← Адаб

Адаб · id 23138

الشعر في خراسان من الفتح إلى نهاية العصر الأموي

حسين عطوان

Полный текст (311 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الكبيرة. أما مديحه لقتيبة بن مسلم، واستحسانه لفتوحاته، وتقديمه إياه على المهالبة، فكانت من أخطائه القبيحة التي انحرف إليها، وسقط فيها، لتضليل قتيبة له، وتغريره به، كما صرح هو بذلك في شعره. أما من الناحية الفنية فهو يتفوق على ثابت قطنة تفوقا كبيرا، فبعض قصائده أطول وأجود، واحتذاؤه فيها على التقاليد أظهر وأتم، فقد كانت عنده القدرة على الاستفاضة في الوصف والمديح، والوقوع فيهما على المعاني الطريفة، والصور اللطيفة، وقصيدتاه الرائيتان اللتان مدح بهما المهلب وبنيه، ونقل فيهما معاركهم مع الأزارق خير شاهد على ذلك. وقد أعجب عبد الملك بن مروان١، وأبو جعفر المنصور بقصيدته الرائية الأولى إعجابا شديدا، وسألا الشعراء أن يمدحوهما بمثلها١، واعتده الفرزدق أنبغ الشعراء الذين أنجبهم الأزد، وأخرجتهم عمان٣، وجعله نظيرا له ولجرير والأخطل٤.

стр. 247

شاعر بكري مضطرب متحزب: نهار بن توسعة ١: هو أشعر بكر بخراسان، ولسنا نعلم شيئا عنه قبل ارتحاله إلى خراسان. ولكننا نفترض افتراضا أنه بصري المولد والمنشأ. وأول خبر بنيء بوجوده بخراسان يرجع إلى سنة اثنتين وثمانين، فقد توفي المهلب في هذه السنة، فرثاه بمقطوعة طارت في الآفاق، وتناقلها أكثر القدماء١، مما قد يستنتج منه أنه هاجر إلى خراسان في ولاية المهلب أو قبلها بقليل. ولم يخبرنا القدماء بشيء عنه في إمارة المفضل بن المهلب، ولا في إمارة أخيه يزيد. غير أنهم نقلوا بعضا من شعره يدل على ضيقه بصرف الحجاج بن يوسف المهالبة عن خراسان، وتعيينه قتيبة بن مسلم عليها، وأنه تشاءم بعهده وهجاه٣. وليس صحيحا ما يزعمه أبو علي القالي من أن قتيبة سخط عليه لرثائه المهلب، وأنه دخل عليه وهو يعطي الناس العطاء، فراجعه ثم تحاماه وأسقط اسمه من ديوان

стр. 248

الجند، فلزم بيته حتى قتل قتيبة، وولي يزيد بن المهلب ولايته الثانية١، وإنما الصحيح أنه وجد عليه عند قدومه لندبه المهلب، وتعريضه به، وتطير منه، فطلبه فهرب، واستجار بأمه، فترضت له ابنها، فرضي عنه٢. وأصدق دليل على ذلك أنه كان في عداد جيشه، وأنه ساهم في معظم غزواته، إذ كان معه يوم أن أغار على بخارى سنة تسع وثمانين٣، وكان معه عندما سار إلى طخارستان وقتل نيزك طرخان سنة إحدى وتسعين٤. وكان معه كذلك حين فتح سمرقند سنة ثلاث وتسعين٥. وكان في كل غزوة من تلك الغزوات يقلده مدحة يكبر فيها عظمته، ويصور بها بطولته. وعندما غدر بقتيبة، وعاد يزيد بن المهلب إلى حكم خراسان، أحاط نهار به، ولكنه يقبل منه تسفيهه للأزد، لما انطوى عليه من تسفيه لبكر، ولم يحتمل خيلاءه وصلفه، ولم يعجب بسياسته وما قامت عليه من تقريب لأهل الشام، واتكال على أهل خراسان، فتصدى له ينقده ويهجوه٦. ويستفاد من أشعاره أنه كان مهملا قاعدا في ولاية سعيد بن عبد العزيز الأموي، ولذلك فإنه عبر عن اغتباطه بعزل عمر بن هبيرة الفزاري له، واستعماله سعيد بن عمرو الحرشي بدلا منه٧. وتقل أخباره في الفترة الأخيرة من حياته، ولا يحمل القدماء منها إلا أطرافا يسيرة، منها أنه شهد مع الجنيد ابن عبد الرحمن المري موقعة الشعب بسمرقند سنة

стр. 249

اثنتي عشرة ومائة، وأن الجنيد أرسله على رأس وفد إلى هشام بن عبد الملك بدمشق، ليشرح له حقيقة المعركة، وطبيعة الوضع بخراسان١. ويبدو أنه مكث بدمشق زمنا، ثم رجع إلى خراسان، إذ نراه مع أسد القسري ببلخ سنة عشرين ومائة٢. ثم تنقطع أخباره مما يستنبط منه أنه توفي بعد هذا التاريخ. وما بقي من شعره الذي كان مجموعا في ديوان مفرد٣ مقطوعات ومختارات موزعة على عدة موضوعات. فمنه ما استغرقه في المديح، ومن ممدوحيه مسمع بن مالك بن مسمع من وجوه بكر وأعيانهم بالبصرة٤ وفيه يقول واصفا له بأنه عصمة السائلين، وغياث المكروبين، وأنه صفوة النزاريين، وأشهر أجوادهم وأشرافهم المذكورين، وداعيا إياه أن يأخذ بأيدي البكريين٥: إظعني من هراة قد مر فيها ... حجج مذ سكنتها وشهور إظعني نحو مسمع تجديه ... نعم ذو المنثنى٦ ونعم المزور سوف يكفيك إن نبت بك أرض ... بخراسان أو جفاك أمير من بني الحصن عامل بن بريح ... لا قليل الندى ولا منزور والذي يفزع الكماة إليه ... حين تدمى من الطعان النحور٧ قلدته عرى الأمور نزار ... قبل أن تهلك السراة البحور١ فاصطنع يا بن مالك آل بكر ... واجبر العظم إنه مكسور

стр. 250

ومنهم قتيبة بن مسلم، وفيه يقول مسحورا بشخصيته الجبارة، وانتصاره على الترك بسمرقند، ومأخوذا بكثرة ما يحوز من الأسلاب التي كان يوزعها على جنوده١: ولا كان مذ كنا ولا كان قبلنا ... ولا هو فيما بعدنا كابن مسلم أعم لأهل الشرك قتلا بسيفه ... وأكثر فينا مقسما بعد مقسم ومنهم يزيد بن المهلب، وفيه يقول منوها بمعروف أبيه الذي كان يشمل به كل المستضعفين واليتامى، ومستعيضا عن بخل قتيبة وحفائه بيزيد وابنه مخلد، فإنهما كافياه ومغنياه٢: فإن يك ذنبي يا قتيبة انني ... بكيت امرءا قد كان في الجود أوحدا أبا كل مظلوم ومن لا أبا له ... وغيث مغيبات أطلن التلددا٣ فشأنك أن الله إن سؤت محسن ... إلي فقد أبقى يزيد ومخلدا فأعطاه مائة ألف درهم. ومن شعره ما خصصه للهجاء. وهو يصدر فيه عن عصبية لقومه ولحلفائهم من الأزد، وذلك بين في هجائه لقتيبة بن مسلم، إذ يقول فيه وقد أقبل إلى خراسان، وزايلها يزيد بن المهلب٤:\

стр. 251

أقتيب قد قلنا غداة لقيتنا ... بدل لعمرك من يزيد أعور١ ويقول مستهينا به، ومفضلا أيام ابن المهلب على أيامه في يمنها وبركتها وعموم خيرها٢: كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها ... وكل باب من الخيرات مفتوح فبدلت بعده قتبا نطيف به ... كأنما وجهه بالخل منضوح٣ فهو يعيب قتيبة بعد مصرعه، ويطري المهالبة، زعماء الأزد، لأنهم حلفاء بكر، غير أنه لم يكن يتعصب لهم باستمرار، وإنما كان يميل إليهم، ويثني عليهم ما داموا يتمسكون بالحلف المعقود بينهم، ويحترمونه، وما داموا يخلصون لقومه، ويراعون مصالحهم، أما إذا تباعدوا عنهم، أو أهدروا حقوقهم، فكان ينبري لتجريحهم وتهديدهم، فقبيلته هي الأصل، ومنافعها هي الأهم. فحين أخر يزيد بن المهلب البكريين بعض التأخير، وعرض بهم أخف التعريض، صب نهار عليه ألذع هجائه صبا٤. وحين أسرف في قطيعتهم، واحتجب عنهم، وعبس في وجوههم، واصطنع أهل الشام وخراسان واعتمد عليهم، لم يعاتبه عتابا رقيقا، ولم يلمه لوما لبيقا، بل وبخه توبيخا فاحشا، كما أنذره بتمرد البكريين عليه، وعملهم من أجل الإطاحة به إذا هو لم يطرح الشاميين والخراسانيين، يقول٥: وما كنا نؤمل من أمير ... كما كنا نؤمل من يزيد فأخطأ ظننا فيه وقدما ... زهدنا في معاشرة الزهيد

стр. 252

إذا لم يعطنا نصفا أمير ... مشينا نحوه مثل الأسود فمهلا يا يزيد أنب إلينا ... ودعنا من معاشرة العبيد نجيء فلا نرى إلا صدودا ... على أنا نسلم من بعيد ونرجع خائبين بلا نوال ... فما بال التجهم والصدود وندد أيضا باليمنيين من أصحاب أسد القسري عندما أبصرهم يتهالكون على الهدايا يوم المهرجان ببلخ، ويجتمعون لها، ويختفون في المآزق ويتضاءلون فيها، يقول١: تقلون إن نادى لروع مثوب ... وأنتم غداة المهرجان كثير٢ إما الرثاء، فقليل فيما وصل إلينا من شعره، إذ لم يرو القدماء منه سوى مقطوعته البائية في رثاء المهلب، وسوى أبيات أخرى رثى بها أخاه، وهو يصف فيها حرقته ولهفته عليه، وما أصابه من الانكسار والهوان بعد وفاته، فقد كان له السند والمرشد في كل نازلة ونائبة، يقول٣: عتبان قد كنت امرءا لي جانب ... حتى رزيتك والجدود تضعضع٤ قد كنت أشوس في المقامة سادرا ... فنظرت قصدي واستقام الأخدع٥ وفقدت إخواني الذين بعيشهم ... قد كنت أعطي من أشاء وأمنع فلمن أقول إذا تلم ملمة ... أزني برأيك أم إلى من أفزع فليأتين عليك يوم مرة ... يبكى عليك مقنعا لا تسمع٦

стр. 253

والفخر فيما بقي من شعره أقل من الرثاء، إذ لم نعثر على شيء إلا ما بثه في ثنايا بعض مقطوعاته السابقة، وتمدح فيه بقبيلته ومضائها وبأسها، وإلا هذه المقطوعة التي نظمها عندما اختاره الجنيد بن عبد الرحمن المري ليكون رسوله إلى هشام بن عبد الملك. وكان انتخب قبل سيف بن وصاف العجلي فجبن عن السير، وخاف الطريق، فاستعفى الجنيد فأعفاه. وهو يتمجد فيها بشدته وجرأته، وتجشمه للمكاره، واقتحامه للأهوال، ولباقته في السفارة، لأن هذه الوظيفة ليست محدثة في قومه، ولا طارئة عليهم، وإنما هي أصيلة فيهم، إذ لهم فيها سابقة وقدمة في أيام عثمان بن عفان وقبلها، يقول١: لعمرك ما حابيتني إذ بعثتني ... ولكنما عرضتني للمتالف دعوت لها قوما فهابوا ركوبها ... وكنت امرءا أركابة للمخاوف فأيقنت إن لم يدفع الله أنني ... طعام سباع أو لطير عوائف٢ قرين عراك وهو أيسرها لك ... عليك وقد زملته بصحائف٣ على عهد عثمان وقدنا وقبله ... وكنا أولي مجد تليد وطارف وله مقطوعتان يمكن أن نقول إنه صدر فيهما عن روية وأناة، وتريث وتثبت، متجردا من العاطفة، ومتخلصا من العصبية. وهو في الأولى يحذر قتيبة بن مسلم من خطورة الموقف بعد أن عزم على خلع سليمان بن عبد الملك بفرغانة، ناصحا له بأن لا ينخدع عن الشاغبين عليه، والماكرين به من جميع القبائل، من تميم والأزد، ومن بكر أيضا، فكلهم خونة غدرة يتحفزون لاغتياله، وإلا فإنه سيلاقي المصير الذي لاقاه عبد الله بن خازم قبله يقول٤: تنمر وشمر يا قتيب بن مسلم ... فإن تميما ظالم وابن ظالم

стр. 254

ولا تأمنن الثائرين ولا تنم ... فإن أخا الهيجاء ليس بنائم ولا تثقن بالأزد فالغدر منهم ... وبكر فمنهم مستحل المحارم وإني لأخشى يا قتيب عليكم ... معرة يوم مثل يوم ابن خازم وفي الثانية يتنصل من العصبية القبلية، ومن التكثر بالآباء، والتمدح بالأنساب والأحساب، ويعلن أن الإسلام سوى بين الناس كافة، وأن التقوى هي أساس التفاضل بينهم. يقول١: أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم دعي القوم ينصر مدعيه ... ليلحقه بذي النسب الصميم٢ وما كرم ولو شرفت جدود ... ولكن التقي هو الكريم فشخصية نهار تشبه شخصية ثابت قطنة في كثير من الوجوه، فهو مرتبط بقومه، متحزب لهم، وهو يأبى أن يظلموا، ويرفض أن يبخسوا أفضالهم وأقدارهم، ولا يصبر على عطل مصالحهم. ولذلك كان الناطق الرسمي بأهوائهم، والمكافح الحقيقي عن منافعهم، ولم يكن يجد غضاضة ولا حرجا في هجاء حلفائهم من الأزد، إذا تنكروا لهم أو اعتدوا عليهم. وهو من ناحية أخرى كان متشبثا بمحالفة الأزد، حريصا على التعاون معهم، مخلصا في مساندتهم على خصومهم. وكان يستحسن أن يكون الوالي منهم على أن يكون من غيرهم. ومن أجل ذلك استاء حين أبعد يزيد بن المهلب عن خراسان، واستخلف عليها قتيبة بن مسلم، وانتقد قتيبة، وأظهر الشماتة بمقتله. أما مدائحه فيه فكانت من قبيل المنافقة والمداراة والتقية. وهو من ناحية ثالثة كان يثوب إلى الحق، ويؤوب إلى الصواب، ناظرا إلى الأمور نظرة فيها الدقة والعمق، وفيها التخلي عن الحمية الأعرابية، والمصلحة

стр. 255

القبلية، وفيها الاستشراف للأبعاد الإنسانية والإسلامية، ولاهجا بدعوة سليمة أو فكرة صالحة، كأن ينبه قتيبة ابن مسلم على وجوب الاحتراس من كل القبائل، حتى من قبيلته، أو كان يتحلل من النعرة القبلية، وينبذ المفاخرة الجاهلية. ومع ذلك كله فإنه كان لا يخفي انحيازه لقومه، وإنما كان يظهره ويهتف به. والذي يبدو لنا أنه كان يتمثل المسائل الإنسانية والإسلامية تمثلا نظريا سلبيا، لا تمثلا عمليا إيجابيا، وأنه كان يستوحيها في القول لا في الفعل. وهو في آخر المطاف جانب من جوانب سلوكه إلا الاتجاه القبلي. وهو يصور دون ريب حقيقة بكر وواقعها، وما كان ينتابها من القلق والتخبط والتمرد على وضعها في العصر الأموي، وما أداها إليه الحنق والنقمة على الحكام الأمويين من معاداة مكشوفة لهم، وممالأة مقصودة للخارجين عليهم، سواء كانوا من الأزارقة أو العلويين١. ويوضح ما ساقها إليه الحقد والحسد للقبائل المضرية من محالفة للأزد في البصرة وخراسان لتتقوى بهم عليها، لعلها تتعلق بسبب من أسباب السلطة عن طريقهم، أو تنجح في وقت من الأوقات في إخضاع المضرية، ورغباتها السياسية الخفية في تحديها لعبد الله بن خازم وتميم بهراة، فقد أبت أن تجنح للسلم والموادعة إلا إذا غادر كل المضرية جميع خراسان٢! ويكشف كذلك عن تقلبها وتذبذبها في مواقفها من حلفائها من الأزد وأهل اليمن، لما كان يعتريها من اضطراب نفسي، لعجزها عن إدراك مطامحها القبلية في السيادة، وتقصيرها عن بلوغ مراميها السياسية في السلطة. ولو سلم ديوانه من الضياع، لأمكن أن نستبين شخصيته استبانة أعمق وأشمل، ولأمكن أن نجلو حقيقة قبيلته جلاء أدق وأكمل، لأنه كان أكبر شعراء بكر بخراسان٣.

стр. 256

وليس للقدماء أحكام نقدية مفصلة متداولة على شعره، إلا ما قاله الآمدي الذي رأى ديوانه من أنه كثير الجيد١. ولعل ابن قتيبة الذي وصفه بأنه أشعر بكر بخراسان وقع على ديوانه ونظر فيه، قبل أن يطلق حكمه السابق عليه، ولكن ما حفظ من شعره لا يؤكد ذلك، فهو فيه قصير النفس متعجل، لا يحتفل بإطالة القصيدة، ولا يهتم بالمعاني والصور، ولا يعني بالتقاليد الفنية إلا قليلا.

стр. 257

شاعر تميمي سوي متبصر: المغيرة بن حبناء ١: هو شاعر بني تميم بخراسان، ومن أسرة عرفت بنظم الشعر، فأبوه جبير بن عمرو شاعر، وأخواه صخر ويزيد شاعران، وثانيهما من الخوارج. وحبناء لقب غلب على أبيه لورم أصابه في بطنه٢، ويزعم الآمدي أن حبناء أمه٣. ويقول المرزباني إن اسمها ليلى٤. والمغيرة من مواليد البصرة، حيث كان أبوه ينزل بها مع قومه، ويروي أنه غضب عليهم في بعض الأمر، فجلا إلى نجران، وحمل معه أهله وعياله، وأقام بها مدة اعتدى فيها غلام على ابنه المغيرة، فناقشته زوجته في مقامهم بنجران وما لحقهم من الذل، لاغترابهم عن قومهم وديارهم، فاستجاب لها ورجع إلى البصرة٥.

стр. 258

وعندما كبر المغيرة انتظم في سلك الجندية، وغدا فارسا من فرسان المهلب بن أبي صفرة، في أثناء منازلته للأزارقة، وشاعرا من شعرائه، فمدحه مديحا معجبا سجل فيه فتوته، وما نهض به من عمل ضخم، وهو يجالد الأزارقة، ويوقع بهم في الأهواز وسابور١. فأكرمه، وأجزل له العطاء، فرجع إلى أهله وقد ملأ كفيه بجوائزه وصلاته والفوائد منه٢. ولما ولي المهلب خراسان خرج معه إليها، وأصبح هو وكعب الأشقري، وثابت قطنة وزياد الأعجم شعراءه المقربين، الذين يحيطون به، ولا يفارقون مجلسه. وكررنا مرارا أنه امتعض لتقديم المهلب زيادا عليه، وعلى كعب الأشقري، مع أنه لم يكن أغناهم في الحرب، ولا أفضلهم شعبا، ولا أصدقهم ودا، ولا أفصحهم لسانا٣. فتحدى زيادا واصطدم به، فاستعر الهجاء بينهما، فأكثر كل واحد منهما على صاحبه وأفحش، ولم يغلب أحد منهما صاحبه، كانا متكافئين في مهاجاتهما، ينتصف كل واحد منهما من صاحبه"٤. واستمر المغيرة يعيش بخراسان بعد وفاة المهلب، والتف حول ولديه: يزيد والمفضل، ومحضهما محبته وإخلاصه٥، ومدحهما، حتى سماه المرزباني "شاعر المهلب الذي أنفذ شعره في مدحه ومدح بنيه، وذكر حروبهم للأزارقة"٦. وحين أقصي المهالبة عن خراسان، واستعمل عليها قتيبة بن مسلم، تحول المغيرة إليه، وصار من مغاويره البارزين، المتحمسين، إذ اشترك في عدد من حملاته على طخارستان وما وراء النهر، ونوه به في قصيدتين يوم أن قضى على نيزك طرخان، سنة إحدى وتسعين٧.

стр. 259

ويجمع القدماء على أنه استشهد يوم نسف١. ومعروف أن قتيبة أغار على نسف سنة إحدى وتسعين٢، مما يقطع بأنه جاد بروحه في تلك السنة. ويمكن أن نقسم شعره قسمين: الأول الشعر التقليدي، هو يحتوي على مدائحه، والثاني الشعر الذاتي، وهو يحتوي على كل ما عبر به عن علاقته بغيره من الشعراء، أوبأفراد أسرته، وكل ما أفصح فيه عن تجربته في الحياة، وما اكتسبه من الحكمة. ومن أول ممدوحيه طلحة بن عبد الله الخزاعي: "أجود أهل البصرة في زمانه غير مدافع"٣. ونراه يتضجر في قصيدة من تناسيه له، وتجاهله عليه، ويجهر بأنه إن كان سكت على تقصيره في مكافأته تقصيرا أزرى به، فإنه لن يسكت على ذلك طويلا، بل سيعامله معاملة الند للند، فإن أحسن إليه أخلص له، وإلا فإنه لن يحرص على صداقته، يقول١: لقد كنت أسعى في هواك وأبتغي ... رضاك وأرجو منك ما لست لاقيا وأبذل نفسي في مواطن، غيرها ... أحب، وأعصى في هواك الأدانيا حفاظا وتمسيكا لما كان بيننا ... لتجزيني ما لا إخالك جازيا٥ رأيتك ما تنفك منك رغيبة ... تقصر دوني أو تحل ورائيا٦ أراني إذا استمطرت منك رغيبة ... لتمطرني عادت عجاجا وسافيا٧ وأدليت دلوي في دلاء كثيرة ... فأبن ملاء غير دلوي كما هيا ولست بلاق ذا حفاظ ونجدة ... من القوم حرا بالخسيسة راضيا فإن تدن مني تدن منك مودتي ... وإن تنأ عني تلفني عنك نائيا

стр. 260

فحباه طلحة عطية سنية، وهدية نفيسة، فمدحه بمقطوعة أشاد فيها بشرف قومه، واتصال معروفهم، وأنفتهم وحميتهم، وتفوقهم على غيرهم، يقول١: أرى الناس قد ملوا الفعال ولا أرى ... بني خلف إلا رواء الموارد إذا نفعوا عادوا لمن ينفعونه ... وكائن ترى من نافع غير عائد إذا ما انجلت عنهم غمامة غمرة ... من الموت أجلت عن كرام مذاود٢ تسود عطاريف الملوك ملوكهم ... وماجدهم يعلو على كل ماجد وفرق كبير بين المقطوعتين السالفتين اللتين لهج بهما المغيرة في أول عهده بالشعر، فبدا فيهما التكلف والضعف وبين مديحه للمهلب الذي يتصف بالقوة والنصاعة، وتتجلى فيه موبهته الفنية، وخياله الرائع. واستمع إليه يمدحه، وقد هزم قطري بن الفجاءه بسابور، وجلس للناس، فدخل إليه وجوههم يهنئونه، وقامت الخطباء فأثنت عليه، ومدحته الشعراء، ثم قام المغيرة في أخرياتهم يقول معارضا قصيدة كعب الأشقري الرائية التي أنشدها الحجاج بن يوسف معارضة تظهر تأثره به، وأخذه عنه، ولكنها تظهر كذلك تحويره في كثير مما استوحى منه، وصياغته له صياغة جديدة متميزة، وإضافته إليه إضافات بديعة في المعنى، يقول٣: حال الشجا دون طعم العيش والسهر ... واعتاد عينك من إدمانها الدرر واستحقبتك أمور كنت تكرهها ... لو كان ينفع منها النأي والحذر٤ وفي الموارد للأقوام تهلكة ... إذا الموارد لم يعلم لها صدر٥ ليس العزيز بمن تغشى محارمه ... ولا الكريم بمن يجفى ويحتقر حتى انتهى إلى قوله:

стр. 261

أمسى العباد بشر لا غياث لهم ... إلا المهلب بعد الله والمطر كلاهما طيب ترجى نوافله ... مبارك سيبه يرجى وينتظر لا يجمدان عليهم عند جهدهم ... كلاهما نافع فيهم إذا افتقروا هذا يذود ويحمي عن ذمارهم ... وذا يعيش به الأنعام والشجر واستسلم الناس إذ حل العدو بهم ... فلا ربيعتهم ترجى ولا مضر وأنت رأس لأهل الدين منتخب ... والرأس فيه يكون السمع والبصر إن المهلب في الأيام فضله ... على منازل أقوام إذا ذكروا حزم وجود وأيام له سلفت ... فيها يعد جسيم الأمر والخطر ماض على الهول ما ينفك مرتحلا ... أسباب معضلة يعيا بها البشر١ سهل الخلائق يعفو عن قدرته ... منه الحياء ومن أخلاقه الخفر شهاب حرب إذا حلت بساحته ... يخزى به الله أقواما إذا غدروا تزيده الحرب والأهوال إن حضرت ... حزما وعزما ويجلو وجهه السفر ما إن يزال على أرجاء مظلمة ... لولا يكفكفها عن مصرهم دمروا٢ سهل إليهم حليم عن مجاهلهم ... كأنما بينهم عثمان أو عمر كهف يلوذون من ذل الحياة به ... إذا تكنفهم من هولها ضرر٣ أمن لخائفهم فيض لسائلهم ... ينتاب نائله البادون والحضر فما أتى على آخرها حتى خلب لبه، فإذا هو يردد "هذا والله الشعر، لا ما نعلل به". وإذا هو يأمر له بعشرة آلاف درهم، ويزيده في عطائه خمسمائة درهم٤. وواضح أنه تحدث في قصيدته عما نزل بالناس في البصرة من شقاء على أيدي

стр. 262

الأزارقة، وكيف أن جميع القبائل قعدت عن مجابهتهم، حتى بادر المهلب إليهم، فطاردهم وقهرهم ووقى الناس بلائهم كما تحدث عن صفات المهلب الخلقية الرفيعة من إباء في النفس وقوة في الإرادة وصلابة في العزيمة، وسماحة في الطبع، فإذا هو عنده نظير عثمان أو عمر في سياسته لرعيته، إذ كان يصفح عن المخطئ، ويجير المذعور، ويواسي البائس. وله قصيدة ثانية طويلة في مديح المهلب، كان سبب قوله إياها أن المهلب كان أنفذ بعض بنيه في جيش لقتال الأزارقة، وقد شذت منهم طائفة تغير على نواحي الأهواز، وهو مقيم يومئذ بسابور. فلما طال مقام المغيرة، واسقر الجيش، ولحق بأهله، فألم بهم، وقضى عندهم شهرا، ثم عاد وقد قفل الجيش إلى المهلب. فقيل له إن الكتاب خطوا على اسمه، وحذفوه من ديوان الجنيد، وكتبوا إلى المهلب أنه عصا وفارق مكتبه بغير إذن فسار إلى المهلب، حتى لقيه فاعتذر إليه، فعذره وأمر بإطلاق عطائه، وإزالة العتب عنه. فأنشده قصيدته التي ذكر في مقدمتها أن حنينه إلى موطنه وأهله قد غلبه، وأنه إنما رجع من الأهواز إلى البصرة لتشوقه إلى زوجته، فهو إنسان كغيره من الناس له عاطفته وغريزته، وهو لا يصبر على التجمير في الغزو طويلا. ثم انتقل منها، وأخذ يغني المهلب بأسه وجوده، وانتصاراته، وقيامه بحماية الناس في الفتن والمحن، وتحقيقه الأمن والسلامة لهم في النائبات والضائقات، يقول١: أمن رسوم ديار هاجك القدم ... أقوت وأقفر منها الطف والعلم٢ وما يهيجك من أطلال منزلة ... عفى معالمها الأرواح والديم بئس الخليفة من جار تضن به ... إذا طربت أثافي القدر والحمم٣ دار التي كاد قلبي أن يجن بها ... إذا ألم به من ذكرها لمم٤

стр. 263

والبين حين يروع القلب طائفه ... يبدي ويظهر منهم بعض ما كتموا١ إني امرؤ كفني ربي وأكرمني ... عن الأمور التي في غبها وخم٢ وإنما أنا إنسان أعيش كما ... عاش الرجال وعاشت قبلي الأمم ما عاقني عن قفول الجند إذ قفلوا ... عي بما صنعوا حولي ولا صمم ولو أردت قفولا ما تجهمني ... إذن الأمير ولا الكتاب إذ رقموا إني ليعرفني راعي سريرهم ... والمحدجون إذا ما ابتلت الحزم٣ والطالبون إلى السلطان حاجتهم ... إذا جفا عنهم السلطان أو كزموا٤ فسوف تبلغك الانباء إن سلمت ... لك الشواحج والأنفاس والأدم٥ إن المهلب إن أشتق لرويته ... أو امتدحه فإن الناس قد علموا إن الكريم من الأقوام قد علموا ... أبو سعيد إذا ما عدت النعم والقائل الفاعل الميمون طائره ... أبو سعيد وإن اعداؤه زعموا٦ كم قد شهدت كراما من مواطنه ... ليست بغيب ولا تقوالهم زعموا٧ أيام أيام إذ عض الزمان بهم ... وإذ تمنى رجال أنهم هزموا وإذ يقولون ليت الله يهلكهم ... والله يعلم لو زلت بهم قدم أيام سبور إذ ضاعت رباعتهم ... لولاه ما أوطنوا دارا ولا انتقموا٨ إذ ليس شيء من الدنيا نصول به ... إلا المغافر والأبدان واللجم٩

стр. 264

وعاترات من الخطي محصدة ... نفضي بهن إليهم ثم ندعم١ ويقول في يزيد بن المهلب مثنيا على كماله الجسمي والخلقي، وأنه من أسرة مشهورة برزانة عقولها، وكبر هممها، وتعويل الناس في المحن عليها٢: جميل المحيا بختري إذا مشى ... وفي الدرع ضخم المنكبين شناق٣ شديد القوى من أهل بيت إذا وهى ... من الدين فتق حملوا فأطاقوا مراجيح في اللأواء إن نزلت بهم ... ميامين قد قادوا الجيوش وساقوا ويقول في المهالبة مشيدا بأصالة أنسابهم وعراقتها، ومتانة عزائمهم وشدتها، وعظم انتصاراتهم وروعتها، مما أثار الحاسدين لهم، وأغضب الحاقدين عليهم٤: إن المهالب قوم إن مدحتهم ... كانوا الأكارم آباء وأجدادا إن العرانين تلقاها محسدة ... ولن ترى للئام الناس حسادا٥ وأما شعره الذاتي فمنه ما افتخر فيه بشخصيته، كهذين البيتين رد بهما على المفضل بن المهلب حين عيره بالبرص، معتدا بنسبه، ومحتجا لبرصه، وأنه من محاسنه لا من معايبه، وغامزا المفضل في نسبه من جهة أمه وأبيه، إذ يقول فيها٦: إني امرؤ حنظلي حين تنسبني ... لام العتيك ولا أخوالي العوق٧

стр. 265

لا تحسبن بياضا في منقصة ... إن اللهاميم في ألوانها بلق١ وله قصيدة رائية يتمدح فيها بسعة صدره وأخذه قريبه أو مولاه بالعنف، إن كان في أخده به فائدة، ونجدته له في الشدة، ومجازاته لغيره بمثل ما يجازيه به، وصفحه عن المسيء إليه إن كان في صفحه عنه مكرمة، وإخراسه للأحمق وقهره له، وصبره على المكروه، ونجاته منه، وتوسله لإدراك غايته، واحتياله لبلوغ ما يصعب عليه بلوغه من أمانيه، يقول٢: إذا أنت عاديت امرءا فاظفر به ... على عثرة إن أمكنتك عواثره٣ وقارب إذا لم تجد لك حيلة ... وصمم إذا أيقنت أنك عاقره إذا المرء أولاك الهوان فأوله ... هوانا وإن كانت قريبا أواصره فإن أنت لم تقدر على أن تهينه ... فذره إلى اليوم الذي أنت قادره وقد يعلم المولى على ذاك أنني ... إذا ما دعا عند الشدائد ناصره وإني لأجزي بالمودة أهلها ... وبالشر حتى يسأم الشر حافره وأغضب للمولى فأمنع ضيمه ... وإن كان عشا ما تجن ضمائره واحلم ما لم ألق في الحلم ذلة ... وللجاهل العريض عندي مزاجره٥ وإني لخراج من الكرب بعدما ... تضيق على بعض الرجال حظائره حمول لبعض الأمر حتى أناله ... صموت عن الشيء الذي أنا ذاخره ويدخل في شعره الذاتي الهجاء الذي سلطه على زياد الأعجم، في الخصومة

стр. 266

الفنية التي هاجت بينهما بمجلس المهلب، لتسابقهما إلى المكانة الأدبية. ومنه قوله وقد استعدى العبديون زيادا عليه١: يقولون ذبب يا زياد ولم يكن ... ليوقظ في الحرب الملمة نائما ولو أنهم جاءوا به ذا حفيظة ... فيمنعهم أو ماجدا أو مراغما٢ ولكنهم جاءوا بأقلف قد مضت ... له حجج سبعون يصبح رازما٣ لئيما ذميما أعجميا لسانه ... إذا ما نال دنا لم يبال المكارما وما خلت عبد القيس إلا نفاية ... إذا ذكر الناس العلا والعظائما إذا كنت للعبدي جارا فلا تزل ... على حذر منه إذا كان طاعما أناسا يعدون الفساء لجارهم ... إذا شبعوا عند الجباة الدراهما من الفسو يقضون الحقوق عليهم ... ويعطون مولاهم إذا كان غارما لهم زجل فيه إذا ما تجاوبوا ... سمعت زفيرا فيهم وهماهما٤ أظن الخبيث ابن الخبيثين أنني ... أسلم عرضي أو أهاب المقاوما لعمرك لا تهدى ربيعة للحجا ... إذا جعلوا يستنصرون الأعاجما فهو يستهين به وبمواليه استهانة لاذعة، إذ أنكر عليه أن يكون ذا شأن في الحرب والسلم، وقذفه بارتكاب الكبائر، لإدمانه الخمر، ثم عطف على العبديين الذين استصرخوه عليه، وأغروه به، وهم يعلمون أنه لن يقدم لهم نفعا، فجرحهم تجريحا، إذ دمغهم بأنهم من أرذال الناس، وأنهم لا يحفظون حرمة، وشنع عليهم باتهامه إياهم بأنهم يسدون بفسائهم حاجات جيرانهم، ويدفعون من مغارمهم، ويؤدون ديونهم!! وبذلك أذل المغيرة العبديين، وفضحهم بين الناس، وأضحكهم منهم، فأتوه

стр. 267

معتذرين وراجين أن يقلع عن التعريض بهم، وعرفوه أنهم خلعوا زيادا حتى لا يسبوا به. فاستغل تحللهم منه، وراح يعيره بأنه هان عليهم حتى لفظوه، وأن تنصلهم منه، شاع في معسكرات الجنود، وفشا في المساجد، فاحتقره الناس وتحاموه. ثم هجم عليه من ناحية نسبه وأصله، فغمزه بأنه نصراني بل مشرك، وأن بناته لم يختتن، وأنهن جوار ممتهنات مبتذلات، فقيرات معدمات، وأنهن يعملن لكي يتعيشن، وبعد كل هذه السخرية ادعى أنه يكرم نفسه ويجلها عن الرد عليه، فهو ذمي لا قيمة له، وإن قتله لم يقتل به. وذلك قوله١: لعمرك إني لابن زروان إذ عوى ... لمحتقر في دعوة الود زاهد وما لك أصل يا زياد تعده ... وما لك في الأرض العريضة والد ألم تر عبد القيس منك تبرأت ... فلاقيت ما لم يلق في الناس واحد وما طاش سهمي عنك يوم تبرأت ... لكيز بن أفصى منك والجند حاشد ولا غاب قرن الشمس حتى تحدثت ... بنفيك سكان القرى والمساجد٢ فاصبحت علجا من يزرك ومن يزر ... بناتك يعلم أنهن ولائد وأصبحت قلفا يغتزلن بأجرة ... حواليك لم تجرح بهن الحدائد نفرن من الموسى وأقررن بالتي ... يقر عليها المقرفات الكواسد٣ باصطخر لم يلبسن من طول فاقة ... جديدا، ولا تلقى لهن الوسائد وما أنت بالمنسوب في آل عامر ... ولا ولدتك المحصنات المواجد ولا ربيتك الحنظلية إذ غذت ... بنيها ولا جيبت عليك القلائد٤ ولكن عذاك المشركون وزاحمت ... قفاك وخديك البظور العوارد٥

стр. 268

ولم أر مثلى يا زياد بعرضه ... وعرضك يستبان والسيف شاهد ولو أننى غشيتك السيف لم يقل ... إذا مت إلا مات علج معاهد وله أشعار تحدث فيها عن مشاكل أسرته وعلاقته بأخيه صخر، فحين عاد المغيرة من فارس إلى البصرة، وقد اغتنى بما أغدقه عليه المهلب من الهبات حسده أخوه صخر واتهمه بالبطر والأشر، وضج من كثرة تأنيبه له. فأجابه بأبيات لامه فيها لإهماله في العناية بضيفه، وتخاذله في الدفاع عن أبيه وأخذ عليه أنه يستمع أباطيل أمثاله من أقران السوء. ويصدق ما يرجفون به عن أخيه. يقول:١ لحا الله أنآنا عن الضيف بالقرى ... وأقصرنا عن عرض والده ذبا وأجدرنا أن يدخل البيت باسته ... إذا القف دلى من مخارمه ركبا٢ أأنبأك الأفاك عني أنني ... أحرك عرضي إن لعبت به لعبا وكان للمغيرة أخت، فشكت إليه أخاها صخرا، وذكرت له أنه أسرع في مالها وأتلفه، وأنها منعته شيئا يسيرا بقي لها فضربها، فوجه إليه المغيرة هذه الأبيات يذكره بحسن رعايته له، وشدة بره به، وأن من واجبه أن يصون أخته، ويصلها لا أن يسلبها مالها، ويتسلط عليها. وتمنى أن يمتثل لبعض نواهيه. يقول٣: ألا من مبلغ صخر بن ليلى ... فإني قد أتاني من نثاكا٤ رسالة ناصح لك مستجيب ... إذا لم ترع حرمته رعاكا وصول لو يراك وأنت رهن ... تباع بماله بوما فداكا يرى خيرا إذا ما نلت خيرا ... ويشجي في الأمور بما شجاكا فإنك لا ترى أسماء أختا ... ولا ترينني أبدا أخاكا

стр. 269

فإن تعنف بها أو لا تصلها ... فإن لأمها ولدا سواكا يبر ويستجيب إذا دعته ... وإن عاصيته فيها عصاكا وكنت أرى بها شرفا وفضلا ... على بعض الرجال وفوق ذاكا جزاني الله منك وقد جزاني ... ومني في معاتبنا جزاكا وأعقب أصدق الخصمين قولا ... وولى اللؤم أولانا بذاكا فلا والله لو لم تعص أمري ... لكنت بمعزل عما هناكا وعندما أسرف صخر في سيرته السيئة، ولم يعزف عن مناقضه أخيه ومهاجمته، عجب المغيرة من صلاحه واستقامته، وفساد أخيه وانحرافه، وهما أخوان لأبوين، يقول١: أبوك أبي وأنت أخي ولكن ... تفاضلت الطبائع والظروف وأمك حين تنسب أم صدق ... ولكن ابنها طبع سخيف٢ ثم إنه ضاق به، وراح يفكر في الهجرة من البصرة، والنزوح إلى الحجاز ليبتعد عنه، ويسلم من شره وأذاه، يقول٣: سأترك منزلي لبني يميم ... وألحق بالحجاز فأستريحا ومن شعره الذاتي ما أودعه حكمه التي استقاها من خبرته في الحياة. وهي تدور على ما يجب أن تكون عليه الصلة بين الفرد وعشيرته، والصديق وصديقه، وما ينبغي أن يكون عليه تصرف الإنسان بين أهله وجيرانه. فهو حريص على قبيلته، معتصم بانتسابه إليها، حفيظ على شرفها، لا ينبت منها ولا يجرؤ على انتقاصها، ولا يعيب قريبه، ولا يبغي عليه، ولا ينفذ أمرا من أموره

стр. 270

في الخفاء، ولا يختلس النظر إلى بيوت الناس، ولا يذمهم، خشية من عقاب الله، فإنه مطلع على كل شيء، محيط بكل غيب، يقول١: أعوذ بالله من حال تزين لي ... لوم العشيرة أو تدني من النار لا أقرب البيت أحبو من مؤخره ... ولا أكسر في ابن العم أظفاري٢ إن يحجب الله أبصارا أراقبها ... فقد يرى الله حال المدلج الساري٣ وهو يدعو الرفيق إلى التغاضي عن هنات رفيقه وسقطاته، فليس من إنسان كامل في الوجود، والصاحب يحتاج إلى صاحبه، ولكنه يحترز من الخليل المتغير المتقلب، الذي يبدي خلاف ما يضمر، يقول٤: خذ من أخيك العفو واغفر ذنوبه ... ولا تك في كل الأمور تعاتبه فإنك لن تلقى أخاك مهذبا ... وأي امرئ ينجو من العيب صاحبه أخوك الذي لا ينقض النأي عهده ... ولا عند صرف الدهر يزور جانبه وليس الذي يلقاك بالبشر والرضا ... وإن غبت عنه لسعتك عقاربه ويضرب مثلا على ذلك معاملته لصديقه، فهو ينزل به منزلة نفسه، وهو يقسم له في راحلته ومؤونته، وهو يذهب إلى أن إحسانه إليه لا يجعل له يدا عليه، فإن اليد إنما تكون لصديقه لأنه قبل المعروف منه، يقول٥: إذا ما رفيقى لم يكن خلف ناقتى ... له مركب فضل فلا حملت رحلى ولم يك من زادي له نصف مزودي ... فلا كنت ذا زاد ولا كنت ذا رحل

стр. 271

شريكين فيما نحن فيه وقد أرى ... علي له فضلا بما نال من فضل وله مقطوعة طريفة يصف فيها حزنه على جارية له، اضطر إلى بيعها لعمر بن عبيد الله والي البصرة لابن الزبير، لأنه افتقر وابتأس، يقول١: لولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرقنا سوى الموت فاعذري أروح بهم في الفؤاد مبرح ... أناجي به قلبا قليل التصبر عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر فشخصية المغيرة -كما تصورها أشعاره- شخصية قويمة في تركيبها وسلوكها، فهو بريء من العقد القبلية المؤرقة، سليم من الأهواء السياسية المقلقة. فنحن لم نعثر له على موقف حابى فيه قومه أو تحامل على غيرهم إلا في القليل النادر٢. وكأنما هذبت الجندية نفسه من رواسب العصبية الطائشة، والأنفة الزائدة، والحمية الفارغة، التي تستحيل مرضا نفسيا يشوش الذات ويمسخها، وشدته إلى الجماعة شدا، وربطته بالجهاد في سبيلها ربطا، إلا إذا استفر أو جرح في كرامته، فإنه كان يندفع للرد على من استثاره أو اعتدى عليه. أما بعد ذلك فهو شاعر فارس لا يفكر في نفسه، ولا في قبيلته، بل يفكر في الجهاد، ولا يقدر الرجال إلا بحقائقهم وأعمالهم. ولا جدال في أن وفاءه للمهالبة، واستهلاكه شعره في مديحهم حتى قيل إنه شاعرهم لا يدفع على تخليه عن العصبية القبلية، وشاهد لا يرفض على سماحة نفسه، ونضوج رأيه، فقد ناضل الأزارقة مع المهلب، وفيهم أبناء قبيلته أروع نضال، وقلده أبدع المدائح، وقاتل الترك مع قتيبة بن مسلم أبسل قتال، ونوه به أجمل تنويه. بذل دمه من أجل أمته وعروبته وعقيدته، كما أنه لم يكن مقتصدا منصفا شفافا في سلوكه العام، بل كان كذلك في سلوكه الخاص، في عائلته، وبين أصدقائه٣.

стр. 272

ويدل ما بقي من شعره على أنه كان شاعرا موهوبا، فقد كان يعرف كيف يسترسل في قصائده المختلفة، سواء في المديح أو الهجاء، أو في الحديث عن ذاته وآرائه، مع مقدرته على عرض معاني المديح عرضا فخما يروع النفس، ويمتع الفؤاد، وإخراجه معاني الهجاء إخراجا فنيا ساخرا يلذع مهجوه لذعا، ومع استنباطه أندر المعاني وأطرفها في الرفقة والرفيق. ولا شك في أن بشارا استلهم منه أبياته البائية في الصداقة والصديق، بل إنه أخذ عنه أكثر معانيها وألفاظها١.

стр. 273

شاعر تميمي منافق متقلب: حاجب بن ذبيان ١: هو من بني مازن التميميين. وأخباره في كل أطوار حياته ناقصة نادرة. ولكننا إذا ضممنا ما حفظ منها، إلى ما سلم من شعره استطعنا أن نرسم لسيرته صورة تقريبية. ولعله ولد بالبصرة، وترعرع فيها. ويشير شعره إلى أنه نشأ نشأة بائسة، فمن ناحية كان أخوه زرارة يكرهه ويزور عنه٢. ومن ناحية أخرى تردت أحواله، وازداد فقرا فوق فقر بعد أن تزوج، وكثر أطفاله، حتى إنه عجز عن توفير القوت لهم، حين أصاب العرب جدب، فقصد عبد الملك بن مروان بدمشق سائلا ومستجديا٣. ويظهر أنه لم يطق سوء وضعه العائلي والمالي، فقرر الرحيل إلى خراسان التماسا للحياة الهادئة، وسعيا وراء أسباب الرزق. ففيما يرويه أبو الفرج الأصفهاني من أخباره أنه كان بخراسان في عهد يزيد بن المهلب٤. ولسنا ندري هل وصل إليها في ولايته الأولى، أم في ولايته الثانية، لأن أبا الفرج الأصفهاني لم يحدد ذلك، ولأن ما بقي من أخباره وأشعاره لا يعين على تبين الفترة التي هاجر فيها إلى خراسان.

стр. 274

وقد حسنت حاله بعد نزوله بخراسان، إذ أخذ يمدح المهلب ويحظى بجوائزه١، كما أصبح جنديا نظاميا يتقاضى راتبا ثابتا، ويفوز بنصيب من الغنائم. واشتبك في معركة هجائية مع ثابت قطنة، كان سببها حسد ثابت له على اهتمام ابن المهلب به، وسوقه الصلات الكبيرة إليه. ولقبه بحاجب الفيل٢. واستمرا يتبادلان الهجاء إلى سنة ست ومائة٣. وبعد هذا التاريخ لا نظفر بشيء من أخباره، ولا نعرف نهايته ومصيره. ولم يذكر القدماء أن حاجبا كان له ديوان مفرد، ولكنهم ذكروا أن شعره كان مجموعا في أشعار بني مازن٤. واحتفظ ياقوت الحموي بمختارات منه، دون أن ينص على جامعه أو جامع أشعار بني مازن. والمعروف أن أبا سعيد السكري هو الذي صنع أشعار بني تميم٥. ويصح أن نوزع ما بقي من شعره مفرقا في المصادر المختلفة بين موضوعين كبيرين: الأول الشعر القبلي والسياسي، وهو يشتمل على مدائحه وفخرياته، والثاني الشعر الذاتي، وهو يشتمل على كل ما قاله في العتاب، والاستنجاد، والرثاء والهجاء، والحنين إلى الوطن. أما مدائحه فأكثر ما نقل إلينا منها في الثناء على يزيد بن المهلب، ولعله أنشده أولها وأطولها بعد وصوله إلى خراسان. فهو يصف فيها رحلته الطويلة إليه، وما أمله من الخير فيه، وهو فرس، ودرع، وسيف، ورمح، ويقول أبو الفرج الأصفهاني إنه وهبه كل ما طلب، وأمر له بألفي درهم. وهي تتوالى على هذا النحو٦:

стр. 275

إليك امتطيت العيس تسعين ليلة ... أرجي ندى كفيك يا بن المهلب١ وأنت امرؤ جادت سماء يمينه ... على كل حي بين شرق ومغرب فجد لي بطرف أعوجي مشهر ... سليم الشظا عبل القوائم سلهب٢ سبوح طموح الطرف يستن مرجم ... أمر كإمرار الرشاء المشذب٣ طوى الضمر منه البطن حتى كأنه ... عقاب تدلت من شماريخ كبكب٤ تبادر جنح الليل فرخين أقويا ... من الزاد في قفر من الأرض مجدب فلما رأت صيدا تدلت كأنها ... دلاة تهاوي مرقبا بعد مرقب٥ فشكت سواد القلب من ذئب قفرة ... طويل القرا عاري العظام معصب٦ وسابعة قد أتقن القين صنعها ... وأسمر خطي طويل محرب٧ وأبيض من ماء الحديد كأنه ... شهاب متى يلق الضريبة يقصب٨ وقل لي إذا ما شئت في حومة الوغى ... تقدم أو اركب حومة الموت أركب فإني امرؤ من عصبة مازنية ... نماني أب ضخم كريم المركب وله مقطوعة ثانية في مديحه، ينوه فيها بسياسته العادلة الحازمة التي تتمثل في ردعه للعابثين والخارجين، وعطفه على الضعفاء والبائسين، يقول٩:

стр. 276

شم الغيث وانظر ويك أين تبعجت ... كلاه تجدها في يد ابن المهلب١ يداه يد يخزي بها الله من عصى ... وفي يده الأخرى حياة المعصب٢ وله مقطوعة ثالثة في مديحه أنشدناها في الفصل السابق٣. وإنما عددنا مدائحه من شعره القبلي والسياسي، لأنها تكشف عن موقفه من المهالبة في أثناء حكمهم لخراسان، وكيف أنه لم ينفر منهم، ولم يظهر بغضا لهم، غضبا لقبيلته، أو احتجاجا على نهوضهم بالولاية. ولكنه سرعان ما غير رأيه فيهم، وخاصة بعد تمرد ابن المهلب على الأمويين، وفتك مسلمة بن عبد الملك به، مما نستنبط منه أنه لم يشد بسياسته وأسرته، لأنه كان غافلا عن العصبية القبلية، أو لأنه كان جاهلا بطبيعة العلاقات السياسية بين القبائل العربية بخراسان، بل لأنه كان يبتغي المنفعة العاجلة التي يصلح بها أموره. فنحن نستشف من شعره الذي قاله في القضاء على ثورة المهالبة، شماتة بهم، ومطاولة لمسلمة بن عبد الملك، وبني أمية بمؤازرة بني تميم لهم، وانتقادا لسياستهم، وما بنيت عليه من اعتماد على المهالبة، وتقوية لهم، فإذا هم حين اشتدت شوكتهم يغدرون بأولي نعمتهم، ويحاولون الإطاحة بهم. ونستشف منه مراجعة للأمويين، لعلهم يبدلون موقفهم من بني تميم، ويقرون بقدرتهم وضخامتهم، ويعترفون بإخلاصهم ووفائهم. وقد عبر عن كل ذلك في قصيدة لامية طويلة ضاع أكثرها، ووصل أقلها وأدلها على عصبيته القبلية ومنها قوله٤: أمسلم إنا قد فصحنا فهل لنا ... بذاكم على أعدائكم عندكم فضل حقنتم دماء المصلتين عليكم ... وجر على فرسان شيعتك القتل وفاتهم العريان فساق قومه ... فيا عجبا أين البراءة والعدل

стр. 277

وكم من عدو قد أعنتم عليكم ... بمال وسلطان إذا سلم الحبل كذي الكلب لما أسمن الكلب رابه ... بإحدى الدواهي حين فارقه الجهل١ ونحن بنو الفحل الذي سال بوله ... بكل بلاد لا يبول بها فحل أبى الناس والأقلام أن يحسبوهم ... إذا حصل الأخماس أو يحسب الرمل٢ فإن غضبوا شد المشارف منهم ... ملوك وحكام كلامهم فصل كذلك مضى حاجب يصرح بسروره لفناء من فني من المهالبة، وحبس من نجا منهم من الموت، وفي ذلك يقول٣: فإن أرحل فمعروف خليلي ... وإن أقعد فما بي من خمول لقد قرت بقندابيل عيني ... وساغ لي الشراب إلى الغليل٤ غداة بنو المهلب من أسير ... يقاد به ومستلب قتيل أرأيت إلى تقلبه وتلونه؟ لقد مدح المهالبة وأطراهم، وهم في مواقع السلطة، وهو بحاجة إليهم، ثم ذمهم وقدح فيهم، حين اضمحل نفوذهم، وبطش بهم وانطلق يفاخر بقبيلته ودورها في قمع المهالبة، وسفك دمائهم، وتجاوز ذلك إلى معاتبة الأمويين، بل إلى تقريعهم لتفريطهم في قبيلته، واتكالهم على المهالبة. ويؤكد ما نقل عن فخرياته شموخه بقبيلته، واعتداده بها، وانحيازه لها. ومنه قوله يعتز بثروتها وكثرة إبلها، وخشية الناس من التعرض لها، أو التفكير في الإغارة عليها٥:

стр. 278

ما إبل في الناس خير لقومها ... وأمنع عند الضرب فوق الحواجب من الإبل الحادي عضيدة خلفها ... من الحزن حتى أصبحت بعباعب١ ومنه قوله يتمدح بعظمتها وسطوتها، وأن أحدا لا يجرؤ على تحديها، بل على المطالبة بثأره منها٢: فإن بفلج والجبال وراءه ... جماهير لا يرجو لها أحد تبلا٣ وإن على حوف اللهابة حاضرا ... حرارا يسنون الأسنة والنبلاء٤ ومنه قوله يكاثر بشدة رجالها، وأنهم لا تنبو ضربات سيوفهم، بل تقع في الصميم، وتقطع رؤوس أعدائهم٥: وقائلة وباكية بشجو ... لبئس السيف سيف بني رباب ولو لاقى هلال بني رزام ... لعجله إلى يوم الحساب٦ وأما شعره الذاتي فلم يسلم منه على كثرة موضوعاته إلا أبيات ومقطوعات معدودة، منها هذا البيت الذي يستعطف به أخاه زرارة مبينا له ما تعمقه من الحزن والأسى، وما لحقه من الهوان والأذى، بعد أن انفصل عنه، ومفضلا الهلاك على أن يظل متحاميا له، متحاملا عليه٧: عجلت مجيء الموت حين هجرتني ... وفي القبر هجر يا زرار طويل

стр. 279

ومنها قطعة من قصيدة وفد بها على عبد الملك بن مروان، ووصف له بها مجاعة عمت العرب، واشتدت على قومه، كما استغاث به، ورجاه أن يجري عليه بعض المال، ليقيم به رمق أهله وعياله. وفيها يقول١: وما أنا يوم دير خناصرات ... بمرتد الهموم ولا مليم٢ ولكني ألمت بحال قومي ... كما ألم الجريح من الكلوم بكوا لعيالهم من جهد عام ... خريق الريح منجرد الغيوم أصابت وائلا والحي قيسا ... وحلت بركها ببني تميم٣ أقاموا في منازلهم وسيقت ... إليهم كل داهية عقيم سواء من يقيم لهم بأرض ... ومن يلقي اللطاة من المقيم٤ أعني من جداك على عيال ... وأموال تساوك كالهشيم٥ أصدت لا يشيم لها حوارا ... عقيلة كل مرباع رؤوم٦ ومنها بيتان نعى بهما أخاه معاوية، وصور فيهما ما أصابه من الهم والأرق لوفاته، يقول٧: تطاول بالبيضاء ليلي فلم أنم ... وقد نام قساها وصاح دجاجها٨ معاوي كم من حاجة قد تركتها ... سلوبا وقد كانت قريبا نتاجها٩

стр. 280

ومن أهاجيه لثابت قطنة. وفيه يقول ساخرا منه، ومعيرا له حصره، وقد صعد المنبر بسمرقند يوم جمعة في ولاية أسد القسري الأولى، وخطب الناس فارتج عليه١: أبا العلاء لقد لقيت معضلة ... يوم العروبة من كرب وتخنيق٢ أما القران فلم تخلق لمحكمه ... ولم يسدد من الدنيا لتوفيق لما رمتك عيون الناس هبتهم ... فكدت تشرق لما قمت بالريق تلوي اللسان وقد رمت الكلام به ... كما هوى زلق من شاهق النيق٣ وله يقول، وقد تغيب عن حضور معركة بفرغانة في عهد مسلم بن سعيد الكلابي، يتهكم به، زاعما أن أصله مغمور، وأنه لا قبل له بالحرب، وإنما هو ملاح ماهر، يحسن أن يحرك المجاذيف، ويراقب آلات السفينة٤: نقضي الأمور وبكر غير شاهدها ... بين المجاذيف والسكان مشغول٥ لا يعرف الناس منه غير قطنته ... وما سواها من الأنساب مجهول وآخر ما نستشهد به من شعره الذاتي قطعة في الحنين، ينزع فيها إلى ديار قومه، ولعله قالها، وهو بخراسان٦: هل رام نهي حمامتين مكانه ... أم هل تغير بعدنا الأحفار٧ ليت شعري غير منية باطل ... والدهر فيه عواطف أطوار

стр. 281

هل ترسمن بي المطية بعدها ... يحدى القطين وترفع الأخدار١ فشخصية حاجب -كما تحددها أشعاره- شخصية منافقة متذبذبة، فإنه كان إذا انفك من قيود العصبية في فترة من الفترات، لا يلبث أن يخضع لها ويكبل نفسه ومدائحه وفخرياته تطلعنا على تأرجحه وتحزبه، وذلك أنه صانع المهالبة وهم أحياء يسبغون عليه من خيرهم، كما تناسى قبليته وهو فقير مشرد يلوذ بهم، فلما نكبوا انحرف عنهم، وطعن فيهم، وأحس ضخامة قبيلته ومكانتها، وراح يطاول بها، ويفصح عن تحيزه لها، وهو بذلك يقترب اقترابا شديدا من نهار بن توسعة البكري، ويماثله في منافقته وتقلبه وعصبيته. وإذا كان حاجب يصور تمجد بعض عشائر بني تميم بعظمتها وسيادتها، وشعورها بحقيقتها ومقدرتها، ويعكس أمانيها وطموحها وشغبها وتمردها، فإن المغيرة بن حبناء يصور صلاح بعض عشائر بني تميم واستقامتها، ويعكس إيمانها بالجماعة، وتلاحمها معها، وانقيادها للحق، وعملها مع جميع القادة الذين كانوا يولون عليها.

стр. 282

٦- شاعر مولى جوال متكسب: زيادة الأعجم ١: هو من موالي عبد القيس وسمي الأعجم لأنه كان يرتضخ لكنة أعجمية يبدل فيها السين شينا والطاء تاء، والعين همزة٢. وفي أصله بعض الاختلاف، ولكن الأرجح أنه أصفهاني المولد والمنشأ٣، وأنه أسلم على أيدي عبد الله بن عتبان، وأبي موسى الأشعري، سنة إحدى وعشرين، حين فتحا أصفهان٤، ثم التحق بالجيش العربي، واشترك في فتح إصطخر سنة ثلاث وعشرين٥. ويقال: إنه كان من رواة الحديث، روى عن أبي موسى الأشعري، وعثمان بن أبي العاص الثقفي، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وروى عنه طاوس بن كيسان اليماني، وهشام بن قحذم٦، وفي ذلك خلاف كثير استقصى ابن حجر العسقلاني وجوهه المختلفة،

стр. 283

وفصل بينها فصلا دقيقا، وأبان أن المقصود هو زياد بن سيمين كوش العجمي اليماني، لا زياد الأعجم العبدي١. وظل زياد الأعجم ينزل باصطخر٢، حتى إذا ولي صديقه: عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي فارس سنة ثمان وستين، تحول إليه ولزمه، ومدحه، ونال منه جوائز ضخمة٣. فلما توفي ابن معمر ارتحل إلى عبد الله بن الحشرج القيسي، وكان موظفا كبيرا، تنقل بين أعمال خراسان، وفارس، وكرمان، وقوهستان، وسابور٤، كما كان جوادا ممدحا، ففاز منه بصلات كثيرة٥. وفي ولاية المهلب بن أبي صفرة على خراسان، خرج إليه، وامتدحه، ونوه ببنيه، ورثى من مات منهم٦، وقدمنا أنه خاض في هذه المرحلة معركتين هجائيتين: الأولى مع المغيرة بن حبناء التميمي، وكان مبعثها تنافسهما في المركز الأدبي٧، والثانية مع كعب الأشقري، وكان المحرك لها انفجار الحرب بين عبد القيس والأزد، لتباين مصالحهم القبلية والسياسية٨، ثم اتصل بيزيد بن المهلب، وأثنى عليه٩. ويقول أبو الفرج الأصفهاني: "إنه لم يزل بخراسان حتى مات١٠. ويزعم ياقوت الحموي أنه توفي في حدود المائة الأولى١١. غير أن عبد القادر

стр. 284

البغدادى يروي أنه وفد على هشام بن عبد الملك ١. ويضيف السيوطي أنه شهد وفاته بالرصافة ٢ ومعلوم أن هشاما توفي سنة خمس وعشرين ومائة ومعنى ذلك أن زيادا قد عمر أطول من هذا التاريخ. على أننا إذا فحصنا ما بقى من شعره لم نطمئن إلى أن الأجل امتد به إلى بداية المائة الثانية٣، إلا أن يكون شعره الذى نظمه في آخر حياته قد ضاع. واستفرغ زياد شعره في المديح والهجاء، ولم يعدوهما إلى غيرها من الموضوعات إلا نادرا أما المديح فلم يكن يقدمه إلى الممدوح محبة له ولا إعجابا به، وإنما يقدمه إليه رغبة في عطائه ولذلك كان إذا زار موظفا في كورة من الكور، أو أميرا من مصر من الأمصار، وأقام عنده مدة، ومدحه، ثم لم يعجل الجائزة له يأخذ في استبطائه واستنجازه ولومه. ومن ممدوحيه عبد الله بن عامر، والي البصرة لعثمان بن عفان ومعاوية بن سفيان وفيه يقول مصورا كرمه الذى لاينقطع ٤: أخ لك لا تراه الدهر إلا ... على العلات بساما جوادا أخ لك ما مودته رياء ... إذا ما عاد فقر أخيه عادا ومنهم عمر بن عبيد الله معمر التيمى، فقد قصده عندما ولي فارس لمصعب بن الزبير، ومدحه مهنئا له بمنصبه، ومؤملا منه خيرا وفيرا، وراجيا أن لا يعود من رحلته إليه مخذولا، يقول ٥: أبلغ أبا حفص رسالة ناصح ... أتت من زياد مستبينا كلامها فإنك مثل الشمس لا ستر دونها ... فكيف أبا حفص علي ظلامها لقد كنت أدعو الله في السر أن أرى ... أمور معد في يديك نظامها

стр. 285

فلما أتاني ما أردت تباشرت ... بناتي وقلن: العام لا شك عامها فإني وأرضا أنت فيها ابن معمر ... كمكة لم يطرب لأرض حمامها إذا اخترت أرضا للمقام رضيتها ... لنفسي ولم يثقل علي مقامها وكنت أمني النفس منك ابن معمر ... أماني أرجو أن يتم تمامها فلا أك كالمجرى إلى رأس غاية ... يرجي سماء لم يصبه غمامها فلبى له كل ما سأله فيه، وجعله في كل عام. وفيه يقول مبينا كيف كان لا يرده خائبا، مع كثرة تردده عليه، ووفرة ما حباه به، وكيف كان يلقاه في كل مرة متهللا له، مرحبا به١: سألناه الجزيل فما تأبى ... فأعطى فوق منيتنا وزادا وأحسن ثم أحسن ثم عدنا ... فأحسن ثم عدت له فعادا مرارا ما دنوت إليه إلا ... تبسم ضاحكا وثنى الوسادا وتأخر ابن معمر في دفع ما فرضه له، فذكره به بقوله٢: أصابت علينا جودك العين يا عمر ... فنحن لها نبغي التمائم والنشر٣ أصابتك عين في سماحك صلبة ... ويا رب عين صلبة تفلق الحجر سنرقيك بالأشعار حتى تملها ... فإن لم تفق يوما رقيناك بالسور وبلغته الأبيات فأرضاه وسرحه. ومن ممدوحيه جبير بن الزبعرى النميري، وكان من سروات العرب، وله يقول معظما أصله وبسالته وجوده٤:
следующие страницы →