وَازْدَادُوا تِسْعًا:
قال الله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥] ، يظهر في هذه الآية الكريمة الإعجاز في التصوير القرآني المستمد من الحقيقة والواقع المجردين من ألوان الخيال المختلفة تشبيهًا أو استعارة أو كناية، التي تقوم عليها الصورة الأدبية عند معظم النقاد.
فالصورة القرآنية هنا مع تجردها من الخيال بلغت حدَّ الإعجاز في صورتين، الأولى: مستمدة من حقيقة علمية انتهى إليها علماء الفلك في حساب السنين الهجرية والميلادية في قوله تعالى: ﴿وَازْدَادُوا﴾ ، فقد جرت العادة في ذكر هذا العدد بدون هذه الزيادة، بأن يقال: ثلاثمائة وتسع سنين، ظنًّا بأنها لا تضيف جديدًا، بل وقعت استطرادًا في التعبير العلمي، لكن الحقيقة غير ذلك، فالتعبير بالزيادة مع المغايرة في حرف العطف يدل على الفرق بين الأيام الزائدة في السنة الميلادية عن السنة الهجرية، فالثلاثمائة سنة ميلادية تقل في مجموعها عن السنة الهجرية بتسع سنين زيادة في مجموعها، وهو الإعجاز العلمي في عرف علماء الفلك حديثًا.
أما الصورة القرآنية مستمدة من الواقع، فالشأن في النائم، بعد بذل جهد طويل فيسهر متواصل حين يأوي إلى فراشه أن يقطع ساعات فوق عادته اليومية، ليعود إليه نشاطه، ويسترد قواه، فإذا ما استيقظ بعد ذلك لا ينهض واقفًا فجأة، وإلا سقط على الأرض، بل لا بد من دقائق تمهيدًا للانتقال من السكون إلى الحركة، فيظل في فراشه شبه يقظان تتقلب يمينًا وشمالًا ويحرك يديه ورجليه، حتى يدبَّ النشاط في البدن،
стр. 72
وتتنفس فيه الحركة بين السكون المطبق، ليتهيأ للوقوف دون أن يقع، كالشأن فيمن ينزل من سيارة متحركة، فلا بد أن يتحرك في اتجاهها حتى لا ينكبَّ على وجهه، فما بالك بأصحاب الكهف، الذين قطعوا في النوم أكثر من ثلاثمائة سنين، فهم بالضرورة محتاجون، لكي يقفوا على أرجلهم، أن يتقلبوا في حركات متنوعة إلى مدة تتناسب مع هذه السنوات الطويلة، قد صورها القرآن الكريم بتسع سنوات لها طبيعة مختلفة، يتبدد فيها السكون بالحركة المتتابعة تمهيدًا للقيام، مما يقتضي الإعجاز في قوله تعالى: ﴿وَازْدَادُوا﴾ ؛ لأن طبيعة السنوات التسع تختلف تمامًا عن المدة السابقة.
إنه الإعجاز في التصوير القرآني، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .
стр. 73
تقديم السمع ... على البصر:
جاء ختام قصة أصحاب الكهف بقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [الكهف: ٢٦] ، ليقتضي الإعجاز تقديم البصر على السمع هنا، لاعتماد القصة على مشاهد كونية في الطبيعة غنية بالمظاهر الفاتنة، والألوان الساحرة التي تشرق عليها الشمس صباحًا وتغرب عنها مساء، فتأخذ بالبصر كل مأخذ لا بالسمع، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٧] ، لذلك كان التصوير القرآني لرؤى هذه المشاهد بالبصر أولًا، ولأن الأمر هنا مختص بالله لا بالبشر، فسبحانه وتعالى يستوي لديه المسموعات والمبصرات على سبيل الانكشاف التام، فلا
стр. 74
يخرج شيء من علم الله القديم الشامل، كما تقدم السمع في سورة طه: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [آية: ٤٦] ، بعد قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] ، ولمقتضى الحال.
لكن الكثير الغالب أن يأتي السمع مقدمًا على البصر بالنسبة للعباد، لأنه أبلغ إعجازًا في مقام انتفاعهم بالعلم والتلقي، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] ، وكذلك استفادتهم في معاشهم وهدايتهم، ويرجع تقديم السمع للعباد إلى أسباب، أهمها: أن الوليد يكتمل سمعه قبل بصره، فيسمع ما حوله بعد مولده مباشرة قبل أن يفتح عينيه ويرى، وأن المسموعات تتراسل إلى الأذن من كل الجهات، من الأمام والخلف، أو اليمين واليسار، أو من أعلى وأسفل، وقد يغمض اليقظان عينيه فلا يرى أحدًا، لكنه يسمع من حوله، بينما البصر لا تتأتى فيه الرؤية إلا من جهة واحدة وهي الجهة المقابلة.
وكذلك الانتفاع بالسمع في مقام الهدايات أكثر من البصر الذي يقتصر على القراءة فقط، بينما السامع قد يكون أميًّا لا يقرأ، كما أن السمع لا تقف دونه حواجز، بينما يتعرض البصر لموانع تحجز عنه المرئيات، جاء ذلك كثيرًا في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦] وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣] ، وغيرها كثير.
ولم يأت السمع متأخرًا عن البصر مع العباد إلا نادرًا لغرض
стр. 75
بلاغي أيضًا، كما فيقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] ، فقد تأخر السمع هنا المعطل فيهم ليكون مجاورًا لتشبههم بالأنعام في عدم الاستفادة من السماع، ليشتركوا معهم في الغفلة والضلال.
стр. 76
الموسيقى التصويرية لطلب العلم:
في قصة موسى والخضر ﵉ تصوير قرآني معجز للمعاناة في تحصيل العلم، والمصابرة على عقباته، والتحدي للإخفاق وتذليل العقبات، لأن العلم نور، ونور الله لا يهدى لعاص ولا لكسلان أو مهمل.
وتصور القصة القيم الخلقية التي يتحلى بها طالب العلم، ويتصف بها المعلم والأستاذ، وتصور أيضًا أرقى مناهج التعليم، وأدق مقومات الدراسة، وسنقتصر هنا على الموسيقى القرآنية في تصوير هذه الرحلة التعليمية، التي يعاني فيها الطالب والأستاذ من المشقة وبذل الجهد العنيف والشاق، حتى يستحق الطالب الإجازة العلمية، ويستحق الأستاذ الريادة والقدوة الحسنة لغيره، مما يقتضي إيقاعًا ممتدًّا وئيدًا في أصوات الحروف وأوتار الكلمات، وموسيقى عنيفة بطيئة ثقيلة لتصوير المعاناة الدراسية في تحامل وإعياء شديدين.
نلمح ذلك في أصوات الحروف الثقيلة على اللسان والسمع والشديدة والضخمة، كالقاف والضاد والطاء والعين والغين والجيم والحاء والخاء والهاء والهمزة والميم والنون والواو وغيرها في كل الآيات:
стр. 77
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠] ، وتجدها أيضًا في كثرة المدات وحروف اللين كالألف والواو والياء، وما يقتضيه التجويد من المد إلى ست حركات للحرف المسبوق بهمزة، فهذا التثاقل الموسيقي يتلاءم مع رحلة العلم الشاقة في القصة كلها، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢] ، وتكون الموسيقى القرآنية أشدّ تثاقلًا مع الشدات؛ التي يتوقف عندها النطق، معاناة في النطق والصوت: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦] .
وفي العادة أن ينوب الأستاذ المتبوع عن الطالب التابع في الحديث، لكن الموسيقى القرآنية هنا تقتضي التثنية لتزداد المعاناة والمشقة، ليكون الإيقاع أكثر ثقلًا وبطئًا، مثل: بلغا -بينهما- نسيًا- حوتهما- جاوزا- انطلقا، وغيرها: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ [الكهف: ٧١] ، وكذلك ما يقتضيه المقام من الإيقاع الموسيقي في تصوير الرحلة منذ البداية حتى قبيل النهاية في كلمات طويلة كثيرة الحروف لا تختصر مثل كلمة "تستطيع"، فقد تكررت بدون حذف كثيرًا.
فلما أوشكت الرحلة أن تنتهي قبيل الفراق لعدم صبر موسى ﵇ والتزامه، خف الإيقاع بحذف اللين الطويل في قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨] ، فلما أراد الخضر أن يتخلى عنه تمامًا بعد أن شرح له المشاهد الثلاثة، جاءت الكلمة بدون الياء والتاء: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢] .
стр. 78
وأحيانًا تقتضي الموسيقى القرآنية حذف حرف غير مسبوق بجازم، للمفاجأة والسرعة إلى تحقيق الغاية من الرحلة، وهو اكتشاف الأستاذ ليتلقى العلم على يديه، فحذفت الياء من الفعل: "نبغي" في قوله تعالى: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] ، للإيقاع القرآني السريع المعجز في التصوير.
стр. 79
الأمة الواحدة:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ، وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٢، ٩٣] .
الإعجاز في التصوير القرآني في الآيتين الكريمتين، جاء متنوعًا في مقوماته وعناصره التي تضفي عليه الجلال، فقد جاءت الصورة القرآنية الأولى على طريق الخطاب المباشر، فقد خاطب الله أمته بقوله: "أمتكم -ربكم- فاعبدون"، أي: أنتم، ثم انتقل من الخطاب إلى أسلوب الغيبة في الصورة القرآنية الثانية في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ -بَيْنَهُمْ- رَاجِعُونَ﴾ ، أي: هم.
والأسرار البلاغية في هذا التصوير القرآني يعود إلى أمة الإسلام حين تتوحد، وتعتصم بكتاب الله ، تكون قريبة من الرحمن تسعد بالشهود في حضرته، وتشرف بمخاطبته لهم فيكلمهم، ويتلقى منهم مباشرة، فينظر إليهم، ويتمتعون برؤيته بالبصيرة لا الباصرة، ولا يغيبون عنه سبحانه، فهم في مقام التكريم، لأنهم راشدون مصلحون في قوة وعزة، لترابطهم في أمة واحدة كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وغير ذلك مما تفيده بلاغة الخطاب بأنتم، وقيمه الخلقية السامية.
стр. 80
وما أروع التقابل بين المعاني والقيم السامية في الصورة القرآنية الأولى، وبين التنفير والإنكار لنقائض هذه المعاني والقيم في الصورة الثانية، التي تصور تمزق الأمة وتقطع أوصالها في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ ، وكذلك التقابل بين الإيقاع القرآني في موسيقى الصورة الأولى الهادئة الرقيقة المناسبة كانسياب الماء العذب البارد، وبينه في موسيقى الصورة الثانية العنيفة الشديدة الهادرة المدمرة بالتقطيع والتمزق، لأن الله تعالى ينصرف عن الأمة الممزقة، فيغيبون عن ساحة مشاهدته وحضرته، ولا يستحقون منه النظر ولا الخطاب لانصرافهم عن منهج القرآن وتفرقهم عن سبيله، فينصرف الله عنهم ولا يخاطبهم، لأنهم غائبون عنه بعيدون عن رحمته وحضرته، وهذا هو الإعجاز في الانصراف عن الخطاب إلى الغيبة.
وما أروع التصوير القرآني لتمزق الأمة وتقطعها إربًا إربًا، ليذهب كل فريق بجزء بعد أن كانوا كيانًا واحدًا وجسدًا قويًّا، وذلك في التعبير بصيغة "تقطعوا" لتدل من حيث معناها اللغوي على التمزُّق والضعف والذلة وعظيم البلاء، وللتنفير من الخلاف والدعوة إلى التضامن والوحدة، وتدل أيضًا من حيث المبنى والإيقاع بين أصوات حروفها على عنف الموسيقى القرآنية الصاخبة والمدمرة، مما يبث الخوف والرهبة من هذه الكارثة، وبحث على الترغيب في وحدة الأمة والاعتصام بكتاب الله تعالى، ثم يأتي التذييل في الصورة القرآنية الثالثة: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُون﴾ ، للتهديد لهم باستحقاق العقاب الشديد، لأن الله تعالى لا يرضى لهم الضعف والهوان، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، لتكون كما أراد الله خير أمة أخرجت للناس.
стр. 81
بين فظاعة اليهود ... ورقة النصارى:
قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢] .
فقد صور القرآن الكريم طبيعة اليهود والنصارى تصويرًا قرآنيًّا بديعًا تعجز عنه أحدث نظريات علم النفس في كل عصر، مهما بلغ العقل مبلغ الإبهار البشري، حين أبدع في تصوير طبيعة اليهود المادية الطاغية من غلظة القلب وشدة الشكيمة، وفظاعة التصرف، وبشاعة الصنيع، وخبث العداوة، وخسة البغضاء، وعنادهم في الحق لغيرهم من البشر وخاصة مع المؤمنين، فهم أشد عداوة لهم من غيرهم، فلا تجد فيهم عرقًًا واحدًا من المشاعر ينبض، فهم كما قال الله تعالى فيهم: ﴿كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ ، بل يمتاز عنهم الذين أشركوا بأنهم يعتبرون أنفسهم من البشر لا فوق البشر كاليهود في هذيانهم بأنهم شعب الله المختار.
وتزداد هذه الصفات بشاعة حين قوبلت بصورة أخرى لطبيعة النصارى التي تذوب رقة وشفافية ومودة ومحبة ولين عريكة وسهولة انقياد، وميلًا للحق مع التواضع والاستكانة في غير كبر ولا غرور، وغيرها من الصفات الروحية التي تقاوم المادية في الجسد.
وانطلقت هذه الصفات الحيوانية لليهود من مقومات التصوير القرآني لهم، فعبَّر بصورة المضارعة المؤكدة بلام القسم بلفظ الجلالة ونون التوكيد الثقيلة، لتؤكد هذه الصفات فيهم بمعنى: والله لتجدن يقينًا
стр. 82
من غير شكٍّ، وأن هذه الطبيعة أصلية ومتجدِّدة فيهم ما داموا يهودًا، كما تدل عليه صيغة المضارعة التي تقوم على التجدد والاستمرار في "تجدن"، وهو ما يتفق مع طبيعتهم العنيدة القاسية، فهم أشد الناس في هذه الصفات العنيفة، التي توحي بها الموسيقى القرآنية الصارمة من أصوات الحروف الثقيلة المجهورة، مع العنت من الشدة ومبالغة المعاني الكثيرة من صيغة التفضيل في "أشد الناس"، فقد كانوا قساة مع نبيهم فقالوا: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ، بينما لبى النصارى دعوة نبيهم حين دعاهم كالمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤] .
وانظر إلى الصورة القرآنية المقابلة لهم في تصوير القيم الخلقية عند النصارى، تجد بونًا شاسعًا بين مودتهم، وعداوة اليهود، وعلم القساوسة والرهبان، وجهلهم، وتواضع النصارى واستكانتهم، مع كبر اليهود وغرورهم، ورقة قلب النصارى وغزارة دمعهم، مع قسوة اليهود وجمود دمعهم، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ، وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢: ٨٣] .
إنه الإعجاز القرآني المبدع في تصوير طبائع البشر المختلفة، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨] .
стр. 83
بلاغة التعبير عن الندمّ:
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٦] ، فالإعجاز في التصوير القرآني لهذه الآية الكريمة مع بلاغة الإيجاز فيها، يأخذ بالألباب من وجوه كثيرة، قد يتضح بعضها لنا، ويغيب عنا ما لا يعلمه إلا الله وحده: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٥] .
فتأمَّل مجرد "المس" فقط لا الإصابة، ولا التمزيق، ولا التقطيع، ولا الحرق، ولا وقود النار، وغير ذلك مما يقطع الجسد ويحرقه ويذيبه في جهنم، وعلى الرغم من ضآلة المس، فقد ألجأهم إلى التألم الشديد حتى صرخوا قائلين: "يا ويلنا" مستغيثين بأن يعودوا إلى الدنيا، لينجوا من العذاب بالعودة إلى الإيمان، وقد حكموا على أنفسهم بالظلم، ومما يزيد من ضآلة المس، أنه نفحة أي شيء حقير جدًّا، وتافه ضعيف لا يؤبه له، لأنها جاءت على صيغة اسم المرة، أي نفحة واحدة، فتدل بمادتها وصيغها على القلة والحقارة، كما أن صيغة التنكير تدل على التقليل والحقارة، وتدل أيضًا على التهكم بالكفار؛ لأن النفحة في العادة والوضع اللغوي تستعمل في الطيب والخير، مثل نفح الطيب والمسك، ونفح الرياح الناعمة، والنسيم الطري المعطر، فاستعيرت هنا للعذاب على سبيل التهكم والازدراء بالظالمين، على نحو التهكم في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ، فالتبشير يكون بالجنة والنعيم، لا بالعذاب الأليم.
والذي يؤكد أن النفحة ليست مسكًا أو رفهًا، وإنما جزء يسير من
стр. 84
العذاب، لما يدل عليه التبعيض في"من"، فهي جزء يسير من العذاب، ومع ذلك يتألمون ويستغيثون.
وما أشدَّ النفحة حينما تضاف إلى المنتقم الجبار، الذي يستحق منهم الشكر والعبادة، فقد أسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، لكنهم تمردوا عليه وكفروا به، مما جعلهم يستحقون عذابه، إن عذابه أليم شديد، والله شديد العقاب وغفور رحيم، وإضافة الرب إلى ضمير النبي ﷺ فيه دلالة على أنهم لم يستجيبوا لرسوله، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله.
ثم تأمَّل الصورة القرآنية الأخيرة، التي تدل على التحسر والألم ولا ينفع الندم ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧، ٢٨] .
ويتأكد هذا الندم القائل بمؤكدات كثيرة، بالقسم، ولام القسم، ونون التوكيد الثقيلة "والله ليقولن"، ثم النداء، ولفظ الويل، والتوكيد بأن، وإسمية الجملة في قوله تعالى على لسانهم: ﴿يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ ، وما أروع الكناية في هذه الصورة، فليس المراد وصفهم لأنفسهم بالظلم فحسب، ولكن المراد الندم والتحسر وتمني العودة إلى الدنيا، حتى يثوبوا إلى رشدهم ويؤمنوا بربهم، ليستحقوا النعيم في الجنة في اليوم الآخر، إنه الإعجاز في التصوير القرآني.
стр. 85
غضبة السماء والأرض:
قال تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤] .
ورد عن ابن أبي أصبع العدواني أنه لم ير في جميع ما قرأ من المنثور والشعر الموزون مثل هذه الآية، واستخرج منها واحدًا وعشرين ضربًا من المحاسن، وقيل إن أحدًا ممن حاولوا معارضة القرآن لما قرأها مزق أوراقه، ويرجع ذلك كله إلى الإعجاز في التصوير القرآني لغضبه الأرض والسماء على الإنسان المعاند الذي كفر بالله تعالى، الذي خلقه ورزقه ودبر له أحواله، وسخر له ما في السماوات والأرض، لتكون طوع إرادته في تلبية حاجاته ومقتضيات حياته، وحين يكفر بخالق السماوات والأرض وما بينهما، فإن الطبيعة التي سخرها لعبادته تتمرد؛ فتقضي عليه وتبتلعه، ويتجلى الإعجاز في حذف الفاعل الحقيقي وإضماره ﷻ ، لأنه هو الرحمن الرحيم بعبده حتى لو كفر به، فرحمته وسعت كل شيء، ولولاها لما سقى الكافر منه شربة ماء؛ فتعاقب مظاهر الطبيعة المتمردين من خلال بناء الأفعال للمجهول في: "وقيل يا أرض، وغيض الماء، وقضي الأمر، وقيل بعدا"، لأن الفاعل الحقيقي معلوم وهو الله تعالى، فلا يحتاج إلى ذكر، ولأن مخاطبة الأرض والسماء وتوجيه الأمر لهما وللكائنات، لا يتأتى إلا من الله سبحانه وحده، فهو الذي خلقهما وسواهما، فتستجيب بسرعة، ولا تتمرَّد عليه كالإنسان، قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ، ثم تأمَّل الاستجابة السريعة من الأرض
стр. 86
والسماء والماء لنداء الله تعالى لها، فإذا بالأرض تبتلع الماء، والسماء تكفُّ عن المطر، والسفينة ترسو على الأرض، فتستوي على الجودي بسرعة، فتتسلط عليها قوى كبرى غير ظاهرة للعيان، يسخرها الله لتلبي النداء في لمح البصر، ثم تأمل التشخيص في التصوير القرآني الذي حول مظاهر الطبيعة إلى قوى حية جبارة لها إرادتها القوية والفاعلة يأمرها الله فتستجيب طائعة لأمر الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] ، وما أروع التصوير القرآني في بناء الفعل للمجهول وطي ذكره في توجيه اللعنة والبعد للقوم الظالمين، لأن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، ولا يرضى لعباده الكفر من قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ، وما أروع التقاسيم الموسيقية في هذه الآية الكريمة، والتوازن والتآلف بين إيقاعات العبارات الثمانية، ثم ذلك التقابل الموسيقى بين الأرض والسماء والماء، وبين ابلعي وأقلعي وغيض، وبين قضي الأمر واستوت، وغير ذلك كثير في بلاغة الإعجاز لكتاب الله الخالد.
стр. 87
حتى ينسى يعقوب:
قال الله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ [يوسف: ٨٥] .
هذا التصوير القرآني البديع جاء على هذا النمط الغريب، الذي يحتاج إلىتأمل، فهو يصر مشاعر فياضة، تركت أثرا كبيرا في نفس يعقوب ﵇ حين فقد أعز أبنائه، فهو يصور عاطفة تجاوزت العادة، حتى ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم، حتى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَِى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦]
стр. 88
﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤] ، مثل هذه التجربة الإنسانية الصادقة في عاطفتها المحمومة، ومشاعرها البليغة، تحتاج إلى تصوير قرآني معجز، يخفف من غلوائها، ويحدّ من طغيانها حتى لا يتضاعف الضرر أكثر من ذلك، ولا يتأتى إلا باستخدام مقومات في التصوير لا تكشف هذا الأمر أكثر، ولا تفضح أسراره الفياضة، فيسوق إليها سحبًا من الغرابة تغطي خيوط المأساة، وتستدل عليها ستائر من الوحشة تهدئ من غلواء المصيبة، فيستخدم القرآن الكريم أغرب الألفاظ والأساليب، التي تصرف المتلقى عن المباشرة الصريحة إلى التأمل وطول النظر، وفي التحول تهدئة وانكسار، فاتخذ غرائب الألفاظ لينقل المتلقي من التلقائية الحادة والقاتلة إلى الروية والتفكير الطويل، وفي التهدئة والانتقال امتصاص للحزن، تخفيفًا لعنفه وضرره، فالقريب في التعبير المألوف أن تقول في مثل هذا الموقف: بالله لا تفتأ حتى تفنى أو لا تصير شيئًا يذكر، فتكون من الهالكين، وهذا تعبير مباشر وصريح، يتجاوز العمى إلى الموت، لذلك انصرف الأخوة عن الصراحة إلى الغرابة والوحشية، فجاء القسم بالتاء، والمألوف الواو والباء "والله -وبالله"، وحذف النفي الملازم للفعل "تفتأ"، والأصل "لا تفتأ" بمعنى لا تبرح، لزيادة الغرابة والوحشة والتحول، وأهمل لفظ الفناء والبلى المباشر في المعنى إلى التأمل في لفظ "حرضًا" الغريبة والبعيدة في معناها وموسيقاها الثقيلة المتئدة، ليزداد المعنى غموضًا في التصوير القرآني، التي تزاحمت فيه مقومات الغرابة والحذف حتى ينصرف يعقوب عن الحزن إلى التأمل، فينسى هذه المأساة حينًا، ويتحول عنها قليلًا، مما يتلاءم مع مقصود الأخوة الذين يريدون أن ينسى والدهم يوسف وأخاه، فيبتعد قلبه عنهما، والذي ضاق بهم،
стр. 89
وتولى عنهم من أجلهما، تلك هي روعة الإعجاز في التصوير القرآني للمشاعر المختلفة والمتنوعة، مشاعر الوالد الحزين المصاب، ومشاعر الأبناء التي تجمع بين الإيثار لذواتهم والكره لأخويهم، والرفق والخوف على أبيهم يعقوب ﵇.
стр. 90
التصوير القرآني لنماذج النفاق:
صفقات النفاق وصفاقة المنافق:
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] .
يصور القرآن الكريم نموذجًا للنفاق في صورة قرآنية تدل على حقارة سلوك المنافق، فتقشعر منه النفس، وتشمئزُّ من سلوكه، وتأبى أن تكون على مثاله من الظلم والفساد، والبخل والحرص المدمر، والاستبداد والطغيان، وهتك الأعراض، والتخلي عن المثل الفاضلة، فالمنافق يدمر نفسه، ويمزق وحدة المجتمع، لأنه لا عهد عنده ولا ميثاق، بل يعمل على انهيار القيم الخلقية، وتشويه المبادئ الإنسانية، بل ينهار ذلك أمام طموحاته الدنيئة، وشهواته الرخيصة، وما الحياة عنده إلا صفقة تجارية، لا يرى فيها غير الكسب الحرام، ويتعدَّى حدود الله، ومن يتعدى حدود الله فقد ظلم نفسه.
فيظهر في صورة طاغية مستغل، مجرد عن القيم السامية في محاولاته التجارية، لا يعرف إلا أسلوب البيع والشراء، والكسب والربح والخسارة والبوار والضلال والزيف، مثل هؤلاء المنافقين الذين باعوا أنفسهم للدنيا بالآخرة، فخسروا الاثنتين معًا، مثلهم كمثل الذين
стр. 91
يتزاحمون في أسواق الحياة اليومية المادية، فيشترون الضلالة بالهدى، بما يتناسب مع التجارة من الشراء والبيع والكسب والربح والخسارة، فآثر القرآن الكريم لفظ "الشراء"، لأن المنافق يريد أن يكون مشتريًا رابحًا دائمًا، بجمع المال من هنا وهناك، ولا ينبغي بحال أن يفلت من بين يديه شيء بالبيع، كما آثر في البيع لفظ "الربح" لا الخسارة، لأن المنافق يريد أن يكون الضرر بغيره فيخسر دائمًا، ليربح هو وحده، فهو أناني يجب ذاته، وعبد للدرهم فلا يدع فرصة تغيب عنه لحظة، ولو على حساب الآخرين، وهو في ذاته مصدر هلاكه وضلاله، لأن الشأن في التجارة الربح والخسارة، فيؤدي حرصه على الربح إلى أن يقتل نفسه في سبيل ذلك، فينتهي به الأمر إلى التهلكة.
وما يحثُّ عليه القرآن من التخلي عن صفاته الذميمة، وهو ما يتضمَّنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِين﴾ بل خاسرين مدحورين، وقد سلَّط النفي على الربح مباشرة، لا على التجارة، لأن التجارة قد يقع فيها الخسارة والربح، بينما نفي الربح لا يعطي فرصة للكسب أو الربح، لأن الله ختم على قلوبهم وأضل أعمالهم، وما كانوا مهتدين.
стр. 92
طموح المنافق شعاع يبدِّده الظلام:
في التصوير القرآني لأحوال المنافقين، يقف الإنسان مبهورًا أمام روعة الكلمات، وعجائب التراكيب البلاغية، مما تملك عليه مشاعره، فتتفتح أمامه منافذ الإدراك المتنوعة من الفكر المجرد، ومن الصور المحسة في الواقع، والمشاهد الحية المنظورة، كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] .
стр. 93
منابع التصوير القرآني:
مثل هؤلاء المنافقين الذين باعوا أنفسهم وخسروا الدنيا والآخرة، مثلهم "كمثل" فأصبحوا مثلًا يضرب كالأمثال في الدناءة والحقارة والسوء، على عكس المثل الطيب، الذي يضرب في الرفعة والعزة والحسنى، كمثل الكلمة الطيبة ومثل الصحابة ﵃ في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] .
وزاد من حقارتهم أن القرآن عرضهم في صورة المبهم، لا الاسم الصريح وهو "الذي"، فالموصول اسم مبهم لا يتضح إلا بصلة، وفي "استوقد" يجد المنافق، ويبذل أقصى طاقته، ويجمع كل قواه في طلب الوقود والنار، مما يدل على حرصه الشديد لتحصيل "نار"، لا النار ولا النيران؛ فهو يتعلق بأنفه الأشياء وصغائر النيران، لا بكبريات الأمور على حد قول الشاعر أبي تمام:
لا تنكري عطل الكريم وإنما ... السيل حرب في المكان العالي
فقد دعاه الخوف الشديد أن يستأنس بنار خافتة صغيرة الحجم؛ لأن التنكير يدل على الخفوت والتحقير والصغار، ومع هذه الضآلة، إلا أن هذه النار تُعدُّ مفاجأة له، وكسبًا كبيرًا؛ لأنها تُعالج ما يعتريه من قلق وحيرة، وهذه المعاني تُوحي بها كلمة "فلما" وما أروع التعبير
стр. 94
بـ "الفاء" التي تدل على التلهُّف لأنفه الأمور للحظة وجيزة، فمثل عمل المنافق غير باقٍ ولا خالد، مما جد في طلبه وتحصيله، فالله المنتقم الجبار، قد أخفق سعيه، وأذهب الضوء الخافت ليزداد الليل ظلامًا على ظلامه، فاختفى "النور" للدلالة على عين النار وأثرها وهو الضوء معًا، فلم يبق منهما شيء في جوف الليل، ثم ازداد الليل وحشة ورعبًا بمجيء قوله: "وتركهم"، فالترك من الله لا من غيره، يعد من أشد ألوان العذاب، ومجيء الجمع للظلام في قوله: "في ظلمات"، فهي ظلمات بعضها فوق بعض؛ لأن الظلام بعد النور يكون أشد وأنكى على النفس، وفي قوله: "لا يبصرون" يصفهم القرآن لا بالعمى، بل بنفي الإبصار وهو أشد؛ لأن نفي الشيء أبلغ من إثباته فقط، فالنفي إثباتًا وعدم في وقت واحد، ليقيم الدليل على الإثبات بالنفي، وما أروع التصوير القرآني بعد النفي المطلق بالمصدر؟ الذي يدل على الحدث والصفة مجردة من الزمان المتجدد، ليدل على الثبوت والدوام في قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ ، فقد انقطع منهم كل رجاء أي رجاء، فلم يكن العمى وحده صفتهم، بل أصيبوا بالصم والبكم وعدم الرجوع إلى الحق والخير والإيمان الصادق.
стр. 95
آمال المنافق صواعق:
ومن خلال مشاهد الطبيعة يصورها القرآن الكريم في مشهد حي يموج بالحياة والحركة من السماء والأرض، والضوء والظلام، والرعد، والبرق، والصواعق والموت، فيبث فيها القرآن روحه المعجزة، لتصير صورة قرآنية خالدة يتحدَّى بها البشر كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ
стр. 96
الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ، يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٩، ٢٠] .
منابع التصوير القرآني:
ومثلهم السيء أيضًا كمثل "صيب" أي: مطر غزير، وليس مطر أي مطر، فهو دون الصيب بكثير، والصيب فيه قتامة وعتمة تثير الخوف، ويشتدُّ أكثر حين يجتمع مع "الظلمات" الكثيفة المرعبة، و"رعد" ضخم مزعج، و"برق" منتشر مطبق لا يبدِّد الظلام بل يخطف الأبصار، حين يجتمع كل ذلك تكون البلوى أشد وأعظم، والمصيبة أدهى وأمر؛ فيسرع المنافقون ليضعوا "أصابعهم" لا أناملهم في آذانهم؛ فالأذن لا تتسع إلا لأنملة واحدة لا لأنامل الأصابع، للدلالة على شدة الخوف وعظيم القلق في نفوسهم؛ فتأخذهم الدواهي غير العادية وهي "الصواعق" التي لا تبقي ولا تذر، وما أدق التصوير بالصواعق لا بالدواهي ولا بالصاعقة الواحدة، وفي ذلك ما فيه من شدة العقاب، ومما هو أشد وأنكى عليهم أن ﴿اللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾ ، يحصي عليهم سيائتهم، ويحاسبهم عليها حسابًا عسيرًا، كما أن البرق لا الضوء يخطف أبصارهم حتى يزدادوا حيرة وضياعًا في قوله: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ ، وما أشد حيرتهم وقلقهم، فهم دائمًا قائمون لا يقعدون ولا يستريحون مطلقًا، ولا يهدأون ولا يستقرون، متحفزون دائمًا للبحث عن الضوء في أي مكان، وهذا هو نهاية القلق وغاية الحيرة كما في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا
стр. 97
أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ ، وتأمل معي التصوير بـ "كلما"، فهي تصور عدم الاستقرار ومتابعة القيام لا القعود، فهم دائمًا قيام لا قعود، ثم ذلك الوعيد الشديد من الله بأنه وحده هو القادر على أن يذهب بأبصارهم وأسماعهم؛ فلا يبصرون ولا يسمعون ولكن الله أراد أن يعذبهم بها على النحو السابق؛ لأن الإنسان حينما تذهب عنه هذه النعم مرة واحدة، ينسى أمرها ويصير شيئًا عاديًّا؛ فإذا ما ترددت بين الذهاب والعودة، يكو العذاب أشد وأنكى:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها
عناصر التصوير القرآني في الصور الثلاث:
كأن التصوير القرآني البديع يطل من بين الكلمات والألفاظ والصور الحية لهما، وما تمتلئ في حواشيها من محسنات واقعية، يعيشها الإنسان مع الطبيعة والكون والحياة، فإذا ما تسلَّطت عليها أضواء الكون، وظلال الطبيعة، ونبضات الروح ودقاته، ازداد التصوير القرآني إبداعًا، فكان وقعه على النفس أقوى وأشدّ؛ لانسجام عناصر التصوير مع منابعه القوية المؤثرة، فتتلاحم المعاني مع الأضواء والظلال؛ لتعطي صورة حية محسوسة من الكون والحياة والناس، فتأمل معي:
المرارة والقتامة في "الضلالة"، والحلاوة والنور في "الهدى"، والقلة وضآلة الحجم في "نار" وضخامته في "الظلمات"، والمعاناة الشديدة والتباطؤ الوئيد في الإيقاع الصوتي لقوله تعالى: ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ ، فالشدات والمدات وحروف اللين تصور إيقاعات صوتية بطيئة، تنقل حالة المنافق وهو تائه فيحيرته وتردده
стр. 98
هنا وهناك ليبحث عن النار حتى أعطته ضوءًا خافتًا أضاء ما حوله فقط، بينما يختلف الإيقاع بعد ذلك، فيكون سريعًا، يتناسب مع انخطاف البرق والنور وذهابه بسرعة في قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِم﴾ ، و ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ إنه النسق الصوتي المعجز للقرآن الكريم.
وانظر إلى الألوان والأضواء للنور والنار، والبرق، والضوء، والظلمات، والعمى والإبصار، والصم والبكم.
وترى القتام الشديد في الصيب والظلمات والرعد، والموت، والصواعق وما بعد البرق.
وترى حجم المطر كبيرًا، فهو صيب من السماء، والظلمات متراكبة بعضها فوق بعض، والصواعق تسدّ الأفق وضآلة الضوء مع ضخامة الظلمات.
فعناصر التصوير القرآني حية انتزعت من الطبيعة والحياة بحركاتها وأصواتها وألوانها وأضوائها وظلالها وإيقاعاتها الصوتية المنسجمة مع المعاني والأهداف، في تصوير خلَّاق، وصور تنبض بالحياة والحرارة والصدق والقوة والإبداع، إنه القرآن الكريم، وإنه يعلو ولا يعلى عليه.
ولست مع الزمخشري:
يقول جار الله الزمخشري معقبًا على التصوير القرآني في التمثيلين السابقين: "فإن قلت أي التمثيلين أبلغ؟ قلت الثاني، لأنه أدلّ على فرط الحيرة، وشدة الأمر وفظاعته؛ ولذلك اُخِّر وهم يتدرجون في نحور هذا من الأهون إلى الأغلظ".
стр. 99
فيرى الزمخشري أن التصور القرآني للتمثيل الثاني أقوى منه في التمثيل الأول، لأن الثاني أدل على كثرة الحيرة وشدة الأمر.
ولست معه فيما ذهب إليه؛ فكلًا التمثيلين يدل على القدر نفسه من الحيرة وشدة الأمر بدون زيادة أو نقصان في بلاغة الإعجاز القرآني؛ لأن كل صورة قرآنية بلغت حد الإعجاز، فلا تهبط صورة عن أخرى، ولا تعلو صورة عن غيرها، بل الجميع في حد الإعجاز سواء.
والحيرة وشدة الأمر سواء في الصورتين، فأما الصورة الأولى: فنجد فيها الحيرة الشديدة وشدَّة الأمر، والقلق العنيف، والخوف والرهبة، وشدة المعاناة التي يعانيها الإنسان في ظلمات الليل وهو يبحث عن وسائل الضياء، فهو بنفسه يبحث عن الوقود والشرارة، كما يستفاد من الألف والسين والتاء في "استوقد"، وبعد لأي أوقد نارًا ضئيلة لا تسمن ولا تغني، فإذا بالضوء الخافت يذهبه الله تعالى، لأنها ليست نارًا كسائر النيران، بل دون ذلك بكثير، وإذا كان الله هو المعاقب، فهو شديد العقاب، فقد تركهم في ظلمات بعضها فوق بعض بعد أن كانوا في ظلام واحد، وليس بعد ذلك من حيرة ولا أمر أشدّ وأعنف؛ لأن المنافق هنا جد وعمل بنفسه لتبديد وحشته من قسوة ما يعانيه، وعنفه.
وأما الصورة الثانية: فنجد الحيرة الشديدة وشدة المعاناة بالمقدار ذاته؛ فالمنافق لم يبذل جهدًا في تبديد الوحشة والظلمة؛ لأن الصيب والصواعق والرعد والبرق من قبل الله ، وموقف المنافق هنا موقف الذي يتقي الصواعق بوضع أصابعه في أذنه، وينتهز الفرصة من حين لآخر فيمشي وقت انخطاف البرق؛ ليقف بعد ذلك، وهكذا فهو قائم لا يقعد أبدًا؛ فتعدد وسائل الحيرة هنا من الصيب والرعد والبرق،
стр. 100
وهي من قبل الله تتكافأ مع ما يبذله المنافق هناك من جمع الوقود والشرارة من هنا وهناك، والكدّ في تحصيلهما وسط ظلمات الليل، ثم العمل على إشعال الوقود؛ فإذا بها نار ضعيفة يطفئها الله؛ فيحرم من نورها، وتتركه في ظلمات متراكبة أعمى لا يبصر شيئًا، بل يكاد الله أن يذهب ببصره وسمعه.
فتجد في الصورتين من روافد التصوير وعناصره، ما يختلف في كل صورة عن الأخرى، لكن كل صورة تبلغ الغاية في استيفاء أبعادها وأعماقها؛ فلا تقل واحدة عن الأخرى ولا تزيد، بل كل صورة تصور حالة لا توجد في الأخرى، فتبلغ كل منهما الغاية في الإعجاز، قال تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٢، ٣] .
стр. 101
أخطر صور النفاق ذلاقة اللسان وحلاوة الحديث
...
أخطر صورة النفاق ذلاقة اللسان وحلاوة الحديث:
تضافرت الشرائع من يوم أن خلق الله الأرض وما عليها، على أن يخلص الإنسان قلبه لله وحده في جميع الأقوال والأفعال، ليكون ذا وجه واحد، يعبر بصدق عما فيه، لا يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] .
والإخلاص والصدق توأم، ينبني عليه الخلق الحسن في النفس، فالصدق في الحديث يضاعف الثقة بين الناس، ويصير القائم به محبوبًا بين أهله وعشيرته، والإخلاص في القول والعمل، يوثق الصلة ويدعم المحبة، ويجعل المخلص مبجلًا بين الناس، وموقرًا عندهم.
أما المنافق فلا يعنيه أن يكون كذلك، ومن أخطر المنافقين على
стр. 102
البشرية المنافق الذلق، فصيح اللسان، عذب الحديث، ناصع الفكرة، قوي الحجة، يلفق الباطل، ويجعله في صورة الحق، ويقلب الحقائق، ويزور المسلمات، ويخلع عليها لباسًا غير لباسها الحقيقي، ذلك كله في أسلوب هادئ، يضفي على صاحبه ثوب الحكمة والوقار، وفي حديث عذب، ولسان رطب، يعبر عن تجربة حياة، وفصاحة قول تنهال على السمع، يفتلها من خبرة محنك بالدواهي والأحاييل، وذلك كله في أسلوب عصري ممزوج بما يتفتح إليه العقل، وتقبل عليه النفس من مغربات الحياة، ومقتضيات الإنسان في مجتمعه الجديد، وهو يملك زمام الحيل، يرد بها كل اتهام، ويسخر منها شباك الدهاة، يختبل فيها صيده، ثم يصل به الزيف والضلال إلى أن يجعل الله شاهدًا على قوله، فيقول المنافق في ختام حديثه: يعلم الله أني صادق فيما أقول، أو يقول: إن الله شاهد على ما أقول، وغيرها من عبارات الإفتراء والتلفيق.
والقرآن الكريم يصور هذا النموذج الخطير من البشر، فيقول : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] ، فإذا حقق بغيته، ووصل إلى أعماق خصمه، أفسد في الأرض بإيقاع العداوة بين الناس، الذين خدعهم بالباطل، فتنعدم الثقة، وتسود البغضاء، ويحل الجفاء محل المودة، فيتهدم المجتمع، ويتقوض بنيانه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٥، ٢٠٦] .
стр. 103
ولقد نزلت هذه الآيات في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة، حين قدم على النبي ﷺ في المدينة، فأظهر له الإسلام، وأشهد الله على أنه صادق، وتعجب النبي ﷺ من قوله العذب، ثم خرج من عند رسول الله، فمر بزرع وحمر للمسلمين، فأحرق الزرع، وعقر الحمر، فنزلت في حق هذا المنافق، ومن على شاكلته من المنافقين، الذين يزينون القول، ويخدعون به غيرهم، وما يخدعون إلا أنفسهم.
المنافق يحدثك ويشفع حديثه بقوله: الله يعلم أن ما في قلبي موافق لما جرى على لساني، وبعد قليل تنكشف خصومته، ويتجلى الباطل الذي لفقه، وهذا خلق ذميم، روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "أبغض الرجال إلى الله تعالى الألد الخصم"، وعن أبي الدرداء فيما رواه أحمد بن حنبل عن النبي ﷺ : "كفى بك إثمًا ألا تزال مماريًا، وكفى بك ظلمًا ألا تزال مخاصمًا، وكفى بك كذبًا ألا تزال محدثًا، إلا حديثًا في ذات الله "، فشدة الخصومة من صفات المنافقين، لأنهم أحبوا الدنيا، وعبدوا المال، يتفننون في ذلك بالألوان المختلفة، ويكثرون من الجدال والخصام: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] .
وكشف الرسول ﷺ أمرهم، وفضح أسرارهم، ومزَّق أستارهم، فقال: "إني لا أخاف على أمتي مؤمنًا ولا مشركًا، أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه، وأما المشرك فيقمعه الله بشركه، ولكن أخاف عليكم كل منافق الجنان، عالم اللسان، يقول ما تعرفون، ويفعل ما تنكرون"، هذا النموذج البشري من أخطر الناس على المجتمع، وخاصة في مجتمعنا المعاصر، الذي انغمس في ماديات الحياة، وتاه بين التيارات
стр. 104
الاقتصادية الحديثة المتناقضة، وانجرف في ظل العقائد الضالة، وانخدع بالمدنيات الزائفة، والحضارة الملفقة، وأصبح ينوء إلى الأرض بأثقال المادة، وخبث الجسم بعد أن تكدَّر صفو الروح، وتعكَّر نقاء النفس، وأظلم القلب، وتلوثت الأنفاس بسموم التنافس الموزور، وفي وسط هذا المجتمع المنهار، لمع بريق هذا النموذج البشري، وتسلطت عليه الأضواء زيادة في التعمية، فيتصدَّى للكتابة باسم الإصلاح والتقويم، ويتصدر المجالس والاجتماعات، يدير الحوار الخادع، ليحتلَّ موقعًا في القلب، لاينبغي من كتابته إلا إرضاء لشهوته الضالة، ولا من زعامته إلا علوّ الصيت الزائف، لكي يصل إلى قلوب الناس من أقرب طريق، وفي أسرع وقت، وهؤلاء صوَّرهم الله في أقبح صورة، ليفضح أمرهم، وتبور تجارتهم، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ، وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ، مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١١-١٨] .
شخصت الآيات صفات المنافق الخطيرة، وحددت معالمه، لكي لا
стр. 105
يخفى على المؤمن، فيستعين عليه بالذكاء والفطنة، كما قال الرسول الكريم ﷺ : "المؤمن كيس فطن"، ليتعرف على زيفه فيقرعه الحجة بالحجة، ويأخذ بيديه إلى الحق من أقرب طريق، وبأقوى دليل.
ومن أبز صفاتهم التي يعرفون بها فوق ما سبق، كثرة الجدل، والتمادي فيه، وتشعب الحديث، وقتل القول من أي اتجاه يعينه على الإفلات من الحق، لكي يذهب بالمستمع إلى غياهب يتيه فيها، حيث يظهر له الحق ملفقًا بالباطل، ثم كثرة الحلف والقسم بالله، أو بشرفه ولا شرف عنده، أو بمن يعتزُّ بهم في الظاهر، أو بمن يعتز به المستمع له، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ ، ثم يظهر نفسه في صورة السخي الجواد، فالدنيا تحت قديمه، يصرفها كيف شاء، وهكذا مما يدخل تحت العلامة المميزة له، التي وصمه الله بها وهي "لحن القول" فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ، وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٢٦- ٣١] .
مثل هؤلاء يشيعون الفوضى بين الناس، ويشعلون نار الحقد والعداوة، ويغرسون البغضاء في المجتمع، لكي يتحلَّل من أخلاقه الفاضلة، ويتردَّى في مهاوي الفساد، أسوأ المصائر، "والله لا يحب الفساد"، أما الصدق والإخلاص، فهما توأم يشيع المحبة والمودة،
стр. 106
وينشر الأمن والألفة، فتزداد الثقة ويحيا الضمير، وتصفو الروح، ويزكو القلب، فتتقدم الأمم، وتنهض المجتمعات، وما أحوج الأمم الراقية إلى هذا الخلق الفاضل، الذي تقام عليه الصروح، وتنهض به الأمم.
стр. 107
الأمل الكاذب:
إلى هؤلاء الطغاة الذين ينشدون البطولة في الأمل الكاذب، ويحلمون بالمجد وراء السراب الخادع، ويعتقدون أنهم فوق البشر؛ وإلى من حولهم من أذناب، ينفخون فيهم، ويتخذون منهم أولياء ومصلحين ومجددين؛ فهم كما قال الله : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣، ١٠٤] .
يصور القرآن الكريم إليهم هذا السراب الخادع والأمل الكذاب في قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩] .
الإعجاز في التصوير القرآني:
سما التصوير القرآني إلى حدِّ الإعجاز الإلهي في الإبداع الرباني؛ لتفيض كل صورة قرآنية بأروع ما عرفته البشرية من العمق والدقة والإحاطة والشمول، وشرف الغاية ونبل المضمون، وروعة التأثير على النفس والعاطفة، وقوة الإفحام بالحجة الدافعة التي يخرُّ لها العالم ساجدًا لربه تعالى.
стр. 108
وحينما يصور القرآن الكريم أعمال الكافرين الحسنة التي يحسبون أنها ستنفعهم يوم القيامة، فتخفف عنهم شيئًا من العذاب، فيتعلَّقون بها كما يتعلق الظمآن في اليوم القائظ بالسراب الخادع في الصحراء القاسية الجافة؛ فيزداد ندامة وحسرة، ويبوء بالخسران المبين كما آية النور السابقة.
فقد صور القرآن الكريم في هذا التشبيه المعنى الذهني المجرد في صورة محسة تدرك بالحواس لا بالعقل وحده؛ فجاءت أعمال الذين كفروا في الدنيا من حسن المعاملة، وبذل المال، وقول المعروف، وصلة القربى، والإحسان للناس، وغيرها مما يعلقون عليها الأمل والنفع، فإذا بهم لا تنفعهم في الآخرة؛ فلم يجدوا فيها ثوابًا يعينهم على هول يوم القيامة، وهم في أشد الحاجة إلى ذلك، ثم جاء التشبيه فصور المشبه به: هذه المعاني الفكرية في صورة تدرك بالحس، وهي صورة السراب، الذي يتراءى في الصحراء ماءً للرائي، فيتلهف إليه الظمأن بين أحشائه، حتى إذا ما انتهى إليه لم يجد شيئًا، وإنما يجد هولًا وعذابًا وعقابًا شديدًا.
وبذلك تتحرك هذه المعاني في مشهد حتى يموج بالحيوية والحياة والجدة والحركة، من خلال أدواته التي يسمع وقعها الأليم، وفي دقات القلب السريعة، وفرقعات السير وضجيجه؛ فترى العين هذه المعاني من خلال الظلال والألوان: ترى طريقًا وشخصًا يطويها، وصحراء واسعة وضبابًا حينًا، وشمسًا حارقة أحيانًا، وسرابًا يراوغ العين، كما يتذوق مرارة الجوع، وحرقة المعاناة والكد، ولظى المفاجأة، وخيبة الرجاء.
стр. 109
الغاية من هذه الصورة القرآنية:
يجتمع الطرفان "المشبه والمشبه به" المتقابلان في غاية واحدة: الصورة الذهنية الفكرية المجردة، وهي الأعمال الحسنة الخاسرة للذين كفروا، والصورة المرئية المحسة، وهي السراب الخادع في الصحراء القاسية، فالصورتان هنا يجمعهما معنًى واحد، وهو أن الكافر لا ينتفع بشيء من أعماله الحسنة في الدنيا ولا في الآخرة، مع أنه في أشدِّ الحاجة إليها حينئذ، كما يتعلق الظامئ بالسراب وانخداعه به، فهو متلهف به يعلق عليه حياته، وقد عبَّر عن هذه الغاية الرماني بإيجاز فقال: "وقد اجتمعا في بطلان المتوهم مع شدة الحاجة وعظم الفاقة"١.
منابع التصوير القرآني وعناصره:
روعة الإعجاز في التصوير القرآني تعتمد على منابع حية وثرية، وعناصر عميقة فريدة، هي في ذاتها غاية لأداء المراد منها: فالكافرون في أشد الحاجة للانتفاع بالأعمال الحسنة آنذاك من المؤمنين، والأعمال -أي: الحسنة لا السيئة- لها دورها الكبير في كمال الصورة وعمقها، والسراب لا الماء؛ لأن السراب هو العدم والخداع، والأمل الضائع، بقيعة أي بصحراء بواد غير ذي زرع ولا بحقل، ولا بطريق تحفه المزارع؛ لأن الحاجة إلى الماء في الصحراء أشدّ، والحرص على تأمينه ووجوده أعظم؛ فمن يسر في الوادي وبين المزارع يجد الماء دائمًا بين مرحلة وأخرى، والحسبان لا اليقين؛ فلو وجد الماء على سبيل اليقين لتحقق الأمن، وقل الظمأ، وخفت المعاناة، وهدأ الجهد في سبيله، والظمآن: أي العطشان عطشًا شديدًا، وحاجة الظمآن إلى الماء كحاجة الجسد إلى الروح؛ فلا
стр. 110
حياة للجيد بلا روح، وإلا كان جثة هامدة، كما أن الرّيّ يرد الروح إلى الجسد، فيعيد إليه الحياة من جديد؛ فلو حلَّ محله لفظ إنسان لما أوحي بهذه المعاني العميقة والحسية، و"ماء": لأن فيه الحياة، وكم يتمنى العطشان أن يرى الماء بعينيه؟ فما بالك حين يروي ظمأه؟ إنه الحياة!، ولو حل شيء مكان الماء لما عمرت الصورة بالخصوبة والثراء، ولما اتسعت للإحاطة والاستيعاب، ولما نبضت بالوحي والإشارة، و"حتى": تفيد أن غاية الظامئ الحبيبة إلى نفسه هي الماء، لا يريد غير ذلك، فما بالك إذا خاب الرجاء، وباءت المفاجأة بالفشل، فتكون الطامة الكبرى، و"إذا": التي تدل على التحقيق والإصرار على الوصول إلى السراب، والحصول على الماء، لأن العطشان لا يستغني عنه بحال، كما لا يستغني الجسد عن الروح، ولم يجد شيئًا؛ فجاءت شيئًا في سياق النفي؛ لتدل على العدم المطلق؛ فلا شيء مطلقًا؛ فلو حل الماء محله لبقيت هنا بوارق الأمل في أن يجده بعد ذلك، أو يجد جزءًا منه، قال الرماني: "ولو قيل يحسبه الرائي ماء ثم يظهر أنه على خلاف ما قُدِّر لكان بليغًا، وأبلغ منه لفظ القرآن؛ لأن الظمآن أشد حرصًا عليه وتعلق قلبه به"١، ووجد الله عنده: المراد وجد عقاب الله وعذابه؛ لكن التصوير القرآني جعل في ذكر الله ﷻ من الرهبة والخوف مما يبهت الكافر ويمحقه في إنكاره لوجود الله عنده، بعد أن أنكر حساب الله وعقابه، ثم يفاجأ بعد الرغبة والمشقة بتلك الحقيقة القاهرة، وهي وجود الله أمامه وهو سريح الحساب، وقوله تعالى: ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَه﴾ لتوحي الفاء بسرعة العقاب، وعاقبة العمل السيء، فمعناها الترتيب والتعقيب؛ فتدلُّ على تلاحق العذاب بلا ترتيب، لينزل به بمجرَّد تبدُّد الأمل وانعدام الرجاء، و"وفاه": لا