معدودات، مما يعيّن على تحريك الانتباه، وتفتح القلب؛ فيستقرّ مغزاه في القلب والعقل معًا.
٦- بلغ التعبير الأدبي الغاية في تصوير الطاعة لله ، والالتزام بالمحافظة على حدوده، ومما يستحق عليه الجزاء الأوفى من ربه؛ فيتحقَّق المراد ويطمئنُّ القلب في ثقة وإقدام، وذلك في قوله: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك".
٧- أن يغرس في نفوس الأطفال الاعتداد بأنفسهم وعدم التواكل أو الاعتماد على البشر، لأنهم لا يدفعون عن أنفسهم الضرر، ولا يجلبون لأنفسهم النفع، فكيف يكون ذلك لغيرهم، بل يجب الاستعانة بخالق البشر والخلق جميعًا؛ فهو وحده النافع أو الضار، وقد قضى الله بذلك منذ الأزل، فقد "رفعت الأقلام وجفَّت الصحف"، وذلك في تصوير أدبي من جوامع الكلم، يتزاحم بالقيم الكثيرة والمعاني الغزيرة على الرغم من الإيجاز في الأسلوب وقلَّة الألفاظ، فلا زالت الوصية تثير كثيرًا من القيم الخلقية والفنية الخالدة في تأديب الأطفال والسموّ بهم.
стр. 212
وصية لقمان لابنه:
ومن وصايا القرآن الكريم التي أعجزت الفصحاء في بلاغتها، وأثرها الإيجابي في تربية الأطفال وتأديبهم بأدب القرآن الكريم، وتجاوبهم مع أخلاقه الخالدة: وصية لقمان لابنه وهو يعظه؛ فهي درس خلقي وأدب رباني، لا زال يعطي لأطفال كل عصر ما يتناسب مع حضارته ومعطياته، ولكل جيل ما يهيئه ويعدُّه إعدادًا قويًّا صالحًا، يتجاوب مع هذه الحضارة وتلك المعطيات الحيَّة؛ بخلود القرآن الكريم،
стр. 213
وازدهار حضارته، وأصالة قيمه الخلقية والبلاغية؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ، يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٣-١٩] .
في هذا التصوير القرآني المعجز في بيان بلاغي أخاذ، يرسي قيمًا خلقية وتشريعية لعلاقة النشء مع ربِّه في قضية التوحيد وعدم الشرك بالله، وعلاقة النشء مع نفسه، وعلاقته مع والديه وأسرته، وعلاقته مع مخلوقات الله، كما توضح علاقة الأب بأبنائه منذ المراحل الأولى في حياته، فهو مسئول عن رعيته يرعاهم، ويرشدهم بأسلوب يفيض رقَّة وعطفًا وحنانًا، ويخاطب به العاطفة والعقل والمشاعر والوجدان؛ في بناء لجسده القوي، وتهذيب للروح الصافية، في توازن واتِّزان بينهما على السواء، وبذلك تصلح الأسرة؛ لتكون خلية حية وقوية في تشكل المجتمع الإسلامي قويًّا عزيز الجانب؛ فيسمو بحضارة الإسلام المتجدّد
стр. 214
في كل عصر ولكل جيل؛ لذلك احتوت الوصية على معالم رئيسة في بناء الطفل، وتكوينه على أسس قوية تجمع بين هذه العلاقات المختلفة:
١- تصور الوصية قضية التوحيد وإخلاص العقيدة لله وحده لا شريك له؛ فالشرك بالله ظلم عظيم وجرم كبير.
٢- تصور الوصية ما يجب على الأطفال من البر والطاعة في غير معصية للوالدين، ومصاحبتهما بالمعروف، مهما اختلفت أحوالهما وعلاقاتهما عرفانًا بالجميل، وإنصافًا لأصحاب الفضل عليهم.
٣- الحرص على طاعة الله وتوحيده، وطاعة الوالدين والبر بهما في الحياة كلها؛ فلا يهمل ذلك أو يغفل عنه؛ لأنه محاسب على ذلك عندما يرجع إلى ربه، فالله وحده خلقه وأماته وأعاده إليه ليحاسبه على تفريطه وعصيانه.
٤- تصور الوصية مراقبة الله له في كل حين، وإحاطته بكل شيء؛ ليغرس في نفسه منذ المراحل الأولى للطفولة غريزة المراقبة والحضور والخوف، والتدبر، والتفكير العميق، والاهتمام والعزيمة الصادقة، والمتابعة والتواصل، وذلك في تصوير تهتزُّ له العاطفة، ويمتلأ به الوجدان والقلب رهبة ورغبة ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ .
٥- تنمية القيم الخلقية والعلاقات الاجتماعية التي تحييها وتجدِّدها: أداء الصلاة، ومواصلة الصبر في المعاملة مهما كانت الشدائد والعقبات، والحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ليؤدِّي الطفل دوره الفاعل في بناء نفسه، ولا يقصر في تقدم مجتمعه ورفعته.
стр. 215
٦- تصور الوصية قيمًا خلقية سامية، يتعامل بها مع المجتمع من حوله، فلا يؤذي مشاعرهم، فيصدر عنه ما يكرهونه، أو يفرق وحدتهم، ويفسد المودَّة بينهم؛ فتنفره من الكبر والخيلاء والإعجاب بالنفس وهتك الحرمات، والخوض في أعراض الناس وتلويث البيئة بالأفعال القبيحة والصور المنفرة والأصوات المزعجة، وذلك في صور يهتزّ لها الوجدان، وينخلع منها القلب، وتتفق مع الفطرة والعقل جميعًا ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ .
٧- تؤكِّد الوصية أن القيم الإنسانية والخلقية تتفق مع فطرة الإنسان في كل عصر، ولكل الأجيال؛ فما أوصى به لقمان في الماضي البعيد أقرَّه الإسلام، ولا زال يقره ويحث عليه في الحياة الدنيا؛ لأنها قيم ثابتة وحية ترتبط بوجود الإنسان وحياته.
стр. 216
أدب الإسلام في استئذان الأطفال:
حث الإسلام على إفشاء السلام، وتبادل التحية بصفة عامة لإشاعة السلام والأمن، ونشر المحبة، والتعاون على البر والتقوى، لا الإثم والعدوان، قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] ، ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٤-٢٥] ، وعن كلدة بن الحنبل ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فدخلت عليه ولم أسلم، فقال النبي ﷺ : "ارجع فقل السلام عليكم أأدخل" رواه أبو داود والترمذي، وكذلك الاستئذان في الدخول على الآخرين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى
стр. 217
تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٧-٢٨] ، وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر" رواه البخاري ومسلم، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] ، وعن أنس ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا بني إذا دخلت بيتك فسلم يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك" رواه الترمذي، وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الاستئذان ثلاث، فإن أُذن لك وإلا فارجع" رواه البخاري ومسلم، هكذا حثَّ الإسلام على أدب إفشاء السلام وتبادل التحية بين الناس، مؤكدًا على أن يبدأ به الصغير على الكبير توقيرًا له وعرفانًا بفضل الله عليه.
لكن أدب استئذان الأبناء والأطفال في الدخول على آبائهم وأمهاتهم داخل البيوت، وعلى غيرهم من باب أولى، فقد صوَّره القرآن الكريم تصويرًا بلاغيًّا معجزًا ليحدِّده في أوقات ثلاثة فقط، وما عداها فمجاله مفتوح غير مقيد به في غير ذلك من الأوقات؛ لأن هذه الأوقات الثلاثة يجنح الإنسان فيها إلى عدم المكاشفة، ويميل إلى التكتم والراحة، ويتخفف من ثيابه، ويفضي إلى نفسه بأسرار لا يحب أن يطلع عليها غيره، أو يستغرق في التأمل والتدبر، أو في النوم؛ فيكره أن يزعجه أحد بالدخول ولو كان ابنه؛ ليتجدد نشاطه بعد ذلك، ويعيد إلى الجسد طاقته وحيويته؛ فيباشر أعماله في دأب ونشاط؛ لذلك كان من الواجب على الأطفال أن يتأدبوا بأدب الإسلام، ويتخلقوا بخلق القرآن الكريم والسنة
стр. 218
الشريفة، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٨-٥٩] ، وهذه القيم الحضارية -التي أدَّب بها القرآن الكريم والسنة الشريفة- أدب رباني أبهر العقول، وباتت مبهورة بهذا التشريع السماوي الذي يتفق مع الأدب الجم، والذوق الرفيع، والرقي الإنساني، وسمو المبادئ الإنسانية التي اصطفى بها الله هذه الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس؛ فيعمّ الخير والبركة على من ألقى السلام والتحية وآنس الاستئذان، وعلى من ردَّ التحية والسلام وسمح بالدخول: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ ، "يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك"، "رجل دخل بيته بسلام فهو ضامن على الله"، ومن كان الله ضامنه وكفيله فلن يتعرض للأذى مطلقًا.
стр. 219
أدب القصة القرآنية والنبوية للأطفال:
تسيطر القصة بعناصرها الفنية على الأطفال، ويرغبون فيها أكثر من الأجناس الأدبية الأخرى، فيستغرقون فيها حتى النهاية، ربما في جلسة واحدة، مهما طالت، وذلك لبنائها الفني المحكم، الذي يعتمد على تطور الأحداث، وفاعلية الحركة، وحيوية عناصر التشويق، والإثارة، وتوقع الحلول، والرغبة في الخروج من الأزمة، لذلك تعامل
стр. 220
بها القرآن الكريم مع أهل الكفر والعناد في مكة غالبًا؛ لينفذ إلى أعماقهم من جميع منافذ الإدراك في النفس؛ لئلا يكون لهم حجة بعد قصص الرسل وغيرها؛ فهم في عنادهم أشبه بالأطفال في قلة حيلتهم، وضعف موارد التلقي والاستيعاب عندهم، لذلك غلبت القصة على التنزيل في مكة المكرمة، وقد ضربت القصة القرآنية المثل الأعلى في الإثارة والتشويق، وجلال التعبير، ومثالية القيم الخلقية؛ فانبهرت بها عقول الأطفال، وأخذت بتلابيب عواطفهم، واستجابت لها وجداناتهم تأثرًا واقتناعًا، وخاصة القصص التي تثير فيهم مراحل طفولتهم المبكرة، وقد وصلت أحداث مراحلها إلى الإعجاز، الذي فوق طاقة البشر: مثل قصة طفولة موسى ﵇ وإلقائه في اليم، ونجاته على يد عدوه اللدود فرعون؛ ليصير ولدًا حميمًا في معية أسرته، كما جاء في سورة القصص وغيرها، قال تعالى: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ، وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ
стр. 221
نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ، فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ الآيات إلى آخر سورة القصص.
إن قصص القرآن لا يحتاج منا إلى تعليق أو توضيح للأطفال أو لغيرهم، لأن الإعجاز فيها جعل القرآن كله يفهمه الجاهل والعالم والطفل والشاب والشيخ، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] ، ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان: ٥٠] ، وكذلك قصة يوسف وإخوته مع أبيهم يعقوب ﵈، قصة صراع الأبناء مع الأباء والأخوة مع بعضهم، صراع بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، في قصة كاملة جاءت في سورة كاملة وهي سورة يوسف ﵇، نحيل القارئ إليها، فقد وصف القرآن الكريم قصصه بقوله في مفتتح هذه السورة: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ، إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ، قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ
стр. 222
رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ الآيات إلى آخر سورة يوسف، وكذلك قصة مريم وابنها عيسى ﵉ في سورة مريم وفي غيرها من السور الكثيرة، وقصة زكريا ويحيى ﵉، وقصة إسماعيل مع أبيه إبراهيم في الرؤيا ﵉، وغيرها من القصص الكثيرة التي جاءت في القرآن الكريم.
أما القصة في الحديث النبوي الشريف فكانت مصدرًا ثانيًا من مصادر الأدب الإسلامي في تربية الأطفال وتأديبهم بأدب النبوة، فقد جاءت متنوعة تعتمد على الإثارة والتسشويق، وأحيانًا تنتهي الأزمة فيها بخوارق العادات، وكانت لونًا بديعًا من ألوان الدعوة الإسلامية، فهي تدعو إلى تثبيت العقيدة، وتفسر القرآن وتنفر من الشر، وتحذر من الباطل، وتحض على الخير، وتدعو إلى الحق، وتحث على الفضيلة، وتنفر من الرذيلة، وتحبب الطاعة، وتكره الكفر والقسوة والعصيان، فيترك ذلك أثره في عاطفة الأطفال، فتنفرهم من الشر والقبيح، وتغريهم بمحبة الخير والحق، وقد وردت في الأسانيد الستة وغيرها قصص كثيرة، منها قصة أصحاب الغار "أخرجها البخاري ٥٢٦/ ٤"، وقصة الأبرص والأقرع والأعمى "أخرجها مسلم ٩٧/ ١٨"، وقصة الذي يدور في النار "صحيح مسلم ١١٨/ ١٨"، وقصة إبراهيم وآزر "أخرجها البخاري ١٦٩/ ٤"، وقصة الكفل "أخرجها أحمد بن حنبل رقم الحديث ٤٥١٧"، وقصة المستلف ألف دينار "أخرجها البخاري ١٢٥/ ١٢"، وقصة الغلام والساحر، فعن صهيب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كان فيمن قبلكم ملك، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إنني قد كبرت فابعث إلي غلامًا أعلمه السحر؛ فبعث إليه غلامًا يعلمه؛ فكان في طريقه إذا سلك راهب قعد إليه، وسمع كلامه
стр. 223
فأعجبه؛ فكان إذا أتى الساحر مرَّ بالراهب، وقعد إليه؛ فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب وقال: إذا خشيت الساحر فقد حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذا أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس؛ فقال اليوم: أعلم الساحر أفضل؟ أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرًا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها، ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني: أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي، وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الدواء؛ فسمع جليس الملك وكان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحدًا، وإنما يشفي الله، فإن أنت قد دعوت الله شفاك، فآمن بالله فشفاه الله، فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس؛ فقال له الملك: من ردَّ عليك بصرك؟ فقال: ربي؛ فقال: أولك رب غيري، فقال: ربي وربك الله، فأخذه؛ فلم يزل يعذبه حتى دلَّ على الغلام؛ فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص، وتفعل وتفعل؟ فقال: إني لا أشفي أحدًا، وإنما يشفي الله، فأخذه، ولم يزل يعذبه حتى دلَّ على الراهب، فجيء بالراهب، وقيل له ارجع عن دينك، فأبى فأتى بالمنشار، فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام، فقيل له ارجع عن دينك؛ فأبى، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال لهم اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل؛ فإذا بلغتم ذروته؛ فإن رجع عن دينه، وإلا فاطرحوه، فذهبوا به، وصعدوا به إلى الجبل، فقال: اللهم اكفينهم بما شئت، فرجف بهم
стр. 224
الجبل فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور، وتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقتلوه، فذهبوا به فقال: اللهم اكفينهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله، فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خُذْ سهمًا من كنانتي، ثم ضِعْ السهم في كبد القوس، ثم قل: بسم الله ربِّ الغلام، ثم ارمني؛ فإنك إن فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد، ثم صلبه على جذع، ثم أخذ سهمًا من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: بسم الله رب الغلام، ثم رماه، فوقع السهم في صدغه؛ فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، فأتى الملك، فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود في أفواه السكك، فخُدت السكك، وأضرم فيها النار، فقال: من لم يرجع عن دينه فاحموه فيها، أو قيل له اقتحم، ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أمَّه اصبري فإنك على الحق" أخرجه مسلم ١٣٠/ ١٨.
واجتمعت في هذه القصة عناصر الإثارة والتشويق وسرد الأحداث في نمو وتطور، وتشابكها حتى تصل إلى العقدة والأزمة التي تدفع القارئ إلى البحث عن الحل والانفراج منها في شوق ولهفة، وإذا بالأقدار تتدخل لكي يأتي الحل فيها كرامة تجري على أيدي عباد الله
стр. 225
الصالحين، ومن خلال العرض الأدبي تظهر أهداف القصة السامية، وتتحدَّد فيها معالم القيم الخلقية والإنسانية، التي تستثيرها القصة في عاطفة الأطفال، وتحرك مشاعرهم نحوها بالإعجاب والحب والدفاع والسلوك السيء، فيتأدبون بأخلاقها، وينشدون قيمها، ويبدعون في أعمالهم الأدبية على مثالها، أو يجندون أنفسهم للدعوة بمنهجها الفني والإسلامي، وقد سبق أن أوجزنا الجانب الفني، وهذه هي القيم الخلقية بإيجاز أيضًا:
١- التمسك بالعقيدة الصحيحة، وهي الإيمان بالله وحده لا شريك له.
٢- انتصار العقيدة الصحيحة، ليحق الله الحق ويبطل الباطل ولو كره الكافرون، وذلك حين آمن الناس جميعًا برب الغلام على الرغم من أنف الملك.
٣- التحلِّي بأخلاق الصدق، ولو أدَّى ذلك إلى العنف والشدة والقسوة؛ فإن الله سيتولى عباده الصادقين، وينتصر للحق وأهله الذين يدافعون عنه بصدق وإخلاص.
٤- التحذير من الشَّر والتنفير من الباطل والترغيب في الخير، والحث على الحق.
٥- السعي في سبيل تحقيق الغاية الشريفة والوصول إلى القصد النبيل.
٦- أن حاشية الظلم والشرك ومصاحبة الأشرار تجر عليهم الخيبة، فيستحقوا الجزاء الوخيم والعذاب الأليم في الدنيا والآخرة.
стр. 226
٧- الصراع بين جنود الشيطان وجند الله لا يخلو منه عصر مما يدفع الأطفال إلى التمسك بالمبادئ السامية، والعقيدة الصحيحة؛ للانتصار بها على حزب الشيطان ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ .
٨- حثّ الأطفال على التعليم النافع، وتحصيل المعارف والعلوم، التي تعين على طاعة الله ، وتنصر الحق وتحثُّ على الخير، وتحارب الشر والباطل.
٩- الإيمان الصادق بأن الله يؤيِّد عباده الصالحين، ويدافع عنهم ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
١٠- الإيمان بما جاء به الإسلام والنبي ﷺ بأن المعجزة للأنبياء والرسل، ولم يبقَ منها بعد خاتم الأنبياء إلا الكرامة للصالحين من عباد الله .
стр. 227
المنهج الإسلامي في تربية النشء ومراحله
مدخل
...
المنهج الإسلامي في تربية النشء ومراحله:
منهج الإسلام في تربية النشء هو تشريع من الله ، قائم على الشمول والعلم واليقين، قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] ، ولم ينطلق من نظريات بشرية قاصرة، تقوم على الظن والفرض والتخمين فتتلاشى يومًا بعد يوم، قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] ، ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ
стр. 228
يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٦-١١٧] ، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] ، وسلوك الإسلام في تهذيب الإنسان ينساب من قيم سامية شرعها مبدع الفطرة الإنسانية ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠] ، فلن يشب النشء قويًّا في تكوينه وجسده وعقيدته وخلقه وفكره ووجدانه إلا إذا سلك منهج الإسلام في التربية؛ ليكون خير وأحب إلى الله، قال النبي ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف"، وتميز الإسلام بتمامه وشموله، ليتلاءم مع العقل البشري، والنشاط الإنساني الحضاري في كل بيئة وعصر، مهما بلغت البشرية من الكمال في العقل والفكر، واتزان العاطفة والوجدان، وتلازم الروحية والمادية على السواء، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] ، وقال النبي ﷺ : "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، والقرآن الكريم هو الذي احتوى منهج الإسلام وتعاليم الشريعة، واشتمل على مكارم الأخلاق السامية، كما وصفت ذلك بدقة وشمول أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵁، فقالت عن القرآن الكريم، وعن النبي ﷺ : "كان خلق النبي ﷺ القرآن الكريم"، لهذا لا تجد شريعة اهتمَّت ببناء النشء بناء كاملًا مثل شريعة الإسلام، ولا تجد دينًا اعتنى بتكوينه تكوينًا صحيحًا مثل دين الإسلام، ولا تجد حضارة عملت على تهذيبه تهذيبًا أخلاقيًّا ساميًّا مثل حضارة الإسلام، وذلك من خلال مجتمعه الصغير "الأسرة"، ومن خلال مجتمعه
стр. 229
الكبير "الأمة الإسلامية".
فأما تربية النشء من خلال المجتمع الصغير وهو "الأسرة"؛ فالشريعة الإسلامية اهتمت به، لا بعد وجود الإنسان من العدم فحسب، بل اعتنت به كذلك وهو في حالة العدم وقبل أن يوجد في بطن أمه، وذلك في مراحل على النحو التالي:
١- أسس المنهج الإسلامي في تربية النشء ومراحله.
٢- في مرحلة العدم حين الخطبة واختيار الزوجين.
٣- قبل أن تحمل الأم به.
٤- رعايته أثناء الحمل في بطن أمه وهو جنين.
٥- حسن استقباله وقت الولادة.
٦- في الأسبوع الأول من الولادة.
٧- الغذاء الكامل في "الرضاعة".
٨- الحضانة والقلب الرحيم للوالدين.
٩- مدارج التربية ومنازل الرعاية.
١٠- مرحلة التعليم والتعلم.
١١- مرحلة الشباب.
١٢- مرحلة المراهقة.
١٣- مرحلة النضج.
١٤- مرحلة الرجولة.
١٥- معرفة العرفان بالجميل والوفاء.
وسنذكر كل مرحلة من هذه المراحل بإيجاز لتظهر ملامح السمو والمثالية في منهج الإسلام لممارسة السلوك البشري، وبناء النشء المسلم
стр. 230
على أكمل وجه، وأجمل صورة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] ، وقال أيضًا: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] .
стр. 231
مرحلة العدم أثناء الخطبة الزوجية:
لكي يحافظ الإسلام على النشء وهو في مرحلة العدم قويًّا صالحًا، اعتنى به عناية كاملة، فأعطى للزوجين أثناء الخطبة حق الاختيار، بأن يرضى كل منهما عن الآخر، وليس هذا الاختيار والرضا لذات الزوجين فحسب، بل لمراعاة نتاجهما من الأولاد الأصحَّاء الأقوياء الصالحين، قال النبي ﷺ : "تخيَّروا لنطفكم فإن العرق دسَّاس"، فالزوجان اللذان يرجعان إلى أصل طيب ونسب طاهر، وخلق فاضل، يكون نتاجهما كذلك، يشرب من نفس النبع الصافي، وتترقرق في نفسه الأصالة العريقة، وإن كان غير ذلك فتكون الكارثة، قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦] ، وقال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٨] ، لذلك كان أساس الاختيار في الإسلام هو الدين والخلق فيما روى أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك"؛ لأن ذات الدين تخشى الله تعالى، وتعرف حدود شريعته، والواجبات التي ينبغي أن تؤديها، ثم بعد الدين تكون المفاضلة في الصفات الأخرى من باب الأفضل والأولى، فإن تحقَّقت فيها
стр. 232
ونعمت، وإلا فيكفي الدين والخلق، وهذه الصفات: أن تكون من بيت معروف بالدين والصلاح، وأن تكون ودودًا ولودًا، فعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة"، وأن تكون الزوجة بكرًا، لقوله ﷺ لجابر ﵁: "هلَّا بكرًا تلاعبها وتلاعبك" متفق عليه، وأن تكون جميلة، فالجمال أغضُّ للبصر وأكمل للمودة، وأسكن للنفس، وأعفُّ للسان، وألزم للحياء، فعن أبي هريرة ﵁ قيل يا رسول الله أي النساء خير، قال: "التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا في ماله بما يكره" رواه أحمد والنسائي، وأن ينظر إليها إن تيسر له ذلك، دون أن تعلم مقصده، وهذا أفضل حتى لا ينكسر قلبها فيما لو تراجع عن خطبتها، أمر النبي ﷺ المغيرة بن شعبة أن ينظر إلى خطيبته، فقال: "انظر إليها فإنه أحرى أن يُؤدم بينكما"، وقال جابر ﵁: "خطبت جارية من بني سلمة، فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها بعض ما دعاني إلى نكاحها"، قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ .
أما المخطوبة فقد حثَّها الإسلام أن يكون خطيبها قادرًا على تكاليف الزواج وأهلًا لتبعاته ومسئولياته، وتائقًا له، قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣] ، وقال ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" والباءة: القدرة، والوجاء: الحفظ، وأن يكون خطيبها كفئًا في نفسه وجسده، وقويًّا في دينه وعقله، وحسنًا في خلقه وسلوكه، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] ، وقال ﷺ : "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه وإلا أن تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير".
стр. 233
وكذلك لا بدَّ من التقارب النفسي والفكري بين الزوجين، مما يعين على المشاركة والتجاوب فيما تقضيه الأسرة والحياة الزوجية، ليستقبل النشء حياة سعيدة مملوءة بالأمن والرخاء والسكن والمودة، والرحمة والحب والتعاون، كما قال الله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١] .
стр. 234
بعد الزواج مباشرة:
الإسلام في هذه المرحلة يسلك منهج الإعداد والتهيئة الصالحة للزوجين، وترويضها على التوافق والانسجام، ليصيرا معًا قدوة حسنة، ينجذب إليها النشء في مجال التأثر والتأثير، وهذا المنهج يقوم على دعائم من أهمها:
"السكن في قوله تعالى: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ ، ويشمل السكن الحسي والمعنوي من إباحة الخلوة في سكن يضم الزوجين في تحفظ وحياء ومودة، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] ، ويشمل دوام الاستقرار والأمن والرعاية والسعادة والرضا والقبول، ومعرفة الحقوق والواجبات.
المودة والرحمة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَة﴾ التي ينميها الزواج، ويرعاها الزوجان بعد استقرارهما في سكن الحياة الزوجية، ويرفض كل الرفض ما عليه أصحاب العشق والغرام والتجارب والخيلات والخدان قبل الزواج، وغير ذلك مما انحرف إليه بعض شباب العرب في سقوط وانحلال تابعين للمدينة الغربية الفاسدة.
стр. 235
أن تظهر الزوجة دائمًا لزوجها في أكمل صورة تحفظ استمرار الحياة الزوجية ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] ، قيل: يا رسول الله: أي النساء خير، قال: "التي تسرُّه إذا نظر، وتطيعه فيما أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا في ماله بما يكره".
"حسن المعاشرة: حتى لا تنفصم عُرى الحياة الزوجية، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] ، ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، ويتخذ كل وسائل الإصلاح حتى لا تتصدَّع الحياة الزوجية حرصًا على تربية الأبناء، قال تعالى: ﴿وَاللاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا، وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٤-٣٥] ، ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] .
مواصلة العمل الصالح ليبني الزوجان أفراد الأسرة بناء صالحًا، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] ، وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ
стр. 236
اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٧١] .
لهذه الهيئة الصالحة الطاهرة يسير في إطارها الأولاد على نفس المنهج والقدوة، تابعين لهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] ، وهذه الآيات وغيرها تهدف إلى توفير الاستقرار النفسي والعصبي، والأمن الاجتماعي والاقتصادي للرجل والمرأة، ثم تهيئة الجو الصالح لتنشئة الأجيال على أحسن حال، والجو الهادئ الآمن المستقر هو الذي يعطي الثمرة المرجوة، والحياة السعيدة المجردة من التيه والاضطراب والقلق النفسي والروحي والعصبي والفكري، وتقضي على الكراهية والشحناء والعداوة والبغضاء، وقد جاءت المعاني كلها وأكثر منها مما يعلمه الله ولا نعلمه، في إيجاز معجز لقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُم﴾ [البقرة: ٢٢٣] ، فالحرث يقتضي أن تكون الأرض خصبة معطاءة، وأن يتجاوب معها الفلاح باختيار البذرة الصالحة، وأن يصلح الأرض ويحرثها، وينقيها ويرويها ويرعاها، ويقيها ويسمدها، ويحافظ عليها وعلى ما فيها وهكذا، حتى تزهو وتثمر وتنضج، وتحصد لذة للآكلين، كذلك الشأن في الحياة الزوجية تمامًا، إنه القرآن الكريم؟!!
وبعد هذه المدرسة العملية والسلوك الإسلامي ينشأ الطفل في هذا المحيط الصالح، يتغذَّى فيه بروح الإسلام وشفافيته وصفائه، ويعيش في واقعه عمليًّا، ويتلقى تعاليمه ويمارسها بنفسه سلوكًا قويمًا مقتادًا بأبويه، لأن الإسلام ليس أمنية تتردَّد في الرأس، ولا ميراثًا يلقى بلا عمل ولا مجهود، قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ
стр. 237
سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا، وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣-١٢٤] ، وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٩] ، ويتقلب الطفل في هذا المحيط الإسلامي بمنهجه العملي بين مراحل العطف والضبط، والقدوة والتلقين ربانيًّا وبوسائل تروبية أخرى، ولم يأتِ دور هذه المراحل بعد.
وحثَّ الإسلام أيضًا على مداعبة الزوجة وملاعبتها، وتهيئتها نفسيًّا وفكريًّا وروحيًّا، ليتم التجاوب النفسي والفكري بينهما، والتفاعل العاطفي، والصفاء الروحي في علاقتهما، قال النبي ﷺ عن جابر ﵁: "هلَّا بكرًا تلاعبها وتلاعبك"، ولذلك يولد الطفل قويًّا في جسده وعقله وتكوينه وخلقه ودينه، وهذه الصفات الكاملة والأخلاق الفاضلة يؤكدها ويوضحها هذا الحديث الشريف الذي رواه ابن عباس ﵁: قال النبي ﷺ : "لو أن أحدهم أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله اللهم جنّبني الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقت، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك، لم يضره شيطان أبدًا" أخرجه البخاري ١١/ ١٩١، وفي رواية أخرى لابن عباس أيضًا: "أما لو أن أحدهم يقول حين يأتي أهله: بسم الله اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، ثم قدر بينهما في ذلك وقضي ولد، لم يضره شيطان أبدًا" أخرجه البخاري ٩/ ٢٢٨،
стр. 238
وحرصًا على سلامة النشء وبراءته من المرض والضعف، فقد حث الإسلام الرجل على ألا يباشر زوجته أثناء الحيض أو النفاس، لأن ذلك يعود بالضرر الصحي على الزوج وعلى الزوجة صحيًّا ونفسيًّا في هذه الليلة.
وجاء علم التشريح والطب ليقرِّر هذا في المجال العلمي والعملي، وما خفي عليهم من علَّة تحريمهم المباشرة أثناء ذلك أعظم وأكبر مما يتعلَّلون به الآن وفي المستقبل، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢- ٢٢٣] ، فالآية تحثُّ على الوقاية من المرض، والحفاظ على الأسرة آباء وأولادًا في صحتهم وأبدانهم، والحرص على الملاطفة والمداعبة في التقديم للإتيان، فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وتحثّ أيضًا على أن تبقى المرأة دائمًا في صورة جميلة غير منفِّرة حينما تكون طاهرة من هذا الدم ورائحته وطبيعته، فلا تهتزّ صورتها هذه في أي وقت من الأوقات التي يجب أن يراها فيها زوجها على أحسن حال، لتدوم العشرة، وتتواصل المحبَّة والمودة.
стр. 239
أثناء الحمل وهو جنين حتى الولادة:
تعهد الإسلام الجنين في بطن أمه بالتغذية والحفظ والرعاية، وهو نطقة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم خلقًا آخر في أحسن تقويم، فتبارك اللهأحسن الخالقين، فحرم الإسلام إجهاض الجنين، وكل عمل يؤدي إلى سقوطه أو إهلاكه أو إزهاق روحه، فقد صار روحًا وجسدًا له حقوق الإنسان الذي يمشي بين الناس، وحرماته التي تعرض المعتدي إلى غضب الله ، ورفع الإسلام عن أمه المشقة، وبذل الطاقة التي تعود عليها بالأذى والضرر، فرخص لها الإفطار في نهار رمضان خوفًا عليه فيهلك، وعلى أمه فتضعف أو تصاب بأذى، وأمر الإسلام الزوج بالإنفاق على زوجه الحامل، وأن يجعل معيشتها في سعة حسب طاقته وقدرته، فلا يضيق عليها، ولا يكلفها ما لا تطيق خوفًا عليها وعلى الجنين، قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ، وبذلك ينال الجنين حقه من الغذاء وهو في بطن أمه، بل إن غذاءه هو خلاصة الطعام الذي يبني خلايا جسمه من غير أن يمرَّ بمراحل التنقية، كما ينال حقَّه أيضًا من الحفظ والرعاية، فيقدم إليها البلح والرطب والتمر، فإنه يعين على نضج الجنين واكتمال صورته، ويقوي الطلق أثناء الوضع، ويسهل التوليد كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم والطِّبّ الحديث، قال تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا، فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٥-٢٦] ، كما حثَّ الإسلام على حسن استقبال الطفل ساعة ولادته، فتظل القابلة في ذكر دائم لله ، وفي شكر دائم وثناء متواصل على بديع صنعه، وقدرة البارئ المصور في خلقه وإبداعه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا
стр. 240
الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢- ١٤] ، ثم يشمّ الطفل ويقبَّل ساعة ولادته، ويكون أول ما يتلقاه سمعه في الدنيا هو ذكر الله ، فيؤذن له في أذنه اليمنى، ويترتدَّد أذان الإقامة في أذنه اليسرى، ليكون أول وارد على سمعه وقلبه ومنافذ الإحساس فيه هو ذكر الله تعالى، الذي أقر بوحدانيته، وأسلم لخالقه وهو في عالم الذر والغيب قبل أن تحل روحه بجسده كما قال الله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] .
стр. 241
حق الرضاعة والغذاء:
حثَّ الإسلام على توفير وسائل الغذاء بعد ميلاد الطفل، وتهيئة مصادره المختلفة بما يتناسب مع مراحل نمو الطفل، فأوجب على الأسرة الرضاعة، وأولى بها الأم، فهي عليه أعظم عونًا، وأشد عطفًا وحنانًا، وأقرب رعاية وحفظًا، فإن لم يتيسر عندها الغذاء لجفاف اللبن أو لقلته، اختبر له أجود المرضعات من النساء المتفرغات، فإن تعذرت الرضاعة الطبيعية وهي الأفضل والأولى، لجأت الأسرة إلى الرضاعة الصناعية عن طريق اللبن الصناعي الطبي المعروف، وإن كانت له مخاطرة كبيرة سيتعرض لها الطفل، لأنها تحتاج إلى حذر وذكاء ويقظة شديدة، ومع ذلك لا يسلم من الأذى، ولقد أشاد الطب والعلم الحديث بالرضاعة الطبيعية بأنها لا نظير لها في نمو الطفل وسلامته، ويجب على الأسرة الإنفاق على الرضاعة وتوفير طاقتها بما يتناسب مع سعة الأسرة في النفقة، كما وضَّح ذلك في قوله الكريم: ﴿أَسْكِنُوهُن
стр. 242
مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى، لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٦-٧] ، بل جعل الإسلام حق الرضاعة والنفقة عليها حق للطفل يُورث فيجب على الورثة، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، ويستمر الطفل في الرضاعة مدة عامين على الأكثر بعد ولادته، وتلك هي الرضاعة الكاملة التي ينمو فيها جسده نموًا طبيعيًّا وكاملًا، بما يتناسب مع كبر عمره يومًا بعد يوم، قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣] .
стр. 243
في الأسبوع الأول من الولادة:
يظل الجنين وهو في بطن أمه في عالم بعيد عن الصخب، والضجيج، وتلاطم الحياة وعنقها، فقد لفَّه الرحم في هدوء واستقرار، وسكون وأمن، لأنه في ظلمات ثلاث، هي:
١- ظلمة البطن.
٢- ظلمة الرحم.
٣- ظلمة المشيمة.
وكلها حواجز قوية تمنع من تسرب الأصوات المزعجة، وصخب الحياة وضجيجها، قال تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] ، فإذا خرج الجنين من الرحم استقبل الدنيا الجديدة بما فيها من أصوات وصخب وضجيج وأضواء، عند ذلك يستهلُّ صارخًا لهذه الحياة العنيفة التي لم يألفها من قبل، لهذا كان لا بد من رعايته بالهدوء والسكون، فنبتعد به عن الأماكن المزعجة، وتخفض الأضواء من حواليه، وترفق الأصوات التي نتعامل بها كلما أمكن إلى ذلك سبيلًا، فتلزم الدار في الأسبوع الأول من ولادته الهدوء والسكينة وخفض الأصوات والمسالمة، حتى لا يفزع الطفل ولا يضجر حين يستقبل دنياه الجديدة.
ثم يختار له أحسن الأسماء، وأجملها وقعًا وتأثيرًا في النفس، وأعذبها في النطق، وأحلاهما على اللسان، وأولاها بالقبول والإعجاب، كما قال النبي ﷺ : "خير الأسماء ما عبد وحمد"، فالاسم القيح يعير به صاحبه وهو كبير، وربما قد تتأزم نفسه وتسوء معاملته مع إخوانه وأصدقائه أثناء المعاملة والمعاشرة، ثم يختفي به في اليوم السابع شكرًا لله على هذه النعمة الجليلة نعمة الإنجاب،
стр. 244
وحفظ النوع البشري، فقد رزقه الله بلسان يذكره ويوحده، وذلك بأن تذبح العقيقة، وهي على الأقل كبشان للذكر وكبش للأنثى، ويطعم منها الأقارب والجيران، والأصدقاء وخاصة الفقراء منهم، ليكون ذلك بمثابة الشكر والثناء على الله ، الذي جعلهم زينة الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦] .
стр. 245
الرضاعة:
حث الإسلام على توفير وسائل الغذاء بعد ميلاده، وتهيئة مصادره المختلفة بما يتناسب مع مراحل نمو النشء، فأوجب على الأسرة الرضاعة بالإنفاق وحسن اختيار المرضعة، فيما لو جفَّ اللبن عند الأم وأن يستمرَّ الطفل مدة عامين يتناول فيهما لبن الرضاع حتى ينمو جسده نموًا طبيعيًّا وكاملًا يتلاءم مع كبره يومًا بعد يوم، وخصَّ الإسلام لبن الرضاعة دون غيره، لأنه هو الغذاء الكامل والطيب الذي لا بديل عنه في إعداد الطفل كما أمر الله : ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٦-٨] ، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] .
ولقد أشاد العلم والطب الحديث بهذا، وما خفي عليه كان أعظم، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ، قال تعالى -يوضح ذلك أكثر-: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا
Results
الرضاعة
الرضاعة:
حث الإسلام على توفير وسائل الغذاء بعد ميلاده، وتهيئة مصادره المختلفة بما يتناسب مع مراحل نمو النشء، فأوجب على الأسرة الرضاعة بالإنفاق وحسن اختيار المرضعة، فيما لو جفَّ اللبن عند الأم وأن يستمرَّ الطفل مدة عامين يتناول فيهما لبن الرضاع حتى ينمو جسده نموًا طبيعيًّا وكاملًا يتلاءم مع كبره يومًا بعد يوم، وخصَّ الإسلام لبن الرضاعة دون غيره، لأنه هو الغذاء الكامل والطيب الذي لا بديل عنه في إعداد الطفل كما أمر الله : ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٦-٨] ، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] .
ولقد أشاد العلم والطب الحديث بهذا، وما خفي عليه كان أعظم، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ، قال تعالى -يوضح ذلك أكثر-: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا
الحضانة:
إذا كانت الرضاعة هي الغذاء والبناء، فالحضانة هي العنصر الفعال للحفاظ على هذا البناء والغذاء، فالحضانة ينبعث منه الدفء الذي يفيض على الطفل بالعطف والرقة واللطف والحنان، وكذلك تجاوب الأحاسيس والمشاعر وحرارة العاطفة وصدقها، ولذلك كانت الأم هي الأولى بالحضانة من الأب والرجل، لأن الصفات السابقة من طبيعة تكوينها البشري، التي فطرها الله عليها، وذلك أيضًا لكمال الشفقة عندها، كما قال النبي ﷺ : "أنت أحق به ما لم تنكحي" رواه أبو داود، وحضانة الأم ثم أمها فالقربى تكون ضرورية وحتمية إذا حدث نزاع بين الزوجين، فقد قضى أبو بكر الصديق ﵁ بعاصم بن عمر ﵁ لأمه، وهو يقول لعمر: "ريحها وشمها ولطفها خير له منك"، وحرصًا على سلامة التنشئة للطفل، وكمال الرعاية له، اشترط الإسلام
стр. 248
في الحاضنة شروطًا، منها:
١- أن تكون الحاضنة مؤمنة، ومن له إيمان له، لا يؤتمن على شيء.
٢- أن تكون أمينة عالمة بأحوال الطفل ومصالحه، فلا تكون منحرفة ولا خائنة ولا مستهترة ولا مستخفة.
٣- أن تكون متفرغة للحضانة، فليست عاملة، حتى تهمل شئونه وحاجته، وكذلك لا تكون متزوجة فتشتغل بزوجها عنه.
стр. 249
التربية والتعليم ١:
أولًا: ينبغي أن يكون أسلوب التربية والتعليم للنشء نابعًا من أساس الحياة الزوجية والغاية منها، كما هو جوهر الآية الكريمة:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١] ، فالأساس في الحياة الزوجية أن يبلغ الزوجان من التفاهم والتجاوب والتلاحم حتى يصير الاثنان شخصًا واحدًا، بدليل قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] ، وتأمل قوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُم﴾ ولزوم اللباس للشخص تجد هذا المعنى وأكثر، والغاية من الحياة الزوجية تجدها في بقية الآية: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ، فالسكن والأمن والاستقرار، والتجاوب والسعادة والهدوء، والاطمئنان والسلامة، والصحة والمودة
стр. 250
والمرحمة، والتعاون والإخاء، والشفقة والاعتصام، كل هذه المعاني من عطاء الآية، بل عطاؤها أكثر، وهو الغاية من الزواج، لا بد إذن أن تنبع التربية والتعليم من هذا المنطلق في الآية، وهو أساس الزواج والغاية منه، وعند ذلك تكون التربية سلوكًا جادًّا، ويكون التعليم توجيهًا صادقًا سليمًا.
ثانيًا: كذلك تكون التربية والتعليم نابعة من شعور الأبوين بالمسئولية أمام الله ، وأن التبرُّم منها والتخلِّي عنها يُعَدُّ خروجًا على طاعته، وتمردًا على محبة رسوله ﷺ ، وينبغي في المسئولية عند الوالدين في التوجيه والتربية والتعليم والإصلاح أن تنطلق من تقوى الله ، والخوف من عذابه، والطمع في رضوانه، والحذر من نقمته، وهذا ما نراه واضحًا في هذه الآية الكريمة من أول سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] .
ويتَّضح معنى المسئولة وخطرها فيما رواه ابن عمر ﵁: قال النبي ﷺ : "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راعٍ وهو مسئول عنهم، والرجل راع على أهله وهو مسئول عنهم، وامرأة الرجل راعية على مال زوجها وولدها، وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسئول عنه، وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" ١.