← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23142

التصوير القرآني للقيم الخلقية والتشريعية

علي علي صبح

Полный текст (351 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وينشر الأمن والألفة، فتزداد الثقة ويحيا الضمير، وتصفو الروح، ويزكو القلب، فتتقدم الأمم، وتنهض المجتمعات، وما أحوج الأمم الراقية إلى هذا الخلق الفاضل، الذي تقام عليه الصروح، وتنهض به الأمم.

стр. 107

الأمل الكاذب: إلى هؤلاء الطغاة الذين ينشدون البطولة في الأمل الكاذب، ويحلمون بالمجد وراء السراب الخادع، ويعتقدون أنهم فوق البشر؛ وإلى من حولهم من أذناب، ينفخون فيهم، ويتخذون منهم أولياء ومصلحين ومجددين؛ فهم كما قال الله : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣، ١٠٤] . يصور القرآن الكريم إليهم هذا السراب الخادع والأمل الكذاب في قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩] . الإعجاز في التصوير القرآني: سما التصوير القرآني إلى حدِّ الإعجاز الإلهي في الإبداع الرباني؛ لتفيض كل صورة قرآنية بأروع ما عرفته البشرية من العمق والدقة والإحاطة والشمول، وشرف الغاية ونبل المضمون، وروعة التأثير على النفس والعاطفة، وقوة الإفحام بالحجة الدافعة التي يخرُّ لها العالم ساجدًا لربه تعالى.

стр. 108

وحينما يصور القرآن الكريم أعمال الكافرين الحسنة التي يحسبون أنها ستنفعهم يوم القيامة، فتخفف عنهم شيئًا من العذاب، فيتعلَّقون بها كما يتعلق الظمآن في اليوم القائظ بالسراب الخادع في الصحراء القاسية الجافة؛ فيزداد ندامة وحسرة، ويبوء بالخسران المبين كما آية النور السابقة. فقد صور القرآن الكريم في هذا التشبيه المعنى الذهني المجرد في صورة محسة تدرك بالحواس لا بالعقل وحده؛ فجاءت أعمال الذين كفروا في الدنيا من حسن المعاملة، وبذل المال، وقول المعروف، وصلة القربى، والإحسان للناس، وغيرها مما يعلقون عليها الأمل والنفع، فإذا بهم لا تنفعهم في الآخرة؛ فلم يجدوا فيها ثوابًا يعينهم على هول يوم القيامة، وهم في أشد الحاجة إلى ذلك، ثم جاء التشبيه فصور المشبه به: هذه المعاني الفكرية في صورة تدرك بالحس، وهي صورة السراب، الذي يتراءى في الصحراء ماءً للرائي، فيتلهف إليه الظمأن بين أحشائه، حتى إذا ما انتهى إليه لم يجد شيئًا، وإنما يجد هولًا وعذابًا وعقابًا شديدًا. وبذلك تتحرك هذه المعاني في مشهد حتى يموج بالحيوية والحياة والجدة والحركة، من خلال أدواته التي يسمع وقعها الأليم، وفي دقات القلب السريعة، وفرقعات السير وضجيجه؛ فترى العين هذه المعاني من خلال الظلال والألوان: ترى طريقًا وشخصًا يطويها، وصحراء واسعة وضبابًا حينًا، وشمسًا حارقة أحيانًا، وسرابًا يراوغ العين، كما يتذوق مرارة الجوع، وحرقة المعاناة والكد، ولظى المفاجأة، وخيبة الرجاء.

стр. 109

الغاية من هذه الصورة القرآنية: يجتمع الطرفان "المشبه والمشبه به" المتقابلان في غاية واحدة: الصورة الذهنية الفكرية المجردة، وهي الأعمال الحسنة الخاسرة للذين كفروا، والصورة المرئية المحسة، وهي السراب الخادع في الصحراء القاسية، فالصورتان هنا يجمعهما معنًى واحد، وهو أن الكافر لا ينتفع بشيء من أعماله الحسنة في الدنيا ولا في الآخرة، مع أنه في أشدِّ الحاجة إليها حينئذ، كما يتعلق الظامئ بالسراب وانخداعه به، فهو متلهف به يعلق عليه حياته، وقد عبَّر عن هذه الغاية الرماني بإيجاز فقال: "وقد اجتمعا في بطلان المتوهم مع شدة الحاجة وعظم الفاقة"١. منابع التصوير القرآني وعناصره: روعة الإعجاز في التصوير القرآني تعتمد على منابع حية وثرية، وعناصر عميقة فريدة، هي في ذاتها غاية لأداء المراد منها: فالكافرون في أشد الحاجة للانتفاع بالأعمال الحسنة آنذاك من المؤمنين، والأعمال -أي: الحسنة لا السيئة- لها دورها الكبير في كمال الصورة وعمقها، والسراب لا الماء؛ لأن السراب هو العدم والخداع، والأمل الضائع، بقيعة أي بصحراء بواد غير ذي زرع ولا بحقل، ولا بطريق تحفه المزارع؛ لأن الحاجة إلى الماء في الصحراء أشدّ، والحرص على تأمينه ووجوده أعظم؛ فمن يسر في الوادي وبين المزارع يجد الماء دائمًا بين مرحلة وأخرى، والحسبان لا اليقين؛ فلو وجد الماء على سبيل اليقين لتحقق الأمن، وقل الظمأ، وخفت المعاناة، وهدأ الجهد في سبيله، والظمآن: أي العطشان عطشًا شديدًا، وحاجة الظمآن إلى الماء كحاجة الجسد إلى الروح؛ فلا

стр. 110

حياة للجيد بلا روح، وإلا كان جثة هامدة، كما أن الرّيّ يرد الروح إلى الجسد، فيعيد إليه الحياة من جديد؛ فلو حلَّ محله لفظ إنسان لما أوحي بهذه المعاني العميقة والحسية، و"ماء": لأن فيه الحياة، وكم يتمنى العطشان أن يرى الماء بعينيه؟ فما بالك حين يروي ظمأه؟ إنه الحياة!، ولو حل شيء مكان الماء لما عمرت الصورة بالخصوبة والثراء، ولما اتسعت للإحاطة والاستيعاب، ولما نبضت بالوحي والإشارة، و"حتى": تفيد أن غاية الظامئ الحبيبة إلى نفسه هي الماء، لا يريد غير ذلك، فما بالك إذا خاب الرجاء، وباءت المفاجأة بالفشل، فتكون الطامة الكبرى، و"إذا": التي تدل على التحقيق والإصرار على الوصول إلى السراب، والحصول على الماء، لأن العطشان لا يستغني عنه بحال، كما لا يستغني الجسد عن الروح، ولم يجد شيئًا؛ فجاءت شيئًا في سياق النفي؛ لتدل على العدم المطلق؛ فلا شيء مطلقًا؛ فلو حل الماء محله لبقيت هنا بوارق الأمل في أن يجده بعد ذلك، أو يجد جزءًا منه، قال الرماني: "ولو قيل يحسبه الرائي ماء ثم يظهر أنه على خلاف ما قُدِّر لكان بليغًا، وأبلغ منه لفظ القرآن؛ لأن الظمآن أشد حرصًا عليه وتعلق قلبه به"١، ووجد الله عنده: المراد وجد عقاب الله وعذابه؛ لكن التصوير القرآني جعل في ذكر الله ﷻ من الرهبة والخوف مما يبهت الكافر ويمحقه في إنكاره لوجود الله عنده، بعد أن أنكر حساب الله وعقابه، ثم يفاجأ بعد الرغبة والمشقة بتلك الحقيقة القاهرة، وهي وجود الله أمامه وهو سريح الحساب، وقوله تعالى: ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَه﴾ لتوحي الفاء بسرعة العقاب، وعاقبة العمل السيء، فمعناها الترتيب والتعقيب؛ فتدلُّ على تلاحق العذاب بلا ترتيب، لينزل به بمجرَّد تبدُّد الأمل وانعدام الرجاء، و"وفاه": لا

стр. 111

أعطاه، لأن العطاء قد يقلّ عما يجب أو يزيد، بينما الوفاء يكون بميزان دقيق في إعطاء الشخص ما يستحق دون زيادة أو نقصان، قال تعالى: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي: بأن يأخذ المكيال حقّه موفى بلا زيادة ولا نقصان، وحينما تضاف التوفية إلى الله تعالى كما في إضافة ضميره إليها، يكون العدل والإنصاف والحساب الدقيق: ﴿لَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ .

стр. 112

التصوير القرآني لفريضة الحج ١: القرآن الكريم حين يصوِّرفريضة من أركان الإسلام يصورها على أنها فرض وركن من أركانه، مثل تصويره للصلاة والزكاة والصوم، ومن أداها كما أمر الله تعالى ورسوله ﷺ استحقَّ وصف الإيمان في القرآن، قال تعالى في الصلاة: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] ، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] ، ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ١-٤] ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣-١٨٧] ، وقال تعالى في الزكاة أيضًا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] . ومن لم يؤدِّ هذه الفروض توعده الله بالعذاب الأليم، قال تعالى في الصلاة: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤، ٥] ، وفي الصيام: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] ، وفي الزكاة: ﴿وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: ٦، ٧] ، وغيرها من الآيات الكثيرة التي قامت على الترغيب والترهيب في هذه الفروض الثلاثة. أما التصوير القرآني للحج فيختلف عن تصويره لبقية الأركان،

стр. 113

فقد تفرَّد الحج من بين الفرائض بالتفصيل في أركانه، بل بتصوير القرآن لمعظم مناسكه ومشاعره، كما كان ذلك في تصوير القرآن لفريضة "الميراث"، فقد جاءت الأنصبة منسوبة إلى أصحابها مفصلة في صورة النساء١، مما لا يحتاج معه إلى السنة الشريفة إلا نادرًا، مثل بعض مسائل الميراث، كالمسألة العمرية مثلًا في الفقه الإسلامي. وهذا التفصيل في فريضة "الحج" و"الميراث" يرجع إلى أسرار عجيبة ترتبط بإعجاز القرآن الكريم في تصويره، مع أن الصلاة عماد الدين، وأهم هذه الأسرار المعجزة التي يوحي بها التصوير القرآني هي: أولًا: لا تكرار في أداء فريضة الحج والميراث: كل من الحج والميراث فريضة لا تتكرر فرضيتها إلا مرة واحدة، ففريضة الحج مرة واحدة في العمر كله، وبعد ذلك يخرج من حكم الوجوب إلى النافلة من الأعمال، وفريضة الميراث توزع على الورثة مرة واحدة بعد موت المورث، وممارسة الفريضة مرة واحدة يقتضي الإعجاز فيها أن ينص عليها القرآن الكريم بالتفصيل لسهولة فهمه، ودوام حفظه، ويسر تداوله بين الناس جميعًا الخاصة والعامة على السواء، مما يجعل هاتين الفريضتين حاضرتين دائمًا في الحس والوجدان بقراءة القرآن، مثل حضور الصلاة وممارستها خمس مرات في اليوم والليلة، لذلك كانت عماد الدين، وتكرار ممارسة الصيام والزكاة في كل عام مرة على الأقل، فاستغنت هذه الفرائض الثلاثة بالتكرار والممارسة عن تفصيل أركانها وشروطها في القرآن الكريم، وتأتي السنة الشريفة بالتوضيح لها، فتتناقل أعمالها وممارستها إلى الخلف عن السلف الصالح ﵃.

стр. 114

ثانيًا: مصادرة القرآن على التأويل والاختلاف في التفسير: الشأن في الفريضة التي لا يتكرر ممارستها، كالحج والميراث أن تفسح المجال لاحتمال الاختلاف في الرأي والتفسير لتحديد أركانها وفروضها وشروطها، فيكون التصوير القرآن الكريم لهما مصادرة على اختلاف الرأي، ودفعًا للتردد بين الراجح والمرجوح، فلا تتعرض الفريضة للخلاف حول الأركان هل هي ركن أو واجب أو نافلة؟ والتنصيص على ذلك في القرآن الكريم يقضي على الجدال والمناقشة والتأويل والترجيح والخلاف والتغليب، لتقرير ذلك على سبيل الحسم والإلزام والطاعة. ثالثًا: صعوبة إدراك الخطأ في الفريضتين: الخطأ في الحج والميراث من الصعب إدراكه، بل من المتعذر جبر النقص فيه، لا كالفرائض الأخرى، فالصلاة الفاسدة تقتضي في دقائق، والصيام الباطل يقضي في مدى عام أو أكثر، والزكاة تظل دينًا حتى تقضى ولو بعد الموت، كل ذلك بلا تعب ولا إعداد زاد ولا مشقة طريق ولا مخاطرة في سفر، ولا كالميراث، فالخطأ في توزيع الفرائض يرجع فيه إلى طمع النفس وحبها للمال، ولا كالحج، فالفساد في ركن من أركانه مثل ترك الطواف أو السعي، لا يصح الحج إلا بأداء المتروك، بل ترك عرفة يجعل الحج باطلًا في هذا العام، ويجب عليه أداؤه في العام المقبل، وأداء المتروك وإعادة الوقوف بعرفة أمر ليس سهلًا، بل يكاد يكون متعذرًا لإعداد الزاد، وتحمل المشقة جديدة، والمجازفة في مخاطر السفر والطريق، وكثرة أعباء الحياة التي تزداد يومًا بعد يوم.

стр. 115

رابعًا: الخطأ في الفريضتين يؤدي إلى المخاطرة والفتنة: الخطأ في توزيع فروض الميراث يؤدي إلى الفتنة والإيقاع بين الإخوة والأخوات، وإلى البغضاء بين الآباء والأمهات، والأقارب بصفة عامة، فتنقطع صلة الأرحام بسبب المال، والاختلاف في استحقاق كل فرد، لهذا حرص القرآن الكريم على ذكر الفروض وأصحابها بالتفصيل. وكذلك الأمر في الحج، فإن ترك ركن من أركانه يؤدي إلى المخاطرة مرة ثانية لأدائه في عام قابل، ولا بديل عنه إلا بأداء المتروك ذاته، ولا يجبر بهدي، بينما الواجبات في الحج تجبر بهدي في الحرم المكي، أما من ترك واجبًا في الصلاة كالتشهد الأول مثلًا فإنه يجبر بسجود السهو. والقرآن الكريم حين يصور فريضة الحج، فإنما يفصل القول في تصوير أركانه، وفي تصوير معظم مناسكه وشعائره، فأما تصوير القرآن الكريم للأركان، فئقد تناول أركان الحج في مواطن مختلفة فيه، وهي: الإحرام، والطواف، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة والحلق أو التقصير. أولًا: الإحرام: التصوير القرآن للإحرام يأتي في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا

стр. 116

اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، فالإحرام ورد هنا مرتين، إحداهما: التحليل من الإحرام بسبب الحصر، وهو المنع من حضور يوم عرفة بمرض أو عدو أو عجز عن السفر أو غير ذلك، فلا يجوز التحلل من الإحرام إلابعد ذبح الهدي في الحرم أو في مكان الإحصار وبعد الحلق أو التقصير، وثانيهما: في نسك التمتع، وهو المتمتع، الذي أحرم بالعمرة في وقت الحج، ثم تحلل من الإحرام واستمتع بما يستمتع به غير المحرم من الطيب والنساء وغيرها، فعليه ما تيسر من الهدي، ثم يحرم بعد ذلك للحج قبيل عرفة. ولباس الإحرام المكون من الرداء والإزار أفضل وسيلة للحاج يتخذها الإنسان في لبسه لحماية نفسه من المرض، ووقايتها من العدوى، لأن هذا الزي ليس به من الثنايا والغرز والمنحنيات، التي تحتوي على الجراثيم والحشرات، كما به من الفتحات التي تعرض الجسم دائمًا للهواء المتجدد، وخاصة إذا كان وقت الحج في غير فصل الشتاء من السنة، وفي الزحام الشديد في جميع الأحيان. ثانيًا: السعي بين الصفا والمروة: أما السعي بي الصفا والمروة سبع مرات فقد صوره القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] ، فالسعي بين الصفا والمروة سبع مرات يبدؤه الساعي بالصفا إلى المروة، وتحسب هذه مرة، ومن المروة إلى الصفا وتحسب هذه ثانية، وهكذا حتى ينتهي في الشوط السابع بالمروة، وفي خلال ذلك يتذكر الإنسان قدرة الخالق وإعجازه، فقد سعت هاجر أم

стр. 117

العرب سبع مرات بين الجبلين لتبحث عن الماء الذي ينقذ ولدها إسماعيل من الموت، وفي كل مرة يخدعها سراب الجبلين فلاتجد شيئًا، وإذا بالطفل الصغير الذي يضرب برجليه على الأرض بلا سعي، فتنفجر المياه تحت قدميه الضعيفتين لتعمر بها المنطقة مدى الحياة، وتطهر الحجيج من جميع أنحاء العالم. وما أروع التصوير القرآني في قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ أي فلا حرج ولا إثم لمن يسعى بينهما، وفي هذا التصوير تشريع للسعي الجديد في الإسلام، ورفع الحرج عما اقترن بالسعي في الجاهلية من الشرك والأصنام، لأن المشركين كانوا يسعون بينهما متمسحين بالأصنام. ثالثًا: الوقوف بعرفة: يقول الله في الوقوف بعرفة بعد أن شرع فرضية الحج في قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ يقول تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ، ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٧-١٩٩] ، وما أروع التصوير القرآني لتدفق الحجيج من عرفات إلى المزدلفة والمشعر الحرام كفيضان البحر وانسياب الماء، وقد تجردوا من ذنوبهم وتطهروا من أدرانهم كما يطهر الفيضان أعماق الماء من أدرانه ومخلفاته، ليصير بعد الفيضان ماء صافيًا مناسبًا رائقًا.

стр. 118

وفي الوقوف بعرفة يلتقي المسلمون في مؤتمر عام على قلب واحد يناجون ربًّا واحدًا، عرايا متجردين من الأعراض والأغراض لينالوا رحمة ربهم ورضوانه، ومتذكرين بهذا الموقف الصغير يوم الحشر الأكبر بلا معين ولا سند، أو بلا سلطان ولا ولد، أو بلا قوة ولا جاه ولا حسب، ليعدوا عدة لهذا الموقف العظيم، ومن أبرز خصائص هذا المؤتمر أنه مؤتمر سياسي واجتماعي واقتصادي وديني وثقافي في وقت واحد، وأنه يجمع بين أجناس العالم وألوانهم مع اختلافهم في المذاهب السياسية والاقتصادية، وأنه ينعقد دوريًّا مرة كل عام في أيام معلومات من السنة، فيمكن المسلمين من الاطلاع على ما انتهى إليه العالم من تطور وازدهار وعداوة ومأساة وعدوان في شتى المجالات العالمية. رابعًا: طواف الإفاضة وهو الطواف الركن، وقد ذكره الله في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ، أي بعد الذبح وإزالة الأوساخ بالحلق والتقصير والاغتسال والتنظيف، يطوف الحاج حول البيت العتيق طواف الإفاضة التي به تمام التحلل، ويقول تعالى في الطواف أيضًا: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] ، ويقول تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] ، وطواف الإفاضة مأخوذ من قوله: "أفيضوا -أفاض"، ويقول تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] ، وهذه الآية تذكر ركعتا الطواف عند

стр. 119

مقام إبراهيم ﵇ بعد الفراغ منه. خامسًا: الحلق والتقصير: قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ ، والتفث هو الحلق أو التقصير، ومحل الهدي هو الحرم في منى أو مكة، وزمانه في أيام الحج المعلومة. معظم مناسك الحج وشعائره: وصور القرآن الكريم أيضًا معظم مناسك الحج وشعائره، مثل: الإحصار، وميقات الحج الزماني، والتمتع، وذبح الهدي ومكانه، ورمي الجمار، والمبيت بمزدلفة، والذكر عند المشعر الحرام، والمبيت بمنى وغيرها، قال تعالى في بيان ميقات الحج الزماني: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وقال تعالى في بيان نسك التمتع: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وقال تعالى في بيان مكان الهدي: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وقال تعالى في بيان زمن الهدي: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] ، أي زمنه بعد الحلق والتقصير، وقال تعالى في بيان الهدي: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦] ، وقال تعالى في بيان المبيت بالمزدلفة: ﴿فَإِذَا

стр. 120

أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ ، والمشعر الحرام في المزدلفة، وقال تعالى في بيان المبيت بمنى ورمي الجمار: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣] ، أي من استعجل النظر من منى بعد يومين من الرمي فلا إثم عليه، ومن تأخر حتى يرمي في اليوم الثالث وهو النفر الثاني فلا حرج لمن اتقى وأراد الأكمل، ليتزود وخير الزاد التقوى، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦، ٩٧] .

стр. 121

من وحي المناسك في الحج: فريضة الحج ركن من أركان الإسلام، يجب على المسلم أداؤها إذا توفرت له القدرة والاستطاعة، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] ، ويعذب بتركها؛ فإذا أدَّاها رجع بلا ذنب ولا جريرة؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" ١، وقال أيضًا: والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"٢.

стр. 122

ومن يتأمل هذه الفريضة يعلم أن مشاعرها لا يكفي أداؤها بالقول والفعل فقط، بل ينبغي أن يعيش المؤمن مع أسرارها، وما توحي به من مقاصد أخلاقية وغايات روحية؛ فينفعل مع المناسك بوجدانه، ويسبر أغوارها، ويتعمق في أبعادها، ويقف على أهدافها ومقاصدها؛ فلكل منسك من مناسك الحج إيحاءاته الروحية الصافية التي تهذب النفس وتسمو بها، وأخلاقياته الإيمانية الفاضلة التي تظهر الروح، ومن تلك الإيحاءات العميقة، وهذه الأخلاقيات السامية: الفرق بين الحج وغيره من الأركان: الصلاة تحتاج إلى نية للدخول فيها، والصوم يحتاج إلى تبيين نية الصيام قبل طلوع الفجر، والزكاة لا تصح إلا بنية فريضة الزكاة، حتى تتميز عن الصدقة العامة وعن التبرع والتطوع، وعن النفقة الواجبة على من تجب عليه. أما الحج فهو لا يحتاج إلى تلك الإضافات في الأركان السابقة، لأنه في ذاته هو النية والقصد كما تواضع عليه أهل اللغة والشرع، وعلى ذلك فهو يتميز عن غيره، بأنه لا يحتاج إلى إضافة ولا ضميمة، ولا إلى تقديم أو إلى تثبيت، ولا إلى تهيئة أو إلى تمييز؛ فإذا قال الحاج عند الإحرام سأحج هذا العام لله تعالى يكفيه عن أن يقول: نويت أداء فريضة الحج لله تعالى، كما يقول في الصيام: نويت صوم رمضان هذا العام لله تعالى، وهذا هو الفرق بينهما. وحي الإحرام: إذا لبس الحاج رداء الإحرام وإزاره، وتجرد من كل مظاهر الزينة

стр. 123

والتفاخر والتمايز، فإنه يرجع بذلك إلى بداية حياته، وإلى نهايتها، وإلى يوم محشره، حين خرج إلى الدنيا مولودًا مجردًا من كل شيء تتلقاه لفاقة تستر عورته، وتحفظ جسده من الحر والقر؛ فهو أشبه بثياب الإحرام بلا مخيط ولا زينة، وكذلك حين يخرج من الدنيا فيلف جسده في لفافة أو لفافتين بلا مخيط ولا زينة ليشيع إلى مقره الأخير، ثم أخيرًا يبعث يوم القيامة مجردًا من كل ذلك، ليدل هذا كله على أن متاع الحياة الدنيا ذاهب، ومظاهر النعيم فيها عرض زائل، إلا ما كان في طاعة الله تعالى، قال الرسول ﷺ : "ليس لك يا ابن آدم من مالك إلاما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، او تصدقت فأبقيت"١. وحي أم القرى: إذا أقبل الحاج على "أم القرى" رجع بعقله وقلبه إلى الماضي البعيد حين أذن خليل الله تعالى ﵇ في الناس بالحج؛ ليظل هذا النداء باقيًا إلى قيام الساعة، يحرك المؤمن في شوق ولهفة أكثر من مرة، مصداقًًا لقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] ، كما يتذكر أيضًا دعوته المستجابة في أرض صحراء مقفرة، لا ماء فيها ولا زرع ولا ضرع، فإذا بها الماء والزرع والضرع، بل أكثر من ذلك حين تنهال على "أم القرى" دائمًا جميع الخضروات والفواكه لجميع فصول السنة من أنحاء العالم خلال العام كله، مما لا يوجد في أي قطر من أقطار الدنيا، مصداقًا لقوله تعالى على لسان إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ

стр. 124

النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] ، ويتذكر أيضًا أن "مكة المكرمة" هي المدينة الوحيدة في العالم، التي يجتمع فيها المسلمون للعبادة كل عام من جميع أنحاء العالم الإسلامي؛ لذلك سميت "أم القرى"، وأثبت العلم حديثًا أنها المركز الوسيط بين مدارات الأرض. وحي الكعبة المشرفة: وحين يستقبل الحجيج بيت الله الحرام، يشعر كما قال الله تعالى أنه في أول بيت: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦] ، لذلك تشد إليه الرحال ويضاعف فيه الأجر إلى مائة ألف ضعف؛ فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاث مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى" ١، وفيه الكعبة المشرفة، التي رفع قواعدها خليل الله وابنه إسماعيل ﵉ جد العرب والنبي ﷺ ، وتوحي للمؤمن وهو يطوف بها بتوحيد قلوب المسلمين قبلة واحدة في جميع بقاع الأرض: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] ؛ ليعبدوا ربًّا واحدًا، في عقيدة وشريعة واحدة جاء بها الإسلام، وما عداها فهو باطل، مهما تفرقت الشيع والمذاهب والأحزاب، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] .

стр. 125

وحي ماء زمزم: ويتذكر الحاج أن ماء زمزم ليس ماء عاديًّا، وإنما هو آية عجيبة من المعجزات، تتعطل معها علل العقل البشري وقوانينه الوضعية؛ فبينما السيدة هاجر أم إسماعيل ﵇ تهرول بين الصفا والمروة سبع مرات للبحث عن الماء حتى تروي طفلها بعد أن أشرف على الموت، وإذا به يضرب بقدميه الضعيفتين الأرض من تحته؛ فينفجر منها الماء، فيه شراب وشفاء وطعام، وتسرع إليه أمه فتزم الماء حتى لا يتبدد سدى، وأصبح يسمى "ماء زمزم"، ليعلم الإنسان أن الأرزاق يصرفها الخالق؛ فالأم بعد أن أضناها التعب وأهلكها السعي بين الصفا والمروة يتفجر الماء تحت قدمي طفلها، الذي لم يفكر فيه ولا يقوى على السعي والحركة؛ فيصير الماء معينًا لاينضب إلى يوم القيامة فيه شراب وطعام وشفاء كما قال النبي ﷺ : "ماء زمزم لما شرب له"، وما أكثر آيات الله المعجزة وعجائبه الباهرة، من حيث مصدره وطبيعته وثرائه المتنوع. وحي السعي بين الصفا والمروة: ومن أشق مناسك الحج السعي بين الصفا والمروة سبع مرات، يخرج منها الساعي مرهقًا وقد خارت قواه؛ ليوحي إلى المؤمن، بأن عليه أن يبذل غاية جهده في البحث عن رزقه ورزق من يعوله، كما فعلت السيدة هاجر أم العرب ابتغاء مرضاة ربه، ولا ينتظر أن يأتيه لا من هذا السبيل، ولا من ذاك، وربما يكون من غيره؛ فيسلم أمره لله مقدر الأرزاق، ومقسم العطايا من أي موقع وفي أي وقت، وما عليه إلا أن يتخذ الأسباب ويتوكل على الله بلا تواكل ولا تقاعس ولا كسل؛ لأن رزقه قد يجريه الله تعالى على يد إنسان آخر، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي

стр. 126

أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥] . وحي عرفة: في اليوم التاسع من ذي الحجة يلتقي الحجيج جميعًا في إزار ورداء واحد من بقاع شتى في أنحاء العالم، وقد اختلفت ألسنتهم وأجناسهم وألوانهم وأعمارهم وقاماتهم وشعورهم وأنواعهم، يرددون شعارًا واحدًا: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك"، يناجون إلهًا واحدًا لا شريك له، ويخشون عذابه، ويطمعون في رحمته وجنته في خشوع وخضوع، وذلة وانكسار، ودعاء ورجاء وخوف، ورغبة ورهبة في هذا الموقف المهيب الرهيب، يتذكر الإنسان تجرد الناس في المحشر يوم القيامة: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] ، ﴿يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣] ، ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩] ، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤-٣٦] ، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ١٦- ١٧] . وحي جبل الرحمة: يقف الحجيج بجوار جبل الرحمة كما وقف أصحاب رسول الله ﷺ وهو على مرتفع منه راكبًا ناقته القصواء يستمعون إليه في خطبته

стр. 127

المشهورة ﵃ جميعًا، تلك الخطبة الجامعة التي أوحت بأن دين الإسلام قد اكتمل، فقد جاء الحق وزهق الباطل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] ، وأن الرحمة قد عمت جميع الخلق، وتحقق قول الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ، فأحس المسلمون بقلوبهم الطاهرة الصافية بأن هذا العام عام الوداع، وأن هذه الحجة هي حجة الوداع، إنهم يودعون خاتم الأنبياء والمرسلين، بعد أن أظهر الله على يديه الإسلام؛ فبكى كبار الصحابة ﵃ لمرارة الفراق، ولذلك سميت هذه الخطبة بـ "خطبة الوداع" التي أصبحت وثيقة تشريعية جامعة لمنهج الشريعة الإسلامية، حيث يقول في ختامها: "اللهم بلغت ثلاثًا اللهم اشهد". وحي المزدلفة والمشعر الحرام والإفاضة: بعد غروب الشمس من يوم عرفة يفيض الحجيج رجالًا وركبنًا إلى المزدلفة والمشعر الحرام طاهرين من كل الذنوب والأوزار كما ولدتهم أمهاتهم، فيباهي الله تعالى بهم الملائكة بأنه قد غفر لهم بعد أن وفقهم إلى أداء هذه الفريضة، فأمرهم بالذكر والشكر على هذه المنة بعد أن هداهم إليه في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨] ، ثم يوجههم بعد الغفران إلى كيفية الدعاء والاستغفار النافع لهم في الدنيا والآخرة، فيقول سبحانه بعد ذلك مباشرة: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ

стр. 128

وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ١٩٩- ٢٠٢] ، فينطلق الحاج بعد رمي الجمرة الكبرى يوم النحر إلى آخر أركان الحج وهو "طواف الإفاضة" ثناء على الله تعالى وشكرًا له على أن هداه لمغفرته ورضوانه. وحي الجمرات والأضحية والهدي: في يوم عيد الأضحى وأيام التشريق الثلاثة في منى حين ترمي الجمرات الثلاث يتأمل الحاج هذا الموقف؛ فيتذكر جهاد النفس مع هواها ومع الشيطان في كل حين، فهو يجري من النفس "كمجرى الدم من العروق" لينتصر عليه ويرد كيده ويحبط ألاعيبه، كما انتصر عليه في مواقع الجمرات الثلاث خليل الله إبراهيم ﵇ وولده إسماعيل ﵇، وهو في كل مرة يصرفه عن ذبح فلذة كبده كما أراه تعالى في رؤيا الأنبياء الصادقة، ولم يتردد لحظة، بل ازداد في كل موقع منها تصميمًا وإصرارًا، حتى وضع السكين وحزَّه بشدة تنفيذًا لأمر ربه، وإذا بكبش الأضحية والفداء، ينزل من السماء ليفتدي به ابنه جزاء للصابرين والمحسنين، فكانت شريعة الأضيحة والفداء والهدي لمن ترك واجبًا من واجبات الحج، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ

стр. 129

يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٢- ١٠٧] ، ثم يتذكر الحاج الذبيح الثاني وهو عبد الله بن عبد المطلب أبو خاتم الأنبياء والمرسلين، حين افتداه زعماء مكة بذبح مائة من الإبل، لأن جده عبد المطلب حين تكاثر أبناءه أخذ على نفسه نذرًا أنه إذا رُزق بولد آخر وهو عبد الله فإنه سيقدمه قربانًا لنذره، فكان نبينا ﷺ "وليد الذبيحين". وحي الحلق والتقصير: بعد رمي جمرة العقبة الكبرى في صبيحة النحر، وبعد تقديم الهدي والأضحية، وقبل أن يتجرَّد من لباس الإحرام، يردّ الحاج مرة أخرى كيد الشيطان بطريق محسوس في فرحة وطهر، فيتجرد عن شعره بالحلق، أو يتخلَّى عنه بالتقصير، وينتزع جسده الطاهر من شعر رأسه كما محا الله عنه ذنبه، وجرده من أوزاره، لأنه عاد من عرفة طاهرًا من ذنوبه "كيوم ولدته أمه"، واليوم يتجرد من الشعر وثياب الإحرام ليعود إلى ما جرى عليه العرف بين الناس من التزين بألوان الزينة ومختلف الثياب، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] .

стр. 130

الفصل الثاني: التصوير القرآني لتعاقب الليل والنهار مدخل ... الفصل الثاني: التصوير القرآني لتعاقب الليل والنهار التصوير القرآني لتعاقب الليل والنهار ١: القرآن الكريم كتاب الله المقدس، وكلمات الله التامات؛ فمن أراد أن يتحدث مع الله بكلماته التامات وآياته المعجزات؛ فليتخذ أسلوبًا ومنهجًا يتفق مع قداسة القرآن وجلاله، وأقرب شيء إلينا حينما نتحدث عن القرآن أن ننسب كل شيء إلى القرآن؛ فنقول: إنه أسلوب قرآني، ونظم قرآني، وتعبير قرآني، وتركيب قرآني، وعبارة قرآنية، وتصوير قرآني، وإيقاع قرآني، ونسق قرآني، وأدب قرآني، وخلق قرآني، وتشريع إلهي قرآني، وهكذا، حتى لا نقع فيما تجاوز إليه الكتاب والباحثون، والأدباء والنقاد، وقالوا عنه: التصوير الفني في القرآن، والقصص الفني في القرآن، والتصوير الأدبي، والصورة الأدبية، والموسيقى في القرآن، والنظرية الأدبية في القرآن، والتعبير الفني في القرآن، والوحدة العضوية في القرآن، وفن القرآن، والقرآن فن وخلق، والقرآن نص أدبي، والقرآن الكتاب العربي الأول في الأدب، والقرآن مظهر للأدب والفن والبيان، وما أشبه ذلك من المصطلحات المستعملة في مجال الأدب والنقد والفن البشري مما تحدثت عنه في بحث مستقل بعنوان: "التصوير القرآني"٢. وينبغي أن نسير على هدي القرآن وخلقه وأدبه ونهجه، كما علمنا القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ

стр. 131

الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ١-٣] ، فقال تعالى: فصلت آياته قرآنًا عربيًّا، وليس فنًّا عربيًّا، ولا أدبًا عربيًّا إلخ، وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢] ، وقال تعالى ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧، ٧٨] ، بل ينبغي أن نتعامل معه لا بالحسن فحسب، بل بالأحسن في القول والعمل؛ فتكون لنا البشرى، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧، ١٨] . ومن إبداعات الله البديع في الكون والحياة تعاقب الليل والنهار أبد الدهر، إلا إلى ما شاء الله تعالى؛ فلا يتخلف أحدهما عن هذا التعاقب ساعة، ولا يومًا، ولا أسبوعًا، ولا شهرًا، ولا سنة، ولا يأتي أحدهما مكان الآخر، أو يتجاوز حده، بل يدوران معًا في مدارهما المعهود في توازن وإتزان؛ لكل فصل من فصول السنة؛ سواء أكان ربيعًا أو صيفًا أوخريفًا أو شتاء، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] .

стр. 132

تقديم الليل على النهار أكثر من مسين مرة ... تقديم الليل على النهار أكثر من خمسين مرة: من عجيب بديع الله لتعاقب الليل والنهار معًا إلى حدِّ الإعجاز في الخلق، وفي التصوير القرآني، أن يصور القرآن الكريم الليل قبل النهار في آيات كثيرة، يتقدم فيها اليل على النهار في موقف واحد أحيانًا في أكثر من خمسين آية، وحينًا آخر يتقدم فيها النهار على الليل في أربع آيات تقريبًا، لأسباب كثيرة ترجع إلى الإعجاز في التصوير القرآني.

стр. 133

تقديم النهار على الليل في أربع مرات: في هذه الآيات يأتي تصوير النهار متقدمًا على الليل في أربع مرات غالبًا مثلًا يقتضيها الإعجاز في التصوير القرآني؛ لدواع إعجازية؛ ومقتضيات بلاغية تتناسب مع المقام، وهي: ١- حين أقسم الله بـ"الضحى" وهو نهار، جاء الليل بعد النهار في سورة "الضحى"، فأقسم الله بضحى النهار؛ فقال تعالى: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١- ٣] . ٢- بعد القسم أيضًا في سورة "الشمس"؛ فأقسم الله بها، وهي مصدر الضوء في النهار؛ فيأتي النهار متقدمًا على الليل، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا، وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: ١-٤] ، فبراعة الإعجاز في التصوير القرآني يقتضي المقام فيها، أن يتقدم النهار على الليل؛ ولذلك لم تدخل هذه الآية مع آيات تقدم الليل على النهار، واكتفيت بذكرها هنا؛ لأن النهار يدور مع الشمس والضحى، ثم القمر وهو نور أيضًا، ثم يأتي القسم بالنهار، يتلوه مباشرة القسم بالليل، لأن النهار والقمر والضحى كلها أنوار، تقابل الظلام الذي يسود الليل، في تصوير قرآني يجمع بين النسق والتلاؤم والتوازن وبديع خلق الله وصنعه.

стр. 134

٣- حين أقسم الله بـ "الفجر" وهو "نهار" فقال تعالى في سورة الفجر: ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: ١-٤] ، فتأمل التقابل بين الفجر وركعتي الفجر وهي شفع، وبين ليال والوتر الذي يكون في الليل. ٤- أثناء التصوير القرآني "للصلاة" يكون الحديث عنها ابتداء وعن النهار أولًا، لا عن الليل؛ لأن النهار يجمع بين أبعاده أربعة فروض: فرضين يتعاقبان في الطرف الأول من النهار "الصبح والظهر" وآخرين يتعاقبان في طرفه الأخير وهما: "العصر والمغرب"، بينما الليل يستقل بصلاة واحدة وهي صلاة "العشاء"؛ لذلك كانت روعة الإعجاز في تقديم طرفي النهار، وهما "النهار" على زلف من "الليل" قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٣] .

стр. 135

الإعجاز في خلق الليل والنهار: البديع في خلق الليل والنهار، يجعل العقل البشري يقف أمامه عاجزًا، فمهما تقدمت علومه، وظهرت وسائله، وتجاوزت مخترعاته الحدود المذهلة، فلا يستطيع أحد أن يزحزح الليل عن النهار، ولا النهار عن الليل، أو يعطل أحدهما لحساب الآخر، أو يجعل الدهر نهارًا كله أو ليلًا كله؛ فالخالق وحده القاهر فوق عباده، يسير الليل والنهار متعاقبين، آيتين من آياته العجيبة، ويصعب على العقل البشري أن يكشف الأسرار العجيبة في الخلق والحركة والتعاقب والدوام، فسبحان الله تعالى المبدع في خلقه!! وهو الخلاق العليم.

стр. 136

لذلك بُهت "النمروذ" الذي كفر، حين حاجه إبراهيم ﵇ فطلب منه أن يحول تعاقب الليل والنهار؛ فيقلب ويغيّر موازين الشروق والغروب فيأتي بالشمس من المغرب وقت الشروق أو النهار، ويأتي بها من المشرق آخر النهار؛ فأخرسته الحجة البالغة، وتجمد عقله أمام قدرة الخالق وحده "فأنى يؤفكون"، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ، هذا من حيث إبداع البديع في خلق الليل والنهار، أما من حيث "التصوير القرآني" فنتعرض له بعلامات وبإشارات تفتح الطريق أمام الكتاب والباحثين.

стр. 137

الإعجاز في التصوير القرآني لليل والنهار: أما من حيث النظم العجيب والإعجاز القرآني في التصوير؛ فالله البديع في خلق الليل والنهار، هو أيضًا البديع في نظمه وتصويره القرآني، وقفت دونه أساطين الفصاحة والبلاغة عاجزة مبهورة، حتى قال أحدهم وهو الوليد بن المغيرة: "فإنه يعلو ولا يعلى عليه"، تأمل كيف ينسلخ النهار عن الليل، فيسود الظلام في الكون شيئًا فشيئًا، وتغيب الشمس رويدًا رويدًا، حتى تختفي؛ فيسود الظلام؛ وذلك مثل كشط الجلد عن لحم الشاة شيئًا فشيئًا، حتى ينكشف اللحم كله، والشأن في الجلد -بالنسبة للحم الذي تحته- أن يكون مضيئًا، فهو كالنهار للناظر، كما أن الشأن في اللحم تحت الجلد أن يكون مظلمًا للرائي، فهو كالليل، جاء ذلك في تصوير قرآني معجز حين عبر

стр. 138

بالفعل المضارع الذي يدل على الاستمرار والتجدد شيئًا فشيئًا في قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس: ٣٧] ؛ فيتلاشى النهار عن الليل كما ينسلخ الجلد عن اللحم رويدًا رويدًا؛ فكلما انسحب جزء من النهار أظلم الكون قليلًا بمقدار هذا الجزء، وهكذا حتى يسود الليل، ويعم الظلام، ثم يتعاقب عليه بعد ذلك النهار، فتبدأ حركة الأرض مع الشمس فتظهر شيئًا فشيئًا، لتضيء وجهًا من وجوه الأرض، وهكذا حتى ينتشر النهار كله، ثم يعقبه الليل؛ ليظهر فيه القمر منيرًا؛ فيكتمل بذلك يوم محسوب في عدد السنين والحساب. هذا التفسير وأبلغ منه دون ما جاء في تصوير قرآني معجز بل دونه بكثير وكثير، قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ، وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٧-٤٠] ، وقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢] . وتقديم الليل على النهار دليل على أنه هو الأصل في الوجود، فيسود الظلام بصفة عامة، وعلى كوكب الأرض بصفة خاصة، ثم يأتي النهار تاليًا لليل، وهذا ما أثبته القرآن الكريم منذ خمسة عشر قرنًا، فيكون ذلك واضحًا وحقيقة في عصرنا الحديث، وسيكون أكثر وضوحًا

стр. 139

في المستقبل متجددًا خالدًا إلى قيام الساعة ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] . وكذلك الأمر في قضية تكوير الأرض؛ لتكور الليل على النهار، وتكور النهار على الليل، مما يدل على أن الأرض كروية الشكل؛ فالقرآن الكريم في تصويره لتكوير الليل على النهار، وتكوير النهار على الليل أثبت كروية الأرض للإنسان منذ خمسة عشر قرنًا، قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر: ٥] . وتأمل تصوير الليل متقدمًا على النهار في أكثر من خمسين مرة، تجده قد تنوع تنوعًا بديعًا ومعجزًا، فتارة يكون مع الجعل وتارة مع التسبيح أو الاختلاف أو التكوير، وهكذا مما سنقف معه بإشارات تفتح الطريق أمام الباحثين. تصوير الليل والنهار في آيات الجعل: صور القرآن الكريم الليل والنهار بـ"الجعل"، بمعنى أن الله صير الليل والنهار، وهيأهما لعباده ليتمتعوا بنعم الله بالليل، فيسكنوا فيه ويستريحوا ويتأملوا إلى غير هذا من النعم التي تتلاءم مع الليل، فتأتي متقدمة لتقدم الليل، وليتمتعوا أيضًا بنعم الله بالنهار فينتشروا في الأرض، ويبتغوا من فضل الله إلى غير هذا من النعم التي تتلاءم مع النهار؛ فتتأخر عن نعم الليل، لتأخر

стр. 140

النهار عن الليل، وذلك من خلال تقابل وتزاوج بينهما في نسق قرآني بديع، ثم تعجب أيضًا لهذا النسق القرآني بين السماوات والأرض في الآية، وبين الليل والنهار، فالأرض مضيئة لانعكاس ضوء الشمس على سطحها، فتتأخر عن السموات -وهي مظلمة بالنسبة لنا- لتتلاءم وتتوازن مع تأخر النهار، هذا التفسير وأبلغ منه مهما بلغ دون ما جاء في التصوير القرآني للجعل بكثير وكثير، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ، هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يونس: ٦٦، ٦٧] مرة واحدة. وهذه الآية الأولى في التصوير القرآني "للجعل" من آيات الليل والنهار، التي بلغت ثلاثة عشر موقعًا غالبًا من القرآن الكريم في هذه الدراسة، وهذه بقية المواقع: قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢] ، وجاء الجعل مرتين هنا، وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦] ، والشمس مقترنة بالنهار لذلك وقعت بعد الليل مرة واحدة، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان:

стр. 141

٤٧] ، مرة واحدة، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢٣] ، مرة واحدة، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٦] ، مرة واحدة، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ، وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧١-٧٣] ، ثلاث مرات، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر: ٦١] ، مرة واحدة، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا، وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١٠، ١١] ، مرة واحدة، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤] . تصوير الليل والنهار في آيات التسبيح: من أجل نعم الله تعالى على عباده تعاقب الليل والنهار بما يتناسب مع حاجة الجسد من الراحة والسكن، وحشد الطاقة وتجديدها في سكن

стр. 142

الليل والنوم فيه، وبما يتلاءم مع مطالب الحياة من كدٍّ وسعي وتحصيل، وتمتع الإنسان بما لذَّ وطاب من متاع الحياة الدنيا في النهار؛ لذلك وجب على الإنسان أن يشكر ربه؛ فيسبح الوهاب المنعم على عباده بهذه النعم بالليل والنهار، وينزِّه الله بالوحدة والتقديس؛ فهو وحده الجدير بالعبادة والتنزيه والحمد والثناء؛ فجاء التسبيح مع الليل والنهار سبع مرات في القرآن الكريم في هذا البحث. قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠] ، جاء التسبيح مع الليل والنهار هنا مرتين، فالتسبيح مرة، والأخرى آناء الليل، وأطراف النهار، وقال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] ، مرة واحدة، وقال تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] ، مرة واحدة. وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٣٩، ٤٠] ، فاقتران الليل مع النهار هنا جاء مرة واحدة، وهي التسبيح قبل طلوع الشمس، والمراد الليل، وقبل الغروب والمراد النهار، أما قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ فقد اتفقت جماعة الصحابة والتابعين على أن زمن التسبيح هنا في الليل من أوله إلى آخره حتى الفجر ﴿وَمِنَ اللَّيْل﴾ أي: في بعض أجزاء الليل: أوله أو وسطه أو

стр. 143

آخره، و ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ النوافل بعد المغرب أو الوتر بعد العشاء١، والتسبيح هنا في الليل أيضًا، وعلى ذلك فلم يجتمع الليل مع النهار في هذه الآية الثانية وإنما اقتصر على الليل، إلا إذا كان السجود كناية عن النهار لكثرة عدد فروضه في النهار، حيث يشتمل على الصبح والظهر والعصر والمغرب، بينما ينفرد الليل بصلاة العشاء فقط، وعلى ذلك فتدل الصورة القرآنية ﴿أَدْبَارَ السُّجُود﴾ على النهار، فيكون التصوير القرآني مع التسبيح مرتين. وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٨، ٤٩] ، مرة واحدة، أي من الليل فسبحه، أي أثناء الليل، وإدبار النجوم بعد الفجر، وظهور ضوء النهار، لتختفي النجوم وتولي دبرها. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٥، ٢٦] ، مرة واحدة، فالبكرة تصوير لليل، والأصيل تصوير للنهار، ثم جاء التسبيح في الليل وحده غير مقترن بالنهار في الآية الثانية، أما من جعل البكرة والأصيل لطرفي النهار يقابل الليل في الآية، فيكون النهار متقدمًا على الليل. تصوير الليل والنهار في آيات الاختلاف: ويظهر الإعجاز في التصوير القرآني لآيات اختلاف الليل والنهار في النسق القرآني البديع، فحينما تلتقي -في آية واحدة أو موقف واحد-

стр. 144

السماوات والأرض مع اختلاف الليل والنهار، نجد هذا التناسق القرآني في تقدم السماء لتتلاءم مع تقدم الليل، لأن السماوات بالنسبة لنا ظلمات، والليل ظلمات، وتتأخر الأرض بعد السماوات لتتلاءم مع تأخر النهار بعد الليل؛ لأن الأرض ينعكس عليها ضوء الشمس في النهار وضوء القمر في الليل، وعلى ذلك فالأرض مضاءة والنهار ضياء وهكذا جاء التصوير القرآن لاختلاف الليل والنهار ست مرات في هذه الدراسة، والاختلاف والخلفة بمعنى خلفه، أي جاء بعده، والمعنى أن يأتي أحدهما بعد الآخر، وهكذا يتعاقبان: أي يختلف أحدهما بعد الآخر. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ

стр. 145

وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٣-٥] . تصوير الليل والنهار في آيات الإيلاج: ولج أولج يولج بمعنى دخل وأدخل ويدخل؛ فيولج: أي يدخل الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل؛ فيصير ليلًا، أما الأولى فيصير نهارًا، وعلى ذلك فقد عددت آيات الإيلاج من الآيات التي تبدأ بذكر الليل أولًا وتقدمه من حيث اللفظ والظاهر، لا من حيث المضمون والشكل، كما في الآيات الأربع السابقة التي تقدم فيها ذكر النهار متقدمًا على الليل، وإن كان مختلفًا من حيث المعنى في آيات الإيلاج. فأما آية الإيلاج الأولى في تصوير الليل والنهار فهي في قوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٢٧] ، وتعجب كل العجب في نسقها القرآني؛ من خلال التصوير المعجز، وذلك في تلاحم التقابل والتزواج، فتصوير النهار أولًا في قوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ لأن النهار حياة ونشاط وعمل يتلاءم مع المتقدم وهو الحياة في الفقرة الأولى من الآية ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّت﴾ ، وكذلك في تصوير الليل ثانيًا في قوله تعالى: ﴿وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْل﴾ ، والليل سكون وصمت وموت، فيه الموتة الصغرى وهي "النوم"، وقد تتحول إلى الموتة الكبرى فيه، فتأخر تصوير الليل هنا عن النهار مع تصوير الموت، الذي وقع متأخرًا أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَي﴾ إنه البديع في التنسيق بين
следующие страницы →