إن امرءا حدبت ربيعة حوله ... والحي من يمن وهاب كئودا
لضعيف ما ضمت جوانح صدره ... إن لم يلف إلي الجنود جنودا
أيزيد كن في الحرب إذ هيجتها ... كأبيك لا رعشا ولا رعديدا٣
ما كان في أبويك قادح هجنة ... فيكون زندك في الزناد صلودا٤
إنا لضرابون في حمس الوغى ... رأس المتوج إن أراد صدودا٥
وقر إذا كفر العجاج ترى لنا ... في كل معركة فوارس صيدا٦
يا ليت اسرتك الذين تغيبوا ... كانوا ليومك بالعراق شهودا
وترى مواطنهم إذا اختلفت القنا ... والمشرفية يلتظين وقودا٧
وأقبل مدرك بن المهلب لينضم إلى أخيه يزيد بالبصرة، فلاقاه فرسان بني تميم بمفازتها، مضمرين قتله، فعلمت الأزد بأمرهم، فخرجت إليهم ومنعتهم من التعرض له، فمدحها ثابت ومجد صنيعها. يقول٨:
ألم تر دوسرا منعت أخاها ... وقد حشدت لتقتله تميم
رأوا من دونه الزرق العوالي ... وحيا ما يباح لهم حريم٩
شنوءتها وعمران بن حزم ... هناك المجد والحسب الصميم
فما حملوا ولكن نهنهتهم ... رماح الأزد والعز القديم
رددنا مدركا بمرد صدق ... وليس بوجهه منكم كلوم
стр. 212
وخيل كالقداح مسومات ... لدى أرض مغانيها الجميم١
عليها كل أصيد دوسري ... عزير لا يفر ولا يريم
بهم تستعيب السفهاء حتى ... ترى السفهاء تردعها الحلوم٢
فانتدب يزيد بن عبد الملك أخاه مسلمة في جيش من أهل الشام لمحق الخارجين على طاعته، فاستعاد البصرة، وفر ابن المهلب إلى واسط، وكان أهلها بايعوا له٣. وضرب ابنه معاوية أعناق ثلاثين أسيرا كانوا في يده، منهم عدي بن أرطأة، وابنه محمد، ومالك وعبد الملك ابنا مسمع البكري، فلم يجوز ثابت فعلته القبيحة، بل عدها طيشا منه، فقد أفسدت عليه الناس، ونفرتهم عنه. يقول٤:
ما سرني قتل الفزاري وابنه ... عدي ولا احببت قتل ابن مسمع
ولكنها كانت معاوي زلة ... وضعت بها أمري على غير موضع
واستمر مسلمة يطارد ابن المهلب حتى قتله يوم العقر قرب كربلاء بالكوفة، ومزق جنوده تمزيقا. فجن ثابت، وخابت كل الآمال التي عقدها على الثورة، والتي كان يرجو أن تتوج بفوز ابن المهلب بالخلافة. فتحول يرثيه ويرثي الهالكين من أسرته. وتتضح في مراثيه لهم عصبيته الحادة للأزد، ويتضح فيها عداؤه السافر للأمويين، فهو لا ينفث فيها أناته وزفراته التي ضاق بها صدره لمصرعهم، بل يحملها كذلك دفاعا عن ثورتهم، وافتخارا بماضيهم في الجاهلية، وبحاضرهم في الإسلام، مما يجعلهم أهلا للخلافة، ويرى أن قتلهم كان جرما عظيما، كما يحملها وعيدا للأمويين، وأنه لن يغتفر لهم ذنوبهم مهما تمتد الأيام بهم، بل سينتقم منهم. ويسخط سخطا شديدا على العشائر الشامية اليمنية التي دعمتهم، وأتاحت لهم التغلب على
стр. 213
المهالبة، لأنه كان يفترض فيما يظهر أن تعدل عن مساندتههم، وتنحاز للمهالبة في هذا الظرف العصيب، وتؤيدهم لما يربط بينها وبينهم من أواصر النسب. ومن مراثيه ليزيد بن المهلب هذه القصيدة التي يقرن فيها وصف مواجعه وآلامه الممضة لفقده بوعيده لبني أمية وقصاصه لهم، وغضبه على القبائل اليمنية التي ناصرتهم، يقول١:
ألا يا هند طال علي ليلي ... وعاد قصيره ليلا تماما٢
كأني حين حلقت الثريا ... سقيت لعاب أسود أو سماما٣
أمر علي حلو العيش يوم ... من الأيام شيبني غلاما
مصاب بني أبيك وغبت عنهم ... فلم أشهدهم ومضوا كراما
فلا والله لا أنسى يزيدا ... ولا القتلى التي قتلت حراما
فعلي أن أبؤ بأخيك يوما ... يزيدا أو أبؤ به هشاما٤
وعلي أن أقود الخيل شعثا ... شوازب ضمرا نقص الإكاما٥
فأسبحهن حمير من قريب ... وعكا أو أرع بهما جذاما
ونسقي مذحجا والحي كلبا ... من الذيفان أنفاسا قواما٦
عشائرنا التي تبغي علينا ... تحربنا زكا عاما فعاما٧
ولولاهم وما جلبوا علينا ... لأصبح وسطنا ملكا هماما
فهو يصف تبدل حاله، وما يقاس من المواجد، وما يتجرع من الغصص بل من السموم القاتلة، ويعترف بأنه كان غائبا عن مسرح الأحداث، وينذر بني أمية،
стр. 214
والعشائر اليمنية والشامية التي ساعدتهم، والتي دمروا بها المهالبة الأزديين اليمنيين تدميرا. فقد كان ينتظر منها أن تتخلى عن بني أمية، وتبايع المهالبة، وتقاتل معهم، لكي يكتب لهم النجاح في ثورتهم، ويكي يظفر يزيد بن المهلب بمنصب الخلافة.
وفي مرثية ثانية يبكي ابن المهلب، ويعلن أن ما يضاعف توجعه أنه كان بعيدا عن ميدان المعركة الفاصلة التي دارت بينه وبين مسلمة بن عبد الملك، ويوعد مسلمة بأنه سيتربص به حتى يغتاله. ويفتخر بالأزد، أصحاب العقول الراجحة، والشجاعة الخارقة، الحامين للجار، المطعمين للضيف خيار إبلهم في الجدب، ويعتد بفضلهم على الإسلام، وأنهم ناصروا الرسول حين وفد عليهم بالمدينة مهاجرا من مكة، ويتمدح بمجدهم التليد في الجاهلية ممثلا في دولة الغساسنة العزيزة القوية يقول١:
أبى طول هذا الليل أن يتصرما ... وهاج لك الهم الفؤاد المتيما
أرقت ولم تأرق معي أم خالد ... وقد أرقت عيناي حولا مجرما
على هالك هد العشيرة فقده ... دعته المنايا فاستجاب وسلما
على ملك يا صاح بالعقر جبنت ... كتائبه واستورد الموت معلما٢
أصيب ولم أشهد ولو كنت شاهدا ... تسليت إن لم يجمع الحي مأتما
وفي غير الأيام يا هند فاعلمي ... لطالب وتر نظرة إن تلوما٣
فعلي إن مالت بي الريح ميلة ... على ابن أبي ذيان أن يتندما
أمسلم إن تقدر عليك رماحنا ... نذقك بها قئ الأساود مسلما
وإن نلف للعباس في الدهر عثرة ... نكافئه باليوم الذي كان قدما
قصاصا ولا نعدو الذي كان قد أتى ... إلينا وإن كان ابن مروان أظلما
ستعلم إن زلت بك النعل زلة ... وأظهر أقوام حياء مجمجما
من الظالم الجاني على أهل بيته ... إذا أحصرت أسباب أمر وأبهما
стр. 215
وإنا لعطافون بالحلم بعدما ... نرى الجهل من فرط اللئيم تكرما
وإنا لحلالون بالثغر لا نرى ... به ساكنا إلا الخميس العرمرما١
نرى أن للجيران حاجا وحرمة ... إذا الناس لم يرعوا لذي الجار محرما
وإنا لنقري الضيف من قمع الذرى ... إذا كان رفد الرافدين تجشما٢
أبونا أبو الأنصار عمرو بن مالك ... وهم ولدوا عوفا وكعبا وأسلما
وقد كان في غسان مجد يعده ... وعادية كانت من المجد معظما٣
وفي مرثية ثالثة يؤنب القبائل التي دخلت في طاعته، واجتمعت إليه عندما أظهر الخلاف ليزيد بن عبد الملك،، وخلعه ودعا لنفسه، لأنها انسلت من حوله حين تفاقم الخطر المحدق به، ويأسى فيها لأن البقية الباقية من الأزد كانت بخراسان، إذ لو كانت قريبة منه لسارعت إليه، وشدت من أزره، يقول٤:
كل القبائل بايعوك على الذي ... تدعو إليه وتابعوك وساروا
ولقد بسطت لهم يمينك بالندى ... مثل الفرات تمده الأنهار
حتى إذا شرق القنا وجعلتهم ... نصب الأسنة اسلموك وطاروا٥
شهدتك من يمن عصائب ضيعت ... ونأى الذين بهم يصاب الثار
إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن ... عليك وبعض قتل عار
وبعد أن أجلت الحرب عن قتل يزيد بن المهلب، التفت البقية الناجية من المهالبة حول أخيه المفضل، وخرجوا إلى كرمان، وكان بها منهم شراذم، فانضموا إليه، فبعث مسلمة بن عبد الملك مدرك بن ضب الكلبي في أثر الفل وفي طلب
стр. 216
المهالبة، فأدركهم بفارس، والتحم معهم في معركة انتهت بهلاك المفضل. فرثاه ثابت بقصيدة عزى فيها أخته هند، وصور ما سببه له موته من بلاء دائم وهم مقيم، وأعرب عن أمله لأنه لم يشترك في الذب عنه، وهدد بأخذ الثأر له من قاتليه، وافتخر بنفسه وأخلاقه. يقول١:
يا هند كيف بنصب بات يبكيني ... وعائر في سواد العين يؤذيني٢
كأن ليلي والأصداء هاجدة ... ليل السليم وأعيا من يداويني٣
لما حنى الدهر من قوسي وعذرني ... شيبي وقاسيت أمر الغلظ واللين٤
إذا ذكرت أبا غسان أرقني ... هم إذا عرس السارون يشجيني٥
كان المفضل عزا في ذوي يمن ... وعصمة وثمالا للمساكين٦
غيثا لدى أزمة غبراء شاتية ... من السنين ومأوى كل مسكين٧
ما زلت بعدك في هم تجيش به ... نفسي وفي نصب قد كان يبليني٨
إني تذكرت قتلى لو شهدتهم ... في حومة الحرب لم يصلوا بها دوني٩
لا خير في العيش إن لم أجن بعدهم ... حربا تبيء بهم قتلى فتشفيني١٠
لا خير في طمع يدني إلى طبع ... وغفة من قوام العيش تكفيني١١
стр. 217
لا أركب الأمر تزرى بي عواقبه ... ولا يعاب به عرضي ولا ديني
لا يغلب الجهل حلمي عند مقدرة ... ولا العضيهة من ذي الضغن تبكيني١
كم من عدو رماني لو قصدت له ... لم يأخذ النصف مني حين يرميني
وعلى نحو ما تبدو عصبيته القبلية والسياسية لقومه في مدائحه ومراثيه، فإنها تبدو أيضا في أهاجيه، فهو يدافع في قسم كبير منها عنهم، ويرد على خصومهم، بل إنه كان شديد الحمية والأنفة لهم، فقد كان يستثار ويخرج عن طوره، إذ تعرض أحد للأزد، أو أصابهم بأقل سوء. والأمثلة على ذلك كثيرة، فحين حارب المهلب الشراة، وكان ابن الكواء اليشكرى فيهم، وكان بعض بني أخيه شاعرا، فهجا المهلب، والأزد، طلب المهلب من ثابت أن يرد عليه، فراح يحقر بني يشكر، ويتهمهم بأنهم أذل عشائر بكر، بل ملصقون بها إلصاقا، يقول٢:
كل القبائل من بكر نعدهم ... واليشكريون منهم ألأم العرب
أثرى لجيم وأثرى الحصن إذ قعدت ... بيشكر أمه المعرورة النسب٣
نحاكم عن حياض المجد والدكم ... فما لكم في بني البرشاء من نسب٤
أنتم تحلون من بكر إذا نسبوا ... مثل القراد حوالي عكوة الذنب٥
نبئت أن بني الكواء قد نبحوا ... فعل الكلاب تتلى الليث في الأشب٦
يكوى الابيجر عبد الله شيخكم ... ونحن نبري الذي يكوى من الكلب
وكانت ربيعة لما حالفت اليمن وحشدت مع يزيد بن المهلب تنزل حواليه هي والأزد بخراسان، فاستبطأته ربيعة في بعض الأمر، فشغبت عليه، حتى أرضاها فيه، فحنق ثابت عليها، وانطلق يهجوها بأنها تحذق تهييح الشر، وتأجيج الفتنة، وأنها
стр. 218
تختفي عند الشدة، وتقل عند الفزع، وأنها تتنكر للصديق، وتقعد عن منازلة العدو، غامز أرجالها بأنهم ليسوا من أولي الأصول العريقة المعروفة، ولا من ذوي العزائم الكبيرة، ولذلك فإنه لم يعد يرى جدوى في محالفة الأزد لهم. يقول١:
عصافير تنزو في الفساد وفي الوغى ... إذا راعها روع جماميح بروق٢
أأحلم عن ذبان بكر بن وائل ... ويعلق من نفسي الأذى كل معلق
ألم أك قد قلدتكم طوق خزية ... وأنكلت عنكم فيكم كل ملصق٣
لعمرك ما استخلفت بكرا ليشغبوا ... علي وما في حلفكم من معلق٤
ضممتكم ضما إلي وأنتم ... شتات كفقع القاعة المتفرق٥
فأنتم على الأدنى أسود خفية ... وأنتم على الأعداء خزان سملق٦
فالبكريون في نظره عيال على الأزد، لا يغنون في الأزمات، ومع ذلك فإنهم ينافرونهم وينازعونهم. وهو يردد هذا المعنى في بيتين آخرين، إذ يأخذ على البكريين قلة وفائهم بالعهود، وتقصيرهم فيما يوجبه الحلف المعقود بينهم وبين الأزد من التزامات. بل إنه يصرح بأنهم إنما يفزعون إلى الأزد في المآزق. فإذا ما فرجوها عنهم، واستأنفوا حياتهم مطمئنين، عادوا إلى سيرتهم الأولى مع الأزد، وابتعدوا منهم. يقول٧:
بكر أخونا إذا نابته نائبة ... وليس منا إذا ما خوفه أمنا
إني لأرمي بنبلي من ورائهم ... ولا أرى الأمر شجانا لهم شجنا
стр. 219
ومدح قتيبة بن مسلم فلم يجزه، فانبرى يشهر به، بل يعبر عن عدائه الدفين له، ولكن في حذر واحتياط، إذ اتخذ من مديح يزيد بن المهلب وسيلة إلى تجريحه، يقول١:
أبا خالد لم يبق بعدك سوقة ... ولا ملك ممن يعين على الرفد٢
ولا فاعل يرجو المقلون فضله ... ولا قائل ينكا العدو على حقد٣
لو أن المنايا سامحت ذا حفيظة ... لأكرمنه أو عجن عنه على عمد
وانهزم قتيبة وقومه عن الترك في إحدى المعارك، وثبت بنو تميم في الميدان، فوجد ثابت الفرصة سانحة لذم الباهليين، فعرض بهم، ومدح التميميين، وفضل الأزد عليهم أجمعين. يقول٤:
توافت تميم في الطعان وعردت ... بهيلة لما عاينت معشرا غلبا٥
كماة كفاة يرهب الناس حدهم ... إذا ما مشوا في الحرب تحسبهم نكبا٦
تسامون كعبا في العلا وكلابها ... وهيهات أن تلقوا كلابا كعبا
فأفشى عليه روايته الأبيات، وكان استكتمه إياها. فقال يصف فزعه من انتشارها، وخشيته من معاقبة قتيبة له عليها، ويعلن أنه كثيرا ما نوى أن يهجر راويته، ولكنه لم ينفذ قراره، لأنه من ربيعة حلفاء قومه٧:
يا ليت لي بأخي نضر أخا ثقة ... لا أرهب الشر منه غاب أو شهدا
أصبحت منك على أسباب مهلكة ... وزلة خائفا منك الردى أبدا
стр. 220
ما كنت إلا كذئب السوء عارضه ... أخوه يدمي ففرى جلده قددا١
أو كابن آدم خلى عن أخيه وقد ... أدمى حشاه ولم يبسط إليه يدا٢
أهم بالصرف أحيانا فيمنعني ... حيا ربيعة والعقد الذي عقدا
ووشى به حميد الرؤاسي، وعبادة المحاربي إلى سعيد بن عبد العزيز الأموي وقد ولي خراسان، وجلس يعرض الناس، إذ أبلغاه أنه افتخر في شعره بالأزد، وأنهم قادرون على قتل الخليفة إن عاداهم، فاستدعاه سعيد وقال له: أنت القائل٣:
إنا لضرابون في حمس الوغى ... رأس الخليفة إن أراد صدودا
فاعترف بأن البيت له، واتهم الرجلين بأنهما استبدلا رأس الخليفة برأس المتوج في بيته السابق، وأتبعه ببيت ثان، دافع فيه عن نفسه وقومه، فقد بين فيه أنهم إنما يغضبون دفاعا عن الدين والخليفة، فقال:
إنا لضرابون في حمس الوغى ... رأس المتوج إن أراد صدودا
عن طاعة الرحمن أو خلفائه ... إن رام إفسادا وكر عنودا
فعفا عنه. وعلم أن حميدا وعبادة هما اللذان سعيا به عند سعيد، فسخط عليهما. فأتاه عبادة معتذرا، واستعلى حميد عليه، فهجاه بأبيات وصمه فيها بأنه ساقط ذليل، دعي خامل، يقول٤:
وما كان الجنيد ولا أخوه ... حميد من رؤوس في المعالي
стр. 221
فإن يك دغفل أمسى رهينا ... وزيد والمقيم إلى زوال١
فعندكم ابن بشر فاسألوه ... بمرو الروذ يصدق في المقال
ويخبر أنه عبد زنيم ... لئيم الجد من عم وخال٢
بل إنه كان لا يتورع عن هجاء زعماء قبيلته إذا انحرفوا عن محاباة أفرادها بعض الانحراف، وأشركوا غيرهم في أصغر الوظائف، فقد كان يعتقد بوجوب احتكار الأزد لكل منصب وسلطان، ونفع، ما دام الأمير منهم. وخير شاهد على ذلك أن المهلب استعمل وكيع بن الدورقية الخوزستاني على عمل من أعمال خراسان، فاحتج ثابت عليه، وسفه رأيه، مدعيا أنه قدم مولى من الموالي على ابني قبليته، ووضعه في مركز لا يستحقه، يقول٣:
ما زال رأيك يا مهلب فاضلا ... حتى بنيت سرادقا لوكيع
وجعلته ربا على أربابه ... ورفعت عبدا كان غير رفيع
لو را أبوه سرادقا أحدثته ... لبكى وفاضت عينه بدموع
كذلك كان يؤمن بأن وحدة الدم بين أفراد قبيلته تفرض عليهم أن يكونوا متعاونين متناصرين، وتلزم القبيلة نفسها بمساندة أي فرد منهم سواء كان ظالما أو مظلوما. وأصدق دليل على ذلك أنه استنصره في حال بعض أفراد قبيلته، فلم ينصره، فعتب عليه، وراح يلوح بأنه إنما تسامى عن الطعن فيه، وهو ابن قبيلته، تأسيا بأبيه الذي كان يمسك عن توبيخها إذا فرط أحد أبنائها في حقه، وإلا فإنه لا يحتمل الأذى من أي إنسان، يقول٤:
تعففت عن شتم العشيرة إنني ... وجدت أبي قد عف عن شتمها قبلي
стр. 222
حليما إذا ما الحلم كان مروءة ... وأجهل أحيانا إذا التمسوا جهلي
ومن هجائه ما كانت حوافزه شخصية خالصة، ترجع إلى اعتزازه بذاته، وإحساسه بأنه ينبغي أن يعظم ويكرم. ومن أجل ذلك فإنه هجا كل من تخلف عن الاحتفال به، وهجا بعض الشعراء الذين كانوا ينافسونه، والذين فازوا بالجوائز من دونه. ففي أخباره أنه اجتاز في بعض أسفاره بمدينة كان أميرها محمد بن مالك الهمذاني الخيواني، فنزل به، فلم يهتم له، ولا أمر له بقرى، ولا هيأ له ما يهيأ للضيف أن ينزل عليه، فلما رحل عنه، هجاه بأبيات وازن فيها بين بطون همدان من بكيل وخيوان، مادحا الأولين الذين لا ينتمي محمد إليهم، ومجرحا الأخيرين الذين تحدر منهم، كما عيره بأنه دعي في خوان على هوانهم، مغمور بينهم على وضاعتهم، وأنه حقير منبوذ، ولذلك ردته كندة حين خطب إليها، يقول١:
لو ان بكيلا هم قومه ... وكان أبوه أبا العاقب٢
لاكرمنا إذ مررنا به ... كرامة ذي الحسب الثاقب
ولكن خيوان هم قومه ... فبئس هم القوم للصاحب
وأنت سنيد بهم ملصق ... كما ألصقت رقعة الشاعب٣
وحسبك حسبك عند النثا ... بأفعال كندة من عائب٤
خطبت فجازوك لما خطبت ... جزاء يسار من الكاعب٥
стр. 223
كذبت فزيفت عقد النكاح ... لمتك بالنسب الكاذب١
فلا تخطبن بعدها حرة ... فتثني بوسم على الشارب٢
وأنشدنا له مقطوعة من قبل هجا بها حاجب بن ذبيان المازني، لأن يزيد بن المهلب فضله عليه، وأجزل له العطاء لمدحة مدحه بها. وقد كرر فيها تلك المعاني التي كررها في أهاجيه القبلية والسياسية والشخصية، فقد رماه بأنه خسيس دني مغمور في نسبه، وأنه ضعيف لا سند له في قومه٣.
ومن تتمة الحديث عن شعوره بعظمة شخصيته، أنه يصف نفسه في شعره بالجلال والوقار، وأنه لا يلغو ولا يطيل الكلام، بل يوجز في القول، ويجتزئ بأقله، يقول:٤
لا أكثر القول فيما يهضبون به ... من الكلام قليل منه يكفيني٥
وأداه اعتداده بشخصيته إلى أن يأخذ نفسه بالمثالية، ويطالب صاحبه بأن يكون على شاكلته. فهو يحرص على الصديق، ويدافع عنه، ويفي له، في كل الأحوال، أما الصديق الذي كان يتقرب إليه في اليسر، ويزور عنه في العسر، ويبدي له المودة إذا لقيه، ويمزق عرضه إذا فارقه، فكان ينفر منه، ويقطع صلته به، يقول٦:
أنبئت بشرا وللأنباء محصلة ... وعامرا قد أراد النقض لو نقضا٧
وكان بشر بن قيس لي أخا ثقة ... وكنت أجعل نفسي دونه غرضا٨
стр. 224
وما أخي بالذي يرضى بمنقصتي ... ولا الذي يظهر البغضاء والمرضا
ولا الذي إن حلا عيشتي تنصفني ... وليس مني إذا ما مر أو حمضا
كما كان يسر حوائجه، ويتكتم على أموره، بل إنه كان ينكر بعض أعماله إذا رأى فيها عارا عليه، أو سبة له. فقد خطب امرأة كان يميل إليها، وجعل السفير بينه وبينها جويبر بن سعيد المحدث، فاندس فخطبها لنفسه، وتزوجها، ودفعه عنها. فكذب ثابت أنه اختاره، ليكون رسوله إليها، ودعا عليه أن يشقى بها، وأن يضطر إلى تطليقها، بعد أن تقبض منه مهرها. يقول١:
أفشى علي مقالة ما قلتها ... وسعى بأمر كان غير سديد
إني دعوت الله حين ظلمتني ... ربي وليس لمن دعا ببعيد
أن لا تزال متيما بخريدة ... تسبي الرجال بمقلتين وجيد
حتى إذا وجب الصداق تلبست ... لك جلد أغضف بارز بصعيد٢
وهو ينحو في فخره نحو الشعراء الجاهليين، إذ يتمجد فيه بفروسيته، وهي تتمثل في إنفاقه كل ما يملك من الأموال، وفي طرحه لنفسه مطارح الردى، كما يدل على ذلك قوله٣:
المال نهب الدهر ما أخرته ... ويكون حظك منه ما يتقدم
أمضي وظل الموت تحت ذؤابتي ... ويظن صحبي أنني لا أسلم
فسلمت والسيف الحسام وصعدة ... سمراء يجري بين أكعبها الدم٤
стр. 225
وأنا ابن عمك يوم ذلك دنية ... وأنا البعيد إليك منك المجرم١
وتتمثل أيضا في بلائه وغنائه في الحروب، كما تصور ذلك أبيات أثبتناها في مكان سابق٢. ويضيف إلى فخره بنفسه فخره بقبيلته، ومنعتها وجبروتها، فهي تظلم القوي، وتستخف به وتنصف العاجز وترد عليه حقه، وهي متوافرة في نفسها، حفيظة على أبنائها الصرحاء وغير الصرحاء، بل إنها لتطير إلى نجدة مواليها، وإن كانوا مسيئين إليها، أو معتدين على غيرها. يقول٣:
وإنا لنعطي النصف ذا الحق إن غدا ... ضعيفا ونلويه الأبي الغشمشما٤
ولا نخذل المولى وإن كان ظالما ... ونبدي له عذرا وإن كان ألوما٥
وله قصيدة طويلة في الإرجاء٦ ضمنها أهم مبادئ المرجئة، فهم لا يكفرون أحدا من المسلمين مهما يعظم ذنبه، لأنهم يفصلون بين الإيمان والعمل، فالمسلم مؤمن وإن لم يؤد الفروض، لأن أساس الإيمان عندهم الاعتقاد بالقلب لا بالعبادة والطاعة. وهم يرفضون الحكم على أعمال الناس، ويتركون الحكم عليهما لله يوم القيامة, إلا الجور البين أو العناد الواضح، فإنهم يصدرون أحكامهم عليه. وهم لا يستبيحون دماء الناس إلا دفاعا عن أنفسهم، ولا يكفرون عثمان وعليا، بل يسفهون رأي الخوارج، لأنهم كفروهما، فهما عبدان مؤمنان، وما حدث من شقاق بينهما لا يلغي إيمانهما، والحكم الأخير عليهما متروك لله، يقول٧:
يا هند إني أظن العيش قد نفدا ... ولا أرى الأمر إلا مدبرا نكدا
إني رهينة يوم لست سابقه ... إلا يكن يومنا هذا فقد أفدا٨
стр. 226
بايعت ربي بيعا إن وفيت به ... جاورت قتلى كراما جاوروا أحدا
يا هند فاستمعي لي إن سيرتنا ... أن نعبد الله لم نشرك به أحدا
نرجي الأمور إذا كانت مشبهة ... ونصدق القول فيمن جار أو عندا
المسلمون على الإسلام كلهم ... والمشركون أشتوا دينهم قددا١
ولا أرى أن ذنبا بالغ أحدا ... م الناس شرما إذا ما وحد الصمدا
لا نسفك الدم إلا أن يراد بنا ... سفك الدماء طريقا واحدا جددا٢
من يتق الله في الدنيا فإن له ... أجر التقي إذا وفى الحساب غدا
وما قضى الله من أمر فليس له ... رد وما يقض من شيء يكن رشدا
كل الخوارج مخط في مقالته ... ولو تعبد فيما قال واجتهدا
أما علي وعثمان فإنهما ... عبدان لم يشركا بالله مذ عبدا
وكان بينهما شغب وقد شهدا ... شق العصا وبعين الله ما شهدا٣
يجزى علي وعثمان بسعيهما ... ولست أدري بحق آية وردا
الله يعلم ماذا يحضران به ... وكل عبد سيلقى الله منفردا
فشخصية ثابت قطنة كما يكشف عنها ما بقي من أخباره وأشعاره شخصية أثرت فيها التيارات والحركات الفكرية والسياسية الإسلامية، كما أثرت فيها النزعات والاتجاهات الاجتماعية والثقافية العربية التي ظللت عصره، فهو من ناحية استجاب للتيارات الفكرية الإسلامية التي نشطت في مجتمعه، فقد جالس الشراة والمرجئة بخراسان٤، واستمع إلى مجادلاتهم ومحاوراتهم في مسائل الدين، وأصول العقيدة، فمال إلى المرجئة، وفضل ذهبهم السياسي الديني على مذهب الخوارج، فاعتنقه ونظم قصيدة طويلة تحدث فيها عن آرائهم ومبادئهم.
стр. 227
وهو من ناحية أخرى صدر في بعض مواقفه عن روح الإسلام الصافية وتعاليمه السمحة، وانضم إلى بعض الثائرة التي دعا زعماؤها إلى ضرورة تساوي المسلمين من العرب والعجم، فقد انفصل عن قومه العرب، واتصل بالأتراك المتمردين على أشرس السلمي بسمرقند، لأنه فرض الجزية على مسلميهم، بعد أن كان مناهم بإزالتها عنهم إذا دخلوا الإسلام، فلما تضاءلت المبالغ المجموعة منهم، تراجع عن منهجه الإصلاحي الذي اقترحه لمعالجة أوضاعهم السيئة، وأخلف وعوده لهم، كما تسلط عليهم، فاستصوب ثابت ثورتهم، وأيدها إيمانا منه بسلامتها وشرعيتها، واعتقادا منه بحتمية تكفائهم مع العرب في الحقوق والواجبات، بعد إسلامهم فاعتقل في سبيلهم، وقضى مدة في السجن من أجلهم.
وهو من ناحية ثالثة تعمقته العروبة والقومية فجاهد أهل خراسان وأهل ما وراء النهر مرارا، كما تخلى عن مناصرته لأهل سمرقند، وحاربهم مع أشرس حربا لا هوادة فيها، وقتل وهو يساهم في القضاء على ثورتهم!
ويدل ذلك من غير شك على أنه كان مشتت الفكر، متناقض السلوك، متأرجحا بين النزعة الإسلامية والنزعة القومية، ولكننا نقطع استئناسا بأشعاره أن كل تلك الاتجاهات الفكرية الدينية، والإنسانية والقومية كانت طارئة على ثقافته وشخصيته، ضعيفة التأثير في نفسيته. ولذلك فإنها إنما حملته على الالتزام ببعض المواقف النظرية، أو العملية القليلة إلى حين قصير. أما العامل الأساسي الذي شكل ثقافته وشخصيته وسلوكه فهو التراث الجاهلي القبلي، فقد اتخذ على طوال حياته جانب قومه من الأزد، وتطوع للدفاع عن مصالحهم ومنافعهم وأهدافهم، فكان دائما متحيزا لهم، مفتخرا بهم، مقدما إياهم على كل القبائل، كما حث المهالبة على العمل الجاد لهدم دولة بني أمية، ولم يقف به تحيزه لهم عند التصدي لمنافسيهم من قيس وتميم فحسب، وإنما ساقه إلى التنديد بحلفائهم من بكر حين تضاربت مطامع الطرفين وتباينت، وغلا في عصبيته لهم حتى دعا المهلب بن أبي صفرة إلى قصر الوظائف عليهم، وعنف أسدا القسري حين عزله عن إدارة سمرقند.
ولا يتضح تأثير التراث الاجتماعي والثقافي الجاهلي القبلي في سلوكه العملي
стр. 228
فحسب، بل يتضح كذلك في فنه. فشعره في أكثر موضوعاته يكاد يكون صورة عن الشعر الجاهلي، إذ يرجح فيه المعاني والألفاظ والتراكيب الجاهلية، فهو إن مدح فإنما كان يمدح بكرم النسب، ونباهة الذكر، وعظم الشأن، وبالمروءة ومقوماتها من شجاعة وجود وحماية للجار، وإغاثة للملهوف. وهو إن هجا فإنما كان يهجو بوضاعة الأصل، وخمول المنزلة، بل إنه ركز في كل أهاجيه على النسب، ورمى جميع الذين هجاهم بأنهم أدعياء لا أصلاء. وهو إن رثى فإنما كان يرثي على الطريقة القديمة، فينوح على الفقيد، ويذكر القذى والعوار، والسهر والسهم الناقع، والثريا، وليل التمام، ويقرظ الهالك تقريظا جاهليا، ويحمل رثاءه له التهديد وأخذ الثأر. وهو إن افتخر فإنما كان يفتخر ببسالته واستهانته بالحياة، وإتلافه لثروته، وبمجد قبيلته وعزتها وانتاصفها لنفسها، وعسفها بأعدائها.
ولعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا إن ثابت قطنة كان مثالا للشاعر الأموي الخراساني الذي استظهر الحياة الجاهلية بكل قوانينها وتقاليدها الفنية، وأنه كان متحزبا للأزد إلى أبعد حدود التحزب، دون مراعاة للوضع الاجتماعي والسياسي الجديد، أو اعتبار بأن قبيلته مثل القبائل الأخرى، وأن لها من الامتيازات ما لها، وعليها من المسئوليات ما عليها. فهمه هم فردي وقبلي. وهو يعكس في النهاية ما تضخم في خيالات الأزد وأهل اليمن من إحساس بعزهم القديم، وشرفهم التليد، ومجدهم الجاهلي الأزلي، وما انطوت عليه نفوسهم من مرارة وتبرم بحالهم في الإسلام١، وحزن على دورهم البطولي الإسلامي الذي ذهب هدرا، وكيف أنهم احتضنوا الرسول بالمدينة، ومكنوا له، وساعدوه على أعتى خصومه، ثم لم يخرجوا من المعركة السياسية بنصيب الأسد، ولا بأمير منهم، وأمير من قريش! وهو يعكس أيضا موقف الأزد وأهل اليمن بخراسان، وطموحهم السياسي، واجتهادهم ما وسعهم الاجتهاد للاستواء على عرش الإمارة والسلطان، وقلة مبالاتهم في سبيل تحقيق هذه الغاية بمصلحة الجماعة، أو بمنفعة حلفائهم، أو بطاعة الخليفة.
стр. 229
شاعر أزدي مفتون متهور:
كعب بن معدان ١:
هو من الأشاقر، وهم قبيلة من الأزد، وأمه من عبد القيس. وأخباره في الشطر الأول من عمره قليلة، بل ضائعة مجهولة. ونحن نظن ظنا أنه بصري المولد والمربى، وأنه حين بلغ سن الفتيان اتصل بالمهلب بن أبي صفرة، وكافح معه الخوارج بفارس، إذ يقول أبو الفرج الأصفهاني: "إنه شاعر خطيب معدود في الشجعان من أصحاب المهلب. والمذكورين في حروبه للأزارقة"٢.
وعندما عين المهلب واليا على خراسان رافقه كعب، وجاهد معه الترك بما وراء النهر٣. وشجر خلاف بين الأزد وحلفائهم من عبد القيس في ولاية المهلب، فاندلعت الحرب بينهم، وأوقع كل فريق منهم بالآخر خسائر وأضرارا، واشتبك شعراؤهم في معركة هجائية، فكان كعب يهجو عبد القيس، وينال منهم، وزياد الأعجم مولى عبد القيس يجيبه، وينسب إلى الأزد كل مثلبة وسوءة. ولم تزل
стр. 230
القبيلتان تتقاتلان، والشاعران يتناقضان، حتى فض المهلب النزاع الحربي بينهما، ودفع ديات القتلى لكل منهما، وأمر الشاعرين بالكف عن الهجاء فكفا واصطلحا، ولكن بعد أن قطع زياد عرض كعب تقطيعا، ولطخ وجوه الأزد بالمعايب تلطيخا١.
ولما توفي المهلب حف كعب بأولاده، وقاتل معهم، ومدحهم، فقد شهد فتح يزيد بن المهلب لقلعة باذغيس سنة أربع وثمانين٢، ومدحه، وحضر احتلال المفضل بن المهلب للقلعة مرة ثانية سنة خمس وثمانين، وسجل اكتساحه لها في مقطوعة من شعره٣.
وبعد أن عزل الحجاج بن يوسف المهالبة عن إدارة خراسان، وأسند حكمها لقتيبة بن مسلم، لم ينزو كعب عنه، ولم ينكب على نفسه، كثابت قطنة، وإنما قصده، وحارب الترك معه، وكأنما وجد في عهده الحافل بالمعارك ما يرضي نزعة الحرب والفروسية في نفسه، وما يشغله عن التفكير في مشكلات قبيلته، وفي أحوال المهالبة. فخاض بجانبه أكثر الوقائع التي نازل فيها الترك، إذ كان معه سنة ثلاث وتسعين، حين غزا خوارزم، وفتح عاصمتها٤، وكان معه في السنة نفسها، يوم أن زحف على سمرقند وافتتحها٥. وانفعل ببطولاته وانتصاراته، فخرج عن طبيعته، وخلد اجتياحه لخوارزم في مقطوعة لام فيها يزيد بن المهلب، لأنه كان وجه إليها حملة فلم يتمكن من احتلالها٦. وبلغت مقطوعته ابن المهلب فغضب عليه. وما هي إلا أن يغتال قتيبة، ويقبل ابن المهلب واليا على خراسان للمرة الثانية، فإذا كعب يتوجس منه ريبة. وهنا يختلف الرواة في أخباره، فمن قائل: إنه بقي
стр. 231
بخراسان، فحبسه، ثم دس إليه ابن أخ له كان يبغضه، فقتله١. ومن قائل: إنه هرب إلى عمان، ونزل بها مدة، ثم كرهها، فأرسل إلى ابن المهلب قصيدة اعتذر له فيها، وسأله العفو عنه فلم يقبل اعتذاره، بل ظل ناقما عليه، ثم أغرى به ابن أخيه المذكور، وجعل له مالا على قتله، فضرب رأسه بفأس وهو بعمان٢.
والأرجح عندي أنه أقام بخراسان في ولاية ابن المهلب، فسجنه، ثم أطلق سراحه، وفي أخباره ما يشير إلى ذلك إشارة واضحة٣. واستمر يقيم بخراسان بعد إقصاء عمر بن عبد العزيز لابن المهلب عنها. وأقوى برهان على ذلك أنه ضج بالشكوى من عمال الخراج بخراسان في خلافه عمر بن عبد العزيز، وبعث إليه قصيدة دعاه فيها إلى محاسبة الخونة منهم حسابا شديدا٤. ثم فر إلى عمان بعد أن نمي إليه أن المهالبة يدبرون لقتله، وظل ينزل بها حتى أغرى به ابن المهلب ابن أخيه فقتله سنة اثنتين ومائة.
وأكثر ما وصل إلينا من شعره يدور على مديح المهالبة، وذكر حروبهم للأزارقة بفارس، والإشادة بأصولهم العريقة التي زكتهم للنهوض بتلك المهمة، ومكنتهم من تحقيق الانتصارات العظيمة، والافتخار بأفضالهم على أهل البصرة والكوفة، لوقايتهم إياهم من عبث الأزارقة وخطرهم. ومنه هذه القصيدة الرائية يصف فيها قتال المهلب وأولاده للأزارقة بكرمان والأهواز وهي تتوالى على هذا النمط٥:
طربت وهاج لي ذاك ادكارا ... بكش وقد أطلت به الحصارا٦
وكنت ألذ بعض العيش حتى ... كبرت وصار لي همي شعارا
стр. 232
رأيت الغانيات كرهن وصلي ... وأبدين الصريمة لي جهارا١
غرضن بمجلس وكرهن وصلي ... أوان كسيت من شمط عذارا٢
زرين علي حين بدا مشيبي ... وصارت ساحتي للهم دارا٣
أتاني والحديث له نماء ... مقالة جائر أحفى وجارا٤
سلوا أهل الأباطح من قريش ... عن العز المؤبد أين صارا٥
ومن يحمي الثغور إذا استحرت ... حروب لا ينون لها غرارا٦
لقومي الأزد في الغمرات أمضى ... وأوفى ذمة وأعز جارا
هم قادوا الجياد على وجاها ... من الأمصار يقذفن المهارا٧
بكل مفازة وبكل سهب ... بسابس لا يرون لها منارا٨
إلى كرمان يحملن المنايا ... بكل ثنية يوقدن نارا٩
شوازب لم يصبن الثأر حتى ... رددناها مكلمة مرارا١٠
ويشجرن العوالي السمر حتى ... ترى فيها عن الأسل ازورارا١١
غداة تركن مصرع عبد رب ... يثرن عليه من رهج عصارا١٢
стр. 233
ويوم الزحف بالأهواز ظلنا ... نروي منهم الأسل الحرارا١
فقرت أعين كانت حزينا ... ولم يك نومها إلا غرارا٢
صنائعنا السوابغ والمذاكي ... ومن بالمضر يجتلب العشارا٣
فهن يبحن كل حمى عزيز ... ويحمين الحقائق والذمارا٤
طوالات المتون ويصن إلا ... إذا سار المهلب حيث سارا
فلولا الشيخ بالمصرين ينفي ... عدوهم لقد تركوا الديارا
ولكن قارع الأبطال حتى ... أصابوا الأمن واجتنبوا الفرارا
إذا وهنوا وحل بهم عظيم ... يدق العظم كان لهم جبارا
ومبهمة يحيد الناس عنها ... تشب الموت شد لها الإزارا
شهاب تنجلي الظلماء عنه ... يرى في كل مبهمة منارا
بل الرحمن جارك إذ وهنا ... بدفعك عن محارمنا اختيارا
براك الله حين براك بحرا ... وفجر منك أنهارا غزارا
بنوك السابقون إلى المعالي ... إذا ما أعظم الناس الخطارا٥
كأنهم نجوم حول بدر ... دراري تكمل فاستدارا٦
ملوك ينزلون بكل ثغر ... إذا ما الهام يوم الروع طارا٧
رزان في الأمور ترى عليهم ... من الشيخ الشمائل والنجارا٨
стр. 234
نجوم يهتدى بهم إذا ما ... أخو الظلماء في الغمرات حارا
والقصيدة توضح ما كان بنفس الشاعر بل بنفوس الأزد من سخط وضيق بمصيرهم بعد الإسلام، وكيف أنهم حرموا حقهم في الرئاسة١، وتفصح عن آمالهم العراض فيها. فهو معتد بالأزد أقصى الاعتداد، شامخ بالمهالبة منهم أعلى الشموخ. وهو يستند في اعتداده وشموخه إلى أساسين: الأول عزهم الجاهلي المؤثل الباقي على الدهر، والثاني مجدهم الإسلامي الأصيل النامي على مر السنين، والمتمثل في مساهمتهم القوية في القضاء على الثورات العنيفة، التي كاد أصحابها يديلون من الخلفاء الأمويين، لولا مساعدة الأزد لهم. وهو يريد الخلفاء الأمويين القرشيين أن يعترفوا بمكانة الأزد وعظمتهم، ويريدهم أن يردوا إليهم نصيبهم في الحكم. وهو لذلك لا يكاثر القبائل التي ليس لها حظ كبير في الملك، وإنما يختار القرشيين على وجه التخصيص، ويطاولهم ويستعلي عليهم. فهم الذين يستأثر الأمويون منهم بالخلافة، وهم الذين كان للأزد وأهل اليمن دور في تأييدهم وتعضيدهم في أول عهد الإسلام، وهم الذي تنكروا لمن ساعدهم وجحدوهم حقهم. وهم الآن عاجزون عن حماية أنفسهم من الخارجين عليهم، مقصرون عن توفير الأمن والاستقرار في الأمصار التي تغلي بالثورة عليهم، فعادوا إلى التماس العون من الأزد، فسارعوا إلى دعمهم، وثبتوا سلطانهم. وهو لا يريد أن تتكرر المأساة من جديد، ولا أن يغمط الأزد حظهم في المشاركة الفعلية في الزعامة.
وبعد أن فتك المهلب بالأزارقة فتكا ذريعا، أرسل كعبا إلى الحجاج بن يوسف، ليقدم إليه تقريرا عن سير العمليات ونتائجها، ويزف إليه بشرى انتصاره الساحق في كل عملية منها. فإذا هو لا يقدم إليه تقريرا موجزا في مقطوعة، بل ينشد بين يديه قصيدة مطولة تبلغ ثلاثة وثمانين بيتا، وتكاد تكون ملحمة قصيرة. لسرده فيها سردا قصصيا حماسيا وقائع المهلب مع الأزارقة، وهو يقول فيها بعد المقدمة الغزلية ومديح الحجاج، واصفا حال الناس بالبصرة، واستخفافهم بأمر الأزارقة، حتى تكاثفوا وتعاظم خطرهم، فاختبأ الرجال في منازلهم، وأحجموا عن
стр. 235
قتالهم، وأصبحوا كالنساء يرتجفون رعبا ورهبا. حتى إذا هب المهلب لنضالهم، لبت قبيلته نداءه، وخرجت في كتائب جرارة لمكافحتهم١:
واستسلم الناس إذ حل العدو بهم ... فما لأمرهم ورد ولا صدر
وما تجاوز باب الجسر من أحد ... وعضت الحرب أهل المصر فانجحروا
وأدخل الخوف أجواف البيوت على ... مثل النساء رجال ما بهم غير
واشتدت الحرب والبلوى وحل بنا ... أمر تشمر في أمثاله الأزر
نظل من دون خفض معصمين بهم ... فشمر الشيخ لما أعظم الخطر
كنا نهون قبل اليوم شأنهم ... حتى تفاقم أمر كان يحتقر
لما وهنا وقد حلوا بساحتنا ... واستنفر الناس مرات فما نفروا
نادى امرء لا خلاف في عشيرته ... عنه وليس به في مثله قصر
تلبسوا لقراع الحرب بزتها ... فأصبحوا من وراء الجسر قد عبروا
ساروا بألوية للمجد قد رفعت ... وتحتهن ليوث في الوغى وقر
ومضى يفصل في منازلة المهلب والأزد للأزارقة في رام هرمز، وسابور، وكازرون، ودشت بارين، وجييرين، وكرمان، وما تكبده الفريقان من الضحايا، حتى نفاهم المهلب عن كل تلك الأماكن نفيا، وخسفهم بها خسفا:
تأتي علينا حزازات النفوس فما ... نبقي، عليهم وما يبقون إن قدروا
ولا يقبلوننا في الحرب عثرتنا ... ولا نقيلهم يوما إذا عثروا
ولا عذر يقبل منا دون أنفسنا ... ولا لهم عندنا عذر إذا اعتذروا
صفان بالقاع كالطودين بينهما ... كالبرق يلمع حتى يشخص البصر٢
стр. 236
على بصائر كل غير تاركها ... كلا الفريقين تتلى فيهم السور
يمشون في البيض والأبدان إذ وردوا ... مشي الزوامل تهدي صفهم زمر١
وشيخنا حوله منا ململمة ... حي من الأزد فيما نابهم صبر٢
من موطن يقطع الأبطال منظره ... تشاط فيه نفوس حين تبتكر
ما زال منا رجال ثم تضربهم ... بالمشرفي ونار الحرب تستعر
وباد كل سلاح يستعان به ... في حومة الموت إلا الصارم الذكر
ندوسهم بعناجيج مجففة ... وبيننا ثم من صم القنا كسر٣
يغشين قتلى وعقري ما بها رمق ... كأنما فوقها الجادي يعتصر٤
قتلى بقتلى قصاص يستقاد بها ... تشفي صدور رجال طال ما وتروا
مجاورين بها خيلا معقرة ... للطير فيها وفي أجسادهم جزر٥
في معرك تحسب القتلى بساحته ... أعجاز نخلٍ زفته الريح ينعقر٦
وفي مواطن قبل اليوم قد سلفت ... قد كان للأزد فيها الحمد والظفر
وفي كل يوم تلاقي الأزد مفظعة ... يشيب في ساعة من هولها الشعر
والأزد قومي خيار الناس قد علموا ... إذا قرومهم يوم الوغى خطروا٧
فيهم معاقل من عز يلاذ بها ... يوما إذا شمرت حرب لها درر٨
حي بأسيافهم يبغون مجدهم ... إن المكارم في المكروه تبتدر٩
стр. 237
لولا المهلب للجيش الذي وردوا ... أنهار كرمان بعد الله ما صدروا
إنا اعتصمنا بحبل الله إذ جحدوا ... بالمحكمات ولم نكفر كما كفروا
جاروا عن القصد والإسلام واتبعوا ... دينا يخالف ما جاءت به النذر
فعقدة العز اليمني الجاهلي التالد، والمجد الأزدي الإسلامي الصاعد، لا تزال تؤرقه فتدفعه دفعا بعد وصفه الحي الرائع لمعارك المهلب مع الأزارقة إلى اختتام قصيدته بالزهو والعجب بحسب الأزد، وأفعالهم الكريمة، وجانبهم المنيع، وسعيهم المتصل إلى المعالي، تنفيسا عما يتعمقه من الشعور بحقهم الضائع في تزعم العرب، مع ما يبذلونه من التضحيات، وما يسجلونه من الانتصارات، التي تحفظ للأمويين عروشهم في الأزمات. وهو لذلك لا يكتفي بالتغني بهموم قومه السياسية، بل يفاخر بالأزد كافة القبائل العربية ويطاولها، ويصدر في النهاية حكمه بتفضيلهم عليها، جاعلا المهلب عنوانا لعزهم الحديث المؤكد، ورمزا لمجدهم الخالد المتجدد.
وله يمدح المهلب مصورا ما حققه لأهل البصرة والكوفة من أمن واطمئنان، وما أغدقه عليهم من العطاء، دون تمييز بين قبائلهم، يقول١:
شفيت صدورا بالعراقين بعدما ... تجاوب فيها النائحات الصوادح
مددت الندى والجود للناس كلهم ... فهم شرع فيه صديق وكاشح٢
ويقول في مديح يزيد بن المهلب، وقد احتل قلعة باذغيس٣:
ثنائي على حي العتيك بأنها ... كرام مقاريها، كرام نصابها٤
إذا عقدوا للجار حل بنجوة ... عزيز مراقيها منيع هضابها٥
стр. 238
نفى نيزكا عن باذغيس ونيزك ... بمنزلة أعيا الملوك اغتصابها
محلقة دون السماء كأنها ... غمامة صيف زل عنها سحابها
ولا يبلغ الأروى شماريخها العلى ... ولا الطير إلا نسرها وعقابها١
وما خوفت بالذئب ولدان أهلها ... ولا نبحث إلا النجوم كلابها
تمنيت أن ألقى العتيك ذوي النهى ... مسلطة تحمى بملك ركابها
كما يتمنى صاحب الحرث عطشت ... مزارعه غيثا غزيرا ربابها٢
فأسقي بعد اليأس حتى تحيرت ... جداولها ريا وعب عبابها٣
لقد جمع الله النوى وتشعبت ... شعوب من الأفاق شتى مآبها
ويقول المرزباني: "إنه استفرغ شعره في مدح المهلب وولده"٤. ولعله وثابت قطنة، اقتصرا عن عمد ووعي على مديح المهالبة، ليضخما شخصياتهم، ويغلباها على شخصية أي مسؤول في الدولة الأموية، مهما يكن مركزه، وأيا كان منصبه. وإلا فما معنى صمتهما عن نظم بيت واحد يذكران فيه الخلفاء الأمويين؟ وما معنى عزوفهم عن التنويه بأعمال الولاة القيسيين بخراسان، إلا ما كان من مديح كعب لقتيبة بن مسلم بمقطوعتين، ينازعه في مقطوعة منهما شاعر آخر؟
وعلى نحو ما ناضل ثابت قطنة في قسم كبير من أهاجيه عن الأزد والمهالبة، ناضل كعب أيضا في كثير من أهاجيه عنهم. فقد كان لا يهتضم المساس بهم، ولا التشكك في مقدرتهم الحربية، ولا النقد والتوجيه لهم حتى من المشرفين عليهم. ففي أثناء محاربة المهلب للأزارقة، كتب إليه الحجاج يأمره بمناجزتهم، ويستبطئه، ويضعفه ويعجزه في تأخيره أمرهم ومطاولتهم. فرد عليه المهلب بأنه المسؤول عن كل ما يفعل، وأنه يدبر أمر الحرب كما يرى، فإن أمكنته الفرصة انتهزها، وإن لم تمكنه
стр. 239
توقف. فاستلهم كعب إجابة المهلب له، وراح يسخف رأيه ويرميه بأنه لا يحسن القتال، وينصحه في كثير من السخرية بالعكوف على ملاهيه وجواريه، فتلك صناعته التي يبرع فيها. يقول١:
إن ابن يوسف غره من غزوكم ... خفض المقام بجانب الأمصار
لو شاهد الصفين حين تلاقيا ... ضاقت عليه رحيبة الأقطار
من أرض سابور الجنود وخيلنا ... مثل القداح بريتها بشفار٢
من كل خنذيذ يرى بلبانه ... وقع الظباة مع القنا الخطار٣
ورأى معاودة الرباع غنيمة ... أزمان كان محالف الإقتار٤
فدع الحروب لشيبها وشبابها ... وعليك كل خريدة معطار٥
وكما هجا ثابت قطنة بكرا، وأخذ عليها أنها لا تؤازر حلفاءها مع الأزد في الأزمات، وإنما تطالبهم بالحقوق والامتيازات، وتستغيث بهم في النازلات، كذلك هجا كعب عبد القيس بكرا، وشكا من أنهما لا تغنيان في النائبات. وفي القبيلة الأولى يقول، وقد اختلفت مع الأزد وحاربتهم في ولاية المهلب٦:
ثوى عامين في الجيف اللواتي ... مطرحة على باب الفصيل٧
أحب إلي من ظل وكن ... لعبد القيس في أصل الفسيل٨
стр. 240
إذا ثار الفساء بهم تغنوا ... ألم تربع على الدمن المثول
تظل لها ضبابات علينا ... موانع من مبيت أو مقيل
أرأيت إلى تهكمه بالعبديين حلفاء قومه؟ إنه يؤثر أن يقيم بين الجيف المتعفنة، على أن يقيم بين مزارع نخيلهم، توقيا من فسائهم الكثيف، وروائحه الكريهة التي تطرد الطارق لهم، والوافد عليهم طردا، فلا يأمل في الاستراحة وقت الهاجرة عندهم، ولا يرجو قضاء ليلة بينهم!
بل إنه شكا تقاعس بعض العشائر اليمنية، وتذمر من أنها أصبحت عبئا يثقل كاهل الأزد، وحث يزيد بن المهلب على الاستغناء عنها، وعلى اسقاط عبد القيس معها، وفي ذلك يقول١:
لا ترجون هنائيا لصالحة ... واجعلهم وهدادا أسوة الحمر٢
حيان ما لهما في الأزد مأثرة ... غير النواكة والإفراط في الهذر٣
واجعل لكيزا وراء الناس كلهم ... أهل الفساء وأهل النتن والقذر
قوم علينا ضباب من فسائهم ... حتى ترانا له ميدا من السكر٤
أبلغ يزيدا بأنا ليس ينفعنا ... عيش رغيد ولا شيء من العطر
حتى تحل لكيزا فوق مدرجة ... من الرياح على الأحياء من مضر٥
ليأخذوا لنزار خط سبتها ... كما أخذنا بخط الحلف والصهر
ويقول في بكر موبخا لرجالها الذين يقبلون سيادة أغنيائهم عليهم، لا أهل
стр. 241
الحمية والحفيظة فيهم، فإذا هم يجبرونهم على الاستكانة للظلم، واستساغة الضيم١:
لقد خاب أقوام سروا ظلم الدجى ... يؤمون عمرا ذا الشعير وذا البر
يؤمون من نال الغنى بعد شيبة ... وقاسى وليدا ما يقاسي ذوو الفقر
فقل للجيم يا لبكر بن وائل ... مقالة من يلحى أخاه ومن يزري٢
فلو كنتم حيا صميما نفيتم ... بخيلكم بالرغم منه وبالصغر٣
ولكنكم يا آل بكر بن وائل ... يسودكم من كان في المال ذا وفر
هو المانع الكلب النباح وضيفه ... خميص الحشا يرعى النجوم التي تسري٤
ومثلما حرض ثابت قطنة المهلب بن أبي صفرة على حجر المناصب الإدارية الرفيعة والتافهة للأزد، وعنفه حين رآه يوظف بعض الموالي في مركز صغير، وهاج حين أعفاه أسد القسري من حكم سمرقند، ولامه، فإننا نرى كعبا يسلك سلوكه. وآية ذلك أنه عذل عمرو بن عمير اليحمدي، وهو شيخ من شيوخ الأزد، لأنه رضي بمنصب متواضع أسنده إليه يزيد بن المهلب، وهو إدارة بلدة الزم على شط جيحون، وشجعه على المطالبة بمنصب أرفع يليق بمقامه، لأنه ليس أقل من شيوخ بني ربيعة الذين كانوا يشغلون أكبر المراكز، ولم يزل يهيجه حتى رد عهد يزيد عليه، فحرمه الوظيفة سنة. يقول٥:
لقد فازت ربيعة بالمعالي ... وفاز اليحمدي بعهد زم
فإن تك راضيا منهم بهذا ... فزادك ربنا غما بغم
стр. 242
إذا الأزدي وضح عارضاه ... وكانت أمه من حي جرم١
فثم حماقة لا شك فيها ... مقابلة فمن خال وعم٢
ويقول مخاطبا عمر بن عبد العزيز ومنددا بموظفي الخراج والجزية بخراسان في خلافته، تنديدا قصد منه دون ريب إلى مهاجمته مباشرة، لأنه اتهم يزيد بن المهلب بسرقة المبالغ الطائلة من بيت المال بخراسان، وأعفاه من ولاتها، وسجنه٣:
إن كنت تحفظ ما يليك فإنما ... عمال أرضك بالبلاد ذئاب
لن يستجيبوا للذي تدعو له ... حتى تجلد بالسيوف رقاب
بأكف منصلتين أهل بصائر ... في وقعهن مزاجر وعقاب
والهجاء في المقطوعات السالفة هجاء قبلي سياسي، إذ الهدف منه الذب عن الأزد، ونقض تخرصات خصومهم التي عابوا بها زعماءهم. والهدف منه أيضا المحافظة على مصالح الأزد والدعوة إلى احتجاز كل فائدة وسلطة لهم، والمناداة بإعادة النظر في سياستهم لحلفائهم، والبحث عن أسلوب جديد في معاملتهم، يلائم موقف كل حليف منهم ويعادله ويكافئه.
وليس في شعره من الهجاء الذاتي إلا بيتان، قالهما يذم ابن أخيه الذي كان بينه وبينه عداوة وتباعد، والذي قتله فيما بعد بالتواطؤ مع المهالبة. وهو يعيره فيهما بأنه ابن أمة سوداء، وأنه ورث الخبث من أخواله٤:
إن السواد الذي سربلت تعرفه ... ميراث جدك عن آبائه النوب٥
أشبهت خالك خال اللؤم مؤتسيا ... بهدية سالكا في شر أسلوب
стр. 243
ومع تهوره في تحيزه للأزد، ولجاجته في التمدح بل التبجح بهم، فإنه لم يتجاهل بني تميم، ولم يقلل من مكانتهم وقيمتهم، فقد كانوا أضخم كتلة عربية بخراسان، وكانوا يخلصون في قتالهم الترك مع جميع الولاة، في كل الغزوات، ويصدقون في دفاعهم عن العرب في الضائقات، وكان هو يبصر بعينيه حفاظهم الصلب، وجهادهم العنيد عن العرب أيا ما كانت قبائلهم وأهواءهم، فأرغمته حقيقتهم وأفعالهم على الإقرار بضخامتهم وشجاعتهم، خاصة يوم أن أسرعوا لإغاثة العرب المحاصرين بقصر الباهلي من أعمال بسمرقند، ونجحوا في فك الطوق الذي ضربه الترك عليهم، وتمكنوا من تحريرهم. وفي عظمتهم وبطولتهم يقول معترفا معجبا١:
أتاك أتاك الغوث في برق عارض ... دروع وبيض حشوهن تميم٢
أبوا أن يضموا حشو ما تجمع القرى ... فضمهم يوم اللقاء صميم
ورزقهم من رائحات يزينها ... ضروع عريضات الخواصر كوم٣
ولكنه عاد فحقد عليهم، لانتقاصهم المهالبة عند قتيبة بن مسلم، كما فرح بنكبة قتيبة لهم لأنهم أثاروا عليه الجند، وحملوهم على سوء الطاعة له، فاستأذن الحجاج في قتلهم، ثم قطع رؤوسهم. وراح يذكرهم بحسن معاملة المهالبة لهم، وكيف أنهم استشفعوا لهم عند الحجاج، واستوهبوا دماءهم منه، يوم أن كتب إلى المفضل ويزيد ابني المهلب بإعدامهم. وفي رعاية المهالبة لهم، وفتك قتيبة بهم يقول٤:
قل للأهاتم من يعود بفضله ... بعد المفضل والأغر يزيد
ردا صحائف حتفكم بمعاذر ... رجعت أشائم طيركم بسعود
ردا على الحجاج فيكم أمره ... فجزيتم إحسانه بجحود
стр. 244
فاليوم فاعتبروا فعال أخيكم ... إن القياس لجاهل ورشيد
ونظم بأخرة من عمره مقطوعات صور فيها آلامه النفسية، وهمومه الذاتية، وما جلبه عليه ذمه للمهالبة في ولاية قتيبة بن مسلم من خوف وتشرد وانكسار، وضياع وافتقار. وفي إحداها يقول واصفا عزمه على الرحيل من مرو الشاهجان إلى عمان، للاختفاء بها، فرارا من ابن المهلب، وهربا من كيده، ونجاة من غدره، وإفلاتا من عقابه١:
وإني تارك مروا ورائي ... إلى الطبسين معتام عمانا٢
لآوي معقلا فيها وحرزا ... فكنا أهل ثروتها زمانا
وفي مقطوعة ثانية يقول معبرا عن سوء حاله بعمان، ومكفرا عما ارتكبه من جرم شنيع بتشويهه سيرة المهالبة، معلنا أن قتيبة هو الذي خدعه وغرر به، فعابهم وثلبهم، بعد انقطاعه إليهم بخمسين عاما، يدعو لهم، ويثني عليهم، وطالبا العفو منهم، حتى يعود إليهم، ويستأنف حياته بجوارهم٣:
بئس التبدل من مرو وساكنها ... أرض عمان وسكنى تحت أطواد
يضحي السحاب مطيرا دون منصفها ... كأن أجبالها علت بفرصاد٤
يا لهف نفسي على أمر خطلت به ... وما شفيت به غمري وأحقادي٥
أفنيت خمسين عاما في مديحكم ... ثم اغتررت بقول الظالم العادي
أبلغ يزيد قرين الجود مألكة ... بأن كعبا أسير بين أصفاد
فإن عفوت فبيت الجود بيتكم ... والدهر طوران من غي وإرشاد
وإن مننت بصفح أو سمحت به ... نزعت نحوك أطنابي وأوتادي
стр. 245
وفي مقطوعة ثالثة يشكو ويبكي لغربته وبؤسه، فقد بلغ من العمر عتيا، واصطلحت عليه الأسقام والأدواء، فأصبح يعاني همين: اعتلال صحته، وفناء ثروته، واحتاج وأملق، وأخذ يترقب الموت بين لحظة وأخرى، يقول١:
يا قوم غيرني وأذهب قوتي ... دهر ألح بطارفي وتلادي٢
فكأنما في المال نار باشرت ... حرثا قد آذن أهله بحصاد
كبر ووقع حوادث نزلت بنا ... والفقر بعد كرامة ومهاد٣
تغتال كل مؤجل أيامه ... وتصير بهجة ما ترى لنفاد
فشخصية كعب -كما توضحها أشعاره- شخصية متعصبة للأزد، ولا سبيل إلى التفريق بينه وبين ثابت قطنة، ولا إلى القول بأنه كان أقل منه حقدا، ولا أصفى نفسا. بل لقد كان كعب أشد ميلا للأزد، وأكثر إحساسا بحقيقتهم ومجدهم المخلد، وأحد استشعارا لدورهم الإسلامي المهمل، وأكثر اعتزازا بالسادة فيهم، والقادة منهم، وأبين إبانة عما احتبسوه في ضمائرهم من المطامع السياسية، وأدل دلالة على ما اعتصر نفوسهم من التغيظ والتذمر بوضعهم في الدولة الأموية، حتى إنه كاثر الخلفاء الأمويين، وأهل الأباطح القرشيين بما تكلفه الأزد من الأعباء في سبيل الذود عنهم، وقمع الثائرين بهم، وتنفخ على القبائل العربية في البصرة والكوفة بحماية الأزد لها، ووثوبهم وحدهم لإبعاد خطر الأزارقة عنها.
وكان يمكن أن نذهب إلى أن انحيازه للأزد، واغتراره بهم، ومفاخرته الخلفاء والقبائل العربية كانت جميعا من نزوات الشباب، وأنه أسرف فيها، وهو يصارع الأزارقة مع المهلب في عنفوان صباه لو أنه تخفف من حميته لقومه بخراسان. غير أنه استمر يتحزب لهم، حينا يذم البكريين والعبديين، وحينا ينتقد المهالبة ويدعوهم إلى الاقتصار في الوظائف على الأزد، ويستشيط غضبا لتقلد البكريين بعض المناصب
стр. 246
الكبيرة. أما مديحه لقتيبة بن مسلم، واستحسانه لفتوحاته، وتقديمه إياه على المهالبة، فكانت من أخطائه القبيحة التي انحرف إليها، وسقط فيها، لتضليل قتيبة له، وتغريره به، كما صرح هو بذلك في شعره.
أما من الناحية الفنية فهو يتفوق على ثابت قطنة تفوقا كبيرا، فبعض قصائده أطول وأجود، واحتذاؤه فيها على التقاليد أظهر وأتم، فقد كانت عنده القدرة على الاستفاضة في الوصف والمديح، والوقوع فيهما على المعاني الطريفة، والصور اللطيفة، وقصيدتاه الرائيتان اللتان مدح بهما المهلب وبنيه، ونقل فيهما معاركهم مع الأزارق خير شاهد على ذلك. وقد أعجب عبد الملك بن مروان١، وأبو جعفر المنصور بقصيدته الرائية الأولى إعجابا شديدا، وسألا الشعراء أن يمدحوهما بمثلها١، واعتده الفرزدق أنبغ الشعراء الذين أنجبهم الأزد، وأخرجتهم عمان٣، وجعله نظيرا له ولجرير والأخطل٤.
стр. 247
شاعر بكري مضطرب متحزب:
نهار بن توسعة ١:
هو أشعر بكر بخراسان، ولسنا نعلم شيئا عنه قبل ارتحاله إلى خراسان. ولكننا نفترض افتراضا أنه بصري المولد والمنشأ. وأول خبر بنيء بوجوده بخراسان يرجع إلى سنة اثنتين وثمانين، فقد توفي المهلب في هذه السنة، فرثاه بمقطوعة طارت في الآفاق، وتناقلها أكثر القدماء١، مما قد يستنتج منه أنه هاجر إلى خراسان في ولاية المهلب أو قبلها بقليل. ولم يخبرنا القدماء بشيء عنه في إمارة المفضل بن المهلب، ولا في إمارة أخيه يزيد. غير أنهم نقلوا بعضا من شعره يدل على ضيقه بصرف الحجاج بن يوسف المهالبة عن خراسان، وتعيينه قتيبة بن مسلم عليها، وأنه تشاءم بعهده وهجاه٣.
وليس صحيحا ما يزعمه أبو علي القالي من أن قتيبة سخط عليه لرثائه المهلب، وأنه دخل عليه وهو يعطي الناس العطاء، فراجعه ثم تحاماه وأسقط اسمه من ديوان
стр. 248
الجند، فلزم بيته حتى قتل قتيبة، وولي يزيد بن المهلب ولايته الثانية١، وإنما الصحيح أنه وجد عليه عند قدومه لندبه المهلب، وتعريضه به، وتطير منه، فطلبه فهرب، واستجار بأمه، فترضت له ابنها، فرضي عنه٢. وأصدق دليل على ذلك أنه كان في عداد جيشه، وأنه ساهم في معظم غزواته، إذ كان معه يوم أن أغار على بخارى سنة تسع وثمانين٣، وكان معه عندما سار إلى طخارستان وقتل نيزك طرخان سنة إحدى وتسعين٤. وكان معه كذلك حين فتح سمرقند سنة ثلاث وتسعين٥. وكان في كل غزوة من تلك الغزوات يقلده مدحة يكبر فيها عظمته، ويصور بها بطولته.
وعندما غدر بقتيبة، وعاد يزيد بن المهلب إلى حكم خراسان، أحاط نهار به، ولكنه يقبل منه تسفيهه للأزد، لما انطوى عليه من تسفيه لبكر، ولم يحتمل خيلاءه وصلفه، ولم يعجب بسياسته وما قامت عليه من تقريب لأهل الشام، واتكال على أهل خراسان، فتصدى له ينقده ويهجوه٦.
ويستفاد من أشعاره أنه كان مهملا قاعدا في ولاية سعيد بن عبد العزيز الأموي، ولذلك فإنه عبر عن اغتباطه بعزل عمر بن هبيرة الفزاري له، واستعماله سعيد بن عمرو الحرشي بدلا منه٧.
وتقل أخباره في الفترة الأخيرة من حياته، ولا يحمل القدماء منها إلا أطرافا يسيرة، منها أنه شهد مع الجنيد ابن عبد الرحمن المري موقعة الشعب بسمرقند سنة
стр. 249
اثنتي عشرة ومائة، وأن الجنيد أرسله على رأس وفد إلى هشام بن عبد الملك بدمشق، ليشرح له حقيقة المعركة، وطبيعة الوضع بخراسان١. ويبدو أنه مكث بدمشق زمنا، ثم رجع إلى خراسان، إذ نراه مع أسد القسري ببلخ سنة عشرين ومائة٢. ثم تنقطع أخباره مما يستنبط منه أنه توفي بعد هذا التاريخ.
وما بقي من شعره الذي كان مجموعا في ديوان مفرد٣ مقطوعات ومختارات موزعة على عدة موضوعات. فمنه ما استغرقه في المديح، ومن ممدوحيه مسمع بن مالك بن مسمع من وجوه بكر وأعيانهم بالبصرة٤ وفيه يقول واصفا له بأنه عصمة السائلين، وغياث المكروبين، وأنه صفوة النزاريين، وأشهر أجوادهم وأشرافهم المذكورين، وداعيا إياه أن يأخذ بأيدي البكريين٥:
إظعني من هراة قد مر فيها ... حجج مذ سكنتها وشهور
إظعني نحو مسمع تجديه ... نعم ذو المنثنى٦ ونعم المزور
سوف يكفيك إن نبت بك أرض ... بخراسان أو جفاك أمير
من بني الحصن عامل بن بريح ... لا قليل الندى ولا منزور
والذي يفزع الكماة إليه ... حين تدمى من الطعان النحور٧
قلدته عرى الأمور نزار ... قبل أن تهلك السراة البحور١
فاصطنع يا بن مالك آل بكر ... واجبر العظم إنه مكسور
стр. 250
ومنهم قتيبة بن مسلم، وفيه يقول مسحورا بشخصيته الجبارة، وانتصاره على الترك بسمرقند، ومأخوذا بكثرة ما يحوز من الأسلاب التي كان يوزعها على جنوده١:
ولا كان مذ كنا ولا كان قبلنا ... ولا هو فيما بعدنا كابن مسلم
أعم لأهل الشرك قتلا بسيفه ... وأكثر فينا مقسما بعد مقسم
ومنهم يزيد بن المهلب، وفيه يقول منوها بمعروف أبيه الذي كان يشمل به كل المستضعفين واليتامى، ومستعيضا عن بخل قتيبة وحفائه بيزيد وابنه مخلد، فإنهما كافياه ومغنياه٢:
فإن يك ذنبي يا قتيبة انني ... بكيت امرءا قد كان في الجود أوحدا
أبا كل مظلوم ومن لا أبا له ... وغيث مغيبات أطلن التلددا٣
فشأنك أن الله إن سؤت محسن ... إلي فقد أبقى يزيد ومخلدا
فأعطاه مائة ألف درهم.
ومن شعره ما خصصه للهجاء. وهو يصدر فيه عن عصبية لقومه ولحلفائهم من الأزد، وذلك بين في هجائه لقتيبة بن مسلم، إذ يقول فيه وقد أقبل إلى خراسان، وزايلها يزيد بن المهلب٤:\