدومة، لها من يكفيها أمرها، فقد أرادوا في هذا كله -كما ترى- معنى، ثم لم يذكروه بلفظه الخاص به، ولكنهم توصلوا إليه بذكر معنى آخر، من شأنه أن يردفه في الوجود، وأن يكون إذا كان، أفلا ترى أنَّ القامة إذا طالت طال النجاد، وإذا كثر القرى كثر رماد القدر، وإذا كانت المرأة مترفة لها من يكفيها أمرها، ردف ذلك أن تنام إلى الضحى".
ويلاحظ في الكناية أنه لا مجاز في المعنى، واللفظ على ظاهره بادي الرأي، ولكن لا يراد ذلك الظاهر، وإنما يراد لازمه وسماه عبد القادر ردافه.
أي: إنه يفهم تبعًا له، واللزوم ليس هو اللزوم العقلي دائمًا، بل قد يكون في بعض الأحوال لزومًا عاديًّا يجوز أن يختلف، فمثلًا طويل النجاد يلزم عقلًا أن يكون طويل القامة، ولكن كثير الرماد لا يلزم لزومًا عقليًّا أن يكون كثير نار القدر، فقد يكون وقود النار لغير القدر، ونئوم الضحى قد تكون لأنها مترفة عندها من يقوم بحاجتها، وقد يكون ذلك كسلًا أو مرضَا. إلى آخره، ولكن الكثير في العادة أن يكون ذلك عن ترف.
وقد ذكرنا في الماضي مكان المجاز، بكل صوره في دلائل الإعجاز، وقد ذكر عبد القاهر مكان الكناية في الكلام البليغ فقال ﵁: "قد أجمع الجميع على أن الكناية أبلغ من الإفصاح، والتعريض أوقع من التصريح، إلَّا أن ذلك وإن كان
стр. 201
معلومًا على الجملة، فإنه لا تطمئن نفس العاقل في كل ما يطلب به العلم حتى يبلغ فيه غايته، وحتى يغلغل الفكر في زواياه، وحتى لا يبقى موقع شبهة، ولا مكان مسألة".
١١٦- هذا، وإن هذه الطرق البيانية من تشبيه واستعارة وسائر أنواع المجاز، والكناية ليست في ذاتها، بحيث إذا وجدت في أيّ قول كان بليغًا، إنما البلاغة لا بُدَّ أن تكون متحققة ابتداءً في مادة الكلام وفي موضعه، وفي صوره البيانية، وإن هذه طرق تكون جزءًا من بلاغة الكلام البليغ، وليست هي الخاصة التي تجلعه بليغًا، ولو لم يكن ذا موضوع، أو كان موضوعه من سفساف القول ومبتذلها، إنما قد تكون مع أخوات لها في مثل جمالها، وجلال موضوعها".
وقد ذكرنا ذلك في ماضي قولنا في الاستعارة في قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ ، فإنا نجد بلا ريب جمالًا واضحًا في تشبيه شيوع الشيب في الرأس باشتعال النار، ولكن في الحقيقة لا نجد الجمال في هذه الاستعارة وحدها، بل فيها وما معها من نظم، وتآخٍ في الكلمات، وقد بيِّنَ ذلك عبد القاهر في "دلائل الإعجاز"، فقال في بيان أنَّ الجمال والجلال إنما يكون في مجموع القول لا للاستعارة وحدها: "إنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة، ولم ينسبوا الشرف إلّا إليها ولم يروا للمزية موجبًا سواها، هكذا نرى الأمر في ظاهر كلامهم، وليس الأمر على ذلك، ولا هذا الشرف العظيم، ولا هذه المزية الجليلة، ولا هذه الروعة التي تدخل على النفوس لمجرد الاستعارة، ولكن لأن يسلك بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشيء، وهو لما هو من سببه، فيرفع به ما يسند إليه، ويؤتى بالذي هو الفعل له من المعنى منصوبًا بعده مبينًا أن ذلك الإسناد، وتلك النسبة إلى ذلك الأول إنما كان من أجل الثاني، ولما بينه وبينه من الاتصال والملابسة؛ كقولهم: طاب زيد نفسًا، وقرَّ عمرو عينًا، وتصبب عرقًا، وكرم أصلًا، وحسن وجهًا، وأشباه ذلك مما نجد الفعل فيه منقولًا إلى ما ذلك الشيء من سببه١، وذلك أنَّ نعلم أن اشتعل للشيب في المعنى، وإن كان هو للرأس في اللفظ، كما أن طاب للنفس، وقر للعين، وتصبب للعرق، وإذا أسند إلى ما أسند إليه كان لأنه سلك فيه هذا المسلك، وتوخّى به هذا المذهب، وإن تدع هذا الطريق فيه وتأخذ اللفظ فتسنده إلى الشيب صريحًا، فنقول: اشتعل شيب الرأس، والشيب في الرأس، ثم ننظر هل ذلك
стр. 202
الحسن، وهل ترى الروعة التي كنت تراها؟ فإن قلت: فما السبب في أنه كان "اشتعل" إذا استعير للشيب على هذ الوجه كان له الفضل، ولم تأت بالمزية من الوجه الآخر، فما وجه هذه البينونة؟ إنَّ السبب أنه يفيد مع لمعان الشيب في الرأس -الذي هو أصل المعنى- الشمول، وأنه قد شاع فيه، وأخذه من كل نواحيه، وأنه قد استقرَّ به وعمَّ جملته، حتى لم يبق من السواد شيء، أو لم يبق منه إلّا ما لا يعتد به، وهذا ما لا يكون إذا قيل: اشتعل شيب الرأس، أو الشيب في الرأس، بل لا يوجب اللفظ حينئذ أكثر من ظهوره فيه على الجملة".
وقد أجاد عبد القاهر في بيان وجه البلاغة في الاستعارة مع أردافها من مجموع الكلام، وإذا كانت هي في ذاتها تجمل القول، فإن سرَّ الإعجاز فيها وفي مجموع العبارات.
وقد ضرب الإمام عبد القاهر مثلًا آخر مقاربًا لقوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ وهو قوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] فقال -رضى الله ﵎ عنه- في بيان أنَّ التمييز بعد التعميم ولو من غير استعارة بلاغة معجزة.
"ونظير هذا في التنزيل قوله : ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ التفجير للعيون في المعنى واقع على الأرض في اللفظ كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس، وقد حصل بذلك من معنى الشمول ههنا، وذلك أنه قد أفاد أنَّ الأرض قد صارت كلها عيونًا وأن الماء قد كان يفور من كل مكان منها، ولو أجرى اللفظ على ظاهره فقيل، وفجرنا عيون الأرض، أو العيون في الأرض، لم يفد ذلك ولم يدل عليه، ولكن المفهوم منه أن الماء قد فار من عيون متفرقة في الأرض، وانبجس من أماكن منها".
وهكذا يتبين من ذلك الكلام القيم أننا إن كنا قد ذكرنا التشبيه والمجاز والكناية فليس الإعجاز لها وحدها، بل لها مع مجموع الألفاظ والأسلوب وتناسق العبارات، فمن كل ذلك يتكون إعجاز الذكر الحكيم.
стр. 203
الكنايات في القرآن:
١١٧- قد تكلما في التشبيه والاستعارات، وسائر أوجه المجاز بكلام مجمل، واقتبسنا شواهد من القرآن وإن لم تكن كثيرة فإنها منيرة، وإن لم يكن فيها استقراء ففيها غناء.
ولكن لم نتعرض للكنايات في القرآن بقدر كافٍ إذا كانت الكنايات كما تدل عبارات اللغويين وعلماء البلاغة هي الدلالة على اللازم، وعادة أو عقلًا بذكر الملزوم، فكثرة الرماد كما مثلوا يلزمها كثيرة الضيفان، وطول النجاد يلزمه طول القامة، فإن الكنايات في القرآن كثيرة، ولكنها تمتاز بإرادة اللازم والملزوم، وفي ذلك كثرة المعاني مع إيجاز الألفاظ، ولنضرب على ذلك بعض الأمثال نقتبسها من كتاب الله ، يقول الله تعالى في وصف المتقين:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] .
هذا وصف حسي لمشيتهم ولقائهم، يمشون غير مسرعين، ولا متباهين، بل يمشون مشيًا هينًا لا سرعة فيه ولا إبطاء، وإذا خاطبهم الحمقى لا يمارونهم ولا يجادلون، فإن المراء يخل بالوقار، وملاحاة السفهاء ليست من دأب العقلاء. هذا هو الظاهر وهو المراد، ولكن المقصود مع هذا هو وصفهم بتقوى الله وخوفه، والاطمئنان إلى عفوه، فيلتقي الخوف بتكبير الذنوب، مع الرجاء في العفو والغفران.
والمعاني الثانية ملازمة للأولى، فكان المراد ابتداء هو اللازم والملزوم في ذاته، ولكن السياق كان للثاني.
ومن الإشارات الكنائية التي أريد فيها اللازم، وذكر الملزوم كان للدلالة عليه قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] فإن ذلك الكلام السامي فيه حكم على أولياء الله المخلصين له سبحانه بأنه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وذلك مراد لا ريب فيه، وذلك يلازمه أن يكونوا قريبين من ربهم، قد أخلصوا له، واستحقوا رضوانه، ومن يكون قريبًا من حبيبه، لا يخافه في مستقبل ولا يحزن فيه على ماض وقع منه، لأن المحبة تجعله قريب الرجاء في الغفران، والطمع في الرحمة، وقد بيِّنَ سبحانه الطريق لمحبة الله تعالى ونيل رضوانه، وهو التقوى، فقال تعالت كلماته: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٣، ٦٤] .
ومن كلام الله تعالى في التنزيل ما جاء عن وصية لقمان لابنه إذا قال تعالت كلماته:
﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ، يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٦-١٩] .
стр. 204
وإن هنا عبارتين ساميتين فيهما كناية واضحة، وقد علمت أنَّ كنايات القرآن تدل على اللازم والملزوم، ويقصد بالعبارة الأولى قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ إنَّه يراد بها ما تحويه الألفاظ الظاهرة من معانٍ عالية، وفيها إثبات قدرة الله تعالى بإخراج حبة الخردل من صخرة، أو في السماوات أو في الأرض، هذا هو ما تدل عليه الألفاظ، وهناك اللازم لهذا، وهو إثبات علم الله الذي لا يخفى عليه خافية، وإثبات قدرة الله تعالى الذي لا يعجز عن شيء في السماء ولا في اللأرض، ولازم لهذا اللازم، وهو البعث والنشور؛ لأنه إذا كان قادرًا على أن يأتي بالحبة من الصخرة أو من أيِّ جزء في السماء أو الأرض، فهو قادر على إعادة ما خلق، ويتلاقى ذلك القول الحكيم مع قوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا، أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا، يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٠-٥٢] .
العبارة السامية الثانية حكايته تعالى لقول لقمان: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ﴾ ... إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٨، ١٩] فإن هذه الأوامر يراد منها ما يدل عليه ظاهر الألفاظ من أنه لا يصعِّر خدَّه للناس، بأن يميله عن شكله، فلا يقبل عليه بكل وجهه، ومن أنه يقصد في مشيه فلا يتباطأ ولا يسرع، بل يسير بتؤدة واطمئنان، ومن أنه يغضض من صوته، فلا يتعالى ويتكلم صياحًا، ويراد أيضًا معنى لازم لها وهو التضامن والاتصال بالناس برفق ومودة من غير كبرياء، وألَّا يغمط الناس حقوقهم، وألَّا يبطر نعمة الله تعالى، وألا يدلي نفسه بغرور؛ لأن الغرور مطية الشيطان، والسبيل إلى العصيان.
١١٨- هذا، وإن الكنايات فيها الإشارة البيانية التي تكون لوازم للعبارات، ولقد قسَّم علماء الأصول دلالة الألفاظ القرآنية إلى دلالة العبارات، سواء أكانت هذه العبارات تدل بالدلالة الحقيقية من غير تشبيه أو دلالة فيها تشبيه أو فيها مجاز، بالاستعارة، أو غيرها من أنواع المجاز، وبجوار ذلك دلالة الإشارات، وهي دلالة اللوازم، وإنه كلما كانت دلالة اللوازم كانت البلاغة.
ولنقبض قبضة من الآيات التي قال الفقهاء: إن فيها دلالة على الأحكام بالإشارة، أي بالكناية أو بدلالة الملزوم على اللازم، وهي تفهم كنتيجة لازمة للعبارة، وقد قالوا في تعريفها: إنَّ الدلالة بالإشارة هي ما يدل عليه اللفظ بغير العبارة التي تدل عليها الألفاظ، ولكنه يكون نتيجة لازمة لما تدل عليه ألفاظ العبارة، ومن ذلك قوله
стр. 205
تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] .
وإن عبارة النص تفيد طلب العدالة مع اليتامى، وإفادة إباحة تعدد الزوجات مثنى وثلاث ورباع، وإباحة الدخول بملك اليمين، هذه أحكام علمت من العبارة نفسها.
وهناك أحكام أخرى فهمت من لوازم العبارة، وهي الدلالة بالإشارة التي هي ضرب من ضروب الكناية: الأوّل وجوب العدل مع الزوجة، وأن الرجل لا يحل له أن يتزوج إذا لم يعدل مع الزوجة ولو واحدة، إذا تأكد أنه لا يعدل، والثاني الذي يدل عليه لازم الآيات أنَّ المساواة بين الأزواج في الأمور الظاهرة كالطعام والمسكن، والكسوة والمبيت إذا عدَّد الأزواج واجبة، وتدل بالَّلازم أن عليه نفقة زوجته، وأنه لا يتزوَّج إلَّا إذا كان قادرًا على إعالة زوجته.
وذكروا من الآيات التي تدل بلازم المعنى فيها آية المداينة، فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
وإن الأحكام التي وردت بهذا النص كثيرة لا نريد أن نحصيها، ولكن ورد فيها أحكام ليست من النص، ولكنها لازمة للنص، منها: أنَّ المكتوب يكون حجة على من أملاه وخصوصًا أنه موثق بالشهادة، وهو حجة لمن أثبت الاستدلال بالكتابة في المرافعات، ويفيد باللزوم بأن السفيه أو الضعيف الذي له ولي مال تكون عبارة الولي المالي عبارته، ويلتزم بما تثبته.
ويفيد ثالثًا بأن شهادة المرأة لا تسمع وحدها، بل تسمع مع أختها التي تشهد معها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ وذلك يقتضي أن تحضرا معًا لتسترشد كل واحدة بالأخرى إن ضلَّت، وذلك فهم من مقتضى أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى؛ لأنه لا يمكن أن يكون ذلك إلَّا إذا اجتمعتا في
стр. 206
الأداء، وسمعت كل واحدة كلام الأخرى، وذلك بخلاف شهادة الرجل، فإنه لا بُدَّ أن يسمع كل واحد منهما منفردًا، لكيلا يومئ أحدهما إلى الآخر.
ومن النصوص التي تدل بإشارتها وعبارتها قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣] .
قد فهمت الأحكام التي ذكرتها الآية الكريمة بالنص، وفهم بالإشارة معانٍ أخرى تلازم ما نص عليه كنتيجة له، وما نص عليه في العبارة هو ملزوم، والثاني لازم له.
ومن ذلك أولًا: أنَّ المولود ينسب إلى أبيه لا إلى أمه؛ لأنَّه المولود له، فاللام تفيد ذلك الاختصاص.
وتفيد ثانيًا: أن المولود لأبيه له عليه شبه ملكية، فمال الولد لأبيه عليه نوع ملك، فالولد كسب أبيه، ولقد صرَّح بذلك النبي ﷺ فقال: $"أنت ومالك لأبيك".
ويفيد ثالثًا: أنَّ الأب لا يشاركه في نفقة ولده أحد، وأن الولد لا يشاركه في نفقة أبيه أحد.
ويفيد رابعًا: أنَّ الأصل في الإرضاع أن يكون على الأم، ويجوز الاسترضاع باتفاقهما، وأن أجرة الرضاعة تكون على الأب.
وتفيد خامسًا: أن فصل الولد الذي لا إرادة له على الأم في رضاعته يكون عن تراضٍ منهما وتشاور.
وهكذا نجد أسرار البيان القرآني تتكشف عن طريق هذه اللوازم التي تجيء تبعًا للمنطوق، وتتفاوت فيها الأحكام من غير أن تكلف الألفاظ من المعاني اللازمة ما لا تطيق بتكليف التأويل، وتجيء الأسرار القرآنية العالية التي لا تكون إلّا لكلام الله .
ومن الآيات القرآنية التي تدل فيها العبارات على معانٍ من الألفاظ ثم تجيء لازمًا لها عن طريق الإشارة كما يعتبر الأصوليون، أو الكنايات كما يعتبر علماء البلاغة، قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] فإنَّ هذا النص الكريم أفاد بالعبارة أن الحكم الإسلامي وإدارة الدولة الإسلامية في اقتصادها ونظمها وإدارتها تقوم على الشورى، وهذا ما تفيد الآية بالنص.
стр. 207
وتفيد مع ذلك بطريق الإشارة، والنتائج التي تكون ثمرة لهذا النص أو طريقًا لتنفيذها:
أولًا: إنه لا بُدَّ أن يكون اختيار الحاكم أو الخليفة برضا المسلمين، فلا تصح الخلافة إلا باختيار المسلمين ورضاهم، ولذلك كانت البيعة في الإسلام.
وتفيد ثانيًا: أنه لا ينفذ حكم أو قانون إلَّا إذا أقرَّته جماعة المسلمين، أو الصفة المختارة منهم.
وتفيد ثالثًا: أنه لا بُدَّ من وجود جماعة مختارة من الشعب اختيارًا أساسه الحرية والرضا، يكون عملها مراقبة الحكام، والنظر بعين فاحصة في أعمالهم، وألَّا يسن قانون إلّا برأيهم، فكل هذه لوازم لتحقيق معنى الشورى وتنفيذه.
وتفيد رابعًا: أنَّ الأعمال الفنية كقيادة الحرب والصناعة تكون تحت رقابة على القائمين بها من صفوة مختارة منهم، يكون عملها التوجيه.
وهكذا تثبت هذه الأمور كنتائج لتنفيذ الأمر بالشورى.
وإنَّ دلالة العبارات التي يمكن معرفتها بالسنة واللغة هي المفاتيح لما تومئ إليه، فلا يمكن أن تعرف أسرار القرآن الكريم إلا إذا عرفت المعاني الأولى، وإن معرفة ما تومئ إليه ألفاظ القرآن من إشارات لا يكون إلّا بعد الدخول إلى الساحة العليا، والارتفاع بالعقل إلى المدركات الإنسانية، ولذلك يقول الغزالي ﵁: "إن معرفة السنة واللغة هي المفتاح الذي يدخل منه العالم إلى علوم القرآن، وفيه علم كل شيء يتعلّق بالشرائع والنفس الإنسانية وعلاج أدوائها، واليوم الآخر، وما أخبرنا به العزيز الحكيم علام الغيوب".
стр. 208
نظم القرآن وفواصله
...
٤- نظم القرآن وفواصه:
١١٩- تكلمنا في ماضي قولنا في وصف عام لبلاغة القرآن، وتكلمنا في ألفاظه، وبيَّنَّا بشواهد الآيات أن كلَّ كلمة لها صورة بيانية في السياق الذي سيقت له، ثم تكلمنا عن الأسلوب، وذكرنا مستشهدين بالآيات البينات أنَّ كل كلمة لقف مع أختها، ويتكوّن من مجموع الكلمات المتلائمة المتآخية صورة كاملة للبيان تعطيك صورة بيانية، كل كلمة تعطيك جزءًا منها، مع كونها في ذاتها صورة بيانية وحدها، وضربنا لك الأمثال.
ثم تكلمهنا من بعد على تصريف البيان القرآني، فبيَّنَّا كيف كان التصرف في الاستدلال على وحدانية الديان، وبطلان عبادة الأوثان، وكيف كان التنويع في البراهين التي يسوقها، والتي تعلو في دقة الحكم على الأدلة الخطابية، وتعلو في النسق البياني والنغم الموسيقي عن البرهان المنطقي، مع اشتمالها على أدق معناه، وإن غاير الأشكال.
стр. 209
وذكرنا الاستدلال على الوحدانية في سياق القصص والعبرة، ثم بيَّنَّا من بعد ذلك تصريف القول بطريق القصص، والتصوير القصصي للوقائع، حتى كأنك ترى المشاهد؛ لأنك تقرأ القصص.
ثم تكلمنا في الاستفهام القرآني، وخضنا في التشبيه والاستعارة والمجاز والكناية والإشارة البيانية لمن يغوص في علوم القرآن الكريم، ويتعرَّف أسرار الحقائق التي اشتمل عليها، سواء أكانت حقائق كونية أو نفسية، أم كانت تتعلق بنواميس الاجتماع وتربية المجتمعات.
ذكرنا ذلك في إجمالٍ يشير ولا يحيط، ويوجز ولا يفصل.
ولكن مع ذلك نرى للقرآن صورة هي في الإعجاز أبعد مما سبق، ذلك أنك إذا قرأت القرآن مرتلًا، أو كاشفًا بالصوت مع الترتيل تحسّ بأنه ليس من الكلام الذي سمعته وتسمعه وتقرؤه، وأنك تميّز بذوقك القرآن عند سماعه من غيره، فله نظم يعلو عن كلام البشر، وله نغم أعلى من أن تسميه موسيقى، يذوقه كل فاهم، وإن كان لا يستطيع وصفه ولا تعريفه، ولا بيان سره، كما يذوق الذائق طعامًا طيبًا، ولا يعرف اسمه ولا أرضه ولا سر طيبه، ولكنه يحكم بطيبه وإن كان تفصيل السبب لا يعرف.
وليس ما نقوله هو من قبيل ما فنَّدناه من قبل، وهو ما سمِّي بالصرفة، فإن الصرفة على قول الذين يزعمونها: عجز عن المحكاة أو المشابهة بصرف الله تعالى. إنما الذي نقوله هو أنَّ الإعجاز من خصائص القرآن البيانية وغيرها، وإن كانت البيانية أظهرها، وهي التي يتحدى الله تعالى بها العرب أن يأتوا بمثلها ولو مفتريات، فالنظم والنغم والفواصل وما يشبه الموسيقى، وإن كان أعلى أوصاف ذاتية، ولعلنا نتنزل بالقرآن إن سمينا ما نذكر موسيقى، فروعة القرآن أعلى، وذلك سبب من أسباب العجز، وهو غير الصرفة.
لقد وجدنا للقرآن حلاوة في الألفاظ والأسلوب والفواصل، وغير الفواصل، ليست في غيره، وهذا ما سيمناه النظم تقريبًا للفهم، ولكلام الله تعالى المثل الأعلى، وهو ما وصفه الوليد بن المغيرة بقوله:
"إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وما يقول هذا بشر".
١٢٠- وبعد هذه التقدمة التي نمهِّد بها للقول، نقول: إن نظم القرآن ليس من أي نوع من أنواع من النظم الذي عند أهل البيان، فليس نثرًا مرسلًا، وليس نثرًا مصنوعًا، وليس نثرًا فيه ازدواج، كما أنه ليس نثرًا مسجوعًا، وليس فيه فواصل تشبه السجع، ولكنه شيء غير هذا، وغير ذلك.
стр. 210
ويقول الباقلاني في كتابه "إعجاز القرآن" عن بديع نظمه: إنه بديع النظم عجيب التأليف، متناه في البلاغة إلى الحدِّ الذي يعلم عجز الخلق عنه والذي أطلقه العلماء هو على هذه الجملة، ونحن نفصِّل ذلك بعض التفصيل، ونكشف الجملة التي أطلقوها، ثم يتكَّلم عن الإعجاز في النظم فيقول:
"فالذي يشتمل عليه بديع نظمه وجوه:
منها ما يرجع إلى الجملة، وذلك أنَّ نظم القرآن على تصرف وجوهه، وتباين مذاهبه، خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم، ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم، وله أسلوب يختص به، ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد، وذلك أنَّ الطرق التي يتقيّد بها الكلام البديع المنظوم تنقسم إلى أعاريض الشعر على اختلاف أنواعه، ثم إلى أنواع الكلام الموزون غير المقفَّى، ثم إلى أصناف الكلام المعدل المسجع، ثم إلى معدل موزون غير مسجع، ثم إلى ما يرسل إرسالًا، فنطلب فيه الإصابة والإفادة وإفهام المعاني المعترضة على وجه بديع، وترتيب لطيف، وإن لم يكن معتدلًا في وزنه، وذلك شبيه بجملة الكلام الذي لا يتعمل فيه، ولا يتصنَّع له، وقد علمنا أنَّ القرآن خارج عن هذه الوجوه، ومباين لهذه الطرق، ويبقى علينا أن نبيِّن أنه ليس من باب السجع، ولا فيه شيء منه، وكذلك ليس من قبيل الشعر؛ لأن من الناس من زعم أنه كلام مسجّع، ومنهم من يدَّعي أن فيه شعرًا كثيرًا، والكلام عليهم يذكر بعد هذا الوضع.
فهذا إذا تأمّله المتأمل تبيّن له بخروجه عن أصناف كلامهم وأساليب خطابهم أنه خارج عن العادة وأنه معجز، وهذه خصوصيات ترجع إلى القرآن وتميز حاصل في جميعه.
وإنَّ الباقلاني لا يكتفي بذكر ما بيّن أنَّ القرآن ليس على الصفة التي امتاز بها بليغ الكلام عند العرب، بل هو أعلى من ذلك، يأتي بأبلغ الشعر وأبينه، وأجود الخطب وأوقعها، ثم يأتي بأكمل الكتب، ولا يكتفي بذكر كلام البلغاء، بل بكلام صاحب جوامع الكلم وهو محمد رسول الله ﷺ ، فيقرّر أنه وإن كان فوق أيِّ كلام للبشر، دون كتاب الله المعجز بكل ما اشتمل عليه، وبكل ما فيه من لفظ ونغم وأسلوب.
ويذكر ﵁ وجهًا آخر من وجوه الإعجاز في نظم القرآن وأسلوبه، فيقول:
"ومنها أنه ليس للعرب كلام يشتمل على هذه الفصاحة والغرابة، والتصرف البديع، والمعاني اللطيفة، والفوائد الغزيرة، والحكم الكثيرة، والتناسب في البلاغة، والتشابه في البراعة، على هذا الطول وعلى هذا القدر، وإنما تنسب إلى حكيمهم كلمات محدودة، وألفاظ قليلة، وإلى شاعرهم قصائد محصورة -قليلة أو كثيرة، يقع فيها ما
стр. 211
نبينه بعد هذا من اختلال، ويعترضها ما نكشفه من الاختلاف، ويشملها ما نبديه من التعمل والتكلُّف والتجوّز والتعسُّف، وقد كان القرآن على طوله متناسبًا في الفصاحة على ما وصفه الله تعالى به، فقال -عز من قائل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] ، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فأخبر سبحانه أن كلام الآدمي إن امتدَّ وقع التفاوت، وبان الاختلال.
وهذا المعنى هو غير المعنى الأوّل الذي بدأنا ذكره، فتأمَّل تعرف الفضل.
وفي ذلك معنى ثالث، وهو أنَّ عجيب نظمه وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف فيها من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج، وحكم وأحكام، وإعذار وإنذار، ووعد ووعيد، وتبشير وتخويف، وأوصاف وتعليم، وأخلاق كريمة وشيم رفيعة، وسير مأثورة، وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها، وتجد كلام البليغ الكامل، والشاعر المفلق، والخطيب المصقع، يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور".
ثم يقول ﵁: "وقد تأمَّلنا نظم القرآن فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدمنا ذكرها على حد واحد في حسن النظم، وبديع التأليف والرصف، لا تفاوت فيه، ولا انحطاط عن المنزلة العليا، ولا إسفاف فيه إلى المرتبة الدنيا، وكذلك قد تأملنا ما تنصرف إليه وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة، فرأينا الإعجاز في جميعها على حد واحد لا يختلف، وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة تفاوتًا بينًا، ويختلف اختلافًا كبيرًا، ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت، بل هو نهاية البلاغة، وغاية البراعة، فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه"١.
ويذكر الباقلاني أن من دلائل الإعجاز تفاوت كلام البلغاء في الوصل والفصل والانتقال من معنى إلى غيره، وتقريب المعاني وتبعيدها، وأن القرآن ليس فيه ذلك النقص الذي يعرو كلام البشر، ويختلف قوة وضعفًا في ضم المعاني وتفرقها، والقرآن فيذلك النمط المتسق الذي لا يجارى.
١٢١- هذه أمور تقريبية تقرِّب معنى الإعجاز ولا تحدُّه، وتذكر بعض الأسباب ولا تنقصاها، إنه ككل الأمور التي نحسّ بها ولا نستطيع تعرف دقائق أسراراها، فهو كتاب الله الذي يعلم السرّ وأخفى، ولكنَّا نقر بالعجز عن الإتيان بمثله لأننا ندرك علوه،
стр. 212
ولا نعرف الأسباب التي علت به، وليس هذا من الصرفة كما ذكرنا، إنما الصرفة أن نعرف قدره وقدرتنا على مثله، ولكن ننصرف عن ذلك.
وإنَّ القرآن ليس من قبيل ما اصطلح عليه الناس في علوم البلاغة، فليس نثرًا مرسلًا كما ذكرنا؛ لأنَّ النثر المرسل ليس له نغم مؤتلف، وهو في قدرة كل إنسان بليغ، وقد تلونا عليك بعض الآيات في الأحكام الشرعية، فرأينا ائتلافًا في النغم، وروعة في البيان، لا تجعلانها كلامًا مرسلًا كسائر الكلام، فإنك واجد التآخي بين الألفاظ والتناسق في الأسلوب، والمعاني التي تتداعى ويأخذ بعضها بحجز بعض، وكل كلمة تومئ إلى أختها.
ولنضرب مثلًا من الكلام الذي ليس فيه ما يشبه السجع ولا القافية ولا الازدواج ولا الشعر، اقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥-٩٨] .
إنك واجد في كل كلمة مع أختها إشراقًا، وصورًا بيانية، لقد ذكر سبحانه كيف يخلق الحب فيكون زرعًا، إذا أتى حصاده أكل منه الإنسان والحيوان، وازيّنت به الأرض، وأتت من كل زوج، وغير ذلك من الصور والأحياء، ثم التعبير بفالق النوى، وكيف يخرج من النوى الدوحة الباسقة الوارفة الظلال، والأشجار الدانية القطوف، واليانعة الثمار، ثم كيف يعطر الوجود بالرياحين والزهور من هذه النواة اليابسة، وكيف يخرِج من التراب أحياء، ومن الحب الجامد والنواة الصلبة غصونًا حية، وزروعًا رطبة، وكيف تدور الحياة إلى موت، فيخرج الميت من الحي وإن ذلك مرئيّ، وإنما ينبت الزرع ويخضرّ، ويستوي على سوقه بعد أن يخرج شطأه، ثم يصير حطامًا.
ثم بَيِّنَ سبحانه أنَّ الذي فعل ذلك هو سبحانه في إشارات بيانية فيها استعلاء، وفيها توجيه بأبلغ ما يكون التوجيه، ثم كان الختام باستفهام إنكاري وتعجب؛ لأنَّ الأمر يستدعي التعجب في ذاته، ثم ختم الكلام بختام فيه رنات قوية لائمة في معناها، ومنبهة للعقول في نغمها وفي موسيقاها، ثم جاء بعد البيان عن الأرض وما فيها من زرع وضرع، وباسقات -إلى السماء، وما فيها من بروج وأفلاك ونجوم وشمس وقمر،
стр. 213
وما يصدر عنها من نور وضياء، وكان الانتقال من الأرض إلى السماء بتقريب في الألفاظ والمعاني، فعبَّر سبحانه عن خروج النهار من الليل بالفجر الصادق الذي يشق الظلام، فقال سبحانه: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ ، وفي ذلك مقاربة في التعبير بين فلق الحجب والنوى، وشق النور في الظلام، ثم جعل من بعد ذلك نتيجة لهذا الإصباح أنَّ كان الليل سكنًا، ووجه الأنظار إلى الشمس والقمر، فجعلهما سبيلًا لحسبان الأيام والليالي والشهور، ثم ختم النصَّ بما يفيد أنَّ ذلك كله من حكمة الله تعالى العلي القدير، وهنا نجد المعنى واللفظ يختمان بختام من القول يدل على انتهاء هذا الجزء، ومثله في ذلك -ولكلام الله تعالى المثل الأعلى- كمثل من يصور أجزاء كل جزء منه ناطق وحده متميز بوجوده مع الاتصال الوثيق بما يليه، وقد كانا على مقربة بعضهما من بعض في نسق بياني، لا هو من السجع، ولا من الإرسال ولا الشعر، ولكنه فوق ذلك، وفيه مزايا كل واحد من هذه الأقسام مع الزيادة التي تجعل الكلام لا يطاول بيانًا.
وقد ذكر من بعد ذلك زينة السماء إذ قد زينت بالنجوم كالمصابيح للأرض يهتدي بها في ظلمات البر والبحر، وفي ذلك إشارة واضحة إلى بيان نعم الله تعالى في اليابس والماء، ففي الأرض زروع وثمار وحيوان قد سُخِّرَت لبني الإنسان، ومن البحر تستخرج حلية، وتأكل منه لحمًا طريًا، وفي السماء يهتدي بالنجوم في دجنة الليل، ويسير في البحر بالجوار المنشئات كأنها الأعلام.
وختمت الآية الكريمة بما يدل على أن إدراك هذه النعم يحتاج إلى علم وإيمان بالحق، ولا حياة لعلم بغير إيمان بالحق، ولا حياة لإيمان من غير علم، فهما متلازمان.
ثم بين سبحانه خلق الإنسان وهو كونٌ قائم بذاته في إدراكه ببصر وبصيرة، وفي أصل نشأته ما يساوي أصل الوجود كله، ولذلك قال : ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ، وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢١، ٢٢] .
وإن الله ختم الآية الكريمة بما يناسب خلق الإنسان الدقيق الذي لا يدركه إلا نافذ البصيرة، فقال سبحانه: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ فالفقه هو العلم الدقيق العميق الذي يشق الظلام حتى يصل إلى الحقيقة.
وإننا نجد من هذا أن القرآن لا يمكن أن يوصف بأنه نثر، ولا بأنه مزدوج له فواصل، ولا بأنه سجع له قواف، ولا بأنه شعر، فليس له أوزان ولا قواف، بل هو ذو نظم اختص به من كل الكلام.
стр. 214
ولو حاولنا أن نعرف سرَّ ذلك النغم وتلك الموسيقى، وذلك التآخي لعجزنا أن نعرفه على وجه التحقيق، إنما نعرف تأثيره في نفوسنا إذا تهدَّت ووصلت إلى ذوق الأسلوب، وذلك أمر يدرك لذوي الألباب، ولا يعرف سره.
وإن النظم القرآني في تأليفه كله له رنين الموسيقى، لقد جرى العرب كتابًا وشعراء وخطباء على أن يجدوا النغم في فاصلة سجع أو قافية شعر، لكن نظم القرآن ونغمه ينبعث من كلماته وحروفه وأسلوبه، فحروفه متآخية في كلماته، لها موسيقى ونغم تهتز لها المشاعر، وتسكن عندها، وتطمئن النفوس، والكلمات في تآخيها في العبارات تنتج موسيقى ونغمًا يختص به القرآن وحده، وإنّ أيَّ كلام مهما يكن علو صاحبه في البيان لا بُدّ أن يكون متخلفًا عن القرآن، لا يمكن أن يلحق به؛ لأنَّه كلام الله تعالى وفوق طاقة البشر.
ويعجبني ما كتبه في هذا الكاتب المؤمن مصطفى صادق الرافعي إذ يقول: "كان العرب يترسَّلون في منطقهم كما اتفق لهم، لا يراعون أكثر من تكييف الصوت دون تكييف الحروف التي هي مادة الصوت إلى أن يتَّفق من هذا قطع في كلامهم تفي بطبيعة الغرض الذي تكون فيه، أو بما تعمل لها المتكلم على نمط من النظم الموسيقى إن لم يكن في الغاية، ففيه قرب من هذه الغاية.
فلما قرئ عليهم القرآن رأوا حروفه في كلماته، وكلماته في جمله ألحانًا لغوية رائعة، كأنَّها لائتلافها وتناسبها قطعة احدة، قراءتها هي توقيعها، فلم يفتهم هذا المعنى، وأنه أمر لا قِبَل لهم به، وكان ذلك أبين في عجزهم، حتى إنَّ من عارضه منهم كمسيلمة جنح في خرافاته إلى ما حسبه نظمًا موسيقيًّا، وطوى عمَّا وراء ذلك من التصرُّف في اللغة وأساليبها ومحاسنها ودقائق التركيب البياني، كأنما فطن إلى أن الصدمة الأولى للنفس العربية إنما هي في أوزان الكلمات وأجراس الحروف دون ما عداها، وليس يتفق ذلك في شيء من كلام العرب إلَّا أن يكون وزنًا من الشعر أو السجع".
стр. 215
التلاؤم:
١٢٢- إن المعنى الذي ذكره المرحوم الأستاذ مصطفى صادق الرافعي هو ما سماه الرماني بالتلاؤم، أي: تكون نغمات الحروف متلائمة بعضها مع بعض في الكلمة، والكلمات يتألف نغمها بعضها مع بعض في الجمل، والجمل يتألف بعضها مع بعض في القول كله، كما نرى في القرآن الكريم، فإنَّ الآية تتضافر ألفاظها في نغم هادئ إن كانت الآية في تبشير، أو داعية إلى التأمل والتفكير إن كانت في عظة، وتتلاءم نغماتها قوية إذا كانت في إنذار، أو في وصف عذاب، اقرأ قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ، مَا الْحَاقَّةُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ، كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ، فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ، وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ، سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ، فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ، وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ، فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ [الحاقة: ١-١٠] .
إنك ترى في هذه الآيات الكريمات، وهي إنذار بما يكون يوم القيامة، وما يستقبل الذين طغوا في البلاد، وأكثروا فيها الفساد، من عذاب شديد يترقبهم -ترى في النغم قوة شديدة قارعة لأسماع الذين يشركون، ويكفرون بالله تعالى، ويفسدون ويعتدون، ويظلمون، ويشترك في نغمة الترهيب الألفاظ بحروفها، والجمل بكلماتها، والخواتم بشدة جرسها، وقرع الأسماع بها.
ثم اقرأ في سورة الضحى نغمات الرحمة الواسعة، إذ يقول سبحانه:
﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى، وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى، أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى، فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى كلها] .
وانظر إلى الآيات الداعية إلى التأمّل في الكون، وما فيه من أمور هادية تجد فيها النغمات الهادئة اللافتة الموجّهة من غير قرع للأسماع، بل بتوجيه للأفهام، اقرأ في سورة الغاشية.
﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ، فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ، إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ، فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ، إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ١٧-٢٩] .
وإنك ترى في هذا النص المبين أنه قد اجتمع التأمل ذو النغمة الهادئة الموجهة من غير عنف، في جرس يسترعي الأسماع ويصرف الأنظار، واجتمع الإنذار الشديد القوي، ولم يكن ثمة تنافر بين الإنذار الشديد، والتأمل السديد، بل كان الانتقال من مقام إلى مقام لا يبدو فيه التباين، وإن كان المقام الثاني إنذارًا؛ ذلك لأن الإنذار كالثمرة للتوجيه بالنسبة لمن لم تهده الآيات، وتوجهه النظرات إلى الكون وما فيه.
وإنك إذ تنظر في وصف الجحيم تجده في نغمٍ كأنما يخرج منه ريح السموم، وإن وصف الجنة تجد في نغمه أصواتًا حلوة كأنها روح وريحان لأنها جنة، واقرأ بعض السورة التي تلونا منها آنفًا، وصفًا للجحيم ووصفًا للنعيم، فإنك واجد لا محالة الفرق