← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23142

التصوير القرآني للقيم الخلقية والتشريعية

علي علي صبح

Полный текст (351 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٤٧] ، مرة واحدة، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢٣] ، مرة واحدة، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٦] ، مرة واحدة، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ، وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧١-٧٣] ، ثلاث مرات، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر: ٦١] ، مرة واحدة، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا، وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١٠، ١١] ، مرة واحدة، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤] . تصوير الليل والنهار في آيات التسبيح: من أجل نعم الله تعالى على عباده تعاقب الليل والنهار بما يتناسب مع حاجة الجسد من الراحة والسكن، وحشد الطاقة وتجديدها في سكن

стр. 142

الليل والنوم فيه، وبما يتلاءم مع مطالب الحياة من كدٍّ وسعي وتحصيل، وتمتع الإنسان بما لذَّ وطاب من متاع الحياة الدنيا في النهار؛ لذلك وجب على الإنسان أن يشكر ربه؛ فيسبح الوهاب المنعم على عباده بهذه النعم بالليل والنهار، وينزِّه الله بالوحدة والتقديس؛ فهو وحده الجدير بالعبادة والتنزيه والحمد والثناء؛ فجاء التسبيح مع الليل والنهار سبع مرات في القرآن الكريم في هذا البحث. قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠] ، جاء التسبيح مع الليل والنهار هنا مرتين، فالتسبيح مرة، والأخرى آناء الليل، وأطراف النهار، وقال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] ، مرة واحدة، وقال تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] ، مرة واحدة. وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٣٩، ٤٠] ، فاقتران الليل مع النهار هنا جاء مرة واحدة، وهي التسبيح قبل طلوع الشمس، والمراد الليل، وقبل الغروب والمراد النهار، أما قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ فقد اتفقت جماعة الصحابة والتابعين على أن زمن التسبيح هنا في الليل من أوله إلى آخره حتى الفجر ﴿وَمِنَ اللَّيْل﴾ أي: في بعض أجزاء الليل: أوله أو وسطه أو

стр. 143

آخره، و ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ النوافل بعد المغرب أو الوتر بعد العشاء١، والتسبيح هنا في الليل أيضًا، وعلى ذلك فلم يجتمع الليل مع النهار في هذه الآية الثانية وإنما اقتصر على الليل، إلا إذا كان السجود كناية عن النهار لكثرة عدد فروضه في النهار، حيث يشتمل على الصبح والظهر والعصر والمغرب، بينما ينفرد الليل بصلاة العشاء فقط، وعلى ذلك فتدل الصورة القرآنية ﴿أَدْبَارَ السُّجُود﴾ على النهار، فيكون التصوير القرآني مع التسبيح مرتين. وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٨، ٤٩] ، مرة واحدة، أي من الليل فسبحه، أي أثناء الليل، وإدبار النجوم بعد الفجر، وظهور ضوء النهار، لتختفي النجوم وتولي دبرها. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٥، ٢٦] ، مرة واحدة، فالبكرة تصوير لليل، والأصيل تصوير للنهار، ثم جاء التسبيح في الليل وحده غير مقترن بالنهار في الآية الثانية، أما من جعل البكرة والأصيل لطرفي النهار يقابل الليل في الآية، فيكون النهار متقدمًا على الليل. تصوير الليل والنهار في آيات الاختلاف: ويظهر الإعجاز في التصوير القرآني لآيات اختلاف الليل والنهار في النسق القرآني البديع، فحينما تلتقي -في آية واحدة أو موقف واحد-

стр. 144

السماوات والأرض مع اختلاف الليل والنهار، نجد هذا التناسق القرآني في تقدم السماء لتتلاءم مع تقدم الليل، لأن السماوات بالنسبة لنا ظلمات، والليل ظلمات، وتتأخر الأرض بعد السماوات لتتلاءم مع تأخر النهار بعد الليل؛ لأن الأرض ينعكس عليها ضوء الشمس في النهار وضوء القمر في الليل، وعلى ذلك فالأرض مضاءة والنهار ضياء وهكذا جاء التصوير القرآن لاختلاف الليل والنهار ست مرات في هذه الدراسة، والاختلاف والخلفة بمعنى خلفه، أي جاء بعده، والمعنى أن يأتي أحدهما بعد الآخر، وهكذا يتعاقبان: أي يختلف أحدهما بعد الآخر. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ

стр. 145

وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٣-٥] . تصوير الليل والنهار في آيات الإيلاج: ولج أولج يولج بمعنى دخل وأدخل ويدخل؛ فيولج: أي يدخل الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل؛ فيصير ليلًا، أما الأولى فيصير نهارًا، وعلى ذلك فقد عددت آيات الإيلاج من الآيات التي تبدأ بذكر الليل أولًا وتقدمه من حيث اللفظ والظاهر، لا من حيث المضمون والشكل، كما في الآيات الأربع السابقة التي تقدم فيها ذكر النهار متقدمًا على الليل، وإن كان مختلفًا من حيث المعنى في آيات الإيلاج. فأما آية الإيلاج الأولى في تصوير الليل والنهار فهي في قوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٢٧] ، وتعجب كل العجب في نسقها القرآني؛ من خلال التصوير المعجز، وذلك في تلاحم التقابل والتزواج، فتصوير النهار أولًا في قوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ لأن النهار حياة ونشاط وعمل يتلاءم مع المتقدم وهو الحياة في الفقرة الأولى من الآية ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّت﴾ ، وكذلك في تصوير الليل ثانيًا في قوله تعالى: ﴿وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْل﴾ ، والليل سكون وصمت وموت، فيه الموتة الصغرى وهي "النوم"، وقد تتحول إلى الموتة الكبرى فيه، فتأخر تصوير الليل هنا عن النهار مع تصوير الموت، الذي وقع متأخرًا أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَي﴾ إنه البديع في التنسيق بين

стр. 146

المعاني والمشاهد في جلال التصوير القرآني المعجز. وأما الآية الثانية فهي في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٩] . ويظهر الإعجاز هنا أيضًا في التصوير القرآني للإيلاج، فيولج الليل في النهار ليعم الضياء، وتخرج الشمس من خدرها، ويبتغي الناس من فضل الله ، ويسعى الخلق إلى معاشهم وأعمالهم، ويولج النهار في الليل، ليعم الظلام ويتألق القمر والنجوم، ويسكن الناس، ويستريحوا من جهاد العمل والكسب، نجد هذه المعاني وأكثر منها في التصوير القرآني لإيلاج الليل في النهار، ليكون ليلًا، بعد تصوير النهار، ليتلاءم مع القمر، الذي ورد متأخرًا عن الشمس، لأن القمر يتألق في الليل مع النجوم، الذي ورد متأخرًا عن الشمس، لأن القمر يتألق في الليل مع النجوم، هذه المعاني والمشاهد قطرة من بحر التصوير القرآني المعجز في كل مشهد ولكل معنى، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤١] ، وقال : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] . وأما الآية الثالثة في تصوير الإيلاج فهي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٦١] .

стр. 147

وأما الرابعة فهي قوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣] ، فالتنسيق القرآني في التصوير المعجز لهذه الآية على نحو ما جاء في الآية السابقة، فتقدمت الشمس لتقدم تصوير النهار، وتأخر القمر لتأخر تصوير الليل في تلاؤم وتوازن وإتساق: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٢، ١٩٣] . وأما الخامسة فهي قوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ، يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الحديد: ٥، ٦] ، معنى الإيلاج هو أن يحل مكان الليل في مكان النهار فيصير ليلًا على وجه الأرض غير المقابل للشمس، وأن يحل مكان النهار في مكان الليل فيصير نهارًا على وجه الأرض المقابل للشمس، وذلك على سبيل الحركة والتبادل بين الليل والنهار، والتعاقب فيهما في تغيير وتجدد واستمرار، وهو ما يدل عليه الفعلان المضارعان "يولج" ويؤدي ذلك إلى نتيجتين، النتيجة الأولى، كروية الأرض فليست سطحًا واحدًا بل لها وجهان متكوران، يتعاقب عليها الليل والنهار على سبيل التبادل والتغيير، والنتيجة الثانية: هي حركة الأرض حول محورها مقابل الشمس، لأن التبادل والتعاقب لحلول الليل مكان النهار والعكس يدل على الحركة المغزلية. تصوير الليل والنهار في آيات القسم: عظائم الأمور، وجلائل النعم تنال من العناية والتقدير منزلة عالية

стр. 148

تسمو إلى درجة القسم بها، فإذا ما أقسم الخالق بها أزدادت منزلة ورفعة، للدلالة على عظم خلقها، وعميم نفعها وفضلها، لهذا أقسم الله بالليل والنهار في القرآن الكريم أربع مرات في هذا البحث. قال تعالى: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ، وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ، وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٢-٣٤] ، تقدم الليل على الصبح والنهار، لتجاوره مع القمر، الذي تصدر به القسم، والقمر كوكب ليلي يظهر في الظلام أكثر منه في النهار. وقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوَارِ الْكُنَّسِ، وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ، وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٥-٢١] ، تقديم تصوير الليل على الصبح لتجاوره مع النجوم الخنس والجواري السيارة السبعة، وهذه كلها تخنس أي: "تغيب" وتكنس أي: "تختفي" في النهار، وتظهر في الظلام والليل، فهي كواكب ليلية، تتلاءم مع الليل في تجاورها له. وقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ، وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ، وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ، لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٦-١٩] ، وهنا تقدم الشفق على الليل، لأنه أول الليل حيث يظهر بعد الغروب وقبيل العشاء، ثم كان القسم الثالث بالقمر؛ لأنه يبدو أكثر ظهورًا وتألقًا بالليل منه في وقت الشفق، وقال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: ١، ٢] .

стр. 149

تصوير الليل والنهار في آيات الإغشاء: غشى غشيًا وغشيانًا، وأغشى إغشاء، وغشى تغشية، كلها بمعنى غطاه وستره تغطية وستره، وحل محله، فأغشى الليل والنهار، أي غطاه وستره فيعم الظلام ويسود الليل، وأغشى النهار الليل بمعنى غطاه وستره، فينتشر الضياء، ويسيطر النهار على الكون، وجاء الإغشاء في تصوير الليل والنهار مرتين في هذه الدراسة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] ، فالإعجاز في التصوير القرآني يظهر في كل مرة حسب القراءات، فالقراءة المشهورة: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ -بضم الياء وكسر الشين غير المشددة، ونصب الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات-، بمعنى يغطي الليل النهار ويستره ويطلبه حثيثًا، كما يطلب الشمس والقمر والنجوم حالة كونها مسخرات بأمره؛ وإن كان البعض قد نصب الشمس وما بعدها بالفعل "خلق" عطفًا على السماوات والأرض، وإن طال العطف هنا وفصل بقول تعالى: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ . وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتشديد الشين ورفع النهار ونصب اللليل، والمعنى: يستر النهار الليل ويغطيه، فيضيء الدنيا ويسيطر النهار على الكون، ومن هنا كان حسن التلاؤم وروعة الاتساق حين تجاورت

стр. 150

الشمس مع النهار متقدمة على ما بعدها، ويؤيد هذا التصوير البديع قراءة رفع الشمس وما بعدها على الاستئناف، فهي مصدر النور في النهار، ويؤيد هذا التصوير المعجز أيضًا قراءة حميد بن قيس: "يغشي الليل النهار" بفتح الياء والشين غير المشددة ونصب الليل ورفع النهار١، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ، لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧- ٨١] . قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ، وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٢، ٣] فالتصوير القرآني هنا بالفعل المضارع "يغشي" يدل على حقائق: الأولى: أن تقديم الليل على النهار يجعل الظلام هو الأصل، وأن الضوء يحدث نتيجة حركة الأرض في مواجهة الشمس، والثانية: معنى يغشى: يغطي، ودلالته محسوسة، وعلى ذلك فالمراد بالليل: الظلام، وهو زمن، وبالنهار: الضياء، وهو زمن أيضًا، والمعنى يغطي الله بظلمه الليل مكان النهار على الأرض فيحدث زمن الليل، ويغطي الله بنور النهارمكان الليل على الأرض فيحدث زمن النهار، الثالثة: دلالة صيغة المضارعة على التكرار المعكوس لدلالته على التجدد والتغيير والاستمرار

стр. 151

فيهما والتعاقب، وهذا هو الإعجاز في التصوير القرآني، فلا يصح أن يقال: يغشي الليل النهار، ويغشي النهار الليل، لأن الغشيان بمعنى التغطية إن تلاءم مع الليل، فلا يتلاءم مع النهار، لأنه تجلية ونور وضياء لا تغطية وقتام وظلام. وتأمل كيف تقدمت السماوات بما فيها من آيات الله على الأرض بما عليها من نعم وآلاء، ليتسق ذلك ويتلاءم مع تقدم الليل على النهار كما تقدمت السماوات على الأرض، وقد ظهر فيها روعة الإعجاز في التصوير القرآني على نحو ما أشرنا إليه قبل ذلك. تصوير الليل والنهار في آيات التسخير: سخر الله الليل والنهار لعباده بمعنى ذللهما وهيأهما لهم، وجعل كلا منهما يلبي حاجات البشر، ويستجيب لرغباته وطبيعته البشرية، التي تحتاج إلى كل منهما، وجاء التسخير هنا مرتين، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [إبراهيم: ٣٣] ، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢] . ومن روعة الإعجاز في التصوير القرآني في مجال ذكر النعم التي سخرها الله تعالى لعباده؛ لينتفعوا بها، مع تأتي النعمة الأكثر نفعًا والأعظم فضلًا للعباد متقدمة على ما دونها في النفع والفضل؛ لذلك تقدمت الشمس على القمر، لأن نعمة الشمس أكثر نفعًا وأعم فضلًا من نعمة القمر، ويؤيد هذا اتساق الآيات بعضها مع بعض، وتلاؤم ما

стр. 152

بعدها وما قبلها في ترابط وتلاحم وثيق؛ فالآية الأولى في سورة إبراهيم جاء قبلها قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾ [إبراهيم: ٣٢] ، وجاء بعدها قوله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] ، والآية الثانية في سورة النحل جاءت قبلها آيات تجمع كثيرًا من النعم من أول قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ١، وجاءت بعدها آيات تجمع كثيرًا من النعم تنتهي بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. تصوير الليل والنهار في آية الصيام: قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧] ، فتقدمت ليلة الصيام عن ظهور الخيط الأبيض مع الخيط

стр. 153

الأسود من الفجر، والمراد به هو النهار. تصوير الليل والنهار مع الإنفاق: قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤] ، وانظر إلى تقدم السر لتقدم الليل، وتأخر العلانية لتأخر النهار. تصوير الليل والنهار مع الخفاء والظهور: قال تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠] ، فما أروع النسق القرآني بين الغيب ومستخف من النهار والليل، وبين الشهادة وسارب وهو أكثر ظهورًا من الخفاء كالسراب والنهار في الآية السابقة: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩] . تصوير الليل والنهار مع الخلق: قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] ، خلق الليل والنهار على الأرض، وخلق الشمس والقمر وجعلها جميعًا تسبح في الفضاء، وتدور الأرض حول محورها وحول الشمس، ويدور القمر حول الأرض، وتدور الشمس حول مركز المجرة، روى ابن كثير عن عبد الله بن عباس ﵁ قال: "يدورون كما يدور المغزل في الفلكة"، ومن العجيب أن ابن عباس عبر بالجمع كالجمع في يسبحون ليضم الأرض إلى الشمس والقمر، لأن الليل والنهار في الآية كناية عن الأرض، فذكر الليل والنهار يستلزم الأرض، ولم يلحظ ذلك مجاهد حين عقب على رأي

стр. 154

ابن عباس فلم يذكر الأرض، فقال: لا يدور المغزل إلا بالفلكة، ولا الفلكة إلا بالمغزل، كذلك النجوم والشمس والقمر١. تصوير الليل والنهار مع السكن: قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١٢، ١٣] ، فما أروع التناسق في التصوير القرآني في تقدم السماوات والأرض مع تقدم الليل على النهار على نحو ما ذكرناه من قبل؟ وتقدم السميع على العليم، لأن السمع بالليل أدق وأقوى، وتحصيل العلم وتعليمه للناس يتصل بالنهار أكثر من الليل، تناسق وتلاحم بين عناصر التصوير القرآني المعجز. تصوير الليل والنهار مع التوفي: قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٦٠] . تصوير الليل والنهار مع الكلأ وهو الحفظ: قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٢] .

стр. 155

تصوير الليل والنهار مع التقليب: قال تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٤] . تصوير الليل والنهار مع النوم: قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ، وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم: ٢٢، ٢٣] . تصوير الليل والنهار مع السير: قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ: ١٨] ، وغالبًا إذا ما أطلق اليوم يراد به النهار، وخاصة في مقابلة الليل هنا. تصوير الليل والنهار مع المكر: قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٣٣] .

стр. 156

تصوير الليل والنهار للسلخ: قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس: ٣٧] . تصوير الليل والنهار للسبق: قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٠] . تصوير الليل والنهار للسجود: قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] . تصوير الليل والنهار مع القيام والتهجد: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا، إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا، إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا، وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ١-٨] . تصوير الليل والنهار مع الإغطاش: قال تعالى: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا، وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٩، ٣٠] .

стр. 157

تصوير الليل والنهار مع التقدير: قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] . تصوير الليل والنهار مع التكوير: قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر: ٥] ، والتصوير القرآني لتكوير الليل على النهار، وتكوير النهار على الليل، يدل على استدارة الأرض وكرويتها، وأنها تتحرك حول محورها؛ لأن معنى التكوير اللف والنشر في استدارة لا تسطيحًا، كما قال: كار الرجل العمامة على رأسه أي لفها في استدارة، ونشرها حول رأسه، ومعنى التكوير أن الله يلف الأرض الكروية حول محورها أمام الشمس، التي تنير نصفها المواجه لها نهارًا، ويكون النصف الآخر غير المواجه لها ليلًا، وبذلك يتكور الليل والنهار فيحدثان في وقت واحد مصداقًا لقوله تعالى: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ ، ومعنى "أو" الإباحة، أي أنهما موجودان حول الأرض في وقت واحد، لذلك جاء لفظ التكوير مرتين بصيغة الفعل المضارع الذي يدل على التتابع في جهتين مختلفتين والاستمرار والتجدد كل يوم. إنه التصوير القرآني المعجز لليل والنهار، أنزله البديع الحق بالحق، لأنه الحقيقة والحق، حينما يدركه الذين أوتوا العلم فليؤمنوا به يخرون

стр. 158

للأذقان سجدًا ويقولون متعجبين مبهورين من إعجازه وبديع تصويره: "سبحان ربنا"، قال تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا، قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا، وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا، وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٥- ١٠٩] . تعاقب الليل والنهار: قال الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس: ٣٧] ، فالإعجاز في التصوير القرآني في هذه الآية الكريمة يبهر العقول، ويحير الأفئدة، فالتنكير في "آية" يدل على تعظيم الليل والنهار، وفي مضمونها العجيب، فالإبداع في خلق الليل والنهار وتعاقبهما في حركة متوازنة ومستمرة لا تتخلف، وتسخيرها للعوالم والمخلوقات من أعجب العجائب، تلك هي الصورة القرآنية الأولى، وأما الثانية في قوله تعالى: ﴿اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَار﴾ فهي صورة قرآنية بلغت حد الإعجاز في المعنى والمضمون وفي النظم القرآني، وفي الخيال القائم على التشبيه، وفي تقديم الليل عن النهار، فأما من حيث المعنى والمضمون، فلا يستطيع أحد أن يسير الليل والنهار متعاقبين إلى ما شاء وجل، فالليل والنهار آيتان من آيات الله العجيبة، التي اعتادها الإنسان، ولا يدري الأسرار الخفية في خلقهما وحركتهما

стр. 159

وتعاقبهما، سبحان الله الخالق الذي أحسن خلقه وأبدعه، وأما من حيث النظم القرآني المعجز في تصويره كيفية سلخ النهار عن الليل، فتغرب الشمس وتختفي أنوارها ويسود الظلام في الكون كله، وكيفية سلخ النهار تعتمد على انسحابه رويدًا رويدًا، فينخلع شيئًا فشيئًا، فكلما انسحب منه جزء أظلم الكون بمقدار هذا الجزء المنسحب، فيظهر فيه الليل، ليبدّد جزءًا من النهار، وفي هذا يصور حركة الأرض حول الشمس وحركة الأرض حول مدارها، فكلما اختفى جزء من ضوء الشمس يؤدي إلى ظلام جانب من الأرض بينما تضيء بقية الجوانب الأخرى، وهكذا حتى يختفي قرص الشمس كله، فيعم ظلام الليل، وأما من حيث الخيال القاسم على التشبيه الذي يقرر الحقيقة العلمية السابقة، فقد شبه هذا التعاقب الحثيث البطيء بعملية واقعية حقيقية، يتعامل معها الإنسان حين يقوم بسلخ جلد الحيوان عن لحم جسده شيئًا فشيئًا ليجسم بعض أسرار التعاقب في صورة محسة مألوفة تتمكن من النفس أيما تمكن، فيشكر الله على الانتفاع بنعمتي التعاقب والطعام معًا، وأما من حيث تقديم الليل على النهار لإقامة الدليل على أن الأصل هو سيادة الظلام على كوكب الأرض لعدم وجود ذرات كافية في الفضاء، ثم يأتي النهار تاليًا له، فقد أثبته القرآن الكريم ذلك منذ خمسة عشر قرنًا، قبل أن يقرّره العلماء؛ فجاءت أكثر من خمسين آية تقدم فيها الليل على النهار، إلا في أربع آيات تقدم فيها النهار على الليل لغرض بلاغي، ومن الكثير الغالب قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ، ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ، وغيرها، ومن القليل قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا، وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ لمجاورة النهار

стр. 160

للقمر والشمس والتلاؤم معهما. المشرقان والمغربان: قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ، فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٧، ١٨] ، اقتضت البلاغة عند العرب أن يعبروا عن المتقابلين بتثنية أحدهما على سبيل التغليب والاكتفاء بواحد عن الاخر للدلالة عليه، فقالوا القمران لا الشمسان للشمس والقمر، والأسودان للتمر والماء. وهكذا، ويعدُّ ذلك من بلاغة الإيجاز؛ فعارضهم القرآن الكريم على نحو بلاغة أسلوبهم، فجاء بالإعجاز الرباني في تصويره القرآني في هذه الآية الكريمة؛ فعجزوا عن مجاراتها لأنهم لم يفطنوا إلى الحقيقة العلمية، التي تتجدد مع الزمان والمكان، فئقد انتهى العلماء في العصر الحديث إلى أن الأرض تدور حول محورها وحول الشمس، وأن الشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم، وأن هناك عوالم أخرى اكتشفت حديثًا تقابل العوالم القديمة على سطح الأرض الكروي وهي الأمريكتان واستراليا، وقد صور القرآن الكريم هذه الحقائق العلمية منذ خمسة عشر قرنًا، لكن العرب قديمًا لم يفطنوا إليها ولم يستطيعوا تفسيرها حتى يقفوا على حقيقة المشرقين والمغربين، لأن الشروق عندهم في جهة واحدة وهي الشرق، وكذلك الغروب في جهة الغرب، وقد ظهر لنا حديثًا أن العوالم لم يكن لها مشرق واحد بل مشرقان، وكذلك لها مغربان، بل للعوالم مشارق ومغارب لأن كروية الأرض تجعل بعض العوالم في قارات آسيا وإفريقيا وأوربا تشرق عليها الشمس جميعًا في وقت واحد تقريبًا وهو جهة الشرق، ويطلق عليها "مشرقًا" وهي نفسها تسمى

стр. 161

"مغربًا" في الجهة المقابلة لها من الأرض عند عوالم الأمريكتين واستراليا تقريبًا، وحينما تشرق الشمس على الأمريكتين واستراليا تسمى هذه الجهة عندهم "مشرقًا"، وهي نفسها تسمى "مغربًا" في الجهة المقابلة لها من الأرض عند عوالم آسيا وإفريقيا وأوربا، لذلك فهم العرب هذه الآية على سبيل التغليب كالقمرين، ولم يستطيعوا تفسيرها على النحو العلمي الحديث، لأنهم كانوا يعتقدون بمشرق واحد ومغرب واحد، بل إن القرآن الكريم أعطى حقيقة علمية أخرى في قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ [المعارج: ٤٠] ، ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات: ٥] ، ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧] ، على اعتبار تنوع الأقاليم والدول وما أكثرها في جهتي الأرض، فأصبحت لكثير من الدول مشارق في جهة من الأرض ولكثير من الدول في الجهة المقابلة من الأرض مغارب، بل إن لكل دولة مشارق ومغارب، لأن زمن الشروق والغروب وزواياهما تختلف في كل يوم من أيام السنة يتراوح ما بين دقيقة فأكثر، لذلك يصير للدولة الواحدة مشارق ومغارب تختلف حسب الأيام والفصول والسنوات، وهذا لا يتم إلا بسبب دوران الأرض حول محورها مرة كل يوم، وحول الشمس مرة كل عام، لأن دوران الأرض وكرويتها، تجعل لكل دولة مشارق ومغارب، ولا يتأتى ذلك إذا كانت الأرض مسطحة، فلو كانت مسطحة لا بد لها من مشرق واحد، ومغرب واحد. وفي جميع الأحوال السابقة أعطى التصوير القرآني لكل جيل وعصر تفسيرًا علميًّا يتلقاه العقل بالقبول والإقناع والإيمان، ولا يتعارض

стр. 162

مع حقائق الكون، بل يستجيب لحقائق العلم في كل عصر، ولا يتعارض معها مطلقًا، ويعطي لكل عقل حاجته ليزداد صاحبه إيمانًا على إيمانه، فالتصوير القرآني متجدد دائمًا مع الأجيال والعصور والتقدم العلمي والفكري والحضاري والإنساني، وهذا هو الإعجاز في كتاب الله الخالد: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . دوران الشمس والقمر: قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يس: ٣٨-٤٠] ، يظهر الإعجاز القرآني لحركة الشمس وتسابق القمر معها في إيقاع الحروف وموسيقى الكلمات، وحيوية التشخيص؛ فأما الموسيقى التصويرية لحركة الشمس البطيئة في قوله تعالى: ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ في مقابلة حركة القمر السريعة في قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ ؛ فقد انتهى العلماء حديثًا بأن الشمس تدور في مجرّتها حول محروها، وتجري في فلكها المستقر لها، فلا ينبغي لها أن تدرك القمر في سباقه، فجري الشمس دون سرعة القمر حول الأرض، التي تصل إلى درجة السباق، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَار﴾ ، فالشمس والقمر والأرض كل له فلكه، وإن كانت جري الشمس دونهما، ويتضح ذلك من الموسيقى القرآنية لحركة الشمس البطيئة الصادرة من الشدَّتين في "الشمس، ومستقر لها" مع حرفي اللين في "تجري-ولها"، كما ترى السباق السريع للقمر والأرض الصادر من الإيقاع السريع في قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ

стр. 163

كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ ، فهو دون جري الشمس في عدد الشدات، مما يمنحها سرعة أكثر، مع أنهم يسبحون بقدرته الخارقة: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ، وأما الصورة القرآنية المستمدة من الخيال لتقرير حقائق علمية سبق إليها القرآن قبل أن يصل إلى بعضها العلم الحديث، وذلك من خلال التشخيص الحي للكواكب الثلاث، فالشمس تجري كالإنسان لها إرادتها وعقلها، الذي يقيد السرعة مقدرة في إطارها ومستقرها وفلكها، لذلك انتهت الصورة القرآنية بهذا التذييل البديع من التقدير للعزيز العليم: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ، وأما التشخيص لحركة القمر والأرض معًا؛ فهو يعطي حركة أسرع من حركة الشمس حتى تصل إلى درجة السباق فلا تستطيع الشمس أن تدركهما؛ فكأن للقمر والأرض عقلًا وإرادة يقومان بتحديد أبعاد الحركة والسباق كما يظهر في قوله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ ، وصورة الليل سابق النهار كناية عن حركة الأرض وسرعتها، ثم تأمل روعة التشخيص والتشبيه في قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ ، فالتعبير بالفعل "عاد" هلالًا كالعرجون كما كان في أول الشهر هلالًا أيضًا، وبتشخيص القمر في رحلته الشهرية حين يبدؤها هلالًا حتى يتكامل بدرًا، ثم يعود هلالًا كما بدأ، وما أروع تشبيه الهلال الذي تقادم عليه العهد مثل العرجون الذي قضى مدة حتى جفَّ وتقوَّس، كما توحي الصورة بمعانٍ أخرى وهي أن العرجون شيء تافه لا يلتفت إليه كالهلال تراه ضالًا في السماء، لا تتعلق به الأبصار، وأن كلًّا منهما موضع العناية؛ فالعرجون حامل الثمر والنفع، والهلال يرسل النور ويهدي الضال ليلًا، وأما دلالة التصوير المعجز على كروية الأرض وحركتها حول محورها في شهر، وحول الشمس في سنة، وكذلك

стр. 164

حركة القمر حول الأرض، وجري الشمس في فلكها، ودلالتها على التسبيح والسجود الذي خلقها سبحانه كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨] ، وفي قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] ، فحركة هذه الأفلاك تشبه حركة المصلي في تسبيحه وسجوده لله تعالى، ولا فرق بينهما، فما من مخلوق في السماوات والأرض إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم، وقد فسر النبي ﷺ سجود الشمس وتسبيحها لله فيما رواه مسلم عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أتدرون أين تذهب الشمس؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخرّ ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت؛ فترجع طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئًا، حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش؛ فيقال لها: ارتفعي اصبحي طالعة من مغربك؛ فتصبح طالعة من مغربها، أتدرون متى ذلك؟ ذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا". يقول الدكتور أحمد شوقي إبراهيم: الحديث الشريف يصور اندفاع الشمس في فلكها الحلزوني الذي اكتشف حديثًا جدًّا، وهي ترتفع وتجري ثم ترتفع وتجري، ومعنى لا يستنكر الناس منها هذه الحركة؛ لأنهم لا يشعرون بحركتها لتحرك الأرض تحتهم حول نفسها

стр. 165

وحول الشمس، فيصعدون معها حين تصعد، ويهبطون معها أينما هبطت؛ لذلك لا يستنكرون حركة الشمس، لكونهم يتحركون معها، ومعنى سجود الشمس تحت العرش، أن ملكوت السماوات والأرض في جوف ملكوت الكرسي، كما في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وملكوت الكرسي في جوف ملكوت العرش، كما في الحديث الشريف الذي رواه أنس ﵁: "الكرسي في جوف العرش"، إذن فالسماوات والأرضين كرة داخل كرة أكبر منها هي ملكوت الكرسي، وهذه كرة داخل كرة أخرى هو ملكوت العرش. وعلى ذلك فالسماوات والأرضون تحت الكرسي، والكرسي تحت العرش، ولما كان كل ما في السماوات والأرض يسجد لله تعالى، فإنما يسجدون له تحت العرش، فالشمس أينما كانت تسجد تحت العرش، والناس جميعًا على الأرض يسجدون تحت العرش، فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم. ومعنى تطلع الشمس من مغربها أن العلماء اكتشفوا أن الكون يتسع الآن، وسيظل يتسع إلى أن يأتي زمن يتوقف فيه عن الاتساع، ويبدأ في الانكماش تدريجيًّا، حينئذ تنعكس حركات كل الكواكب والنجوم فتشرق الشمس من المغرب، وتغرب في الشرق، يحدث ذلك قبيل انفجار الكون وقيام الساعة، وهذا هو معنى قوله ﷺ : "فتصبح الشمس طالعة من مغربها، ثم قال: أتدرون متى ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذاك حين لا ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا".

стр. 166

الفصل الثالث: التصوير القرآني للصوم والصيام بين الصوم والصيام في القرآن والسنة الشريفة معنى الصوم والصيام في اللغة ... الفصل الثالث: التصوير القرآني للصوم والصيام بين الصوم والصيام في القرآن الكريم والسنة الشريفة ١: تمهيد: قبل عرض الموضوع لا بد من تحديد مساره وأبعاده: من حيث شكل "الصوم والصيام"، وبناؤه اللفظي واشتقاقه اللغوي، ومن حيث المضمون والمحتوى "أي: معناه"، وأطواره ونموه وروافده، وهما معًا متلازمان لا نستطيع أن نتحدث عن أحدهما دون الآخر؛ فلا لفظ بغير مضمون، ولا مضمون بغير وعاء لفظي؛ لذلك كان من الضروري الحديث عن اشتقاق اللفظ وقيمه اللغوية والفنية، وعن مضمون اللفظ وقيمة الخلقية التي تتصل بمعناه، أما أحكام الصيام فهذا موضوع آخر لا صلة له بموضوعنا. معنى الصوم والصيام في اللغة: الصوم والصيام مصدران فعلهما صام، وأصله صوم على وزن فعل، ومعناه ترك الطعام والشراب والنكاح والكلام، يقال: قوم صُوَّام وصيام وصُوَّم وصِيَّم، كما يقال: رجل صوْم، وامرأة صوم ورجلان صوم، ورجال صوم. فلا يُثنى ولا يُجمع، لأنه نعت بالمصدر والتقدير، أي: ذا صوم وذات صوم وذو صوم. وصامت الريح: ركدت، وصامت الشمس: استوت في كبد السماء، وصام النهار: اعتدل وقام قائم الظهيرة، قال امرؤ القيس:

стр. 167

ذَمُولٌ إذا صام النهار وهجرًا١ والصائم من الخيل: الساكن الذي لا يطعم، قال النابغة: خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللُّجمَا وصام الفرس: وقف، ومصامه: موقفه، قال امرؤ القيس. كأن الثُّرَيَّا علقت في مصامها وصام الرجل: تظلل بالصوم وهو شجر على شكل شخص الإنسان ليس له ورق ولاتنتشر أفنانه. والألفاظ التي تشترك مع الصوم في أغلب الحروف تلتقي معه في المعنى، فالصمت: طول السكوت، والصَّرْم والصرم: القطيعة والهجر، والصرم جمع صرماء، وهي الفلاة التي لا ماء فيها، والصَّلم: قطع الأذن أو الأنف من أصلها، والسوم: تجشم المشقة، وسامت الماشية: رعت السوم، وفيه مشقة الرعي، والجميع فيه معنى الإمساك والقطع والترك.

стр. 168

الصوم والصيام في اصطلاح الشريعة الإسلامية: هو الإمساك عن الطعام والشراب والنكاح، وعن الشهوات والملذَّات، وعن المحرمات والمكروهات، وغيرها ممن تجتمع فيه شروط وجوب الصوم، من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، فالإمساك عن الشهوات والمحرمات والمكروه كالإمساك عن الطعام والشراب والنكاح في تمام الصيام، وفي أيام معدودات من أيام السنة، وهي في شهر رمضان، وذلك من المسلم العاقل القادر على الصيام غير ذات الحيض والنفاس، وغيرها من أحكام الصيام التي تكفَّل بتوضيحها فقه الشريعة الإسلامية.

стр. 169

الفرق بين المعنى اللغوي والاصطلاح الإسلامي: من خلال التناظر بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي الشرعي، نجد أنهما يشتركان في ترك الشيء، والإمساك، لنؤكد بأن المصطلح الشرعي يعتمد على المعنى اللغوي، ثم ينطلق منه معنى جديدًا، ويضيف إلى وعائه مضمونًا، لم يكن موجودًا في معناه اللغوي الأصلي عند العرب، يستمد روافده من الشريعة الإسلامية. لذلك نجد أن لفظ الصيام قد اكتسب مضمونًا جديدًا لم يكن له في الجاهلية، فصار بمضمونه الإسلامي لفظًا جديدًا من الألفاظ التي تطورت وتهذبت في ظل الشريعة الإسلامية، مثل: الإيمان والإحسان والصلاة والزكاة وغيرها.

стр. 170

مبنى الصوم والصيام: صام، أي صَوْم على وزن فعل، وهو فعل لازم أجوف معتلّ الواو، مصدره على وزن فعل "صام صومًا"، مثل: قال قولًا، إلا أن "قال" فعل متعدّ، وقد يكون مصدر صام على وزن فِعَال، صام صيامًا، مثل قام قيامًا، ولم يرد فيه قام قومًا، مثل صوم. لكن القياس في المصدر الذي يأتي على وزن فعال أن يكون فعله على وزن فاعل، مثل ضارب ضرابًا وقاتل قتالًا، وهذا الفعل ومصدره

стр. 171

يدلَّان معًا على المشاركة والمفاعلة والمجاهدة والمقاومة والتصدِّي والتحدِّي، وغيرها من المعاني التي تتولَّد من المفاعلة، وتتأتَّى من جوانب مختلفة لا من جانب واحد. وجاء أحد مصدري "صام" على صيغة الفعال والمفاعلة وهو: "صيام" دون "صوم"؛ ليدل على معاني المفاعلة؛ فلفظ الصيام قد احتوى المعاني العامة السابقة بل وأكثر؛ ليستمدَّ مضمونه من روافد التشريع الإسلامي لفريضة الصيام، ولا توجد معاني المفاعلة في مصدر الصوم، وهو المصدر الآخر للفعل صام. لهذا كان الإعجاز في القرآن الكريم حين صور هذا الركن من الأركان الخمسة، التي بنى عليها الإسلام، وهو صيام رمضان صوره بمصدر "الصيام"، لا بمصدر "ألصوم"؛ ليتسع بمضمونه الحيوي لمعاني المفاعلة والمشاركة والمجاهدة وغيرها؛ فيكون بذلك خير وعاء لغوي للبناء الأخلاقي والبناء الجسدي، وهما الغاية السامية التي يهدف إليها التشريع الإسلامي من فريضة الصيام. فالتصوير القرآني لهذه الفريضة في شهر رمضان بالصيام، وما يتبعها من فرائض وواجبات، مثل صيام الكفارات هو الإعجاز، الذي تحدَّى به العرب في لغتهم، ليكون البشر دونه بكثير مهما بلغ الدرجة العليا فيما بينهم، فقد انعقد الإجماع قديمًا وحديثًا على أن أفصح العرب بلاغة وقولًا هو رسول الله ﷺ ، فانقادت له طوعًا جوامع الكلم في حديثه النبوي الشريف؛ لكنه مع الدرجة العليا من البلاغة دون القرآن الكريم، لأن القرآن الكريم دائمًا يتفرَّد بالإعجاز.

стр. 172

فالنبي ﷺ كان يعبِّر عن هذه الفريضة بالصوم، فقال: ١- "بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام" متفق عليه. ٢- "كل عمل ابن آدم له يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" رواه مسلم. ٣- وفي رواية أخرى: "إلا الصوم وأنا أجزي به، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" متفق عليه. ٤- "الصوم جنة وحصن حصين من النار" رواه أحمد. تعبير النبي ﷺ عن هذه الفريضة بالصيام: ١- عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة غُرَفًا يرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها، قالوا لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن طيب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام" رواه أحمد والبيهقي وغيرهما. ٢- "الصيام جنة أحدكم من النار كجنته من القتال" رواه أحمد. ٣- "من لم يبيّت الصيام قبل الفجر فلا صيام له" رواه الخمسة. ٤- عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يبشر أصحابه فيقول: "قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، فيه تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم" رواه أحمد والنسائي.

стр. 173

٥- عن سلمان الفارسي ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ في آخر يوم من شعبان فقال: "يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة القدر خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعًا"، وهو حديث طويل في أخلاق الصيام نتعرض له فيما بعد، رواه ابن خزيمة والبيهقي وغيرهما. ٦- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم..". ٧- "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة: يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان" رواه أحمد والطبراني. ٨- "ليس الصيام من الأكل والشرب، وإنما الصيام من اللغو والرفث، وإن سابك أحد وجهل عليك فقل إني صائم إني صائم" رواه ابن حبان وابن خزيمة. ٩- "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر" رواه ابن ماجه.

стр. 174

الصيام والصوم في القرآن الكريم مدخل ... الصيام والصوم في القرآن الكريم: جاء القرآن الكريم بلفظ "الصيام" في تصوير فريضة شهر رمضان، فهي عبادة كسائر الفرائض والأركان؛ لأنه كلام الله المعجز: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ، وقد شهد بإعجازه زعيم المعاندين وأفصح المشركين

стр. 175

وهو على الكفر. ولم يرد في القرآن ذكر لفظ "الصوم" إلا على لسان مريم ﵍ يصوِّر فيها الصمت والسكوت وعدم الكلام مع الناس، ولم يصور ركن الصيام ولا عبادة مفروضة، قال تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا، فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا، فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا، يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا، فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٥-٢٩] . لكن لفظ "الصيام" لا "الصوم" ورد كثيرًا في غير فريضة رمضان رابعة أركان الإسلام، وذلك مع الكفارات؛ لأنها بالطبع عبادة؛ بل أداؤها واجب وحتم، فمن لم يؤدِّها وهو قادر فهو آثم لا يرفع عنه العذاب إلا إذا أداها، وذلك في هذه الآيات البينات: في سورة البقرة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ....﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وردت مرتين. وفي سورة النساء: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ

стр. 176

قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢] . وفي سورة المائدة: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩] . وفي المائدة أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥] . وفي سورة المجادلة: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ

стр. 177

وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٣، ٤] . أما غير مصدر الصوم أو الصيام، فقد ورد في القرآن الكريم بلفظ المضارع في سورة البقرة: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، وورد في سورة الأحزاب بلفظ "الصائمين": ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] .

стр. 178

آيات الصيام: بهذا يتضح الفرق الكبير بين الصيام والصوم في تصوير القرآن لفريضة شهر رمضان، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] ، وفي قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧] . وختام آيات الصيام في الآية الأولى والآية الأخيرة بالتقوى توضيح لأهدافه السامية، وغايته الشريفة وهي التقوى، ولا تتحقق إلا بما يفيده معنى الصيام من المثابرة والمجاهدة والمتابعة والمشاركة والمرابطة والصراع مع هوى النفس ونزغات الشيطان والانتصار عليهما، ومحاربة النزوات والشهوات والملذات والمحرمات والمكروهات والإسراف والبخل والحرص والأثرة والأنانية، والمسارعة إلى الطاعات وفعل الخيرات

стр. 179

وغيرها من أخلاق الصيام وقيمه السامية التي تنتهي بالصائم إلى تقوى الله تعالى؛ فقد لازمت آيات الصيام "لعلكم تتقون -ولعلهم يتقون"، فالصيام ليس الإمساك عن الطعام والشراب والنكاح فقط؛ بل مجاهدة النفس في تحقيق الفضائل، والبعد عن الرذائل، وفي الحديث الشريف: "رب صائم حظَّه من صيامه الجوع والعطش" رواه أحمد، وفي الحديث الصحيح: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" رواه أحمد وغيره. وقوله ﷺ : "الصوم جنة- أي تقوي ووقاية-، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابَّه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم، إني صائم" رواه البخاري. قال رسول الله ﷺ في حق امرأتين صامتا عن الطعام والشراب وجلستا تغتابان المسلمين وتنهشان أعراض العباد: "إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان من لحوم الناس" رواه أحمد. وقال أيضًا: ليس الصيام من الأكل والشرب وإنما الصيام من واللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل إني صائم" رواه ابن حبان. لهذا كله كان واضحًا أن صيغة "الصيام" وعاء لغوي كبير، وصورة قرآنية تصور جهاد النفس في صيامها، وجهادها مع الضروريات ومقومات الحياة من الطعام والشراب، وجهاد النفس مع الملذات والشهوات، ومع المحرمات والممنوعات، وتصور جهاد النفس في المسارعة إلى الخيرات، ومضاعفة الحسنات، والتسابق إلى الحب والإخاء

стр. 180

والتعاون والنصرة للمظلوم وللحق، وإلى الإنصاف والعدل والجود والكرم والعزة والإباء والقوة والبناء. إن صيغة الصيام لا الصوم ثرية بالمعاني والمضامين، تتسع للجوانب الرحبة في التشريع الإسلامي لهذه الفريضة، وتستوعب كل ما تهدف إليه من غايات شريفة وأهداف سامية، تلتقي جميعًا في أساسين كبيرين: وهما البناء الجسدي السوي الصحيح، والبناء الأخلاقي الفاضل القويم، وسنقف معهما بإيجاز:
следующие страницы →