← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23137

المعجزة الكبرى القرآن

محمد أبو زهرة

Полный текст (438 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ومع هذا الترتيب الموحى به الذي لم يكن على حسب النزول نجد السورة كلها مترابطة الأجزاء متصلة، يأخذ بعضها بحجز بعض في نسق بياني رائع، وكل آية مرتبطة برباط معنوي وبياني، فالآية تتبع ما قبلها، لا في الموضوع، ولكن في نظام يشبه تداعي المعاني، فالآيات تثير في النفس المؤمنة المتبعة خواطر تجيء التي تليها لإشباعها، وكأنها تجيء في وقت الحاجة إليها، فيكون التناسق القرآني في الألفاظ والأنغام الفواصل والمعاني. وكل ذلك من أسرار الإعجاز الذي لا يمكن أن يكون إلَّا إذا كان القرآن كله من عند الله العزيز الحكيم القادر على كل شيء، الذي اختار القرآن معجزة صفيه خاتم الأنبياء محمد ﷺ . القصار وتيسير الحفظ: ١٣٦- يأمرنا الله تعالى بأن نحفظ ما تيسر من القرآن؛ لأنه قال: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ وأنه سهل علينا أن نحفظ المتيسر حفظه من القرآن، فكانت تلك السور القصار الموجزة في ألفاظها الغزيرة المعاني في مرادها، وهذا المعنى ذكره المرحوم الأستاذ مصطفى صادق الرافعي ﵁ في كتابه "إعجاز القرآن"، ولنترك الكلمة له فقد قال: "إن لهذه السور القصار لأمرًا، وإن لها في القرآن لحكمة، ومن أعجب ما ينتهي إليه التأمل حتى لا يقع من النفس إلَّا موقع الأدلة الإلهية المعجزة، فهي لم تنزل متتابعة في نسق واحد على هذا الترتيب الذي نراه في المصحف؛ إذ لم يكن أول ما نزول من القرآن ولا آخره: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثم هي -أي القصار من السور- بجملتها وعلى إحصائها لا تبلغ من القرآن أكثر من جزء، والقرآن كله ثلاثون جزءًا، وهو يتسع من بعدها قليلًا قليلًا، حتى ينتهي إلى الطول، فقد علم الله أنَّ كتابه سيثبت الدهر كله على هذا الترتيب المتداول، فيسّره للحفظ بأسباب كثيرة أظهرها في المنفعة، وأولها في المنزلة، هذه السور التي تخرج من الكلمات إلى الآيات القليلة، والتي هي مع ذلك أكثر ما تجيء آياتها على فاصلة واحدة أو فواصل قيلة، لا يضيق بها نفس الطفل الصغير، وهي تتماسك في ذاكرته بهذه الفواصل التي تأتي على حرف واحد أو حرفين، أو حروف قليلة متقاربة، فلا يستظهر الطفل بعض هذه السور حتى يلتئم نظم القرآن على لسانه ويثبت أثره في نفسه، فلا يكون بعد إلَّا أن يمر فيه مرا، وهو كلما تقدم وجده أسهل عليه، ووجد له خصائص تعينه على الحفظ وعلى إثبات ما يحفظ، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] وهي لعمر الله رحمة وأيّ رحمة. وإذا أردت أن تبلغ عجبًا من هذا فتأمَّل آخر سورة في القرآن وأول ما يحفظه الأطفال -أي: بعد الفاتحة- وهي سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ، وانظر كيف جاءت

стр. 247

في نظمها، وكيف تكرَّرت الفاصلة، وهي لفظ الناس، وكيف لا ترى في فواصلها، إلا هذا الحرف "السين" الذي هو أشد الحروف صفيرًا، وأطربها موقعًا من سمع الطفل الصغير، وأبعثها لنشاطه واجتماعه، وكيف يناسب مقاطع السورة عند النطق تردد النفس في أصغر طفل يقوى على الكلام، حتى كأنَّها تجري معه، وكأنها فصلت على مقداره، وكيف تطابق هذا الأمر كله من جميع جهاته في أحرفها ونظمها ومعانيها، ثم انظر كيف يجيء ما فوقها على الوجه الذي أشرنا إليه، وكيف تمَّت الحكمة على هذا الترتيب العجيب. وهذه السور القصار لو لم تكن في القرآن كلها أو بعضها ما نقضت شيئًا من خصائصه في الإيجاز، ولكن عسى أن يكون الأمر في حفظه على غير ما ترى إذا هي لم تكن فيه، فتبارك الله سبحانه ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . ويضاف إلى هذه الحكمة فائدة أخرى، وهي تيسير القرآن، وأداء الصلاة على العامة، فإنهم لولا هذه السور الصغار لتركوا الصلاة جميعًا، وأنه لا تصح الصلاة -أي كاملة- إلا بآيات مع الفاتحة، وقد أعانت الصغار ويسرت عليهم فكانت على قلتها معجزة اجتماعية كبرى" انتهى كلام الرافعي. ١٣٧- وإذا كانت ثمَّة سور طوال وأخرى قصار، فإنه يجب علينا أن نلتفت إلى أن هناك آيات تطول وآيات تقصر، مع أنَّ الإيجاز والإطناب يكون في طوال الآيات وقصير، ففي أثناء الآية الطويلة تقرأ قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وهي كلمات ذات معانٍ غزيرة، فيها حكمة شرع الله وغايته، وتكليفاته، وأنها تتجه إلى التيسير ولا تتجه إلى التعسير. وأكثر الآيات الطوال تكون في الأحكام التكليفية التي تحتاج إلى التوضيح، ولا يكتفي فيها بالإجمال بدل التفصيل؛ كآية المحرمات في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ.....﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] . ومثل ذلك آية المداينة، وهي أطول آية في القرآن، فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً

стр. 248

تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وقريب منها في الطول آية المحرَّمات كما أشرنا، ومثلهما آيات المواريث، ومن الآيات الطوال المبينة للأحكام التكليفية آيات الصوم. اقرأ قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ، أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [القرة: ١٨٥-١٨٧] . وترى أن الآيات الأخيرة فيها بيان جزء من أحكام الصوم، ولا تعد قصيرة، بل طويلة، ومن الآيات الطويلة بعض آيات القصص، ومن ذلك قوله تعالى في قصة بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١] . وإنا إذ نقول أن بعض الآيات فيها طول، وبعض الآيات الكريمات فيها قصر، ليس معناه أنَّ ما فيه طول هو من قبيل التطويل في الكلام، بل هو من قبيل الإطناب الذي لا تجد فيه كلمة زائدة، ولا تجد فيه عبارة ليس ثمة حاجة إليها، بل إن الآية التي يكون فيها تطويل قد تجيء في جملة ما هو من قبيل إيجاز القصر مثل قوله تعالى في ثناء آية الصوم الطويلة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ كما ذكرنا آنفًا. وليس المراد بالطويل، أن تكون الألفاظ أكثر من المعاني، بل المراد ما لا يتجاوز حد الإطناب البليغ المستحسن، فالمعاني مع الألفاظ متكافئة، وربما كان فيها إيجاز لا

стр. 249

إطناب فيها فضلًا عن التطويل، والطول للآية يعطيها ألفاظًا كثيرة ومعاني كثيرة، ربما تكون أكثر من الألفاظ. وإنَّ الطول لا يبعد عن حلاوة النغم، وجمال النسق، وحسن النظم، وحلاوته، ومن الآيات ما يكون قصيرًا كما ذكرنا، والفواصل متآخية، والمعاني متكاملة. اقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى، قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى، قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ، فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي، قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٣-٨٧] . وترى أن هذه الآيات بعضها قصار، والأخير كان منها طويلًا نسبيًّا؛ لأن فيها عتابًا، وطبيعة العتاب لا يكون قصيرًا، ولا يكون بالإشارة. واقرأ قوله تعالى في هذه السورة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا، فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا، لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا، يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا، يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا، وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١٠٥- ١١١] . وإننا نجد في الظاهرة القرآنية العالية أنَّ الآيات القصار تختص عن غيرها بأنَّ لها خاصة وهي الاعتبار والوقوف عند فواصلها المقاربة غير المتباعدة، فتكون وقفة يقضي السكون عندها، فالجواب عن حال الجبال وهي أوتاد الأرض وبها تتماسك بأمر الله تعالى، بأنَّ الله تعالى ينسفها نسفًا، وفي هذه الوقفة الصامتة بتدبر أمر الله في نسف الجبال، ليس بها علوّ بتضاريس، ولا انخفاض بجوار علوّ، وهكذا تتبع الآيات القصير، والوقوف عند آخر كل آية، وكأن الله يدعوك إلى أن تقف لتتدبر وتتفكر، وتعرف مآلك، وأنه لا غرابة في أن تعاد الأجسام يوم البعث والنشور. وإن الآيات الطوال تكون في موضوع يحتاج إلى التدبر في أوله وآخره، وأخذه جميعًا، كما رأينا في آيات الأحكام، وفي بعض القصص الذي يكون التدبر في مجموعه لا في آحاده، وفيه يتلاحق آخره بأوله، كما رأينا في النعم التي أفاض الله بها على بني إسرائيل، وكيف لاقوها بالكفران والعتو عتوًا كبيرًا.

стр. 250

وقد رأينا في الآيات القصار أنَّ كل آية تصلح وحدها لِأَنْ تكون موضع تدبر، بل يلزم فيها التدبر وإن كانت متصلة بما بعدها وثيقة الاتصال. ولنتل عليك بعض الآيات القصار، من ذلك قوله تعالى في سورة ص: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ، وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ، إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ، وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ، وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ، اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ، إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ، وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ، وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ، وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، إِنَّ هَذَا أَخِي لَُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ، قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ، فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ﴾ [ص: ١٢-٢٥] . وهنا نجد الآيات كلها تتلاقى في العبرة وتثبيت النبي ﷺ بأخبار النبيين، وما كان من أقوامهم معهم، وذكرت بعض قصة داود ﵇، وما يتعلق بحكمه، ومتاعبه من الخصوم، ثم حكمه وخطئه فيه. هذا كله معنى متلاحق الأجزاء بعضه يتمم بعضه، ويتكوّن من الجميع صورة بيانية تستولي على لب الناظر إليها، والمتفهِّم لمعناها، ولكن في الآيات القصار أجزاء كاملة في ذاتها، وأن تكون من مجموعها كل كامل غير منقطع، فاقرأ من قصة داود ﵇ أول ما أورد، تجد قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ فهذه صورة كاملة لنبي من أنبياء الله تعالى، آتاه الله تعالى السلطان القويّ المؤيد الثابت القائم على الحق، وتلك وحدها صورة بيانية تستدعي التدبر فيها، وجاء بها القرآن الكريم مفصولة في الفاصلة عمَّا وراءها؛ لأنها وحدها يجب تدبرها؛ لاجتماع الدنيا والدين في رسول رب العالمين، فلا يحسبنَّ أحد أن الزهد في الفقر والحاجة، إنما الزهد في العفة؛ حيث تكون القدرة، ثم جاءت الآية التي تليها مبينة مقدار قوته تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ فهي له خاضعة، ثم الطير محشورة، وهكذا كانت الفواصل معلنة أن ما قبلها يدعو إلى تدبره والتفكير فيه.

стр. 251

وقد تكون في الآيات القصار آية بين كل آية، وأخرى تدعو إلى التفكير بصراحة، كما دعت فواصل الآيات إلى التدبر في ميزات الفاصلة، اقرأ قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآَنَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ، الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ، وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ، وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ، فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ، وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١-٢١] . هذه نصوص قرآنية من الآيات القصار تجد كل آية منها تدعو إلى التدبر والتفكير فيما تدعو إليه وما تدل عليه، وقد كانت الفاصلة منبّهة إلى الترويّ في معناه، والتدبر في مغزاه، وهي متضامنة مع سابقتها ولاحقتها لتأتي بمعنى كلي جامع، وصورة بيانية رائعة. وهكذا تكون آيات القرآن وألفاظه وجمله، وكله إعجاز في إعجاز، تدل على أنه من اللطيف الخبير العزيز الحكيم السميع البصير.

стр. 252

الإعجاز بذكر الغيب: ١٣٨- هذا باب من أبواب الإعجاز، فيه جزء من القصص، والجزء الثاني من الأخبار التي يتحدَّث القرآن فيها عن المستقبل، فالغيب المذكور في القرآن نوعان، أحدهما غيب مضى، وهو جزء القصص، والثاني عن أمور تقع في المستقبل وكلاهما إعجاز مع البلاغة والبيان، ومع العلوم القرآنية، والأحكام التي اشتمل عليها القرآن الكريم. ووجه الإعجاز في الماضي وقصصه أنَّ النبي ﷺ نشأ أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، ولم تكن نشأته بين أهل الكتاب، حتى يعلم بالتلقين علمهم، وكان قومه أميين لا يسود فيهم علم من أيّ طريق كان إلَّا أن يكون علم الفطرة والبيان، وإرهاف أحاسيسهم بالشعر والكلام البليغ، وتذوق الكلمات، والمعاني. ولم يكن عندهم مدرسة يتعلّمون فيها، ولا علماء يتلقون عليهم, وكانوا منزوين بشركهم عن أهل الكتاب، والمعرفة في أيِّ باب من أبوابها، وكانت رحلة الصيف

стр. 253

والشتاء إلى الشام واليمن تجاريتين، لا تتصلان بالعلم في أيِّ باب من أبوابه، ولا منزع من منازعه. وجاء القرآن الكريم في ذلك الوسط الأمي يذكر لهم أخبار الأنبياء السابقين وأحوال أممهم معهم، وما حلَّ بالذين كفروا وضلوا، وهم يرون هذه الآثار في الأمم التي تصاقبهم. جاء القرآن الكريم بتفصيله الصادق المحكم عن أخبار هؤلاء النبيين، وقد وافق كثير منهم الصادق عند أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وما اختلفوا فيه عمَّا جاء في القرآن، فإنَّ الفحص الدقيق يثبت تحريفه، وصدق القرآن الكريم، فيما حكاه الله، فإنه علام الغيوب الذي أحاط بكل شيء علمًا. ولقد ذكر القرآن ذلك الوجه من الإعجاز، فقد قال تعالى بعد ذكر قصة مريم وكفالة نبي الله تعالى زكريا لها: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤] . فإن هذا النص يشير إلى الدلالة على أنَّ القرآن من عند الله، وعلى أنَّ ذلك النوع من العلم ما كان عند العرب، وليس لهم به دراية. وإنه لم تذكر قصة مريم البتول في التوراة، ولا الإنجيل، ولا رسائل الرسل قط، والقرآن الكريم وحده هو الذي بيِّن اصطفاءها، وفضلها على نساء العالمين. ويقول الله تعالى بعد قصة نوح ﵇: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] . وفي هذه الآية والتي قبلها إشارة واضحة إلى أنَّ هذا النوع من العلم ما كان معروفًا عندهم وما كانوا يتذاكرون به. وقد قال تعالى في ذلك أيضًا: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢] فذكر القرآن أدق الأخبار، وما لا يعلمه أحد إلَّا الله تعالى. وكان ذلك القصص الحكيم إخبارًا بالغيب الذي لا يعلمه إلَّا علَّام الغيوب دليلًا على أنه من عند الله العزيز الحكيم، وموافقته للصحيح من أخبار النبيين دليل على أن القرآن من عند الله وأنه ليس حديثًا مفترى، وليس أساطير الأولين اكتتبها ولا يمكن أن تملى عليه، ولا يوجد من يمليها عليه، وإذا كانوا قد ادَّعَوْا أنه تلقاها من بعض الناس في مكة، فهو لم يثبت اتصاله به، ولسانه أعجمي، وهذا كتاب عربي مبين، وفوق ذلك ففي القرآن من صادق الأخبار ما لم يكن في كتب أهل الكتاب المسطورة، ولا يأتيه الباطل فيما يقول.

стр. 254

١٣٩- هذه الأخبار عن الماضي يشتمل عليها القرآن الكريم، وهي فيما احتوت دليل قاطع على أنَّ القرآن من عند الله؛ إذ جاء بها أمي لا يقرأ ولا يكتب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] . وأمَّا الإخبار عن أمور وقعت في المستقبل كما أخبر القرآن الكريم، وما كان لأحد أن يعلمها إلَّا من قِبَل العليم الحكيم اللطيف الخبير، الذي لا يغيب عن علمه شيء في السماء ولا في الأرض فهو كثير. ومن ذلك إخبار القرآن عن هزيمة الفرس بعد غلبهم، فقد قال سبحانه: ﴿الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١-٤] . وقد حدث ما أخبر به القرآن، فقد دارت رحا الحرب من بعد ذلك وهزم الفرس في بضع سنين, وما كان النبي ﷺ ممن حضر هذه الحرب, وعرف سبب الغلب، وما يتوقع من بعده، وقد تفاءل المشركون من هزية الروم وهم أهل كتاب، وعلو الفرس وهم أهل شرك، وحسبوا من ذلك أن دعوة محمد مآله الخسران، وشأنهم في ذلك هو شان الذين يبنون علمهم غلى الأوهام، وتخيل ما يحبون. ومن ذلك أيضًا ما كان قبيل غزوة بدر الكبرى؛ إذ يقول -سبحنه وتعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] لقد خرجت قريش بعيرها التي كانت فيها ثروة قريش كلها، وأراد المؤمنون أن يترصَّدوها مضايقة للكفار، وأن يأخذوها نظير ما أخرجوا المؤمنين من ديارهم وأموالهم، ولكنَّ أبا سفيان التوى عن طريق يثرب، ونجا بالعير، وكان قد طلب إلى قريش أن ترسل جيشًا يحمي عيرها، ويغزو موطن الخطر، فكانت المعركة، فهم أرادوا ابتداءً العير، وليست ذات الشوكة، وأراد الله تعالى الجيش، وكان ذات الشوكة. وما كانوا يتوقّعون النصر على المشركين، ولكنها حرب الفداء للعقيدة، لا ينظر فيها إلى الاستيلاء، بل ينظر فيها إلى الاستشهاد، ولكن الله تعالى أخبرهم بالنتيجة قبل وقوعها، فقال -تعالت قدرته: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] فكان هذا إخبارًا بمغيب لم يكن إلّا في علم الله تعالى. ومن ذلك إخباره عن اليهود بقوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ [البقرة: ٩٦] . ويقول تعالى عن المشركين أنَّهم عاجزون عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] ، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] . وهكذا تجد في القرآن أخبارًا عن أمور قابلة وتقع كما أخبر، وصدق في ذلك كله، وذلك لا يكون إلَّا من عند الله، ولا يمكن أن يكون بالتقدير الشخصي أو الحدسي، فإن ذلك يصدق أحيانًا ويكذب أحيانًا، والأمر هنا كله صدق لا تخلف فيه، وكان دليلًا على أنه من عند الله الحليم الخبير اللطيف البصير، أودعه كتابه الكريم.

стр. 255

٦- جدل القرآن واستدلاله: ١٤٠- القرآن كل ما فيه معجز، فإيجازه معجز، وإطنابه معجز، وألفاظه معجزة، وأساليبه معجزة، ونغماته ونظمه وفواصله، كل هذا معجز، واستدلاله وجدله وبيانه لا يصل إلى درجته نوع من الكلام، وقد ساق الإمام الباقلاني طائفة من خطب العرب، وأهل اللسن، وأهل الإيمان، طائفة من أبلغها وأقواها، ووازن بينها وبين إلزام القرآن وإقناعه واستدلاله، فوجد أن الموازنة غير لائقه بذات القرآن، والفرق بين القرآن وكلام أعلى أئمة البيان يجعل الموازنة غير مستقيمة، والفرق بينها وبين القرآن هو كالفرق بين الخالق والخلوق؛ لأنه فرق بين كلام الخالق وكلام المخلوق. ولعله من الخير أن ننقل تلك الخطبة التي اعتبرها الباقلاني من أعلى ما عرف من بليغ القول، وهي رثاء علي بن أبي طالب -كرَّم الله وجه- لخليفة رسول الله أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه: "لما قبض أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- ارتجَّت المدينة بالبكاء كيوم قبض رسول الله ﷺ ، وجاء عليّ باكيًا متوجعًا، وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوة. رحمك الله أبا بكر، كنت إلف رسول الله ﷺ ، وأنسه وثقته، وموضع سره، كنت أول القوم إسلامًا، وأخلصهم إيمانًا، وأشدهم يقينًا، وأخوفهم لله، أعظمهم عناء في دين الله، وأحوطهم على رسول الله، وأثبتهم على الإسلام، وأيمنهم على أصحابه، وأحسنهم صحبة، وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق، وأرفهم درجة، وأقربهم وسيلة، وأشبههم برسول الله ﷺ سننًا وهديًا، ورحمة وفضلًا، وأشرفهم منزلة، وأكرمهم عليه، وأوثقهم عنده. فجزاك الله عن الإسلام ورسوله خيرًا، كنت عنده بمنزلة السمع والبصر، صدَّقت رسول الله حين كذَّبه الناس، فسماك في تنزيله صديقًا، فقال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾

стр. 256

وآسيته حين بخلوا، وقمت معه عند المطاردة حين قعدوا، وصحبته في الشدائد أكرم الصحبة، ثاني اثنين، وصاحبه في الغار، والمنزل عليه السكينة والوقار، ورفيقه في الهجرة، وخليفته في دين الله وفي أمته أحسن الخلافة حين ارتدَّ الناس، فنهضت حين وهن أصحابك، وبرزت حين استكانوا، وقويت حين ضعفوا، وقمت بالأمر حين فشلوا، ونطقت حين تعتوا١ ومضيت بنور إذا وقفوا، واتبعوك فهدوا، وكنت أصوبهم منطقًا، وأطولهم صمتًا، أكثرهم رأيًا، وأشجعهم نفسًا، وأعرفهم بالأمور، وأشرفهم عملًا، كنت للدين يعسوبًا٢. أولًا حين نفر عنه الناس، وأخيرًا حين قفلوا٣. وكنت للمؤمنين أبًا رحيمًا؛ إذ صاروا عليك عيالًا، فحملك أثقال ما ضفعوا عنه، ورعيت ما أهملوا، وحفظت ما أضاعوا، شمرت إذا خننعوا، وعلوت إذ هلعوا، وصبرت إذ جزعوا، وأدركت أوتار ما طلبوا، وراجعوا رشدهم برأيك فظفروا، ونالوا بك ما لم يحسبوا. وكنت كما -قال رسول الله- آمن الناس عليه في صحبتك، وذات يدك، وكنت كما قال ضعيفًا بدنك، قويًّا في أمر الله، متواضعًا في نفسك، عظيمًا عند الله، جليلًا في أعين الناس، كبيرًا في أنفسهم. لم يكن لأحد فيك مغمز، ولا لأحد مطمع، ولا لمخلوق عندك هوادة، الضعيف الذليل عندك قويّ عزيز حتى تأخذ له حقه، والقوي العزيز ضعيف ذليل حتى تأخذ منه الحق، القريب والبعيد عنك سواء، أقرب الناس إليك أطوعهم لله، شأنك الحق والصدق، والرفق، وقولك حكم وحتم، وأمرك حلم وحزم، ورأيك علم وعزم، فأبلغت وقد نهج السبيل، وسهل العسير، وأطفأت النيران، واعتدك بك الدين، وقوي الإيمان، وظهر أمر الله ولو كره الكافرون، وأتعبت من بعدك إتعابًا شديدًا، وفزت بالخير فوزًا عظيمًا، فجللت عن البكاء، وعظمت رزيتك في السماء، وهدت مصيبتك الأنام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا له أمره، فوالله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله ﷺ بمثلك أبدًا، فألحقك الله تعالى بنبيه، ولا حرمنا أجرك، ولا أضلنا بعدك. وسكت الناس، حتى انقضى كلامه، ثم بكوا حتى علت أصواتهم. ١٤١- هذه خطبة من عيون البيان العربي، بل لعلها أبلغ خطبة بعد خطب رسول الله ﷺ ، ولكن إن وضعناها بجواز القرآن أَفََلَت، كما تختفي النجوم إذا طعلت

стр. 257

الشمس، وأصبحت لا تساوي بجوار القرآن شيئًا، وإن الذين يسيئون إلى كل كلام بليغ مهما تكن درجته هم الذين يضعونه بجوار القرآن، وأنَّى يكون كلام بجوار كلام خالق البشر، وأنَّى يكون كلام ابن الأرض بجوار كلام الله في اللوح المحفوظ. وإننا مهما نحاول تعارف أسرار البلاغة في القرآن فلن نصل إلى كلام محكم، كمن يحاول معرفة الروح، فهي من أمر الله تعالى، نعرف مظاهر الحياة منها ولكن لا نعرف كنهها، فنحن نعلم علوّ القرآن وإعجازه وامتيازه، وأنه لا يحاكى، ولكن لا نستطيع أن نعرف سرّ هذه الروعة التي يحسها كل قارئ مدرك. ولعلَّ من التوفيق للباقلاني أن جاء بأبلغ كلام ووضعه بجوار كلامه سبحانه، فبدا بجواره هزيلًا، مهما تكن درجته في البيان، وذلك أمر ظاهر، لم يجئ الإعجاز بصرف، ولكن بإدراك المقام البلاغي للقرآن، وإن لم يعرف السر كاملًا. ونعود إلى ذات الخطبقة نجدها صادقة كل الصدق في وصف أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ ، وأنها وصلت إلى أقصى الغاية في مناقبه، وفي مقامه من النبي ﷺ ، وفي مواقفه في حياة النبي ﷺ ، ومواقفه إذ انتقل ﵊ إلى الرفيق الأعلى، فقد أنقذ الإسلام عند الصدمة الأولى، وهي حالة الردة. والخطبة العلوية هذه فيها وصف الحاكم العادل، كيف يكون رحيمًا برعيته، مصدر أمن لا مصدر إزعاج، متطامنًا لهم، قريبًا من أنفسهم، لا يطمع القوي في حيفه، ولا ييئس الضعيف من عدله. وقد ذكرنا هذه الخطبة أيضًا لنشير إلى الينابيع البيانية التي استقى منها القول في إعجاز القرآن، وهو أساس لكل كلام محكم. ومن معرفة بلاغة القول أن نعرف المواضع التي بنى عليها الاستدلال، ونحن هنا نريد ابتداء أن نعرف المنهاج القرآني للاستدلال، والأصول التي بنى عليها استدلاله في نظرنا القصير، وإن كان في كل ما يتعلق بالبيان عن المثيل، ولا يمكن أن يكون له مثيل. ١٤٢- وإن رجال البيان في بيان مناهج الخطب واستدلالها يتكلَّمون في الينابيع التي يستقي منها الخطيب أدلته أو براهينه، ونحن مع إقرارنا بأن منهاج القرآن أعلى من الخطابة، كما هو أعلى من الشعر والسجع، نرى أن نستعير من علماء البلاغة كلامًا في مصادر الاستدلال، ونريد أن نتعرَّف المصادر الذاتية التي بنى القرآن الكريم استدلاله عليها، وإن كان مقامه أعلى وأعظم، وهو معجز في ذاته، وليس ككلام البشر، وإن بنى على حروف البشر وألفاظهم، ومن جنس كلامهم. ويقولون: إن الاستدلال الذي يستمد من مصادر ذاتية، أي: تؤخذ من ذات الموضوع، وهي أشبه بالبرهان المنطقي، وإن كانت أعلى، وهي ستة مواضع أو ينابيع:

стр. 258

أولها التعريف أي: معرفة الماهية، وثانيها التجزئة بذكر أجزاء الموضوع، وثالثها التعميم ثم التخصيص، ورابعها العلة والمعلول، وخامسها المقابلة، وسادسها التشبيه وضرب الأمثال. ١- الاستدلال بالتعريف: ١٤٣- الاستدلال بالتعريف بأن يؤخذ من ماهية موضوع القول دليل الدعوى بأن يؤخذ مثلًا من حقيقة الأصنام دليل على أنها لا تصلح أن تكون معبودًأ، ومن بيان صفات الله تعالى دليل على أن يكون وحده المستحق للعبادة، وإذا كان موضوع القول هو الذات العلية تقدَّست أسماء الله، فإنه يكون الاستدلال على ألوهيته سبحانه، ببيان صفاته، وخلقه للكون صغيره وكبيره ولا تعترف الذات العلية إلا بصفاتها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ، وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥-١٠٠] . ونجد في هذا الكلام إثباتًا لوحدانيته ، وأنه وحده المعبود بحق، وأنه لا إله إلا هو، وكان طريق الإثبات هو بيان خلقه وتنوعه، أنَّه وحده الخالق لكل شيء، وإذا كان الله تعالى هو الخالق وحده فهو الإله وحده، وكان التعريف بالله تعالى هو السبيل لإثبات الربوبية له سبحانه، وقد عرّف بصفاته واثره سبحانه في الوجود؛ لأن الله تعالى لا يعرف إلّا بصفاته وآثاره في الخلق والتكوين؛ لأن معرفة حقيقة ذاته غير ممكنة في هذه الدنيا، وأن الذي نعرفه أنه منزَّه عن مشابهة الحوادث، فليس كمثله شيء وهو السميع البصير. ومما يدل على عظمة الخالق واستحقاقه للعبودية، وقدرته على البعث والنشور، التعريف بالمخلوق، وخصوصًا الإنسان، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ

стр. 259

الْخَالِقِينَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ، وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢-١٧] . ومن هذا نرى أنَّ التعريف بالإنسان من خلقه ابتداء دليل على بعثه انتهاء، ألم تر أنَّ الله ذكر أنه خلقه علقة ومن العلقة مضغة ومن المضغة عظامًا ثم كساها لحمًا، ثم أماتها، ومن الطبيعي أن يكون قادرًا على الإحياء؛ لأن الإنشاء على غير الله أصعب من الإعادة، ولا صعوبة على الله تعالى في إنشاء ولا إعادة. ومن تعريف بعض المحرمات يستبين تحريمها، والأمر القاطع بالتحريم، ومن ذلك قوله تعالى في تحريم الخمر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٠-٩٢] . ونرى من هذا أنَّ التحريم الثابت بالنصِّ ذكر أوصاف الخمر وبيان ذاتها وما يترتب عليها؛ لمعرفة حكمة تحريمها، فذكر تعريفها بالحدِّ والرسم، أما التعريف بالحد فبيان ذاتها بأنها مع أخواتها من الميسر، والذبح على النصب، هو التعريف بالحد، وهو ذكر الذات، بذكر جنسها وفصلها، وأما ذكر هذا التعريف بالرسم، فهو ذكر ما يترتب على الشرب من وقوع الداوة والبغضاء والصد عن الصلاة وعن ذكر الله تعالى، فهي لهو لتزجية الفراغ بما فيها الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، والأنغمار في اللهو الفاسد. ٢- الاستدلال بالتجزئة: ١٤٤- إن تذكر أجزاء الموضوع وبتتبعها يكون إثبات الدعوى، ومن ذلك أن المقرر الثابت بالبديهة الذي لا مجال للريب فيه الحكم بأن الأثر يدل على المؤثر، وأن الكون يدل على خالقه، وأنَّ القوى البشرية والعقول المستقيمة تقر بأن الخالق لهذا الكون صغيره وكبيرة قوة واحدة، وهي قوة الله . وقد كان القرآن يذكر ذلك في آياته الحكيمة أحيانًا مجزءًا وأحيانًا غير مجزء، ومن الاستدلال بالتجربة قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ، أَمَّنْ جَعَلَ

стр. 260

الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ، أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٥٩-٦٤] . ونرى من هذا كيف كانت التجزئة في مادة الاستدلال، وإن لم تكن الأجزاء كلها مستوفاة، وإنه من منهاج الاستدلال يتبيِّن أن لك جزء يصلح وحده دليلًا على أن الله وحده هو المنشئ للكون، والمدبِّر له، والقائم على كل شيء، ولذلك قرن السياق في كل جزء نفى أن يكون إله غير الله معه سبحانه وتعالى عما يشكرون. ومن التجزئة أيضًا في الاستدلال قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ، أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَاْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ، وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ، وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ، وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٩-٣٥] . ونجد هنا في هذه الآية الكريمة تجزئة في الاستدلال بحيث يعتبر كل جزء دليلًا قائمًا بذاته، ومن مجموعه دليل كليّ على أنَّ كل صغير أو كبير من خلق الله تعالى، وأنها دليل على وجوده . ٣- التعميم ثم التخصيص: ١٤٥- التعميم أن تذكر قضية عامة، وتؤدّي إلى إثبات الدعوى بإجمالها، ثم يتعرَّض المستدل إلى جزئيات القضية، فيبرهن على أنَّ كل جزء منها يؤدي إلى إثبات الدعوى المطلوب إثباتها، أو أنها في مجموعها تؤدي إلى إثبات الدعوى. ومما سبق ذكره يتبين صدق الدعاوي العامة التي هي صلب الدين وهي التوحيد، وأنه تجب إطاعة الرسول، وأنه لا خضوع إلا لله سبحانه، ومن ذلك قوله تعالى في المجاوبة بين موسى وفرعون: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى، قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى، قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى، قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا

стр. 261

يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى، كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى، مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٤٩-٥٥] . ونرى من هذه القضية العامَّة الكاملة التي تذكر بجوار الله ، وهي التي بها يعرف الله الذي خلق كل شيء فأحسن خلقه وهو الهادي، فقال سبحانه كلمة جامعة كاشفة لمعنى الربوبية، ومع الربوبية العبادة، وكمال الألوهية، فقال الله تعالى على لسان موسى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ ، فهو مانح كل شيء في هذا الكون الوجود، وهو مانح الهداية لمن اهتدى. ثم أخذ القرآن الكريم بعد هذا التعميم الجامع بين جزئيات داخلة في هذا، وذكر من بعد هذه الجزئيات ما ينبه فرعون وأهل مصر وهم أهل زرع وضرع وختم النص الكريم بما يناسبهم، وهو نعمة للجميع: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ . ٤- العلة والمعلول: ١٤٦- أساس الاستدلال الربط بين القضايا التي تصوّر أجزاء الحقائق في هذا الوجود، بأن يكون وجود بعض الأشياء علة لوجود شيء آخر، وبمقدار قوة الارتباط تكون قوة الاستدلال، وذلك بأن يكون أحدهما علة للآخر، وإذا وجدت العلة كان المعلول ثمرة لوجودها، وهما متلازمان من الناحية العقلية، أو على حسب مجرى الأمور، وإا ذكر المعلول كان كاشفًا لعلته؛ لأن ذكر النتائج مع إحدى المقدمتين لدليل يدل على المقدمة الثانية، ولأن المقدمات تطوى فيها، فإذا ذكر تحريم الخمر، وحاول العقل أن يتعرّف سبب التحريم يستطيع تكشفه من أوصاف الخمر، فإذا عرف الوصف المناسب للتحريم استيقن أنه السبب، وهو يكون وصفًا لا يشاركها فيه غيره من المباحات، وفي القرآن كثير، يكون فيه التعليل جزءًا من الدليل الذي يسوقه القرآن الكريم بتنزيل من العزيز الحكيم، ولنتل آية إباحة القتال، فإن فيها السبب الذي يبرره، والدليل الذي يوجبه، اتل قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ، فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠-١٩٣] .

стр. 262

وإننا نجد في سياق هذا النص القرآني الكريم أنَّ السبب الذي برّر أمر الله تعالى بالقتال أمران: أحدهما الاعتداء، وثانيهما فتنة المؤمنين في دينهم، فإذا زال الأمران لا يكون ثمَّة مبرر للقتال، ثم هذا الاعتداء، وتلك الفتنة دليل الوجوب، وكذلك نجد الأمر في الإذن بالقتال؛ إذ كان دليله هو الاعتداء، ولذلك قال الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٣٩: ٤١] . ونرى في هذه الآيات الكريمة أنَّ العلة الموجبة هي الاعتداء وإخراج المؤمنين مفتونين في أنفسهم وأموالهم، ثم قامت المعلولات الغائبة المترتبة على السكوت، وعدم دفع المعتدين أن يعمّ الفساد ويسود الشرّ، فلولا هذا الدفاع لفسدت الأرض، ولهدمت المعابد، ولم تقم الشعائر، فاتخذ من هذه النتائج المترتبة على ترك المشركين يعيثون مبررة لمقاومتهم، وموجبة لحربهم، فكان هذا من قبيل الاستدلال بالنتائج وهي الغايات الواقعية دليلًا على الوجوب، وإن هذه الآيات الكريمات صور سامية لما سنَّه الإسلام من سنة تتفق مع الطبيعة الإنسانية، وهي إزالة الشر بالعقاب الشديد ومقاومته؛ لأن الفضيلة في الإسلام ليست سلبية، ولكنها إيجابية. بيِّنَ سبحانه على السبيل الإيجابي لردِّ الرذيلة ودفع شرها ومقاومته، فكان الاعتداء على الفضيلة سببًا موجبًا للتال، والقتال في سبيلها جهاد مثوب. ٥- المقابلة: ١٤٧- إن المقابلة بين شيئين أو أمرين، أو شخصين تكون ليعرف أيهما المؤثر في عمل معين، وإذا ثبت أنَّ التأثير لواحد منهما كان له فضل التقديم على غيره، وقد كان ذلك النوع من ينابيع الاستدلال كثيرًا في القرآن الكريم؛ لأنَّ المشركين كانوا يعبدون أحجارًا يصنعونها أو مخلوقات لله تعالى خلقها، وكانوا يعتقدون أن لها تأثيرًا في الإيجاد، أو في الشر يمنع، أو الخير يجلب، فكانت المقابلة بين الذات العلية وبين ما ابتدعوا من عبادة الأوثان ينبوعًا للاستدلال على بطلان ما زعموا، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٧، ١٨] .

стр. 263

هذا هو النص الكريم، وفيه مقابلة بين المعبود بحقٍّ وهو الله خالق السماوات، وهم يؤمنون بأنَّ الله وحده خالق السماوات والأرض: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] وهم يعلمون أن الأحجار التي يعبدونها صنعت بأيديهم ولم تخلق شيئًا، فالقرآن من هذه المقابلة يأتي بدليل يلزمهم ويفحمهم أو يقنعهم إن استقامت القلوب، وإن الدليل بالتقابل يصح أن يكون عندما ادعيت الألوهية للخالق جلت قدرته مع المخلوق المصنوع بأيدي العباد، وبالمقابلة بينهما نجد الخالق يحتاج إليه كل ما في الوجود، والمصنوع بأيدي العباد لا ينفع ولا يضر، فالله وحده هو الإله الحق الذي لا يعبد سواه؛ لأنه لا يحتاج لأحد ويحتاج إليه كل أحد ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١-٤] . ومن المقابلة التي كانت ينبوعًا للاستدلال قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦] . وأن هذا الاستدلال قائم على المقابلة، فكانت المقابلة من لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، ومن هو القهار القادر على كل شيء وهو الواحد الأحد الذي لا يشبهه أحد، وكأن المقابلة بين الأعمى والبصير، ويشمل الأعمى من لا يدرك الحقائق، والبصير من يدركها، وبين الظلمة التي تعتم النفس، والنور الذي يشرق به القلب، ومن يخلق ومن لا يخلق، وهذه المقابلات ينابيع الإدراك الموجه المسترشد، والظلام المعتم المحير. وإن هذه المقابلات تصلح دليلًا مثبتًا في عدة دعاوى، ويكون ف المقابلات الحكم الفصل الهادي المرشد. ففي الدعوى الأولى ادِّعَاء المساواة بين من يملك كل شيء ومن لا يملك لنفسه النفع والضر، والحكم الذي ينتجه الدليل أنهما ليسا متساويين، وإذا كانت دعوى المساواة في الألوهية باطلة، فالحكم بالنفي، والإله هو الله وحده الذي يملك كل شيء، وفي الدعوى الثانية نفي التسوية بين من أدرك الحق واهتدى، ومن ضلَّ وغوى، والأخير كالأعمى، والأول كالبصير، فأيهما يهتدي إلى الطريق السوي، ولا شك أن الحكم أن الخير في المبصر المهتدي، وليس في الضال المرتدي، فالفضل لأهل التقوى ولو كانوا ضعفاء يستضعفهم الناس.

стр. 264

وفي الدعوى الثالثة ادِّعاء الاشتراك في الخلق والتكوين بالزعم لا بالحقيقة، وهذه باطلة، بل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار، وبذلك يتحقق الحكم فيما هو صادق واقع، لا فيما هو مزعوم مختلق. ومن المقابلات القرآنية التي دلَّت على البعث، وكان فيها رد على أوهام للكافرين في قوله تعالى: ﴿َوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٣، ٣٤] . ونرى هنا استدلالًا على أنَّ البعث ممكن في ذاته، والتصديق به واجب؛ لأن الله تعالى أخبر به على لسان نبيه الكريم وفي كتابه المكنون؛ إذ جاء به القرآن الكريم، ودعا إليه محمد الأمين. وكان الاستدلال بطريق المقابلة، وكانت المقابلة بين إنشاء الأحياء ابتداء والخلق والتكوين من غير سابق، وأنَّ القدرة فيه كانت، ولم يعي بخلقهنّ، وبين الإعادة للأجسام التي خلقت ثم صارت رميمًا، وأنه إذا كانت قد وجدت، فالثانية قد وجدت وهي تجيء إذ أخبر بها العزيز الحميد، القادر على كل شيء. وأن بهذه المقابلة بين الإنشاء والإعادة، وبين الخلق من غير أصل سابق والإعادة ينتهي به ذو العقل الرشيد إلى الحكم بأن البعث ممكن في ذاته، وأنَّه واجب الاعتقاد؛ لأنَّ الله تعالى أخبر به، ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥] . ومن الآيات الدالة على أن الله تعالى خلق كل شيء، واعتمدت الدلالة فيها على المقابلة قوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ، أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ، نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ، أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ، لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ، إِنَّا لَمُغْرَمُونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ، أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ، أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ، نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٧-٧٤] .

стр. 265

ونجد من هذه المقابلات بين إنشاء الخالق وعجز الإنسان ما يدل على أنه هو الذي خلق فهدى، وأنه العليم بما خلق، وأنه بهذا المستحق للعبادة وحده، وأنه ليس كمثله شيء وأنه الواحد الأحد. ٦- الاستدلال بالتشبيه والأمثال: ١٤٨- من ينابيع الاستدلال في القرآن التي تثبت قدرة الله تعالى، وصدق ما يطلب الدين الحق، وما أتى به القرآن -التشبيه وضرب الأمثال، وقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم أنه يضرب الأمثال ويبيِّن الحقائق عن طريقه، وضرب الأمثال باب من أبواب التشبهي، وهي تضرب كما ذكرنا في باب التشبيه للغائب لتقريب الحقائق ولتشبيه الغائب غير المحسوس بما يقربه من القريب المحسوس، ولتوضيح المعاني الكليّة بالمشاهد الجزئية، وللاستدلال بحال الحاضر على الغائب. ومن ذلك قوله تعالى الذي ذكر فيه أنَّ المثل يكون لبيان الحقائق، سواء أكان بالصغير أم كان بالكبير، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] . وفي هذا النص يثبت الله تعالى أنه سبحانه يقرّب الحقائق الثابتة بالأمثال، ويأتي بالدليل من بيان الأشياء، واستخراج خواصها، والإثبات بالأدلة عن طريقها، وأن الناس في تلقي هذه الأدلة فريقان: فريق آتاه الله قلبًا نيّرًا يصغي إلى الحق ويأخذ به، ومنهم من أصاب العناد قلبه، فإذا قوي الدليل فإنه يزيد إصرارًا وإمعانًا في الضلال، فيوغل فيه، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ . فهذا النص يفيد أنَّ الله تعالى في القرآن الكريم يتخذ من الأمثال تبيينًا للحقائق، وتثبيتًا، وإقامة للدليل بها. واقرأ قوله تعالى في بيان عجز الأصنام ومن يعبدونها العجز المطلق وقدرته تعالى على كل شيء، فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ، مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣، ٧٤] . انظر إلى الديل القاطع الذي يثبت بطلان الوثنية، ويقيم الدليل على الوحدانية، فإن الأوثان ومن يتبعونها ولو تضافرت كل القوى معها لا يمكن أن يخلقوا ذبابًا

стр. 266

ذلك الطير الضعيف أو تلك الحشرة الضئيلة التي يستحقرونها، ولو أنَّ الذباب سلب منهم شيئًا، ولو اجتمعوا مع أوثانهم على أن يستردوه ما استطعوا إلى ذلك سبيلًا، وهم والذباب سواء في الضعف وإن بدوا أقوياء، وهذا أضعف خلق الله تعالى في زعمهم، فكيف يكون للذين يدعونهم آلهة قوة أمام الله، وكيف يعبدونهم معه، وهم لا وجود لهم ولمن يعبدونهم بجواره علوًّا كبيرًا، فهذا المثل سيق مساق الاستدلال وكان دليلًا قويًّا، إن كانوا طلاب حق يلتمسون الدليل عليه، وإن كانا طلاب باطل ضلوا السبيل، لا يزيدهم الدليل إلَّا كفرًا. ومن الأمثلة الموضحة التي تثبت كمال سلطان الله وأنه وحده القادر وبطلان غرور الإنسان إزاء قدرة الله تعالى قوله سبحانه: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا، وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا، لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا، وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا، فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا، هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف: ٣٢-٤٤] . وهذا المثل الواقعي التصويري فيه دليل على إثبات حقيقتين، أولاهما: أنَّ المغترّ دائمًا يدلي به غروره إلى أنه يحكم على المستقبل بما هو عليه في الحال القائمة، والقوة الموهومة، فذو الجنة والنفر ظنّ أن الحاضر ينبئ عن المستقبل، وغره بالله الغرور، وتعالى من غير علوّ، وتسامى من غير سموّ، واستقوى من غير قوة، فجاء المستقبل وخيب الأمل وكشف الحقيقة. الحقيقة الثانية: إثبات أنَّ الولاية والنصرة لله ، وأنه وحده المالك للأمور كلها في ماضيها ومستقبلها وشاهدها، وغائبها. فكان المثل دليلًا على وباء الغرور، وأن الأمر لله وحده.

стр. 267

ومن الأمثال الموجّهة إلى الحقائق الخلقية والدينية قوله تعالى في سورة القلم: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ، وَلَا يَسْتَثْنُونَ، فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ، فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ، فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ، أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ، فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ [القلم: ١٧- ٢٣] . سيقت قصة أصحاب الجنة الدنيوية، وهي قصة واقعية تصويرية، وهي دليل مثبت؛ أولًا: لأنّ الزكاة تطهر المال وتحميه؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ فهي للمال نظافة ونماء، وهم قد أقسموا ليصرمنَّها مصبحين، وأن لا يدخلنَّها اليوم عليهم مسكين، وتثبت ثانيًا: أن العاقبة الحسية تؤثر في النفس إن كان فيها قابلية للهداية، وهؤلاء إذا كانت قد ضاعت منهم الثمرات، فقد عادت إليهم بأعظم العظات، فما كسبوه من عظة أكثر مما فقدوه من ثمرة، وثمرات القلوب أطيب من ثمرات تشتهي الأبدان طعمها، وهي دليل على أنَّ الله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وأن الأقدار تحت سلطانه، ويجريها كما يحب وكما يشاء. ومن الأمثلة التي تساق مساق الدليل قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِلْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٥، ٧٦] . والآيات قبل ضرب هذين المثلين كانت في الأمر بعبادة الله تعالى وحده والإخبار عن عبادة المشركين من لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا؛ إذ يقول سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ، فجاء بهذين المثلين، وهما يبطلان عقيدة الشرك وزعم المشركين بأمثلة تقع في الحياة، والحكم فيها من البدهيات التي لا ينكرها عاقل، ولا يختلف فيها فكر عن فكر، وكل مثل من المثلين دليل قائم بذاته على بطلان الوثنية؛ إذ فيه تسوية بين من لا يقع بينهما التساوي. أمَّا أولهما فقد ضرب برجلين أحدهما عبد مملوك لا يقدر على شيء؛ لأنه مملوك لغيره، فهو ليس له مال، فهل يستوي هذا مع رجل مرزوق من الله تعالى رزقًا

стр. 268

حسنًا، إن التسوية غير معقولة بين من له مال يعطي منه غيره، أو ينفق منه في الخير سرًّا وجهرًا، وبين المملوك الذي لا مال له، إذا كانت التسوية غير معقولة، فتسوية أولئك المشركين بين الأحجار التي لا تضرّ ولا تنفع في عبادتها مع الله تعالى الرزاق ذي القوة المتين، المالك لكل شيء، الذي له ملك السماوات والأرض، أبعد عن كل معقول، وذلك برهان على بطلان الشرك كله، سواء أكان إشراك حيوان أو إنسان أم كان إشراك حجر. وثاني المثلين أنَّ الله يضرب مثلًا برجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء، وهو كَلٌّ على مالكه أو ذي قرابة له يتولَّى أمره، ولا يتجه إلى جهة ويأتي فيها بخير، بل إن الطرقات مسدودة أمامه من جوارحه المئوفة الناقصة، فهل يستوي مع رجل موهوب في عقله وخلقه، وكيانه الإنساني والنفسي، يسلك الصراط المستقيم، يأمر بالعدل، ولا يحيد عن سبيله، فهما إذن بالبداهة لا يستويان. وإذا كان هذان الرجلان لا يستويان بداهة، فأولى ألَّا تتساوى في العبادة الأحجار مع خالق الكون، وهادي الخلق، ومانح النعم ومجريها رب العالمين. ومن الأمثلة التي تدل على أنّ العبادة الخالصة لا تكون إلَّا لله تعالى وحده، وأنها بغير ذلك لا تكون عبادة، قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] إنَّ هذا المثل التصويري فيه دلالة على صدق التوحيد وفساد الشرك، فإنه جعل الفرق بين التوحيد والشرك كالفرق بين رجل مملوك لعدة أشخاص هم مختلفون فيه، كلّ يريد أن يختص بأكبر حظ منه، وأن يكلّف أقل قدر فيه، وهو في ذاته ضائع بينهم نفسيًّا وماديًّا لا يدري أيهم يطالبه بحقه، فهو ضائع لا محالة وهو لا يحس بأمن في هذه الملكية المتنازعة، وذلك مثل من يعبد آلهة مختلفة تكون نفسه حائة بائرة غير مستقرة ولا مطمئنة، فليست كحالها، مع رجل سلمًا خالصًا لرجل لا يشاكسه أحد فيه، وهو مستقرّ يعرف من يخدمه ومن يعتمد عليه، ومن فوض أمره إليه، وذلك مثل من يعبد الله تعالى وحده، فإن من يعبد الله وحده تطمئن نفسه، ويجد المأوى، ويجد الملجأ والملاذ، وذلك مثل تهتدي به النفوس الشاردة. ومن الأمثال التي ساقها القرآن الكريم للاستدلال بها على البعث والنشور، والإماتة الإحياء قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩] . إن هذه القصة واقعية، وليس في سياق القول ما يدل على أنها تصويرية، والأصل أن تكون حقيقة، فلا بُدَّ أن أجزاءها قصة واقعة، وليست مجرد مثل تصويري، وهذه القصة معها دليل واقعي على البعث والنشور، وأنَّه في قدرة الله تعالى إعادة الموتى، فمن أنشأ الكون يحيي الموتى، وأننا سنموت كما ننام، ونبعث كما نستيقظ، فهو مثل وقاعي لبيان -كيف يحيي الله الموتى، فقد مات الرجل مائة عام، ثم أحياه الله، ورأى طعامه لم يتغير، ورأى حماره حيّ حسب أنه نام يومًا أو بعض يوم، والله على كل شيء قدير.

стр. 269

أسلوب جدل القرآن: ١٤٩- ذكرنا فيما أسلفنا من قول بعض ما سلكه القرآن، وما يعمد إليه من استدلال وما يتخذه من ينابيع، وقد كانت لإثبات الحقائق في العقيدة والأحكام وما يقربها به إلى العقول حتى لا يكون موضع ارتياب لمرتاب، يزيل الريب بالحقائق، ويبدد الأوهام بالأدلة التي تنبه إلى حقائق الوجود. وما كان ذلك للجدل من المخالفين من مشركين وأهل كتاب فقط، بل كان لإثبات الحقائق في ذاتها، من غير محاجة مع منكر، ولا مجادلة مع جاحد، والآن نتكلم في جدله مع المجادلين، وقطعه الطريق على الجاحدين. وقبل ذلك نتكلم في مقام الاستدلال القرآني، سواء أكان في مقام تثبيت وبيان، أم في مقام جدل مع قوم خصمين. ولقد لاحظنا في أدلة القرآن أنها قريبة التناول في الإدراك لكل الناس، يفهمها الخاصة ويفهمها العامة، وأنَّ تفاوت الفهم بمقدار الإدراك، وسعة الأفق، وهي واضحة للجميع، ولقد قرَّر بذلك ابن رشد الفيلسوف الفقيه في كتابه فصل المقال، فقد قسَّم الطرق لإثبات صدق القضايا والتصديق بها إلى عامَّة لأكثر الناس؛ بحيث يكون التصديق بها من كل الناس ما داموا قد سلمت عقولهم من الآفات، ومنها ما هي خاصة بأقل الناس وهي البرهانية، وجعل الأدلة التي تعم الناس الأدلة الخطابية وتقوم على إثبات الحق بأدلة قطعية، أو أدلة ظنيَّة، ولكن بكثير منها ومقارنتها، وإثارة الخيال يجعل السامعين يقتنعون ويجزمون. وإذا كانت الأدلة في ذاتها مجردة عمَّا أحيط بها من عرض، وأسلوب بياني، وإلقاء مؤثر، وإثارة للأخيلة الموجهة، تكون ظنية، ولكن آثارها قطعية كما نرى في آثار البلغاء من الخطباء، والخطابية أعمّ أنواع الاستدلال في البيان، وأكثرها إنتاجًا، ودونها في العموم الجدلية، وهي ما يكون الاستدلال فيها مأخوذًا مما يسوقه الخصم من الحجج، وهي تعتمد على قوة الاستدلال على الخصم، ولأن الفلج على الخصوم لا يكون أمرًا مستورًا، بل يكون أمرًا له صفة الشياع بين

стр. 270

الناس، ولأنه مأخوذ بحجج المخالف كان مع عمومه وشيوعه أقل من الاستدلال الخطابي الذي يقوم على إثبات الحقائق من غير تقيد بحجة خصم. والحجة الخاصة بأقل الناس عند ابن رشد ما يلزم فيه المتكلم بالأقيسة البرهانية؛ ذلك لأنَّ هذه الأقيسة مجردة خالية من كل تحسين، وليست متجهة إلى الإقناع وطرائقه من مشاركة وجدانية، ومن إثارة المشاعر، ومن اتجاه إلى ما يأمنون من أمور، وأن التجرُّد كله لا يكون إلّا للخاصة الذين يتجهون إلى الحقائق خلوًا من أي تأثير. ويقول ابن رشد بعد أن أشار إلى الأدلة الخطابية والجدلية والبرهان: ولأنَّ أكثر الشرع مقصوده الأول العناية بالأكثر من غير إغفال لتنبيه الخاصة، كانت أكثر الطرق المصرّح بها في الشريعة الإسلامية على أربعة أصناف: أن تكون -مع أنها مشتركة- خاصة بالأمرين جميعًا، أعني: أن تكون في التصور والتصديق يقينية مع أنها خطابية أو جدلية، وهذه المقاييس هي المقاييس التي عرض لمقدماتها مع كونها مشهورة ومظنونة، أن تكون يقينية وعرض لنتائجها إن قصدت أنفسها دون مثالاتها، وهذا الصنف من الأقوال الشرعية ليس له تأويل، والجاحد لها أو المتأوّل لها كافر، والصنف الثاني أن تكون المقدمات مع كونها مشهورة أو مظنونة يقينية، وتكون النتائج مثالات للأمور التي قصد إنتاجها، وهذا يتطرق إليه التأويل، والثالث عكس هذا وهو أن تكون النتائج هي المور التي قصد إنتاجها نفسها، وتكون المقدمات مشهورة أو مظنونة من غير أن تعرض لها أن تكون يقينية، وهذا ايضًا لا يتطرق إليها تأويل، أعني: نتائجها، وقد يتطرق لمقدماته. والرابع أن تكون مقدماته مشهورة أو مظنونة من غير أن تعرض لها أن تكون يقينية حملها، وتكون نتائجه مثالات لما قصد إنتاجه، وهذه فرض الخواص فيها التأويل، وفرض الجمهور على ظاهرها، وبالجملة فكل ما يتطرق إليه من هذا التأويل لا يدرك إلّا بالبرهان ففرض فيه، وهو ذلك التأويل، وفرض الجمهور هو جماعها على ظاهرها في الوجهين جميعًا، أعني: في التصوير والتصديق إذا كان ليس في طباعهم أكثر من ذلك، وقد يعرض للنظار في الشريعة تأويلات من قبل الطرق المشتركة بعضها على بعض في التصديق. وإنَّ كلام ابن رشد هو في مقام الأدلة القرآنية من حيث التصور المنطقي والتصديق وما يترتب على قوة الاستدلال من حيث قبول الحكم الشرعي أو الاعتقادي للتأويل، ومن حيث قبول الاعتقاد للظر أو عدم قبوله. وخلاصة ما قاله بإيضاح أنَّ المقدمات إذا قامت على المشهور أو المظنون، ولكن يتضافر أنواع الاستدلال، وتكاثر الطرق، صارت يقينية من حيث التيجة، والنتيجة تثبت حقيقة ثابتة ليس لها مثيل، فإن النتيجة لا يصح إنكارها، ومنكرها كافر،

стр. 271

ومحاولة تأويلها كفر، وإذا كانت المقدمات مظنونة أو مشهورة وليس لها مرادفات ترفعها إلى درجة اليقين، والنتيجة ليست يقينية، فالتأويل يجري في النتيجة والمقدمة إذا كان له مسوغ أو تعارضت طرائق الاستدلال. وإذا كانت المقدمات مشهورة أو مظنونة، ولكنَّه يتضافر الأدلة تنتج يقينيًّا، والنتيجة تحتمل عدة صور متشابهة، فإن التأويل لا يدخل في المقدمات، ولكن يدخل في النتائج. وقد تكون المقدمات مظنونة أو مشهورة ولا يقين فيها، ولكنها تنتج نتيجة واحدة لا مثنوية فيها، فإنها لا تقبل التأويل في النتيجة، وتقبل التأويل في المقدمات. ١٥٠- هذه كلمات ابن رشد، وذلك: إن كانت في ذاتها غير بينة واضحة المقصد، ولكن يثار هنا قول، وهو: أيصح أن نقول أن أدلة القرآن خطابية أو جدلية أو برهانية، إننا لا نستطيع أن نقول أنها خطابية كما قد يشير إلى ذلك ابن رشد. وقبل أن نقطع في ذلك برأي نذكر تعريف الأدلة الخطابية، كما في "الشفاء" لابن سينا، يقول ابن سينا: "إن الحكماء قد أدخلوا الخطابة والشعر في أقسام المنطق، لأن المقصود من المنطق أن يتوصل إلى التصديق، فإن أوقع التصديق يقينًا فهو البرهان، وإن أوقع ظنًّا أو محمولًا على الظنِّ فهو الخطابة، أما الشعر فلا يوقع تصديقًا، لكنَّه لإفادة التخييل الجاري مجرى التصديق، ومن حيث إنه يؤثر في النفس قبضًا أو بسطًا، عدَّ في الموصل إلى التصديق". والتخييل عنده كما عرفه إذعان للتعجب والالتذاذ تفعله صور الكلام. ونراه من هذا يضع المنطق والخطابة والشعر في ثلاث مراتب، فالأول يتجه إلى التعيين، وهو أعلى مراتب التصديق، والخطابة تصل إلى مرتبة الظن الغالب، والاتجاه إليها لا يوصل إلا إلى ذلك، والشعر يتجه إلى إثارة الخيال والإعجاب والالتذاذ بصورة الكلام، ولا يؤدِّي في ذاته إلى تصديق إلَّا إذا تضمَّن ما يشبه المنطق، أو يشبه الخطابة، فإنه يؤدي إلى يقين أو إلى ظن. ولا بُدَّ لنا من أن نذكر أمرين ثابتين: أولهما: إنَّ الخطابة في أقيستها لا تعتمد إلَّا على الظن، ولا تنتج إلّا الظن، ولكن يجب أن نعلم أن من الحقائق التي تجيء على ألسنة المتكلمين والتي تجري في الأسلوب الخطابي ما هو يقين ينتج قطعًا، ولا ينقص القطعية فيها أنها خلت من صور الأقيسة والأشكال البرهانية، فليست العبرة في اليقين بالشكل، إنما العبرة بالحقيقة أهي مقطوع بها أم غير مقطوع، والشكل البرهاني لا يمنحها يقينًا، كما أن عدم التمسك به لا ينقص يقينها.

стр. 272

وإن كثيرًا من الأدلة الخطابية تعتمد على أقوى المقدمات إلزامًا وأشدَّها إفحامًا، وإن المنطق مميز لباطل القول، وليس موجدًا لليقين بذاته، فإنّ الأشكال المنطقية أخص خواصها أنَّها تكشف زور الباطل. وقد يكون الكلام الخطابي مجملًا بالأشكال المنطقية في مقام الردِّ على حجج الخصوم، وكشف زيفها، وبيان وجه البطلان فيها، وكثيرًا ما تستخدم الخطب التي تقوم على المحاجّة، والجدال والبراهين والقيسة المنطقية لبيان وجه البطلان في كلام الخصم. الأمر الثاني: إنه لا ينطبق ما يقال في الخطابة والجدل من أنهما يقومان على الأدلة الظنية على القرآن. ونحن نميل إلى أن الاستدلال القرآني له طريق قائم بذاته، وإذا نظرت إليه وجدت فيه ما امتازت به الأدلة البرهانية من يقين لأمرية فيه، وما امتازت به الأدلة الخطابية من إثارة للإقناع، وما امتازت به كل خواص البيان العالي، مع أنه لا يسامي، وهو معجز لكل الناس عربهم وعجمهم. أسلوب القرآن في الاستدلال والجدل: ١٥١- إنَّ القرآن خاطب الناس جميعًا في أجيال مختلفة، وأقوام تباينت مشاربهم، ومن أجل أن نعرف بلاغة القرآن في الاستدلال والجدل يجب أن نشير بكلمات موجزات إلى أصناف الناس. إن طبائع الناس متفاوتة، ومشاربهم مختلفة، وأهواءهم متنازعة، ومسالكهم في طلب الحق متعددة. أ- فمنهم من يصدق بالبرهان، ولا يرضيه إلَّا قياس تامّ أو ما يجري مجراه، وهؤلاء هم من غلبت عليهم الدرسات العقلية والنزعات الفلسفية، وكان لهم من أوقاتهم ما أرجوه في دراسات واسعة النطاق، وعلوم سيطرت عليهم، فسادهم التأمل الفلسفي، والمنزع العلمي، والمستقرئ لأحوال الأمم المتتبع لشئون الاجتماع يجد أن هذا الصنف قلة في الناس، وعددهم محدود بالنسبة لغيرهم؛ إذ إنَّ أكثر من في الأرض دق انصرف إلى المهن من زراعة وصناعة، فما كان له وقت يزجيه في تلك التأملات، ولهاذ أمر الله تعالى نبيه أن يدعو إليه بالحكمة في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] . ب- من الناس من غلب عليه مذهب ديني أو غير ديني قد استأثر بلبه، وسد مسام الإدراك، إذا استولت عليه نحلة مذهبية فتعصب لها، والتعصب يعمي ويصم،

стр. 273

ويجعل النفس لا تستسيغ الحق إلا بمعالجات عسيرة، وإن الإقناع بذلك لا يكون إلَّا بالطب لأدواء النفوس، وأدواء النفوس أعسر علاجًا، وأعزّ دواء من علاج الأجسام. وهؤلاء لا بُدَّ لهم من طريق جدلية تزيل ما لبس الحق عليهم، ويتخذ بها قوة مما يعتقدون؛ إذ يلزمهم بما عندهم، ويفحصهم بما بين أيديهم، ويتخذ مما يعرفون وسيلة لإلزامهم بما يرفضون. وهذا الصنف من الناس، وإن كان أكثر عددًا من الأول، ليس هو الجمهور الأعظم ولا الكثرة الغالبة بين الناس، ولعله الذي أمرنا الله تعالى بألَّا نجادله إلا بالتي هي أحسن، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] . ج- أما الجمهور الأعظم من الناس فليسوا هؤلاء ولا أولئك، بل هو في تفكيره أقرب إلى الفطرة، فيه سلامتها، وفيه سذاجتها، وفيه إخلاصها وبراءتها، وهو لا يخاطب بتفكير الفلاسفة، ولا يخاطب بما يخاطب به المتفكرون تفكرًا علميًّا، بل يليق به ما التقى فيه الحق مع مخاطبة الوجدان، وما اختلطت فيه اليقينية بما يجعل الأهواء تابعة لها، والميول خاضعة لمنهاجها، وما التقت فيه سلاسة البيان وبلاغته بقوة الحق، وليس بما يختص به أهل المنطق، ولا ما عليه أهل العلوم الكونية، إنما يخاطب الجمهور الأعظم بالحق، بما يغذى الفطرة، وبما يثيرها ويوجهها إلى السبيل الأقوم. والقرآن الكريم نزل بتلك الشرعية الشريعة الأبدية التي جاءت للكافة، وبعث بها النبي ﷺ للناس جميعًا بشيرًا ونذيرًا، فلا تقتصر دعوته على قبيل، ولا على جيل، بل هي لكل الأجيال والقبائل والأقوام، والألوان، إلى أن يرث الله تعالى الأرض، ومن عليها. ١٥٢- لذلك وجب أن يكون القرآن وهو الحجة الكبرى فيه من الأدلة والمناهج ما يقنع الناس جميعًا على اختلاف أصنافهم وتباين أفهامهم، وتفاوت مداركهم، ووجب أن يكون أسلوبه الفكري والبياني بحيث لا يعلو على مدارك طائفة بعد بيان النبي ﷺ وأصحابه الذين تلقوا من النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- علم القرآن وبيانه، ويجد العلماء فيه غذاء نفسيًّا واعتقاديًّا وخلقيًّا وصلاحًا إنسانيًّا، بل يصل الجميع إليه، يجد فيه المثقف بغيته، والفيلسوف طلبته، والعامة من الشعوب دواء نفوسهم، وشفاء قلوبهم، والحق المبين الهادي لهم الذي يأخذ بايديهم إلى العزة والرفعة. وكذلك سلك القرآن الكريم. فالمتدبر لآياته، والمفكر في منهاجه، يجد فيها ما يعمل الجاهل، وينبه الغافل، ويرضي نهمة العالم، اقرأ قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ

стр. 274

كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠] اقرأ هذا وارجع البصر فيها كرتين، ألَا ترى فيها توجيه الأذهان إلى عظيم قدرة الله تعالى وقوة سلطانه على الوجود كله، وبيِّن سبحانه كيف اخترع وأبدع على غير مثال سبق، ويثبت بذلك أنه وحده الأحق بالعبادة، وأن القارئ للقرآن من دهماء الناس يرى فيها علمًا بما لم يكن يعلم، قد أدركه بأسهل بيان وأبلغه، ويرى فيها العالم الفيلسوف الباحث في نشأة الكون دقة العلم وإحكامه، وموافقة ما وصل إليه العقل البشري لما جاء بذلك النص الكريم مع سمو البيان وعلوّ الدليل، فتبارك الذي أنزل القرآن. واقرأ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٢-١٦] إلى آخر الآيات الكريمات. ثم تدبَّر هذه الآيات البينات تجد أنَّ الأمي يستفيد منها علمًا غزيرًا فوق أنه يعرف منها أن الله سيبعث الناس يوم القيامة، فيزداد إيمانًا، كما علم ما لم يكن يعلم، ويقرؤها العالم بدقائق تكوين الإنسان والدارس للحيوان جرثومة فجنينًا، فحيوانًا على ظهر الأرض حيًّا، فيرى فيها دقة العلم والتكوين، وصدق الحكاية، حتى لقد قرأها بعض كبار الأطباء في أوربا فاعتقد أنَّ محمدًا ﷺ أعظم طبيب رأته الأجيال السابقة، فلمَّا علم أنه كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب آمن بأنَّ هذا من علم الله تعالى بارئ النسم. وهكذا يرى القارئ لكتاب الله تعالى وما فيه من أدلة أنه قريب من الأمي يفهمه ويعرفه، ويعلم منه علم ما لم يكن علم، يدرك منه ما يناسب معرفته، ويسمو إليه إدراكه، وما يدركه من صدق يقيني لا شبهة فيه. ويرى فيه العالم الباحث حقائق صادقة ما وصل إيها البحث العلمي الحديث إلَّا بعد تجارب، ومجهودات عقلية، ولما ازداد المتأمل المتبصر في الآيات التي تتعلق بالكون ازداد استبصارًا، ورأى علمًا أسمى مما يدركه الإنسان بتجاربه، وأعلى مما يهتدي إليه الإنسان بعقله المجرد.

стр. 275

مسلك القرآن في سوق الأدلة: ١٥٣- قد شرحنا من قبل الأدلة الخطابية والبرهانية والجدلية، وقد أشرنا إلى أن أسلوب القرآن فوق هذا، والآن نوضح ما أشرنا إليه من قبل، فنذكر بالعبارة الواضحة ما ذكرناه بالإشارة اللائحة. إن أسلوب القرآن أسمى من الخطابة، وأسمى من منطق أرسطو، ومن لف لفه، تراه قد اعتمد في مسالكه على الأمر المحسوس أو الأمور البدهية التي لا يمترى فيها عاقل، وليس فيه قيد من قيود الأشكال المنطقية، من غير أن يخلّ بدقة التصوير، وقوة الاستدلال، وصدق كل ما اشتمل عليه من مقدمات ونتائج مع أحكام العقل. وإنك لترى بعض أوصاف الأسلوب الخطابي قد أتى فيها بالمثل الكامل فيه، وهو أعلى من أن يوصف بأنه جاء على منهاج من مناهج الخطابة، وفيه تصريف القول الذي يلقي بجدة في نفس القارئ والسامع، فتصريف فنون القول من إيجاز غير مخل، وحذف كلمات أعلن الأسلوب وجودها، وغزارة في المعاني مع قلة في الألفاظ وإطناب مبين، بحيث لو حذفت كلمة لاختلَّ بنيان القول؛ إذ إن الكلام القرآني بعضه مع بعض كالبنيان النوراني المرصوص، ولكل كلمة إشعاع مشرق فيه بحيث لو لم تكن، يكون جزءًا ناقصًا من الأطياف للآيات القرآنية. ثم من قصص حوى أقوى الأدلة في ذات القصة وما حوت، وفي الأدلة التي سيقت في بيان الأنبياء السابقين لرسالاتهم، ومجادلة المخالفين والمناوئين. ومهما يكن من قول في استدلالات القرآن الكريم، فإن له مناهج في الاستدلال تعلو على براهين المناطقة، والأخيلة المثيرة للإقناع، والأدلة الخطابية. ١٥٤- ونستطيع أن نذكر بعض مناحي القرآن في الاستدلال من غير إحصاء، بل نذكر بعضها، وبعضها ينبئ عن غيره. ومن ذلك الأقيسة الإضمارية، وهي الأقيسة التي تحذف فيها إحدى المقدمات، مع وجود ما ينبئ عن المحذوف، فهو محذوف معلوم مطوى في الكلام منوي فيه. وهذا الحذف يكثر في الاستدلال الخطابي، بل يقول ابن سينا في "الشفاء": "الخطابة معلولة على الضمير والتمثيل، والضمير هو القياس الإضماري، والتمثيل هو إلحاق أمر يأمر لجامع بينهما"، ويسمَّى في عرف الفقهاء قياسًا فقهيًّا، بينما هو في عرف المناطقة تمثيل؛ لأنَّ فيه مشابهة بين أمرين. وقد يقول قائل: إنك قررت أن القرآن أعلى في إقناعه واستدلاله من الخطابة والمنطق والشعر، ومع ذلك تقرر أنه ينهج منهاج الخطابة في الاستدلال!.

стр. 276

ونقول في الإجابة عن ذلك: إننا نعلو بمنهاج القرآن عن الخطابة، وإن كان يسلك بعض مناهج الخطابة في الاستدلال، وعلوّ القرآن في هذه الحال بأسلوبه أولًا، فهو كيفما كان من نوع الكلام المعجز، وثانيًا: القرآن يعلو عن الخطابة في أن كل مقدماته ونتائجه يقينية، ولا ينبع شيء منها إلّا من اليقين، وقد لام على مخالفيه أنهم يتبعون الظن، وإن هم إلَّا يخرصون. ونعود من بعد ذلك إلى الاعتراض الذي يرد على الخاطر، وإن كان لا يرد في الموضوع، فنقول: إنَّ الناظر المستقرئ لأدلة القرآن يرى أكثرها قد حذفت فيه إحدى المقدمات، ولقد قال الغزالي بحق: إن القرآن مبناه الحذف والإيجاز "أي: في شكل الأقيسة" واقرأ قوله تعالى يرد على النصارى الذين يزعمون أنَّ عيسى ابن الله؛ لأنه خلق من غير أب: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٩، ٦٠] . ولا شكَّ أن المثل الذي ساقه الغزالي، واضح فيه حذف إحدى المقدمات، وواضح المقايسة بين خلق آدم ﵇ وخلق عيسى ﵇، وأنه إذا كان الخلق من غير أب مبررًا لاتخاذ عيسى إلهًا، فأولى أن يكون الخلق من غير أب ولا أم مبررًا لاتخاذ آدم إلهًا، ولا أحد يقول ذلك. وإننا نجد أنه قد حذفت مقدمة وبقيت واحدة، وكأن سياق الدليل لو في غير كلام الله تعالى يكون هكذا: إن آدم خلق من غير أب ولا أم، وعيسى خلق من غير أب، فلو كان عيسى إلهًا بسبب ذلك لكان آدم أولى، لكن آدم ليس ابنًا ولا إلهًا باعترافكم، فعيسى أيضًا ليس ابنًا ولا إلهًا. وإن الحذف قد صيَّر في الكلام طلاوة، وأكسبه رونقًا، وجعل الجملة مثلًا مأثورًا، يعطي حجة في الرد على النصارى، ويذكر الجميع بأنَّ آدم والناس جميعًا ينتهون إليه، وإنما خلق من تراب، فلا عزة إلا لله تعالى. ١٥٥- وقد يساق الدليل في قصة، وقد ذكرنا من قبل مقام القصص القرآن في هذا المقام، ونقول: إنَّ القرآن اتخذ القصص سبيلًا للإقناع والتأثير، وضمن القصة الأدلة على بطلان ما يعتقد المشركون وغيرهم، وقد يكون موضوع القصة رسولًا يعرفونه ويجلونه؛ إذ يدعي المجادلون أنهم يحاكونه ويتبعونه، فيجيء الدليل على لسانه، فيكون ذلك أكثر اجتذابًا لأفهامهم وأقوى تأثيرًا، وقد يكون مفحمًا ملزمًا إن كانوا يجادلون غير طالبين للحق.

стр. 277

وانظر إلى قصة إبراهيم ﵇ مع أبيه وقصته مع قومه -وقد ذكرناهما في موضوع القصص، فإنك ترى في القصتين أدلة التوحيد واضحة قوية تثبت بطلان عبادة الأوثان، ولإبراهيم من بين الرسل مكانته عند العرب؛ إذ هو شرفهم ومحتدهم الذي إليه ينتسبون، وقد كانوا يزعمون أنهم على ملته، فإذا جاءهم الخبر بتوحيده ومحاربته للأوثان، وسبق لهم ما كان يحتج به على قومه، كان ذلك مؤثرًا أيّ تأثير في قلوبهم. ومجيء الدليل على لسان رسول يقرّ بفضله المخالفون كإبراهيم عند العرب، وموسى عند بني إسرائيل، يعطي الدليل قوة فوق قوته الذاتية، إذ تكون الحجة قد أقيمت عليهم من جهتين، من جهة قوة الدليل الذاتية، ومن جهة أن الذي قاله رسول أمين يعرفونه، فيكون هذا قوة إضافية، وفوق ذلك فيه إلزام وإفحام؛ إذ إنهم يدعون أنهم أتباعه. وقد يجيء الدليل أحيانًا في قصص القرآن على لسان حيوان في قصة، فيكون ذلك غرابة تستعري الذهن، وتثير الانتباه وتملأ النفس إيمانًا بالحقيقة، كما جاء على لسان الهدهد في سورة النمل؛ إذ يقول الله حاكيًا عن سيدنا سليمان ﵇: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ، لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ، إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ، أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا ُعْلِنُونَ، اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٠-٢٦] . وترى من هذا أنَّ دليل التوحيد جاء على لسان الهدهد في أوجز عبارة، وأوضح إشارة، ألا تراه ينبه إلى بطلان عبادة الشمس من دون الله؛ لأنها لا تؤثر في الإبداع والإنسان بذاتها، وبيَّنَ أن ذلك الضلال للفطرة، إنما هو من تزيين الشيطان الفاسد الأفكار، وجعلهم يبتعدون عن حكم الفطرة الإنسانية، وهو أن يسجدوا لله تعالى الذي يخرج المخبوء من البذور والنوى، وكل أسباب الوجود، وهي مختفية عن الشمس وضوئها، فإذا كان لها تأثير ظاهري في الظاهر الذي خرج من الخبء، فما يكون تأثيرها فيما هو خبء، لا تأثير لها فيه لا ظاهرًا ولا خفيًّا. قياس الخلف: ١٥٦- قياس الخلف هو إثبات الأمر ببطلان نقيضه؛ وذلك لأنَّ النقيضين، لا يجتمعان، ولا يخلو المحل من أحدهما، كالمقابلة بين العدم والوجود، والمقابلة

стр. 278

بين نفي أمر معين في مكان معين وزمان معين، وإثباته في هذه الحال، فإن انتفى بالدليل كان ذلك حكمًا بوجود نقيضه. فدليل الخلف أن يبطل النقيض فيثبت الحق، وأنَّ القرآن الكريم يتَّجه في استدلاله إلى إبطال ما عليه المشركون، فيبطل عبادة الأوثان، فيثبت التوحيد. ومن ذلك الاستدلال على التوحيد قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢] ، هنا نجد الاستدلال القرآني اتجه إلى إثبات الوحدانية بدليل قياس الخلف، وتقرير الدليل من غير أن تتسامى إلى مقام البيان القرآني، كما يسوقه علماء الكلام، هكذا: لو كان في السماوات والأرض إله غير الله لتنازعت الإرادتان بين سلب وإيجاب، وإن هذا التنازع يؤدي إلى فسادهما لتخالف الإرادتين، ولكنهما صالحان غير فاسدين، فبطل ما يؤدي إلى الفساد، فكانت الوحدانية، فسبحان الله رب العرش عما يصفون. ويسمى علماء الكلام هذا الدليل دليل التمانع، أي: امتنعت الوثنية لامتناع الفساد، فكانت الوحدانية. ومن القياس الذي يعتبر قياس الخلف قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] ، أي: وإنَّ ذلك باطل، فما يؤدي إليه باطل، وبذلك ثبت التوحيد. ومن قياس الخلف قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢] ، وهذا أيضًا من قبيل فرض التمانع الذي يؤدي إلى الفساد، ولا فساد، فيبطل ما يؤدي إليه. ومن قياس الخلف في إثبات أن القرآن من عند الله قوله تعالت كلماته: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وإذا ثبت أنه ليس فيه اختلاف، ولا تضارب في مقرراته ولا عباراته، فإنه يثبت النقيض، وهو أنه من عند الله تعالى. ونرى أنه في كل هذه الآيات البينات كان إثبات المطلوب بإبطال نقيضه، وقد أشرنا إلى ذلك في كل آية مما تلونا. ثم إنَّك ترى مع هذا القياس الذي واجه المخاطبين بإبطال ما يدعون ليثبت ما يدعوهم إليه الرسول، معنى ساميًا قويًّا، وهو مهاجمة المخالفين بإبطال ما عندهم، وأنه ليس من القول الذي يقام له دليل، وإن ذلك يوهنهم وينهنه من قوتهم، ولذلك كانوا يشكون من النبي؛ لأنه يسفه أحلامهم، ويصغّر من أصنامهم.

стр. 279

ومع هذا القياس نجد الإضمار للمقدمات، وإبراز أوضحها الذي يومئ إلى ما وراءها، فما يضمره من المقدمات هو المختفي المعلوم، والظاهر المكتوم. السبر والتقسيم: ١٥٧- السبر والتقسيم باب من أبواب الاستدلال الكاشف للحقيقة، الهادي إليها، وهو أيضًا من أبواب الجدل، يتخذه المجادل سبيلًا لإبطال دعوى من يجادله، بأن يذكر أقسام الموضوع الذي يجادل فيه، ويبين أنه ليس في أحد هذه الأقسام خاصة تسوغ قبول الدعوى فيه، فيبطل دعوى الخصم. وقد ذكر السيوطي أنَّ من أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٣-١٤٤] . ويبيِّن السيوطي وجه الاستدلال فقال: "إن الكفار لما حرموا ذكور الأنعام تارة، وإناثها أخرى، ردَّ الله تعالى عليهم ذلك بطريق السبر والتقسيم، فذكر تعالى: أن الله خلق الخلق مما ذكر زوجين، ذكر وأنثى، ثم جاء تحريم ما ذكرتم عندكم. ما علته؟ لا يخلو إمَّا أن يكون من جهة الذكورة أو الأنوثة، أو اشتمال الرحم الشامل لهما، أولا يدري له علة، وهو التعبدي، بأن يأخذ ذلك عن الله تعالى، والأخذ عن الله تعالى إمَّا بوحي وإرسال رسول أو سماع كلامه ومشاهدة تلقي ذلك عنه، وهو معنى قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ ، فهذه وجوه التحريم، ثم لا تخرج عن واحدة منها، والأول يلزم عليه أن يكون جميع الذكور حرامًا، والثاني يلزم عليه أن يكون جميع الإناث حرامًا، والثالث يلزم عليه تحريم الصنفن معًا، فبطل ما فعلوه من تحريم بعض في حالة، وبعض في حالة؛ لأنَّ العلة على ما ذكر تقتضي إطلاق التحريم والأخذ عن الله بلا واسطة "وحي" باطل، ولم يدعوه، وبواسطة رسول كذلك؛ لأنه لم يأت إليهم رسول قبل النبي ﷺ ، وإذا بطل جميع ذلك ثبت المدعي وهو أن ما قالوه افتراء على الله تعالى وضلال"١.

стр. 280

خلاصة الاستدلال على بطلان ما ادعوا من تحريم السائبة والوصيلة، وبعض الماعز والبقر، أنَّ الله تعالى العلي الحكيم ينبههم إلى أنَّ التحريم يكون لوصف ذاتي في هذه المحرمات، أو لتحريم بوحي أو رسول، ثم أخذ يبيِّن سبحانه أنَّه لا يوجد وصف ذاته في هذه الأشياء التي يحرمونها، فذكر سبحانه أنَّ السبب في التحريم إما أن يكون في الذكورة وحدها، أو الأنوثة وحدها، أو فيهما معًا، ولا جائز أن تكون في الأنوثة وحدها؛ لأنكم حرمتم ذكورًا؛ ولأنَّ مقتضى العموم أن تحرم كل أنثى، وكذلك الأمر في الذكورة؛ لأن ذلك يوجب تحريم كل الذكور، وكذلك إذا وصف التحريم ذاتيًّا اختصصتم بالتحريم بعضها دون كلها. وإذا لم يكن ثمَّة وصف ذاتي اقتضى التحريم، فهل كان نص من رسول، أو وحي، أو من أين جاءكم العلم، لا شيء من هذا، وهذا الجزء الأخير كقوله تعالى في آخر سورة الأنعام: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ﴾ [[الأنعام: ١٤٨] . التمثيل: ١٥٨- التمثيل: أن يقيس المستدلُّ الأمر الذي يدَّعيه على أمر معروف عند من يخاطبه، أو على أمر بدهي لا تنكره العقول، وتقرّ به الأفهام، ويبين الجهة الجامعة بينهما، وأنَّ القرآن الكريم قد سلك هذا المسلك على أدقِّ وجه وأحكمه مقربًا ما بين الحقائق القرآنية، والبدائة العقلية، وكثير من استدلالت البعث فيها تقريب وتمثيل البعث وقدرة الله تعالى عليه بما يرون من إنشاء ذلك الكون البديع، وما خلق به الإنسان وبيان أطواره من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات. اقرأ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٥-٧] . ونرى من هذا عقد المشابهة بين ابتداء الخلق وإعادته التي لخَّصها الله في قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ ، وفي هذه الآيات الكريمات بَيِّنَ -سبحانه وتعالى

стр. 281

كيف ابتدأ خلق الإنسان من طين، ثم جاءته الأطوار المختلفة حتى آل إلى القبر ثم كيف خلق الأحياء في الأرض من نبات وحيوان واهتزن وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج، وأنَّ كل ذلك دليل على قدرة المنشئ علَّام الغيوب، بديع السماوات والأرض، وأنه على ما يشاء قدير. وإنَّ هذا النسق البياني قرب فيه البعيد، وسهل على الأفهام دخوله، والله على كل شيء قدير. واقرأ في هذا النوع من الاستدلال قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ، أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٧٨-٨١] . وتجد في الآيات الكريمات عقد المشابهة بين ابتداء الخلق وإعادته في أبلغ تعبير وأسلم تقرير، وإنَّ في هذه الأمثلة وغيرها مما اشتمل عليه القرآن الكريم قياس ما في الغيب على المشاهد، وقياس ما بينه الله تعالى، وأوجب الإيمان به على ما هو واقع مرئي مشاهد، فيه الدلالة الكاملة على قدرة الله تعالى، وأنَّه المالك لما هو واقع والقادر على ما لم يقع الآن، وسيقع كما وعد، ووعده لا يتخلف. ١٥٩- هذا، ويلاحظ القارئ للقرآن التالي لآياته، المتبصر في عبره وعظاته، والدارس لأدلته، أنَّ جدل القرآن لا يتجه إلى مجرد الإفحام والإلزام، بل يتجه في الكثير الغالب إلى إرشاد القارئين والمدركين، والأخذ بأيديهم إلى الحق، وتوجيه النظر إلى الحقائق، وما في الكون من دلائل على القدرة، كما ترى في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ، وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ٦-١١] . فترى في هذه الآيات أنَّ البيان فيها ليس مجرد إفحام الوثنيين ومنكري التوحيد، بل فيه توجيه إلى الكون، وما فيه من دلائل القدرة، وعجائب الصنع وما فيه من سماء زينت ببروجها ونجومها، والأرض وما فيها من رواسي: كأنها تمسكها أن تميد، وما فيها من نبات يحصد في إبانه، وجنات تونع وتثمر في وقتها.

стр. 282

واقرأ قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآَنَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ، الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ، وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ، وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ، فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ، وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ . إلى آخر السورة الكريمة. وفي هذا ترى الاستدلال القوي متجهًا إلى الإرشاد إلى ما في الكون، وما أنعم الله به على الإنسان من علم بما لم يكن يعلم، وما علمه من الشمس والقمر، وما علمه من معاملات كريمة، وتعاون إنساني مبني على الفضيلة، وعلمه كيف خلق الإنسان، وهكذا من استدلال حكيم، وإرشاد وتوجيه وتعلم. وإنَّه إذا اتجه القرآن الكريم إلى الإلزوام والإفحام لا يلبث أن يأخذ بيد المعاند إلى الحقيقه يبينها واضحة جلية لا ريب فيها، كما ترى في قوله تعالى رادًّا على المشركين طلبهم أن يكون الرسول ملكًا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٨، ٩] . فإنك ترى أنَّ في ذلك إفحامًا لهم من ناحيتين: الناحية الأولى: أنَّهم لو أجيبوا إلى ما يطلبون لقضي عليهم ما هدَّدهم الله تعالى به، ولا ينظرون، والثانية: أنه لا يزول اللبس الذي يلبسون به الحق بالباطل؛ لأنه لو جعله الله تعالى ملكًا لجلعه في صورة رجل، وبذلك يجيء الالتباس الذي لبس به عليهم. ومن الاستدلال المفحم الهادي قوله تعالى في الردِّ على اليهود ووصفهم: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣] . وكما ترى في قوله تعالى ردًّا على الذين ينكرون الرسالات الإلهية، فقد قال تعالت كلماته: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: ٩١] ويظهر أن الذين قالوا هذا القول من اليهود، قالوه لينكروا رسالة النبي ﷺ . وفي هذه الآيات التي تلوناها ترى الإلزام المفحم، والحجة البالغة، والفيصل الفارق بين الحق والباطل، قد أدحضت به حجة الخصوم وأرشدوا إلى المحجة،

стр. 283

ووضعت الصور والأعلام، ليسيروا على الجادة بعد أن بددت الظلمات، وأذهب ضوء الحق ظلام ما موّه به الخصوم، فمن أبى واستكبر بعد ذلك فهو من الأخسرين، بعد أن أزيلت من أمامه غياهب الباطل. ١٦٠- وعند توجيه الله تعالى نظر المجادل إلى الحقائق من غير اتجاه إلى إلزام من أول الأمر، أو بعد إلزامه وإفهامه يكون تصريف البيان، ومناحي التأثير، وتكون العبارات التي تخاطب العقل والوجدان، وتمسّ مواطن الإحساس، وتتنوع المناهج وتتضافر المعاني، وللألفاظ جدتها وطلاوتها، ومع التكرار أحيانًا تزداد الفائدة، وتكثر الثمرات، وتنوع الأساليب من استفهام إلى تعجب إلى تهديد إلى أخبار، ويختلف الاتجاه إلى مواضع الاستدلال وينابيعه. أ- فمرَّة يكون الاستدلال بردِّ المسائل إلى أمور بدهية معروفة، كما أشرنا، أو حقائق مشهورة مألوفة يخرّ المجادل أمامها صاغرًا كما ترى من إبطال قول من زعم أن لله ولدًا؛ إذ يقول : ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ، لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠١-١٠٣] . ألا ترى أن الاستدلال القرآني اتَّجَه إلى بطلان مدعاهم إلى أمر معروف مشهور مألوف لا يماري فيه أحد، وهو أنَّه لو كان له ولد لكان له صاحبة، ولم يدع أحد أن لله تعالى صاحبة، فبطل أن يكون له ولد، تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا. ب- وأحيانًا يوجّه نظر الناس إلى المخلوقات، وإلى ما في الكون مما يدل على قدرة الصانع، وعلم المبدع، انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٣، ١٦٤] . وهكذا، وارجع إلى ما قدمنا من مصادر الاستدلال في القرآن الكريم. ويلاحظ أنَّ القرآن الكريم في الجدال الذي يلزم الخصوم، ويفحمهم، يجيء إلى الإفحام من أقرب الطرق، وأقواها إلزامًا، ومن ذلك ما حكاه الله تعالى عن خليله إبراهيم ﵇ في مجادلة مدَّعي الألوهية، فقد قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي

стр. 284

يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] . وإن وسائل أخذ الخصم بأقرب طريق للإفحام والإلزام كثيرة. أ- منها التحدِّي، كما تحدَّى الله تعالى كفَّار قريش بأن يأتوا بعشر سور من مثله مفتريات، وكما تحدَّى إبراهيم الملك الوثني. ب- ومنها أخذ الخصم بموجب كلامه، وإثبات أنه عليه وليس له، ومن ذلك قوله تعالى في شأن المنافقين؛ إذ يقول عنهم: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فسلم لهم أنَّ الأعز يخرج الأذل، ولكن من هو الأعز؟ لله العزوة ولرسوله وللمؤمنين. ج- ومنها مجاراة الخصم فيما يقول، ثم التعقيق عليه بما يقلب عليه نتائج قوله، ومن ذلك قوله تعالى حاكيًا عن الرسل مع أقوامهم: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [إبراهيم: ١٠، ١١] . فترى من هذا النص السامي أن الرسل سلَّموا بالمقدمة التي بنى عليها الأقوام رفضهم، ولكنَّهم نقضوا النتيجة بقولهم: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ فكأنهم قالوا لهم: ما قلتموه من أننا بشر حق، ولكن ما تريدون أن تبنوا عليه من إثبات أننا لسنا أنبياء باطل؛ لأنَّ الله يمنُّ على من يشاء من عباده، وهو قد مَنَّ علينا، وقدمنا لكم السلطان، أي: الدليل، ولا سلطان لنا إلا ما يأذن الله تعالى. ١٦١- هذه قبسة من نور الذكر الحكيم الذي أضاء الله تعالى به الخليقة لتهتدي الأجيال بهديه، وتسير على ضوئه، وتعشو إليه إذا أظلمت وعمتها الجهالات وتاه الناس في مثارات الشيطان. وما أردنا بذلك البيان إحصاء لطرق الاستدلال في القرآن، ولا استقصاء لمسالكه في جدله، فدون ذلك تنفق القوى، وينبت الظهر، ويقصر الشأو، ولكن أردنا أن يرى الدارس للقرآن الكريم أمثالًا عن طرق جدل القرآن واستدلالاته، وكيف كانت أعلى من المنطق في دقّته، وإن لم تتقيد بأساليب المناطقة، ولا بأشكال أدلتهم، ففي أدلة القرآن التقديم والتأخير، والإيجاز والإطناب تبعًا لروعة البيان ونسقه وجماله، وليس تبعًا

стр. 285

لأشكال البرهان، وكانت مع ذلك أعلى من الخطابة، وإن كان بيانه المثل الأعلى الذي لا يستطيع أن يجاريه الخطباء. لو أنَّ المتكلمين الذين عنوا بإثبات العقائد والجدل فيها سلكوا مسلك القرآن، وساروا في سمته لكان عملهم أكثر فائدة، وأدنى جني، وأينع ثمارًا، ولكنهم سلكوا مسلك المنطق وقيوده، والبرهان وأشكاله، فكان علمهم للخاصة من غير أن يفيد العامة، فإنَّ العامة يدركون دقائق القرآن على قدر عقولهم، ولا يدركون شيئًا من أشكال الأقيسة. وقد وازن الغزالي في كتابه "إلجام العوام عن علم الكلام" بين أدلة القرآن وطريقة المتكلمين، فقال ﵁: أدلة القرآن مثل الغذاء، ينتفع به كل إنسان، وأدلة المتكلمين مثل الدواء ينتفع به آحاد الناس، ويستضرّ به الأكثرون، بل إنَّ أدلة القرآن كالماء الذي ينتفع به الصبي الرضيع والرجل القوي، وسائر الأدلة كالأطعمة التي ينتفع بها الأقوياء مرة، ويمرضون بها أخرى، ولا ينتفه بها الصبيان أصلًا. وفي الحقِّ أن الناس لو شغلوا بدراسة القرآن، وما فيه من استدلال لينهجوا على نهجه، ويسيروا في طريقه، لكان لهم من ذلك علم كثير، فإن القرآن قد اشتمل على مناهد في الاستدلال والجدل والتأثير تتكشَّف عن أدقِّ نواميس النفس الإنسانية. وتبيِّن شيئًا كثيرًا من أحوال الجماعات النفسية والفكرية، وفيها الطب لأدوائها، والعلاج الناجع لأمراضها، والدواء الشافي لعللها وأسقامها. وفي مناهجه البيانية المثل الأعلى للكلام النافذ إلى القلوب والحجج الدامغة. ويعتبر ذلك بأثره في المشركين وأثره في المسلمين الأولين. وقد ذكرنا فيما مضَى من قولنا أنَّ كل من كان يسمعه من المشركين يناله منه قبس يهتدي به إن آمن، وإن استمرَّ على جحوده أطفأ الله النور في قلبه، وطمس الله على بصيرته، وكان على ريب في الأمر، وتردَّد، فكان كل من داناه منهم من نوره قلبه، ونال أثره وجدانه، حتى لقد تناهى زعماؤهم عن سماعه، لمَّا رأوه من أثره في قلب كل من سمعه. وقد كان من أثر القرآن في المؤمنين الأولين أنَّ عكفوا عليه يرتلونه، ويتفهمونه، ويتعرَّفون معانيه ومراميه، وجعلوه معلمهم الأول، ومرجعهم إذا اختلفوا، ومنهل عقائدهم، ويأخذون منه ما يقوي إيمانهم، ويدفع الشبهات عنهم ويثبت يقينهم، ولم يعرفوا حجة مع السنة سواه، ولا محجة غير طريقه وهديه، بل يجادلون، وعن هديه يصدرون، فاستقام أمرهم، وحكموا بعدله العالمين.
следующие страницы →