نبينه بعد هذا من اختلال، ويعترضها ما نكشفه من الاختلاف، ويشملها ما نبديه من التعمل والتكلُّف والتجوّز والتعسُّف، وقد كان القرآن على طوله متناسبًا في الفصاحة على ما وصفه الله تعالى به، فقال -عز من قائل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] ، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فأخبر سبحانه أن كلام الآدمي إن امتدَّ وقع التفاوت، وبان الاختلال.
وهذا المعنى هو غير المعنى الأوّل الذي بدأنا ذكره، فتأمَّل تعرف الفضل.
وفي ذلك معنى ثالث، وهو أنَّ عجيب نظمه وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف فيها من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج، وحكم وأحكام، وإعذار وإنذار، ووعد ووعيد، وتبشير وتخويف، وأوصاف وتعليم، وأخلاق كريمة وشيم رفيعة، وسير مأثورة، وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها، وتجد كلام البليغ الكامل، والشاعر المفلق، والخطيب المصقع، يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور".
ثم يقول ﵁: "وقد تأمَّلنا نظم القرآن فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدمنا ذكرها على حد واحد في حسن النظم، وبديع التأليف والرصف، لا تفاوت فيه، ولا انحطاط عن المنزلة العليا، ولا إسفاف فيه إلى المرتبة الدنيا، وكذلك قد تأملنا ما تنصرف إليه وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة، فرأينا الإعجاز في جميعها على حد واحد لا يختلف، وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة تفاوتًا بينًا، ويختلف اختلافًا كبيرًا، ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت، بل هو نهاية البلاغة، وغاية البراعة، فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه"١.
ويذكر الباقلاني أن من دلائل الإعجاز تفاوت كلام البلغاء في الوصل والفصل والانتقال من معنى إلى غيره، وتقريب المعاني وتبعيدها، وأن القرآن ليس فيه ذلك النقص الذي يعرو كلام البشر، ويختلف قوة وضعفًا في ضم المعاني وتفرقها، والقرآن فيذلك النمط المتسق الذي لا يجارى.
١٢١- هذه أمور تقريبية تقرِّب معنى الإعجاز ولا تحدُّه، وتذكر بعض الأسباب ولا تنقصاها، إنه ككل الأمور التي نحسّ بها ولا نستطيع تعرف دقائق أسراراها، فهو كتاب الله الذي يعلم السرّ وأخفى، ولكنَّا نقر بالعجز عن الإتيان بمثله لأننا ندرك علوه،
стр. 212
ولا نعرف الأسباب التي علت به، وليس هذا من الصرفة كما ذكرنا، إنما الصرفة أن نعرف قدره وقدرتنا على مثله، ولكن ننصرف عن ذلك.
وإنَّ القرآن ليس من قبيل ما اصطلح عليه الناس في علوم البلاغة، فليس نثرًا مرسلًا كما ذكرنا؛ لأنَّ النثر المرسل ليس له نغم مؤتلف، وهو في قدرة كل إنسان بليغ، وقد تلونا عليك بعض الآيات في الأحكام الشرعية، فرأينا ائتلافًا في النغم، وروعة في البيان، لا تجعلانها كلامًا مرسلًا كسائر الكلام، فإنك واجد التآخي بين الألفاظ والتناسق في الأسلوب، والمعاني التي تتداعى ويأخذ بعضها بحجز بعض، وكل كلمة تومئ إلى أختها.
ولنضرب مثلًا من الكلام الذي ليس فيه ما يشبه السجع ولا القافية ولا الازدواج ولا الشعر، اقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥-٩٨] .
إنك واجد في كل كلمة مع أختها إشراقًا، وصورًا بيانية، لقد ذكر سبحانه كيف يخلق الحب فيكون زرعًا، إذا أتى حصاده أكل منه الإنسان والحيوان، وازيّنت به الأرض، وأتت من كل زوج، وغير ذلك من الصور والأحياء، ثم التعبير بفالق النوى، وكيف يخرج من النوى الدوحة الباسقة الوارفة الظلال، والأشجار الدانية القطوف، واليانعة الثمار، ثم كيف يعطر الوجود بالرياحين والزهور من هذه النواة اليابسة، وكيف يخرِج من التراب أحياء، ومن الحب الجامد والنواة الصلبة غصونًا حية، وزروعًا رطبة، وكيف تدور الحياة إلى موت، فيخرج الميت من الحي وإن ذلك مرئيّ، وإنما ينبت الزرع ويخضرّ، ويستوي على سوقه بعد أن يخرج شطأه، ثم يصير حطامًا.
ثم بَيِّنَ سبحانه أنَّ الذي فعل ذلك هو سبحانه في إشارات بيانية فيها استعلاء، وفيها توجيه بأبلغ ما يكون التوجيه، ثم كان الختام باستفهام إنكاري وتعجب؛ لأنَّ الأمر يستدعي التعجب في ذاته، ثم ختم الكلام بختام فيه رنات قوية لائمة في معناها، ومنبهة للعقول في نغمها وفي موسيقاها، ثم جاء بعد البيان عن الأرض وما فيها من زرع وضرع، وباسقات -إلى السماء، وما فيها من بروج وأفلاك ونجوم وشمس وقمر،
стр. 213
وما يصدر عنها من نور وضياء، وكان الانتقال من الأرض إلى السماء بتقريب في الألفاظ والمعاني، فعبَّر سبحانه عن خروج النهار من الليل بالفجر الصادق الذي يشق الظلام، فقال سبحانه: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ ، وفي ذلك مقاربة في التعبير بين فلق الحجب والنوى، وشق النور في الظلام، ثم جعل من بعد ذلك نتيجة لهذا الإصباح أنَّ كان الليل سكنًا، ووجه الأنظار إلى الشمس والقمر، فجعلهما سبيلًا لحسبان الأيام والليالي والشهور، ثم ختم النصَّ بما يفيد أنَّ ذلك كله من حكمة الله تعالى العلي القدير، وهنا نجد المعنى واللفظ يختمان بختام من القول يدل على انتهاء هذا الجزء، ومثله في ذلك -ولكلام الله تعالى المثل الأعلى- كمثل من يصور أجزاء كل جزء منه ناطق وحده متميز بوجوده مع الاتصال الوثيق بما يليه، وقد كانا على مقربة بعضهما من بعض في نسق بياني، لا هو من السجع، ولا من الإرسال ولا الشعر، ولكنه فوق ذلك، وفيه مزايا كل واحد من هذه الأقسام مع الزيادة التي تجعل الكلام لا يطاول بيانًا.
وقد ذكر من بعد ذلك زينة السماء إذ قد زينت بالنجوم كالمصابيح للأرض يهتدي بها في ظلمات البر والبحر، وفي ذلك إشارة واضحة إلى بيان نعم الله تعالى في اليابس والماء، ففي الأرض زروع وثمار وحيوان قد سُخِّرَت لبني الإنسان، ومن البحر تستخرج حلية، وتأكل منه لحمًا طريًا، وفي السماء يهتدي بالنجوم في دجنة الليل، ويسير في البحر بالجوار المنشئات كأنها الأعلام.
وختمت الآية الكريمة بما يدل على أن إدراك هذه النعم يحتاج إلى علم وإيمان بالحق، ولا حياة لعلم بغير إيمان بالحق، ولا حياة لإيمان من غير علم، فهما متلازمان.
ثم بين سبحانه خلق الإنسان وهو كونٌ قائم بذاته في إدراكه ببصر وبصيرة، وفي أصل نشأته ما يساوي أصل الوجود كله، ولذلك قال : ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ، وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢١، ٢٢] .
وإن الله ختم الآية الكريمة بما يناسب خلق الإنسان الدقيق الذي لا يدركه إلا نافذ البصيرة، فقال سبحانه: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ فالفقه هو العلم الدقيق العميق الذي يشق الظلام حتى يصل إلى الحقيقة.
وإننا نجد من هذا أن القرآن لا يمكن أن يوصف بأنه نثر، ولا بأنه مزدوج له فواصل، ولا بأنه سجع له قواف، ولا بأنه شعر، فليس له أوزان ولا قواف، بل هو ذو نظم اختص به من كل الكلام.
стр. 214
ولو حاولنا أن نعرف سرَّ ذلك النغم وتلك الموسيقى، وذلك التآخي لعجزنا أن نعرفه على وجه التحقيق، إنما نعرف تأثيره في نفوسنا إذا تهدَّت ووصلت إلى ذوق الأسلوب، وذلك أمر يدرك لذوي الألباب، ولا يعرف سره.
وإن النظم القرآني في تأليفه كله له رنين الموسيقى، لقد جرى العرب كتابًا وشعراء وخطباء على أن يجدوا النغم في فاصلة سجع أو قافية شعر، لكن نظم القرآن ونغمه ينبعث من كلماته وحروفه وأسلوبه، فحروفه متآخية في كلماته، لها موسيقى ونغم تهتز لها المشاعر، وتسكن عندها، وتطمئن النفوس، والكلمات في تآخيها في العبارات تنتج موسيقى ونغمًا يختص به القرآن وحده، وإنّ أيَّ كلام مهما يكن علو صاحبه في البيان لا بُدّ أن يكون متخلفًا عن القرآن، لا يمكن أن يلحق به؛ لأنَّه كلام الله تعالى وفوق طاقة البشر.
ويعجبني ما كتبه في هذا الكاتب المؤمن مصطفى صادق الرافعي إذ يقول: "كان العرب يترسَّلون في منطقهم كما اتفق لهم، لا يراعون أكثر من تكييف الصوت دون تكييف الحروف التي هي مادة الصوت إلى أن يتَّفق من هذا قطع في كلامهم تفي بطبيعة الغرض الذي تكون فيه، أو بما تعمل لها المتكلم على نمط من النظم الموسيقى إن لم يكن في الغاية، ففيه قرب من هذه الغاية.
فلما قرئ عليهم القرآن رأوا حروفه في كلماته، وكلماته في جمله ألحانًا لغوية رائعة، كأنَّها لائتلافها وتناسبها قطعة احدة، قراءتها هي توقيعها، فلم يفتهم هذا المعنى، وأنه أمر لا قِبَل لهم به، وكان ذلك أبين في عجزهم، حتى إنَّ من عارضه منهم كمسيلمة جنح في خرافاته إلى ما حسبه نظمًا موسيقيًّا، وطوى عمَّا وراء ذلك من التصرُّف في اللغة وأساليبها ومحاسنها ودقائق التركيب البياني، كأنما فطن إلى أن الصدمة الأولى للنفس العربية إنما هي في أوزان الكلمات وأجراس الحروف دون ما عداها، وليس يتفق ذلك في شيء من كلام العرب إلَّا أن يكون وزنًا من الشعر أو السجع".
стр. 215
التلاؤم:
١٢٢- إن المعنى الذي ذكره المرحوم الأستاذ مصطفى صادق الرافعي هو ما سماه الرماني بالتلاؤم، أي: تكون نغمات الحروف متلائمة بعضها مع بعض في الكلمة، والكلمات يتألف نغمها بعضها مع بعض في الجمل، والجمل يتألف بعضها مع بعض في القول كله، كما نرى في القرآن الكريم، فإنَّ الآية تتضافر ألفاظها في نغم هادئ إن كانت الآية في تبشير، أو داعية إلى التأمل والتفكير إن كانت في عظة، وتتلاءم نغماتها قوية إذا كانت في إنذار، أو في وصف عذاب، اقرأ قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ، مَا الْحَاقَّةُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ، كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ، فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ، وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ، سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ، فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ، وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ، فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ [الحاقة: ١-١٠] .
إنك ترى في هذه الآيات الكريمات، وهي إنذار بما يكون يوم القيامة، وما يستقبل الذين طغوا في البلاد، وأكثروا فيها الفساد، من عذاب شديد يترقبهم -ترى في النغم قوة شديدة قارعة لأسماع الذين يشركون، ويكفرون بالله تعالى، ويفسدون ويعتدون، ويظلمون، ويشترك في نغمة الترهيب الألفاظ بحروفها، والجمل بكلماتها، والخواتم بشدة جرسها، وقرع الأسماع بها.
ثم اقرأ في سورة الضحى نغمات الرحمة الواسعة، إذ يقول سبحانه:
﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى، وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى، أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى، فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى كلها] .
وانظر إلى الآيات الداعية إلى التأمّل في الكون، وما فيه من أمور هادية تجد فيها النغمات الهادئة اللافتة الموجّهة من غير قرع للأسماع، بل بتوجيه للأفهام، اقرأ في سورة الغاشية.
﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ، فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ، إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ، فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ، إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ١٧-٢٩] .
وإنك ترى في هذا النص المبين أنه قد اجتمع التأمل ذو النغمة الهادئة الموجهة من غير عنف، في جرس يسترعي الأسماع ويصرف الأنظار، واجتمع الإنذار الشديد القوي، ولم يكن ثمة تنافر بين الإنذار الشديد، والتأمل السديد، بل كان الانتقال من مقام إلى مقام لا يبدو فيه التباين، وإن كان المقام الثاني إنذارًا؛ ذلك لأن الإنذار كالثمرة للتوجيه بالنسبة لمن لم تهده الآيات، وتوجهه النظرات إلى الكون وما فيه.
وإنك إذ تنظر في وصف الجحيم تجده في نغمٍ كأنما يخرج منه ريح السموم، وإن وصف الجنة تجد في نغمه أصواتًا حلوة كأنها روح وريحان لأنها جنة، واقرأ بعض السورة التي تلونا منها آنفًا، وصفًا للجحيم ووصفًا للنعيم، فإنك واجد لا محالة الفرق
стр. 216
في النغم، اقرأ قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ، عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ، تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً، تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ، لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ، لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ، لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ، لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً، فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ، فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١-١٦] .
تجد في هذه النصوص وصفين لأمرين متباينين، أولهما وصف الجحيم وأصلها وتجد فيه الألفاظ والمعاني والنغم كله يلقي بالألم في النفس والخوف من العذاب الشديد، والمصير العتيد. والثاني وصف النعيم وأهله، وترى فيها الراحة، والاطمئنان والقرار والسعادة، ويشترك في هذا ألفاظ وجمل ومعان، ونغم حتى كأنك ترى لا تسمع.
١٢٣- وإن كان الكلام الذي يتسم بالبلاغة لا بُدَّ أن يكون فيه التلاؤم، والتلاؤم ضد التنافر، وعرَّفه الرماني، فقال: "التلاؤم نقيض التنافر، وهو تعديل الحروف في التأليف، والتأليف متنافر، ومتلائم في الطبقة الوسطى، ومتلائم في الطبقة العليا، ثم يضرب الأمثلة على التنافر الذي هو ضد التلاؤم، ثم يذكر أنَّ التلاؤم الذي يكون في الدرجة الوسطى هو التلاؤم الذي يكون في كلام البلغاء وأهل الفصاحة من الناس، أمَّا التلاؤم في الطبقة العليا فإنه لا يكون إلَّا في القرآن الكريم، ويقول في ذلك ﵁:
"والمتلائم في الطبقة العليا في القرآن كله، وذلك بيّن لمن تأمَّله، والفرق بينه وبين غيره من الكلام في تلاؤم الحروف على نحو الفرق بين المتنافر والمتلائم في الطبقة الوسطى، وبعض الناس أشد إحساسًا بذلك وفطنة له من بعض، كما أن بعضهم أشد إحساسًا بتمييز الموزون في الشعر من المكسور، واختلاف الناس في ذلك من جهة الطباع كاختلافهم في الصور والأخلاق، والسبب في ذلك تعديل الحروف في التأليف، فكلما كان أعدل كان أشد تلاؤمًا".
ويستفاد من هذا الكلام أنَّه يرجع السبب في علوِّ التلاؤم في القرآن كله إلى التعديل بين الحروف بأن تكون الحروف متلاقية في النطق، فليس فيها تباعد في المخارج شديد، بحيث يصعب الانتقال من مخرج إلى مخرج، ولا التقارب اشديد الذي يجعل بعض الحروف يندغم في بعض.
وإنَّ ذلك ينطبق على النطق، فالتعديل في المخارج بالبعد عن الاختلاف الشديد أو القرب الشديد، إنما هو يتعلق بالنطق، وإنك بلا ريب تجد ألفاظ القرآن الكريم وجمله بعيدة عن هذا كل البعد، بل إنه المثل الأعلى في ذلك.
стр. 217
وإن التلاؤم في ألفاظ القرآن الكريم وجمله وآياته ومواضع الوقف فيه ليس في المخارج فقط، بل هو فيما هو أعلى من ذلك، إنما هو في النغم، وجرس القول وموسيقاه، فلا تجد حرفًا ينشز في موسيقاه عن أخيه, ولا الكلمة عن أختها، ولا الجملة عن لاحقتها، والآية كلها تكون مؤتلفة النغم في الغرض الذي سيقت له، فإن كان إنذارًا كان النغم إرعادًا، وإن كان تبشيرًا كان نسيمًا، وإن كان عظة كان تنبيهًا، وإن كان تفكيرًا كان توجيهًا لافتًا عمَّا سواه، وهكذا.
وقد قال الرماني: "والتلاؤم في التعديل من غير بعد شديد أو قرب شديد، وذلك يظهر بسهولته على اللسان، وحسنه في الأسماع، وتقبله في الطباع، فإذا انضاف إلى ذلك حسن البيان في صحة البرهان في أعلى الطبقات ظهر الإعجاز للجيد الطباع البصير بجواهر الكلام، كما تظهر له أعلى طبقات الشعر من أدناها إذا تفاوت ما بينها، وقد عمَّ التحدي للجميع لرفع الإشكال، وجاء على الاعتبار بأنه لا تقع المعارضة لأجل الإعجاز، فقال : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣] ، ثم قال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] ، فقطع بأنهم لن يفعلوا، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] ولما تعللوا بالعلم والمعاني التي فيه، قال عز من قائل: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣] فقد قامت الحجة على العربي والعجمي.
وإن هذا يدل على أن العجز لم يكن لأجل المعاني فقط، وإن كانت معجزة في ذاتها، ولكن التحدي كان بالألفاظ والأساليب، لأنَّهم أمة بليغة ولكنها أمية.
وقد أدركوا من أول الأمر ما في الألفاظ من جمال، وما في تأليف القول من نسق وانسجام، وما في جرسها من نغم، ولما تورط بعض منهم في أإن يحاكوا القرآن، لم يكن اتجاهم إلّا إلى النَّغم أرادوا محاكاته في نغمه فجاء كلامهم غثًا، ليس فيه نغم ولكن فيه ما يدل على إدراك سقيم.
стр. 218
الفواصل:
١٢٤- يعرِّف الرماني الفواصل بأنها: حروف متشابكة في المقاطع توجب حسن إفهام المعاني، ويقول: "الفواصل بلاغة والاسجاع عيب؛ وذلك أن الفواصل تابعة للمعاني، وأما الأسجاع فالمعاني تابعة لها، وهو قلب ما توجبه الحكمة في الدلالة؛ إذ كان الغرض الذي هو حكمة إنما هو الإبانة عن المعاني التي إليها الحاجة ماسة، فإذا كانت المشاكلة مواصلة إليه فهو بلاغة، وإذا كانت المشاكلة على خلاف ذلك فهو عيب ولكنه، لأنَّه تكلف من غير الوجه الذي توجبه الحكمة، ومثله مثل من رصَّع تاجًا ثم ألبسه زنجيَّا ساقطًا، أو نظم قلادة ثم ألبسها كلبًا، وقبح ذلك وعيبه بين لمن له أدنى فهم، فمن ذلك ما يحكي عن بعض الكهان: "والأرض والسماء، والغراب الواقعة بنقعاء، لقد نقر المجد إلى العشراء"، وهكذا نجد الرماني يفرّق بين السجع والفاصلة، بأن الفاصلة بلاغة، وأن السجع عيب، وأن الفواصل الألفاظ فيها تتبع المعاني، والأسجاع الألفاظ فيها مقصودة، والمعاني تابعة، ويظهر أنه لم يكن بين يديه إلا سجع الكهان، ولكن أكل السجع كذلك، وألَّا يوجد سجع يزيد المعاني قوة، وتكون فيه المعاني هو المتبوزعة، وليست تابعة، وأنَّ السجع يزيد المعاني ويعطيها قوة ويسهل قبولها، ويكون بابًا من أبواب تأكيدها.
ولذلك خالف الرماني في ذلك كلام الذين كتبوا البلاغة من بعد، وقبل أن نخوض فيما قالوه، نقرِّر أنَّ الفرق هو بين الفواصل والسجع، إنَّ الفواصل معناها أن تكون مقاطع الكلام متقاربة في الحروف كالنون والميم في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِك يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، وأما السجع فهو أن تكون المقاطع متحدة في الحروف، ونلاحظ أن الرماني متأثر في فكرة السجع بسجع الكهَّان الذي قصد به اتحاد الحروف من غير نظر إلى المعنى، ومن غير أن تكون المعاني في ذاتها ذات قيمة، بل لا يقصدون إلا إلى رصّ الكلمات متحرين اتحاد المقاطع.
وإنه عند التحقيق نجد أنَّ الفواصل أعمّ من السجع، فهي إما سجع تتحد فيه حروف المقاطع، أو مجرَّد فواصل تتقارب فيها حروف المقاطع، وذلك رأى ابن سنان في كتابه "سر الفصاحة"١ فهو يقول: الفواصل على ضربين: ضرب يكون سجعًا، وهو ما تماثلت فيه حروفه في المقاطع، وضرب لا يكون سجعًا، وهو ما تقابلت حروفه في المقاطع ولم تتماثل، ولا يخلو كل واحد من هذين القسمين من أنه يأتي سهلًا طوعًا وتابعًا للمعاني، وبالضدِّ من ذلك حين يكون متكلفًا يتبعه المعنى، فإن كان من القسم الأول فهو المحمود الدالّ على الفصاحة، وحسن البيان، وإن كان الثاني فهو مذموم.
وإن هذا الكلام معناه أنه ليس في كل فاصلة تكون الألفاظ تابعة للمعاني، فيكون الحسن والإفصاح والإحسان، وليس في كل سجع تكون المعاني تابعة للألفاظ، فيكون التكلّف، بل التعميم بالحسن في غير السجع، والقبح في السجع هو الخطأ، ولا شك أن فواصل القرآن كلها من البليغ الذي تكون فيه الألفاظ تابعة للمعاني.
وأنه بلا ريب في القرآن مقاطع تتحد فيها الحروف، ومقاطع أيضًا لا تتحد فيها الحروف، ولكن تتقارب، ومن المقاطع التي تتحد فيها الحروف قوله تعالى في سورة.
стр. 219
الغاشية: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ، عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ، تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً، تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ، لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ، لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ، لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ، لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً، فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ، فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١-١٦] .
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ، وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ، فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ، وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ، وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ، إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ، مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور: ١-٨] .
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا، فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا، فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا، إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ١-٨] .
وهكذا نجد اتحاد حروف المقطع في مقطعين أو أكثر، ثم تتغير إلى اتجاه المقاطع في حرف آخر، ومن القرآن ما تتقارب فيه المقاطع، مثل قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ، بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ، أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ، قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ، بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ، أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ١-٦] .
إننا لا نجد المقاطع متحدة الحروف، ولكن نجد أمورًا ثلاثة:
أولها: تقارب مخارج الحروف في المقاطع، فالدال والباء، والظاء مخارجها واحدة، والنطق فيها متقارب، ولا نفرة بينها.
ثانيها: وجود حرف المد قبل الحرف الأخير من كل مقطع، وهو حرف الياء في خمسة منها، وواحد بالواو، والوزن في الخمس الأول منها هو وزن فعيل.
وبهذين الأمرين كان التقارب في المقاطع، تقاربًا بينا يجعل نسق القول واحدًا، ولو لم تتحد المقاطع.
والأمر الثالث: هو اتحاد النغم والموسيقى في كل المقاطع، فهي كلها مؤتلفة في حروفها وألفاظها، وجملة ومقاطعها، حتى كونت صورة بيانية تجعل كلام الله العزيز فوق كل منال.
стр. 220
وقد يكون الكلام في القرآن خاليًا من المقاطع في بعض الآيات، ولا ينزل في نغمه وموسيقاه عن سمته ومستواه الأعلى، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] .
ومن ذلك كثير من آيات الأحكام مثل آية المواريث، فالله تعالى يقول: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ، تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١١-١٣] .
وإننا لا نجد في هذا الكلام إلّا مقطعين لا يعدَّان فواصل متقاربة، ولا فواصل متحدة في آخرها بحروفها، إنما هو كلام الله المنثور من غير إرسال، بل النغم متآخ، والمعاني متلاقية، والألفاظ متجانسة، ومتلائمة مع بيان للأحكام ميسرًا سهلًا، فلم ينزل ذكر الأرقام بمرتبة الكلام عن حد التلاؤم والتآخي.
стр. 221
أفي القرآن سجع ؟:
١٢٥- الأمر الذي لا مراء فيه أن القرآن الكريم فيه فواصل قد تتحد فيها حروف المقاطع أحيانًا، وقد تلونا فيما مضى من القول آيات بينات فيها من المقاطع متحدة الحروف، فهل تعد هذه سجعًا؟ اختلفت في ذلك عبارات كتاب البلاغة في القديم.
ونجد الرماني يحكم بأن القرآن فيه فواصل ليست من السجع، وبذلك يعلو القرآن في نظره عن أن يكون سجعًا، ويقاربه في ذلك الرأي أو يوافقه الباقلاني في كتابه "دلائل الإعجاز"، وسنعود إلى الاستدلال لذلك الرأي إن شاء الله تعالى.
ولكن الآن نتكلّم في وجهة نظر الذين أثبتوا أن القرآن فيه سجع وإن كان أعلى مما يستطيعه الناس أو يزاولون.
ومن هؤلاء أبو هلال العسكري في كتابه "الصناعتين" فهو يقول:
"وجميع ما في القرآن مما يجري على القرآن من التسجيع والازدواج مخالف في تمكين المعنى وصفاء اللفظ، وتضمّن التلاوة، لما يجري مجراه من كلام الخلق، ألا ترى قوله عز اسمه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا، فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا، فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات: ١-٥] .
قد بان عن جميع أقسامهم الجارية هذا المجرى من مثل قول الكاهن: "والسماء والأرض، والقرض والفرض، والغمر والبرض"، ومثل هذا من السجع مذموم، لما فيه من التتكلف والتعسف، ولهذا قال النبي ﷺ للرجل الذي سأله: "أندى من لا شرب ولا أكل، ولا صاح فاستهل، فمثل ذلك يطل: "أسجعًا كسجع الكهان" لأنَّ التكلف في سجعهم فاش"، ولو كرهه ﵊ لكونه سجعًا لقال: أسجعًا ثم سكت، وكيف يذمّه ويكرهه، وإذا سلم من التكلف، ويرئ من التعسف لم يكن في جميع صنوف الكلام أحسن منه، وقد جرى عليه من كلامه ﵇".
ونرى من هذا أن أبا هلال العسكري يخالف الرماني في أنَّ السجع كله مذموم، بل منه المذموم الذي يظهر فيه التكلف، ويرهق الألفاظ والمعاني، حتى يحاول القائل أن يكون كلامه رضًا غير متماسك بملاط من المعاني.
ويرى أنّه لا مانع من أن يوصف القرآن بأن فيه سجعًا، ولكنه سجع في أعلى مراتب الكلام، بحيث لا يمكن أن يجاريه أحد، ولا يصل إلى علوه أحد من الخلق.
وابن سنان في كتابه "سر البلاغة" يسمِّي ما فيه المقاطع متحدة سجعًا، ولكن في درجة العلوِّ القرآني الذي لا يستطيع أحد أن ينهد في كلامه إليه.
ويسوق نصوصًا قرآنية بعدها من السجع منه ما تلونا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ، هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ، أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ، وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ، وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ، الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ [الفجر: ١- ١٢] .
ويقول ابن سنان: إنَّ نغم السجع كان مقصودًا، فقد حذفت الياء في يسر، وحذفت الواو، وذلك صحيح في اللغة، ويقول: قصد إليه طلبًا للموافقة في الفواصل.
стр. 222
ويستدل أيضًا بقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١، ٢] .
ويتكلم ابن سنان في البواعث التي بعثت الذين ينكرون أنَّ يكون في القرآن سجع، فيحمد تلك البواعث مع الإصرار على المخالفة فيقول: وأظنّ أن الذي دعا أصحابنا إلى تسمية كل ما في القرآن فواصل، ولم يسموا ما تماثلت حروفه سجعًا، رغبة في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المروي عن الكهنة وغيرهم، وهذا غرض في التسمية قريب، فأمَّا الحقيقة فما ذكرناه؛ لأنه لا فرق بين مشاركة بعض القرآن لغيره في كونه مسجوعًا، وبين مشاركة جميعه في كونه عرضًا وصوتًا وكلامًا عربيًّا مؤلفًا، وهذا مما لا يخفى فيحتاج إلى زيادة في البيان، ولا فرق بين الفواصل التي تتماثل حروفها في المقاطع وبين السجع.
ويقول فارضًا اعتراضًا، ورادًا عليه، فإذا قال قائل: "إذا كان عندكم أن السجع محمود، فهلَّا ورد القرآن كله مسجوعًا، وما الوجه في ورود بعضه غير مسجوع؟ قيل: إن القرآن أنزل بلغة العرب وعلى عرفهم وعادتهم، وكان الفصيح من كلامهم لا يكون كله مسجوعًا لما في ذلك من أمارات التكلف والاستكراه والتصنع، ولا سيما فيما يطول من الكلام، فلم يرد مسجوعًا جريًا على عرفهم في الطبقة العالية من الكلام، ولم يخل من السجع؛ لأنه يحسن في بعض الكلام على الصفة التي قدمناها، وعليها ورد في فصيح كلامهم، فلم يجز أن يكون عاليًا في الفصاحة، وقد أخلَّ فيه شرط من شروطها، وهذا هو السبب، فأورد القرآن مسجوعًا وغير مسجوع".
ونحن لا نفرض احتمال التكلف في القرآن قط؛ لأنه من عند الله تعالى، ولكن نقول: هكذا أراد الله أن يكون هكذا كتابه، وإذا أردنا أن نلتمس حكمة لذلك، فهي فيما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الكهف: ٥٤] فتصريف القول في القرآن كان من جماله الذي يعلو على كل البشر بأن يكون تصريف القول فيه بسجع أحيانًا إن ارتضينا مذهب السجع، أو الفواصل المتقاربة حروفها في المقاطع أحيانًا أو إطلاق الألفاظ في القرآن من غير مقاطع، مع ملاحظة أنَّ ذلك كله في أعلى درجات البلاغة التي لا يصل إليها أحد من البشر.
وابن الأثير في كتابه المثل السائر يستنكر قول الذين يذمون السجع، ويستنكر قول الذين لا يسمون ما في القرآن من اتحاد المقاطع في الحروف سجعًا، ويقول في ذلك:
"وقد ذمَّه بعض أصحابنا من أرباب هذه الصناعة، ولا أرى لذلك وجهًا سوى عجزهم أن يأتوا به، وإلَّا فلو كان مذمومًا لما ورد في القرآن الكريم، فإنه قد أتى منه.
стр. 223
بالكثير، حتى إنه ليؤتي بالسورة جميعها مسجوعة كسورة الرحمن، وسورة القمر وغيرهما، وبالجملة فلم يخل منه سورة".
وترى أنه يستحسن السجع، ويرمي الذين لا يستحسنونه بأنهم لا يجيدونه، ونقول: إنه لا يمكن أن يكون حسنًا في كل الأحوال، فمثلًا بيان الأحكام الشرعية في أي كلام بليغ لا يصح أن يكون سجعًا، ولكل مقام مقال كما يذكر علماء البلاغة.
وخلاصة ما يقرره المثبتون للسجع في القرآن أنهم يعتمدون على ما يتلونه من اتحاد الحروف في مقاطع القرآن، ويقررون مع ذلك أن سجع القرآن أعلى من كلام البشر، فليس على شاكلة مثله في كلام الناس؛ لأنه أعلى من كلام الناس.
١٢٦- من هذه النقول التي نقلناها نجد الذين يقررون أن في القرآن سجعًا يعتمدون:
أولًا: على نصوص القرآن التي ثبت فيها أنّ الفواصل المتحدة في الحروف كثيرة في القرآن.
وثانيًا: على أن السجع ليس عيبًا في القول، ولكنه من محسِّنات القول، وقد وقع كثيرًا في كلام العرب الجيد، وأنه لم يكن سجع الكهان هو السائد فقط، بل كان من بلغاء العرب من اتجه إلى السجع البليغ، فقد روي عن أبي طالب عمّ النبي ﷺ أنه قال لسيف بن ذي يزن:
"أنبتك الله منبتًا طابت أرومته، وعزت جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه، ونبت زرعه في أكرم موطن، وأطيب معدن".
وإن الذين نفوا السجع من القرآن قالوا: إنه مذموم، وعلى رأسهم الرماني، وجاء من بعده أبو بكر الباقلاني، فنهج ذلك المنهج وسار على ذلك الخط، ونسبه إلى الأشاعرة، فقال:
"ذهب أصحابنا كلهم إلى نفي السجع في القرآن، وذكره الشيخ أبو الحسن الأشعري في غير موضع من كتبه".
وإذا كان الذين ردوا على الرماني قد بيَّنوا أنَّ السجع ليس مذمومًا على إطلاقه، إنما المذموم منه سجع الكهان، وما كان فيه اللفظ هو المقصود، والمعنى تابع له.
وقد أنكر الباقلاني أن يكون في القرآن سجع، وما ادّعوه من سجع فيه وساقوه هو وَهْمٌ لا أساس له فقال:
"والذين يقدرون أنه سجع هو وهم؛ لأنه قد يكون الكلام على مثال السجع، وإن لم يكن سجعًا؛ لأنَّ ما يكون به الكلام سجعًا يختص ببعض الوجوه دون بعض،
стр. 224
لأنَّ السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع، وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع من القرآن؛ لأن اللفظ لا يقع فيه تابعًا للمعنى، وفصل بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود فيه، وبين أن يكون السجع منتظمًا دون اللفظ، ومتى ارتبط المعنى بالسجع كانت إفادة السجع كإفاد غيره، ومتى انتظم المعنى نفسه دون السجع كان مستجلبًا لتحسين الكلام دون ضجيج".
وإننا هنا نجد افتراقًا بين الباقلاني وابن الأثير وابن سنان وأبي هلال العسكري في تعريف السجع، فأولئك يعتبرون السجع ما اتحدت فيه ألفاظ المقاطع، سواء أكان المعنى هو المقصود، وجاء الاتحاد تحسينًا للقول، أم كان المقصد هو اللفظ واتحاد ألفاظ المقاطع هو المقصود، وفي الأول يكون السجع محمودًا، وفي الثاني لا يكون لائقًا بمقام القرآن الكريم.
أما الباقلاني وسائر الأشاعرة، ومن سلك طريقتهم، فإنهم لا يذكرون السجع إلإ في الصورة التي يكون فيها اللفظ مقدمًا على المعنى.
وإن الذي دفع الباقلاني إلى هذا هو تشبيه السجع بالشعر، فالشعر تقصد فيه القوافي والمقاطع المتحدة في الألفاظ ثم تكيف المعاني على الألفاظ ليستقيم المقطع، كما تستقيم القافية، وإذا كان الشعر منفيًّا في القرآن بالاتفاق، فكذلك السجع الذي ينهج منهجه، ويتبع طريقته، وتجيء المعاني تابعة للألفاظ مكيفة بكيفها، مأخوذة بطريقها، وإنَّ الله تعالى عندما استنكر أن يكون قول شاعر ولا كاهن، أدخل السجع في النفي، وهو السجع الذي يكون فيه المقصد الأول للفظ.
وإنه إذا كانت الفكرة نفيًا أو إثباتًا قائمة على الاختلاف في الاصطلاح فإنه قد زال الخلاف؛ إذ لا مشاحة في الاصطلاح.
وبذلك ننتهي إلى الاتفاق على أنَّ القرآن فيه فواصل تتحد فيها المقاطع ولعلوها وسموها في البلاغة كانت المعاني هي المقصد الأول، وجاءت الألفاظ بجمالها وإشراقها وحسن نغمها، ورنة موسيقاها، تابعة لذلك، وقد يكون اتحاد المقاطع في الحروف من مظاهر الجمال وحسن النغم، وانسجام الموسيقي، وفي ذلك قوة التأثير، بما لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله.
وعلى ذلك نقول: إنَّ من يفسِّر السجع بأن الاتحاد في حروف المقاطع من غير أن يكون المعنى تابعًا للفظ يحكم بأن القرآن الكريم فيه سجع فوق قدرة البشر أن يأتوا بمثله، ومن يقول: إنّ السجع كالشعر يكون المعنى فيه تابعًا للقافية والأوزان يكون القرآن الكريم منزَّهًا عنه.
стр. 225
ونحن نميل إلى أن اتحاد المقاطع في القرآن لا يعد سجعًا؛ لأننا نرى السجاعين يتجهون إلى الألفاظ أولًا، وقد يكون سهلًا وحلوًا، ولكن الاتجاه فيه أولًا إلى الألفاظ، وذلك غير لائق بالنسبة للقرآن.
١٢٧- وبذلك يكون الحكم في أمرٍ اتفق الطرفان المتخاصمان فيه على تقديس القرآن الكريم، وتنزيهه عن أن يكون مشابهًا لكلام الناس، وإن كان من جنسه، ومكونًا من حروفه.
ونختم الكلام بكلام لكاتبين مؤمنين، قال أحدهما في وصف ألفاظ القرآن ونظمه، وقال الثاني في فواصله ومقاطعه، أما الأول فالباقلاني، فقد قال:
"إن القرآن سهل سبيله، فهو خارج عن الوحشي المستكره، والغريب المستنكر، وعن الصنعة المتكلفة، وجعله قريبًا إلى الأفهام، يبادر معناه لفظه إلى القلب، ويساوق المغزى منه عبارته إلى النفس، وهو مع ذلك ممتنع المطلب عسير المتناول غير مطمع مع قربيه في نفسه، ولا موهم مع دونوه في موضعه أن يقدر عليه، أو أن يظفر به، فأمَّا الانحطاط عن هذه الرتبة إلى رتبة الكلام المبتذل، والقول المسفسف فلا يصح أن تقع فيه فصاحة أو بلاغة، فيطلب فيه، ولكنه أوضح مناره، وقرب منهاجه، وسهل سبيله، وجعله في ذلك متشابهًا متماثلًا، وبين مع ذلك إعجازه فيهم".
أما الثاني فهو الكاتب المؤمن مصطفى صادق الرافعي ﵀ ورضي عنه- فهو يقول في فواصل القرآن ومقاطعه:
ما هذه الفواصل التي تنتهي إليها آيات القرآن؟ ما هي إلَّا صورة تامة للأبعاد التي تنتهي بها جمل الموسيقى، وهي متفقة مع آياتها في قرار الصوت اتفاقًا عجيبًا، يلائم الصوت والوجه الذي يساق إليه بما ليس وراءه في العجب مذهب، وتراها أكثر ما تنتهي بالنون والميم، وهما الحرفان الطبيعيان في الموسيقى نفسها، أو بالمد، وهو كذلك طبيعي في القرآن. قال بعض العلماء: كثير في القرآن ختم الفواصل بحروف المد واللين، والياء والنون، وحكمة وجودها التمكين من التطريق بذلك، كما قال سيبويه: أنهم -أي: العرب- إذا ترنَّموا يلحقون الألف والياء والنون لأنهم أرادوا مدَّ الصوت، ويتركون ذلك إذا لم يترنموا، وجاء ذلك في القرآن على أسهل موقف وأعذب مقطع.
فإذا لم تنته بواحدة من هذه "بالميم والنون والمد" كأن انتهت بسكون حرف من الحروف الأخرى كان ذلك متابعة لصوت الجملة، وتقطيع كلماتها، ومناسبته للون المنطق بما هو أشبه وأليق بموضعه، وعلى أن ذلك لا يكون أكثر ما أنت واجده إلا في
стр. 226
الجمل القصار، ولا يكون إلَّا بحرف قوي يستتبع القلقلة أو الصفير أو نحوهما مما هو صروف أخرى من النظم الموسيقي.
وهذه هي طريقة الاستهواء الصوتي في اللغة، وأثرها طبيعي في كل نفس تفهمه، وكل نفس لا تفهمه، ثم لا يجد من النصوص على أي حال إلا الإقرار والاستجابة، ولو نزل القرآن بغيرها لكان ضربًا من الكلام البليغ الذي يطمع فيه أو في أكثره، ولما وجد أثر يتعدى أهل هذه اللغة العربية إلى أهل اللغات الأخرى، ولكنه انفرد بهذا الوجه المعجز، فتألفت كلماته من حروف لو سقط واحد منها أو أبدل بغيره، أو أقحم معه حرف آخر، لكان ذلك خللًا بيِّنًا، أو ضعفًا ظاهرًا في نسق الوزن، وجرس النغمة، وفي حس السمع وذوق اللسان، وفي انسجام العبارة، وبراعة المخرج، وتساند الحروف، وإفضاء بعضها إلى بعض، ولرأيت لذلك هجنة في السمع كالذي تنكره من كل مرئي لم تقع أجزاؤه على ترتيبها، ولم تتفق على طبقاتها، وخرج بعضها طولًا وبعضها عرضًا، وذهب ما بقي منها إلى جهات متناكرة".
وإن هذا الكلام يفيد فائدتين:
إحداهما: أنَّ موسيقى القرآن الكريم ونغماته هي التي استرعت أسماع العرب، واستهوت نفوسهم، ورأوا لها حلاوة، وعليها طلاوة ليست من الشعر، وإن علت على أعلى ما فيه، وليست من نوع كلامهم البليغ، وإن كانت من جنس كلامهم، وإن ذلك التأليف في النغم والجرس مع علوِّ المغزى والمعنى وإحكام التعبير ودقة الإحكام لا يمكن أن يصل إليه أحد.
وقد يقول قائل: هل هذه الأنغام المؤتلفة مقصودة في ذاتها، وهي الإعجاز؟
فنقول: إننا مهما نحاول في رد الإعجاز إلى أسباب لا نجد سببًا واحدًا بذاته هو الذي اختص بالإعجاز، بل تضافرت في ذلك الأسباب، وكل واحد منها يصلح سببًا قائمًا بذاته، ولكن نؤكد أن جرس المقاطع والحروف والكلمات والجمل، والفوزاصل، وأبعادها، كل هذا فيه إعجاز للعرب عن أن يأتوا بمثلها.
وإنَّ الدليل على أنَّ جرس الآيات القرآنية بما حوت من حروف وكلمات هو من الإعجاز أنَّ الله تعالى أمر بترتيل القرآن لا بمجرد القراءة، فقد قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ ، وبين سبحانه أن ترتيل القرآن بتعليم من الله تعالى، فقد قال تعالت كلماته: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢] .
فالله تعالى علَّم نبيه ﷺ ، وهو- ﷺ علَّم أمته ذلك الترتيل، وليس الترتيل مجرَّد القراءة، إنما الترتيل قراءة منغمة تنغيمًا يظهر التناسق في الحروف والجمل والآيات ويكشف معانيها، ونغماتها، وتلك هي موسيقى القرآن.
الفائدة الثانية التي يفيدها: أنَّ إعجاز القرآن لغير العرب هو بنغمه وجرسه الموسيقي، فإنَّ الموسيقى لغة الإنسانية، وتهتز لها كل القلوب، ونحن نوافقه في اتجاهه إلى أن القرآن معجز العرب وغيرهم، ولكن لا نقصر إعجاز غير العرب على الموسيقى وحدها، بل نقول: إن ذات العبارات، وشرائعه، والعلم المبثوث فيه، وكونه من أمي لا يقرأ ولا يكتب، وقد نشأ في بلد أمي ليس فيه معهد ولا مدرسة، هذا كله فيه الدلالة على أنه من عند الله تعالى.
стр. 227
الإيجاز والإطناب في القرآن:
١٢٨- إن القسمة العقلية للكلام كثرة وقلة بالنسبة لمعناه تحصره في أربعة أقسام:
أولها: الإيجاز بأن تكون الألفاظ قليلة والمعاني كثيرة.
وثانيها: التقصير بأن تكون الألفاظ غير كافية للدلالة على المعاني.
ورابعها: التطويل، وهو أن تكون الألفاظ كثيرة وفيها ما لا حاجة إليه. وهذه الأقسام الأربعة من الناحية البلاغية متقابلة، فالإيجاز والتقصير متقابلان، وأولهما باب من أبواب البلاغة، وثانيهما عيّ في القول، ونقص في البيان، والإطناب والتطويل متقابلان، وأولهما بلاغة وحسن أداء، وثانيهما عيّ وعيب في البيان، يدفع إلى الملل والسآمة، حتى يتبرم به السامع.
وقد ذكر الرماني هذه الأقسام المتقابلة، كل ما يقابله، فقال: "والإيجاز بلاغة والتقصير عيّ، كما أنَّ الإطناب بلاغة والتطويل عي، والإيجاز لا إخلال فيه بالمعنى المدلول عليه، وليس كذلك التقصير، لأنه لابد فيه من الإخلال، فأما الإطناب فإنما يكون في تفصيل المعنى، وما يتعلق به في المواضع التي يحسن فيها ذكر التفصيل، فإنَّ لكل واحد من الإيجاز والإطناب موضعًا، يكون به أولى من الآخر، لأنَّ الحاجة إليه أشد، والاهتمام به أعظم، فأما التطويل فعيب وعيّ؛ لأنه تكلف فيه الكثير فيما يكفي منه القليل، فكان كالسالك طريقًا بعيدًا، جهلًا من بالطريق القريب، وأمَّا الإطناب فليس كذلك؛ لأنه كمن سلك طريقًا بعيدًا لما فيه من النزهة الكثيرة،
стр. 228
والفوائد العظيمة، فيحصل في الطريق على غرضه من الفائدة، على نحو ما يحصل له بالغرض المطلوب.
وإنه يستفاد من هذا الكلام أنَّ الإطناب هو في زيادة المعاني، لا في زيادة الألفاظ، فإنَّ اللفظ إذا زاد لا يكون الكلام من الإطناب البليغ المستحسن إلَّا إذا زادت معه المعاني، وذلك يكون بتفصيل القول لا بإجماله، اقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى، قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٧، ١٨] إننا نرى هنا إطنابًا حلوًا تترطب به الألسنة والأسماع، كان الإيجاز أن يقول هي عصاي. وبقية المعاني تفهم، ولكن محبَّة موسى لربه، ورغبته في أن يطيل المحادثة، صرَّح بما يفهم ضمنًا، وبما يعلمه الله تعالى من غير بيان.
واقرأ مرة أخرى ما قاله موسى ﵇ عندما كلفه ربه أن يقوم بحق الرسالة، فقد قال راغبًا في حديثه مع ربه: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي، وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا، وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا، إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا، قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى، وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى، إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى، أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي، إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى، وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٢٥- ٤١] .
وهنا نجد في هذا الكلام إطنابًا في خطاب كليم الله تعالى لربه، فهو لا يكتفي بالملزوم حتى ينطق باللازم؛ لأن الخطاب محبَّب إلى نفسه؛ لأنه يخاطب ربه فيسهب في القول من غير تزيد.
ثم تجد بعد ذلك في كلامه إيجازًا غير مخل، قد حذف منه ما صرح به في آيات آخر من قصة سيدنا موسى مع فرعون، فذكر أن أخته قالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم، ولم تذكر أنه حرم عليه المراضع، وقد عرف هذا من الآيات الأخرى، وفهم من هذه الآية؛ إذ إنه لا يمكن أن يكونوا في حاجة إلى من يكفله لهم، إلَّا إذا احتاجوا إلى ذلك، وحذف من قبل كلام امرأة فرعون، وقد فهم ضمنًا من قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ .
стр. 229
وذكر هنا قتله نفسًا، وطوى ذكر ما كان منه عندما بلغ رشده، ورؤيته رجلًا من شيعته يستغيثه فأغاثه، وقتل الذي هو من عدوه، ثم طوى خبر الائتمار به ليقتله المتآمرون، ثم خروجه والتقاؤه بابنتي شعيب وسقيه لهما، ومجيء إحداهما تمشي على استحياء، ثم زواجه على أن يكون المهر عمله ثماني حجج أو عشرًا، ثم إيناسه بالنار، ثم مكالمة الله تعالى، وقد ذكر كله في قوله تعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى، وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤٠، ٤١] .
وهكذا نجد أن الإطناب لا يكون بكثرة الألفاظ فقط، بل بكثرتها مع كثرة المعنى، والإيجاز لا يكون بكثرة المعاني فقط، بل لا بُدَّ أن يكون في الألفاظ دلالة واضحة على المعاني الكثيرة، أو أن تكون هذه المعاني ذكرت في مقام آخر من القرآن، فإن القرآن الكريم كل كامل لا تنقص معانيه، ولا تستغلق على قارئيه، وقد يحذف القول في مكان؛ لأنَّه يفهم بدلالة الأولى في مكان آخر.
وبين أيدينا في هذا الباب آيات في الميراث.
لقد قال تعالى في ميراث الأولاد: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١] .
ونرى هنا أنَّ النص الكريم ذكر أن ميراث الواحدة إذا انفردت النصف، وميراث الأكثر من اثنتين الثلثان، ولم يذكر الميراث إذا كانتا اثنتين فقط، ولم تزيدا عن اثنتين، أيكون النصف أم يكون الثلثين؟
لقد تبين ذلك في ميراث الأخوات، فقد قال تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا ُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧٦] .
وهنا نجد الإيجاز المحكم، فنجد في الآية الأولى يحذف ما يفهم بالأولى من الآية الثانية، ويحذف من الثانية كذلك، فقد ذكرت الآية حكم ما فوق الاثنتين، ولم تذكر حكم الاثنتين، وهو ما بين في الآية الأخرى؛ لأنها ذكرت أن ميراث البنتين هو الثلثان، وإذا كانت البنت أقرب إلى الميت من الأخت فيكون ميراث البنتين بدلالة الأولى؛ لأنه إذا كانت الأختان وهما أبعد تأخذان الثلثين، فأولى أن تأخذهما البنتان الاثنتان؛ لأنهما أقرب، فلا يمكن أن يكون نصيبهن أقل من الثلثين.
والآية الأولى نصَّت على أنَّ الأكثر من بنتين تأخذان الثلثين، فلا زيادة عن الثلثين، فالأولى بألَّا يزيد عن الثلثين نصيب الأكثر من أختين؛ لأن الأكثر من اثنتين من ذوي القرابة القريبة لا يزيد عن الثلثين، فأولى ألَّا تزيد عن ذلك ذوات القرابة الأبعد.
стр. 230
وأمثال ذلك كثير في القرآن، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وهذه حال المطلقة الحامل، وذلك إيجاز لا تفصيل فيه، وبينت حال الحامل، في قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] .
١٢٩- وإنَّ الأمر الذي يجب أن نعرفه ونؤمن به ونؤكده، وهو الذي يليق ببلاغة القرآن التي لا تسامى، ولا تناهد، وتتحدَّى بها الأجيال كلها -في كل اللغات- أن الإيجاز ليس فيه قصور في الألفاظ تكون على قدر المعاني مع كثرتها، فهي واضحة الدلالة، كما أنَّ المعاني وفيرة غزيرة مغدقة.
وإنَّ الإطناب كذلك، فإنَّ المعاني تكون كثيرة، والألفاظ على قدرها لا زيادة فيها بحيث لا يمكن الاستغناء عن عضها والاكتفاء ببعضها، بل إنك لو أردت حذف كلمة، بل حرف من كلمة لأحسست بأنك قطعت جزءًا من الصورة البيانية، فلا تكون الصورة كاملة بدونها، بل تحس بفراغ في مكانها لا بُدَّ أن يملأ.
وإذا كان الإطناب مع كثرة الألفاظ على قدر المعاني؛ بحيث لا يُسْتََغْنَى بكلمة عن كلمة، والإيجاز كذلك، فما الفرق إذن بينهما، ولم يكن ثمة حاجة لأن يقسم بيان القرآن إلى إيجاز وإطناب، وقد اتفق علماء البلاغة على أن في القرآن الكريم النوعين.
وإننا نقول في الجواب: إن الإيجاز والإطناب طريقان للبيان، كل منهما واف في موضعه، يؤدي الغرض الأول في موضعه، وهما يتباينان لا يجمعهما إلا البلاغة البينة الواضحة، وكل له مقامه.
ولنوضِّح الفرق بينهما في الحقيقة، ثم نوضِّح الفرق بينهما في مواضعهما من القرآن الكريم.
فالفرق بينهما في الحقيقة أنَّ الإيجاز يكون بحذف كلمة دلَّت القرائن عليها مع الوفاء في حذفها، كالوفاء في ذكرها، والبلاغة تكون في الحذف في مقام البيان إن كانت الدلالة قائمة، والقرائن مثبتة، ويكون في الحذف فائدة لا توجد مع ذكر المحذوف؛ كقول الله تعالى عن قول إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [يوسف: ٨٢] .
وإن القرية وهي مجموع المساكن والطرقات لا تسأل إنما يسأل من فيها، بل يسأل بعض من فيها، وذلك دليل على أنَّ المسئول هو البعض، فهنا إيجاز بالحذف،
стр. 231
ولا نقص بذلك الحذف، بل فيه زيادة معنى، وهو أنَّ الأمر شائع عام للجميع، وكأن كل من في القرية يعرف حتى البنيان، والمساكن والأسواق، أي: ذلك أمر معروف، لا موضع للكذب فيه.
وحقيقة الإطناب أنَّ المعاني تكون والألفاظ على قدر واحد في الكثرة، والألفاظ بناء متكامل لا ينقص منه لبنة، ولكن الإطناب يكون متجهًا إلى تفصيل الألفاظ في الدلالة، فلا يستغنى بلازم عن ملزوم، ولا بملزوم عن لازم، ولا بعامٍّ عن خاص، ولا بخاصٍّ عن عام، ولا بدلالة الأولى عن نص اللفظ، ولا بالإشارة عن العبارة، بل كل ما يقتضيه المقام يجيء في وضوح كامل، لا يكتفي فيه بالتضمن، ولا بالإشارة ولا بالالتزم. ومثال ذلك في الحسيات، وإن كان لكلام الله تعالى المثل الأعلى، أن تطلب من شخص وصف قصر، فيصف أبعاده، طوله وعرضه، وارتفاعه وزيناته، ثم يصف الغرفات غرفة غرفة، ودعائم بناء القصر، ويسترسل في وصف كأنك تراه، وهذا إطناب يكون له مقامه إذا كان لمن يريد شرائه أو سكناه.
وقد يقول في وصفه أحيانًا أنه على أكمل صورة لتصور المترفين طلاء وحلية.
ولا شك أن الأول إطناب لا زيادة فيه ما دام غير قاصد إلَّا لبيان ما فيه، والثاني إيجاز لا قصور فيه.
ولنضرب لذلك مثلًا سورة الطلاق التي بينت وقت الطلاق، وما يكون بعده، وما يجب للمطلقة، وما يجب على المطلق، مع الإيجاز في بعض الأحكام التي تشمل حال الطلاق وغيره.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا، فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا، وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا، ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا، أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ
стр. 232
أُخْرَى، لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ١-٧] .
وإنك ترى في هذا النص الكريم المعاني الكثيرة، فهي تكاد تشتمل على أحكام المطلقات، وفيها إشارة إلى بعض أحكام عدة المتوفَّى عنهنَّ أزواجهن.
وإن الألفاظ ليست قليلة، ومن المؤكد أنه لا زيادة فيها، بل تخلل الإيجاز بعضها.
وإن أكثر آيات الأحكام فيها ذلك الإطناب الذي لا تزيد فيه الألفاظ عن المعاني، لأنَّها تتعرض لما يكلف الله تعالى عباده، ولا بُدَّ أن يكون ذلك واضحًا للمكلف كل الوضوح حتى لا يكون في ذلك موضع إبهام تكون فيه معذرة للمكلف، بل إنه بيان الله تعالى الشامل الذي لا إيهام فيه، ولا مظنَّة لإبهام، اقرأ قوله تعالى في تحريم الخمر، إذ أطنب سبحانه فقد قال -تعالت كلماته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ، لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْ وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٠-٩٣] .
وإننا نرى القرآن الكريم يأتي بالإطناب الذي لا زيادة فيه في آيات الأحكام كما أشرنا بذلك، وتلونا من كتاب الله تعالى، فإنك لا تجد أن حكمًا أصليًّا يأتي به القرآن يكتفي فيه بالإشارة عن العبارة، وباللازم عن الملزوم، بل كل ذلك صريح في القرآن الكريم، ولكنَّ الفقهاء في استنباطهم كانوا يأخذون أحكامًا من إشارات العبارات وكناياتها، كما رأينا فيما استنبطوه من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ فإنهم فهموا منه أن الولد لأبيه، وأن له حق التربية، وأخذ الفقهاء من إشارات العبارات كثيرًا في أبواب الفقه، وعد ذلك من بلاغة القرآن الكريم.
وإن أخذ الأحكام بطريق الإشارة دون العبارة لا يمنع أنه لم يكتف بذكر الملزوم في بيان الحكم الأصلي، وإن ذلك ثمرات الحكم الأصلي فهمت منه، وأما الأصل فلم يفهم إلا بالعبارة الواضحة.
هذا، ومن مواضع الإطناب الواضح في القرآن الكريم القصص القرآني في مواضع العبرة، وتسلية النبي ﷺ ببيان ما نزل بالأنبياء السابقين، وما لاقوا من أقوامهم،
стр. 233
فإن الإطناب في ذلك يزيد قلب النبي ﷺ تثبيتًا وأنسًا، وأن القصص فوق ذلك يكون مشتملًا على مناقشة الأنبياء السابقين لأقوامهم، وأدلة التوحيد التي جاءت على ألسنتهم، وفيه بيان أحوال السابقين، وما كان يسيطر عليهم وعلى بيئاتهم.
وإنه من مواضع الإطناب الذي لا يكفي فيه الإيجاز بطلان عبادة الأوثان، ومجادلة المشركين، وردّ مطالبهم من معجزات غير القرآن، وبينات تثبيت الرسالة سواء، فإنَّ القرآن مشتمل على الكثير منه.
ومن مواضع الإطناب مناقشة أهل الكتاب، وبيان إنكارهم، وإثبات ماضيهم الذي امتد في حاضرهم.
١٣٠- ويجب أن ننبه هنا إلى أن التكرار ليس من الإطناب، وهو من الحشو إذا كان في سياق واحد، فالسياق الواحد لا يتكرر فيه المعنى، ولا يتكرر فيه اللفظ، وإذا بدا للقارئ الذي لا يمحّص المعاني والحقائق أنَّ في الكلام القرآن تكرارًا للمعنى، فإنَّ ذلك عند ذوي الفهم السليم تفكير سقيم؛ لأن تكرار المعنى له وصف آخر يؤدي فكرة جديدة، ومن ذلك قوله تعالى في وصف ميثاق بني إسرائيل الذي أخذ عليهم وأقروا به ثم أعرضوا عنه، فقد قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ، وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [البقرة: ٨٣، ٨٤] .
ولقد ادَّعى بعض الناس أن في الكلام تكرارًا في المعنى في موضعين، وإن كان اللفظ لا يتكرر، ففي الأول يقول تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ فيدَّعي بعض الناس أنَّ في النص الكريم تكرارًا؛ لأن التولي هو الإعراض، فما معنى وأنتم معرضون إلَّا أن يكون تكرارًا، وإن النظر العميق يثبت أولًا أن التولي هو الانصراف والبعد بالجسم، والإعراض هو الانصراف بالقلب، فأشبه هذا بقوله تعالى: ﴿أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾ [الإسراء: ٨٣] وفي هذا تصوير حسي للإعراض، فهو لم يعرض بالقلب بعدم الإذعان، بل قرن المعنى النفسي بالمظهر الحسي، كذلك هنا قرن الإعراض النفسي بالمعنى الحسي لتصوير الإعراض، وجعل الحق وراءهم حسيًّا، ثم قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ حال وفيه معنى توليتم إن
стр. 234
كانت بمعنى الإعراض عامَّة؛ وذلك لأنَّ هذه الجملة حالية، أي: إنَّ الإعراض النفسي عن الحق، وجحودهم حال مستمرة من أحوالهم، فالحق لا يصل إلى قلوبهم.
والثاني وهو قوله تعالى: ﴿أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ فإن الذين يدعون التكرار في المعنى يقولون أن اشهادة هنا هي الإقرار إلا أن يكون تكرار؟
ونقول في الإجابة عن ذلك أن ذكر ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ بعد الإقرار ليس تكرارًا؛ لأن الشهادة هنا ليس معناها الإقرار؛ لأنَّ الإقرار قد يكون عن أمر مغيب، وإنما معناها الحضور والرؤية، والمعنى على ذلك أنكم حضرتم الميثاق وأقررتم على ما فيه، فهو إقرار موثَّق لا تستطيعون أن تدعوا الغفلة إذ هو قول وحضور، فعن أيهما تغفلون.
ومن الآيات القرآنية التي يدّعي فيها التكرار بادي الرأي قوله تعالى في قصة صالح ﵇ مع قومه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ٧٤] .
وقد قالوا أن هنا تكرارًا في المعنى؛ لأن العثى هو الفساد، فمعنى لا تعثوا لا تفسدوا، فكلمة مفسدين تكون تأكيدًا للمعنى، والجواب عن ذلك أنه لا تكرار؛ لأن النبي الأمين نهى عن الفساد، وعن القصد إليه، فكلمة مفسدين تدل مع لا تعثوا على عدم القصد إليه، ومن جهة أخرى فيها إيماء إلى أن الإفساد وصف لهم، فعليهم أن يتخلّوا عن الوصف، وهي كذلك تدل على شناعة حالهم، وفساد جمعهم؛ إذ إنه فساد لا صلاح معه، فهل يقال بعد هذا أنَّ ثمة تكرارًا في المعاني في أيِّ جملة من آيات كتاب الله تعالى.
وأنه لا يوجد تكرار لفظي في جملة واحدة، ولا في موضع واحد.
وقد ادَّعى بعض العلماء التكرار في مواضع في القرآن، وعلله بما لا ينتنافى مع إعجاز القرآن الكريم، بل إنَّه من دلائل الإعجاز؛ إذ إن تكرار المعنى الواحد بعبرات مختلفة في مواضع مختلفة مع جمال الألفاظ والجمل في مواضعها المخلتفة، كأن يكرر المعنى في قصة في سور مختلفة، وكل عبارة معجزة في ذاتها، ويتحدَّى بها في نغمها وموسيقاها وألفاظها وجملها، وعجز العرب عن أن يأتوا بأي عبارة منها دليل على كمال الإعجاز في جملته وفي أجزائه.
ونحن نرى أنَّه لا تكرار في عبارات القرآن بمعنى أن يكرر المعنى من غير حاجة إليه، بل ذكرنا أنه إذا تكرَّر لفظ أو معنى، فإنما يكون ذلك لمناسبة جديدة، ويكون عدم ذكر ما يدّعي فيه التكرار إخلالًا، وذلكم مستحيل على كتاب الله تعالى.
وقد ضربنا على ذلك الأمثلة من قصص القرآن، ومن أنواع الاستفهام، وذلك في صدر كلامنا في تصريف القول في القرآن.
стр. 235
أقسام الإيجاز:
١٣١- يقسم الرماني الإيجاز إلى قسمين: إيجاز حذف، وإيجاز قصر، فيقول ﵁: "الإيجاز على وجهين: حذف وقصر، والحذف إسقاط كلمة للاجتزاء فيها بدلالة غيرها من الحال أو فحوى الكلام، والقصر بنية الكلام على تقليل اللفظ وتكثير المعنى من غير حذف، فمن الحذف: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ومنه ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ ومنه ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ ومنه حذف الأجوبة، وهو أبلغ من الذكر، وما جاء منه في القرآن كثرة كقوله -جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ ومنه قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] ، كأنه قيل حصلوا على النعيم، وإنّما صار الحذف في مثل هذا أبلغ من الذكر؛ لأن النفس فيه تذهب كل مذهب، ولو ذكر الجواب لقصر على الوجه الذي تضمنه البيان، فحذف الجواب في قولك: "لو رأيت عليًا بين الصفين" أبلغ من الذكر لما بيناه".
هذا كلام الرماني في الإيجاز بالحذف، ونلاحظ في ذلك أمرين:
أولهما: أن الإيجاز هنا نسبي في جزء من الكلام، فقد يكون الكلام في مقام الإطناب، ولكن في جزء منه يكون الحذف، وذلك موجود في بعض ما ذكره من أمثلة من ذلك قوله تعالى في آية البر، فإنها مطنبة بالنسبة لبيان المتسحقين للبر، فقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] .
ونرى من هذا أنَّ مجموع الآية في بيانها لا يُعَدّ من قبيل الإيجاز، بل هو إطناب على المعنى الذي بيناه في الإطناب.
ولكن ذلك لا يمنع أن في جزء من الآية الكريمة إيجازًا، وعلى ذلك نقول: إن الإيجاز هنا نسبي أو جزئي.
стр. 236
ثانيهما: إن الحذف في ذاته بلاغة؛ إذ إنه يعطي الكلام قوة، ويثير الخيال ليتصور المحذوف أعلى من المبين، وقد بيِّنَ ذلك في حذف الجواب في قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] .
ومن ذلك في معناه الذي يريده قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ١٦٥] فإنَّ جواب لو محذوف يلقي الرهبة في النفوس، وتذهب فيه العقول كل مذهب وتقدير، ولم يذكر البلاغة في إيجاز الحذف في مثل قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وفي مثل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ١٨٩] ، وقد تظهر بلاغة الحذف في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ؛ إذ إن في ذلك إشارة إلى شيوع القول فيها، وأن القرية كلها تكلمت، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ، أما قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ ، فإن فيه تزكية للمتقين بجعلهم البر ذاته، وأن نفسوهم علت وزكت قلوبهم حتى صارت هي، وفي ذلك فوق هذا تصوير للمعنى قائمًا بالذين يتصفون، فيكمون محسوسًا معلومًا فيهم.
١٣٢- ويعدُّ الرماني إيجاز القصر الذي عرفه بأنه بناء الكلام على تقليل الألفاظ، وبعده أغمض من إيجاز الحذف؛ لأن الحذف فيه غامض يحتاج إلى العلم بالمواضع التي يطبق فيها، ويقول: فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] ومنه قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤] ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ [الفتح: ٢١] ومنه ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم: ٢٣] وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] ، ومنه ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] وهذا الضرب من الإيجاز في القرآن كثير.
وهو المثل الكامل لجوامع الكلم، وجلَّ كلام الله تعالى عن أن يكون له مثيل، ونلاحظ أنَّ الأمثلة التي ساقها تتصل بكلام قبلها، فليست منقطعة، فهي إمَّا أن تكون حكمة أو أعلى من حكمة أو قضية مستقلة مؤيدة للحكم الذي سبقها، مبينة حكمته، كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فهي ختام آية القصاص، التي يقول الله تعالى فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٨، ١٧٩] .
стр. 237
وترى من هذا أنَّ الآية الكريمة تتميم لآية قبلها؛ لأنها بيان للحكمة والمصلحة الكاملة في القصاص؛ ليقدموا عليه غير نافرين؛ لأنه اتقاء لشر مستطير، وإذا كان القصاص في ذاته أمرًا لا تقبل عليه النفوس؛ لأنه قتل أو قطع، فالمصلحة أعظم من المضرة، ولا شك أن الألفاظ قصيرة، والمعاني التي تنطوى تحتها كثيرة، وخصوصًا أنَّ تنكير كلمة "حياة" يدل على تعظيم هذه الحياة التي تترتب على تنفيذ القصاص؛ لأنها تكون حياة آمنة سعيدة لا مزعجات فيها، وخصوصًا إذا كان مع حق القصاص حق العفوِ من المجنيّ عليه، فإنه يربِّي التواد، ويحلّ المحبة والمودة محل البغض والعداوة.
والآية الثانية التي ساقها الرماني هي ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ، ونلاحظ أن الرماني قطعها عن سابقها ولاحقها من لفظ؛ إذ الآية هي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٢٣] .
ولا شك أن الجملة التي اختاروها من الآية الكريمة فيها إيجاز القصر الذي يعد من أعلى جوامع الكلم، ولكن يقطعها عمَّا قبلها وما بعدها، وما جاءت فيه من أن الظاللمين يدعون الله تعالى ضارعين فيحال فزعهم وخوفهم حتى إذا آمنوا بغوا وطغوا وفي قطع الكلمات عن أخواتها قطع للمعنى عمَّا يكنها ويظلها.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] ، هي في عمومها وشمولها فيها إيجاز قصر، يمكن أن تكون مثلًا عاليًا يستشهد به في القول، ويصدق على كل خب لئيم، ولكنه قطع الكلام عما قبله وما بعده، فالآية الكريمة بهذا النص السامي ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ ، وكنا نود أن يأتي بالمثل الطيب في بيئته من كلمات سابقة له ولاحقة.
وقوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ ، هو كلام محكم بلغ أعلى ما تصل إليه بلاغة القول، وهي آية مستقلة، ولكنها متممة لما قبلها. فهي متممة العطف على قوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الفتح: ٢٠، ٢١] .
وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم: ٢٣] هي حكمة عالية في ذاتها، ولكنها مسبوقة ولها لاحق بها يحدها، فهي جزء من قوله تعالى: ﴿إِنْ
стр. 238
هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] وإنَّ إخراجها عمَّا قبلها وما بعدها يكون إخراجًا لها عمَّا يحدد أطرافها.
وقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤] وصف كامل لكل جماعة يغلب عليها الخور والجبن، ولكنها وصف للمنافقين، وإخراجها عما جاءت فيه يعمم معناها، وهي مخصوصة في السياق.
١٣٣- وننتهي من هذه النظرات إلى الكلمات السامية، نجدها في ألفاظها ذات عموم، ولكن لها في حيزها خصوص مثل قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ فهي في حيزها ذات عموم؛ لأنَّ كونها حكمة لأحكام مقررة يجعل لها عمومًا، ولا يقيدها حيزه؛ لأنها منطلقة، وكذلك مثل قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] أما الآيات الكريمات الأخرى، فإنها إذا ذكرت منفردة عن أخواتها كانت مثلًا من جوامع الكلم وكان لها العموم، وإذا أخذت مع أخواتها قيدت.
وعلى أيّ حال فإنَّ إيجاز الحذف فيها ثابت، ولا مانع من استعمالها كأعلى مثل سائر، والله أعلم.
وإن الإيجاز بغير حذف كلمات كثيرة في القرآن لا تكاد تخلو منه سورة، بل جزء من السورة، بل صفحة من صفحاته النورانية، وقد قلبنا بعض صفحات في القرآن فوجدنا العبارات الآتية، وكلها فيها إيجاز قصر، ومن ذلك:
١- قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] فإن هذا النص له معان كثيرة شاملة يطبق في كل أمر يحبه الإنسان وعاقبته وبيئة، أو لا يدري عاقبته، ولا ما يترتب عليه، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] .
٢- ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١] فإنَّ هذا النص الكريم يشير إلى المعركة الدائمة بين الخير والشر، والحق والباطل، والفضيلة والرذيلة، وأنّ سيطرة الرذيلة والشر والباطل فساد في الأرض ومقاومة الخير للشر دفع للفساد، وفيه إشارة إلى أنَّ مقاومة الشر بسلاحه من غير انحدار إلى الرذيلة رحمة بالناس، فدفع الشر رحمة ورد الاعتداء، وفي هذه الآية إشارة إلى نظرية الحرب الفاضلة والسلم الفاضلة.
стр. 239
٣- وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] فإن هذه الآية تبين وحدة الأمة الإسلامية مع غيرها بأوجز عبارة، فتشمل الوحدة الأبيض والأسود، والأحمر والأصفر، والبادي والحضري، وسكان الوبر، وسكان المدن، لا تفرقهم الألوان ولا الأسنة، وأنَّ التقوى يجب أن تكون لباسهم وشعارهم، وهي التي تعلى، ومثل ذلك قوله تعالى في إيجاز: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] .
٤- ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] فهي في إيجازها اعتذار عمَّا كان من امرأة العزيز ليوسف ﵇، وإنها لأحداث كثيرة فوق ما فيه من دلالة على معان نفسية تكوهن في الوجدان الذي تحكمه شهوات، الضمير اللائم المحاسب الذي يصوره قول الله تعالى: ﴿النَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ .
٥- ومنها قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] فإنَّ هذا النص السامي بكلماته القليلة الموجزة فيه تصوير لحال المشركين الذين ألزمتهم الحجة ولكن لم يذعنوا عصبية وعنادًا، ومحافظة على سيطرتهم الغاشمة.
٦- ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] وفي هذا النص إيجاز فيه ألفاظ قليلة ومعانٍ كثيرة بمقدار جرائم المشركين في الاستهزاء بالنبي وأصحابه، ومضايقتهم في العبادة، ومنه الطواف بالبيت، فقد كانوا كلما لقوهم سخروا منهم، فمعنى كفيناك المستهزئين: عاقبناهم على ما فعلوا في الماضي، وخضدنا شوكتهم في الحاضر، وشغلناهم في القابل، وسلط الله الحق على باطلهم إلى آخر ما نالهم في الدنيا من خزي وما نالهم في الآخرة من عذاب.
٧- ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] فإنَّ هذا النص قليل الألفاظ فيه معان كثيرة؛ لأنه سبحانه يشير إلى أن هلاك الأمم إنما يكون إذا شاع الفساد بين آحادها، وإنما يشيع الفساد ممن غلبت أهواؤهم وسيطرت عليهم شهواتهم، وأن ذلك من الذين نشئوا مترفين لا يرون حق الحياة خالصًا إلّا لهم، فيعمّ الفساد في الأرض، وتنقطع الأمة وتتنابز، وكل ذلك من سيطرة المترفين.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] ، أي: إنَّه مجزي بعمله إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، ومثله قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ [النجم: ٣٩، ٤٠] ومثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
стр. 240
١٣٤- وإن العرب كانوا يميلون إلى الإيجاز في القول، ويعدون الإيجاز بلاغة؛ وذلك لأنَّهم لم يكونوا أهل قراءة وكتابة، بل كانوا أهل بيان باللسان، وقد صقلت بذلك كلماتهم وهذبت عباراتهم، وقد قال الجاحظ: "إن الإيجاز في القرآن كان عند محاجّة العرب الأميين الذين يفهمون القول بالكلمات المشيرة غير المفصلة، والتفصيل من شأن من يعتمد على الكتاب دون اللسان".
ولقد كانوا يتبارون في الكلام الذي تدل ألفاظه على معانٍ كثيرة، وكانوا يعدون من أبلغ كلامهم قول بعض العرب: "القتل أنفى للقتل" أي: من يريد القتل إذا علم أنه سيقتل فإنه لا يقتل، ولا شك أن ذلك حق، وقد اتجه كثيرون من الأدباء والمفسرين إلى الموازنة بين ما يدَّعونه أبلغ قولهم، وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ والموضوع أيهما أبلغ وأجمل أداء، ولكلام الله تعالى المثل الأعلى.
وقد عقد الرماني في رسالته موازنة بين الجملتين، وإن كانت الموازنة ليست بين متماثلين، بل ليست بين متقاربين، وإن كان الموضوع متقاربًا فقال:
وقد استحسن الناس من الإيجاز قولهم: "القتل أنفى للقتل"، وبينه وبين لفظ القرآن تفاوت في البلاغة والإيجاز، وذلك يظهر من أربعة أوجه: أنه أكثر في الفائدة، وأوجز في العبارة، وأبعد من الكلفة بتكرير الجملة، وأحسن تأليفًا بالحروف المتلائمة، أمَّا الكثرة في الفائدة ففيه كل ما في قولهم: "القتل أنفى للقتل" وزيادة معانٍ حسنة منها إبانة العدل لذكره القصاص، ومنها إبانة القرب المرغوب فيه لذكره الحياة، ومنها الاستدعاء بالرغبة والرهبة لحكم الله تعالى، وأما الإيجاز في العبارة فإنَّ الذي هو نظير القتل أنفى للقتل "القصاص حياة" والأول أربعة عشر حرفًا والثاني عشرة أحرف، وإنما بعده عن الكلفة بالتكرار الذي فيه مشقة على النفس، فإن في قولهم: "القتل أنفى للقتل" تكرارًا غيره أبلغ منه، ومتى كان التكرار فهو مقصر في باب البلاغة عن أعلى طبقة، وأما الحسن بتأليف الحروف المتلائمة فهو مدرك بالحسِّ وموجود في اللفظ، فإن الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة، وكذلك الخروج من الصاد إلى الحاء أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة، فاجتماع هذه الأمور التي ذكرناها صار أبلغ وأحسن وإن كان الأول بليغًا حسنًا".
وهناك وجه لم يذكره الرماني، وهو أنَّ كلمة العرب مقصورة على القتل، أما كلمة الله تعالى فإنها تشتمل القتل والاعتداء على الأطراف، فتشمل النفس بالنفس والعين بالعين، والأنف بالأنف والأذن بالأذن، والسن بالسن، بل تشمل أيضًا الجروح، فمعناها أشمل، وأمر آخر لم يذكره الرماني، وهو أنَّ كلمة القرآن إيجابية وسلبية معًا، فهي إيجابية في أنها تبين أن ثمة حياة رافهة هادية أمينة بالقصاص، وفيها معنى النفي،
стр. 241
وهو ألَّا يكون اعتداء بأي نوع، أما كلمة العرب فلا تتجاوز المنع، وهو أن القتل يمنع القتل.
وأيضًا فإنَّ كلمة القصاص فيها معنى المساواة بين الجناية وعقوبتها، "والقتل أنفى للقتل" لا تستدعي بظاهر لفظها أن يكون القتل بالمساواة، بل لا تمنع أن يكون القتل اعتداء، والنص القرآني السامي الذي لا يسامي فوق كل ما يدخل من معانٍ على كلمة القتل أنفى للقتل.
هذا ما بدا لنا من زيادة كلمة القرآن من معانٍ على كلمة العرب، ولنعد من بعد إلى ما قاله الرماني في هذا المقام فهو يقول:
"وظهور إعجازه في الأمور التي نبينها يكون بإجماع أمور يظهر بها للنفس أن الكلام من البلاغة في أعلى طبقة، لإيجازه وحسن رونقه، وعذوبة لفظه، وصحة معناه، كقول علي ﵁: قيمة كل امرئ فيما يحسنه، فهذا كلام عجيب، يغني ظهور حسنه عن وصفه، فمثل هذه الشذرات لا يظهر بها حكم، فإذا انتظم الكلام، حتى يكون كأقصر سورة أو أطول آية ظهر حكم الإعجاز، كما وقع التحدي في قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ ، فبان الإعجاز عند ظهور مقدار السورة".
ومؤدَّى هذا الكلام أنَّ الإعجاز القرآني ربما لا يبدو في الكلمة أو الجملة مقطعة مقطوعة من سابقتها ولاحقتها، ولو كانت الجملة إيجازًا إنما يبدو في السورة أو الطائفة من القرآن، ونحن نخالف الرماني في ذلك، فإن كلمات القرآن مع أخواتها لها إشعاع من المعاني يثير الخيال، والمتأمّل في معانيها ما دامت الجملة مستقلة في دلالتها، تأتي بمعان مفيدة، مثل قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨] وكقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا، وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ [الشمس: ١-٣] فكل جملة من هذه الجمل لا يستطيع أحد أن يأتي بمثلها.
ولقد ختم الرماني كلامه في الإيجاز بذكر فضله وخواصه، فقال -رضي الله تعالى عنه:
"وإذا عرفت الإيجاز ومراتبه، وتأمّلت ما جاء في القرآن منه عرفت فضيلته على سائر الكلام، وهو علوه على غيره من سائر الكلام، وعلوّه على غيره من أنواع البيان، والإيجاز تهذيب الكلام بما يحسن به البيان، والإيجاز تصفية الألفاظ من الكدر، وتخليصها من الدرن، والإيجاز البيان عن المعنى بأقل ما يمكن من الألفاظ، والإيجاز إظهار المعنى الكثير باللفظ اليسير، والإيجاز والإكثار إنما هما في المعنى الواحد، وذلك ظاهر في جملة العدد وتفصيله كقوله القاتل: إنَّ عنده خمسة وثلاثة واثنين في موضع عشرة، وقد يطول الكلام في البيان عن المعاني المختلفة وهو مع ذلك في نهاية
стр. 242
الإيجاز. وإذا كان الأطناب في منزلة الأمر بحسن أكثر منها، فالإطناب حينئذ إيجاز كصفة ما يستحقه الله تعالى من الشكر على نعمه فإطناب فيه إيجاز".
وإن الرماني يتجه بهذا إلى معان ثلاثة:
أولها: أنه يصف الإيجاز بأن فيه تصفية للألفاظ من الكدرة ودرن القول وحشوه. وأنه البيان عن المعنى بأقل ألفاظ، وأن المعنى الكثير يكون في أقل مقدار من وحشوه، وأن المتكلم أو الكاتب يجهد فكره عند الاتجاه إلى الإيجاز ليأتي بأوجز لفظ يحمل أكبر معنى، وقد قال إمام من أئمة عصرنا في البيان في كتاب أرسله إلى صديق له وأطنب فيه "اعذرني في هذا الإطناب فإنه ليس عندي وقت للإيجاز" لأنه بالنسبة للبشر جميعًا ليس سهلًا، لأن الإطناب فإنه إرسال الحقائق أرسال، أما الإيجاز، فإنه جمع للحقائق في أقل الألفاظ وأجملها، وأبعدها عن الكدر والدرن.
ثانيها: أن الإطناب نسبي، فإنه إذا كان المعنى كثيرًا واللفظ كثيرًا، فإنه يكون إطنابًا، وإذا كان المعنى الكثير يمكن أن تكون ألفاظه أكثر فإن ذلك يكون إيجازًا مسببًا.
ثالثهما: أن كل ألفاظ ذات معان كثيرة، وقد وضعت على قدرها، فإن كان الواضح قلة الألفاظ مع كثرة المعنى كان الإيجاز، وإن كان الواضح الكثرة في اللفظ والمعنى من غير تزيد، بل لمقصد، فهو إطناب.
والقرآن في حالى الإيجاز والإطناب محكم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
стр. 243
طوال السور وقصارها:
١٣٥- ونحن نتكلم في الإيجاز والإطناب لا بد أن نمس موضوع السور الطوال والسور القصار. لقد علمت مما قدمناه جمع القرآن في عهد النبي ﷺ ، وإعادة جمع ما كان في عهد النبي ﷺ في مصحف جامع، وما أعاد به عثمان جمع ما جمع أبو بكر وعمر. ونشر نسخ مما جمع في الأقاليم للمسلمين.
وقد قررنا في ذلك أن الإجماع أن السور رتبت بوحي إلهي، وأن النبي ﷺ لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن قرأه على جبريل ﵇ بذلك الترتيب وذلك موضع إجماع، بل موضع تواتر عن النبي ﷺ ، وأن ترتيب السور في المصحف العثماني كان بهذا الترتيب الذي نقرؤه.
وأن هذا الترتيب في آيات السورة الواحدة لم يكن على حسب النزول، بل كان كما ذكرنا بالوحي فكانت الآية إذا نزلت على النبي ﷺ ، قال ﵊ لكتابه وصحابته: ضعوها في موضع كذا من سورة كذا، وكذلك لم يكن ترتيب السور
стр. 244
فيما بينها تابعًا لنزول الوحي، بل كان بوحي توجيهي لوضع السور في أماكنها، فإذا كانت السور الطوال في هذه المواضع من القرآن، والسور القصار في هذا الموضع من الطرف الأخير فيه، فإنَّ ذلك بتوجيه من الله .
وكان من المستحسن أن نتكلم في هذا لا في مقدار البلاغة فيها، فالجميع سواء، ولكن من حيث الحكمة إن أمكن أن يؤدي تطاولنا إلى معنى ندركه، فكتاب الله فوق طاقتنا في إدراك مراميه كلها؛ لأنها إرادة الله تعالى، وهي لا تقبل التعليل؛ لأنه لا يسأل عمَّا يفعل، وعباده هم الذين يسألون.
ولكن مع ذلك نحاول أن نتعرَّف حكمة الله تعالى أو ما نراه من أواصف للسور الطوال وأخواتها القصار.
إننا نجد في قصار السور وصفين:
أحدهما: إنَّ نظم السور القصار كله يكاد يكون على نسق واحد مؤتلف النغم متآخي الألفاظ متلائم في نظمه، اقرأ قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا، وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا، وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا، وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا، كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا، إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا، فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا، وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: ١-١٥] .
وإنك لترى النغم متحدًا، والفواصل متحدة، والتلاؤم بين ألفاظها منهاجه واحد، وكأنها لقصرها لا تتغير فيها الأنغام ولا مقاطع الكلام.
الثاني: من الأوصاف الواضحة في السور القصار إيجاز القصر، فتجد القصة من قصص القرآن تذكر في كلمات جامعة، ويبعد فيها الأسلوب عن الإطناب في القصة لحالها في مواضع من القرآن الكريم، وكلها معجز ببيانه وبلاغته.
اقرأ قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ، هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ، أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ، وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ، وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ، الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ، إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ، فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: ١-١٦] .
стр. 245
وترى من هذا كيف كان الإيجاز المعجز، لقد أشار إلى قصة عاد وثمود وفرعون، وقد وصف طغيانهم كما وصف قوتهم في صنائعم، وصلابة أرضهم، وكل ذلك في إيجاز.
والسور القصيرة كلها في موضوع واحد، كما ترى قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: كلها] .
وكما في سورة الفيل في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفيل: ١-٤] .
وكسورة قريش: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ، إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: كلها] .
وإننا نرى أنَّ الجزء الأخير في ترتيب القرآن الكريم الذي اختص باشتماله على قصار السور، والذي يسهل حفظه على الناشئين الذين لا يريدون جمع القرآن في صدورهم، قد اشتمل على بيان العقيدة الإسلامية، وعلى معاندة قريش، وعلى جهود النبي ﷺ ، وما لاقاه من عنت في قومه، وعلى المبادئ الاجتماعية، وفيه إجمال كامل لقصص القرآن الكريم.
هذا شأن قصار السور، وهي جزء من ثلاثين من القرآن الكريم، أمَّا الطوال والمتوسط والأقرب إلى الطول والأقرب إلى القصر فهو يشمل نحو تسعة وعشرين جزءًا من ثلاثين جزءًا من القرآن.
وإن السور المدنية أكثرها ليس من القصار، وهو يشتمل على الأحكام التفصيلية للتكليفات الشرعية، فسورة البقرة والنساء والمائدة فيها كثير من الأحكام الفقهية سواء أكانت في الأسرة أم في المعاملات المالية، أم في الزواجر الاجتماعية، أم في العلامات الدولية، وأحكام الجهاد، وفيها كل ما يتَّصل بالسلوك الإنساني الذي فرضه القرآن الكريم، وبعض التكليفات المتعلقة بالأسرة، أو المعاملات المالية، جاء في السور التي بين القصر والطول؛ كسورة الممتحنة وكسورة الطلاق.
وإنَّ السور الطويلة أو القريبة منها مع أنَّها ليست مرتَّبة على حسب النزول بالوحي، بل هي كما ذكرنا مرتبة بأمر النبي ﷺ بالوحي عن ربه؛ لأنَّ النبي ﵊ كان يأمر بوضع الآية عند نزول الوحي في موضعها من السورة التي أمر بوضعها فيها.
стр. 246
ومع هذا الترتيب الموحى به الذي لم يكن على حسب النزول نجد السورة كلها مترابطة الأجزاء متصلة، يأخذ بعضها بحجز بعض في نسق بياني رائع، وكل آية مرتبطة برباط معنوي وبياني، فالآية تتبع ما قبلها، لا في الموضوع، ولكن في نظام يشبه تداعي المعاني، فالآيات تثير في النفس المؤمنة المتبعة خواطر تجيء التي تليها لإشباعها، وكأنها تجيء في وقت الحاجة إليها، فيكون التناسق القرآني في الألفاظ والأنغام الفواصل والمعاني. وكل ذلك من أسرار الإعجاز الذي لا يمكن أن يكون إلَّا إذا كان القرآن كله من عند الله العزيز الحكيم القادر على كل شيء، الذي اختار القرآن معجزة صفيه خاتم الأنبياء محمد ﷺ .
القصار وتيسير الحفظ:
١٣٦- يأمرنا الله تعالى بأن نحفظ ما تيسر من القرآن؛ لأنه قال: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ وأنه سهل علينا أن نحفظ المتيسر حفظه من القرآن، فكانت تلك السور القصار الموجزة في ألفاظها الغزيرة المعاني في مرادها، وهذا المعنى ذكره المرحوم الأستاذ مصطفى صادق الرافعي ﵁ في كتابه "إعجاز القرآن"، ولنترك الكلمة له فقد قال: "إن لهذه السور القصار لأمرًا، وإن لها في القرآن لحكمة، ومن أعجب ما ينتهي إليه التأمل حتى لا يقع من النفس إلَّا موقع الأدلة الإلهية المعجزة، فهي لم تنزل متتابعة في نسق واحد على هذا الترتيب الذي نراه في المصحف؛ إذ لم يكن أول ما نزول من القرآن ولا آخره: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثم هي -أي القصار من السور- بجملتها وعلى إحصائها لا تبلغ من القرآن أكثر من جزء، والقرآن كله ثلاثون جزءًا، وهو يتسع من بعدها قليلًا قليلًا، حتى ينتهي إلى الطول، فقد علم الله أنَّ كتابه سيثبت الدهر كله على هذا الترتيب المتداول، فيسّره للحفظ بأسباب كثيرة أظهرها في المنفعة، وأولها في المنزلة، هذه السور التي تخرج من الكلمات إلى الآيات القليلة، والتي هي مع ذلك أكثر ما تجيء آياتها على فاصلة واحدة أو فواصل قيلة، لا يضيق بها نفس الطفل الصغير، وهي تتماسك في ذاكرته بهذه الفواصل التي تأتي على حرف واحد أو حرفين، أو حروف قليلة متقاربة، فلا يستظهر الطفل بعض هذه السور حتى يلتئم نظم القرآن على لسانه ويثبت أثره في نفسه، فلا يكون بعد إلَّا أن يمر فيه مرا، وهو كلما تقدم وجده أسهل عليه، ووجد له خصائص تعينه على الحفظ وعلى إثبات ما يحفظ، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] وهي لعمر الله رحمة وأيّ رحمة.
وإذا أردت أن تبلغ عجبًا من هذا فتأمَّل آخر سورة في القرآن وأول ما يحفظه الأطفال -أي: بعد الفاتحة- وهي سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ، وانظر كيف جاءت
стр. 247
في نظمها، وكيف تكرَّرت الفاصلة، وهي لفظ الناس، وكيف لا ترى في فواصلها، إلا هذا الحرف "السين" الذي هو أشد الحروف صفيرًا، وأطربها موقعًا من سمع الطفل الصغير، وأبعثها لنشاطه واجتماعه، وكيف يناسب مقاطع السورة عند النطق تردد النفس في أصغر طفل يقوى على الكلام، حتى كأنَّها تجري معه، وكأنها فصلت على مقداره، وكيف تطابق هذا الأمر كله من جميع جهاته في أحرفها ونظمها ومعانيها، ثم انظر كيف يجيء ما فوقها على الوجه الذي أشرنا إليه، وكيف تمَّت الحكمة على هذا الترتيب العجيب.
وهذه السور القصار لو لم تكن في القرآن كلها أو بعضها ما نقضت شيئًا من خصائصه في الإيجاز، ولكن عسى أن يكون الأمر في حفظه على غير ما ترى إذا هي لم تكن فيه، فتبارك الله سبحانه ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .
ويضاف إلى هذه الحكمة فائدة أخرى، وهي تيسير القرآن، وأداء الصلاة على العامة، فإنهم لولا هذه السور الصغار لتركوا الصلاة جميعًا، وأنه لا تصح الصلاة -أي كاملة- إلا بآيات مع الفاتحة، وقد أعانت الصغار ويسرت عليهم فكانت على قلتها معجزة اجتماعية كبرى" انتهى كلام الرافعي.
١٣٧- وإذا كانت ثمَّة سور طوال وأخرى قصار، فإنه يجب علينا أن نلتفت إلى أن هناك آيات تطول وآيات تقصر، مع أنَّ الإيجاز والإطناب يكون في طوال الآيات وقصير، ففي أثناء الآية الطويلة تقرأ قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وهي كلمات ذات معانٍ غزيرة، فيها حكمة شرع الله وغايته، وتكليفاته، وأنها تتجه إلى التيسير ولا تتجه إلى التعسير.
وأكثر الآيات الطوال تكون في الأحكام التكليفية التي تحتاج إلى التوضيح، ولا يكتفي فيها بالإجمال بدل التفصيل؛ كآية المحرمات في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ.....﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] .
ومثل ذلك آية المداينة، وهي أطول آية في القرآن، فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً
стр. 248
تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
وقريب منها في الطول آية المحرَّمات كما أشرنا، ومثلهما آيات المواريث، ومن الآيات الطوال المبينة للأحكام التكليفية آيات الصوم. اقرأ قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ، أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [القرة: ١٨٥-١٨٧] .
وترى أن الآيات الأخيرة فيها بيان جزء من أحكام الصوم، ولا تعد قصيرة، بل طويلة، ومن الآيات الطويلة بعض آيات القصص، ومن ذلك قوله تعالى في قصة بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١] .
وإنا إذ نقول أن بعض الآيات فيها طول، وبعض الآيات الكريمات فيها قصر، ليس معناه أنَّ ما فيه طول هو من قبيل التطويل في الكلام، بل هو من قبيل الإطناب الذي لا تجد فيه كلمة زائدة، ولا تجد فيه عبارة ليس ثمة حاجة إليها، بل إن الآية التي يكون فيها تطويل قد تجيء في جملة ما هو من قبيل إيجاز القصر مثل قوله تعالى في ثناء آية الصوم الطويلة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ كما ذكرنا آنفًا.
وليس المراد بالطويل، أن تكون الألفاظ أكثر من المعاني، بل المراد ما لا يتجاوز حد الإطناب البليغ المستحسن، فالمعاني مع الألفاظ متكافئة، وربما كان فيها إيجاز لا
стр. 249
إطناب فيها فضلًا عن التطويل، والطول للآية يعطيها ألفاظًا كثيرة ومعاني كثيرة، ربما تكون أكثر من الألفاظ.
وإنَّ الطول لا يبعد عن حلاوة النغم، وجمال النسق، وحسن النظم، وحلاوته، ومن الآيات ما يكون قصيرًا كما ذكرنا، والفواصل متآخية، والمعاني متكاملة. اقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى، قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى، قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ، فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي، قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٣-٨٧] .
وترى أن هذه الآيات بعضها قصار، والأخير كان منها طويلًا نسبيًّا؛ لأن فيها عتابًا، وطبيعة العتاب لا يكون قصيرًا، ولا يكون بالإشارة.
واقرأ قوله تعالى في هذه السورة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا، فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا، لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا، يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا، يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا، وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١٠٥- ١١١] .
وإننا نجد في الظاهرة القرآنية العالية أنَّ الآيات القصار تختص عن غيرها بأنَّ لها خاصة وهي الاعتبار والوقوف عند فواصلها المقاربة غير المتباعدة، فتكون وقفة يقضي السكون عندها، فالجواب عن حال الجبال وهي أوتاد الأرض وبها تتماسك بأمر الله تعالى، بأنَّ الله تعالى ينسفها نسفًا، وفي هذه الوقفة الصامتة بتدبر أمر الله في نسف الجبال، ليس بها علوّ بتضاريس، ولا انخفاض بجوار علوّ، وهكذا تتبع الآيات القصير، والوقوف عند آخر كل آية، وكأن الله يدعوك إلى أن تقف لتتدبر وتتفكر، وتعرف مآلك، وأنه لا غرابة في أن تعاد الأجسام يوم البعث والنشور.
وإن الآيات الطوال تكون في موضوع يحتاج إلى التدبر في أوله وآخره، وأخذه جميعًا، كما رأينا في آيات الأحكام، وفي بعض القصص الذي يكون التدبر في مجموعه لا في آحاده، وفيه يتلاحق آخره بأوله، كما رأينا في النعم التي أفاض الله بها على بني إسرائيل، وكيف لاقوها بالكفران والعتو عتوًا كبيرًا.
стр. 250
وقد رأينا في الآيات القصار أنَّ كل آية تصلح وحدها لِأَنْ تكون موضع تدبر، بل يلزم فيها التدبر وإن كانت متصلة بما بعدها وثيقة الاتصال.
ولنتل عليك بعض الآيات القصار، من ذلك قوله تعالى في سورة ص: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ، وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ، إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ، وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ، وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ، اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ، إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ، وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ، وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ، وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، إِنَّ هَذَا أَخِي لَُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ، قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ، فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ﴾ [ص: ١٢-٢٥] .
وهنا نجد الآيات كلها تتلاقى في العبرة وتثبيت النبي ﷺ بأخبار النبيين، وما كان من أقوامهم معهم، وذكرت بعض قصة داود ﵇، وما يتعلق بحكمه، ومتاعبه من الخصوم، ثم حكمه وخطئه فيه.
هذا كله معنى متلاحق الأجزاء بعضه يتمم بعضه، ويتكوّن من الجميع صورة بيانية تستولي على لب الناظر إليها، والمتفهِّم لمعناها، ولكن في الآيات القصار أجزاء كاملة في ذاتها، وأن تكون من مجموعها كل كامل غير منقطع، فاقرأ من قصة داود ﵇ أول ما أورد، تجد قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ فهذه صورة كاملة لنبي من أنبياء الله تعالى، آتاه الله تعالى السلطان القويّ المؤيد الثابت القائم على الحق، وتلك وحدها صورة بيانية تستدعي التدبر فيها، وجاء بها القرآن الكريم مفصولة في الفاصلة عمَّا وراءها؛ لأنها وحدها يجب تدبرها؛ لاجتماع الدنيا والدين في رسول رب العالمين، فلا يحسبنَّ أحد أن الزهد في الفقر والحاجة، إنما الزهد في العفة؛ حيث تكون القدرة، ثم جاءت الآية التي تليها مبينة مقدار قوته تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ فهي له خاضعة، ثم الطير محشورة، وهكذا كانت الفواصل معلنة أن ما قبلها يدعو إلى تدبره والتفكير فيه.