← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23137

المعجزة الكبرى القرآن

محمد أبو زهرة

Полный текст (438 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

العدالة: ١٨٤- كل النظم الإسلامية قامت على العدالة؛ إذ كانت الشعارات تدعو إلى التسامح ولو مع الظالم، ويقول قائلها: استغفروا لأعدائكم، فالإسلام يقول: اعدلوا مع كل إنسان ولو كان عدوًّا مبينًا. ومكان التسامح في الأمور الشخصية لا في الأمور التي تتعلق بتنظيم العلاقات الإنسانية، ولذا يقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] . ولقد قال العلماء: إنَّ هذه الآية أجمع آية لمعاني الإسلام، ويروى في ذلك أنَّه عندما شاعت دعوة النبي ﷺ في الأرض العربية، وتناقلتها الركبان، أرسل حكيم العرب أكثم بن صيفي ولده ليسألوا محمدًا ﷺ عمَّا يدعو، فتلا عليهم هذه الآية، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] ، فرجعوا إلى أبيهم، وذكروا له ما سمعوا، فقال الحكيم العربي: "إنَّ هذا إن لم يكن دينًا فهو في أخلاق الناس أمر حسن، كونوا يا بني في هذا الأمر أولًا، ولا تكونوا آخرًا". والعدل ليس موالاة الأولياء وظلم الأعداء، إنما العدالة للجميع على سواء، والله تعالى يقول مخاطبًا أهل الإيمان: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] ، فالعدل مع الأعداء المبغوضين كحاله مع الأولياء المحبوبين أقرب للتقوى. ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] . وإن هذه الآية تدل على أمور ثلاثة: أولها: أن العدالة في ذاتها مطلوبة؛ لأنها أقرب القربات إلى الله تعالى، والعدالة في كل شيء وفي كل عمل، ولذلك قال

стр. 317

- : ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ في كل أعمالكم، سواء أكنتم حكَّامًا أم كنتم محكومين، وأن تكونوا شهداء لله لا لأنفسكم، ولا لأوليائكم، والأقربين منكم. الأمر الثاني الذي تدل عليه الآية: أنَّ الإعراض عن الحكم ظلم، أو تمكين للظالمين، فالسكوت عن رد الباطل ظلم، والمؤمن يجب عليه أن يقوم بالحق، وأن ينصر الحق، وأن يؤيد الحق حيثما كان. الأمر الثالث: الذي تدل عليه دلالة صريحة أنَّه لا طبقية في الإسلام بالغنى والفقر، فلا يكرم الغني لغناه، ولا يذل الفقير لفقره، بل الجميع أمام العدالة سواء، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١] . ١٨٥- ولا تفرقة بين العناصر في تحقيق العدالة، فالله خلق الخلق على ألوان مختلفة، ولكنهم جميعًا خلق الله تعالى، وإن اختلاف الألوان والألسنة من آيات الله تعالى الكبرى، فهو يقول سبحانه في كتابه العزيز الخالد بلفظه وحقائقه ومعانيه: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢] . والجميع عباد الله تعالى، فلا يصح أن يظلم زنجيّ للونه، ولا يحابى أبيض لشقرته، ولقد صرَّح بذلك القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] . وإن هذا النص الكريم ينبئ عن ثلاثة معانٍ سامية توجب المساواة بين الأجناس. لأنَّ الأصل واحد، وهو الأم والأب، كما قال النبي ﷺ : "كلكم لآدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلَّا بالتقوى". المعنى الثاني: الذي دلَّت عليه الآية الكريمة: أنَّ الاختلاف في الشعوب والقبائل والأجناس يوجب التعارف، ولا يسوغ التخالف، والتعارف يقتضي تعاون أبناء الأرض على استغلال كل ينابيع الثروة في الأرض، بحيث يفيض أهل كل إقليم على الآخر بفاضل ما عنده، من غير بخس ولا شطط، ومن غير من ولا أذى، ويقتضي المساواة في أصل الحقوق الإنسانية الثابتة من اتحاد الأصل، ويقتضي العدالة، ولا يرهق جنس آخر بظلم، أو أذى أو مضايقة أو استعباد. والمعنى الثالث الذي يدل عليه النص الكريم: أنَّ الفضل لا يكون بالجنس والعشيرة، بل يكون التفاضل بالعمل الصالح، الذي يتقي به صاحبه وجه الله تعالى، والذي لا يريد به إلّا النفع العام، ودفع الفساد في الأرض، فالإكرام ليس باللون، ولا بالسامة أو الآرية، إنما الإكرام بالعمل لخدمة الإنسانية، وإن النصوص القرآنية كلها تدعو إلى التراحم بين الناس، فالله تعالى يقول: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] . ونص القرآن على الوحدة الإنسانية، فقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] .

стр. 318

العدالة الدولية: ١٨٦- والعدالة كما تكون بين الآحاد تكون بين الجماعات والدول، فقد قامت العلاقة بين المسلمين وغيرهم على أساس العدالة، فلا يظلمون شيئًا، ولا يمنعون من خير، والناس جميعًا نسبتهم إلى الله واحدة، لقد كانت الدول حتى التي بلغت شوطًا من الحضارة في عهد نزول القرآن كالفرس والرومان واليونان لا تعترف بأي حق لغير المستوطنين معهم، فغيرهم يعدون برابرة، وليسوا منهم في شيء، حتى إن الإسرائيليين الذين يعيشون في حكم الرومان لا يعتبرون رومانيين، ولا يمنحنون هذه الرعوية وتلك الجنسية، باعتبار أنَّ الجنسية الرومانية شرف لا يحوزه إلَّا الرومان، وكذلك كان الفرس. وإنَّ من يعيش في بلد آخر يسترقّونه، حتى إنَّ أفلاطون جرى عليه الرق، وعمر ابن الخطاب ﵁ قبل الإسلام قد ذهب إلى أرض الروم فاسترقَّه قسيس روماني، وأظهر عمر الاستسلام، حتى أطمأنّ إليه القسيس وخرج معه إلى الصحراء في أرض الشام، فلوى عمر رقبته -وكان قويًّا في بدنه، كما صار من بعد قويًّا في دينه- وقتله، وهرب بحريته. جاء القرآن الكريم فحارب التعصب القبلي، والتعصب الجنسي، والتعصب الإقليمي، وجعل الناس كما رأيت أمة واحدة، لا فرق بين عربي وغير عربي، كما أشرنا. وقامت بذلك العلاقة الدولية على أسس العدل، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠] ، وقال جل وعلا: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤] . وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] . وقد نهى النبي ﷺ عن العصبية الجاهلية، وبالأول كان النهي عن العصبية الإقليمية، ولقد سئل النبي ﷺ : أمن العصبية أن يحب الرجل قومه، قال: "لا، وإن من العصبية أن يعين قومه على الظلم". وسيكون لذلك شيء من البيان عندما نتكلم عن العلاقات الدولية التي نظمها القرآن. ومهما يكن من إيجاز في هذا المقام فإنه يجب أن نشير إلى أنَّ شرائع القرآن قسمان: عبادات ومعاملات مالية واجتماعية، أساس العلاقات المالية والاجتماعية العدالة.

стр. 319

الأحكام الفقهية في القرآن: ١- العبادات: ١٨٧- قد ذكر القرآن الأوامر التكليفية في العبادات بالإجمال، ولم يتعرض لها بالتفصيل كما أشرنا من قبل، فالصلاة تعرَّض النصُّ القرآني لها بالأوامر بالتكليف بها، والغاية منها، وهو إصلاح النفوس، وتزكية القلوب، وتربية الوجدان، كما قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] ، وكما قال تعالى في وجوبها ووجوب الوضوء والاغتسال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] . وجاء الأمر المؤكَّد بالصلاة في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] . وكذلك كان الأمر بالزكاة مجملًا، ولم يبيِّن القرآن شيئًا من أحكامها ونصابها ومقاديرها، ولم تذكر إلَّا مصارفها في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] . والحج من العبادات التي لم تبيَّن أحكامها كلها تفصيلًا، بل ذكر القرآن بعضها، وإن لم يكن قليلًا، وبَيِّنَ -صلى الله تعالى عليه وسلم- سائرها.

стр. 320

وقد قال -صلى الله تعالى عليه وسلم: $"خذوا عنِّي مناسككم" لقد بيِّن القرآن أركان الحج وأشهره ومواقفه، والنبي ﵊ فصَّل واجباته، وكن بيانه أكثره عملي. ومن العبادات الصوم، وقد طالب القرآن به إجمالًا، وذكر وقته، والأعذار التي تبيح الفطر في الجملة، وأشار سبحانه إلى حكمة اختيار شهر رمضان لفرضية الصوم، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . وهنا يرد على الخاطر سؤال: لماذا بيَّنَت العبادات بالقرآن إجمالًا مع تأكيد طلبها، والتفصيل فيها -إن استثنيت الحج- كان قليلًا، ولا يمكن أن تقال العبادة على وجهها مع ذلك الإجمال. والجواب عن ذلك: إنَّ العبادات هي لب الدين، وهو قوام اليقين، وهي ذكر الله الذي به تطمئن القلوب، وهي التي تربِّي الضمير وتنيره وتقيمه، وهي التي تربي الضمير الجماعي، والوجدان الإنساني، وروح التعاون بين الناس بعضهم مع بعض. والعبادات هي قوام الجماعات؛ لأنَّ تكوين الجماعات لا يكون إلَّا بأمر معنوي يؤلف بينهم، ويزيل النفرة، وذلك بأن يكون المؤمن ربانيًّا يتجه إلى رب الخلق، ويسير على ميزان الحق. ولهذه المعاني في العبادات، وعموم تطبيقها على كل المؤمنين، كان لا بُدَّ من تربية عملية عليها، وقدرة حسنة في تنفيذها، وأسوة من الرسول في القيام بها، وأن تتوارث تلك الأسوة الأجيال، وتكون مع القرآن اتصال الرسالة المحمدية، ولذلك تثبت أحكام العبادات التفصيلية بسنة النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- المتواترة التي عرفها المسلمون جمعًا عن جمع باقية إلى يوم القيامة. ولا شيء من العبادات يثبت بالقياس، بل يثبت بإيجاب القرآن، وعمل الرسول ﵊. ٢- الكفارات: ١٨٨- الكفارات، وهي تأخذ جانبيين: جانب العقوبة المادية على ذنب ارتكب، أو خطأ ترتَّب عليه أذى غيره، وكان يجب الاحتراس من ذلك، والجانب الثاني فيها

стр. 321

معنى التقرب إلى الله تعالى بالتوبة مقرونة بذلك الجزاء، ولقربها من العبادات ذكرناها بجوارها، وفوق ذلك هي ردء لتقصير في العبادات نفسها، فهي في هذه جزء منها. وعلى ذلك نقسمها من هذه الجهة إلى قسمين: أحدهما تعويض عن التقصير في بعض العبادت، أو استعمال الرخص، أو العجز الكامل عن أداء الفرض، ومن هذا القبيل رخصة الإفطار للمريض بمرض مزمن، والشيخ الفاني والشيخة إذا عجزا عن الصيام أو كانا لا يصومان إلَّا بمشقة فوق الطاقة، وقد ثبتت هذه الفدية بالقرآن الكريم، قال تعالى فيه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي الذين يبلغون في صومهم أقصى الطاقة التي لا يمكن المداومة على تحملها، ولذا قال ابن عباس: إنها نزلت في الشيخ والشيخة إذا شق عليهما الصوم. ومن الفدية التي تعد كفارة لبعض التقصيرات في العبادات الهَدْي في حال عدم القيام ببعض الواجبات التي لا تُعَدُّ ركنًا من أركان الحج، وقد ثبت ذلك بالقرآن الكريم، وعمل النبي ﷺ ، ومن ذلك كفارة الصيد في الأشهر الحرم، وقد ثبت ذلك بالقرآن الكريم، إذ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ، يَا أَيُّهَا اَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ، أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٤-٩٦] . وهكذا نرى أنَّ الكفَّارات هنا ثابتة بالقرآن الكريم، وهي في موضوع، وهي سد لنقص، أو لاعتداء في عمل ما نهى الله ﵎ عنه. وبجوار هذا النوع من الكفَّارات التي كانت درءًا لنقص أو لرخصة أو لعدم الاستجابة لأمر وموضوعها العبادة، هناك كفارات أخرى هي في معنى العبادات في ذاتها، ولكنَّها شرعت لمعنى خلقي أو اجتماعي أو لحقوق العباد، وهذا هو القسم الثاني. ومن ذلك كفارة اليمين، وهي عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، وقد ثبت ذلك بقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] .

стр. 322

ونرى أن هذه الكفارة شرعت لمعنى خلقي، وهو صيانة الألسنة عن كثرة الإيمان وإخلافها، والتعرض للمهانة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] ، وأيضًا لكيلَا يتَّخذ المؤمنون يمين الله حاجزًا بينهم وبين فعل الخير إن حلفوا، وبدا الخير في غير ما حلفوا عليه، فشرع لهم تلك الكفارة تَحِلَّة لأيمانهم، كما قال ﵊: $"من حلف على شيء فرأى خيرًا منه، فليحنث وليكفر". وإنَّ الكفارة ذاتها عبادة بدليل أنَّها كانت صومًا في بعض أحوالها. ومن الكفَّارات التي ذكرت في القرآن علاجًا إحياء للأسرة، ولمنع الظلم عن المرأة كفارة الظهار، وهي كفارة من يحرِّم امرأته على نفسه، ويجعلها كإحدى محارمه من غير إرادة طلاق، وما كان لشريعة القرآن أن تترك المرأة المظلومة فريسة لكلمات ينطق بها اللسان إيذاء وظلمًا، ولا يترك المتكلم بها من غير عقاب لغوًا عابثًا، بل لا بُدَّ من ردِّ الحق، وعقاب العابث، فكانت الكفارة، وتثبت بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٣، ٤] . ونرى أنَّ هذه الكفارة فيها إقامة للحياة الزوجية على دعائم من المودة والإنس النفسي من غير إيحاش ولا إعنات؛ لأن النطق بهذه الكلمات وأشباهها يلقي بالجفوة في قلب الزوجة فلا تطمئنُّ إلى زوجها، ولا إلى الحياة الزوجية الكريمة المتوادة، ولهذا كانت تلك الكفارة محافظة على هذه المعاني. ومن الكفارات التي نصَّ عليها القرآن الكريم كفارة القتل الخطأ، فإن الله أوجب الدية تعويضًا لأسرة المقتول، وأوجب الكفارة إذا كان القاتل المخطئ من أهل التكليف، وذلك لتعويض جماعة المؤمنين، ولتربية النفس على الاحتراز من الخطأ، والاحتياط له، ولقد قال في ذلك: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢] . وواضح أنَّ الدية لتعويض الأسرة وهي تجب على أسرة الجاني لأسرة المجني عليه، وفي وجوبها على أسرة الجاني معنى التعاون الاجتماعي بين الأسرة في دفع الأذى، والحمل على المعاونة في التأديب النفسي. والكفارة فيها تعويض لجماعة المؤمنين؛ لأنَّه يقتله لمؤمن قد نقص عدد المؤمنين، فكان الواجب أن يعوّض ما نقص بعتق رقبة مؤمنة؛ لأن العتق إعطاء الحرية، والحرية كالحياة. وفي الجملة أنَّ الكفارات كلها التي جاء بها القرآن وبيَّنَتها السنة النبوية فيها معنى العبادة، وفيها صلاح، وفيها تعاون اجتماعي إنساني.

стр. 323

الأسرة في القرآن: ١٨٩- قبل أن نتلو الآيات الكريمة التي تصدَّت لأحكام الأسرة وتنظيم العلاقات بين آحادها، أو نشير إلى بعض تلك الآيات الكريمة، لا بُدَّ أن ننبه إلى أمرين: أولهما: ما ذكرناه آنفًا من أنَّ العبادات قد ذكرت في القرآن إجمالًا، وترك أمر بيانها للنبي -صلى الله تعالى عليه وسلم، وأشرنا إلى ما أدركنا حكمته لعلم الله تعالى في شرعه وبيان أحكامه. الأمر الثاني: أن الأسرة ذكرت أحكامها تفصيلًا من وقت تكوينها بعقد الزواج، إلى أن يقرر الله تعالى التفريق بالموت أو الطلاق، وذكر أحكام الأسرة الممتدة غير المقصوة على الزوجين، وما بينته السنة لا يعد كثيرًا بالنسبة لما بينه القرآن الكريم. ثم ذكر القرآن الكريم توزيع المال في آحاد الأسرة، وفي الميراث، ويكاد القرآن الكريم يستغرق كل أحكامه في تفصيل لا إجمال فيه. وهنا يسأل السائل، لماذا كان التفصيل في أحكام الأسرة، ولم يترك أمرها لبيان النبي ﵊ فقط، ونقول في الجواب عن ذلك: إنَّ هذه حكمة علَّام الغيوب، وإننا نلتمس معرفة بعض هذه الحكمة، راجين ألَّا نكون داخلين في النهي في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦] . وإن هذا بلا ريب من عناية القرآن الكريم بالأسرة؛ إذ جاء النص على أحكامها بآيات محكمة، وإذا كانت عناية الإسلام بالعبادات جعلت أحكامها عملية يتولَّاها النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم؛ لتربي النفوس عليها بالدرية والتهذيب لا بمجرد التلقين، فعناية الإسلام بالأسرة كانت بالنصِّ الكامل على نظامها، لكيلا ينحرف الناس بأهوائهم عنها، وليكلا ينكروا تطبيقها، ويجعلوا لعقولهم سبيلًا للتحكم في أموالها،

стр. 324

ونظامها، ولأنَّها متصلة بالرضا والغضب بين الزوجين والأقارب، فكان لا بُدَّ من ميزان مقرر ثابت بحكم الأهواء، ويضع الأمور في مواضعها. وإن أحكام الأسرة مؤثرة في المجتمع وموجهة له؛ لأن الأسرة هي دعامة البناء الاجتماعي يضطرب باضطرابها، ويقوى بقوتها، ولأنَّ الإسلام جاء لإقامة مجتمع فاضل تربطه المحبة، وتوثق روابطه المودة، كانت عنايته بأحكام الأسرة، وأن تكون مستقرة يتصل فيها ماضي الأمة بحاضرها. ومن الناس من ظنوا أنهم يستطيعون إقامة بناء صالح للأسرة من غير أن يتقيدوا بألأحكام القرآن الكريم باسم ما يسمونه "تطور الزمان" يقلبون فيه الأوضاع، فتضطرب الموازين، ومن الناس من يبالغون في إعطاء المرأة حقوقًا لا تقتضيها فطرتها، ولا النظام الاجتماعي، ويحسبون أنهم يسيرون بالجماعة إلى الإمام، وهم يرجعون بها إلى الوراء، حيث تفسد الطبائع وتخالف الفطرة. ولقد يقول بعض علماء الاجتماع: إنَّ النشأة الأولى في جاهلية الإنسان كان فيها السلطان على الأولاد للمرأة كأنثى الحيوان، أو أكثره، حتى إذا عرف البيت، وانتظمت العلاقة بين الرجل والمرأة، وكان لكل واحد منهما ما هيأته الفطرة له، فالمرأة ترأم الأولاد، وتقوم على رعايتهم، والأب يكدح ويعمل ليوفر لهم الرزق. والآن يحاولون أن يقلبوا الأمور، ويضعوها في غير مواضعها، حتى لقد قال بعض المفكرين: إننا لو سرنا خطوات بعد ما ابتدأنا السير فيه وأوغلنا، فستعود الأمور إلى سيطرة المرأة على البيت، ويكون الرجل غير مستقر في بيت، ويكون نظام المسافدة. من أجل هذا فيما ندرك وعلى قدر إدراكنا نص الكريم على أحكام الأسرة بالتفصيل، حتى لا يتهجّم المنحرفون ليشرِّعوا لأنفسهم ما لم يشرِّع الله ويفسدوا الفطرة. ولقد كان بعد ذكر بعض أحكامها يقول -جل شأنه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ ِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٣] ، ومن ذلك قوله تعالى بعد بيان المواريث: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦] . ١٩٠- وأحكام الأسرة التي تعرض لها القرآن تبتدئ من وقت إنشاء الزواج أو التفكير فيه، فأوجب الإعلان في الزواج، فقال تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥] .

стр. 325

َوبيِّنَ في كتابه أنَّ المهر واجب على الرجل؛ لأنَّ كل الواجبات المالية على الرجل، حتى لا تبتذل المرأة في كسب المال فتتدلى إلى الهاوية. وقد قال تعالى في ذلك: ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] ، وقرَّر أن المرأة مستحقة للمهر كاملًا بالدخول بها. وقد قال تعالى في ذلك: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا، وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢٠، ٢١] . وإذا لم تتمّ بينهما عشرة زوجية، وكان تفرّق قبل الدخول، فإن المرأة لا تحرم من المهر حرمانًا كاملًا، بل يبقى لها نصفه، ولأنَّ الرجل لم تقم بينهما حياة زوجية يشتاران عسلها، فإنه يسقط عنه النصف، وذلك ما قاله في القرآن الكريم؛ إذ يقول -جلَّ من قائل: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ، وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٦، ٢٣٧] . والقرآن الكريم بيِّنَ من يحل الزواج منهن، ومن لا يحل بالنص، وبعض البيان كان مستغلقًا على بعض الأفهام، فبينه النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم، اقرأ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا، حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ

стр. 326

مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٢-٢٦] . ولأن الإسلام يريد مجتمعًا فاضلًا طاهرًا، لا تشيع فيه الفاحشة، أباح تعدد الزوجات إلى أربع فقط، وقد كان من قبله إلى غير عدد محدود، كما ذكرت التوراة، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] . وشرط إباحة الزواج في الأحوال كلها العدالة، سواء أكان الزواج الأول أم الزواج الثاني، ولقد أجمع الفقهاء على أنَّ من تأكَّد أنه سيظلم امرأته إن تزوج يكون آثمًا؛ لأن الزواج حينئذ يكون موصولًا للظلم فيأخذ حكمه، ولكنّ الزواج لا يبطل، وليس للحاكم أن يقرِّر بطلانه، أو يمنعه، لكن إذا وقع الظلم بالفعل كان للقاضي أن يفرق بينهما إن طلبت الزوجة ذلك، وذلك لمقام النهي في قوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [النساء: ١٩] . ١٩١- والإسلام إذ جعل دعامة العلاقات الاجتماعية الأسرة فقد دعمها القرآن بوصاياه الحكيمة التي يأثم كل الإثم من خالفها، وتجانف لإثم في العلاقة الزوجية: أولًا: أمر الأزواج بالعدل وحسن المودة، والعشرة الطيبة التي تقرب القلوب وتدنيها، ولا تنفرها وتجنبها، فقال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] . وقال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] وقد تلونا ذلك آنفًا. وأمر ثانيًا كلا الزوجين أن يعمل على إصلاح الآخر، إن بدا منه اعوجاج، فيقول سبحانه في القرآن العظيم: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا، وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا

стр. 327

تَعْمَلُونَ خَبِيرًا، وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٢٧-١٣٠] . وأمر ثالثًا: بعلاج نشوز الزوجة، وعلاج نشوزها إن لم يتمكنا من الإصلاح بينهما من غير اطِّلاع غيرهما عليهما إلَّا أن يكون من أهل الخير أو الجيران الصالحين، فقال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤] . وأمر في القرآن الكريم رابعًا: بإرسال حكمين إن كان الشقاق متوقعًا، ويخشى استمراره، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥] . والإسلام وزَّع واجبات الحياة الزوجية بين الزوج والزوجة توزيعًا عادلًا يتفق مع الفطرة من غير ظلم للمرأة، ولا إرهاق ولا إذلال لها، فجعلها قوامة على البيت تديره وتدبره، وتربي ثمرة الزواج، وعلى الرجل الإنفاق، ولقد قال تعالى في ذلك ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى، لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٦، ٧] . ١٩٢- ولقد تعرَّض القرآن الكريم لثمرات الزوجية وهي الأولاد، وقد تعرَّض لبيان حالها ومدة الحمل والرضاع، وحال الأم في حال الحمل، فقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ

стр. 328

الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥] ، وإن القرآن الكريم بَيِّنَ وقت الرضاعة وعلى من تجب وبيِّنَ نفقة الولد، وعلى من تجب، فيقول : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . ولقد عني الإسلام بالمحافظة على الأولاد إذا فقدوا آباءهم، وهم اليتامى، وعني منهم بأمرين: أولهما: المحافظة على أموالهم، فيقول : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [[الأنعام: ١٥٢] ، ويقول : ﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢] ، ولحرض الإسلام على أموالهم من أن تتبعثر أو تذهب، نهى الأوصياء عن أن يعطوهم أموالهم قبل أن يدربوهم على إدارة أموالهم، فقال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا، وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا، لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا، وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا، وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا، إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ٥-١٠] . هكذا نجد القرآن الكريم حثَّ على المحافظة على أموال اليتامى، ونظم طريق المحافظة عليها، بعد أن تسلم إليهم. الأمر الثاني: الذي حث عليه القرآن الكريم بالنسبة لليتامى أنَّه منع قهرهم، وإذلال نفوسهم، لكيلَا تكون لهم عقد نفسية تحول بينهم وبين الاندماج في الأمة،

стр. 329

ولذلك أمر الله نبيه بألَّا يقهر يتيمًا، فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] . وقد أمر المؤمنين الصادقين أن يضمّوا اليتامى إلى أسرهم، ويكونوا كأولادهم، حتى لا يشعروا بذل اليتيم، فقد قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] . وعني الإسلام باليتامى لكيْلَا ينشئوا نافرين من الجماعة، فيكون منهم المشرَّدون، وقطَّاع الطرق، ويكونون حربًا على أمنها، فيكونون ذئاب الجماعة، وهم إن أحسنت تنشئتهم يكونون قوة عاملة نافعة. وكذلك الأمر في كل مسكين أذلَّته الحاجة وقهره الفقر، فإنه يكون قوة إن أكرم، وعاملًا هدَّامًا إن قهر ومنع، وهؤلاء هم العقبة إن لم يكرموا، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ، أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ، ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: ١١-١٧] . وكما أوجب الإسلام رعاية اليتامى، والقيام على شئون الأولاد وتربيتهم على المودة والرحمة والنزوع الاجتماعي، أمر الأولاد بإكرام الوالدين، والإحسان يقترن بالأمر بعبادة الله وحده، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦] . ويذكر الله تعالى وصايا لقمان لابنه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٣-١٥] . ولقد حرص القرآن على الوصية بالوالدين عندما يصيبهما الضعف، ويكونان في حاجة إلى النظرة الرفيقة الطيبة، فيقول في كتابه الكريم: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣] .

стр. 330

وهكذا يربي القرآن الكريم الأسرة ويقيمها على دعائم من المودة والرحمة ورعاية القوي للضعيف ورحمة الكبير بالصغير، وإكرام الصغير للكبير. إنهاء الحياة الزوجية غير الصالحة: ١٩٣- تقوم الحياة الزوجية في الإسلام على أساس المودة المواصلة والرحمة بين الزوجين، وتنشئة الأولاد على نزوع الرحمة والتآلف والائتلاف بالمجتمع، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١] . ووصف العلاقة بين الزوجين بقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ ، وأثبت أنَّ التزواج للأنسال والرحمة بين الناس، فقال تعالى فيما تلوناه من قبل: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] . وإذا كانت العلاقة الزوجية تقوم على المودة والتفاهم، لا على المباغضة والتنافر، فإنه إذا تنافرت القلوب وأصبحت غير قابلة للالتئام، فإنَّ بقاء هذه الحياة ليس في صالح الأسرة، ولا في مصلحة المجتمع المتوادِّ المتراحم، ولقد عالج القرآن الكريم كما رأينا هذه الحالة عندما تنشعب القلوب، فإذا لم يجد علاج بينهما ولا علاج من ذويهما، فإنَّ الإنهاء أولى من الإبقاء، ولذلك قال تعالى فيما تلونا: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] ، فعندئذ يكون الطلاق أمرًا غير محظور. ويلاحظ أنَّه عند الطلاق الذي يكون بيد الرجل تحل البغضاء محل المودة أنه لا بُدَّ من تحقيق أمور ثلاثة. أولها: التسريح يكون بإحسان من غير مشاحة ولا معاندة، فقد تلونا من قبل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] . والإحسان يوجب أن يعمل على أن تكون نفسها طيبة بإنفاق مال عليها، ويكون متعة طلاق لها، وقد أوجبها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ، كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ] [البقرة: ٢٤١، ٢٤٢] .

стр. 331

ولقد أوجب الشافعي وأحمد بمقتضى هذه الآية المتعة لكل مطلقة مدخول بها، وذلك نص كتاب الله تعالى. الأمر الثاني: الذي أوجبه القرآن الكريم: أن يكون الطلاق رجعيًّا؛ بحيث يكون للمطلِّق الحق في أن يرجِع زوجه إليه قبل انتهاء عدتها، وهي في الغالب تقدر نحو ثلاثة أشهر تقريبًا، هي مقدار ثلاث حيضات، وقد ثبتت الرجعة بقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨، ٢٢٩] . وإن هذه الآيات الكريمات صريحة في أن الطلاق يكون رجعيًّا، وأنَّ الأجل للرجعة هو ثلاثة قروء، أي: ثلاث حيضات، ولكن تحتسب الطلقة من ضمن ثلاث الطلقات التي يملكها، وأنَّ الرجعة تثبت في الطلاق الأول والثاني، أما الثالث فلا رجعة فيه. ولقد قال تعالى في ثبوت الرجعة أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا، فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ١-٣] . وهذه الآيات تدل على ثلاثة أمور: أولها: إن الطلاق لا يكون إلا رجعيًّا، وقد أشار الله إلى ذلك بقوله تعالت كلماته: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، وأنَّ الطلاق حيث يمكن الرجوع، من حدود الله التي لا يجوز أن يتعداها المكلف. وثانيها: إنَّ الإشهاد على الرجعة واجب حتى تكون المرأة على علم بالرجعة، وحتى تشتهر بين الناس إعادته الحياة الزوجية؛ ولأنَّ شرط صحة الزواج الشهادة، فيكون شرط إعادته الشهادة أيضًا. وثالثها: أنها لا تخرج من بيت الزوجية، ولا يخرجها منه. وذلك هو الأمر الثالث الذي قرَّرنا أنَّ القرآن أوجبه.

стр. 332

الخلع: ١٩٤- واضح من هذا أنَّ الرجل إذا نفر من زوجته ولم يكن سبيل لإزالة نفرته كان له أن يطلّق في الحدود التي بيَّنَّاها، ومع الواجبات التي أوجبها القرآن، فإذا نفرت المرأة من عشرة الزوج، فهل تبقى مع هذه النفرة، التي حاول الزوجان، وذووهما إزالتها، فلم يستطيعوا، هنا تجلت العدالة التي قررها الله تعالى في قوله تعالى: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، فكما أنَّ الرجل له أن يوقع الطلاق إذا نفر من زوجته وتأكّدت النفرة، وشدد في أن يكون الطلاق رجعيًّا؛ لأنه عسى أن تكون النفرة لأمر عارض وقد زال، فهو أحق بامرأته. إذا كان الأمر كذلك في الطلاق عند نفرة الرجل، فإنه يفرض أن هذه النفرة قد تكون منها، وتكون العشرة مباغضة، ومع المباغضة العنت، لذلك شرع الخلع، وكان الخلع بالاتفاق بينهما، وقد يكون بحكم القاضي إن ترافعا إليه. ولماذا كان الخلع في حال نفرة المرأة؟ الجواب عن ذلك: إنَّ الرجل ينفق في سبيل الزواج مالًا، وقد يكون كثيرًا، وذلك بحكم القرآن، وقد يكون كل ما يملك، ويستقبله زواج آخر يقيم به حياة زوجية بدل هذه الزوجية التي أبغضت فيها المرأة، ولا يمكن العشرة مع بغضها، فكان لا بُدَّ من أن يأخذ ما أنفق أو بعضه. وهذا هو الخلع، وقد شرعه الله بقوله: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩] . الطلاق ثلاث مرات: ١٩٥- شرع الله الطلاق ثلاث مرات، سواء أكان بإيقاع الزوج منفردًا، أم كان باتفاقهما في الخلع، أو بحكم القاضي، فذا وقعت الطلقات الثلاث بثلاث مرات، فإنها لا تحل له إلا بعد أن تتزوج زوجًا غيره بزواج شرعي صحيح على نية البقاء، لا على نية التوقيت، ثم إن طلقت من بعد لأمر عارض أو توفي عنها زوجها فإنَّ لهما أن يتزوجا من بعد، ذلك ما بينه بقوله -تعالت كلماته، وتسامت أحكامه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٠] . وكان تحريمها بعد الطلقة في المرة الثالثة؛ لأنها تدل بعد التجربة على أن الحياة لا تستقيم بينهما على ما هما عليه من أخلاق أو تنافر، فكان لا بُدَّ من تجربة تكون شديدة عليهما إن كان ثمة محل للصلاح، أو احتمال له، وكانت تلك التجربة أن تتزوج

стр. 333

آخر، فإن كانت الإساءة من جانبها كانت عشرة الآخر مهذبة أو مقررة لما كان منها، وإن كانت الإساءة من جانبه فإنه يراها في أحضان رجل آخر، فيثير ذلك أسفه على ما كان منه. فإن انتهت التجربة، وتلاقيا من بعد، كان ذلك بعد تهذيب في تجربة شديدة. العدة: ١٩٦- إذا تَمَّ الافتراق بين الزوجين، سواء أكان المفرق هو الموت أم كان المفرق هو الطلاق، فإنه لا بُدَّ من عدة تنتظر المرأة فيها، فلا تتزوج زوجًا آخر استبراء لرحمها من مظنَّة الحمل، وإحدادًا على الزوج السابق، وليتمكن الرجل فيها من مراجعة نفسه إذا كان الطلاق رجعيًّا. وإذا كانت المرأة حاملًا، فالعدة تكون بوضع الحمل؛ لقوله : ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] ، سواء أكان الفراق بالطلاق أو الخلع، أم كان بالموت، ورأى ابن عباس وعلي ﵄ أن تكون العدة بوضع الحمل، بشرط مرور أربعة أشهر وعشرة أيام، إعمالًا لآية العدة: ﴿الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] . وعدة المطلقات ثلاث حيضات لما تلونا من قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، والقروء الحيضات. وإذا كانت المطلقة بلغت سنّ اليأس، وقد يئست من الحيض، أو لم تر الحيض أصلًا فعدتها تكون بثلاثة أشهر، وقد نصَّ على ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] . ولا بُدَّ قبل ترك الكلام في العدة كما ورد منها في نصوص القرآن الكريم لا بُدَّ من التنبيه إلى ثلاثة أمور: أولها: إنَّ العدة بالنسبة للمطلقات إنما تكون لمن دخل بها، وذلك لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] ، أمَّا المتوفَّى عنها زوجها فإنها تعتد عدة الوفاة، ولو لم يدخل بها؛ لأنَّ النص الكريم ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ لم يفرق بين مدخول بها وغير مدخول بها. الثاني: إنَّ المطلقة تبقى في بيت الزوجية في مدة العدة، ولا تخرج منه ولا يجوز إخراجها، وقد تلونا في ذلك قوله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [النساء: ١٩] .

стр. 334

والمتوفى عنها زوجها صرَّح القرآن بأنها تبقى في بيت الزوجية حولًا لا يجوز للورثة وأولياء الميت أن يخرجوها منه، وذلك بصريح القرآن الكريم، فقد قال : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٠] . فهذا النص الكريم يدل على أنَّ المتوفَّى عنها زوجها لها أن تبقى في بيت الزوجية الذي مات به الزوج حولًا على أن يكون ذلك متاعًا وحقًّا، فلا يجوز إخراجها؛ لأنه يكون انتزاعًا لحقها، ولكن يجوز لها أن تخرج، وإن ذلك بلا ريب حفظ للمرأة من الضياع، وصيانة لحرمة الزوج المتوفَّى. الأمر الثالث: إنَّ النفقة الزوجية تبقى في العدة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ والحمل لا يعرف إلَّا بعد الولادة، فيفرض وجوده في كل معتدة من طلاق، وخصوصًا أن قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] هو عام للحامل والحائل على سواء. تنبيهان: ١٩٧- يلاحظ أنَّ المرأة في الزواج لها حقوق وعليها واجبات، وأنَّ الزواج لا يفرض عليها من وليها، بل لا بُدَّ من اختيارها ورضاها في أصل العقد وفي المهر، وقد نصَّ على ذلك القرآن الكريم في المهر، فقال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤] . ومنع القرآن الكريم بصريح اللفظ عضل المرأة بمنعها من الزواج، أو تزويجها بمن لا تريد، قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٢] . والتنبيه الثاني: إنَّ المرأة تأخذ نصيبها كما يأخذ الرجل نصيبه من المال مع التفاوت قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] وإن هذا النص الكريم فوق دلالته على وجوب توقير ميراث النساء يدل على أن ذمة المرأة منفصلة عن ذمة الرجل، سواء أكان زوجًا أم كان أبًا أو أخًا أو قريبًا بأي درجة من درجات القرابة.

стр. 335

الأسرة في الإسلام ممتدة: ١٩٨- هذا لفظ استعرناه ممن يكتبون في علم الاجتماع في هذه الأيام، فهم يقسمون الأسرة إلى قسمين: قاصرة وممتدة، ويقصدون بالقاصرة الزوجين وأولادهما، ويقصدون بالممتدة ما يشمل ذوي القربى جميعًا من أصول وفروع، وحواشٍ قريبة وبعيدة؛ بحيث يشكل الأقربين وغيرهم. وقد جاء الإسلام منظمًا العلاقة بين النوعين، والقرآن في محكم آياته تعرض لأحكام الزوجين والأولاد، ولم يترك أحكام بقية ذوي القربى، وقد حثَّ بالنسبة لذوي القربى الذين يشملون الأسرة القاصرة أو الممتدة على مراعاة الرحم، وذكر الواجبات إجمالًا بالنسبة لصلة الأرحام، فأوجب مراعاة هذه الصلة التي أوجدتها الفطرة، ومهما تشعبت الفروع، وتكاثرت، فقال الله : ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] وجعل من أقرب القربات إلى الله تعالى إعطاء ذوي القرابة بسبب القرابة فقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] . ونرى أنه جعل من أوّل أبواب البر إعطاء ذوي القربى بسبب القرابة، لا لفقرهم، ولا لحاجتهم، ولكن صلة لهم، وإبقاء لحبل المودة في القربى أن يبقى. والوصية بأولي القربى كثيرة في القرآن الكرم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: ٨٣] ، وقوله تعالى في قسمة الميراث: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨] ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] ، فالمودة في القربى أجر يعطيه العبد لربه، وهكذا نجد نصوص القرآن. ١٩٩- وقد ذكر القرآن الكريم حقوقًا وواجبات متبادلة في القرابة، ونذكر منها ثلاثة: أولها: إنَّ الدية في القتل الخطأ تجب على الأسرة، وتعطى الأسرة، فهي تجب على الأسرة بمعناها الممتد، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً

стр. 336

وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] . وبهذا نجد وجوب التعاون بين الأسرة بمعناها الممتد، فهي تتعاون في غرم الجرائم تدفعه، وفي تعويضها تأخذه، ولذلك لا يجب إلَّا إذا كانت الأسرة مؤمنة، أو كان بينها وبين المسلمين ميثاق تجب بمقتضاه الديات، ولا تسقط إلَّا إذا كان من قوم عدو للمؤمنين، فإنَّ الدية تكون إعانة لهم على الاعتداء. ثانيها: إنَّ الله أوجب للفقير العاجز عن الكسب نفقة على قريبه الغني، وقد ذكر القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١] . ونجد أن الله ذكر في القرآن الحكيم أنه لا إثم على من يأكل في بيوت هؤلاء عند الاحتياج، ونفي الإثم يشير إلى أنه الحق؛ إذ إن تناول الحقوق لا إثم فيه. وقد يقال: إن ذلك لم يكن مقتصرًا على القرابة، بل ذكر الصديق، فدل على أن الحق ليس سببه القرابة، ونقول: إنَّ ذلك الحق سببه العجز ابتداء، ولذلك ذكر في أول الآية ذوي العجز عن الكسب، فكان الكلام كله في أهل العجز، ولكن الأخذ كان للقرابة ابتداء، فإن لم تكن له قرابة يلزمها الشرع، كانت المودة التي توجبها الصداقة مبررًا للأكل، وإن كان لا يلزم الصديق بذلك قضاء، فإنه يجب عليه دينًا ويأثم فيما بينه وبين الله إن كان قادرًا، ومع ذلك يترك صديقه يتضور جوعًا، ولذلك كانت المؤاخاة. وفي ذلك إرشاد خلقي اجتماعي حكيم لواجبات الأصدقاء نحو أصدقائهم.

стр. 337

الأسرة في القرآن ...

стр. 338

الميراث في القرآن الكريم: الحق الثالث حق الميراث: ولذلك بعض التفصيل، فقد ذكره القرآن مفصلًا. الميراث: ٢٠٠- تولى القرآن الكريم ببيان الميراث بالتفصيل، ولم يكن في السنة النبوية تفصيل في القرآن، ولكن فيها تطبيق لأحكامه، وتوضيح لما عساه يتسغلق على بعض الأفهام، أو لما يحاول به بعض الناس من انحراف عن أحكام القرآن، وتأثر ببعض أحكام الجاهلية، كحرمان النساء من الميراث. والان نتلو أكبر آية في بيان المواريث، وهي قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَِيمًا، وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ، تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١١-١٤] . في هذه الآيات الكريمات بيِّن الله تعالى ميراث الأولاد والأبوين، والزوجين، وميراث أولاد الأم، فالكلالة هنا أولاد الأم، كما ذكر النبي ﷺ تطبيقه لأحكام القرآن في الميراث. وهناك كلالة أخرى، وهي كلالة الإخوة والأخوات الشقيقات أو لأب، وقد بيَّنَها الله بقوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦] .

стр. 339

ولا ننسى قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [[الأنفال: ٧٥] ، فإنها كما تدل على المودة بين أولي القربى تدل على أولوية الميراث أيضًا، ولذا اقترن بها قوله تعالى: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ . وبهذا نرى أنَّ القرآن الكريم تولَّى الأحكام في الملكية بالخلافة الإجبارية بعضه بالتفصيل وبعضه بالإجمال الذي يغني عن التفصيل. وقد كان عمل النبي ﷺ تطبيق أحكام الكتاب، ولنضرب لذلك مثلًا، أنَّ عبد الله بن مسعود سئل عن بنتٍ وأمٍ وأخت شقيقة، فجعل الأخت الشقيقة قائمة مقام الأخ الشقيق تأخذ الباقي، وقال: ذلك قضاء رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم. وطبَّق النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍّ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] ، فقرَّر -صلى الله تعالى عليه وسلم- أنه بعد أن يستوفي أصحاب الفروض فروضهم، ولم يكن أب أو ابن، أنَّ الميراث يكون لأقرب رجل ذكر، فقال -صلى الله تعالى عليه وسلم: "فإن بقى بعد أصحاب الفروض، فلأقرب رجل ذكر"، ولا شكَّ أنَّ ذلك الحديث النبوي تطبيق دقيق لقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ فالأولوية تقتضي أن يكون الأقرب أحقّ بالميراث، أو بما يبقى منه. وقد ثبت بالسنة أنَّ المتوفَّى إذا ترك بنتًا وبنت ابن مات أبوها، فإنَّ البنت يكون لها النصف، ولبنت الابن السدس تكملة للثلثين الذين يكونان للبنات، فإذا أخذت البنت الواحدة النصف، فإنه لا يذهب باقي الثلثين، بل يكون لبنت الابن؛ لأنها بنت للمتوفَّى مجازًا، وذلك تطبيق للنص القرآني. وقد ثبت أيضًا أنه إذا كان للمتوفَّى أم وأخت شقيقة استحقت النصف فقط، وهناك أخت لأب، فإنها تأخذ السدس تكملة للثلثين، حتى لا يذهب ما فوق النصف، وذلك بتطبيق رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ . وبهذا يتبين أنَّ القرآن الكريم تولَّى أحكام الميراث بالتفصيل في أصحاب الفروض، والعصبة في الأولاد والآباء، وبالإمال في باقي الأحكام، والسنة النبوية طبقت القرآن، وكانت بيانًا للناس. ما يلاحظ على توزيع القرآن العادل: ٢٠١- يلاحظ على ذلك التوزيع العادل الذي تولَّاه القرآن ما يأتي: أولًا: إنَّه جعل للنساء ميراثًا، ولم يكن العرب في الجاهلية يعطون النساء ميراثًا، وأنه في سبيل

стр. 340

تكريم الأمومة وقرابتها جعل لأولاد الأمّ ميراثًا لا يقل عن السدس، ولا يزيد على الثلث، وجعلهم يستحقونه بوصف أنهم كلالة، أي: لا يوجد ميراث بأصول وفروع، ومع ذلك جعلهم يرثون مع وجود الأم. ثانيًا: أن يكون الميراث للأقرب فالأقرب، لأنَّ العبرة في استحقاق الميراث أن يكون لمن يعد وجودهم امتدادًا لحياة المتوفَّى في الوجود، ولذلك كان أكبر الأسرة حظًّا في الميراث الأولاد، وأولادهم الذين ينتسبون إليه. ومع أنهم أكثر الأسرة حظًّا في الميراث لا ينفردون به، بل يشاركهم فيه الأبوان والزوجان، وإنهم ليشاركونهم بمقدارٍ قد يصل إلى النصف أو إلى قريب منه. وأنَّ مشاركة غيرهم إنما هي لمنع تركيز المال في ورثة بأعيانهم، فالأبوان إذ يأخذان مع الأولاد الثلث يكون من بعدهما لأولادهما، وهم غالبًا إخوة مع الأولاد إن كانوا إناثًا، وبذلك يتبين أنَّ كَوْن الميراث للأقرب لا يمكنه من الاستئثار بالتركة وحده. والثالث: مما يلاحظ في الميراث مقدار الحاجة، فكلما كنت الحاجة أشد كان قدرت الميراث أكبر، ولعلّ ذلك هو السر في أن نصيب الأولاد كان أكبر من نصيب الأبوين، مع أنه من المقرر شرعًا أنَّ للأبوين في مال أولادهما نوع ملك، كما ورد في الحديث $"أنت ومالك لأبيك"، ولكن حاجة الأولاد إلى المال أشد؛ لأنهم في غالب الأحوال ذرية ضعاف يستقبلون الحياة، ولها تكليفاتها المالية، والأبوان يستدبران الحياة، ولهم فضل من المال، فحاجتهما إلى المال ليست كحاجة الذرية الضعاف، وفوق ذلك أنَّ ما يرثانه يكون لأولادهما، ولا يكون منه لهذه الذرية الضعاف. وإن ملاحظة الأكثر احتياجًا هي التي جعلت نصيب الذكر ضعف نصيب الأنثى؛ وذلك لأنَّ التكليفات المالية على الذكور، وتكليفات الرجل المالية أكثر من تكليفات المرأة، فهو المطالب بنفقة المرأة نفسها، وهو المطالب بنفقة الأولاد وإصلاح حالهم، وهو الذي يمد الأسرة بكل حاجاتهم، وإن الفطرة الإنسانية هي التي جعلت المرأة قوامة على البيت، والرجل كادحًا عاملًا لتوفير القوت، فكانت قاعدة أنَّ العطاء في الميراث على قدر الحاجة موجبة لجعل حق الرجل أكبر من حق المرأة، فالأخ يحتاج إلى المال أكثر من أخته، وإن ملاحظة الحاجة هي العدل، والمساواة عند تفاوت الحاجة هي الظلم، فأولئك الذين يطالبون بمساواة المرأة في الميراث مع الرجل لا يطلبون المساواة العادلة. والرابع: إنَّ الشارع الإسلامي كما لاحظنا في ميراث الأولاد اتجه إلى التوزيع بين الأقارب بدل التجميع، فهو لم يجعل وارثًا يستبد بالتركة كلها، لم يجعل الميراث للولد

стр. 341

البكر دون غيره، ولم يجعل التركة كلها للأولاد دون الآباء، ولم يجعل يد المورث مطلقة يختص بتركته من يشاء، ويحرم من يشاء، بل جعل نظام الميراث إجباريًّا في ثلثي التركة، ووزّع الثلثين من التركة بين عدد من الورثة، والصورة التي يختص بالتركة فيها واحد فقط نادرة، وهي تكون حيث يقل الأقارب، وفي هذه الحال تكون ثمَّة وصية للأقارب غير الوارثين، على ما سنبين في الوصية إن شاء الله تعالى. وإذا انتقل الميراث إلى الحواشي كالإخوة والأخوات، والأعمام، يوزَّع بينهم من غير أن يستبد بعضهم بالميراث كله، بل من غير أن تستبد قرابة دون قرابة، فإذا كان هناك أشقاء وإخوة لأمٍ كان الميراث للجميع، ويكون للإخوة الثلث. وهكذا نجد الميراث في القرآن الكريم، وفي بيان السنة للقرآن وتطبيقه، نجد الميراث يتوزَّع ولا يتجمَّع، وإن التجمع في وارث واحد يكون فيه بلا ريب ظلم للباقين، ولا يكون المال دولة بين ناس من الأسرة، والآخرون محرومون محدودن، بل لا يكون المال في الأمة كلها دولة بين الأغنياء، والحرمان للباقين. ٢٠٢- إنَّ من المقررات الشرعية أنَّ الميراث يدخل ملكية الوارث في الثلثين جبرًا عنه، وبغير إرادة المورث، بل بإرادة الله ، ويسمَّى التوريث الخلافة الإجبارية، وهي تكون في ثلثي التركة، ويقولون أيضًا: إنَّ الثلث يكون للوصية، وقد فرض القرآن الوصية، بل إنّ صيغته في التحريض كانت صيغة إيجاب، فقد قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ، فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٠-١٨٢] . وإنَّ هذا النص يستفاد منه جواز الوصية، بل وجوبها عندما تكون في موضع بر بأن تكون في الأقربين، فهي سدّ لما عساه يكون في توزيع الميراث من حرمان بعض ضعفاء الأقارب من الميراث، إذا لم يكونوا في نظام التوزيع، فهي في وضعها بجواز الميراث تكميل لأحكامه، فقد تكون الأخت الفقيرة لا يصل إليها الميراث لوجود الأبناء، فكانت الوصية التي كتبها الله تعالى في الثلث سدًّا لخلتها. وإنه بمقتضى هذا النص تكون الوصية واجبة لفقراء الأقارب غير الوارثين، وذكر الوالدين لأنهما قد يكونان غير وارثين، لاختلاف الدين، كما كان الأمر في صدر الإسلام، إذ كان الرجل يكون مشركًا والمرأة كذلك، وولدهما قد هداه الله تعالى إلى الإسلام، فيكون عليه أن يوصي لهما؛ لأن ذلك من الإحسان، والمصاحبة لهما

стр. 342

بمعروف، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] . ومن العلماء من قال: إن نصيب الأبوين من الميراث إن كان قليلًا تصح الزيادة عليه بالوصية، وكذلك الأقربون من الورثة، إن كان نصيب أحدهم ضئيلًا لا يسمن ولا يغني من جوع، جاز زيادته بالوصية من الثلث، وذلك ما تفيده الآية. وقوله تعالى: بالمعروف، معناه بالأمر المعقول، فلا يزيد القادر ذا المال على ماله، ولكن يعطي الضعيف ذا الحاجة الذي لم يأخذ شيئًا من الميراث. ودلت الآية الكريمة على جواز التدخل في الوصية إذا كان فيها ظلم للورثة بالميل الظالم أو كان فيها إثم كالوصية لخليلة، أو الوصية لحانة، فإنه يجوز في هذه الحال الدخول للإصلاح وتحويل الوصية إلى خير، ولذلك قرر بعض الفقهاء أخذًا من هذا أن إبطال الوصية الظالمة أو إصلاحها بحكم القضاء جائز. ومن التابعين من قرَّر أنَّ الميت إذا ترك الوصية لأقاربه الضعفاء غير الوارثين، كانت لهم وصية، وأوجبها ابن حزم، والله يعلم المفسد من المصلح. ٢٠٣- هذا هو نظام الملكية بالخلافة، جعله القرآن إجباريًّا في الثلثين كما بينت السنة، وجعله اختياريًّا للوارث في الثلث، وأوجب أن يكون في غير إثم، وأنه يجب إبطاله إن كان إثمًا. واختصَّ القرآن الكريم الأقارب الضعفاء الفقراء بإيجاب الوصية لهم بالمعروف، وقد وضحنا ذلك آنفًا. وإذا وازنَّا نظام الملكية بالخلافة بأيِّ قانون من قوانين العالم في الماضي والحاضر، ما وصل إلى العدالة فيه نظام مهما يكن إحكامه. ولقد تضافرت كلمة القانوينيين من علماء الغرب الذين اطلعوا على الشريعة أن أعدل نظام للملكية بالخلافة هو نظام الإسلام، فكل نظام للتوريث غير نظام الإسلام ظالم أو ناقص، وبذلك يعترف كل دارس منصف. وإن هذا النظام جاء به القرآن الكريم، ونادى به -صلى الله تعالى عليه وسلم- الذي لم يدرس على معلّم، ولم يكن إلَّا في بلد أمي ليس فيه معهد ولا جامعة، أفليس هذا دليلًا قاطعًا على أنه من عند الله تعالى. ٢٠٤- وقد يقول قائل: إني أطلت في ذكر نظام الأسرة في القرآن، وربما يكون ذلك خروجًا عن الكلام في القرآن إلى الكلام في الأسرة.

стр. 343

ونقول في الجواب على ذلك: إننا نتكلم في علم الكتاب، فمهما نتكلم في الأسرة فإننا نتكلم في موضوع علم القرآن الذي علمنا الله تعالى إياه، وإننا لم نأت بكل ما جاء في القرآن عن الأسرة، ولكن اكتفينا ببعض ما جاء ليكون دليلًا على ما وراءه وإشارة لما بعده. وقد ذكرنا الأسرة في القرآن، وتكاد كل أحكامها تكون ثابتة بالقرآن الكريم، والسنة مبينة لبعض ما يحتاج إلى بيان كلفظ القروء في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . فالسنة هي التي بينت أن القروء هي الحيضات على أصحِّ الروايات في السنة. ولقد قرَّرنا من قبل ما نتلمسه حكمة لتصدي القرآن لكل أحكام الأسرة. ونقول الآن: إنَّ أحكام الأسرة في الإسلام كانت موضع تهجم من بعض الذين ليس للدين حريجة في صدورهم من الرجال والنساء، فأرادوا أن يجعلوا الأسرة الإسلامية خاضعة لما سموه تطورًا، وما تطورهم إلّا تجانف لناحية المسيحية، فالمسيحية في زعمهم تحرم تعدد الزوجات، والمسيحية في زعمهم تمنع الطلاق، فيجب أن تكون الأسرة في الإسلام تنمع التعدد، وتمنع الطلاق١، وهكذا دفعهم التقليد، والإسلام يجعل للرجل قوامة على المرأة، وهم لا يريدون ذلك، ويريدون أن يكون البيت فوضى، وهكذا. ولقد وصل بهم الإنكار لحقائق الإسلام أن تهجَّموا على نظام الميراث، ومنهم من يتمرَّد عليه اتباعًا لأهوائهم، ونحن نقول لهم: دعوا التقليد الأعمى، ودعوا التفكير الأعوج، واعلموا أنَّ الأمر في ذلك أمر القرآن، ومن علم غير القرآن فقد كفر، فإن تمردهم باسم التطوير، وهو عمى التقليد، فاعلموا أنكم على شفا جرف من الكفر، لأن من أنكر أحكام القرآن أو من خالفها جاحدًا فهو كافرًا، فكونوا كما تشاءون، فإن كنتم مؤمنين فخذوا بالقرآن، وإن كنتم غير ذلك "فلكم دينكم ولي دين".

стр. 344

الزواجر الاجتماعية: ٢٠٥- هذا هو القسم الرابع من الأحكام التي اشتمل عليها القرآن الكريم، وقد شرع القرآن من العقوبات الرادعة ما تتطهر به المجتمعات من الرذيلة، وتتجه ناحية الفضيلة، ويتحقق الخير في كل مظاهر الحياة خاليًا من أدران الشر. والعقوبات في الإسلام قسمان: عقوبات مقدرة، وعقوبات غير مقدرة، والعقوبات المقدرة تعد أعلى العقوبات في نوعها، وغير المقدرة تعد دون الأعلى، وقد تولى القرآن الكريم بيان أكثر العقوبات المقدرة، والعقوبات غير المقدرة ترك تقديرها للقاضي أو ولي الأمر إن رأى أنّ يقيد القضاة، فالإسلام يذكر الحد الأعلى للعقوبة، وترك للقاضي ما دونها على ما قررنا. والعقوبات المقدرة قسمان: قسم من حقوق العباد واضحة، كالقصاص، وقسم كان لحماية المجتمع من شروره، وحق العباد ليس في وضوح الأول. وفي الأول كان للمجني عليه وأوليائه حق العفو، كما سنبين، أما الثاني فلا عفو فيه؛ لأنه حق الله تعالى. وأول نص في العقوبات التي كانت لحق العبد أو حق العبد فيها أوضح من غيره، عقوبة القصاص، وهي عقوبة تومئ إليها الفطرة؛ لأن العقوبة مساوية للجريمة ومن جنسها، وقد نصَّ عليها في القرآن في عدة آيات، منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٨-١٧٩] . وفي هذه الآية نجد القصاص في الأنفس، وآية أخرى تعمّم القصاص في الأنفس والأطراف، بل الجروح، ويقول في ذلك مبينًا ما كان في التوراة، وهو في الشرائع السماوية كلها: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٤، ٤٥] . وهذه الآيات الكريمات تدل -أولًا- على أنَّ القصاص شريعة النبيين أجمعين، طبقه النبيون على الذين هادوا، وطبقه من بعدهم الربانيون والأحبار، ويطبقه أهل الإيمان من أمة محمد كما قال : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨] .

стр. 345

وإن هذا النص الكريم يدل -أولًا- على وحدة الشرائع السماوية فيما يتعلق بالقصاص، فهو شريعة عامَّة مشتقة من الفطرة الإنسانية، فهي عقوبة طبيعية لا مراء فيها. وتدل -ثانيًا- على أنَّ القصاص كما يقع في الأنفس؛ لأن فيه حياة الجماعة آمنة مطمئنة، يقع أيضًا على الأطراف؛ لأن فيه حفظ سلامة الإنسان ومنع التشويه؛ إذ إن التشويه الإنساني يكثر إذا لم يكن عقاب رادع يجعل الجاني عندما يقدم على جريمته يتوقع أن يقع عليها مثلها، وذلك أمنع للجريمة، كما قرَّر بعض علماء القانون الذين درسوا النفس الإنسانية في الآحاد والجماعات. وتدل -ثالثًا- على أنَّ الجروح يجري فيها القصاص ما أمكن، وقد استنبط من هذه بعض الفقهاء أنَّ القصاص يجري في اللطم والضرب بالسوط وغيره. وتدل -رابعًا- على أنَّ في الترغيب في العفو إبعادًا لإحن القلوب، وتقريبًا للنفوس، ولذلك اعتبر العفو في موضعه من غير تشجيع للجريمة صدقة، وقال : ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ . وإن القصاص في موضعه إحياء للنفس المجني عليها، وإحياء للجماعة، وهو القضاء على الأحقاد والضغائن المستكنة في القلوب إن لم يكن سبيل لردعها، فقد قال تعالى بعد أن اعتدى قابيل على أخيه هابيل شفاءً لغيظه وحسدًا وحقدًا: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: ٣٢] . وإن هذا يدل على أن القصاص إحياء للنفوس وتهذيب للجماعة. ٢٠٦- وإن القصاص فيه حفظ للنفس، فإن حفظ النفس يقتضي حفظ الأطراف وحفظ كل الأجزاء، وهو حق للعباد؛ لأنه عقوبة اعتداء مباشر عليهم، ولذلك كان قابلًا للعفو، كما ذكرنا وكما تلونا. وأما حقوق الله أو حقوق المجتمع، كما يجري التعبير في هذا الزمان، فإن العقوبة المقررة فيها تختص بخاصيتين، إحداهما: إنَّها حماية للفضيلة، وحماية للمجتمع من أن تتغشاه الرذائل، والخاصية الثانية: إنَّها غير قابلة للعفو؛ لأنها إصلاح ليس فيه أيّ معنى من معاني الانتقام أو شفاء الغيظ، كما هو الحال في الدماء؛ ولأن إقامة الحدود عبادة، وهي العقوبات المقررة للمجتمع، فيُعَدُّ عبادة، فإذا كان العفو في القصاص يعد أحيانًا صدقة كما عبَّر القرآن الكريم، فإقامة الحدود من ولي الأمر القائم على رعاية مصالح المجتمع، وإقامة الفضائل ومحاربة الرذائل تعد عبادة، بل هي أعلى العبادات بالنسبة له، وأيّ عبادة أعلى من تطهير المجتمع من الشر.

стр. 346

وإن الحدود شرعت محافظة على المصالح المقررة الثابتة، وهي المحافظة على النفس وأمنها، والمحافظة على النسل، والمحافظة على العقل، والمحافظة على المال. وأشد الحدود تكون لأقصى أنواع الاعتداء، وهو الاتفاق على الجرائم التي يكون فيها اعتداء على النفس وعلى المال، بل وعلى الأعراض والعقول، وهو ما يسمَّى حد الحرابة. والحرابة اتفاق طائفة من المجرمين على الخروج على الجماعة، بارتكاب مفاسد من أنواع الاعتداء المختلفة من قتل أو اغتصاب أموال، وارتكاب جرائم أخرى كما قرَّر الإمام مالك في تفسير معنى الحرابة، وقد سمَّاهم القرآن الكريم محاربين، لأنهم يحاربون الأمن والنظام بقوة يدَّرَّعون بها، وقد قال الله تعالى فيها: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣، ٣٤] . ونلاحظ في النص الكريم أمورًا ثلاثة: أولها: إنَّ الآية الكريمة سمَّتهم محاربين لله ورسوله؛ ذلك لأنهم يحاربون أحكام الشرع، وينتقضون على الحكم المنفذ لأحكام الله تعالى ورسوله الحكيم -صلى لله تعالى عليه وسلم، وسمَّاهم ساعين في الأرض بالفساد؛ لأن معاندة الشرع والإخلال بأحكامه ومحاربة الفضائل وإزعاج الناس وقطع الطريق عليهم هو عين الفساد. وثانيها: إنَّ العقوبة هي التقتيل أو القتل، أو القتل والصلب، ليكونوا عبرة لغيرهم، أو قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو تفريق جمعهم، ونفيهم من الأرض بإبعادهم حيث لا يستطيعون أن يجتمعوا. وقد قرَّر مالك من بين الفقهاء أنَّ ولي الأمر مخيّر في هذه العقوبات يختار منها ما يناسب حالهم. ثالثها: إنَّ الجريمة الأساسية في اجتماعهم واتفاقهم مع قوة تمكنهم من جرائمهم، فإن تابوا من تلقاء أنفسهم، فقد ذهب أصل الجريمة وهو الاتفاق الجنائي، والخروج بقوة لتنفيذه، وما داموا قد تابوا فقد عدلوا عن الارتكاب، وهو جريمة مستمرة، فإذا أنهوها، لا تستمر عقوبة الحد.

стр. 347

ولكن يحاسبون على ما ارتكبوا قبل التوبة، وللفقهاء كلام طويل في هذا، وفي توزيع العقوبات على الجرائم، فليرجع إليه في كتب الفقه، ففيها ما يشفي غلة الصادي المتطلع. ومن الناس من يلهجون باستغلاظ هذه العقوبة، ويحسبون آثمين أنها ليست إنسانية، وأولئك ينظرون إلى العقوبة ولا ينظرون إلى الجناية، ويرحمون الجاني ولا يرحمون المجني عليه، والمجني عليه هنا الجماعة، أولئك يخرجون بقوة واتفاق، لا ليقيموا حقًّا أو يخفضوا باطلًا، بل لمجرد أذى الجماعة، وينتهكون كل حركة، يقطعون الطريق على السابلة، ويزعجون الجماعة، فلا بُدَّ أن تكون العقوبة كفاءً لما يرتكبون ورادعة، والعدالة الإنسانية توجب المساواة بين مقدار الجريمة ومقدار العقاب، وكلما عظمت الجريمة كان لا بُدَّ من عقوبة تناسبها، وكما قال النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم: "من لا يرحم لا يُرْحَم"، وذلك هو منطق العدل، ومنطق العقل. ولو أنَّ تلك العقوبة عوقبت بها العصابات المخرّبة التي لا تبقي على شيء إلَّا انتهكت حرماته، ولها ميزانية من السرقات تبلغ أحيانًا ميزانية الولاية أو الدولة التي تكون فيها، ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ . ٢٠٧- وإنَّ الجريمة التي تقترب من جريمة الحرابة جريمة السرقة، بيد أنهما يفترقان، فالسرقة أخذ المال في خفية من حرز مثله، بينما الحرابة أخذ المال بقوة لا يلاحظ فيها الاختفاء، ولكن يلاحظ الأمن من الاستغاثة وإجابة المستغيث، فهي في خفاء عن المجتمع، لا في خفاء عن صاحب المال، ويفترقان في أن هذه جماعية تخرج بقوة تقاوم قوة الدولة، ويفترقان في أنَّ الحرابة تتعدد فيها أنواع الجرائم، والسرقة لا تتعد فيها أنواع الجرائم، ولذلك تتعدد فيها العقوبة. ويتفقان في أمرين: أحدهما: إن في الجريمتين إفزاع الناس وإزعاج الآمنين، فلا يأمن أحد على نفسه أو ماله، ويتفقان أيضًا في أنَّ التوبة تقبل من قطّاع الطريق قبل القدرة عليهم، وتقبل في السرقة على قول كثيرين من الفقهاء، وهذا يتفق مع نص القرآن الكريم. وعقوبة السرقة نص عليها في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨، ٣٩] . وقد اشترط في التوبة في هذه الحال أن يصلح لا أن يتوب بلسانه، ولا شك أنه إذا سرق من بعد التوبة فإنه تقطع يده.

стр. 348

ولهذا التشابه بين السرقة والحرابة قالوا: إن الحرابة هي السرقة الكبرى، وتلك التسمية صحيحة، وإن كان معها جرائم القتل. وقد يقول الذين يرحمون المجرم ولا يرحمون الآمن معترضين على ذلك متعللين بأمرين: أحدهما: إن العقوبة ليست متكافئة مع الجريمة مهما يكن نصاب السرقة، فهل تقطع يد في سرقة عشرة دراهم أو ربع دينار كما قال الإمام مالك، ويرددون قول أبي العلاء: يد بخمس مئين عسجد وديت ... ما يالها قطعت في ربع دينار والثاني: إنَّ العقوبة في ذاتها غليظة تكثر من المشوهين الذين تفذى الأعين برؤيتهم. ونجيب عن الأمرين، فنقول في الإجابة عن الأمر الأول: إنه ليس التساوي بين العقوبة في الحدود بين الفعل والعقاب، إنما التساوي بين العقاب وآثار الجريمة، فبالنسبة للسرقة لا يكون التساوي بين المال الذي سرق وبين قطع اليد، إنما ينظر إلى الإفزاع وإزعاج الآمنين في سرقة تقع في حيّ أو قرية، فكم من حراس يقومون، وكم من مغالق يحترس بها من السارقين، فجريمة السرقة ليست آثارها واقعة فقط على المسروق منه، بل تتعداه إلى كل من يكونون معه في الحياة. والجواب عن الأمر الثاني: إنَّ هذه العقوبة لا تقع إلَّا إذا كان التكرار؛ إذ إنه إذا سرق ابتداء وتاب وأصلح، ولم يعد يسرق، فلا تقطع يده. وإن قطع يد واحدة تمنع السرقة، فلا يكون ثمَّة من بعد ما يوجب القطع، وهناك دولة عربية تقيم حدّ السرقة، لا تقطع في العام يدًا أو اثنتين، فالقطع يمنع سبب القطع. وفوق ذلك، فإن القطع لا يكون إلا حيث تنتفي الشبهات، فالشبهات تسقط الحدود، وإن عدد السرقات التي تنتفي فيها الشبهات، ويجب فيها الحد يقدَّر بنحو خمسة في الألف من السرقات التي تقع، ومن الشبهات التي اعتبرها السلف أن يكون السارق في حال جوع أو مظنّة جوع، كأن يكون ثمَّة مجاعة، فإنه لا يقام الحد للشبهة، كما فعل الإمام عمر عام المجاعة. وعلى الذي يستغلظون عقوبة السرقة في الحدود التي بيَّنَّا أن يبينوا لنا كم من السرقات قطعت فيها أيدي نساء ورجال لأجل الوصول إلى غاية السارق، وكم من النفوس أزهقت في السرقات بالإكراه، أو في إخفاء الجريمة وعدم معرفتها.

стр. 349

إنكم إن وازنتم بين هذه الجرائم التي ترتكب في سبيل السرقة وجدتم أن قطع اليد لا يساوي في عدده عشر معشار هذه الجريمة، واعتبر ذلك بالبلاد التي طبّقت حد السرقة، فإن الأيدي التي تقطع في البلاد كلها لا يتجاوز إن تواضعنا عدد أصابع اليد. لقد عجزت القوانين من علاج جريمة السرقة، فهلَّا نستعين بحكم الله تعالى، ولكن آفة الجماعات في هذه الأيام أولئك الذين تذهب أنفسهم حسرات على المجرمين، ولا تنظر نظرة عطف على الذين كانوا فريسة للعابثين والمجرمين، وذلك فساد منطقي غريب، ومع ذلك يعدون أنفسهم اجتماعيين. الاعتداء على النسل: ٢٠٨- أوضح جريمة في الاعتداء على النسل جريمة الزنى، فإنها إذا شاعت في قوم ضعف نسلهم، وانحدروا إلى الفناء، كما رأينا في أمم حاضرة، وجماعات ماضية. وقد تعرَّض القرآن الكريم لبيان هذه الجريمة وعقوبتها، أو بالأحرى لبيان هذه العقوبة مع التعرّض الإجمالي للجريمة، مفصلًا العقوبة، فقد قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا، وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥، ١٦] . وإن هذا النص الكريم دل على أمور ثلاثة: أولها: إنَّ الشهادة على الزنى لا تكون إلّا بأربعة، فلا تصح الشهادة بما دون ذلك، وقد أكَّد هذا المعنى قوله تعالى في حد القذف: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] . ثانيها: إنَّ الرجل والمراة إذا ارتكبا الفاحشة، وهي الزنا في الآية الأولى والثانية، كان لا بُدّ من عقوبة مناسبة، إذا لم تكن توبة يكون معها إصلاح أمورهم، وأنهم إن كرروا لا تقبل التوبة، وكذلك قرر كثيرون من الفقهاء كما قيل في السرقة. الثالث: أن النساء يختصصن بعقوبة لا تمنعها التوبة، وهي أن يمسكن في البيوت حتى الوفاة، أو يجعل الله له سبيلًا بالزواج، وهذه في الحقيقة ليست عقوبة، ولكنها صيانة وحمل على التوبة، فإن كان منهم من بعد فاحشة كان الإيذاء. وقد ذكر هنا الأمر بالإيذاء جملًا، وفصّل في سورة النور، فقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ

стр. 350

تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢، ٣] . وإنَّ هذا النص يدل على ثلاثة أمور: أولها: إنَّ عقاب الزاني والزانية مائة جلدة قوية شديدة رادعة لا رأفة فيها. وثانيها: إنَّ هذا العقاب الشديد الرادع يكون علنيًّا يشهده طائفة من المؤمنين. ثالثها: إنَّ الزاني الذي يعلن زناه لا يرضى به إلا ز انية أو مشركة، وأن الزانية لا يرضى بالزواج منها إلّا زانٍ أو مشرك، وأنَّه من المحرَّم على المؤمنين أن يتزوجوا من الزناة، ومفهوم النص أن ذاك التحريم إن لم تكن توبة. عقوبة العبد على النصف من الحر: ٢٠٥٩- هذا التقدير للعقوبة في الزنى إنما هو على الأحرار من الرجال والنساء، أما العبد والإيماء فعقوبتهم نصف هذه العقوبة، فلا يجلدان إلّا خمسين جلدة، وقد ثبت ذلك بنص القرآن الكريم بالنسبة للإماء، وثبت بقانون المساواة بين الرجل والمراة أنَّ العبد تنصف عنه العقوبة، وهذا نص القرآن الكريم الحكيم؛ إذ يقول : ﴿مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٥، ٢٦] . وإن هذا النص يدل على أنَّ الأَوْلَى بالمؤمن ألَّا يتزوج إلَّا حرة، ولا يتزوج أمة إلا إذا عجز عن الزواج بالحرة، حتى لا يعرض أولاده للرق، وأنَّ الإماء أولى بهنّ مالكهن يدخل بهن، فيكون أولاده منها أحرارًا، وتعتق هي بولدها من مالكها، فيكثر الأحرار. وتدل الآية ثالثًا على أنَّ الأمة المتزوجة عقوبتها خمسون جلدة. وبمقتضى المساواة في الأحكام كما أشرنا تكون عقوبة العبد أيضًا منصفة. ونظرة صغيرة في الموازنة بين شريعة القرآن وشريعة الرومان، لقد كان الرومان يضاعفون عقوبة العبد إن ارتكب جريمة، ويخففون العقوبة على الحر، فهم يقولون: إنَّ العبد إذا زنى بحرة يقتل، وأمَّا الشريف الروماني فإنه إذا زنى يغرم غرامة بسيطة،

стр. 351

فمنطقهم الظالم يسير سيرًا عكسيًّا، تصغير العقوبة عندهم بكبر المجرم وتكبر بصغره، أمَّا الإسلام فإنه ينظر في الأمر بمنطق مستقيم، فالجريمة تكبر بكبر المجرم، ويكون العقاب على قدرها، وتصغر بصغر المجرم، ويكون العقاب على قدرها؛ وذلك لأنَّ الجريمة هوان، وأن الهوان يسهل على الضعيف؛ إذ لا قوة نفس تعصمه وتنهاه، وأن العبد والأمة في ذلٍّ وهوان، فالجريمة منها قريبة، فيعذران، ويخفف عليهما العقاب، وذلك هو منطق العدل المستقيم، وهو شرع الله العظيم. حد القذف: ٢١٠- القذف هو رمي المحصنات والمحصنين بالزنى، من غير دليل مثبت، بل بمجرَّد الظنّ الواهم، أو الإيذاء الآثم، وفي ذلك تهوين للجريمة وإشاعة للفاحشة في الذين آمنوا، ولذلك كان العقاب الصارم على من يقذف، ويرمي المحصنين والمحصنات من غير تثبت ولا تحرج، ولقد قال الله تعالى في ذلك مبينًا له بعد حد الزنى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤، ٥] . وهذا النص السامي دلَّ على أمور ثلاثة: أولها: إنَّ الرمي بالزنى لا بُدَّ أن يكون ثابتًا بشهادة أربعة من الشهداء وإلّا عُدَّ قذفًا باطلًا، وكان له عقوبة قاسية، وهو الجلد ثمانين جلدة، وهو عقوبة مادية لا هوادة فيها. ويدل ثانيًا على أنَّ هناك عقوبة أدبية أو تبعية كما يقول علماء القانون، وهو ألا تقبل لهم شهادة أبدًا؛ لأنَّهم دنسوا ألسنتهم بقول أفحش الباطل، فيعاقبون على ذلك بألَّا يقبل منهم قول في قضاء، والتأييد يقتضي أنَّ التوبة لا تسوغ سماع شهادتهم. ويدل ثالثًا على أنَّ التوبة تقبل عند الله إذا تابوا وأصلحوا، وذلك لا يمنع نزول العقاب الأصلي والتبعي؛ لأن التبعي أبدي. وإنَّ هذه العقوبة لمنع إشاعة الفاحشة؛ لأنَّ الاتهام بالنى وخصوصًا للأبرياء يسهل ارتكابه، ولقد قال الله تعالى في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ [النور: ١٩] . ولقد ضرب الله مثلًا للذين آمنوا بحال أم المؤمنين السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها، وهي الطاهرة بنت الطاهرة، وزوج أطهر من في هذا الوجود، تطاول المفترون عليها بالإفك، وقال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى

стр. 352

كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ، لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١١-١٨] . هذا توجيه عظيم لمن يسمع إفكًا على طاهر من الطاهرين، أو طهارة بينة الطهارة، فأول واجب على المؤمن إذا سمع إفكًا أن يظنّ خيرًا بالمؤمن، ويجعل حال الصلاح هي الظاهرة، وهي الحاكمة، فإن كان ممن يظن الظنون فعليه أن يثبت حتى يجيء الدليل، وهو أربعة شهداء، ليكون الدليل مقابلًا لظنِّ الخير بأهل الإيمان، فإن لم يكن الدليل كان على المؤمن أن يقول هذا بهتان عظيم، وأنه لا يسوغ لمؤمن أن يتلقى قولًا يرمى من غير دليل، ولا تثبت، ثم يزيد الظن به، فيقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ويحسبونه تسلية، وأمرًا هينًا، وهو عند الله عظيم. وفي هذا النص السامي بيان للمستهينين الذين يشيعون القول الفاسد، وما ينبغي أن يكون عليه المؤمن، وأنَّ الإسلام يريد جماعة طاهرة عفيفة لا يسودها إلَّا الكلام الطيب النزيه العف. اللعان: ٢١١- جاء رجل إلى النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- يبثه شكواه ويقول: "إن الرجل يجد الرجل مع أهله، فإن قتله قتلتموه، وإن تكلم ضربتموه، وإن سكت سكت على غيظ، اللهم بيِّن"، فكان اللعان. وهو يكون في حال رمي الرجل زوجته بالزنى، فقد جعل الله تعالى حكمًا خاصًّا مخصصًا لمن يرمي أيَّ محصنة غير زوجته؛ لأنه لا يمكن أن يرمي زوجته إلا وهو في عذر غالبًا، فكان اللعان للتثبت من الواقعة التي تتضمن الوقوع في الفاحشة من الزوجة، وقد بيِّنَ الله تعالى اللعان بقوله تعالت كلماته: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ

стр. 353

اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٦-١٠] . والشهادة هنا هي الحلف بالله تعالى؛ لأن الحلف فيه إشهاد لله ، فالرجل يحلف أربع مرات أنه صادق فيما رماها به من الزنى، أو نفي الولد إن كان الرمى بعدم نسبة الولد إليه، ويتضمَّن ذلك الرمي بأنها حملت به من الزنى، فإذا حلف هذه المرات الأربع، حلف الخامسة بأن يحلف بالله أنَّ لعنة الله تنزل به إن كان من الكاذبين. والمرأة ينزل عليها العقاب، وما حده القرآن الكريم، فتحلف أربع مرات إنه لمن الكاذبين، وتحلف الخامسة بأنَّ عليها غضب الله إن كان من الصادقين. وأنَّ التحالف إن تمَّ على هذا الوجه رفع عن الرجل عقوبة القذف، وهو ثمانون جلدة، وعن المرأة عقوبة الزنى، ولقد حكم النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- بذلك. ولكنه -صلى الله تعالى عليه وسلم- فرَّقَ بينهما فرقة أبدية ما داموا على هذه الحال؛ لأنَّ الحياة الزوجية تقوم على المودة، والمودة تقتضي الثقة بين الزوجين، وبعد هذا الترامي وتكذيب كل واحد لصاحبه ذهبت الثقة، ولا مودة مع فقد الثقة، فلا يتحقق معنى الزوجية الذي نصَّ عليه في كتابه الكريم ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] ، ولا تراحم بين زوجين يشك أحدهما في صاحبه، ولا يطمئن إليه. ٢١٢- وإن ما ذكرناه من نصوص القرآن من الزنى والقذف واللعان يتجه بالمؤمن إلى أن يكون طاهرًا نزهًا عفيفًا، ويتجه بالجماعة الإسلامية إلى أن تسودها الفضيلة، فلا تترامى برفث القول وفسوقه؛ لأنَّ القول يؤدي إلى فعله، والترامي بالفاحشة يؤدي إلى ارتكابها. وإن الرذائل لا تنمو إلَّا في أجواء فاسدة، والفضائل لا تخبو إلَّا في أوباء الرذائل. ولعلَّ فساد مجتمعاتنا الحاضرة سببه الترامي بالفحشاء صراحة، أو بلحن القول إذ يحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله. الخمر: ٢١٣- ذكرنا حدودًا أقيمت لحفظ النفس والمال، وحدودًا أقيمت لحفظ النسل وحفظه البيئة الاجتماعية، والآن نذكر ما يفسد العقل، وقد ترك الله سبحانه لنبيه تقدير العقوبة لها، وإن كانت الجريمة قريبة من جريمة القذف ومن جنسها، ولذلك فهم فقيه

стр. 354

الصحابة علي -كرَّم الله وجهه- عقوبتها من عقوبة القذف، وقد جاءت النصوص القرآنية مشيرة إلى مضار الخمر، وأنها شراب مذموم، وجاءت بالنهي عنها، وأول آية نزلت مشيرة إلى أنها أمر غير حسن قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ٦٧] . وقد كان ذلك النص متضمنًا استهجانًا لها، وهو استهجان ببيان أنها شيء غير مستحسن في ذاته، فهو مقابل للأمر المستحسن. والمقابل للمستحسن لا يكون إلا مستهجنًا. وكان ذلك أول تنبيه للعرب باستهجانها؛ لأنهم كانوا يألفونها في جاهليتهم ويتفاخرون بشربها كما يفعل أهل الجاهلية في هذا الزمان الذي نعيش فيه. وهذه الآية نزلت في مكة، فلما كانت الهجرة، وأشرب المسلمون حب الإسلام أشار القرآن إلى ما يوجب تحريمها، فقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] . وقلنا: إنَّ هذا النص السامي يوجب تحريمها؛ لأنَّ كل أمر غلبت مضاره على منافعه يوجب العقل أن يحرمه الإنسان على نفسه، لأنه ما من شيء إلا فيه نفع نسبي وضرر نسبي، والعبرة بما يغلب، ولكنه ليس تحريمًا صريحًا، ولذلك بعد هذا النص كان عمر ﵁ يقول: اللهم بَيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا. وإن النفس العربية كانت قد ألفت شربها وتعودته، فلا بُدَّ من تربية تخلع هذه العادة غير الحسنة، فجاء النصّ الآخر الكريم ليربِّي النفس على البعد عنها، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] . وإنَّه لا يتصور إيمان من غير صلاة، فالصلاة أمر محتوم، وقد نهى عن أن يقربها وهو سكران، حتى يعلم ما يقول: والعلم بما يقول هو العلم ما ينبغي قوله، وما لا ينبغي، ونتائج القول، وتحري الصدق، وكل هذا لا يكون إلَّا من ذوي وعي كامل مدرك لحقائق الأمور وغاياتها، ولا يكون ذلك إلَّا إذا كان على بعد من الشرب بوقت طويل، وقال : ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ ، ولم يقل: لا تدخلوا في الصلاة؛ لأنَّ النهي عن المقاربة أبلغ من النهي عن الدخول. وإذا كانت الصلوات خمسًا موزَّعة في النهار وزلفًا من الليل، فإنه لا بُدَّ أن يكون على صحوٍ كامل من قَبْل الفجر حتى لا يقرب صلاة الفجر وهو لا يعلم ما يقول، ولا بُدَّ أن يكون في صحو قبل الظهر، ولا بُدَّ أن يكون الصحو مستمرًّا إلى العصر،

стр. 355

لقرب ما بينهما، ومثل ذلك المغرب والعشاء، وبذلك يذوق المسلم حلاوة البعد عنها، كما تعوَّدها من قبل، وهي شراب غير مريء. فكان ذلك النص الكريم تربية للنفس المؤمنة، وعلاجًا لترك أمر مذموم ألفوه بأمر حسن عرفوه وذاقوا حلاوته. ولم يجد عمر المدرك بنور الله في ذلك بيانًا شافيًّا؛ لأنه يغرب في نهي قاطع، لا تردد فيه. ولقد نزل بعد ذلك الأمر الحاسم القاطع الناهي نهيًا لازمًا فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١] . وقد قال علماء البلاغة: إنَّ قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ هي أبلغ صيغ النهي، ويجدر بنا هنا أن ننبه إلى أمرين: الأمر الأول: إنَّ أهل الجاهلية في هذا العصر يقولون: إنه لم يكن ثمَّة نص على النهي مثل قوله: "لا تشربوا"، وأن ذلك القول التافه كان غير جدير بالالتفات إليه، ولكن كثير ترداده، فحق علينا البيان فنقول: إن النص الكريم شدَّد في النهي من وجوه كثيرة: أولها: إنه قرن الخمر والميسر بالعبادة بالذبح على النصب، وتلك قريبة التحريم في ذاتها. وثانيها: إنَّه وصفها بأنها من عمل الشيطان، وأنها رجس، أي: أمر قذر في ذاته، فهي ضارة، ولا تتقبلها النفس الفطرية، ومضارّها الجسمية معلومة لكل مدرك أريب. وثالثها: إنَّه طالب باجتنابها، والاجتناب يقتضي البعد عنها، وعن مجالسها، وعن شاربيها، وذلك أبلغ من قولك: لا تشربها. ورابعها: إنها تدفع إلى العداوة والبغضاء، وهما أمران مفسدان، مقوضان لبناء المجتمع. وخامسها: إنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، والصلاة فرض لازم هو شعار الإسلام، والصدّ عنه أشد الأمور في الإسلام فهو حرام، فكل ما يؤدي إليه يكون حرامًا مثله؛ لأنَّ ما يفضي إلى الحرام يكون حرامًا. وسادسها: قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ، وقد قلنا أنَّها أبلغ صيغة في النهي عن الفعل.
следующие страницы →