← Адаб

Адаб · id 23138

الشعر في خراسان من الفتح إلى نهاية العصر الأموي

حسين عطوان

Полный текст (311 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وادعى الفضل لأنه شاخ، فإن من تقدمت به السن من الأزد يفسد عقله، ويخلط تفكيره، ولذلك فإن الناس لا يحملون ما يهذي به محمل الحد، بل يصفحون عنه، ويشفقون بسببه عليه. وهو يعود من ناحية ثالثة إلى اعتقاد أفراد كل قبيلة أو حلف بوجوب تحزب الوالي لهم، وخصه إياهم بالمناصب، لأنه ينتسب إليهم، ولأن فترة حكمه هي الفرصة المتاحة لهم، لتعويض ما فقدوه من المراكز والمنافع في الفترات الماضية. وأسطع شاهد على ذلك هذه المقطوعة لثابت قطنة في هجاء أسد القسري١: أرى كل قوم يعرفون أباهم ... وأبو بجيلة بينهم يتذبذب إني وجدت أبي أباك فلا تكن ... ألبا علي مع العدو تجلب٢ أرمي بسهمي من رماك بسهمه ... وعدو من عاديت غير مكذب أسد بن عبد الله جلل عفوه ... أهل الذنوب فكيف من لم يذنب أجعلتني للبرجمي حقيبة ... والبرجمي هو اللئيم المحقب٣ عبد إذا استبق الكرام رأيته ... يأتي سكيتا خاملا في الموكب٤ إني أعوذ بقبر كرز أن أرى ... تبعا لعبد من تميم محقب ذلك أن أسدا قلد ثابتا ولاية سمرقند في إمارته الأولى، ثم أعفاه منها وولاها عيسى بن شداد البرجمي التميمي، وجعله المسؤول الأول عنها، وثابتا الرجل الثاني بعده. فثار لنقص أسد درجته، لأنهما يتحدران من أصل واحد، ما يقضي أن يثبته ويرفعه لا أن يخفض منزلته. وهذه المقطوعة لأبي الأنواح مطرف الهجيمي٥، في هجاء نصر بن سيار٦:

стр. 177

ألا أبلغ أبا ليث رسولا ... علانية وليس من السرار أإن أدنيت أو أعطيت قصرا ... ووافقت المعيشة في قرار ظللت علي من أشر تنزى ... ستعلم في الكريهة من تجاري١ فذر أهل الحروب فلست منهم ... وراجع صفق كفك في التجار٢ فتلك تجارة إن قلت فيها ... صدقت حديثها ليست بعار وإنما ذم أبو الأنواح نصرا بأنه حديث النعمة، طارئ على الرئاسة، هيوب في القتال، بارع في التجارة، لأنه أهمله، ولم يبوئه المنصب الذي كان يستحقه أو الذي كان يطمع فيه، ولأنه كان رأس بني تميم في أيامه بخراسان، كما أنه كان ينتظر منه أن يقربه أو يحابيه، لأنه من كتلة بني تميم وأعوانهم. وظاهر أن أسلوب الهجاء عند العرب بخراسان لم يختلف عن أسلوب شعراء العراق، فكلهم اتكأوا في جانب كبير من أهاجيهم على المثالب التي اتكأ عليها الشعراء الهجاؤون في الجاهلية، إذ عابوا مهجويهم بوضاعة النسب، ودناءة الحسب، وبالبخل وشدته، وبالإحجام وقلة البلاء في الحروب، وبالجهل وخفة العقول، وبالغدر والتحلل من المواثيق، وإن كان بعض شعراء خراسان قد طعنوا في إسلام بعض مهجويهم، واتهموهم بضعف العقيدة، كما مر بنا عند مالك بن الريب التميمي في هجائه لسعيد بن عثمان، شأنهم في ذلك شأن شعراء العراق، الذين تشككوا في إسلام بعض مهجويهم، ورموهم بفساد الدين. ويحسن أن نشير إلى أن شعراء الحلفين المتعارضين لم يشتبكوا في معارك هجائية لأسباب قبلية أو حزبية، بل لأسباب شخصية وفنية، نشأت عن تسابقهم إلى المكانة الأدبية، كما رأينا في الخصومة التي احتدمت بين زياد الأعجم، والمغيرة بن حبناء التميمي وفي الخصومة التي ثارت بين ثابت قطنة الأزدي، وحاجب بن ذبيان التميمي. ولكن شعراء الحلف الواحد، وخاصة شعراء الأزد، وبكر وعبد

стр. 178

القيس هم الذين شجر الخلاف بينهم، واختصموا، وبالغ بعضهم في هجاء بعض، وفي هجاء زعمائهم، لأن قبائل هذا الحلف، وإن اتحدت لاشتراكها في الهدف السياسي، وهو منافسة قيس وتميم، فإنها كانت متباغضة متحاسدة، وكانت كل قبيلة منها تحس ذاتها، وتقدم مصلحتها على مصلحة غيرها، وفي اصطدام كعب الأشقري بزياد الأعجم، وفي هجاء نهار بن توسعة البكري ليزيد بن المهلب، وهجاء ثابت قطنة لأسد القسري ما يفصح عن تنافرها وتناحرها. أما شعراء قيس وتميم فلم يشتبكوا في معارك هجائية، ولم يهاجموا أمراءهم إلا نادرا، كما يتضح في سخط أبي الأنواح الهجيمي على نصر بن سيار، لأنه جفاه، ثم إنهم هم الذين انتقدوا الولاة المترددين الخائبين في الحروب، لاستنهاض هممهم وتحميسهم، حتى يفوزوا في الغزوات التالية، على نحو ما استظهرنا ذلك من هجاء مالك بن الريب التميمي لسعيد بن عثمان بن عفان، ومن هجاء عقاب اللقوة التميمي، وعبد الرحمن بن خالد القرشي لأمية بن عبد الله الأموي. جـ- الفخر: وأما الفخر فتطور به الشعراء بخراسان تطورا فرقه عما كان عليه في الجاهلية، فهم لم يتمجدوا فيه بأنسابهم وقبائلهم ومآثرهم، ولا بمنعتها وعزتها ولا بأخذها الثأر لأبنائها، ولا بنجدتها للمستصرخين، ولا بحمايتها للمستجيرين، ولا بإطعامها للمحتاجين، وإنما تمجدوا فيه بمواقف قبائلهم من الأحداث العظام التي كانت تؤثر في حاضر الأمة، وتقرر مصيرها، فقد تغنوا فيه بنضالها في سبيل العرب والمسلمين، وبإخلاصها للجماعة والخليفة، وإن سقطت إلى قصائدهم بعض عناصر الفخر الجاهلية، فإنها تكون قليلة ضيئلة، كما أن الشاعر الذي كان يبدأ بالمكاثرة بنسبه وماضي قومه، هو الذي كان يقود خصمه إلى مفاخرته بأصوله، وأحساب قبيلته. ولا مفر من التنويه بأن شعراء القيسية والمضرية لهم أكثر القصائد الفخرية، وأنهم هم الذين أعطوا القصيدة الفخرية العربية بخراسان مضمونها الجديد، وهو

стр. 179

مضمون يعود إلى إحساس شعراء هذه القبائل بأنهم لا يعيشون وحدهم، ولا لقبائلهم، ولا للدفاع عن حماها وذمارها، بل لأنفسهم ولغيرهم، وللحفاظ على حقيقتهم، وحقيقة القبائل الأخرى، وإن اختلفت معهم وزاحمتهم. ثم إن القبائل العربية بخراسان، وإن ظلت منظمة تنظيما قبليا، وبقيت كل قبيلة منها متمسكة بكيانها، فإن وظيفة هذا التنظيم القبلي كانت في جوهرها وظيفة عسكرية فكل قبيلة كانت أشبه بلواء عسكري تصارع مع سواها من ألوية القبائل جيش الترك في حروب مستمرة طاحنة، كانت تلتهم كل متراجع ومحجم. وهي حروب لم يكن النسب أو الحسب يقدم فيها للإنسان شيئا، وإنما الذي كان يغني عنه حقا قتاله واستبساله وصموده في المآزق، وتفانيه مع أفراد قبيلته، وتعاونه مع سائر أفراد الألوية الأخرى. ومن أجل ذلك صفت هذه الحروب الدائمة الضارية نفوس شعراء المضرية ونفوس جنودها من رواسب الفخر الجاهلية، وفتحت أمامهم آفاقا جديدة للفخر، هي آفاق الاعتداد بمصارعة الأعداء، والثبات في ميدان التضحية والفداء، وآفاق التمجد بما يحرزه الجندي وأفراد لوائه من نصر عزيز للجماعة. وحتى إن افتخر الشاعر الفارس من القيسية وسائر المضرية بشخصيته، لتنافسه مع غيره من كبار الشخصيات في المجد والسعي إلى السلطة، فإنه كان يفتخر بجهاده من أجل الأمة، وحرصه على تجنيبها الأخطار والدمار، وإن تمدح بقبيلته لتسابقها مع سواها من القبائل إلى الإمارة، فإنه كان يتمدح بدفاع فرسانها عن وجود العرب وما اضطلعوا به من أعمال ماجدة، وما حققوه من فتوحات خالدة نفعت جميع العرب، ورفعت من مكانتهم. ومهما تضق دائرة الفخر، وتبد فيها بعض مظاهر الفردية والعصبية، فإنها لا تتحول عند شعراء المضرية كافة إلى صورة ثانية عن الفخر الجاهلي، وإنما تصبح من قبيل الرد المشروع على تبجح شاعر مغرور موتور من الأزد، استحكمت في نفسه الكراهية لهم، وتمكنت منها الأطماع، فانزلق إلى التنفخ القبلي، وجاوزه إلى الوعيد والتهديد.

стр. 180

ومن أدق القصائد تمثيلا لصورة الفخر الجديدة، هذه القصيدة للأصم بن الحجاج الباهلي، وهي تتوالى على هذا النمط١: ألم يأن للأحياء أن يعرفوا لنا ... بلى نحن أولى الناس بالمجد والفخر نقود تميما والموالي ومذحجا ... وأزد وعبد القيس والحي من بكر نقتل من شئنا بعزة ملكنا ... ونجبر من شئنا على الخسف والقهر سليمان كم من عسكر حوت لكم ... أسنتنا والمقربات بنا تجري٢ وكمن من حصون قد أبحنا منيعة ... ومن بلد سهل ومن جبل وعر ومن بلدة لم يغزها الناس قبلنا ... غزونا نقود الخيل شهرا إلى شهر مرن على الغزو الجرور ووقرت ... على النفر حتى ما تهال من النفر٣ وحتى لو ان النار شبت وأكرهت ... على النار خاضت في الوغى لهب الجمر تلاعب أطراف الأسنة والقنا ... بلباتها والموت في لجج خضر٤ بهن أبحنا أهل كل مدينة ... من الشكر حتى جاوزت مطلع الفجر ولو لم تعجلنا المنايا لجاوزت ... بنا ردم ذي القرنين ذي الصخر والقطر ولكن آجالا قضين ومدة ... تناهى إليها الطيبون بنو عمرو فمع أن الشاعر كان ممزق النفس، مفرق العواطف، موزع الفكر، لما كان يحسه من الألم والحزن الشديد، بعد مقتل قتيبة بن مسلم الباهلي غيلة بفرغانة، فإنه لم يفتخر في قصديته إلا بسياسة قتيبة الحازمة وقيادته الصارمة، فإذا كل القبائل بخراسان تذعن له، لأنه كان يقوم المعوج منها، ويعاقب المذنب فيها، وإذا هو ينجز بها ولها الانتصار. وهو يذكر سليمان بن عبد الملك بما أحرز قتيبة من الفتوحات في أثناء ولايته، فلقد جعل غايته فيها غزو ما وراء النهر فأباد الجيوش الجرارة،

стр. 181

واجتاح القلاع الحصينة، واجتاز من الأرض سهلها وجبلها، وافتتح من المدن والبلدان ما لم يخطر ببال من سبقه من العمال أن يزحف إليه، ولم يفكر في الإغارة عليه. وجعل ديدنه إعداد الخيول وتدريبها، فإذا هي لطول التمرين، ولكثرة ما بلت الحرب، لا تبالي بالمهالك، ولا تهاب الردى، حتى إنها لو أريدت على النار المستعرة لاقتحمتها، ولاحتملت وقع الرماح بنحورها وأعناقها، دون أن تحيد عنها أو تخاف منها. فبهذه الخيول الأصيلة الكريمة استباح قتيبة وجنده حصون الترك وهزم عساكرهم ولو تأخرت عنه المنية حينا من الدهر، لبلغ مطلع الشمس، ولاحتل كل بلاد الصين، بل لتعداها. فالشاعر لم يفاخر بأصل قتيبة، ولا بماضي قبيلته، وإنما فاخر القبائل كلها، وطاول الخليفة نفسه بإدارته الحكيمة، ومنجزاته العظيمة، مما كان فيه الخير والقوة للعرب أجمعين، وما جعله أهلا لأن يكون بطلا من الأبطال الخالدين على مر الأجيال والسنين. ولم تنحصر آثار هلاك قتيبة في مطاولة القبائل بعضها لبعض، ولا في عزو كل منها الدور الأساسي في قتله لنفسها، ولا في تصريحها أو تلويحها بأنها إنما أودت بحياته لأنه عصا الخليفة، وإنما أغرت بعض شعراء اليمنية بالكشف عن دخائل نفوسهم وعدائهم الدفين لتميم، فإذا شاعر كالزغل الجرمي ينذر بني تميم بأن اليمنية سينتقمون منهم لأنهم ناصروا عبد الله بن خازم على الأزد وربيعة، إذ يقول١: أبعد قتيلينا بمرو تعدنا ... تميم نسينا أو ترجي لنا نصرا فنحن مع الساعي عليكم بسيفه ... إذا نحن آنسنا لعظمكم كسرا ربيعة لا تنسى الخنادق ما مشت ... ولا الأزد قتلتم سراتهم قسرا فرد عليه جرير بن عرادة التميمي بقصيدة فخرية منها قوله٢: وقد قلت للزغلي لا تنطق الخنا ... فإني لم أفخر عليك بباطل٣

стр. 182

متى تلقنا عند المواسم تحتقر ... سليما وتغمرك الذرى والكواهل١ وترجع وقد قلدت قومك سبة ... يعضون من مخزاتها بالأنامل ومنا رسول الله أرسل بالهدى ... وأنت مع الجحاد سحار بابل ولم يجعل الله النبوة فيكم ... ولا كنتم أهلا لتلك الرسائل ولكنكم رعيان بهم وثلة ... تردون للمعزى بطون المسايل٣ إذا الخيل ألوت بالنهاب فزعتم ... إلى حفل الضرات قمر الجحافل٤ إلى حرة سوداء تشوي وجوهكم ... وإقدامكم رمضاؤها بالأصائل فإن كنت أزمعت المهاداة فالتمس ... مساعي صدق قبل ما أنت قائل فإنك مجرى في الجياد فمتعب ... إلى أمد لم تخشه متماحل٥ وأنت حديث السن مستنبط الثرى ... سقطت حديثا بين أيدي القوابل وذاك ولم تسمع بأعور سابق ... دقيق الشوى أرساغه كالمغازل٦ نصبتم لبيت الله ترمون ركنه ... وكان عظيما رميه بالجنادل ونحن حززنا من قتيبة رأسه ... وذاق ابن عجلى حد أبيض فاصل٧ عشية نحدو قيس عيلان بالقنا ... وهم بارزو الإستاة حدل الكواهل٨ فابن عرادة لم يبدأ المكاثرة والوعيد، فقد هب للدفاع عن قومه، لأنه استشف أن الزغل الجرمي لم ينطلق في تهديده لهم من ذاته المريضة الحاقدة فحسب، وإنما

стр. 183

انطلق فيه أيضا من السياسة الحقيقية للأزد وبكر، وما كانت تقوم عليه من إضمار الشر والعدوان لبني تميم، وانتظار الفرص المواتية لاضطهادهم وإذلالهم. ولذلك فإنه رد عليه ردا عنيفا، عمد فيه إلى استعراض تاريخ الأزد وبني تميم في الجاهلية والإسلام استعراضا عميقا نفاذا، لينتهي إلى إخراسه، ووضع قومه في الوضع اللائق بهم، وليعري موقفهم الخبيث اللئيم، لا من بني تميم وحده بل من القبائل الثائرة على بني أمية، والأحزاب المناوئة لهم. فقد هاجمه هجوما مضادا من ناحيتين: أولاهما منزلة الأزد وبني تميم في الماضي والحاضر، وأخراهما موقف كل منهم بعد الإسلام. فمن الناحية الأولى لا يقاس الأزد ببني تميم أصلا وجاها، وغنى وبأسا، فهم رعاة أغنام، يجيدون تربيتها وخدمتها، ولا يحسنون القتال، ولا يفيدون في الشدائد والنوازل، بل هم إذا اشتعلت نار الحرب، وخرج الفرسان منها منتصرين، وعادت خيولهم تحمل الأسلاب، اختفوا عن أعين الناس، وانزووا في أرضهم المجدبة القاحلة، وعكفوا على قطعان أغنامهم، فرحين بها، مكتفين بألبانها، وبنو تميم عظماء أصلاء يضربون بجذورهم في أعماق التاريخ، ومقاتلون أشداء يفتكون بأعدائهم فتكا، وفي قتلهم لعبد الله بن خازم، وقتيبة بن مسلم دليل لا يدفع على جبروتهم وسطوتهم. ومن الناحية الثانية لم يكن الأزد أهل تقوى وصلاح، حتى يظهر فيهم عظيم، أو يؤثر عنهم موقف كريم، فهم خلو من الاستقامة والنزاهة، طارئون على مسرح السياسة ومعترك الأحداث، متلونون متقلبون، انحازوا إلى المختار الثقفي السحار الدجال ليشتهروا، فلما قضى مصعب بن الزبير عليه، أصبحوا أدوات وصنائع للأمويين، فبطشوا بالقبائل المتمردة، وانتهكوا الحرمات والمقدسات، واجترأوا على ضرب مكة والمسجد الحرام بالمجانيق. وبنو تميم من المضرية، أصحاب القدر والخطر، وبيت النبوة، وهم أرباب العقائد والمبادئ الراسخة، والمواقف الشريقة المعروفة. فالفخر في قصيدة ابن عردة التميمي يرتكز في جانب من جوانبه على ماضي قومه المرموق، وأصلهم العريق، لانتسابهم إلى المضرية، أولي الفضل، بل أهل النبوة

стр. 184

والرسائل، ويرتكز في جانب آخر من جوانبه على حاضرهم الإسلامي المشرق، وعملهم الخير، فقد كانوا متشبثين بالدين، في مواقفهم من الدولة، متصلبين في انتصارهم للحق والعدل. ويصح أن نحمل على هذا الوجه مقطوعة أخرى لمنقذ بن عبد الله القريعي التميمي قالها في ظلال الخلاف الأخير بين اليمنية والربعية، وبين المضرية، وهي تجري على هذا النحو١: سائل ربيعة والأحياء من يمن ... عن حربنا إنهم قوم بنا خبر ترى فوارس سعد غير ناكلة ... بيض الوجوه إذا ما اسودت الصور٢ فازوا بحظوتها عفوا وأحرزها ... منهم بهاليل والأخطار تبتدر٣ وكل أيامنا غرة مشهرة ... إذا تذوكرت الأيام والغرر رامت ربيعة والأحياء من يمن ... أن يقهرونا فهم بالله ما قهروا وحقا هو يفتخر بصلابة فرسان قومه، وإقدامهم في الحرب، وصبرهم على المكروه، وسبقهم غيرهم في المجد والشرف، ولكنه يبرز حقيقتهم، وفضلهم في أنفسهم، ومبادراتهم المستمرة إلى حماية العرب بخراسان. فقد يسرت لهم هذه الصفات الأصيلة إخماد كل الفتن التي أثارها اليمنية والربعية، والتي خططوا في كل فتنة منها لاستبعاد المضرية، ومكنتهم من الحفاظ على حريتهم، وحرية البقية الباقية من العرب. وهم في الفتنة الأخيرة لا يكافحون عن أنفسهم وقومهم، بل يكافحون كذلك ذبا عن الوالي الشرعي، ودعما لسيادة العرب التي أخذت تتعرض للانهيار منذ بداية الفتنة، ثم لم تلبث أن انقضت واندثرت بعد زمن قصير. ولو أخذنا المقطوعة أخذا خاطفا دون أن نحيط بالظرف التاريخي الذي نظمت

стр. 185

فيه، لخفي علينا فهمها فهما دقيقا، ولقلنا إنه يستكبر فيها على اليمنية والربعية استكبارا ممقوتا، ويتنفخ عليهم تنفخا فارغا. واستمع إلى نصر بن سيار يتمدح ببطولته في معركة الشعب تمدحا يقول فيه١: إني نشأت وحسادي ذوو عدد ... يا ذا المعارج لا تنقص لهم عددا إن تحسدوني على حسن البلاء لكم ... يوما فمثل بلائي جر لي الحسدا يأبى الإله الذي أعلى بقدرته ... كعبي عليكم وأعطى فوقكم عضدا٢ نرمي العدو بأفراس مكلمة ... حتى اتخذن على حسادهن يدا٣ من ذا الذي منكم في الشعب إذ وردوا ... لم يتخذ حومة الأثقال معتمدا فما حفظتم من الله الوصاة ولا ... أنتم بصبر طلبتم حسن ما وعدا ولا نهاكم عن التوثاب في عتب ... إلا العبيد بضرب يكسر العمدا هلا شكرتم دفاعي عن جنيدكم ... وقع القنا وشهاب الحرب قد وقدا وضربي الترك عنكم يوم فرقكم ... بالسيف في الشعب حتى جاوز السندا فهو يجابه منافسيه الذين اهتضموا دوره الكبير في صد الترك الذين كادوا يفنون الجيش العربي، وهو يعتمد في مجابهته لهم على قتاله الباسل، حين انكسرت عزائم الجنود العرب، وولوا الأدبار إلى نسائهم وأمتعتهم، دون أن يردعهم عن الفرار من ساحة المعركة تفكير في مصيرهم، أو في مستقبل غيرهم، أو يرغبهم في الجهاد والاستشهاد عزة في الدنيا أو ثواب في الآخرة. ولعل في الشواهد القليلة السابقة ما يبين كيف أن الشعراء العرب بخراسان اتجهوا بالفخر اتجاها جديدا، غيروا به مضمونه الجاهلي، لأنهم اعتدوا فيه اعتدادا

стр. 186

قويا بحاضر قبائلهم ومواقفها المؤيدة للمصلحة العامة، واستمدوا فيه استمدادا محدودا من ماضيها وتاريخها القديم. د- الرثاء: وأما الرثاء فبث فيه الشعراء أحزانهم وآلامهم لفقد عظام الولاة، وضخام الشخصيات، أو لهلاك أشقائهم وأبنائهم، ووصفوا ما أصاب العرب عامة، وما حل بأهل الموتى والقتلى خاصة من الرزء الفادح لغيابهم. بل هم قد جمعوا فيه بين الندب والتأبين، وأضافوا إليهما العزاء، إذ بكوا المفقودين والهالكين، وناحوا عليهم، ودعوا بالرضوان لهم. وعددوا فضائلهم، وأحصوا محامدهم، وتطرقوا إلى التعزية فيهم، مرددين أن الموت قدر محتوم. وأقل ما نقل من شعر الرثاء بخراسان يتعلق برثاء الشهداء الذين جادوا بأرواحهم وهم يفتحون خراسان، أو وهم يغيرون على بلاد ما وراء النهر، ومن أقدمه بيتان من قصيدة طويلة لكثير بن الغريزة النهشلي يستنزل فيهما رحمة الله الواسعة على الفرسان الذين استشهدوا مع الأقرع بن حابس التميمي في فتح الجوزجان، وهو يقول فيهما١: سقى مزن السحاب إذا استهلت ... مصارع فتية بالجوزجان٢ إلى القصرين من رستاق خوط ... أقادهم هناك الأقرعان٣ ومن أندره وأشرفه وأبلغه ثلاث قصائد طوال للشمردل بن شريك اليربوعي

стр. 187

التميمي١، في رثاء إخوته الثلاثة الذين استشهدوا في جهاد الفرس والترك، على حدود خراسان في آخر القرن الأول. قال أبو الفرج الأصفهاني٢. "كان الشمردل بن شريك شاعرا من شعراء بني تميم في عهد جرير والفرزدق، وكان قد خرج هو وإخوته: حكم، ووائل، وقدامة إلى خراسان، مع وكيع بن أبي سود، فبعث وكيع أخاه وائلا في بعث إلى سجستان، فقال له الشمردل: إن رأيت أيها الأمير أن تنفذنا معا في وجه واحد، فإنا إذا اجتمعنا تعاونا وتناصرنا وتناسبنا فلم يفعل ما سأله، وأنفذهم إلى الوجوه التي أرادها". قال أبو عبيدة معمر بن المثنى٣: "ولم ينشب أن جاءه نعي أخيه قدامة من فارس، قتله جيش لقوهم بها، ثم تلاه نعي أخيه وائل بعده بثلاثة أيام" فقال يرثيهما٤: أعاذل كم من روعة قد شهدتها ... وغصة حزن في فراق أخ جزل٥ إذا وقعت بين الحيازيم أسدفت ... علي الضحى حتى تنسيني أهلي٦ وما أنا إلا مثل من ضربت له ... أسى الدهر عن ابني أب فارقا مثلي٧ أقول إذا عزيت نفسي بإخوة ... مضوا لاضعاف في الحياة ولا عزل٨

стр. 188

أبى الموت إلا فجع كل بني أب ... سيمسون شتى غير مجتمعي الشمل سبيل حبيبي اللذين تربصا ... دموعي حتى أسرع الحزن في عقلي١ كأن لم نسر يوما ونحن بغبطة ... جميعا وينزل عند رحليهما رحلي فعيني إن أفضلتما بعد وائل ... وصاحبه دمعا فعودا على الفضل٢ خليل من دون الأخلاء أصبحا ... رهيني وفاء من وفاة ومن قتل فلا يبعدا للداعيين إليهما ... إذا أغبر آفاق السماء من المحل٣ فقد عدم الأضياف بعدهما القرى ... وأخمد نار الليل كل فتى وغل٤ وكانا إذا أيدي الغضاب تحطمت ... لواغر صدر أو ضغائن من تبل٥ تحاجز أيدي جهل القوم عنهما ... إذا اتعب الحلم التترع بالجهل٦ كمستأسدي عريسة لهما بها ... حمى هابه من بالحزونة والسهل٧ فهو حزين مكلوم، قد أظلمت عليه الدنيا، وأخذ يتجرع الحياة غصصا مريرة، ويذرف الدموع الغزيرة، حتى كاد يجن لموت أخويه. ولا يلبث أن يعزي نفسه بهما، ويخفف عنها الخطب فيهما، فقد كانا بطلين مغوارين جبارين، قتلا في ساحة الوغى، واستشهدا في النضال عن حوزة الإسلام، ولا سبيل إلى الخلود، والبقاء السرمدي فيها. ثم ينتقل إلى تأبينهما، منوها بخصالهما الحميدة من كرم فياض في الحدب، وحلم عند الغضب، وسداد في الرأي، وجلالة ومهابة في قومهما. وقال يرثي أخاه وائلا، وهي من مختار المراثي، وجيد شعره٨:

стр. 189

لعمري لئن غالت أخي دار غربة ... وآب إلينا سيفه ورواحله١ وحلت به أثقالها الأرض وانتهى ... بمثواه منها وهو عف مآكله٢ لقد ضمنت جلد القوى كان يتقى ... به جانب الثغر المخوف زلازله٣ وصول إذا استغنى وإن كان مقترا ... من المال لم يحف الصديق مسائله٤ ملح لأضياف الشتاء كأنما ... هم عنده أيتامه وأرامله رخيص نضيح اللحم مغل بنيئه ... إذا بردت عند الصلاء أنامله٥ أقول وقد رجمت عنه فأسرعت ... إلي بأخبار اليقين محاصله٦ إلى الله أشكو لا إلى الناس فقده ... ولوعة حزن أوجع القلب داخله وتحقيق رؤيا في المنام رأيتها ... فكان أخي رمحا ترفض عامله٧ سقى جدثا أعراف غمرة دونه ... ببيشة ديمات الربيع ووابله٨ بمثوى غريب ليس منا مزاره ... بدان ولا ذو الود منا مواصله إذا ما أتى يوم من الدهر دونه ... فحياك عنا شرقه وأصائله سنا صبح إشراق أضاء ومغرب ... من الشمس وافى جنح ليل أوائله تحية من أدى الرسالة حببت ... إليه ولم ترجع بشيء رسائله

стр. 190

أبى الصبر أن العين بعدك لم يزل ... يخالط جفنيها قذى لا يزايله١ وكنت أعير الدمع قبلك من بكى ... فأنت على من مات بعدك شاغله يذكرني هيف الجنوب ومنتهى ... مسير الصبا رمسا عليه جنادله٢ وهتافة فوق الغصون تفجعت ... لفقد حمام أفردتها حبائله من الورق بالإصباح نواحة الضحى ... إذا الفرقد التفت عليه غياطله٣ وسورة أيدي القوم إذ حلت الحبا ... حبا الشيب واستعوى أخا الحلم جاهله٤ فعيناي إذ أبكاكما الدهر فابكيا ... لمن نصره قد بان منا ونائله٥ إذا استعبرت عوذ النساء وشمرت ... مآزر يوم ما توارى خلاخله٦ وأصبح بيت الهجر قد حال دونه ... وغال امرأ ما كان يخشى غوائله٧ وثقن به عند الحفيظة فارعوى ... إلى صوته جاراته وحلائله٨ إلى ذائد في الحرب لم يك خاملا ... إذا عاذ بالسيف المجرد حامله٩ كما ذاد عن عريسة الغيل مخدر ... يخاف الردى ركبانه ورواحله١٠

стр. 191

فما كنت ألفي لامرئ عند موطن ... أخا بأخي لو كان حيا أبادله وكنت به أغشى القتال فعزني ... عليه من المقدار من لا أقاتله١ لعمرك إن الموت منا لمولع ... بمن كان يرجى نفعه ونوافله٢ فما البعد إلا أننا بعد صحبة ... كأن لم نبايت وائلا ونقايله٣ سقى الضفرات الغيث ما دام ثاويا ... بهن وجادت أهل شوك مخايله٤ وما بي حب الأرض إلا جوارها ... صداه وقول ظن أني قائله وهذه هي أطول قصيدة في رثاء شهيد لقي وجه ربه راضيا مرضيا، وهو يقاتل في سبيل الله بخراسان. وهو يسترسل في تعداد محاسن أخيه، فقد كان كالطود الشامخ الراسخ لكثرة خيره وفضله، فزينت به الأرض موتاها حين لبى نداء ربه، وكان طاهر النفس، شديد البأس يجاهد عن حياض المسلمين، ويسد ثغورهم المخوفة. وكان برا بالسائلين في اليسر والعسر، وعطوفا عليهم، متهللا للمحتاجين، رحيما بهم، كأنهم أهله وأقاربه، بل أيتامه وأرامله. وكان صبورا رزينا، كأنه الشيخ المجرب المحنك. وكان فتى قومه المنصور، وفارس قبيلته المظفر، تفزع إليه، وتأمن به المكاره والمهالك، وتتقي به الأخطار والأهوال. وكان سند أخيه الذي يعتمد عليه، وسيفه الذي يضرب به، لا نظير له بين الرجال في غنائه وبلائه في المحن والشدائد، فلما قضى نحبه ضعف وذل. ثم مضى إلى وصف حرقته عليه، ولوعته به، فقد أضناه الوجد به وأهزله وبكاه بكاء حارا، ووقف دموعه للبكاء عليه. ومما زاد من ألمه وحسرته أنه مات بمكان قصي، يصعب الوصول إليه، وتستحيل زيارته لأنه من بلاد الأعداء، وتلهف على الأيام الماضية التي قضاها معه، حتى لقد خيل إليه بعد أن غاب عنه أنهما لم

стр. 192

يهجعا في الليل. ولم يقيلا في الظهيرة سويا. وأخذ يدعو لقبره بالسقيا، ويحييه على البعد تحيات دائمة أناء الليل وأطراف النهار. ثم قتل أخوه حكم أيضا في وجهه وبرز بعض عشيرته إلى قاتله فقتله، وأتى أخاه الشمردل أيضا نعيه فقال يرثيه١: يقولون احتسب حكما وراحوا ... بأبيض لا أراه ولا يراني٢ وقبل فراقه أيقنت أنني ... وكل ابني أب متفارقان أخ لي لو دعوت أجاب صوتي ... وكنت مجيبه أنى دعاني فقد أفنى البكاء عليه دمعي ... ولو أني الفقيد إذا بكاني مضى لسبيله لم يعط ضيما ... ولم ترهب غوائله الأداني قتلنا عنه قاتله وكنا ... نصول به لدى الحرب العوان٣ قتيلا ليس مثل أخي إذا ما ... بدا الخفرات من هول الجنان٤ وكنت سنان رمحي من قناتي ... وليس الرمح إلا بالسنان وكنت بنان كفي من يمين ... وكيف صلاحها بعد البنان وكان يهابك الأعداء فينا ... ولا أخشى وراءك من رماني فقد أبدوا ضغائنهم وشدوا ... إلى الطرف واغتمزوا لباني٥ فداك أخ نبا عنه غناه ... ومولى لا تصول له يدان فهو متألم لفقد أخيه، على الرغم مما استقر في نفسه من أن الحياة لا تدوم، وأن الموت غاية كل حي، وأن كل أخوين لا بد أن تعدو المنية على أحدهما قبل الآخر.

стр. 193

وهو لا يكاد يصبر على موت أخيه، لعظم رزئه به، فقد كانا أخوين متحابين متراحمين، إذا أصاب أحدهما أذى واساه الآخر، وإذا حاق به خطر هب لنجدته. وكان أخوه سمحا رفيقا بعشيرته، كثير الإحسان إليها، واسع المعروف فيها، مخلصا في الدفاع عنها. فلما مات هان على الناس، إذ أصبح وحيدا لا نصير له، كأنه الرمح لا سنان له يطعن به، واليد اليمنى القوية لا أصابع لها تغني بها. بل لقد تألب الأعداء عليه، واستهانوا به، لضعفه وعجز مواليه! وأكثر ما حفظ من شعر الرثاء بخراسان يتصل برثاء الأشقاء والأبناء والأمراء، الذين قتلوا في الفتن السياسية، أو الذين لاقوا حتوفهم على فرشهم. ومن أول الشعر الذي صاح به الشعراء على صرعى الحروب القبلية مقطوعة لموسى بن عبد الله بن خازم، ناح بها على أخيه محمد، وقد أهلكه بنو تميم بهراة، يقول١: ذكرت أخي والخلو مما أصابني ... يغط ولا يدري بما في الجوانح٢ دعته المنايا فاستجاب دعاءها ... وأرغم أنفي للعدو المكاسح٣ فلو ناله المقدار في يوم غارة ... صبرت ولم أجزع لنوح النوائح ولكن أسباب المنايا صرعته ... كريما محياه عريض المنازح٤ بكف امرئ كز قصير نجاده ... خبيث نثاه عرضه للفضائح٥ فهو موجع الفؤاد، ملتاع النفس، لأن بني تميم سفكوا دم أخيه هدرا، وهو يرى أنه لو خر صريعا في ميدان الحرب، لكان في موته بها ما يعزيه عنه، وما يخفف

стр. 194

مصابه فيه. ولكن الذي يؤذيه ويسوؤه أنه قتل غدرا، ففقد شقة نفسه، وأهينت كرامته، ووهنت قوته، وأذعن صاغرا لخصومه الذين يدارون عداوتهم له، ولا يجهرون بها جهرا. ومما زاد من هول الكارثة التي نزلت به أن من اغتال أخاه الأريحي الجريء، شخص لئيم بخيل، قصير، ناقص الخلقة، فاسد السيرة، سيئ السمعة. ومثل أبيات ابن خازم في حرارتها وصدقها أبيات لعبد الرحمن بن جمانة الباهلي١ في رثاء قتيبة بن مسلم الباهلي، فكلاهما فجع في إنسان تربطه به روابط الدم ووشائج القريي، وكلاهما روع في شخص له مكانته وقيمته، بل إن أبيات ابن جمانة تفوق أبيات ابن خازم شجا وحزنا، فإنه لم ينكب في قريب له، عزيز عليه فقط، وإنما نكب في بطل له تاريخه وماضيه، وفي رجل كان رأس قبيلته، وسيدها العظيم، الذي ارتفعت بحياته، وانحطت بمماته، يقول٢: كأن أبا حفص قتيبة لم يسر ... بحيش إلى جيش ولم يعل منبرا ولم تخفق الرايات والقوم حوله ... وقوف ولم يشهد له الناس عسكرا دعته المنايا فاستجاب لربه ... وراح إلى الجنات عفا مطهرا فما رزئ الإسلام بعد محمد ... بمثل أبي حفص فبكيه عبهرا٣ فقد تملك عليه الحزن قلبه وحرقه، واستبد به الذهول من شدة الصدمة التي صدم بها بعد اغتيال قتيبة، حتى إنه لم يصدق أن ذلك الفارس المغوار، والقائد المظفر، والخطيب الساحر أصبح جثة هامدة تحت التراب، لا حياة فيها، ولا حول لها. ولم يزل إحساسه بالفاجعة الأليمة يتضخم في نفسه حتى تصور أنه أكبر شخصية امتحن العرب بفقدها بعد الرسول الكريم ولكنه لم يلبث أن صحا من سكرته،

стр. 195

فقد لبى قتيبة نداء ربه، وانتقل من الحياة الدنيا إلى جنات الخلد لينزل مع الأبرار والصديقين جزاء جهاده وعفته. وصرخ نصر بن سيار صرخة مدوية حين أردي ابنه تميم في الحرب الأخيرة بين اليمنية والمضرية بمرو الشاهجان، يقول١: نفى عني العزاء وكنت جلدا ... غداة جلا الفوارس عن تميم٢ وما قصرت يداه عن الأعادي ... ولا أضحى بمنزلة اللئيم وفاء للخليفة وابتذالا ... لمهجته يدافع عن حريم فمن يك سائلا عني فإني ... أنا الشيخ الغضنفر ذو الكليم٣ نمتني من خزيمة باذخات ... بواسق ينتمين إلى صميم فعندما قتل ابنه انهد ركنه، وخارت قواه، ولم يعد به طاقة على التصبر والتجلد، وهو الشيخ الحليم الصبور، الذي عركته الأيام، وصلبته المحن. ولكن ما سلاه عنه بعض التسلية، أنه قتل قتلة مشرفة يتمناها غيره من الشبان، إذ استشهد في ساحة الوغى، ولم يغمد سيفه إلا بعد أن قاوم مقاومة الفتيان، إلى آخر رمق، انتصارا للخليفة، وحماية لعرضه وحوزته، وسرعان ما تماسك نصر أشد التماسك، وصبر أجمل الصبر، وعاد يعلن أنه الكهل الأصيل الحمول، وأنه كالأسد المتوحش إذا جرح حمي أنفه، وشمخ برأسه، وزادته الجراح حدة وقوة، واستجمع عزيمته ليثب على خصمه، ويثأر لنفسه منه. وفارق الحياة بخراسان غير وال وشخصية بارة، فأقام الشعراء المآتم لهم باكين عليهم، وذاكرين مآثرهم، وواصفين جسامة الخسارة فيهم. وأول من توفي منهم

стр. 196

المهلب بن أبي صفرة، إذ مات حتف أنفه بمرو الروذ، وهو عائد من كس بما وراء النهر إلى مرو الشاهجان. فأبنه نهار بن توسعة البكري تأبينا مؤثرا بقوله١: ألا ذهب الغزو المقرب للغنى ... ومات الندى والحزم بعد المهلب أقام بمرو الروذ رهن ترابه ... وقد غيبا عن كل شرق ومغرب إذا قيل أي الناس أولى بنعمة ... على الناس؟ قلناه ولم نتهيب٢ أباح لنا سهل البلاد وحزنها ... بخيل كأرسال القطا المتسرب٣ يعرضها للطعن حتى كأنما ... يجللها بالأرجوان المخضب٤ تطيف به قحطان قد عصبت به ... وأحلافها من حي بكر وتغلب وحيا معد عوذ بلوائه ... يفدونه بالنفس والأم والأب فهو يفرد المقطوعة للثناء عليه وتجسيم المصيبة فيه، فقد تعطلت الغارات بوفاته، وهو الذي استفرغ حياته، وأفنى عمره في الإغارة حتى فتح الفتوحات الكثيرة، وحاز الانتصارات الكبيرة، وحتى احتل المدن الجبلية، والبلدان السهلية، بطوائف الأفراس التي كان يفرقها في النواحي المختلفة، فتندفع بفرسانها لا تخاف الطعن، ولا تخشى العطب، بل تتقدم بهم نحو الأعداء، وترجع سالمة، وآثار الدماء لا تزال تصبغ هواديها وأجسادها. وانتهى الكرم المعروف بانطوائه، وأفل من سماء العرب نجم ساطع كان يضيء لهم على تعدد أحيائهم، وتباين أهوائهم، فقد كان ملاذ الأزد، وحلفائهم من بكر وتغلب، كما كان ملجأ مضر وقيس. والمبالغة في نعيه له، وإطرائه عليه واضحة، وهي لا تنبثق من منجزاته العسكرية الضخمة، لأن المهلب لم يحرز هذه الانتصارات العظيمة، وإنما تنبثق من تحيز نهار له، وهو حليف الأزد الذي تقوى بقوتهم، وتضعف بضعهم.

стр. 197

وتوفي هبيرة بن مشمرج الكلابي بقرية من فارس، وهو في طريقه من مرو الشاهجان إلى دمشق، وقد أوفده قتيبة بن مسلم إلى الوليد بن عبد الملك بعد أن عاد من الصين، فرثاه سوادة بن عبد الله السلولي بقوله١: لله قبر هبيرة بن مشمرج ... ماذا تضمن من ندى وجمال وبديهة يعيا بها أبناؤها ... عند احتفال مشاهد الأقوال كان الربيع إذا السنون تتابعت ... والليث عند تكعكع الأبطال٢ فسقت بقرية حيث أمسى قبره ... غر يرحن بمسبل هطال بكت الجياد الصافنات لموته ... وبكاه كل مثقف عسال٣ وبكته شعث لم يجدن مؤسيا ... في العام ذي السنوات والامحال٤ فهو يبكي فيه حسنه وفصاحته وإنسانيته وشجاعته، ويستسقي لقبره، ويبين عظم البلية فيه، بحيث تألم لوفاته كل النساء الفقيرات اللاتي كان يشملهن بعطفه وبره في الضائقات، وبحيث شاركت في الحزن عليه الخيول التي كان يركبها، ويغزو بها، والرماح التي كان يستخدمها ويطاعن فيها، فإذا هي تسكب الدموع حسرة لفراقه، وإجلالا لذكراه. واختطفت يد المنية الجنيد بن عبد الرحمن المري بمرو الشاهجان، فنعاه أبو الجويرية عيسى بن عصمة العبدي بقوله٥: هلك الجود والجنيد جميعا ... فعلى الجود والجنيد السلام أصبحا ثاويين في أرض مرو ... ما تغنت على الغصون الحمام

стр. 198

كنتما نزهة الكرام فلما ... مت مات الندى ومات الكرام والمهم في المقطوعة أن صاحبها كان جريئا شجاعا، وكان وفيا للجنيد، فقد صور حزنه وتفجعه عليه، ورفع صوته بالدعاء له، مع أنه توفي بعد أن أعفاه هشام بن عبد الملك من منصبه، ومع أن الوالي الجديد، وهو عاصم بن عبد الله الهلالي كان يبغضه بغضا شديدا، وتعقب عماله وأقرباءه وسجنهم. فجر عليه رثاؤه للجنيد، بل وفاؤه له حيا وميتا أن تحاماه عاصم، وتحامل عليه خالد بن عبد الله القسري١، أمير العراق، لأن الأخير كان يريد من أبي الجويرية، وهو من حلفاء الأزد وأهل اليمن أن يجرح الجنيد، ويطعن في شخصيته، وينتقد الولاة القيسيين الذين خلفوا أخاه أسدا على خراسان. ومات أسد بن عبد الله القسري بقرية من قرى بلخ، فرثاه ابن عرس العبدي بقوله٢: نعى أسد بن عبد الله ناع ... فريع القلب للملك المطاع ببلخ وافق المقدار يسري ... وما لقضاء ربك من دفاع فجودي عين بالعبرات سحا ... ألم يحزنك تفريق الجماع أتاه حمامه في جوف صيغ ... وكم بالصيغ من بطل شجاع٣ كتائب قد يجيبون المنادي ... على جرد مسومة سراع٤ سقيت الغيث إنك كنت غيثا ... مريعا عند مرتاد النجاع٥ فالشاعر وإن استسلم للقضاء وأذعن للقدر، فإنه عاجز عن التجلد على الفجيعة بأسد، فقد كبرت الرزية به، ولذلك فإنه يبكيه، ويعول في البكاء عليه، بل على خلاله النبيلة من الإباء والمضاء والجود، والنخوة والمروءة.

стр. 199

وكان سليمان بن قتة، مولى بني تميم بن مرة القرشيين، صديقا لأسد، فرثاه بدوره رثاء حارا تحرق فيه عليه، واستسقى لقبره، وأشاد به. فقد كان أسد في رأيه حاميا لحقيقتهم، قائما بأمورهم، حاملا لهمومهم، ساعيا لانتزاع حقوقهم، آخذا بثاراتهم، وكان فارسهم المشهور، الذي طالما حز بسيفه رؤوس أعدائهم حزا، وطعنهم برمحه طعنا، يقول:١: سقى الله بلخا سهل بلخ وحزنها ... ومروي خراسان السحاب المجمما٢ وما بي لتسقاه ولكن حفرة ... بها غيبوا شلوا كريما وأعظما٣ مراجم أقوام ومردى عظيمة ... وطلاب أوتار عفرنا عثمثما٤ لقد كان يعطي السيف في الروع حقه ... ويروي السنان الزاغبي المقوما٥ وتتضح من النصوص السابقة ظاهرتان: الأولى أن الشعراء العرب بخراسان، لم يبتدعوا معاني في الرثاء، على كثرة ما نظموا فيه، ولم يعدلوا في أسلوبه أي تعديل، وإنما احتذوا فيه بالمرثية الجاهلية أدق الاحتذاء، بحيث أبدأوا وأعادوا في معانيها وقوالبها التعبيرية، وهم يندبون أو يؤبنون أو يعزون٦. والظاهرة الثانية أنهم لم يرثوا إلا أولى القربى من الإخوة والأولاد والولاة، وأنهم لم يرثوا إلا العمال الذين كانوا يحابونهم، ويمالئون قبائلهم. وذلك بين في رثاء الشمردل بن شريك التميمي لإخوته قدامة، ووائل، وحكم، وفي رثاء موسى بن عبد الله بن خازم السلمي لأخيه محمد، وفي رثاء نصر بن سيار لابنه تميم، وفي رثاء عبد الرحمن بن جمانة الباهلي لقتيبة بن مسلم، وفي رثاء نهار بن توسعة البكري

стр. 200

للمهلب بن أبي صفرة الأزدي، وفي رثاء سوادة بن عبد الله السلولي القيسي لهبيرة بن مشمرج الكلابي القيسي، وفي رثاء ابن عرس العبدي لأسد بن عبد الله القسري البجلي اليمني. ولم يخرج على ذلك إلا أبو الجويرية العبدي وسليمان بن قتة، فقد رثى أولهما الجنيد بن عبد الرحمن المري، ورثى ثانيهما أسدا القسري. ومرجع ذلك إلى الصداقة الحميمة التي انعقدت بين الشاعرين والواليين، وما نالاه من هباتهما وصلاتهما، مما يدل على عصبية الشعراء ومواقفهم العدائية من الأشخاص والولاة الذين لم يكونوا من قبائلهم ولا من حلفائهم، وعلى ضيقهم بهم، وحقدهم عليهم لا في حياتهم فحسب، بل بعد مماتهم أيضا.

стр. 201

خصائص موضوعية وفنية ولفظية: أهم ما يميز شعر الشعراء العرب بخراسان أنهم لم يصوغوه في مطولات، بل في مقطوعات، ومرد ذلك إلى أنهم لم ينظموا أكثره لا في الأغراض المألوفة التي تفرض عليهم أن يسهبوا في قصائده، ويحتفظوا فيها بالأجزاء التقليدية، ولا في الأجواء الهادئة التي تتيح لهم مد قصائده وتطويلها، وتنقيحها وتهذيبها وإنما نظموه في موضوعات جديدة، نابعة من طبيعة حياتهم السياسية والعسكرية، وفي ظروف عاجلة طارئة. فشعرهم هو مجموعة "إعلانات سياسية" عن مواقف قبائلهم من الأحداث الداخلية المفاجئة، و"بلاغات عسكرية" عن نتائج الوقائع الحربية التي خاضوها، داخل خراسان وخارجها. وطبيعي أن الشاعر المرتبط بقبيلته، الفاني في كيانها، الناطق الرسمي بلسانها، لا يستطيع أن يتريث طويلا في الأحداث الكبيرة السريعة لكي يصدر بيانا عن رأي قبيلته فيها، ويتوفر على صياغته ومراجعته وتدقيقه، حتى يخرج خلقا فنيا كاملا مفصلا، لأنه إن فعل ذلك، فإن الأحداث تكون قد سبقته، وحينئذ لا يكون لبيانه أهمية ولا قيمة فهو يجري مع الأحداث ويسابقها، ليذيع قرارات قبيلته فيها في الأوقات المناسبة لها. وأيضا فإن الشاعر المقاتل الذي يشهد المعركة ويخرج منها، لا يصبر كثيرا حتى يعبر عن دوره، ودور قبيلته فيها، وإنما يتعجل القول لينشر بلاغه العسكري في الظرف الملائم، كذلك كان أكثر الشعراء، وهكذا كانت أكثر أشعارهم. وما دام شعرهم قد أخذ شكل المقطوعات، فإن ذلك أفضى بهم إلى أن يسقطوا منه معظم التقاليد الفنية التي تلقانا في القصائد الطويلة. فهم لم يفتتحوا

стр. 202

مقطوعاتهم بالمقدمات المعروفة، كالمقدمة الطللية أو المقدمة الغزلية، أو مقدمة وصف الظعن، أو مقدمة وصف الطيف، أو غيرها من المقدمات، وهم لم يصفوا الرحلة والراحلة، ولا حمر الوحش، ولا مناظر الصيد. فمقطوعاتهم تدور على موضوعات محددة لا يصح التفريع ولا الاستطراد فيها، بل يجب تكثيفها وتركيزها. أما القصائد الطويلة القليلة التي نظفر بها والتي تأنوا في نظمها، بحكم اتساع الوقت وانفساحه، فهي التي تطالعنا في أوائلها بعض المقدمات، مثل المقدمة الطللية، والمقدمة الغزلية، ومقدمة الحديث عن النفس وهمومها، وعن الجماعة وغاياتها. على أنهم تحولوا بالمقدمة الطللية من مرتبة الحذق والمهارة الفنية والبراعة في وصف الديار الدائرة، وبقاياها العافية، وما غيرها من عوامل الفناء، إلى صورة تنبض بالحنين إلى الوطن، والاشتياق إلى ديار الأهل في البصرة والكوفة. ومن أول الشواهد على هذا التحول مقدمة للمغيرة بن حبناء التميمي مهد بها لمديحه لقتيبة بن مسلم١، فقد نزع فيها نزوعا فياضا إلى بلاد قومه بالبصرة واغترابه عنها بفارس وهو يحارب الأزارقة مع المهلب بن أبي صفرة٢، وقد استشهدنا بهاتين المقدمتين في موضعين آخرين، ونضيف إليهما مقدمة ثالثة لثابت قطنة، استهل بها مدحة له في نصر بن سيار، فإنهما توضح هذا التطور الذي أصاب المقدمة الطللية على أيدي شعراء العرب بخراسان: فهو يصور فيها حنينه إلى مسارح شبابه، ومراتع صاحبته، ويتألم لابتعاده عنها، واستقراره بخراسان، حيث تفصل بينه وبينها مسافات شاسعة وقفار وبحار، وحيث نزل بموطن مخوف نذر نفسه فيه لمصارعة الترك، وقاتلهم في معارك حامية متصلة، كان لهم الغلبة فيها تارة، وكان النصر حليف الترك فيها تارة أخرى، وبكت نساؤهم لاستشهاد فرسانهم مرة، وناحت نساء الترك على قتلاهم مرة ثانية، يقول٣: ما هاج شوقك من نؤي وأحجار ... ومن رسوم عفاها صوب أمطار٤

стр. 203

لم يبق منها ومن أعلام عرصتها ... إلا شجيج وإلا موقد النار١ وماثل في ديار الحي بعدهم ... مثل الربيئة في أهدامه العاري٢ ديار ليلى قفار لا أنيس بها ... دون الحجون واين الحجن من داري٣ بدلت منها وقد شط المزار بها ... وادي المخافة لا يسري بها الساري بين السماوة في حزم مشرقة ... ومعنق دوننا آذيه جاري٤ نقارع الترك ما تنفك نائحة ... منا ومنهم على ذي نجدة شادي كذلك تحولوا بالمقدمة الغزلية من وصف التذلل والخضوع للمرأة، وتشخيص محاسنها ومفاتنها الجسدية التي تسحر الألباب، إلى الحديث للمحبوبة عن أدوارهم البطولية في القتال، وثباتهم في النزال، وبثوها آلامهم لما يطبق عليهم في بعض المواقع من خطر، يحمل معه نذر الموت، كما يظهر في مقدمة الشرعبي الطائي لقصيدته العينية التي ذم فيها الجنيد بن عبد الرحمن المري، لانهزامه في أول معركة الشعب٥. ومثلها مقدمة لجرير بن عرادة التميمي أدار فيها حوارا بينه وبين صاحبته، سألته فيه أن يخف للذب عن بني تميم إزاء تصغير الزغل الجرمي لهم، فرد عليها بأنه نهاض دائما إلى الدفاع عنهم، في النائبات، يقول٦: ألم ترني أن الثريا تلومني ... وقبلك ما عاصبت لوم العواذل ألا حين كان الرأس لونين منهما ... سواد ومخضوب به الشيب شامل تقول أنى يوم القيامة فاصطنع ... لنفسك خيرا قلت إني لفاعل٧

стр. 204

كريمة قوم حملوني مجدهم ... وإني لهم ما دمت حيا لحامل ورمز بعض شعرائهم بالغانية المحبوبة المطلوبة في مقدمته الغزلية، إلى أماني قبيلته السياسية، وآمالها في السلطة١. وفي الجملة فإنهم لاءموا بين مقدمات قصائدهم وموضوعاتها ملاءمة دقيقة، وتأثروا الظروف التي نظمت فيها، والأهداف التي قيلت من أجلها. فهم إن وصفوا انكسارهم، ورثوا صرعاهم افتتحوا هذا الوصف والرثاء بالحديث عن الموت والحياة٢، وإن أفردوا بعض قصائدهم لتصوير مطالب قبائلهم وحقوقها الضائعة صدروا هذا التصوير بالحديث عن الأرق والهم الشاغل٣. وعلى هذا النحو كلما استقصينا مطولاتهم التي استهلوها بمقدمات، وجدنا اتساقا قويا بين مقدماتها وموضوعاتها ومناسباتها. ونجم عن صبهم أكثر شعرهم في مقطوعات اختفاء التصريع من مطالعها إلا في مقطوعات وقصائد معدودة٤، ونتج عن تسرعهم في نظمها انتشار الجوازات النحوية في بعضها، مثل جزم الفعل المضارع دون عامل يوجب جزمه٥، أو رفع الاسم الذي ينبغي نصبه، مع أنه لا وجه لرفعه٦. وعممت في بعضها الضرورات العروضية، حتى إن أكثرهم ومشاهيرهم أقووا مرات في مقطوعاتهم ومطولاتهم، كبيان العنبري التميمي٧ وجرير بن عرادة التميمي٨، وعرفجة الدارمي

стр. 205

التميمي١، وأبي الهندي التميمي٢، وثابت قطنة الأزدي٣، ونهار بن توسعة البكري٤، وأبي البريد البكري٥، وزياد الأعجم٦، ونصر بن سيار٧. أما أساليبهم فمتينة ناصعة، فألفاظهم فصيحة، وتراكيبهم صحيحة، وهي تشبه أساليب الجاهليين شبها قويا، وتسود في مقطوعاتهم وقصائدهم كلمات صعبة تحتاج إلى الاستخراج، وتتناثر في بعضها أشطار وأبيات، تخفى معانيها، وتستغلق مقاصدها. ومع أنهم أقاموا بخراسان زمنا طويلا، يل قرنا كاملا، واختلطوا بأهلها، فإنهم لم يكثروا من استعمال الكلمات الفارسية، فنحن لم نعثر في كل ما جمعناه من شعرهم إلا بخمس كلمات فارسية عربوها واستخدموها، وهي ديزج٨ ومعناها الأدغم٩، وأصلها ديزه١٠، والكرز١١، ومعناها المدرب المجرب، واللئيم، والنجيب، والحاذق١٢، وأصلها كرز١٣، والسمرج١٤، ومعناها يوم جباية الخراج، أو استخراج الخراج في ثلاث مرات١٥، وأصلها سمرج١٦، والبرازيق١٧، ومعناها الجماعات والفرسان١٨، وأصلها بروز١٩.

стр. 206

على أن الظاهرة اللافتة للنظر والداعية إلى الاستغراب أنهم لم يعيروا بيئة خراسان الطبيعية والسكانية أي اهتمام، فنحن لم نجد أحدًا منهم وصف أنهارها، ولا أمطارها، ولا جبالها ولا ثلوجها، ولا أهلها، ولا أي جانب من جوانب الحياة فيها، وليس لها من تفسير إلا أحد احتمالين، فإما أن شعرهم في هذه الموضوعات ضاع، وإما أنهم كانوا منهمكين في حياتهم القبلية والسياسية والعسكرية انهماكا شديدا، شغلهم عن العناية بهذه الموضوعات.

стр. 207

الفصل الثالث: شعراء القبائل بخراسان شاعر أزدي متعصب موتور ... شاعر أزدي متعصب موتور: ثابت قطنة ١: هو ثابت بن كعب من بني العتيك الأزديين. ويقال: بل هو مولى لهم، والأرجح أنه منهم صليبة لا ولاء. ومما يؤكد ذلك أنه كان يحس انتماءه إليهم إحساسا قويا، وأنه كان يتعصب لهم تعصبا طاغيا. وإنما لقب قطنة لأن سهما أصابه في إحدى عينيه، فذهب بها في بعض حروب الترك، فكان يجعل عليها قطنة. ومع أن القدماء لم يحددوا تاريخ ميلاده ومكانه, فالظاهر أنه ولد بالبصرة ونشأ بها، حتى إذا شب واشتد عوده أوى إلى المهلب بن أبي صفرة، وانخرط في عداد جيشه، وحارب معه الأزارقة٢، وكان ثابت مقاتلا صلبا، وفارسا شجاعا، فظل لذلك بالمهلب، فلما ولاه الحجاج بن يوسف إمارة خراسان سنة ثمان وسبعين، ارتحل معه إليها، واشترك في مناجزته للترك بما وراء النهر٣، وحين توفي المهلب انضوى تحت راية ابنه يزيد، وانقطع إليه، ودبج فيه بعض المدائح٤، وكان ابن

стр. 208

المهلب واثقا به، محبا له، فكان يوليه بعض أعمال الثغور، فيحمد فيها مكانه لكفايته وشجاعته١، فارتفعت منزلته لعهده. وقد اصطدم في هذه الفترة من حياته بشاعر تميمي هو حاجب بن ذبيان المازني، لأن حاجبا مدح ابن المهلب، فأسنى له العطاء والهدية، فحسده ثابت فتهاجيا طويلا٢. وعندما أقصى الحجاج المهالبة عن خراسان، واستعمل عليها قتيبة بن مسلم الباهلي، جرب ثابت الاتصال به، فمدحه، وسأله حاجته، فلم يقضها له٣. فابتعد عنه، وحقد عليه، لا لأنه خذله وأهمله فحسب، بل أيضا لأنه كان يبغضه بغضا شديدا لملاحقته المهالبة، واعتقاله لهم، وتجريد الأزد من المناصب، وتضييقه عليهم. فانحطت مكانته في عهده انحطاطا عمليا وفنيا، إذ لم يكن له دور في غزواته بما وراء النهر، كما أنه صمت عن النظم، ولم يرو له شيء من الشعر سوى أبيات معدودة هجا في بعضها قتيبة٤، وشمت في بعضها بمقتله٥. وليس من شك في أن نجمه سطع في ولاية ابن المهلب الثانية على خراسان، وإن سكتت المصادر عن أخباره فيها. ولما استبد ابن المهلب بالبصرة، سنة إحدى ومائة، وأعلن بها العصيان المسلح على الأمويين، حرضه ثابت على الاستمرار في عصيانه٦. ويذهب بعض القدماء إلى أنه رجع من خراسان إلى البصرة، وساهم مع ابن المهلب في مناهضته للجيش الأموي الذي قاده مسلمة بن عبد الملك، وقمع به المهالبة ومن التف حولهم٧. وأكبر الظن أنه لم يرجع إليها، وإنما بقي بخراسان، ويدل على ذلك شاهدان: الأول أنه كان بخراسان سنة اثنتين ومائة، وأنه اشترك في

стр. 209

دحر البرك عن قصر الباهلي من أعمال سمرقند١، وهي السنة التي فتك فيها مسلمة بابن المهلب. والثاني أنه يتحسر في مراثيه للمهالبة، لأنه لم يكن بجوارهم ولأن سائر قبيلتهم كانوا غائبين عنهم بخراسان. وتتدنى منزلته بعد إخفاق ثورة المهالبة وسحقها، ويعتزل الحياة العسكرية والأدبية، ويصبح خائفًا ضائقًا في ولاية سعيد بن عبد العزيز على خراسان، بل إن سعيدًا هَمَّ بقتله حين بلغه رثاؤه للمهالبة وما بث في تضاعيفه من تهديد للأمويين٢. ولا يلبث أن يظهر على المسرح الحربي سنة أربع ومائة في ولاية سعيد الحرشي٣. ثم يختفي عنه في ولاية مسلم بن سعيد الكلابي، ويعيِّر حاجب بن ذبيان المازني بذلك٤. ويلي أسد القسري إمارة خراسان، فتلمع شخصية ثابت، ويسترد مكانته، وتحل عقدة لسانه، ويصبح من المسؤولين، فبمجرد أن قدم أسد صحبه إلى سمرقند، ومكث فيها مدة بعد مفارقة أسد لها. فعينه الحسن بن أبي العمرطة الكندي نائبًا له بها٥. ولكنه سرعان ما تركها وعاد إلى مرو الشاهجان، ورافق أسدًا في غاراته على جبال الغور والغورين، ونوه بانتصاراته٦. وعندما ثار أهل سمرقند على أشرس بن عبد الله السلمي، لأنه وعدهم بإلغاء الجزية عمن يسلم منهم، فدخلوا في الإسلام أفواجًا، فقلت جزيتهم عن المبلغ الموظف عليهم، ففرض أشرس الجزية ثانية على مسلميهم، وعسف بهم، فانتصر ثابت لهم، فسجنه المجشر بن مزاحم السلمي، ولم يزل في السجن حتى أسندت إدارة سمرقند لنصر بن سيار، فأرسله إلى أشرس بمرو الشاهجان، فزجه في الحبس.

стр. 210

وحدث أن قاد أشرس حملة إلى سمرقند ليبطش بالثائرين من أهلها، فنزل بآمل، فانقض عليه الترك، فأطلق سراح ثابت بكفالة١، فحارب الترك مع عبد الله بن بسطام حتى استخلصوا من وقع من العرب بأيديهم، فاجتاز أشرس النهر، فتصدى له الترك، ودارت بينهم وبينه معركة استشهد فيها ثابت وعدد من الفرسان، سنة عشر ومائة٢. وهو ينزع في شعره عن دائرة العصبية لقومه من الأزد، فقد خص بمدائحه الولاة اليمنيين، ولم ينظم بيتا واحدا في مديح الولاة القيسيين الذين تناوبوا على حكم خراسان. ومن شعره في مديح المهلب، قوله الذي يشيد فيه بسيرته العاطرة، وسياسته السديدة، وكرمه الذي لا يبارى، وعفوه عند المقدرة٣: أبا خالد زدت الحياة محبة ... إلى الناس أن كنت الأمير المتوجا وحق لهم أن يرغبوا في حياتهم ... وبابك مفتوح لمن خاف أو رجا تزيد الذي يرجو نداك تفضلا ... وتؤمن ذا الإجرام إن كان محرجا وقدمنا في الفصل الثاني أنه امتدح أسدا القسري بمقطوعتين حين هاجم جبال الغور والغورين من نواحي هراة٤. وعندما لحق يزيد بن المهلب بالبصرة، واستولى عليها، وحبس عاملها عدي بن أرطأة الفزاري، وخلع يزيد بن عبد الملك، اندفع ثابت يستفزه لكي يمضي في ثورته، مشجعا له على التحرك السريع، واغتنام الوقت قبل أن تضيع الفرصة منه، ونافخا فيه من روح أبيه، وروح قومه من الأزد، وحلفائهم من ربيعة، الذين أحاطوا به، وصمموا على مساندته لاعتقادهم بصحة مذهبه، وبحقه في الخلافة، ومتمنيا لو كان بالعراق هو ومن كان من الأزد بخراسان ليظاهره. يقول٥:

стр. 211

إن امرءا حدبت ربيعة حوله ... والحي من يمن وهاب كئودا لضعيف ما ضمت جوانح صدره ... إن لم يلف إلي الجنود جنودا أيزيد كن في الحرب إذ هيجتها ... كأبيك لا رعشا ولا رعديدا٣ ما كان في أبويك قادح هجنة ... فيكون زندك في الزناد صلودا٤ إنا لضرابون في حمس الوغى ... رأس المتوج إن أراد صدودا٥ وقر إذا كفر العجاج ترى لنا ... في كل معركة فوارس صيدا٦ يا ليت اسرتك الذين تغيبوا ... كانوا ليومك بالعراق شهودا وترى مواطنهم إذا اختلفت القنا ... والمشرفية يلتظين وقودا٧ وأقبل مدرك بن المهلب لينضم إلى أخيه يزيد بالبصرة، فلاقاه فرسان بني تميم بمفازتها، مضمرين قتله، فعلمت الأزد بأمرهم، فخرجت إليهم ومنعتهم من التعرض له، فمدحها ثابت ومجد صنيعها. يقول٨: ألم تر دوسرا منعت أخاها ... وقد حشدت لتقتله تميم رأوا من دونه الزرق العوالي ... وحيا ما يباح لهم حريم٩ شنوءتها وعمران بن حزم ... هناك المجد والحسب الصميم فما حملوا ولكن نهنهتهم ... رماح الأزد والعز القديم رددنا مدركا بمرد صدق ... وليس بوجهه منكم كلوم

стр. 212

وخيل كالقداح مسومات ... لدى أرض مغانيها الجميم١ عليها كل أصيد دوسري ... عزير لا يفر ولا يريم بهم تستعيب السفهاء حتى ... ترى السفهاء تردعها الحلوم٢ فانتدب يزيد بن عبد الملك أخاه مسلمة في جيش من أهل الشام لمحق الخارجين على طاعته، فاستعاد البصرة، وفر ابن المهلب إلى واسط، وكان أهلها بايعوا له٣. وضرب ابنه معاوية أعناق ثلاثين أسيرا كانوا في يده، منهم عدي بن أرطأة، وابنه محمد، ومالك وعبد الملك ابنا مسمع البكري، فلم يجوز ثابت فعلته القبيحة، بل عدها طيشا منه، فقد أفسدت عليه الناس، ونفرتهم عنه. يقول٤: ما سرني قتل الفزاري وابنه ... عدي ولا احببت قتل ابن مسمع ولكنها كانت معاوي زلة ... وضعت بها أمري على غير موضع واستمر مسلمة يطارد ابن المهلب حتى قتله يوم العقر قرب كربلاء بالكوفة، ومزق جنوده تمزيقا. فجن ثابت، وخابت كل الآمال التي عقدها على الثورة، والتي كان يرجو أن تتوج بفوز ابن المهلب بالخلافة. فتحول يرثيه ويرثي الهالكين من أسرته. وتتضح في مراثيه لهم عصبيته الحادة للأزد، ويتضح فيها عداؤه السافر للأمويين، فهو لا ينفث فيها أناته وزفراته التي ضاق بها صدره لمصرعهم، بل يحملها كذلك دفاعا عن ثورتهم، وافتخارا بماضيهم في الجاهلية، وبحاضرهم في الإسلام، مما يجعلهم أهلا للخلافة، ويرى أن قتلهم كان جرما عظيما، كما يحملها وعيدا للأمويين، وأنه لن يغتفر لهم ذنوبهم مهما تمتد الأيام بهم، بل سينتقم منهم. ويسخط سخطا شديدا على العشائر الشامية اليمنية التي دعمتهم، وأتاحت لهم التغلب على

стр. 213

المهالبة، لأنه كان يفترض فيما يظهر أن تعدل عن مساندتههم، وتنحاز للمهالبة في هذا الظرف العصيب، وتؤيدهم لما يربط بينها وبينهم من أواصر النسب. ومن مراثيه ليزيد بن المهلب هذه القصيدة التي يقرن فيها وصف مواجعه وآلامه الممضة لفقده بوعيده لبني أمية وقصاصه لهم، وغضبه على القبائل اليمنية التي ناصرتهم، يقول١: ألا يا هند طال علي ليلي ... وعاد قصيره ليلا تماما٢ كأني حين حلقت الثريا ... سقيت لعاب أسود أو سماما٣ أمر علي حلو العيش يوم ... من الأيام شيبني غلاما مصاب بني أبيك وغبت عنهم ... فلم أشهدهم ومضوا كراما فلا والله لا أنسى يزيدا ... ولا القتلى التي قتلت حراما فعلي أن أبؤ بأخيك يوما ... يزيدا أو أبؤ به هشاما٤ وعلي أن أقود الخيل شعثا ... شوازب ضمرا نقص الإكاما٥ فأسبحهن حمير من قريب ... وعكا أو أرع بهما جذاما ونسقي مذحجا والحي كلبا ... من الذيفان أنفاسا قواما٦ عشائرنا التي تبغي علينا ... تحربنا زكا عاما فعاما٧ ولولاهم وما جلبوا علينا ... لأصبح وسطنا ملكا هماما فهو يصف تبدل حاله، وما يقاس من المواجد، وما يتجرع من الغصص بل من السموم القاتلة، ويعترف بأنه كان غائبا عن مسرح الأحداث، وينذر بني أمية،

стр. 214

والعشائر اليمنية والشامية التي ساعدتهم، والتي دمروا بها المهالبة الأزديين اليمنيين تدميرا. فقد كان ينتظر منها أن تتخلى عن بني أمية، وتبايع المهالبة، وتقاتل معهم، لكي يكتب لهم النجاح في ثورتهم، ويكي يظفر يزيد بن المهلب بمنصب الخلافة. وفي مرثية ثانية يبكي ابن المهلب، ويعلن أن ما يضاعف توجعه أنه كان بعيدا عن ميدان المعركة الفاصلة التي دارت بينه وبين مسلمة بن عبد الملك، ويوعد مسلمة بأنه سيتربص به حتى يغتاله. ويفتخر بالأزد، أصحاب العقول الراجحة، والشجاعة الخارقة، الحامين للجار، المطعمين للضيف خيار إبلهم في الجدب، ويعتد بفضلهم على الإسلام، وأنهم ناصروا الرسول حين وفد عليهم بالمدينة مهاجرا من مكة، ويتمدح بمجدهم التليد في الجاهلية ممثلا في دولة الغساسنة العزيزة القوية يقول١: أبى طول هذا الليل أن يتصرما ... وهاج لك الهم الفؤاد المتيما أرقت ولم تأرق معي أم خالد ... وقد أرقت عيناي حولا مجرما على هالك هد العشيرة فقده ... دعته المنايا فاستجاب وسلما على ملك يا صاح بالعقر جبنت ... كتائبه واستورد الموت معلما٢ أصيب ولم أشهد ولو كنت شاهدا ... تسليت إن لم يجمع الحي مأتما وفي غير الأيام يا هند فاعلمي ... لطالب وتر نظرة إن تلوما٣ فعلي إن مالت بي الريح ميلة ... على ابن أبي ذيان أن يتندما أمسلم إن تقدر عليك رماحنا ... نذقك بها قئ الأساود مسلما وإن نلف للعباس في الدهر عثرة ... نكافئه باليوم الذي كان قدما قصاصا ولا نعدو الذي كان قد أتى ... إلينا وإن كان ابن مروان أظلما ستعلم إن زلت بك النعل زلة ... وأظهر أقوام حياء مجمجما من الظالم الجاني على أهل بيته ... إذا أحصرت أسباب أمر وأبهما

стр. 215

وإنا لعطافون بالحلم بعدما ... نرى الجهل من فرط اللئيم تكرما وإنا لحلالون بالثغر لا نرى ... به ساكنا إلا الخميس العرمرما١ نرى أن للجيران حاجا وحرمة ... إذا الناس لم يرعوا لذي الجار محرما وإنا لنقري الضيف من قمع الذرى ... إذا كان رفد الرافدين تجشما٢ أبونا أبو الأنصار عمرو بن مالك ... وهم ولدوا عوفا وكعبا وأسلما وقد كان في غسان مجد يعده ... وعادية كانت من المجد معظما٣ وفي مرثية ثالثة يؤنب القبائل التي دخلت في طاعته، واجتمعت إليه عندما أظهر الخلاف ليزيد بن عبد الملك،، وخلعه ودعا لنفسه، لأنها انسلت من حوله حين تفاقم الخطر المحدق به، ويأسى فيها لأن البقية الباقية من الأزد كانت بخراسان، إذ لو كانت قريبة منه لسارعت إليه، وشدت من أزره، يقول٤: كل القبائل بايعوك على الذي ... تدعو إليه وتابعوك وساروا ولقد بسطت لهم يمينك بالندى ... مثل الفرات تمده الأنهار حتى إذا شرق القنا وجعلتهم ... نصب الأسنة اسلموك وطاروا٥ شهدتك من يمن عصائب ضيعت ... ونأى الذين بهم يصاب الثار إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن ... عليك وبعض قتل عار وبعد أن أجلت الحرب عن قتل يزيد بن المهلب، التفت البقية الناجية من المهالبة حول أخيه المفضل، وخرجوا إلى كرمان، وكان بها منهم شراذم، فانضموا إليه، فبعث مسلمة بن عبد الملك مدرك بن ضب الكلبي في أثر الفل وفي طلب
следующие страницы →