وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٣، ٤] .
أما غير مصدر الصوم أو الصيام، فقد ورد في القرآن الكريم بلفظ المضارع في سورة البقرة: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، وورد في سورة الأحزاب بلفظ "الصائمين": ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] .
стр. 178
آيات الصيام:
بهذا يتضح الفرق الكبير بين الصيام والصوم في تصوير القرآن لفريضة شهر رمضان، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] ، وفي قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧] .
وختام آيات الصيام في الآية الأولى والآية الأخيرة بالتقوى توضيح لأهدافه السامية، وغايته الشريفة وهي التقوى، ولا تتحقق إلا بما يفيده معنى الصيام من المثابرة والمجاهدة والمتابعة والمشاركة والمرابطة والصراع مع هوى النفس ونزغات الشيطان والانتصار عليهما، ومحاربة النزوات والشهوات والملذات والمحرمات والمكروهات والإسراف والبخل والحرص والأثرة والأنانية، والمسارعة إلى الطاعات وفعل الخيرات
стр. 179
وغيرها من أخلاق الصيام وقيمه السامية التي تنتهي بالصائم إلى تقوى الله تعالى؛ فقد لازمت آيات الصيام "لعلكم تتقون -ولعلهم يتقون"، فالصيام ليس الإمساك عن الطعام والشراب والنكاح فقط؛ بل مجاهدة النفس في تحقيق الفضائل، والبعد عن الرذائل، وفي الحديث الشريف: "رب صائم حظَّه من صيامه الجوع والعطش" رواه أحمد، وفي الحديث الصحيح: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" رواه أحمد وغيره.
وقوله ﷺ : "الصوم جنة- أي تقوي ووقاية-، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابَّه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم، إني صائم" رواه البخاري.
قال رسول الله ﷺ في حق امرأتين صامتا عن الطعام والشراب وجلستا تغتابان المسلمين وتنهشان أعراض العباد: "إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان من لحوم الناس" رواه أحمد.
وقال أيضًا: ليس الصيام من الأكل والشرب وإنما الصيام من واللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل إني صائم" رواه ابن حبان.
لهذا كله كان واضحًا أن صيغة "الصيام" وعاء لغوي كبير، وصورة قرآنية تصور جهاد النفس في صيامها، وجهادها مع الضروريات ومقومات الحياة من الطعام والشراب، وجهاد النفس مع الملذات والشهوات، ومع المحرمات والممنوعات، وتصور جهاد النفس في المسارعة إلى الخيرات، ومضاعفة الحسنات، والتسابق إلى الحب والإخاء
стр. 180
والتعاون والنصرة للمظلوم وللحق، وإلى الإنصاف والعدل والجود والكرم والعزة والإباء والقوة والبناء.
إن صيغة الصيام لا الصوم ثرية بالمعاني والمضامين، تتسع للجوانب الرحبة في التشريع الإسلامي لهذه الفريضة، وتستوعب كل ما تهدف إليه من غايات شريفة وأهداف سامية، تلتقي جميعًا في أساسين كبيرين: وهما البناء الجسدي السوي الصحيح، والبناء الأخلاقي الفاضل القويم، وسنقف معهما بإيجاز:
стр. 181
البناء الجسدي:
فلا يستطيع المؤمن أن يداوم على طاعة الله تعالى ويتزوَّد منها إلا إذا كان صحيح البدن، سويّ الخلقة، قوي البنية، ولا يتم ذلك بكثرة الطعام وبالإسراف في المأكل والمشرب، بل وحسب المؤمن لقيمات يقمن ظهره، فنحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع، ولما كان الإنسان لا يستطيع ضبط نفسه من شدة الإقبال على الطعام والإفراط فيه، شرع الله تعالى رحمة بعباده فريضة الصيام شهرًا في كل عام، يرد إلى الجسم توازنه وقواه وسلامته ونشاطه؛ فالمؤمن القوي في عقله وبدنه وكيانه ودينه خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، لقد كانت حكمة الله اللطيف الخبير أن يفرض على المؤمنين فريضة الصيام قبل معركة بدر الكبرى، وهي المعركة الفاصلة بين الكفر والإيمان في شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة؛ ليُعِدَّ الله من المؤمنين جندًا قويًّا في بدنه، وفي إيمانه، فقد صاموا أكثر من نصف شهر رمضان قبل دخولهم المعركة، فكان الصحابي منهم بعشرة من الكفار، لأن الصيام نقى جسدهم من الأمراض، وخلَّص جوفهم من كل داء، فالمعدة بيت
стр. 182
الداء، والحَمَيَّة رأس الدواء، فالصيام يقضي على أمراض الجسد والجهاز الهضمي من سوء الهضم والتخمة والبطنة والسمنة، ويخلصه من الرواسب والسموم والفضلات، ويطهر الأمعان ويقضي على البطر والغفلة بسبب الشبع وكثرة مباشرة النساء، ويغدو الإنسان رشيقًا قويًّا ضامرًا؛ فيعود إليه توازنه واتزانه، وفيما رواه ابن السني وأبو نعيم عن النبي ﷺ : "صوموا تصحوا"، وحسنه السيوطي، فقد جعل النبي ﷺ "الصوم وجاء ليقطع شهوة النكاح لمن لم يستطع مؤنة الزواج"، وكما قال أيضًا: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيقوا مجاريه بالجوع"، فتنغلق أمامه أبواب الشهوات والملذات والوساوس والتردد وتناقض الفكر والمزاج.
стр. 183
وأما البناء الأخلاقي:
أما القيم الإسلامية والأخلاق القرآنية التي يغرسها الصيام وينميها في نفس الصائم يحييه بالذكر والقرآن، وبالصلاة والقيام، وبالصدقة والزكاة، وبالهجرة عن المعاصي واللغو والرفث، فيغض البصر، ويقمع الشهوة والنظر، ويحبس اللسان عن اللغو والعبث، ويصون اليدين والرجلين، ويظهر العقل والأذن، فقد ذم الرسول ﷺ المرأتين اللتين صامتا عن الحلال والطعام، وأفطرتا على اغتياب الناس ونهش أعراض المسلمين، وليس الصيام من الأكل والشرب، وإنما الصيام من اللغو والرفث، ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ
стр. 184
هُمُ الْعَادُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ١-٩] ، فكلها من أخلاق الصيام، ومن أخلاق الصيام الوفاء بالعهد وأسمى أنواع الأمانات التي تكون ابتغاء مرضاة الله ، فقد يزداد الأمين حرصًا على أمانته كلما أحسن بأن الناس من حوله يكثرون الثناء عليه، ويشيدون بأمانته، فيظهر للمطرين أشد حرصًا عليها، ويتراءى للمادحين أشدّ تمسكًا بها ابتغاء مرضاتهم ومزيدًا من الثناء والمدح، لا ابتغاء مرضاة الله، أما أمانة الصيام فهي سرٌّ بين العبد وربه، فهو سبحانه يعلم السر وأخفى، فلا يدركها إلا الله ، لأن أمانة الصيام لا تظهر حقيقتها في القول والعمل إلا لله سبحانه، فتسجل على الصائم السيئات أو له الحسنات: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"، وما أشد حاجة الإنسان والأمة الإسلامية إلى هذه الأمانة الخاصة لوجه الله الكريم؛ فإنها تسمو بالإنسان عن حب الذات إلى العمل الصادق والبناء، فيمتلئ قلبه بالرضى، ويسعد في الدارين، وتقوى الأمة وتنصر على أعدائها "فلا إيمان لمن لا أمانة له".
ومن أخلاق الصيام: تربية الإرادة القوية، وتنمية العزيمة الصادقة وغرسها، في النفس، وذلك حينما يقبل الصائم بنفس راضية على صيام ثلاثين يومًا متتابعة، وعلى قيام ليلها على الرغم من شدة الحر أو قسوة البرد، ومن جهاد النفس بالعمل وتحصيل الرزق، ومن مقاومة الرغبات والمغريات والشهوات والملذات، وهو فرح مسرور بصيامه "للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه"، قال النبي ﷺ : "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه"، "ومن قام
стр. 185
رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"، "ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه، وما أشد حاجة الإنسان من حياته إلى قوة الإرادة وصدق العزيمة وحاجة الأمة الإسلامية إلى أمثاله من المؤمنين الأقوياء الصادقين.
ومن أخلاق الصيام تربية النفس على تحمل المكاره والمشقات والصبر عليه، فالصائم حين يصبر فيمنع نفسه وهواها من ضروريات الحياة وقوامها، وما به حياتها أو موتها، فيكف عن الطعام والشراب وهو ضروري من ضرورات الحياة، لهو قادر على أن يمنع نفسه من الشهوات والملذات ومغريات الحياة وهوى النفس ونزغات الشيطان، فأمرها أهون، فهو "شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة" كما يقول النبي ﷺ ، وقال أيضًا: "فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم"، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ آخر سورة آل عمران.
فالمؤمن الصابر تهون أمامه كل الشدائد والمشقات في بناء الحياة وتقدمها، لا يكلّ ولا يملّ، ولا يعجز ولا يضعف، ولا يفرّ ولا يجبن، ولا يحزن ولا يجزع، فهو مؤمن بقضاء الله وقدره "ومن لم يرضَ بقضائي فليخرج من تحت سمائي وليتَّخذ ربًّا سواي"، ولولا الصبر والثبات للسلف الصالح لما كان لهم هذا المجد الكبير الذي حيَّر العقول وهوَّن أمر الشعوب من بعدهم، ومن هنا كان الصبر نصف الإيمان، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاة﴾ .
стр. 186
ومن أخلاق الصيام: رقَّة القلوب وعطف النفوس وحنانها وامتلاؤها بالحب والإخاء والمودة والتعاون والمواساة والتكافل والمساواة والعدل والإيثار والتضحية، كل ذلك ينمو في النفس ويغرسه الصيام في الصائم حينما يشعر بالحرمان والجوع والعطش، وكل ذلك ميسر تحت يديه، قد حرمه عليه الصيام، عند ذلك يدرك ألم الفقير والمحتاج فلا يقسو عليه، وإنه لا يكون إنسانًا إلا بمشاركة أخيه الإنسان بهذه المعاني السامية، فالناس سواسية كأسنان المشط، كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لأحد على آخر إلا بالتقوى؛ فينمي الصيام هذه الفضائل ويغرسها في نفس الصائم، فلا تجد في الأمة الإسلامية جائعًا ولا عاريًا، ولا مهضومًا ولا مغبوبًا، ولا حاقدًا ولا حاسدًا، ولا ضعيفًا ولا مكروهًا ولا منبوذًا ولا حقيرًا، ولا عاطلًا ولا معدومًا، ولا مظلومًا ولا مغصوبًا، فما خلق الله سبحانه إنسانًا على وجه الأرض إلا تكفَّل برزقه، لكنه قد يكون على يديه أو على يدي غيره، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ، وقال أيضًا: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ، فهي أرزاق الفقراء تُرَدّ عليهم من الأغنياء، كل ذلك وأكثر من ذلك من أخلاق الصيام، قال النبي ﷺ : "وهو شهر المواساة وشهر يزاد فيه الرزق، من فطر صائمًا كان مغفرة لذنوبه وعتق من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره"، قالوا: يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر به الصائم، قال رسول الله ﷺ : "يعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائمًا على مِذْقَة لبن أو تمر أو شربة ماء، ومن سقى صائمًا سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة" رواه ابن خزيمة والبيهقي، وقال النبي ﷺ : "أفضل الصدقة: صدقة في رمضان"
стр. 187
رواه الترمذي.
ومن أخلاق الصيام أن يسود النظام وتعم المساواة بين أقطار الأمة الإسلامية قاصيها ودانيها، فكلهم في أيام معدودات يصومون شهرًا جميعًا، ويصلون التراويح جميعًا، ويتوقعون ليلة القدر جميعًا، ويُسرعون إلى الإفطار جميعًا، وينوون الصيام بعد السحور جميعًا، ويتصدقون بصدقة الفطر جميعًا، ويختلفون بعيد الفطر جميعًا، فتصير الأمة في كل شهر كالجسد الواحد، تنتظم أعضاؤه بروح واحدة في اتساق وجمال ومساواة وتناظر، ويجتمعون على قلب رجل واحد في وحدة واعتصام وهيبة ووقار، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ ، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ .
ومن أخلاق الصيام: تنمية غريزة المراقبة لله في السر والعلن، وغرسها في النفس، فتنشأ من مراقبة القلب لله طول اليوم وهو صائم، فهو على يقظة تامة وحذر شديد من الوقوع فيما يفطر أو يغضب الله ، ومن مراقبة الله وتذكره دائمًا أثناء الإفطار والسحور وما بينهما في قيام الليل والتهجد فيه، فيشتغل القلب بذكر الله ومراقبته بالنهار والليل، وهكذا حتى ينتهي الشهر، وبذلك تقوى غريزة المراقبة لله، ويظل القلب عامرًا بها طول العام، بل الدهر كله، فيكون الصيام وقاية من الوقوع في المعاصي، وتقوى له حفظًا مما يغضب الله ، قال النبي ﷺ : "الصوم جنة ما لم يخرقها"، وقال: تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ .
стр. 188
ومن أخلاق الصيام: أنه يرتفع بصاحبه عن الحيوانية إلى شرف الإنسانية لتحقيقها بالصيام نفسًا وروحًا، لا جسدًا ومادة وشهوة، بل يسمو إلى مصافّ الملائكة الذين يعبدون الله بالليل والنهار لا يفترون، فالصيام يهذِّب النفس ويصفي الروح ويطهر القلب فتنأى عن الشهوات والملذات، وتتعفف عما يهبطهما إلى نهم الحيوان وغفلته، فلا يضخع لمطالب الجسد وحكم الغريزة الحيوانية، وتتغلب روحه على جسده، ليكون هو الإنسان الكامل المتدبر في ملكوت الله، والمفكر في مخلوقاته، ويتحرَّر من سلطان هواه وغرائزه الحيوانية.
وفي النهاية فأخلاقيات الصيام كثيرة لا ستع لها المقام في هذا الموضوع، مثل: التواضع، والتراحم، والترابط، والجد، والحزم، والإيثار، والخوف، والرجاء، وغيرها وغيرها.
قال النبي ﷺ في الصيام: "شهر أوله رحمة ووسطه مغفرة وآخره عتق من النار" رواه ابن خزيمة والبيهقي من حديث سلمان ﵁، فكان الصائم مستجاب الدعوات لما ذكره الله تعالى مع آيات الصيام وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ .
اللهم استجب دعاءنا -وتقبل صلاتنا وقيامنا وصيامنا واختم بالصالحات أعمالنا- اللهم إنك عفوٌّ كريم تحب العفو فاعفُ عنا.
стр. 189
أدب التعبير عن المباح:
من الإعجاز في التصوير القرآني لرمضان شهر الصيام أنه تميز عن غيره بأنه شهر غلبت عليه العبادة والبعد عن الملذات، والزهد في
الشهوات المختلفة المحرم منها والمباح.
لذلك كان أفضل الشهور عند الله والناس فهو شهر عظيم مبارك، من صام وقام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، لهذا كله جاء التصوير القرآني لما يباح للرجل من زوجته في ليلة الصيام من الرفث في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] ، والرفث لفظ قبيح، معناه في اللغة الفحش، وما يقع من الزوجين مما هو مذموم في غير هذا المقام، قال الأزهري والزجاج: "الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من امرأته"، يقول الشاعر:
وبهن عنرفث الرجال نفر
ويتضح ذلك أكثر في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] ، وفي الحديث الشريف: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه.
وعلى ذلك فالرفث هو الفحش من القول والفعل، ويظهر الإعجاز في التصوير القرآني للرفث مع الصيام، مع أن القرآن في إعجازه أيضًا استغنى عنها في مواطن أخرى كثيرة تحفظًا في التعبير بالقبيح، وتصونًا من الفحش، قال تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ، ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] ، ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] ، ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ،
стр. 190
﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ ، وغيرها من الكنايات المهذبة الراقية في أدب التعبير عن ذلك.
لكن التصوير القرآني هنا آثر التعبير عن الرفث في شهر الصيام لأغراض بلاغية وأخلاقية، منها: إباحة مشروعية الجماع في ليالي رمضان بعد أن كان محرمًا، فكنَّى بالرفث عن إباحته للصائم ليلة الصيام، لا في النهار ولا في المساجد أثناء الاعتكاف، قال ابن عباس ﵁: "إن الله كريم حليم يكني عن الجماع"، قال تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ، ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ، قال البراء ﵁: "لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان الرجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله عليهم: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] .
كما تفيد إيثار كلمة الرفث إباحة كلام النساء من الجماع في ليالي رمضان ومقدماته، ويفيد ذكر الرفث أيضًا الإقلال من الجماع في ليالي رمضان والزهد في مباشرة النساء، والتنفير من الملذات والشهوات، لينصرف الصائم إلى شهر العبادة وإلى التحلِّي بالزهد والصيام، والاشتغال بالصلاة وقراءة القرآن وعمل الطاعات، وخاصة في العشر الأواخر، كما في الحديث الشريف كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر شدَّ مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله، وفي رواية أخرى: وطوى فراشه واعتزل النساء.
وما أروع التصوير القرآني للمباح في الصيام، والترخص فيه،
стр. 191
كما في الحديث الشريف: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه"، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ، فقد أباح للمريض والمسافر والشيخ الهرم رخصة الإفطار مع اختلاف في طريقة القضاء، فالمريض والمسافر عليهما القضاء بصيام الأيام بعد رمضان مباشرة حتى لا يلاحقه الأجل، لما تدل عليه "الفاء" من الترتيب والتعقيب المباشر في ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ، وأما الشيخ الهرم فعليه استخراج فدية طعام مسكين لا القضاء بالصيام، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ ، فمعنى يطيقونه يصومونه بعسر ومشقة وشدة، وفي غير القرآن يقال: "وعلى الذين لا يطيقونه" أي: لا يستطيعون الصيام، والإعجاز في التصوير القرآني هنا لأسباب كثيرة، لأن التصوير القرآني صريح في أداء المراد ولا يحتاج إلى تأويل، وما لا يحتاج إلى تأويل أولى مما يحتاج إلى تأويل، فلا داعي لتقدير محذوف وهو "لا"، لأن الطوق هو المشقة والجهد العنيف، فالهرم والحامل والمرضع يستطيعون الصوم لكن بمشقة وعسر عظيمين، لذلك فهم مخيرون بين الرخصة لهم في إباحة الإفطار، وبين الصيام وهو خير لهم، وهذا هو موطن الإعجاز في التصوير القرآني، لأن تقدير "لا" المحذوفة تؤدي إلى تسليط النفي على الشدة والمشقة في "الطوق" فيلزم منه الإفطار والرخصة والفدية مما يتنافى مع الأفضل وهو الصوم في قوله تعالى بعده: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وهو الخير المراد من الآية، لأن الطاقة كما يقول الراغب الأصفهاني: "اسم لمقدار ما يمكن للإنسان
стр. 192
أن يفعله مع المشقة وشبه بالطوق المحيط بالشيء"، وأن الاحتمال لم يرد بعد رخصة المريض، والمسافر مباشرة، كما ورد بعد الطوق في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ لأن الصوم قد يضاعف المرض فيقتل المريض، ويهلك المسافر، وخاصة بوسائله في الماضي، فكم أهلكت القوي الشديد، إنه الإعجاز في التصوير القرآني.
стр. 193
أنوار الإمساك والإفطار:
قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ، بلغت هذه الآية الكريمة حد الإعجاز في التصوير القرآني لبداية الإمساك ونهايته من ليل رمضان ونهاره، بالحروف والكلمات والصور الواقعية من الطبيعة بما لا يتأتى على مثاله من تصوير للقيم الخلقية والتشريعية بدقة متناهية وقول فصل لا يقبل الطعن والجدل.
فقد جاء الأمر بالأكل والشرب على سبيل الوجوب من بداية الليل الواضحة حين يبدأ بغروب الشمس، وهو أمر قاطع لا يختلف عليه اثنان في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل﴾ ، ويمتد الليل طويلًا لغاية آخره، تحددت أبعاده بكلمة واحدة وهي "حتى"، وأما نهاية الليل وبداية الإمساك ليس أمر فاصلًا كغروب الشمس، لذلك كانت مقومات التصوير القرآني متنوعة، فاقتضت التأكيد في التعبير عن الظهور بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّن﴾ بزيادة التاء وتكرار الياء بالشدة عليها، لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، كما يحتاج الأمر إلى قرار جماعي لا فردي في قوله تعالى: ﴿لَكُمُ﴾ أي: جمع متواتر لا يتواطئون على الكذب،
стр. 194
لأن الفصل بين بداية النهار ونهاية الليل أمر غير ظاهر ولا فاصل، بل يحتاج إلى تأمل ومشاركة في إصدار القرار الفاصل بين الليل والنهار.
وكان لابد من تحريك الوجدان بصورة حية متحركة من الواقع المحسوس والملموس، مما لا يقبل الطعن أو الشك، وذلك حينما يظهر الخيط الأبيض من الفجر لا خيوط تزاحم خيط الليل الأسود، ولا خيوطه الكثيرة التي تمحو الخيط الأبيض، ثم التأكيد على الخيط الأبيض بأنه ليس بأشعة الشمس الذهبية، وإنما هو خيط يتفجَّر من نور الفجر.
كما أن التعبير بمن التي أفادت التبعيض عن الخيط الأبيض يدل على أن الأصل هو الليل، فمن أكل في نهايته وهو شاكّ فلا يفطر، لأنه الأصل، على العكس من الإسراع إلى الإفطار بالنهار قبيل الغروب، فصاحبه مفطر وعليه القضاء، لذلك كان من المستحب تأخير السحور وتعجيل الفطور بعد الغروب مباشرة.
تجد هذه الروعة بل أكثر إذا تأملت قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ، قال النبي ﷺ : "إنما ذلك بياض الصبح وسواد الليل" لعدي بن حاتم يصفه بعدم التأمل حين عمد بعد نزول الآية إلى عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض، فجعلهما تحت وسادته جعل ينظر إليهما، فلما تبين له الأبيض من الأسود أمسك، فقال له: "إن وسادك إذن لعريض".
стр. 195
الفصل الرابع: تربية النشء ومراحله في التصوير القرآني والسنة الشريفة
أدب الطفولة بين القرآن الكريم والسنة الشريفة
...
الفصل الرابع: تربية النشء ومراحله في التصوير القرآني والسنة الشريفة
أدب الطفولة بين القرآن الكريم والنسة الشريفة
أدب الإسلام للطفل: فطرة وعبادة:
يهذِّب الإسلام الطفل منذ مراحله المبكرة بأدب سام، يوقظ فيه كل حين الفطرة المستقيمة، والخليقة الخالصة النقية، التي تفضل بها الله على خلقه في إبداعاته، حين يتلو أو يسمع قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠] ، فيسلك المنهج القويم ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ١-٣] ، ويميز بين الطيب والخبيث، والهدي والفجور، ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ فألهمها فجورها وتقواها ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧-١٠] ، لتختار من النجدين طريق الخير لا طريق الشر ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ٨-١٠] ، فأقرت الروح البشرية بذلك إيمانًا بربها وخالقها منذ الأزل ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ، لذلك حثَّ القرآن الكريم في أدبه المعجز العباد على الطريق المستقيم والهدي، والوقاية من الضلال، والعذاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] ، كما
стр. 196
حثَّ النبي ﷺ في أدب بليغ يتردَّد صداه في جوانب النفس وحنايا الوجدان: "كل مولود يُولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" أخرجه البخاري ٤١٠/ ١، ورغب في مخالطة الأخيار، ونهى عن مجالسة الأشرار "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" رواه أبو داود والترمذي والحاكم، وقال أيضًا: "إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبًا، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة" رواه مسلم ٤/ ٢٠٢٦، وقال أيضًا: "لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا تأكل إلا مع تقي" رواه أبو داود في ٥/ ١٦٧، والترمذي برقم ٢٣٩٧؛ لذلك قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨] ، ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] ، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم: ٢٩] ، ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧-٢٩] ، ويقول علي بن أبي طالب ﵁:
فلا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى ... حليمًا حين آخاه
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما المرء ماشاه
وللشيء من الشيء ... مقاييس وأشباه
وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه١
стр. 197
أدب الرحمة بالطفل عبادة وسلوك تربوي:
إذا عاش الطفل في أسرة تفيض بالحب والرحمة، وفي مجتمع يلفه بالشفقة والعطف والحنان، ينشأ متأدبًا بآداب الرحمة، متذوقًا لأساليب الحب والجمال والخير والحق، فيشب الطفل عاشقًا للرحمة والمحبة، متخذًا صورها الجميلة في قوله ومنهجه وسلوكه؛ لأن أدب الإسلام في جميع صوره حث عليها منذ الصغر على أنها عبادة وطاعة، ومنهجًا وسلوكًا؛ فقد صور القرآن الكريم الرحمة بما يعجز عنه البشر؛ فلم تخل سورة من تصوير قرآني لها تهتز لها العاطفة، وتبعث فيها الحرارة والصدق والدفء، وتغمر الوجدان فتحييه بالإيمان والإخلاص، والحب والمودة، فأصبح مفتاح كل سورة ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ، لأن الله ﴿الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَة﴾ [الأنعام: ١٣٣] ، ورحمته وسعت كل شيء ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ [الأنعام: ١٤٧] ، وجعل آية الزواج وثمرتها العجيبة المودة والرحمة في السكن والولد ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] .
وفي الحديث الشريف يخبر النبي ﷺ عن رب العزة: "لما خلق الرحم قال تعالى: أنا الرحمن وأنا الرحيم شققت اسمك من اسمي، فمن وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته" ٢، وعن أبي هريرة ﵁
стр. 198
عن النبي ﷺ قال: "إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال نعم؛ أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فهو لك"، قال رسول الله ﷺ : فاقرءوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ " أخرجه البخاري ١٠/ ٥٣٢، وقد حثت الأحاديث الشريفة على الرحمة بالبنين والبنات، وتأديبهم بآدابها البليغة وصورها الأدبية الجميلة، التي تتفتح لها منافذ الإدراك في النفس، وفي رواية أبي سعيد الخدري قال رسول الله ﷺ : "من عال ثلاث بنات فأدبهنَّ ورحمهنَّ وأحسن إليهنَّ فله الجنة" رواه الإمام أحمد ٣/ ٩٨، وفي رواية جابر بن عبد الله: قال رسول الله ﷺ : "من كان له ثلاث بنات يؤدبهن ويكفيهن ويرحمهن فقد وجبت له الجنة البتة، فقال رجل من القوم: وثنتين يا رسول الله؟ قال: وثنتين" رواه البخاري في الأدب المفرد، وفي رواية أخرى: "وواحدة"، وعن ابن عباس ﵁ قال النبي ﷺ : "أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم" أخرجه ابن ماجه ٢٩١/ ٢، وروى عبد الله بن عمر قال: "أدب ابنك فإنك مسئول عنه، ماذا أدبته؟ وماذا علمته؟ "١، وعنه أيضًا: قال رسول الله ﷺ : "كلُّكم راعٍ ومسئول عن رعيته، فالإمام راعٍ وهو مسئول عن رعيته، والرجل في أهله راع، وهو مسئول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية، وهي مسئولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راعٍ، وهو مسئول عن رعيته" متفق عليه ... البخاري ٧١٨/ ٢.
وحث الإسلام الكبير على الرحمة بالطفل لضعفه وقلة حيلته،
стр. 199
فإذا امتلأت قلوب الأطفال بصور الرحمة الجميلة وأدبها المهذب، شبوا قادرين على النهوض بأمة الإسلام؛ لتكون العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦] ، ومن الباقيات الصالحات رعايتهم وتأديبهم، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] ، روى أبو هريرة قال: "قبل رسول الله ﷺ الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا؛ فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: "من لا يرحم لا يرحم" أخرجه البخاري ٤٢٦/ ١٠، وقال أبو قتادة ﵁: "خرج علينا رسول الله ﷺ وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه، فصلى فإذا ركع وضعها، وإذا رفع رفعها" أخرجه البخاري ٤٢٦/ ١٠، وعن عائشة ﵁ أن النبي ﷺ "وضع صبيًّا في حجره يحكنه فبال عليه فدعا بماء فأتبعه" أخرجه البخاري ٤٣٣/ ١٠، وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: "صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الأولى، ثم خرج إله أهله وخرجت معه، فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدَّيْ أحدهم واحدًا واحدًا، قال: وأما أنا فمسح خدِّي فوجدت ليده بردًا وريحًا كأنما أخرجها من جؤنة عطار" أخرجه مسلم ١٨١٤/ ٤ "وجؤنة العطار: وعاء يعد فيه الطيب".
وعن أسامة بن زيد ﵂ كان رسول الله ﷺ يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن بن علي على فخذه الآخر، ثم يضمهما ثم يقول: "اللهم ارحمهما فإني أرحمهما" أخرجه البخاري ٤٣٤/ ١٠،
стр. 200
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ ، كان إبراهيم مسترضعًا في عوالي المدينة، وكان ينطلق ونحن معه، فيدخل البيت، وأنه ليدخن، وكان ظئره قينًا، فيأخذه فيقبله ثم يرجع" أخرجه مسلم ١٨٠٨/ ٤ "والظئر: زوج المرضعة، وقينًا: حدادًا"، وعن أبي هريرة ﵁ قال: خرجت مع رسول الله ﷺ في طائفة من النهار، لا يكلمني ولا أكلمه، حتى جاء سوق بني قينقاع، ثم انصرف حتى أتى خباء فاطمة فقال: أثمَّ لكع، أثمَّ لكع "الصغير" يعني حسنًا؛ فظننًا أنه إنما تحسبه أمه لأن تغسله وتلبسه سخابًا "قلادة الأطفال"؛ فلم يلبث أن جاء يسعى حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم إني أحبه وأحبُّ من يحبه" أخرجه مسلم ١٧٨٢/ ٤، وعن يعلى بن مرة أنه قال: خرجنا مع النبي ﷺ ودعينا إلى طعام؛ فإذا حسين يلعب في الطريق، فأسرع النبي ﷺ أمام القوم، ثم بسط يديه؛ فجعل إحدى يديه في ذقنه والأخرى في رأسه، ثم اعتنقه، ثم قال النبي ﷺ : "الحسين مني وأنا من الحسين، أحبّ الله حسينًا، الحسين سبط من الأسباط" أخرجه البخاري ٤٥٩/ ١.
عن أم خالد بنت خالد بن سعيد قالت: "أتيت رسول الله ﷺ مع أبي وعليَّ قميص أصفر، قال رسول الله ﷺ : "سنه، سنه"، قال عبد الله: وهي بالحبشية: حسنة، قالت: فذهبت ألعب بخاتم النبوة، فزوَّجرني أبي، قال رسول الله ﷺ : دعها، ثم قال رسول الله ﷺ : "أبلي وأخلقي" "دعا لها باستهلاك ثياب كثيرة"، قال عبد الله: فبقيت حتى ذكر يعني: من بقائها" أخرجه البخاري "٤٢٥/ ١٠، وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقًا، وكان لي أخ يقال
стр. 201
له أبو عمير -قال كنت أحبه وكان فطيمًا- قال: فكان إذا جاء رسول الله ﷺ قال: يا أبا عمير، ما فعل النفير بك؟ قال: فكان يلعب به، أخرجه البخاري ٤٢٦/ ١٠، وقال أبو هريرة: "سمعت أذناي، وبصرت عيناي هاتان رسول الله ﷺ آخذ بيديه جميعًا بكفي الحسن أو الحسين -صلوات الله عليهما- وقدميه على قدم رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ يقول: ارق، فرقى الغلام حتى وضع قديمه على صدر رسول الله ﷺ ، ثم قال رسول الله ﷺ : "افتح فاك"، ثم قال: "اللهم أحبه، فإني أحبه" أخرجه البخاري ٣٤٨/ ١، وقال الطبراني: قال ﵊: "خير بيت في المسلمين يبيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه، أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا"، وجاء رجل إلى النبي ﷺ يشكو قسوة قلبه، فقال له: "أتحب أن يلين قلبك، وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك يلين قلبك، وتدرك حاجتك" كنز العمال ١٧٣/ ٣.
ومن القيم الخلقية في الأدب الإسلامي أدب العدالة بين الأطفال، فلا يضارون بصور الظلم وأنواعه من الأسرة أو من المجتمع، مما يترك أثرًا بناء في تهذيب نفسه، وفي رقة مشاعره وعمارة وجدانه؛ فيشب على المحبة والمودة والتعاطف والتعاون، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ ، ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ﴾ ، ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْط﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين﴾ ، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ ، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ ، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ ، ولقد أنقذ الخضر وموسى -عليهما
стр. 202
السلام- حقّ اليتيمين من مجتمعهما الظالم الشحيح ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٨٢] ، هذا ما يجب على المجتمع من رفع الظلم عن المسلم وعن الطفل الضعيف، وإرساء العدالة الاجتماعية بينهم، وأما موقف الأسرة من ذلك فقد قال تعالى فيها: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ إلى قوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩-١١] ، في تصوير قرآني معجز، وكذلك في ضرب مثلين متقابلين، أحدهما يصور المنفق على أهله وغيرهم ابتغاء مرضاة الله ، ولا يكون ذلك إلا بالعدل، والآخر لا يؤدي ذلك في تصوير قرآني يهزّ أعماق الكبير ووجدان الصغير؛ فالأول كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين، والآخر كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدًا، ثم يزيد الآخر توضيحًا وتفصيلًا وبلاغة وإعجازًا فيقول تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٦] .
والأحاديث الشريفة البليغة التي وردت في ذلك كثيرة، وهي عامة للأطفال وغيرهم؛ لكنني سأقتصر على بعض ما يخصّ الصغار لعدم الإطالة، قال عامر: "سمعت النعمان بن بشير ﵁ وهو على المنبر
стр. 203
يقول: أعطاني أبي عطية؛ فقالت عمرة بنت رواحة لأبي: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله، قال: "أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ " قال: لا، قال: "فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم"، قال: فرجع فردَّ العطية" أخرجه البخاري ٢١١/ ٥، وقال النبي ﷺ : "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن -وكلتا يديه يمين- الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولُّوا" أخرجه مسلم ١٤٥٨/ ٣.
стр. 204
تلاوة الأطفال للقرآن وسماعه تأديب وتربية وتعليم:
قال النبي ﷺ : "أدَّبني ربِّي فأحسن تأديبي"؛ لأنه تأدب بأدب القرآن، وتخلّق بأخلاق القرآن؛ فقراءة القرآن وسماعه أو حفظه يعرب اللسان ويهذِّبه؛ فيكون أعظم بيانًا وفصاحة، وبلاغة وأدبًا: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين﴾ ، ويرقى بالعاطفة فتتَّسم بالصدق والإخلاص في الإيمان، ويعمر الوجدان بالمشاعر الرقيقة والأحاسيس المرهفة، ويقوم العقل والفكر بقيمه السامية وأخلاقه وتشريعاته الزاكية، وبذلك تتحقق للإنسان السعادة في الدنيا والآخرة، فحينما حفظ الأطفال سورًا قصارًا بعد وفاة أبيهم، رفع الله العذاب عنه في قبره، بعد أن سأل النبي ﷺ أمهم وزوج المعذب في قبره عما صنعت بعد دفنه، لذلك قال النبي ﷺ : "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ، ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ
стр. 205
فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٢٩-٣٠] ، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] ، وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ عشر آيات في ليلة لم يُكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية كتب له قنوت ليلة، ومن قرأ مائتي آية كتب من القانتين، ومن قرأ أربعمائة آية كتب من الحافظين، ومن قرأ ستمائة آية كتب من الخاشعين، ومن قرأ ثمانمائة آية كتب من المخبتين، ومن قرأ ألف آية أصبح له قنطار والقنطار مائتا أوقية، والأوقية خير مما بين السماء والأرض، أو قال: خير مما طلعت عليه الشمس، ومن قرأ ألفي آية كان من الموجبين" "أي وجبت له الجنة" رواه الطبراني، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليك السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده" رواه مسلم وغيره.
وحينما عظم الله ثواب القرآن في الدنيا بما تقدَم ذكره من تحقيق السعادة فيها، وفي الآخرة بأعظم وأخلد أنواع السعادة برضوان الله لمن قرأه وعمل به، فشفَّعه فيه وأدخله الجنة، فإنما يحثُّ المؤمن على دوام قراءته وتعليمه لأهله وأولاده ورعيته؛ فهو مسئول عنهم، وعن الإنفاق على تعليمهم القرآن وعلومه، كما دلَّت الآيات السابقة في أدب قرآن معجز، والأحاديث الشريفة في بلاغتها الجامعة في أدب نبوي سام، يترك ذلك أثره البليغ والسريع في تأديب الأطفال وتربيتهم إذا ما تعلموها أو قرءوها في مراحل تعليمهم، وبالإضافة إلى ما سبق ما رواه جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "القرآن شافع مشفع، وما
стр. 206
حل به مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار" رواه ابن حبان، وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال رسول الله ﷺ : "يقال لصاحب القرآن: إقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها" رواه أبو داود وغيره، وما رواه معاذ بن أنس الجهني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ حتى يختمها عشر مرات، بنى الله له قصرًا في الجنة، فقال عمر بن الخطاب ﵁: إنا نستكثر يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : إذا الله أكثر وأطيب" رواه أحمد، وما رواه علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ القرآن فاستظهره فأحل حلاله وحرم حرامه أدخله الله الجنة وشفَّعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت لهم النار" رواه ابن ماجه والترمذي، وعن أبي أمامه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلى أن يموت" رواه الطبراني وابن حبان، لذلك حرص عبد الله بن عباس ﵁ الذي دعا له الرسول بدعوته المشهورة، ووصاه بوصيته المشهورة، لتي سنذكرها في مقامها هنا، فقد حرص أن يقرأ المحكم ولم يتجاوز عشر سنين، فقال: "توفي رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم"، مما جعل أطفال المسلمين يتدافعون لحفظ كتاب الله وتعلّمه حتى ضاقت المساجد بالصبيان، فاضطر الضحاك بن مزاحم معلم الصبيان ومؤدبهم إلى أن يطوف على حمار ليشرف على طلاب مكتبه الذين بلغ عددهم ثلاث آلاف صبي، وكان لا يأخذ أجرًا على عمله١.
стр. 207
ولهذا أصبح الأزهر الشريف أعظم جامعة وأقدمها في العالم قاطبة، لتخريجه علماء أجلاء ينشرون الإسلام وعلومه في بقاع العالم، لأنهم كانوا يحفظون القرآن الكريم في مراحل الطفولة المبكرة، ويتأدبون بأدبه السامي وبلاغته المعجزة، وكذلك الحديث الشريف.
ومما يضطر الأطفال إلى تأديبهم بأدب القرآن والسنة الشريفة أن الإسلام أوجب على الوالدين أن يرعى أولاده الأطفال منذ سبع سنين على سبيل الوجوب والإلزام بتعليمهم الصلاة، وأن يُعينهم على أدائها، وأن يضربهم عليها إذا ما بلغوا عشر سنين وانصرفوا عنها، قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] ، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع" رواه أبو داود، وعن أبي ثرية سبرة بن معبد الجهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "علّموا الصبي الصلاة لسبع سنين، واضربوه عليها ابن عشر سنين" رواه أبو داود والترمذي، وفي حديث الرسول ﷺ لأبي هريرة ﵁: "يا أبا هريرة، مر أهلك بالصلاة فإن الله يأتيك بالرزق من حيث لا تحتسب"، لأن اعتياد الصلاة وتكرارها في اليوم خمس مرات تؤدّبهم بما تهدف إليه عن طريق حفظ فاتحة الكتاب وترديدها، وحفظ كثير من السور القرآنية وبعض الآيات التي تعقب الفاتحة في الصلاة، وعن طريق سماع القرآن الكريم من الإمام في الصلاة الجهرية، وعن طريق سماع الخطبة في صلاة الجمعة، وهي فنّ أدبي من فنون النثر الفني، وما
стр. 208
اشتملت عليه من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة وأدب الصحابة والتابعين، والحاكم والأمثال والشعر الإسلامي الذي يتمثل به الخطيب في خطبة الجمعة والعيدين، أو في المحاضرات والندوات والدروس التي تلقي في المسجد أثناء مصاحبة الطفل لوالده، أو حضوره بنفسه للمشاركة في صلاة الجماعة، أو صلاة الجمعة والعيدين بعد أن يعتاد على الصلاة وحده.
стр. 209
وصية الرسول ﷺ للغلام عبد الله بن عباس:
ومن الدروس التي كان يلقنها الرسول ﷺ للأطفال وصيته لابن عمه عبد الله بن عباس ﵄ فيما رواه ابن عباس نفسه إذا قال: "كنت خلف رسول الله ﷺ يومًا فقال: "يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك: احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفَّت الصحف" رواه الترمذي ٦٦٧/ ٤، وزاد أحمد وغيره: "تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وأعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا".
هذه الوصية النبوية الشريفة تُعَدّ لوحة أدبية فنية غنية بالألوان والظلال، زاخرة بالقيم الخلقية والقيم الفنية في أدب الأطفال، تحمل طابعين أدبيين، ووجهين إبداعيين، أحدهما: إبداع المصطفى الأدبي الزاخر بقيم خلقية وقيم فنية في تأديب الأطفال، وثانيهما: نموذج أدبي
стр. 210
رفيع المستوى ومثل أعلى في البلاغة البشرية يسير على نهجه أدب الأطفال سواء من إبداعاتهم أو إبداع الأدباء لهم؛ لأن هذه الوصية تميَّزت بقيم كثيرة في أدب الأطفال، ومن أهمها:
١- مجالسة الأطفال للكبار، ليحرصوا على التعلم منهم، ويستنيروا بمعارفهم، ويقتدون بهم في سلوكهم، فقد لازم ابن عباس خير البشر، وسار خلفه تأدبًا وتقديرًا، وتوقيرًا لمكانة الأستاذ الأول والمعلم الأكبر ﷺ .
٢- تلقي ابن عباس ﵁ الوصية من رسول الله ﷺ ؛ ليعمل بها هو وأمثاله من الغلمان والشباب، لأن العبرة بعموم اللفظ والوصية لا بخصوص السبب.
٣- تخصيص ابن عباس ﵁ بهذه الوصية من بين الغلمان فيه دلالة على نجابته، ورجاحة عقله، فقد صدقت نبوءة الرسول ﷺ في خصوصيته؛ فصار حبر الأمة ورائد التأويل والتفسير لكتاب الله ، يتميز برجاحة العقل في الحوار، وقوة الحجة، ونصاعة الرأي.
٤- تعبير الرسول ﷺ في افتتاح الوصية بقوله: "يا غلام" وفي رواية: "يا غلامي" يوحي بحرارة العطف وعميق الحب والحنان، كما يشير إلى قرب منزلته وشدَّة حرصه عليه، مما يعين على فتح منافذ الإدراك الكثيرة في النفس من عاطفة ووجدان ومشاعر وخواطر وأحاسيس، فيكون أكثر إقبالًا على الوصية وأعظم قبولًا لها.
٥- يتميز أسلوب الرسول ﷺ هنا بالرقة، وتصويره الأدبي بالقرب والتيسير، حيث يقول: "إني أعلمك كلمات" أي: يسيرات
стр. 211
معدودات، مما يعيّن على تحريك الانتباه، وتفتح القلب؛ فيستقرّ مغزاه في القلب والعقل معًا.
٦- بلغ التعبير الأدبي الغاية في تصوير الطاعة لله ، والالتزام بالمحافظة على حدوده، ومما يستحق عليه الجزاء الأوفى من ربه؛ فيتحقَّق المراد ويطمئنُّ القلب في ثقة وإقدام، وذلك في قوله: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك".
٧- أن يغرس في نفوس الأطفال الاعتداد بأنفسهم وعدم التواكل أو الاعتماد على البشر، لأنهم لا يدفعون عن أنفسهم الضرر، ولا يجلبون لأنفسهم النفع، فكيف يكون ذلك لغيرهم، بل يجب الاستعانة بخالق البشر والخلق جميعًا؛ فهو وحده النافع أو الضار، وقد قضى الله بذلك منذ الأزل، فقد "رفعت الأقلام وجفَّت الصحف"، وذلك في تصوير أدبي من جوامع الكلم، يتزاحم بالقيم الكثيرة والمعاني الغزيرة على الرغم من الإيجاز في الأسلوب وقلَّة الألفاظ، فلا زالت الوصية تثير كثيرًا من القيم الخلقية والفنية الخالدة في تأديب الأطفال والسموّ بهم.
стр. 212
وصية لقمان لابنه:
ومن وصايا القرآن الكريم التي أعجزت الفصحاء في بلاغتها، وأثرها الإيجابي في تربية الأطفال وتأديبهم بأدب القرآن الكريم، وتجاوبهم مع أخلاقه الخالدة: وصية لقمان لابنه وهو يعظه؛ فهي درس خلقي وأدب رباني، لا زال يعطي لأطفال كل عصر ما يتناسب مع حضارته ومعطياته، ولكل جيل ما يهيئه ويعدُّه إعدادًا قويًّا صالحًا، يتجاوب مع هذه الحضارة وتلك المعطيات الحيَّة؛ بخلود القرآن الكريم،
стр. 213
وازدهار حضارته، وأصالة قيمه الخلقية والبلاغية؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ، يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٣-١٩] .
في هذا التصوير القرآني المعجز في بيان بلاغي أخاذ، يرسي قيمًا خلقية وتشريعية لعلاقة النشء مع ربِّه في قضية التوحيد وعدم الشرك بالله، وعلاقة النشء مع نفسه، وعلاقته مع والديه وأسرته، وعلاقته مع مخلوقات الله، كما توضح علاقة الأب بأبنائه منذ المراحل الأولى في حياته، فهو مسئول عن رعيته يرعاهم، ويرشدهم بأسلوب يفيض رقَّة وعطفًا وحنانًا، ويخاطب به العاطفة والعقل والمشاعر والوجدان؛ في بناء لجسده القوي، وتهذيب للروح الصافية، في توازن واتِّزان بينهما على السواء، وبذلك تصلح الأسرة؛ لتكون خلية حية وقوية في تشكل المجتمع الإسلامي قويًّا عزيز الجانب؛ فيسمو بحضارة الإسلام المتجدّد
стр. 214
في كل عصر ولكل جيل؛ لذلك احتوت الوصية على معالم رئيسة في بناء الطفل، وتكوينه على أسس قوية تجمع بين هذه العلاقات المختلفة:
١- تصور الوصية قضية التوحيد وإخلاص العقيدة لله وحده لا شريك له؛ فالشرك بالله ظلم عظيم وجرم كبير.
٢- تصور الوصية ما يجب على الأطفال من البر والطاعة في غير معصية للوالدين، ومصاحبتهما بالمعروف، مهما اختلفت أحوالهما وعلاقاتهما عرفانًا بالجميل، وإنصافًا لأصحاب الفضل عليهم.
٣- الحرص على طاعة الله وتوحيده، وطاعة الوالدين والبر بهما في الحياة كلها؛ فلا يهمل ذلك أو يغفل عنه؛ لأنه محاسب على ذلك عندما يرجع إلى ربه، فالله وحده خلقه وأماته وأعاده إليه ليحاسبه على تفريطه وعصيانه.
٤- تصور الوصية مراقبة الله له في كل حين، وإحاطته بكل شيء؛ ليغرس في نفسه منذ المراحل الأولى للطفولة غريزة المراقبة والحضور والخوف، والتدبر، والتفكير العميق، والاهتمام والعزيمة الصادقة، والمتابعة والتواصل، وذلك في تصوير تهتزُّ له العاطفة، ويمتلأ به الوجدان والقلب رهبة ورغبة ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ .
٥- تنمية القيم الخلقية والعلاقات الاجتماعية التي تحييها وتجدِّدها: أداء الصلاة، ومواصلة الصبر في المعاملة مهما كانت الشدائد والعقبات، والحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ليؤدِّي الطفل دوره الفاعل في بناء نفسه، ولا يقصر في تقدم مجتمعه ورفعته.
стр. 215
٦- تصور الوصية قيمًا خلقية سامية، يتعامل بها مع المجتمع من حوله، فلا يؤذي مشاعرهم، فيصدر عنه ما يكرهونه، أو يفرق وحدتهم، ويفسد المودَّة بينهم؛ فتنفره من الكبر والخيلاء والإعجاب بالنفس وهتك الحرمات، والخوض في أعراض الناس وتلويث البيئة بالأفعال القبيحة والصور المنفرة والأصوات المزعجة، وذلك في صور يهتزّ لها الوجدان، وينخلع منها القلب، وتتفق مع الفطرة والعقل جميعًا ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ .
٧- تؤكِّد الوصية أن القيم الإنسانية والخلقية تتفق مع فطرة الإنسان في كل عصر، ولكل الأجيال؛ فما أوصى به لقمان في الماضي البعيد أقرَّه الإسلام، ولا زال يقره ويحث عليه في الحياة الدنيا؛ لأنها قيم ثابتة وحية ترتبط بوجود الإنسان وحياته.