← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23137

المعجزة الكبرى القرآن

محمد أبو زهرة

Полный текст (438 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

كيف ابتدأ خلق الإنسان من طين، ثم جاءته الأطوار المختلفة حتى آل إلى القبر ثم كيف خلق الأحياء في الأرض من نبات وحيوان واهتزن وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج، وأنَّ كل ذلك دليل على قدرة المنشئ علَّام الغيوب، بديع السماوات والأرض، وأنه على ما يشاء قدير. وإنَّ هذا النسق البياني قرب فيه البعيد، وسهل على الأفهام دخوله، والله على كل شيء قدير. واقرأ في هذا النوع من الاستدلال قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ، أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٧٨-٨١] . وتجد في الآيات الكريمات عقد المشابهة بين ابتداء الخلق وإعادته في أبلغ تعبير وأسلم تقرير، وإنَّ في هذه الأمثلة وغيرها مما اشتمل عليه القرآن الكريم قياس ما في الغيب على المشاهد، وقياس ما بينه الله تعالى، وأوجب الإيمان به على ما هو واقع مرئي مشاهد، فيه الدلالة الكاملة على قدرة الله تعالى، وأنَّه المالك لما هو واقع والقادر على ما لم يقع الآن، وسيقع كما وعد، ووعده لا يتخلف. ١٥٩- هذا، ويلاحظ القارئ للقرآن التالي لآياته، المتبصر في عبره وعظاته، والدارس لأدلته، أنَّ جدل القرآن لا يتجه إلى مجرد الإفحام والإلزام، بل يتجه في الكثير الغالب إلى إرشاد القارئين والمدركين، والأخذ بأيديهم إلى الحق، وتوجيه النظر إلى الحقائق، وما في الكون من دلائل على القدرة، كما ترى في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ، وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ٦-١١] . فترى في هذه الآيات أنَّ البيان فيها ليس مجرد إفحام الوثنيين ومنكري التوحيد، بل فيه توجيه إلى الكون، وما فيه من دلائل القدرة، وعجائب الصنع وما فيه من سماء زينت ببروجها ونجومها، والأرض وما فيها من رواسي: كأنها تمسكها أن تميد، وما فيها من نبات يحصد في إبانه، وجنات تونع وتثمر في وقتها.

стр. 282

واقرأ قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآَنَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ، الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ، وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ، وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ، فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ، وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ . إلى آخر السورة الكريمة. وفي هذا ترى الاستدلال القوي متجهًا إلى الإرشاد إلى ما في الكون، وما أنعم الله به على الإنسان من علم بما لم يكن يعلم، وما علمه من الشمس والقمر، وما علمه من معاملات كريمة، وتعاون إنساني مبني على الفضيلة، وعلمه كيف خلق الإنسان، وهكذا من استدلال حكيم، وإرشاد وتوجيه وتعلم. وإنَّه إذا اتجه القرآن الكريم إلى الإلزوام والإفحام لا يلبث أن يأخذ بيد المعاند إلى الحقيقه يبينها واضحة جلية لا ريب فيها، كما ترى في قوله تعالى رادًّا على المشركين طلبهم أن يكون الرسول ملكًا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٨، ٩] . فإنك ترى أنَّ في ذلك إفحامًا لهم من ناحيتين: الناحية الأولى: أنَّهم لو أجيبوا إلى ما يطلبون لقضي عليهم ما هدَّدهم الله تعالى به، ولا ينظرون، والثانية: أنه لا يزول اللبس الذي يلبسون به الحق بالباطل؛ لأنه لو جعله الله تعالى ملكًا لجلعه في صورة رجل، وبذلك يجيء الالتباس الذي لبس به عليهم. ومن الاستدلال المفحم الهادي قوله تعالى في الردِّ على اليهود ووصفهم: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣] . وكما ترى في قوله تعالى ردًّا على الذين ينكرون الرسالات الإلهية، فقد قال تعالت كلماته: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: ٩١] ويظهر أن الذين قالوا هذا القول من اليهود، قالوه لينكروا رسالة النبي ﷺ . وفي هذه الآيات التي تلوناها ترى الإلزام المفحم، والحجة البالغة، والفيصل الفارق بين الحق والباطل، قد أدحضت به حجة الخصوم وأرشدوا إلى المحجة،

стр. 283

ووضعت الصور والأعلام، ليسيروا على الجادة بعد أن بددت الظلمات، وأذهب ضوء الحق ظلام ما موّه به الخصوم، فمن أبى واستكبر بعد ذلك فهو من الأخسرين، بعد أن أزيلت من أمامه غياهب الباطل. ١٦٠- وعند توجيه الله تعالى نظر المجادل إلى الحقائق من غير اتجاه إلى إلزام من أول الأمر، أو بعد إلزامه وإفهامه يكون تصريف البيان، ومناحي التأثير، وتكون العبارات التي تخاطب العقل والوجدان، وتمسّ مواطن الإحساس، وتتنوع المناهج وتتضافر المعاني، وللألفاظ جدتها وطلاوتها، ومع التكرار أحيانًا تزداد الفائدة، وتكثر الثمرات، وتنوع الأساليب من استفهام إلى تعجب إلى تهديد إلى أخبار، ويختلف الاتجاه إلى مواضع الاستدلال وينابيعه. أ- فمرَّة يكون الاستدلال بردِّ المسائل إلى أمور بدهية معروفة، كما أشرنا، أو حقائق مشهورة مألوفة يخرّ المجادل أمامها صاغرًا كما ترى من إبطال قول من زعم أن لله ولدًا؛ إذ يقول : ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ، لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠١-١٠٣] . ألا ترى أن الاستدلال القرآني اتَّجَه إلى بطلان مدعاهم إلى أمر معروف مشهور مألوف لا يماري فيه أحد، وهو أنَّه لو كان له ولد لكان له صاحبة، ولم يدع أحد أن لله تعالى صاحبة، فبطل أن يكون له ولد، تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا. ب- وأحيانًا يوجّه نظر الناس إلى المخلوقات، وإلى ما في الكون مما يدل على قدرة الصانع، وعلم المبدع، انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٣، ١٦٤] . وهكذا، وارجع إلى ما قدمنا من مصادر الاستدلال في القرآن الكريم. ويلاحظ أنَّ القرآن الكريم في الجدال الذي يلزم الخصوم، ويفحمهم، يجيء إلى الإفحام من أقرب الطرق، وأقواها إلزامًا، ومن ذلك ما حكاه الله تعالى عن خليله إبراهيم ﵇ في مجادلة مدَّعي الألوهية، فقد قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي

стр. 284

يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] . وإن وسائل أخذ الخصم بأقرب طريق للإفحام والإلزام كثيرة. أ- منها التحدِّي، كما تحدَّى الله تعالى كفَّار قريش بأن يأتوا بعشر سور من مثله مفتريات، وكما تحدَّى إبراهيم الملك الوثني. ب- ومنها أخذ الخصم بموجب كلامه، وإثبات أنه عليه وليس له، ومن ذلك قوله تعالى في شأن المنافقين؛ إذ يقول عنهم: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فسلم لهم أنَّ الأعز يخرج الأذل، ولكن من هو الأعز؟ لله العزوة ولرسوله وللمؤمنين. ج- ومنها مجاراة الخصم فيما يقول، ثم التعقيق عليه بما يقلب عليه نتائج قوله، ومن ذلك قوله تعالى حاكيًا عن الرسل مع أقوامهم: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [إبراهيم: ١٠، ١١] . فترى من هذا النص السامي أن الرسل سلَّموا بالمقدمة التي بنى عليها الأقوام رفضهم، ولكنَّهم نقضوا النتيجة بقولهم: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ فكأنهم قالوا لهم: ما قلتموه من أننا بشر حق، ولكن ما تريدون أن تبنوا عليه من إثبات أننا لسنا أنبياء باطل؛ لأنَّ الله يمنُّ على من يشاء من عباده، وهو قد مَنَّ علينا، وقدمنا لكم السلطان، أي: الدليل، ولا سلطان لنا إلا ما يأذن الله تعالى. ١٦١- هذه قبسة من نور الذكر الحكيم الذي أضاء الله تعالى به الخليقة لتهتدي الأجيال بهديه، وتسير على ضوئه، وتعشو إليه إذا أظلمت وعمتها الجهالات وتاه الناس في مثارات الشيطان. وما أردنا بذلك البيان إحصاء لطرق الاستدلال في القرآن، ولا استقصاء لمسالكه في جدله، فدون ذلك تنفق القوى، وينبت الظهر، ويقصر الشأو، ولكن أردنا أن يرى الدارس للقرآن الكريم أمثالًا عن طرق جدل القرآن واستدلالاته، وكيف كانت أعلى من المنطق في دقّته، وإن لم تتقيد بأساليب المناطقة، ولا بأشكال أدلتهم، ففي أدلة القرآن التقديم والتأخير، والإيجاز والإطناب تبعًا لروعة البيان ونسقه وجماله، وليس تبعًا

стр. 285

لأشكال البرهان، وكانت مع ذلك أعلى من الخطابة، وإن كان بيانه المثل الأعلى الذي لا يستطيع أن يجاريه الخطباء. لو أنَّ المتكلمين الذين عنوا بإثبات العقائد والجدل فيها سلكوا مسلك القرآن، وساروا في سمته لكان عملهم أكثر فائدة، وأدنى جني، وأينع ثمارًا، ولكنهم سلكوا مسلك المنطق وقيوده، والبرهان وأشكاله، فكان علمهم للخاصة من غير أن يفيد العامة، فإنَّ العامة يدركون دقائق القرآن على قدر عقولهم، ولا يدركون شيئًا من أشكال الأقيسة. وقد وازن الغزالي في كتابه "إلجام العوام عن علم الكلام" بين أدلة القرآن وطريقة المتكلمين، فقال ﵁: أدلة القرآن مثل الغذاء، ينتفع به كل إنسان، وأدلة المتكلمين مثل الدواء ينتفع به آحاد الناس، ويستضرّ به الأكثرون، بل إنَّ أدلة القرآن كالماء الذي ينتفع به الصبي الرضيع والرجل القوي، وسائر الأدلة كالأطعمة التي ينتفع بها الأقوياء مرة، ويمرضون بها أخرى، ولا ينتفه بها الصبيان أصلًا. وفي الحقِّ أن الناس لو شغلوا بدراسة القرآن، وما فيه من استدلال لينهجوا على نهجه، ويسيروا في طريقه، لكان لهم من ذلك علم كثير، فإن القرآن قد اشتمل على مناهد في الاستدلال والجدل والتأثير تتكشَّف عن أدقِّ نواميس النفس الإنسانية. وتبيِّن شيئًا كثيرًا من أحوال الجماعات النفسية والفكرية، وفيها الطب لأدوائها، والعلاج الناجع لأمراضها، والدواء الشافي لعللها وأسقامها. وفي مناهجه البيانية المثل الأعلى للكلام النافذ إلى القلوب والحجج الدامغة. ويعتبر ذلك بأثره في المشركين وأثره في المسلمين الأولين. وقد ذكرنا فيما مضَى من قولنا أنَّ كل من كان يسمعه من المشركين يناله منه قبس يهتدي به إن آمن، وإن استمرَّ على جحوده أطفأ الله النور في قلبه، وطمس الله على بصيرته، وكان على ريب في الأمر، وتردَّد، فكان كل من داناه منهم من نوره قلبه، ونال أثره وجدانه، حتى لقد تناهى زعماؤهم عن سماعه، لمَّا رأوه من أثره في قلب كل من سمعه. وقد كان من أثر القرآن في المؤمنين الأولين أنَّ عكفوا عليه يرتلونه، ويتفهمونه، ويتعرَّفون معانيه ومراميه، وجعلوه معلمهم الأول، ومرجعهم إذا اختلفوا، ومنهل عقائدهم، ويأخذون منه ما يقوي إيمانهم، ويدفع الشبهات عنهم ويثبت يقينهم، ولم يعرفوا حجة مع السنة سواه، ولا محجة غير طريقه وهديه، بل يجادلون، وعن هديه يصدرون، فاستقام أمرهم، وحكموا بعدله العالمين.

стр. 286

علم الكتاب: ١٦٢- قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] فقد جعل الله من عنده علم الكتاب وهو القرآن الكريم الذي نزل على رسوله الأمين شهادته بجوار شهادة الله ، وأيّ شرف أعظم من شرف علم الكتاب بعد هذا، وأيّ مقام أعلى من مقام علم الكتاب الكريم، إنه إذًا مقام عظيم، وهو مشتق من ذات العليم، ولا بُدَّ لهذا أن يكون علم الكتاب خطيرًا عظيمًا، وأن يكون كبيرًا عزيزًا، وأن يكون واسعًا بمقدار ما تتسِّع له طاقة البشر من علوم، وأن العلماء الذين تقترن شهادتهم بشهادة الله تعالى والملائكة هم العلماء بالكتاب المذكورون، الفاهمون لمراميه ومغازيه، العاملون به، فقد قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] فأولوا العلم الذين تقترن شهادتهم بشهادة الله والملائكة هم أولوا العلم بالكتاب، وأولوا العلم بالكتاب هم العلماء الذين ذكر الله أنه لا يخشى الله غيرهم؛ إذ قال : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] . هذه مكانة العلم القرآني كما صرَّحت العبارات السامية عن الله ، فما هذا العلم الذي يعلو بصاحبه لى هذا المقام الأسمى، والمنزلة العليا؟ نجيب عنه بجوابين: أحدهما فيه إجمال، والثاني فيه بعض التفصيل. أما أولهما: فنقول: إنه علم النبوة، أي: علم الرسائل الإلهية، فإنَّ القرآن الكريم اشتمل فيما اشتمل عليه لبّ الرسالة الإلهية وهو التوحيد، وقد قال تعالى في ذلك: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] ، وإنَّ القرآن ذكر كل الرسالات التي سبقته، وما لم يذكره بالبيان ذكره بالإشارة الواضحة، فقال تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] ، وما لم يذكر قصصه مطوي في ذكر من قصّ، فالرسالة الإلهية واحدة، والحق واحد، والدعوة إليه واحدة. ولقد صرَّح النبي ﷺ بأنَّ من يحفظ القرآن يحفظ النبوة بين جنبيه، فقال ﵊ فيما يروي عنه الحسن البصري: "من أخذ ثلث القرآن وعمل به فقد أخذ ثلث النبوة، ومن أخذ نصف القرآن وعمل به فقد أخذ نصف النبوة، ومن أخذ القرآن كله فقد أخذ النبوة كلها"، ويروى عن عبد الله بن عمر أنه قال: "من حفظ القرآن فقد حفظ النبوة بين جنبيه"، فالقرآن فيه قبسة علم من الله تعالى.

стр. 287

ولقد روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن هذا القرآن مأدبة الله، فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن هو حبل الله، والنور المبين، والشفاء النافع، عصمة من تمسك به، ونجاة من اتبعه، ولا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن رد، فاتلوه، فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات". وإن هذه الآثار الواردة تدل دلالة قاطعة على أنَّ القرآن حوى علم النبوة كله، وأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من علم النبوة إلَّا أحصاها، وأنَّ الله ما فرَّط في الكتاب من شيء من علم النبوة، كما قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] مما يتعلق بالشرائع والأحكام وبيان ما يطلب من المكلف، وما به صلاحه في الدنيا، وثوابه في الآخرة؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، لا يأتيه من بين يديه، ولا من خلفه. ١٦٣- هذا الجواب مبنيّ على ما قرَّره الذين قرأوا القرآن من السلف الصالح، وما نقلوه عن النبي ﷺ ، وهو بيان إجمالي لعلم القرآن الكريم، مبني على أنه تبليغ النبي ﷺ لرسالة ربه، وأنه التبليغ الخالد إلى يوم القيامة، الذي تخاطب به الأجيال بالرسالة العامة التي تعمّ الإنسانية كلها، ولا تخص عصرًا من عصورها. ولكن لا بُدَّ من أن نعرض بالذكر ببعض التفصيل لما اشتمل عليه علم القرآن، وهذا هو الجاب الثاني الذي لا يغني فيه الإجمال الكلي عن بعض التفصيل الجزئي. وإن الذي قرره السلف وأجمعوا عليه أنَّ القرآن الكريم فيه علم النبوة كله، وأن من علمه فقد حوى النبوة بين جنبيه. وأوّل علوم النبوة علم الغيب، ففي القرآن علم الغيب وبيان الغيب، والغيب هو لب الإيمان، وفيه علم الحاضر الذي يدل على الغيب المستكين، فيه بيان الوحدانية، وبراهينها المستمدة من الكون، واستقامة حاله، والتي يستدل عليها بالآثار القائمة، وبما خلق الله . وإن العلم بمنشئ الكون هو الفطرة الإنسانية التي لا تضل إلا بما يسيطر على العقل من أهواء، وبما يقف دون الإدراك السليم من أوهام، وبما يحيط بالعقل من غيم يمنعه من الفهم السليم، فالقرآن يزيل غياهب الضلال، ويأخذ بالشارد إلى حيث الأمن العقلي. وإن الفلاسفة يحاولون أن يدركوا المغيب عنهم من حقيقة المنشئ، ومنهم من ضل في سبيل ذلك ضلالًا بعيدًا، ومنهم من قارب، ومنهم من باعد، ولا تجد في

стр. 288

كلام أولئك الفلاسفة ما يهدي للتي هي أقوم، وما كان عجز الفلاسفة عن أن يدركوا الشيء الأول إلَّا في سيطرة أوهام سبقت، عكّرت على الفطرة وضللت العقل، ولنظريات ضالات قد سيطرت عليهم، وهي نظرية الأسباب والمسببات، وتوهموا أنها تنطبق على منشئ الوجود، كما هي ثابتة في العلة بين الموجودات، يتوالد بعضها من بعض، ويكون لكل شيء سبب، وهو سبب لغيره، وهكذا تتتابع الأسباب والمسببات، كل سبب يتبع سببًا، وهو نتيجة لسبب، وتوهَّموا لهذا أن الأشياء نشأت عن منشئ الوجود نشوء المعلول عن علته، والمسبّب عن سببه، وتسلسلوا في الأسباب والمسببّات حتى ضلوا ضلالًا بعيدًا، وجاءت الأديان السماوية موجهة الأنظار إلى الله تعالى خالق السماوات والأرض على غير مثال سبق. وهو المبدع، وهو الفاعل المختار، وهو القادر على كل شيء ولا يخرج عن واسع علمه شيء. ولا عن محيط قدرته خارج، يفعل ما يشاء يختار. وقرر القرآن تلك الحقيقة التي هي هدف العقول، وأخرجها من تيه الضلال إلى الحق القديم. وسيقت الأدلة على ذلك من الكون وتنوعه، وأنَّ المقرّر عقلًا أن السبب يكون من جنس المسبب، وزيكون كهيئته لا يختلف عنها، وأنَّ الاختلاف إنما يكون لأمر آخر لا بمجرّد السببية، فيبيّن القرآن الكريم تنوع الأشياء وتنوع الأحوال، اقرأ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا، ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا، وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا، لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا، وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان: ٤٥-٥٠] . ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٣، ٥٤] . وإنك ترى من هذه الآيات الكريمة بيان تنوع المخلوقات، ولا شكَّ أن هذا التنوع يتنافى مع كون الأشياء نشأت من المنشئ كما ينشأ المعلول من العلة؛ لأن المعلول يجب أن يكون مماثلًا للعلة غير مختلف عنها، وهنا نجد اختلاف الموجودات من إنسان يتفكر ويتدبر، وحيوان ينعق، وطائر يطير، ومن شمس وقمر يسيران بحسبان.

стр. 289

فكان التنوع الذي ذكره القرآن إبطالًا لما يقرره اللفلاسفة من نظرية العلة والمعلول، والسبب والمسبب. ضاق بهم مسلكهم، فلم يتصوروا غير ذلك، ولو نظروا إلى الكون وما يجري فيه من أحوال، لأدركوا بفطرتهم المستقيمة أنَّ المنشئ واحد أحد ليس بوالد ولا ولد، ولآمنوا بقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] واقرأ قوله تعالى في التعريف بالذات الإلهية: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ، وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ منَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ، لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام: ٩٥-١٠٤] . انظر إلى تعريف الذات العلية، وما تنشئه في هذا الوجود، وإنَّ هذا يدل على الفاعل المختار دلالة قاطعة بتنوعه، واختلاف مظاهره، ونوع حياته، ألا تراه يسقى بماء واحد، وغذاؤه واحد، ومع ذلك تتنوع أنواعه، وتختلف أجزاؤه مما يدل على أنه نشأ بغير العلية، بل بإرادة مختارة حكيمة تفعل ما تريد، والله يخلق ما يشاء ويختار. وإن القارئ للقرآن الحكيم يرى فيه قدرة الذات العلية، وإرادتها الخلق، والعقل لا يقبل غير ما جاء فيه، وما يسكله الفلاسفة من أوهام بالنسبة للسببية، يؤدي إلى التسلسل إلى ما لا نهاية، فإذا كان الموجود نشأ من موجود، فمم نشأ الموجود السابق، والسابق على السابق، ويتأدَّى إلى ما يستحيل العقل تصوره، وإذا كان هناك موجود تنتهي عنده السلسلة، فلماذا يفرض أنه الإله، ويفرض أنه وجد ما بعده من إرادته، لا بالعلية؟ واقرأ الآيات القرآنية في إثبات الوحدانية في الذات والصفات، وفي

стр. 290

الخلق والإيجاد، وما ينجم عنهما من وحده المعبود بحق، فإنك واجد علمًا كثيرًا، يساير العقل ولا يعانده؛ لأنه الفطرة المستقيمة التي لم تفسدها نظرية السببية في المنشئ التي أخذوها من السببية في الأمور العادية، وفرق بين واجب الوجود الذي أنشأ الكون ودبره، وهو القيوم القائم عليه الذي قدَّر كل شيء تقديرًا، وبين توالد الأحداث، وهو لا تكونه بغير تقديره وتدبيره ، إنه فعال لما يريد. ١٦٤- وفي القرآن علم الرسالة الإلهية، والمعجزات التي اقترنت بها، فهو يبين أن الله خلق الخلق، وخصَّ العالم الإنساني بالرسل يرسلهم إليه، ليسير الناس في الصلاح بدل أن يسيروا في الفساد، وليكونوا في مودَّة وسلام بدل أن يكونوا في حرب وخصام، وليصلوا ما أمر الله أن يوصل؛ لأن الله تعالى الذي خلق الإنسان جعله إمَّا شاكرًا وإما كفورًا، فهيَّأ للشاكر أسباب شكره، وجعل الكفور مسئولًا عن فعله بعد إنذغار المنذر وتبشير المبشر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وكما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] فما كانت هذه الرسالات الإلهية إلّا لتهدي الناس إلى خير الطرق، ومن يكفر فإنما يكون عن بينة لئلَّا يكون للناس على الله حجة. والقرآن الكريم يبيِّن أنَّ الرسل يكونون من البشر، ومن أقوامهم ليكونوا أكثر إلفًا، وعندهم علم بهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] وقومه هم دعامته الأولى، فهم الذين يكونون القوة الأولى لدعوته، ويكون منهم الحواريون الذين يناصرونه ويرعونه حق رعايته. وعندما طلب المشركون أن يكون الرسول ملكًا، ردَّ الله عليهم قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٨، ٩] . وأنَّ الله تعالى صرَّح بأنَّ الرسالة للرسل لكي يقوم الناس بالحق والميزان، فقط قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] . وفي هذا النص الكريم يبيِّن الله أنَّ الرسل جاءوا بالكتاب من عنده سبحانه؛ ليقوم الناس بالقسط، ومن لم يقنعه الدليل، ولم يهتد بهداية الرحمن، وبمقتضى الفطرة المستقيمة، والإدراك السليم، فإنَّ الحديد فيه بأس شديد يقمعه من الشر، ويبعد عن الناس فساده وإفساده.

стр. 291

والآيات تفيد أيضًا أن الله يبعث الرسل، ومعهم المعجزات الباهرات الخارقات للعادات التي تثبت أنَّهم جاءوا من عند الله تعالى، وأنهم لم يفتروا على الله الكذب، بل هم جاءوا برسالة ربهم، ويتحدَّون الناس أن يأتوا بمثلها، وهي خارقة لقانون الأسباب والمسببات، وهي فوق إثباتها لقدرة الله تعالى الفعال لما يريد تثبت رسالة الرسول التي جرت على يديه. ١٦٥- والقرآن الكريم فيه علم المعجزات بجوار العلم برسالة الله تعالى لخلقه، ففيه معجزة نوح ﵇، وهي السفينة التي نجا فيها المؤمنون، وأغرق الله تعالى الكافرين، واقرأ قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ، وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ، وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ، حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ، وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ، قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ، وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ٣٦-٤٤] . هذه بينة من بينات الله تعالى تدل على اصطفائه لنوح أبي الإنسانية الثاني، وتدل أيضًا على أنَّ الله تعالى فاعل مختار، لا يتقيّد بالأسباب والمسببات التي نعرفها، بل هو القادر المريد المختار: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] . وجاء هود ﵇ إلى عاد فقاوموا دعوته، وناوءوا رسالته، وقالوا مفترين عليه كما حكى القرآن الكريم عنهم: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ، إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [هود: ٥٣، ٥٤] . وقد كانت الآية عقابًا دمَّر الله عليهم بريح صرصر عاتية، وقال الله تعالى في هذه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌفَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ

стр. 292

فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ، تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٤، ٢٥] . وقال الله تعالى في سورة الحاقة: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] . وقد أرسل الله تعالى صالحًا إلى ثمود، وقال الله تعالى فيهم: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ، قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ، قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ، وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ، فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ، فَلَمّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ، وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ، كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ [هود: ٦١-٦٨] . ونجد من هذه النصوص الكريمة أنَّ معجزة صالح التي تحدَّى بها وكانت بها البينة على رسالته هي ناقة كان لها شرب، ولكل منهم شرب معلوم، وكان التحدي ليس بأن يأتوا بمثلها، ولكن كان التحدي بالهلاك إن مسّوها، فعقروها، فأنذرهم الرسول المتكلم عن ربه بأنَّ العذاب نازل بهم بعد ثلاثة أيام، وقد صدق الوعيد عليها. ١٦٦- ولننتقل إلى المعجزة التي أجراها الله تعالى على يدي سيدنا لوط ﵇، لقد بعثه الله تعالى إلى قوم هبطوا في مفاسدهم إلى ما لم يهبط إليه الحيوان، فأفسدوا الفطرة، وجاءهم لوط بالطهر ليحملهم على العودة إلى الفطرة المستقيمة التي فطر الله الناس عليها، ولمَّا لم تجد معهم دعوة الإصلاح، بل استمروا في غيِّهم يعمهون، أمر الله تعالى نبيه أن يسري بأهله بقطع من الليل، واستثنى امرأته من أهله، فقد كانت على شركهم، وأنَّ موعد العذاب النازل بهم الصبح، أليس الصبح بقريب، فلمَّا جاء أمر الله تعالى جعل عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود. وكان يعاصر لوط إبراهيم أبو الأنبياء ﵈، ولذلك جاءت الملائكة التي ذهبت إلى لوط، وجعلت أرضهم عاليها سافلها، جاءوا لإبراهيم ﵇، وظهر معهم أمر خارق للعادة، وهو أن تحمل امرأته وهي عجوز، ولنتل الآيات الكريمات التي أثبتت هذه الحقائق.

стр. 293

﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ، وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ، قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ، قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ، يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٦٩-٧٦] . ونرى أن خارقًا للعادة كان في أول لقاء بين إبراهيم خليل الله وبين ملائكته، وهو أن تحمل امرأة عجوز قد انقطع حيضها، من زوج عجوز. وأنَّ الله أجرى على يد خليله إبراهيم معجزات كثيرة، منها مسألة الطير؛ إذ يقول الله تعالى في ذلك: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠] . ومن أبرز ما أجرى الله على يديه من خوارق للعادات أنَّه ألقي في النار ليحرق فأطفأها العزيز الحكيم، واقرأ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ، قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ، قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ، قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ، فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ، قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ، قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ، قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ، فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ، ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ، قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ، أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ، قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ

стр. 294

ُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١-٧٠] . وإنك لترى أنَّ خوارق العادات التي تنقض التزام الأسباب والمسببات التي تلزم البشر، ولكن قدرة الله وإرادته فوق ما عليه، وما يجري من أسباب ومسببات بينهم. وكذلك الأمر بالنسبة لشعيب الذي دعا إلى مكارم الأخلاق، وحسن المعاملات الإنسانية؛ إذ يقول كما حكى القرآن الكريم عنه: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ، وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ، قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ، قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ، وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ، وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ، قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ، قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ، وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ، وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ، كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٨٤-٩٥] . ونرى من هذا أنَّ الأمر الخارق للعادة كان صيحة عليهم. وأنّ الملاحظ أن الخوارق للعادة التي جاءت على يد الأنبياء الذين عاشوا في البلاد العربية كانت حسية مناسبة للعرب، وكانت من الناحية التي تناسب الصحراء، والبادية، فمعجزة هود كانت أحجارًا من سجيل منضود، وقد ظنّوه عارضًا ممطرًا، ومعجزة صالح كانت ناقة غريبة بين أهل النوق في البادية، ومعجزة لوط كانت جعل الأرض عاليها سافلها، ومعجزة شعيب كانت صيحة جعلتهم في ديارهم جاثمين.

стр. 295

معجزات سيدنا موسى: ١٦٧- قصصنا بعض القصص عن سيدنا موسى ﵇، وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتمّ التسليم، وكنّا نذكر ذلك بصدد بيان أنَّه لا تكرار في قصة موسى لمن تدبر وتفكَّر في المغازي والمقاصد، لا في ظواهر الألفاظ، والآن نذكر فقط الخوارق للعادات التي جرت على يد موسى ﵇، وهي تسع آيات كما جاء في القرآن الكريم. فقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١] . ولنذكر إن شاء الله تعالى تلك الآيات التي لم تجد مع فرعون وقومه الضالين. أولهما: العصا التي قال الله تعالى فيها: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: ٤٥] ، وقد نزل موسى يباهل بها السحرة من قوم فرعون: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ، قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ، فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ، وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١٥-١٢٠] . الثانية: أنه يخرج يده من جيبه، فإذا هي بيضاء من غير سوء، كما قال تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [النمل: ١٢] وكما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠] . الثالثة: إنَّ الله تعالى أخذ آل فرعون بالجدب ونقص الأموال والأنفس والثمرات، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] . الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة: ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آَيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٣] . الآية التاسعة: أنَّهم عندما نزل بهم الرجز الشديد طلبوا من موسى أن يدعو ربه ليكشف عنهم الرجز، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ

стр. 296

بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٤، ١٣٥] . وإذ لم تجد هذه المعجزات مع أنها قارنت حياتهم، ومسّت معيشتهم، حتى لم يكن لطالب حقٍّ أن يرتاب، ولا لطالب الهداية أن يمتري، عندئذ كانت الضربة القاصمة لفرعون وملئه، ولذلك قال تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ، وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٦، ١٣٧] . هذه إشارات إلى معجزات سيدنا موسى، وكل خارق للأسباب والمسببات مما يدل بذاته أولًا: على أنَّ الله تعالى فعَّال لما يريد، خلق الأشياء بإرادته وقدرته، ولم تنشأ عنه كما ينشأ المعلول عن علته، وتدل على رسالة موسى ﵇ وبعثه إلى بني إسرائيل، وفرعون وقومه.

стр. 297

الخوارق التي جاءت على يد سليمان: ١٦٨- كان سليمان حاكمًا ونبيًّا، ولم يكن حاكمًا طاغوتيًّا، بل كان حاكمًا ربانيًّا، أعطاه الله تعالى علم الحاكم العادل ذي السلطان غير المسيطر، وأعطاه علمًا آخر، أعطاه العلم بلغة الحيوان، وسخر له الطير، وسخر له الجن، وأوتي علم لغة النمل والطير، ولنتل ما جاء في سورة النمل من خوارق كانت مع سليمان، قال الله تعالى، وهو أصدق القائلين: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ، وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ، حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ، وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ، لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ، إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ، أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ، اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ

стр. 298

الْعَظِيمِ، قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ، قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ، إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ، قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ، قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ، قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ، وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ، فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ، ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ، قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ، قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ، قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ، قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ، فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ، وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ، قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ١٦-٤٤] . تلونا هذا الجزء من هذه السورة الكريمة، وكلها أمور ليست مما يجري في عادات الناس، ولنشر إليها إشارات نوجّه فيها الأنظار إلى ما اشتملت عليه الآيات الكريمات من بيان فوق طاقة البشر. أولها: الأمر الذي لا يعرف لغير سليمان، وهو أنه عُلِّم منطق الطير والحيوان، وهذا يدل على أنَّ غير الإنسان أمم أمثال الإنسان، لها منطق ولغة، وإن كنَّا لا نعرفها، وعرف نبي الله سليمان بعضها، كما قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] فإذا كان سليمان قد عُلِّمَ منطق بعض الحيوان، فهو مصداق لقول الله تعالى الخالق الفعال لما يريد. وثانيها: تسخير الطير له، فهذا الهدهد كان له من الإدراك الرباني ما جعله يعرف الهدى من الضلال.

стр. 299

وثالثها: الإتيان بعرشها بين غمضة عين وانتباهتها، أو كما عبَّر القرآن الكريم ﴿آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ ، وهذا من تسخير الله تعالى لسليمان، ومن العلم الذي أعطاه الله بعض عباده المخلصين، ونقول: إنَّ الآية صريحة في أنَّ الذي أتى هو عرشها حقيقة لا صورته، كما يقول المتشددون في المادية، ومع ذلك إذا كانت هي الصورة فإنَّ الخارق ثابت، وهو أنَّه أتى به قبل أن يرتد إليه طرفه. وفي قصة نبي الله سلميان ﵇ خوارق أخرى غير ما جاء في سورة النمل، فقد جاء في سورة سبأ ما نصه: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ، يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ، فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٢-١٤] . العبرة في خوارق العادات لسليمان: ١٦٩- أطنبنا بعض الإطناب في النقل من القرآن الكريم عن خوارق العادات في عهد نبي الله سليمان ﵇؛ وذلك لأنَّ هذا العصر كانت فيه الفلسفة الأيونية مسيطرة في آسيا الصغرى، وتولدت عنها فلسفة اليونان، وكانت الفلسفة الأيونية قائمة على الأخذ بالأسباب والمسببات، وتولّد المعلول من العلة في انتظام قائم لا يتخلف، فجاء سليمان ﵇، وقام سلطانه كله على خرق للأسباب والمسببات، والقيام على إثبات أنَّ الكون كله بإرادة مريد مختار، ولا يفعل إلا ما يريد، ولا يصدر عنه شيء بغير إرادته الخالدة الثابتة، فقام سليمان بذلك، وأجرى الله تعالى تلك الخوارق على يديه، فأجرى الريح التي غدوّها شهر ورواحها شهر على يديه، وعلِّم منطق الطير، وسمع حديث النمل، وجاءه عرش بلقيس بين يديه قبل أن يرتدَّ إليه طرفه، وسخَّر الله تعالى له الجنّ، وكان كل شيء في حكمه بخوارق العادات، أو بخرق نظام الأسباب والمسببات العادية التي بنيت عليها نظرية أنَّ المخلوقات نشأت عن الموجد الأول نشوء العلة عن معلولها، فكانت حياة نبي الله تعالى سليمان في ملكه تجري على هدم هذا النظر، وسخر الله له الريح تجري بأمره حيث أصاب، وكذلك كانت الخوارق للأسباب هي المسيطرة في معجزات من جاء بعده من الرسل.

стр. 300

معجزات عيسى ﵇: ١٧٠- في هذا العصر الأيوني كان مبعث عيسى ﵇، ووجوده، ولم يكن علم الطب رائجًا عند بني إسرائيل كما توهم عبارات بعض الكتاب في العقائد من المسلمين، بل كان بنو إسرائيل أجهل الناس بالطبِّ كما يقرّر علماء تاريخ الفلسفة، ومنهم رينان الفيلسوف المسيحي. إنما كانت معجزات عيسى لإبطال النظرية الأيونية التي تعتقد أنَّ المخلوقات نشأت عن الموجد نشوء العلة عن معلوله. وكانت ولادة عيسى إبطالًا صارخًا لهذه النظرية، فإنَّ المعتاد في الحياة الحيوانية ومنها الحياة الإنسانية أن الولد يولد من أبوين، أب ملقح ببذرة الوجود، وأم تتلقى في رحمها تلك البذرة، أو الجرثومة كما يعبّر العلماء، أو المني الذي يُمْنََى كما عبَّر القرآن. فجاء عيسى من غير أب، وكان ذلك خرقًا للأسباب الطبيعية الجارية، وكان غريبًا على مريم البتول. واقرأ قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا، فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا، قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا، قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا، قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا، قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا، فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا، فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا، فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا، فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا، فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا، يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا، فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا، وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا، ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ، مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ١٦-٣٦] . هذه كلها خوارق تنبئ عن أن الله خلق الكون بإرادة سرمدية، وولادة عيسى نفسها أول خارق للعادة، ولذا قال الشهرستاني: إنَّ وجود عيسى ذاته معجزة. وأكدت

стр. 301

معجزة الإيجاد من غير أب بمعجزات أخرى، أو بخوارق عادات أخرى، أولها: الرطب الجني من النخل بهزه، ومناداته لها وهو في المهد، وحديثه في المهد حديث الحكماء، فكل هذه خوارق للأسباب والمسببات تدل على أنّ الإيجاد والتصوير والتربية كلها بإرادة الله العليم الحكيم خالق كل شيء، ومنها الأسباب والمسببات. تعالى الله علوًا كبيرًا. ومعجزاته ﵇ من هذا القبيل الذي هو تحدٍّ حسيّ للأسباب والمسببات، فقد قال تعالى بعد أن بعثه رسولًا لله رحمه للعالمين: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، إِنَّ اللَّهَ رَبّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٤٨-٥١] . هذه دعوة عيسى ﵇، وفيها البينات الدالة على رسالته، بما هو خرق حسيّ واضح يرى بالعين، وليس خفيًّا يدرك بالمعنى، هو يبرئ الأكمه الذي ولد أعمى، والأبرص الذي عجز الطب إلى الآن عن إبرائه، وهو فوق ذلك يحيى الموتى بإذن الله بالفعل لا بمجرَّد الإمكان كما ادَّعى بعض المفسرين، وهو روحاني ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم. وهل يسير كل هذا على قانون الأسباب والمسببات، لكي نقول ما يقوله الفلاسفة يجب أن نلغي حكم العقول، وبدهيات المدارك. وقد ذكر معجزات أخرى في آخر سورة المائدة، فقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ، وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ، إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا

стр. 302

اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ، قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ، قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٩-١١٥] . وهكذا نرى أن هذه الآيات الكريمات ذكرت بعض المعجزات السابقة، وأضافت إليها معجزتين أخريين. إحداهما: أنه ينادي الموتى من القبول فتخرج، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ . والثانية: أنَّ الله تعالى أنزل عليهم مائدة من السماء. ١٦٤- ونرى من هذا أنَّ الخوارق للعادات كثرت على يد عيسى ﵇، وكان وجوده ذاته خارقًا للعادة؛ إذ ولد من غير أب كما بيَّنَّا، وكلها تدل على أن كل شيء في الوجود هو بإرادة مختار، فعال لما يريد. وما كان ذلك إلَّا إبطالًا لنظرية وجود الأشياء بالفلسفة التي سادت في العصر الأيوني، ثم انتقلت إلى اليونان، وأخذت تتسع حتى كانت الأفلاطونية الحديثة التي التقت مع النصرانية المحرّفة غير المسيحية الأولى في نظرية العلية، فجعلت العقل الأول هو الأب، والعقل الثاني هو الابن. ثم كانت بعد ذلك الروح القدس المنبثقة من الاثنين أو أحدهما. ووجود المسيح وحياته، وما أجراه الله تعالى من خوارق للعادات، كانت تحيط بكل تصرفاته وأعماله، كل ذلك كان حججًا قاطعة مثبتة أنَّ العالم كله مخلوق بإرادة حكيم قادر قهار سميع بصير مريد مختار. ١٧٢- وإن قصة أهل الكهف التي أشرنا إليها في بعض ما قلناه، وقد حدثت بعد المسيحية على ما يبدو من وقائعها، كانت فيها إرادة الله ظاهرة في بيان سر هذا الوجود، وأنَّ الفاعل له مريد مختار لا يتقيد في إيجاده لخلقه بأن يكون وجود الأشياء مربوطًا بالعلة والمعلول، بل هو مربوط بإرادة حكيم بفعل ما يشاء ويختار، ولنتلها عليكم، ولا مانع من تكرار تلاوتها، إن كنا قد تلوناها هي من قبل. ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا، إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا، فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا، ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا، نَحْنُ نَقُصُّ

стр. 303

عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى، وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا، هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا، وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا، وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا، وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا، إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا، وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا، سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا، وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا، قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٩-٢٦] . وإنَّ المفسرين والمؤرِّخين للديانات يقررون أنهم مسيحيون مؤمنون بالمسيحية الحق التي جاء بها عيسى ﵇، وأنهم فروا بدينهم من الرومان الذين أرهقوا المسيحيين الصادقين من أمرهم عسرًا، حتى أنّ نيرون اللعين، كان يطليهم بالقار، ويشعل فيهم النيران، ويسيرهم في موكبه، وهو فخور مختار بتلك المشاعل البشرية. وإذا كان القرآن الكريم ذكر أنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا، فإنه يكون ظهورهم في وقت الأفلاطونية التي نسخت النصرانية، والتي دخل فيها قسطنطين بعد أن ابتدأ بالسير بها في طريق التثليث الأفلاطوني، الذي بني على أساس أنَّ الكون ظهر من الأول ظهور المعلول عن علته.

стр. 304

فكانت واقعة أهل الكهف، وظهورهم بعد ثلاثمائة سنة وتسع، وهي وقت الانحراف المسيحي في الاعتقاد دليلًا قويًا على بطلانه، وعلى بطلان الأساس الذي قام عليه، وهو مذهب الأفلاطونية الحديثة، الذي يقوم على أنَّ الموجودات علة لمعلول، وليست من خالق مريد قادر. ١٧٣- أطنبنا بعض الإطناب في ذكر الخوارق التي هي بعض ما جاء في القرآن الكريم، وذلك لأمرين: أولهما: أنَّ التوحيد الذي هو لبّ العقيدة الإسلامية، بل هو اللب في كل الأديان السماوية، يقوم على أوصاف ثلاثة: الأول هو: وحدة الخالق في إنشاء الكون، ووحدانيته في ذاته، فهو منزه عن المماثلة للحوادث، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ووحدة المعبود، وهو الله . الثاني: أنَّ الله تعالى مريد مختار فعَّال لما يريد، وأنَّه أنشأ كل ما في الوجود بإرادته وقدرته، ولم ينشأ عنه نشوء المعلول عن علته. الثالث: ثبوت الرسالة الإلهية للمصطفين من خلقه، ولا تثبت الرسالة إلَّا بأمره. الأمر الثاني: الذي من أجله أفضنا في ذكر بعض الخوارق، ولم نضنّ على القرطاس فيه، أنَّ بعض الذين يجعلون أمور الدين خاضعة للتجارب ويحسبون أنهم يخدمون القرآن، يدَّعون أنَّ رسالة محمد قامت على العقل ولم تقم على الخوارق، وأن القرآن الذي هو حجة محمد الكبرى خاطب العقول ولم يخاطب بالخوارق، وجرت عباراتهم بما يفيد أنَّ الإسلام لا يعرف الخوارق، إلى درجة أنَّ بعض علماء اللاهوت المسيحي سألنا: هل القرآن يعارض الخوارق والمعجزات، فأجبنا سؤالهم بأنَّ القرآن سجّل معجزات الأنبياء، وها نحن أولاء نبيِّن بعض ما في هذا السجل الخالد.

стр. 305

البعث واليوم الآخر: ١٧٤- إنَّ العالم يتنازع فيه الخير والشر، ربما يتغلّب على الخير، وفي الناس الأخيار والأشرار، وقد يغلب أهل الشر على أهل الخير، وعدل الله يوجب أن تكون العاقبة للأخيار، وأن تكون للذين أحسنوا الحسنى وزيادة، والله سبحانه جعل الخير والشر لحكمة أرادها؛ ليبتلي الإنسان إمَّا شاكرًا وإما كفروًا، ولم يخلق الإنسان عبثًا، ولم يجعله سدًى، بل إنه مسئول عن فعله إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. وإن ذلك يقتضي ألَّا تكون هذه الحياة الدينا وحدها، بل لا بُدَّ من حياة أخرى تكون للأخيار الذين لم ينتصر خيرهم في هذه الحياة، ولا تكون للأشرار الذين غلبوا الأخيار ظلمًا واعتدوا وفتنوا الناس في أمورهم. ولذلك كانت الحياة الآخرة وبيانها من مقاصد الأديان السماوية، فلا يوجد دين سماوي إلَّا كان الإيمان بالبعث والحساب، والثواب والعقاب من أركان الإيمان فيه. ولذلك جعل القرآن الكريم الإيمان بالغيب أول أجزاء الإيمان، فقد قال الله تعالى في أوصاف المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٣-٥] . وترى أنَّ أول وصف للمؤمنين هو الإيمان بالغيب، فلا تستولي عليهم مادة الحياة، ولا يسيطر عليهم سلطانهم، فإن فرق ما بين الإيمان والزندقة الإيمان بالغيب، فمن حسب أنَّه لا وجود إلَّا للمادة المشاهدة المحسَّة فهو ليس بمؤمن، وليس عنده استعداد للإيمان إلَّا من رحم ربك. وقد ختم الله أوصاف المؤمنين بقوله تعالى: ﴿وَبِالآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ، فأوجب الإيمان بالآخرة وأكَّده بتقديم الجار والمجرور، أي: إنَّ الآخرة وحدها هي الجديرة بالإيمان، وأنَّه لا إيمان إلَّا باليقين الذي لا مجال للريب فيه، وأن رقي الإنسان في أن تكون حياته غير مقصورة على الدنيا؛ لأنَّ التكليف شرف وهو مقتضى تحمل التبعات، ولا سبيل لتحمل التبعات إلَّا أن يكون ثمَّة يوم يجري فيه الحساب والثواب والعقاب. ولذلك وصف الله الذين لا يؤمنون بلقاء الله تعالى بأنهم الخاسرون: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ٣١، ٣٢] . نعم خسر الذين لا يؤمنون بالآخرة، خسروا إنسانيتهم، فقد حسبوها عبثًا ليس لها غاية، وخسروا العزاء إذا شقوا فيها، فإن الإيمان بالآخرة عزاء روحي لمن يؤمن بها فيتحمَّل شقاء الدينا لينال نعيم الآخرة، وإنهم لم يترقبوا اللقاء فلم يستعدوا بالعمل الصالح. وقد قرَّر الله أن الإنسان يكون مخلوقًا سدًى كالهمل إن لم يكن هناك يوم آخر، حيث قال: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى، أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى، ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٣٦-٤٠] .

стр. 306

١٧٥- ولذلك عني القرآن الكريم بإثبات حقيقة البعث، وبيان الحال في الحياة الآخرة، وكان خطاب القرآن لقوم لا يؤمنون بالبعث، ولا يدركون إلَّا الحياة الدنيا، ويقولون: إن هي إلا حياتنا الدنيا، نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين. وإنَّ عقيدة البعث لبّ الإيمان، وغاية من غايات الرسائل الإلهية، ولذلك تجد القرآن يحتفي ببيان حقيقة البعث، وتنبيه العقول إليه، وما من موضع في القرآن الكريم إلّا ذكر فيه البعث وقيام الدليل عليه، بقياس قدرة الله تعالى على الإعادة على قدرته على الابتداء، وأنَّ البعث تكون الحياة الدنيا من غيره عبثًا لا جدوى فيها، كما قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] . ولنقبس قبسة من الآيات الكريمات التي تدعو إلى الإيمان بالبعث، وتبيّن أن المشركين في ضلال، اقرأ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الرعد: ٥] . إنهم يعجبون من أنهم بعد أن يصيروا ترابًا يخلقون خلقًا جديدًا، بل إنهم يعجبون من أن تدخل أجسامهم بعد البلى في أجسام أخرى ثم تبعث، فيبيِّن قدرته على ذلك، فيقول تبارك تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا، أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا، يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٠-٥٢] . ولقد يقولون مستغربين: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ، أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٧٨-٨٣] . وترى من هذا أن الذين ينكرون البعث ينكرون مع ذلك الله تعالى، بل ينكرون أصل الرسالة الإلهية إلى خلقه، اقرأ قوله تعالى في سورة ق: ﴿ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ، بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ، أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ، قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ، بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ١-٥] . ويقول سبحانه: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] . وهكذا نرى المتتبع لآيات القرآن يجد مجادلة في أمر البعث، فإنكار البعث مقترن بالكفر، ومقترن بإنكار الرسل، والقرآن يرد على المنكرين إنكارهم بمنطق العقل والحق، فإن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما، وهو الذي يملك الرزق في السماء والأرض، وهو الذي أنشأ الحياة والأحياء، وبقياس الغائب على الشاهد يثبت بلا ريب أنَّ القادر على الإنشاء قادر على الإعادة، وأنَّ من أفن الإدراك وفساد التفكير أن يحسبوا أن ثمَّة عائقًا يعوق المنشئ الأول عن الإعادة، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.

стр. 307

يوم القيامة: ١٧٦- هو اليوم الذي يضرب فيه الكون، والشمس تكوّر، والنجوم تنكدر، والجبال تسير، والعشار تتعطّل، ولقد وصفه الله : ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ، وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ، وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ، وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ، وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ، وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ، وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ، وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ، وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ، وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ، وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ، عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١-١٤] . وإن يوم القيامة يقترن بالخروج من القبور والبعث، كما قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ، وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ، وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ، وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ، عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ، يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ، كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ، وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١-١٢] . وإن الله يسمِّي يوم القيامة الساعة؛ لأنها ساعة الهول الأكبر، وقد قال تعالى في وصفها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١-٣] . وكما سمَّاها الله تعالى الساعة سمَّاها أيضًا الحاقة، والقارعة، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ، وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً

стр. 308

وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ، وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ، وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣-١٧] . وقال تعالى في وصفها بالقارعة: ﴿الْقَارِعَةُ، مَا الْقَارِعَةُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ، يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ، وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ١-٥] . وعلم الساعة خفيّ عن الناس وعن الأنبياء والمرسلين، فهي من علم الغيب الذي استأثر به علم الله تعالى، حتى يسير الناس في أعمالهم وبإرادتهم ويتحمَّلون تبعة الأعمال، وقد قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧، ١٨٨] . ولقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ، إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٣، ٣٤] .

стр. 309

الميزان والحساب: ١٧٧- إذا كان يوم القيامة هو اليوم الذي يبعثر فيه ما في القبور، وقد حدَّثنا القرآن الكريم في علمه عن ذلك بتفصيل واضحٍ تطمئن إليه العقول والقلوب، فإنه بعد قيام القيامة يكون الحاسب على ما قدم المرء من أعمال الخير، ويحاسب الأشرار على ما قدموا من شر، ولذلك نجد النصوص القرآنية تقرِّر الحساب والميزان، وأنَّ الناس منتهون من بعد الحساب إمَّا إلى الجنة وإمَّا إلى السعير، اقرأ من سورة الواقعة قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ، لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ، خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ، إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا، وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا، فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا، وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً، فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ، وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ

стр. 310

وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ، عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ، مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١-١٦] . وإنه يجيء كل إنسان ومعه كتابه، فيه حسناته وفيه سيئاته، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا، مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٢-١٥] . ويقول : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا، يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا، وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠-٧٢] . ويقول بعد وصف يوم القيامة في سورة الحاقة: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ، فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ، كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ، يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ، مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٨-٢٩] . ويقول سبحانه في سورة القارعة بعد ذكر يوم القيامة وهوله: ﴿فَأََّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ، وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ، فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ، نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦-١١] .

стр. 311

الجنة والنار: ١٧٨- فصَّل القرآن الكريم أحوال أهل الجنة وما فيها من نعيم مقيم، وأحوال أهل النار وما فيها من عذاب أليم، ويبيِّن ما يجزي الله تعالى به عباده المتقين، وما يعاقب به الذين استحوذ عليهم الشيطان. ولنضرب لذلك أمثلة مما ذكره من أحوال الجنة ونعيمها، فقد قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] . ويقول في وصف أهل الجنة: وهم فيها: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ، عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ، مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ، بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ، لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ، وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ، وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ، وَحُورٌ عِينٌ، كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ، جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا، إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا، وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ، فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ، وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ، وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ، لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ، وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ، إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً، فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا، عُرُبًا أَتْرَابًا، لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٠-٤٠] . وقال تعالى في وصف الجنة ووصف النار: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ، عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ، تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً، تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ، لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ، لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ، لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ، لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً، فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ، فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ، أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ، فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ، إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ، فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ، إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ١- ٢٦] . ويقول سبحانه في وصف الجنة: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، ذَوَاتَا أَفْنَانٍ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا

стр. 312

تُكَذِّبَانِ، كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، مُدْهَامَّتَانِ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٤٦-٧٨] . ١٧٩- وقد ذكر القرآن أوصاف النار التي هي جزاء الكافرين، الذين استبكروا عن أن يؤمنوا بربهم، واتبعوا إغواء إبليس الرجيم، ولنذكر بعض أمثلة من أوصاف الجحيم، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا، لِلطَّاغِينَ مَآَبًا، لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا، لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا، إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا، جَزَاءً وِفَاقًا، إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا، وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا، وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا، فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ ٢١-٣٠] . ويقول في جهنم أيضًا: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ، لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ، كِتَابٌ مَرْقُومٌ، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ، الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ، وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ، إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ، ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١-١٧] . ويقول سبحانه في بعض ما يذوقه الكفار الضالون: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ، فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ، لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ، إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ، وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ، أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ، قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ

стр. 313

وَالْآَخِرِينَ، لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ، لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ، فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ، فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ، فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ، هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ، نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ [الواقعة: ٤١-٥٧] . ويقول في جزاء اتباع إبليس وذكر ذلك في أصل عصيان إبليس عندما طلب منه السجود فلم يسجد، يقول : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ، فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ، قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ، قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ، قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ، وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ، إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ، قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ، إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ، لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٢٨-٤٤] . وهكذا نرى وصف الجحيم مبثوثًا في القرآن؛ لأنَّه جزاء وفاق على الشر؛ ولأن جزاء الإحسان على الإحسان، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ . ١٨٠- وإن القرآن الكريم قد جمع بين ضفتيه بيان العقيدة الإسلامية التي لا يسع مسلمًا أن ينكرها، ومن أنكرها يقال له: تب، كما قال الإمام الشافعي -رضي الله تعالى عنه. وإن العقيدة كلها قائمة على الإيمان بوحدانية الله تعالى، وعدله سبحانه، وأنه الفعَّال المختار، وأنَّه المجازي بالإحسان إحسانًا، ويعاقب من يخرج عن الجادة، ويكون من المفسدين. وبالبناء على عقيدة الوحدانية، وأن الله تعالى فاعل مختار، وأنه العادل، كان بعث الرسل، وكانت المعجزات الخارقات لما يعرفه الناس من الأسباب والمسببات، وكان العدل الإلهي موجبًا أن يكون ثمة بعث وحساب وعقاب وثواب، وكل امرئ بما كسب رهين.

стр. 314

البعث والجنة والنار أمور حسية ... البعث والجنة النار أمور حسية: ١٨١- يحلو لبعض المتفلسفين من الكُتَّاب في الماضي أن يقولوا أنَّ البعث والجنة والنار والحساب والعقاب والثواب أمور روحية معنوية، وليست أمورًا حسية، وذلك قد جاء من نقض إيمانهم بالغيب، وباطل ما يقولون وما يعتقدون، فإذا كان البعث معنويًّا للأرواح، فلماذا يعجب المشركون من أنهم بعد أن يكونوا ترابًا يعودون، فإن عودة الأرواح لا تقتضي أن يكون ذلك الاستنكار؛ إذ إن الأجساد التي صارت لا تعود، ولكان الرد عليهم سهلًا، بأن يقال لهم: إن أجسامكم لا تعود، بل أرواحكم هي التي تعود. وإذا كان البعث ماديًّا بصريح القرآن الكريم، فإنَّ الجزاء يكون الإحياء بأرواحهم وأجسادهم، والنتيجة المنطقية لهذا أن يكون نعيم أولئك الذين بعثوا من قبورهم، نعيمًا لأجسادهم وأرواحهم، ونعيم الأجساد ماديّ لا محالة، ولذلك يجب الإيمان بأن نعيم الجنة وعذاب النار ماديان، وليسا معنويين فقط؛ لأن البعث حق، ويجب التنبه إلى أنَّ حقائق اليوم الآخر سواء أكانت معنوية أم كانت مادية لا تتسع لها لغتنا، وأيّ لغة من اللغات؛ لأنها أعلى من مستوى حياتنا، ونحن نعبِّر عمَّا هو من معايشنا، وفيما هو في طاقتنا. ولكن تعبير القرآن عن الآخرة وما فيها هو اللغة العربية، وإن كانت أعلى مما يستطيعه البشر. ولذلك كانت تعابير العربية لتقريبها من مألوفنا، ولكي نتسامَى إلى معرفة ما ينتظر المتقين من نعيم مقيم، وما ينتظر العصاة من عذاب مهين. ولقد ورد عن النبي ﷺ قال: "فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت"، وروي عن ابن عباس ﵄ أنَّ عبارات القرآن فيما يتعلَّق بالجنة والنار مجازية في ألفاظها. ولكن مع إيماننا بهذه الحقائق يجب أن نقرِّر أن ما ذكر من رمان وعسل مصفى وخمر لذة للشاربين، هي مما يجوز إطلاق هذه الأسماء عليه، ولكنه نوع آخر، ليس من جنس الأنواع في حياتنا هذه، وإن كان لها اسمها، ولذا وصفت خمر الآخرة بأنهم لا يصدَّعون عنها ولا ينزفون، ولكن فيها لذة للشاربين. هذا كلمات نقولها في ختام بحثنا عن يوم القيامة، وما يجري من بعده من حساب وعقاب وثواب. والقرآن الكريم روضة يانعة مستمرة، فيها الحقائق عن الغيب كله بمقدار ما تذكره عقولنا ويقرب إلى أفهامنا، والحقائق كاملة في غيب الله، اللهمَّ اكتبنا من الشاهدين.

стр. 315

علم الحلال والحرام: ١٨٢- علم الحلال والحرام في الإسلام مصدره القرآن، وهو الشريعة العملية، والأحكام التكليفية، وما من أمر شرع بالسنة إلَّا كان مرجعه إلى القرآن، فهو كليّ هذه الشريعة، حتى لقد قال العلماء: إنه لا يوجد حكم شرعي إلَّا كان له أصل في القرآن، والسنة النبوية الكريمة بينته أو شرحته، ولقد طار بعض الملحدين بهذه الحقيقة، وزعموا أنه يمكن الاستغناء بالقرآن عن السنة، وذلك من هو الافتيات على الحقائق؛ لأن السنة مبينة القرآن كما قال تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] ، وكما قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] . فإهمال السنة والاقتصار على الكتاب ضلال مبين أو تضليل أثيم، إنما هما يتعاونان في بيان أحكام الشريعة، والسنة تفصيل لما أجمل الكتاب، وتوضيح لما عساه لا تدركه الأفهام. أمر الله تعالى بالصلاة ولم يذكر أركانها ولا شكلها، وترك للنبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- بيانها، فبينها بالعمل، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وتضافرت بذلك الأخبار عن النبي ﷺ ، وصار العلم بالأركان والكيف من أصول الدين، والعلم بها ضروري، من أنكره فقد أنكر شيئًا علم من الدين بالضرورة، فهو كافر، وكذلك الأمر في الزكاة، ذكرت مجملة وبيَّنَها النبي ﷺ ، وطبَّقها وجمعها، حتى أنَّ من ينكرها يخرج عن الإسلام. ١٨٣- وقد ذكر القرطبي أنَّ من أوجه إعجاز القرآن علم الحلال والحرام فيه، وقد وافقناه على ذلك تمام الموافقة؛ وذلك لأنَّ ما اشتمل عليه القرآن من أحكام تتعلق بتنظيم المجتمع وإقامة العلاقات بين آحاده على دعائم من المودة والرحمة والعدالة، لم يسبق به في شريعة من الشرائع الأرضية، وإذا وزنا ما جاء في القرآن بما جاءت به قوانين اليونان والرومان، وما قام به الإصلاحيون للقوانين والنظم بما جاء في القرآن، وجدنا أنَّ الموازنة فيها خروج عن التقدير المنطقي للأمور، مع أن قانون الرومان أنشأته الدولة الرومانية في تجارب ثلاثمائة سنة وألف من وقت إنشاء مدينة روما، إلى ما بعد خمسمائة من الميلاد، ومع أنه قانون تعهده علماء قيل أنهم ممتازون، منهم "سولون" الذين وضع قانون أثينا، ومنهم "ليكورغ" الذي وضع نظام أسبرطة. فجاء محمد -صلى الله تعالى عليه وسلم- ومعه القرآن الذي ينطق بالحق عن الله ، من غير درس درسه، وكان من بلد أميّ ليس فيه معهد، ولا جامعة، ولا مكان للتدارس، وأتى بنظام للعلاقات الاجتماعية والتنظيم الإنساني، لم يسبقه سابق، ولم يلحق به لاحق. وقد كتبنا في هذا بما فيه بيان الناس١. والآن نكتفي بالإشارة إلى موضوعات الأحكام من غير إطناب تتميمًا لأجزاء الموضوع، والتفصيل في موضعه بما كتبنا.

стр. 316

العدالة: ١٨٤- كل النظم الإسلامية قامت على العدالة؛ إذ كانت الشعارات تدعو إلى التسامح ولو مع الظالم، ويقول قائلها: استغفروا لأعدائكم، فالإسلام يقول: اعدلوا مع كل إنسان ولو كان عدوًّا مبينًا. ومكان التسامح في الأمور الشخصية لا في الأمور التي تتعلق بتنظيم العلاقات الإنسانية، ولذا يقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] . ولقد قال العلماء: إنَّ هذه الآية أجمع آية لمعاني الإسلام، ويروى في ذلك أنَّه عندما شاعت دعوة النبي ﷺ في الأرض العربية، وتناقلتها الركبان، أرسل حكيم العرب أكثم بن صيفي ولده ليسألوا محمدًا ﷺ عمَّا يدعو، فتلا عليهم هذه الآية، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] ، فرجعوا إلى أبيهم، وذكروا له ما سمعوا، فقال الحكيم العربي: "إنَّ هذا إن لم يكن دينًا فهو في أخلاق الناس أمر حسن، كونوا يا بني في هذا الأمر أولًا، ولا تكونوا آخرًا". والعدل ليس موالاة الأولياء وظلم الأعداء، إنما العدالة للجميع على سواء، والله تعالى يقول مخاطبًا أهل الإيمان: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] ، فالعدل مع الأعداء المبغوضين كحاله مع الأولياء المحبوبين أقرب للتقوى. ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] . وإن هذه الآية تدل على أمور ثلاثة: أولها: أن العدالة في ذاتها مطلوبة؛ لأنها أقرب القربات إلى الله تعالى، والعدالة في كل شيء وفي كل عمل، ولذلك قال

стр. 317

- : ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ في كل أعمالكم، سواء أكنتم حكَّامًا أم كنتم محكومين، وأن تكونوا شهداء لله لا لأنفسكم، ولا لأوليائكم، والأقربين منكم. الأمر الثاني الذي تدل عليه الآية: أنَّ الإعراض عن الحكم ظلم، أو تمكين للظالمين، فالسكوت عن رد الباطل ظلم، والمؤمن يجب عليه أن يقوم بالحق، وأن ينصر الحق، وأن يؤيد الحق حيثما كان. الأمر الثالث: الذي تدل عليه دلالة صريحة أنَّه لا طبقية في الإسلام بالغنى والفقر، فلا يكرم الغني لغناه، ولا يذل الفقير لفقره، بل الجميع أمام العدالة سواء، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١] . ١٨٥- ولا تفرقة بين العناصر في تحقيق العدالة، فالله خلق الخلق على ألوان مختلفة، ولكنهم جميعًا خلق الله تعالى، وإن اختلاف الألوان والألسنة من آيات الله تعالى الكبرى، فهو يقول سبحانه في كتابه العزيز الخالد بلفظه وحقائقه ومعانيه: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢] . والجميع عباد الله تعالى، فلا يصح أن يظلم زنجيّ للونه، ولا يحابى أبيض لشقرته، ولقد صرَّح بذلك القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] . وإن هذا النص الكريم ينبئ عن ثلاثة معانٍ سامية توجب المساواة بين الأجناس. لأنَّ الأصل واحد، وهو الأم والأب، كما قال النبي ﷺ : "كلكم لآدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلَّا بالتقوى". المعنى الثاني: الذي دلَّت عليه الآية الكريمة: أنَّ الاختلاف في الشعوب والقبائل والأجناس يوجب التعارف، ولا يسوغ التخالف، والتعارف يقتضي تعاون أبناء الأرض على استغلال كل ينابيع الثروة في الأرض، بحيث يفيض أهل كل إقليم على الآخر بفاضل ما عنده، من غير بخس ولا شطط، ومن غير من ولا أذى، ويقتضي المساواة في أصل الحقوق الإنسانية الثابتة من اتحاد الأصل، ويقتضي العدالة، ولا يرهق جنس آخر بظلم، أو أذى أو مضايقة أو استعباد. والمعنى الثالث الذي يدل عليه النص الكريم: أنَّ الفضل لا يكون بالجنس والعشيرة، بل يكون التفاضل بالعمل الصالح، الذي يتقي به صاحبه وجه الله تعالى، والذي لا يريد به إلّا النفع العام، ودفع الفساد في الأرض، فالإكرام ليس باللون، ولا بالسامة أو الآرية، إنما الإكرام بالعمل لخدمة الإنسانية، وإن النصوص القرآنية كلها تدعو إلى التراحم بين الناس، فالله تعالى يقول: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] . ونص القرآن على الوحدة الإنسانية، فقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] .

стр. 318

العدالة الدولية: ١٨٦- والعدالة كما تكون بين الآحاد تكون بين الجماعات والدول، فقد قامت العلاقة بين المسلمين وغيرهم على أساس العدالة، فلا يظلمون شيئًا، ولا يمنعون من خير، والناس جميعًا نسبتهم إلى الله واحدة، لقد كانت الدول حتى التي بلغت شوطًا من الحضارة في عهد نزول القرآن كالفرس والرومان واليونان لا تعترف بأي حق لغير المستوطنين معهم، فغيرهم يعدون برابرة، وليسوا منهم في شيء، حتى إن الإسرائيليين الذين يعيشون في حكم الرومان لا يعتبرون رومانيين، ولا يمنحنون هذه الرعوية وتلك الجنسية، باعتبار أنَّ الجنسية الرومانية شرف لا يحوزه إلَّا الرومان، وكذلك كان الفرس. وإنَّ من يعيش في بلد آخر يسترقّونه، حتى إنَّ أفلاطون جرى عليه الرق، وعمر ابن الخطاب ﵁ قبل الإسلام قد ذهب إلى أرض الروم فاسترقَّه قسيس روماني، وأظهر عمر الاستسلام، حتى أطمأنّ إليه القسيس وخرج معه إلى الصحراء في أرض الشام، فلوى عمر رقبته -وكان قويًّا في بدنه، كما صار من بعد قويًّا في دينه- وقتله، وهرب بحريته. جاء القرآن الكريم فحارب التعصب القبلي، والتعصب الجنسي، والتعصب الإقليمي، وجعل الناس كما رأيت أمة واحدة، لا فرق بين عربي وغير عربي، كما أشرنا. وقامت بذلك العلاقة الدولية على أسس العدل، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠] ، وقال جل وعلا: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤] . وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] . وقد نهى النبي ﷺ عن العصبية الجاهلية، وبالأول كان النهي عن العصبية الإقليمية، ولقد سئل النبي ﷺ : أمن العصبية أن يحب الرجل قومه، قال: "لا، وإن من العصبية أن يعين قومه على الظلم". وسيكون لذلك شيء من البيان عندما نتكلم عن العلاقات الدولية التي نظمها القرآن. ومهما يكن من إيجاز في هذا المقام فإنه يجب أن نشير إلى أنَّ شرائع القرآن قسمان: عبادات ومعاملات مالية واجتماعية، أساس العلاقات المالية والاجتماعية العدالة.

стр. 319

الأحكام الفقهية في القرآن: ١- العبادات: ١٨٧- قد ذكر القرآن الأوامر التكليفية في العبادات بالإجمال، ولم يتعرض لها بالتفصيل كما أشرنا من قبل، فالصلاة تعرَّض النصُّ القرآني لها بالأوامر بالتكليف بها، والغاية منها، وهو إصلاح النفوس، وتزكية القلوب، وتربية الوجدان، كما قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] ، وكما قال تعالى في وجوبها ووجوب الوضوء والاغتسال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] . وجاء الأمر المؤكَّد بالصلاة في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] . وكذلك كان الأمر بالزكاة مجملًا، ولم يبيِّن القرآن شيئًا من أحكامها ونصابها ومقاديرها، ولم تذكر إلَّا مصارفها في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] . والحج من العبادات التي لم تبيَّن أحكامها كلها تفصيلًا، بل ذكر القرآن بعضها، وإن لم يكن قليلًا، وبَيِّنَ -صلى الله تعالى عليه وسلم- سائرها.

стр. 320

وقد قال -صلى الله تعالى عليه وسلم: $"خذوا عنِّي مناسككم" لقد بيِّن القرآن أركان الحج وأشهره ومواقفه، والنبي ﵊ فصَّل واجباته، وكن بيانه أكثره عملي. ومن العبادات الصوم، وقد طالب القرآن به إجمالًا، وذكر وقته، والأعذار التي تبيح الفطر في الجملة، وأشار سبحانه إلى حكمة اختيار شهر رمضان لفرضية الصوم، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . وهنا يرد على الخاطر سؤال: لماذا بيَّنَت العبادات بالقرآن إجمالًا مع تأكيد طلبها، والتفصيل فيها -إن استثنيت الحج- كان قليلًا، ولا يمكن أن تقال العبادة على وجهها مع ذلك الإجمال. والجواب عن ذلك: إنَّ العبادات هي لب الدين، وهو قوام اليقين، وهي ذكر الله الذي به تطمئن القلوب، وهي التي تربِّي الضمير وتنيره وتقيمه، وهي التي تربي الضمير الجماعي، والوجدان الإنساني، وروح التعاون بين الناس بعضهم مع بعض. والعبادات هي قوام الجماعات؛ لأنَّ تكوين الجماعات لا يكون إلَّا بأمر معنوي يؤلف بينهم، ويزيل النفرة، وذلك بأن يكون المؤمن ربانيًّا يتجه إلى رب الخلق، ويسير على ميزان الحق. ولهذه المعاني في العبادات، وعموم تطبيقها على كل المؤمنين، كان لا بُدَّ من تربية عملية عليها، وقدرة حسنة في تنفيذها، وأسوة من الرسول في القيام بها، وأن تتوارث تلك الأسوة الأجيال، وتكون مع القرآن اتصال الرسالة المحمدية، ولذلك تثبت أحكام العبادات التفصيلية بسنة النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- المتواترة التي عرفها المسلمون جمعًا عن جمع باقية إلى يوم القيامة. ولا شيء من العبادات يثبت بالقياس، بل يثبت بإيجاب القرآن، وعمل الرسول ﵊. ٢- الكفارات: ١٨٨- الكفارات، وهي تأخذ جانبيين: جانب العقوبة المادية على ذنب ارتكب، أو خطأ ترتَّب عليه أذى غيره، وكان يجب الاحتراس من ذلك، والجانب الثاني فيها
следующие страницы →