← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23142

التصوير القرآني للقيم الخلقية والتشريعية

علي علي صبح

Полный текст (351 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى، لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٦-٧] .

стр. 247

الحضانة: إذا كانت الرضاعة هي الغذاء والبناء، فالحضانة هي العنصر الفعال للحفاظ على هذا البناء والغذاء، فالحضانة ينبعث منه الدفء الذي يفيض على الطفل بالعطف والرقة واللطف والحنان، وكذلك تجاوب الأحاسيس والمشاعر وحرارة العاطفة وصدقها، ولذلك كانت الأم هي الأولى بالحضانة من الأب والرجل، لأن الصفات السابقة من طبيعة تكوينها البشري، التي فطرها الله عليها، وذلك أيضًا لكمال الشفقة عندها، كما قال النبي ﷺ : "أنت أحق به ما لم تنكحي" رواه أبو داود، وحضانة الأم ثم أمها فالقربى تكون ضرورية وحتمية إذا حدث نزاع بين الزوجين، فقد قضى أبو بكر الصديق ﵁ بعاصم بن عمر ﵁ لأمه، وهو يقول لعمر: "ريحها وشمها ولطفها خير له منك"، وحرصًا على سلامة التنشئة للطفل، وكمال الرعاية له، اشترط الإسلام

стр. 248

في الحاضنة شروطًا، منها: ١- أن تكون الحاضنة مؤمنة، ومن له إيمان له، لا يؤتمن على شيء. ٢- أن تكون أمينة عالمة بأحوال الطفل ومصالحه، فلا تكون منحرفة ولا خائنة ولا مستهترة ولا مستخفة. ٣- أن تكون متفرغة للحضانة، فليست عاملة، حتى تهمل شئونه وحاجته، وكذلك لا تكون متزوجة فتشتغل بزوجها عنه.

стр. 249

التربية والتعليم ١: أولًا: ينبغي أن يكون أسلوب التربية والتعليم للنشء نابعًا من أساس الحياة الزوجية والغاية منها، كما هو جوهر الآية الكريمة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١] ، فالأساس في الحياة الزوجية أن يبلغ الزوجان من التفاهم والتجاوب والتلاحم حتى يصير الاثنان شخصًا واحدًا، بدليل قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] ، وتأمل قوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُم﴾ ولزوم اللباس للشخص تجد هذا المعنى وأكثر، والغاية من الحياة الزوجية تجدها في بقية الآية: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ، فالسكن والأمن والاستقرار، والتجاوب والسعادة والهدوء، والاطمئنان والسلامة، والصحة والمودة

стр. 250

والمرحمة، والتعاون والإخاء، والشفقة والاعتصام، كل هذه المعاني من عطاء الآية، بل عطاؤها أكثر، وهو الغاية من الزواج، لا بد إذن أن تنبع التربية والتعليم من هذا المنطلق في الآية، وهو أساس الزواج والغاية منه، وعند ذلك تكون التربية سلوكًا جادًّا، ويكون التعليم توجيهًا صادقًا سليمًا. ثانيًا: كذلك تكون التربية والتعليم نابعة من شعور الأبوين بالمسئولية أمام الله ، وأن التبرُّم منها والتخلِّي عنها يُعَدُّ خروجًا على طاعته، وتمردًا على محبة رسوله ﷺ ، وينبغي في المسئولية عند الوالدين في التوجيه والتربية والتعليم والإصلاح أن تنطلق من تقوى الله ، والخوف من عذابه، والطمع في رضوانه، والحذر من نقمته، وهذا ما نراه واضحًا في هذه الآية الكريمة من أول سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] . ويتَّضح معنى المسئولة وخطرها فيما رواه ابن عمر ﵁: قال النبي ﷺ : "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راعٍ وهو مسئول عنهم، والرجل راع على أهله وهو مسئول عنهم، وامرأة الرجل راعية على مال زوجها وولدها، وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسئول عنه، وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" ١.

стр. 251

ثالثًا: أن تكون التربية والتعليم نابعة من منطق النصح والتوجيه قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٧١] ، ونابعة أيضًا من منطق التعاون والمشاركة، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ، ونابعة أيضًا من منطق التشاور والتجاوب، قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم﴾ [الشورى: ٣٨] . رابعًا: والتربية والتعليم حين يصدر عن الأبوين تكون نابعة من منطلق رعاية حدود الله وأوامره، فيقيمون مع أبنائهم جميعًا شريعة الله أمرًا ونهيًا، ويعرفون حدود الحلال والحرام، وكذلك الإحسان في العبادات والمعاملات، وفي الاجتماع والترفيه، ويعرفون أيضًا حدود الزينة وآداب الإسلام وخلقه، ومنهج الرسول وأصحابه في التربية. وإذا قامت التربية والتعليم على الأسس السابقة، أصبح المنهج في سلوك التربية والتعليم منهجًا يسير على الجادة، ويبني النشء بناء سليمًا صالحًا، ويتكون تكوينًا علميًّا وجادًّا، وخاصة وأن الطفل يولد على الفطرة الصافية المستقيمة، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠] ، وفيما رواه أبو هريرة ﵁ قال النبي ﷺ : "ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أوينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء" "متفق عليه".

стр. 252

وكذلك فالنشء يُولد مستعدًّا للتوجيه والتربية والتعليم شيئًا فشيئًا، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] ، وهنا يجب على الأبوين وعلى المجتمع معًا أن يسلكوا جميعًا في تربية النشء وتعليمه منهج الإسلام تدريجيًّا على النحو التالي: ١- اعتنى الإسلام أولًا بالرعاية والحفظ للنشء، فأوجب على الأسرة الغذاء والكساء والحفظ. ٢- وعلى الأسرة أن تغرس في نفس الطفل -منذ أن يتجاوب إحساسه مع أفراد الأسرة- معرفة الله ، الذي خلقه وأطعمه وسقاه، فإذا ما تفتح عقله وفكره أحيا في نفسه الإيمان بالله سبحانه، خالق الكون ومبدع الوجود؛ بطريق يتلاءم مع سنه كالقصة الخفيفة واللفتة إلى آثار صنع الله. ٣- وعلى الأسرة بعد ذلك أن تنمي في نفسه غرائز الخوف، والمراقبة، والمحبة، والتدبر في ملكوت الله، وتوجيه هذه الغرائز توجيهًا سديدًا نحو طاعة الله واتباع أوامره، والتخلُّق بالأخلاق الفاضلة والسلوك الحسن. فأما غريزة الخوف: فتنمِّي في نفسه على أساس الخوف من الله وحده، لا من الناس، لأن المخلوقات جميعًا كلهم محتاجون إلى خالقهم ورازقهم، ومدبر أمرهم، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١-٢] ، وقال تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ، وقال تعالى: ﴿فَلَا

стр. 253

تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] ، وقال تعالى: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٣] ، فينطبع النشء على الخوف من الله ، والحذر من انتقامه وعذابه. وأما غريزة المراقبة: فعلى الأسرة أن تنمي غريزة المراقبة لله تعالى في كل تصرفاته وأقواله مع الله ومع الناس في السر وفي العلن فيعلم أن الله معه أينما كان: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] ، وهنا تحكي الأسرة للنشء قصة لقمان مع ابنه، ويذكر له قوله تعالى في ذلك: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] ، بل مراقبة الله لا تفلت منها الذرة الواحدة، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [[الزلزلة: ٧-٨] . وأما غريزة المحبة: فتنمي فيه على أساس محبة الله ورسوله أولًا، لأن الله هو الذي خلقه من العدم، وتفضل عليه بسائر النعم ظاهرة وباطنة، ثم محبة النبي محمد ﷺ ، لأنه هو الذي قاده إلى الطريق المستقيم، وأخرجه من الظلمات إلى النور، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] ، وكذلك محبة والديه الذين تعهداه وربياه وسهرا على راحته وأحبا له الخير ودوامه، وكذلك محبة أقارب الوالدين وأرحامهما، فهي من محبتهما وتكريمهما، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦] ،

стр. 254

وكذلك محبة المسلمين جميعًا، لأنهم إخوته، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠] ، وقال النبي ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشدُّ بعضه بعضًا"، وقال أيضًا: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى". وأما غريزة التدبُّر في ملكوت الله تخرّج النشء من إسار التقليد الأعمى إلى بروز شخصيته في الاستقلال في الرأي والفكر، فلا يكون تابعًا للغير، يستجيب لكل صيحة، ويطير وراء كل هيعة، ويهيم خلف كل ناعق، ولهذا علمه الرسول الكريم الاستقلال بالرأي، فيختار الحسن، ويتجنَّب السيء، قال النبي ﷺ : "لا يكن أحدكم إمعه، يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم" "رواه أبو داود وابن ماجه"، فيتعلم النشء التدبر في ملكوت الله، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧- ٢٠] ، وقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤- ٣٢] ، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا

стр. 255

لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٦-٧] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦١-٦٢] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٢-١٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٧-٣٩] ، وهكذا آيات كثيرة في القرآن تدفع الإنسان إلى التأويل والتدبر، وتحكي قصة إبراهيم ﵇ مع النجوم والكواكب، من أول قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ

стр. 256

بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٧٥-٨٠] . ٤- وعلى الأسرة أن تروِّض النشء على الصلاة إذا بلغ الطفل سبع سنين كما جاء في الحديث الشريف: "مُرُوا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها" "حديث حسن رواه أبو داود وأحمد والترمذي". وعلى الأسرة أن تعلمهم السيرة النبوية، والقصص القرآني، والوصايا الإسلامية كوصية الرسول الكريم لابن عباس ﵁، وكذلك قراءة القرآن الكريم بطريقة تجذبهم إليه، فيحبونه ولا ينصرفون عنه، ثم يشرحون صدورهم للعلم، فيضعونهم في المجال العلمي والأدبي الذي يبدعون فيه، ويتساوق مع ميولهم واستعدادهم، لكي يستفيدوا منه ويفيدوا غيرهم، قال النبي ﷺ : "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة" "رواه ابن ماجه رقم ٢٢٤"، وقالت عائشة ﵁: "رحم الله نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء من التفقُّه في الدين". ٥- ينبغي على الأسرة أن تفرق في التربية والتعليم بين الذكر والأنثى، وتكون الأسرة هي القدوة الحسنة للنشء، فيحسنون أدبهم بهذه القدوة، قال النبي ﷺ : "الزموا أولادكم وأحسنوا أدبهم"، فتتعلم البنت أخلاق الاحتشام والحياء، والاشتراك في عمل البيت، وتلتزم بحدود الزينة واللبس في الإسلام، وتقرأ عليها سورة النور وتفسيرها لتتعلم منها الأحكام، التي تخص المرأة مما يتصل بالعرض والشرف، وتقرأ سورة الأحزاب، لكي تتعلم أدب نساء النبي وأخلاقهن: من التصون في الحديث، والاحتجاب في البيوت،

стр. 257

والتحجب، وعدم التبرج، قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا، وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى. ... ﴾ [الأحزاب: ٣٢-٣٣] ، ويتعلمن أدب الحجاب، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩] ، ثم توجهها الأسرة إلى التعليم الذي يتناسب مع حياتها الزوجية من تعلم التمريض والطب والتدريس وفنون الثقافة المنزلية والخدمة الاجتماعية، مما يعود على أولادها في المستقبل بالفائدة والتوجيه كُربة بيت في بيت مسلم. ٦- وعلى الأسرة أن تنمِّي في النفس الملكات الفكرية والحسية، بالتدريب والترويض على شتَّى المهارات الفنية والرياضية المفيدة، جاء في الأثر: "علموا أولادكم السباحة والرماية، ومروهم فليثبوا على الخيل وثبًا، ورووهم ما يجمل من الشعر". ٧- ينبغي على الأسرة تربية النشء على آداب الإسلام من الرحمة بالصغير، واحترام الكبير، وحديث شجر البوادي لابن عمر ﵂ منهج لهم في التوقير والاحترام، وكذلك مساعدة الضعيف، وحسن اختيار الصديق، قال النبي ﷺ : "مثل الجليس الصالح والجليس السوء كبائع المسك ونافخ الكير" الحديث الشريف، والإحسان إلى الجار، قال النبي ﷺ : "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه"،

стр. 258

وأن يرتاد المساجد ودروس العلم، والمحاضرات والندوات، وأن يتجول في دور الكتب والحدائق. وكذلك تربية النشء على أخلاق الإسلام في الاستئذان، فلا يدخل بيتًا غير آهل بالسكان، ولا بيتًا آهلًا بالسكان إلا بعد أن يستأنس فيهم الدخول، ويجد في وجوههم القبول والرغبة في اللقاء، ويسلِّم عليهم، ويغضَّ البصر عما حرم الله، ونرى ذلك واضحًا في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢٧-٢٨] ، ولا يقتصر الاستئذان على الأجنبي فحسب، بل يجب أن يستأذن على الأهل والأبوين في ثلاثة أوقات، من قبل صلاة الفجر، وبعد الظهرية، ومن بعد صلاة العشاء، وفي غير هذه الأوقات لا حرج على الجميع في الدخول، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٨] ، وكذلك تربيهم الأسرة على آداب الأكل والأماكن التي يسمح فيها بالطعام، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ

стр. 259

آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١] ، وتربي النشء أيضًا على آداب الدعوة إلى الطعام إذا ما دعوا إلى ذلك، وتكون الدعوة مقصورة على الإطعام فقط، فإذا فرغ المدعو من الطعام فلينتشر في الأرض، ولا داعي لاستئناف الحديث، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . وتربيهم أيضًا على آداب الجلوس والمجالسة، فلا يتخطى رقاب الناس، بل يجلس حيث ينتهي به المجلس، كما كان يفعل أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد رباهم النبي على ذلك في مجلس حديثه، وأن يفسحوا في المجالس للقادم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١] ، ويربي النشء أيضًا على التواضع وعدم الكبر والخيلاء، وأن يخفضوا أصواتهم، ويقتصدوا في مشيهم، فالناس

стр. 260

سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٨- ١٩] . ٨- أن تكون تربية النشء قائمة على أساس من العدل لا المحاباة والتميز، فقد يخصّ أحد أفراد الأسرة بإظهار المحبة والعطية، فتكون المحاباة في تمييزه بالقرب والمحبة والعطية دون الآخر، فتدل العداوة والفتنة بين الأخوة، وتنغرس في أنفسهم صفات قبيحة كالحقد والبغض والكراهية وغيرها، مما يحرمه الإسلام، ويأباه على النشء المسلم، وفي الحديث: عن النعمان عن بشير ﵁ قال: "تصدق علي أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشهد رسول الله ﷺ ، فانطلق أبي بي إلى رسول الله ﷺ ليشهده على صدقتي، فقال رسول الله ﷺ : "أفعلت هذا بولدك كلهم"، قال: لا، قال: "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم، فرجع أبي فرد تلك الصدقة" "رواه مسلم". ٩- ينبغي على الأسرة في أسلوب تربية النشء أن تساير التغيرات الاجتماعية، والرقي الثقافي والعلمي البنَّاء، الذي لا يتنافى مع الشريعة الإسلامية، لتكون سياسة الأسرة قائمة على الاستفادة بالحسن واختيار الجيد، والابتعاد عن الرذائل، والتخليل عن الحرمان، وسياسة الزجر والعنف، فإن السلبية والجمود والتخلف عن التطورات الاجتماعية والثقافية والعلمية الجديدة، وفرض الحرمان من التثقيف بها، يؤدي إلى غريزة التطلع إلى الممنوع، فتشكِّل في نفس النشء ما يسمى "ازدواج الشخصية"، فيتظاهر أمام الأسرة بالخضوع الكاذب، بينما يقع في

стр. 261

الممنوع في غياب الأسرة عنه، ويرجع السبب في ذلك إلى تخلُّف الأسرة وجمودها، بل يجب أن تتسلح بالثقافة المعاصرة، والتطورات الراقية الجادة، وأن نستمع إلى النشء، ونناقشهم فيما يدور بخلدهم، فنردهم إلى الصواب ونختار لهم الجيد، وننفرهم من رذائل العصر وانحرافه في التطورات الاجتماعية والثقافية والسلوكية. وهنا تأتي خطورة مؤسسات المجتمع المختلفة من المدارس والجامعات ووسائل الإعلام المختلفة من صحافة وكتب ومجلات وإذاعة وتلفاز، ونواد مختلفة، ومسرح وسينما وملاهي، وفي هذا يؤدي المجتمع دوره مع الأسرة لتربية النشء، وهذا الدور يقوم على الانسجام والتوافق التام بين تربية الأسرة وعطاء المجتمع لهم، فينشروا الأفكار النافعة، ويغرسوا القيم الفاضلة، ويميزوا بين الغثِّ والسمين من التغييرات المعاصرة في شتَّى المجالات، وإلا حدثت نكسة في التربية، نتيجة لاضطراب التوجيهات بين الأسرة والمجتمع، فتشيع الفوضى بين النشء، وتنهار قيمه، ويتجرَّد من أخلاقه الفاضلة، وهو ما يحث عليه قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١] ، وقال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧] .

стр. 262

مرحلة الشباب والمراهقة والرجولة مدخل ... مرحلة الشباب والمراهقة والرجولة ١: منهج التربية الإسلامية في بناء الشباب وتكوينه قائم على الشمول والكمال، والتقصِّي لكل ما لا يخطر على بال الإنسان، فهو غير قاصر على الشباب في فترة معينة ولجنس خاصّ، بل يمتدّ مع الأزمان والأجيال إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] ، قال الطبري في تفسيره: "يقول نزل عليك يا محمد القرآن بيانًا لكل ما بالناس إليه الحاجة من معرفة الحلال والحرام والثواب والعقاب"٢. وفي حديث سلمان الفارسي ﵁ أنه قيل له: "لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، قال: أجل، لقد نهانا رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة بغائط أبو بول، وألا يستنجي باليمين، وألا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، وألا نستنجي برجيع أو عظم" "رواه مسلم وأحمد والترمذي وابن ماجه والنسائي وأبو داود". ضوابط السلوك الإسلامي: ويتولَّى الإسلام تربية الولد والبنت منذ الصغر حتى سن الرشد والبلوغ، الذي يختلف عندهما من حيث الكم وتحديد السنوات، فالذكر يبلغ في سن الخامسة عشرة غالبًا، والأنثى تبلغ بالحيض ما بين التاسعة والثانية عشر غالبًا، لكنهما متفقان من حيث النضج والكمال في الجسم والتمييز، مهما كان الفرق في عدد السنوات متباينًا.

стр. 263

ويتولى الإسلام تربية الشباب في مرحلة المراهقة والانطلاق والأنانية من الخامسة عشرة إلى العشرين على أساس من الخلق القويم، ويقيم بناءه لبنة لبنة في تجربته العملية بضوابط كثيرة في ممارسة السلوك وأهمها: ١- المسئولية والحساب: فيستيقظ حينئذٍ على الحدِّ الفاصل بين الإعفاء وبين الإحصاء، ألا وهو حدُّ البلوغ، إذ لا حساب ولا مساءلة قبل ذلك، وإن لزم التوجيه والرعاية له من الوالدين، لأنهما يتحملان عنه الوزر، كما أنهما لا يحرمان من حسناته وحسن أخلاقه، فهما معًا السبب في الأوزار والحسنات: "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته" "متفق عليه". لكن البلوغ يحمل الشباب على أن يبدأ مرحلة جديدة في حياته، وهو أن يتحمل كل التبعات، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشرّ، يقول النبي ﷺ : "رُفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق" "متفق عليه"، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٢-١٣] وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧-٨] ، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] . ولم يكن حد البلوغ مجازفة واعتباطًا، وإنما كان نتيجة طبيعية للبناء الجسدي والعقلي والوجداني والعاطفي، فالشجرة لا تثمر إلا إذا

стр. 264

اكتملت جذورها وساقها وفروعها وأوراقها وأزهارها، كذلك الصبي حين يبلغ الحلم، يجري في صلبه ما يحفظ به نوعه، ولو كان دون الخمسة عشر عامًا، التي تكون نهاية الحدّ في تفجير الطاقة الجنسية، وفورة العاطفة الشهوانية في الولد. أما البنت تبلغ عندما يظهر عليها إمارات الأنوثة الناضجة التي تجعل الرحم على استعداد تام لحفظ نوعها، وذلك عن طريق المبيض الذي ينفجر حيضًا في العادة الشهرية، وعلى ذلك فمعنى البلوغ هو أن تأخذ الغريزة الجنسية في الإنسان مجراها الطبيعي في الحياة. وينظر الإسلام إلى الدافع الجنسي كسائر الدوافع الفطرية الأخرى، فيقدرهاغ ويحترمها ويحميها وينظمها، بما يتلاءم مع كرامة الإنسان وشرفه على سائر المخلوقات، فيجعل تلبية الرغبة الجنسية في دائرة واحدة فقط، وهي الزواج، وأغلق أمامه كل الدوائر الأخرى، التي تهبط بشرف الإنسانية إلى الحيوانية، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١] ، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: ٧٢] . أحاط الإسلام الشباب بدائرة الزواج في مشقاته، وتكاليفه وكفاءته وقدراته، حتى ينصرف منذ البداية إلى الاستعداد له، واتخاذ الوسائل والأسباب كالعمل والتعليم، أو غير ذلك من وسائل المعيشة، لتضبط الشهوة وتبتلعها، حتى يقدر على الزواج، ليكون له ضابطًا آخر

стр. 265

يقيِّد الشهوة في شكل جديد، فإن طغت الشهوة ولم يقدر على الزواج حثه الإسلام على الصوم، يضبطها ويحصنها، فهو خير وجاء وقاطع لطغيانها، يقول عبد الله بن عمر ﵁: "كنا مع النبي ﷺ شبابًا لا نجد شيئًا، فقال رسول الله ﷺ : "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" ١، والباءة هي القدرة على الزواج بمعناها الواسع، والكفاءة بمعناها الدقيق، لذلك قال ابن عمر: كنا شبابًا لا نجد شيئًا، فكانت النتيجة أن الصوم يقتل الشهوة ويقضي على طغيانها، فينصرف الشباب بضابط الصوم إلى استغلال مواهبه العقلية وقدراته البدنية لتحقيق هذه الباءة، وغالبًا ما تتكامل له هذه الوسائل عندما ينضج في سن العشرين أو أكثر قليلًا، فتبرز طاقته المتعددة الجوانب في التعليم والتعلم، ويحضه الإسلام على ذلك: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، "طلب العلم فريضة على كل مسلم" ٢، قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ، وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] ، وقال ابن رجب الحنبلي: يعني على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم، كذا قال ابن مسعود وغيره من السلف٣، وغير ذلك من الآيات والأحاديث الكثيرة التي تحث على العلم والاهتمام به، أو يبرز طاقاته في العمل والتحصيل، ويحثه الإسلام، ليربي في الشباب الطاقة

стр. 266

والجهد والحمية، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] ، وقال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] ، وقول النبي ﷺ : "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه" "رواه البيهقي". ٢- الإطار الأخلاقي المثالي: وهو ضبط سلوك الشباب: فيقتاد في خلقه بمن هم أكبر سنًّا، وأعمق تجربة في الحياة، فأغراه الإسلام بأن يكون من السبعة، الذين ميزهم الله عن سائر الناس في يوم القيامة بظل عرشه، يوم لا ظل إلا ظله: "إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة، ورجلان تحابا في الله ... اجتمعا عليه وافترقا عليه...." إلى آخر الحديث الشريف. ٣- العبادات: فالعبادات تربي في النفس مراقبة دائمة لله ، بحيث يظل الفرد مشغول القلب بذكر الله كل يوم، بل في اليوم على الأقل خمس مرات، ينصرف فيها عن كل ما يشغله من مغريات الدنيا وشهواتها، ليجدد في كل صلاة نشاطه الروحي مع ربه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٤] ، ويقول النبي ﷺ : "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، وقال أيضًا: "أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء"، قالوا: لا يا رسول الله: قال: "كذلك مثل الصلوات الخمس يمحو بهن الخطايا".

стр. 267

وكذلك الصوم يربي في النفس غريزة الإخلاص، فهذه العبادة اختص الإخلاص فيها بعلم الله ، لأن الصوم سر بين العبد وربه، وكذلك يربي أيضًا أسمى أنواع الأمانات، لأن الصائم يرعى الله بأمانة؛ فيراقبه في السر والعلن مخلصًا لوجه الله تعالى، على العكس من الأمانة بصفة عامة، فقد يشتهر فيها شخص من بين الناس، وهو يقصد كسب ثقتهم، فيزداد حفاظًا على الأمانة كلما زادوه ثقة وهكذا، فإن مراعاة الناس واعتبارهم يهزُّ كيان الإخلاص في الأمانة العامة، فتصير مزيجًا من الإخلاص والتظاهر نوعًا ما، بينما الصائم لا يداخله هذا الخيط من التظاهر في الصوم وإلا لفسد كله، ولم يقبل في جانب الله : "كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به". ٤- تربية أخلاق العقيدة: وهي أن يحيي القلب بنور الإيمان، ويوقظ الضمير بمعرفة الله، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢] . وتربية أخلاق العقيدة تتمُّ أيضًا بأن يتزي الشبان بزي الإيمان، وهو السكينة والوقار، والطمأنينة والاتزان، فيشعر دائمًا ببرد الراحة وحلاوة الأمن ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] ، فلا يحزن على ما فات، ولا يفرح بما هو آتٍ، قال تعالى: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] . وكذلك غرس الإسلام قوة العزيمة في شبابه، ليقيم بناءه على أساس قوي ثابت، فيتحرَّر من سيطرة الغير، ما دام يعلم أن الله معه، وهذا واضح في وصية الرسول الكريم لخيرة الشباب في عصره عبد الله

стр. 268

ابن العباس ﵁، قال: "يا غلام: إني أعلمك كلمات: أحفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا شيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفَّت الصحف". وكذلك تنمية الشجاعة والإقدام في روح الشباب، ولقد أخذ رسول الله ﷺ برأي الشباب في الخروج إلى "أحد"، مع أن الشيوخ وهم أقل كانوا على صواب في عدم الخروج من المدينة لمواجهة المشركين في جبل أحد، ليربي شباب الإسلام على الشجاعة والإقدام، ويهذب الله تعالى النفس بهذا الخلق فيقول: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] . ويربي الإسلام في النفوس التواضع مع الشجاعة، جنبًا إلى جنب، قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧] ، وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] . ويربي في الشباب صون اللسان وحفظه من كثرة الكلام فيما لا يفيد، فيكون جادًّا في حياته، يقول النبي ﷺ لمعاذ ﵁: "أمسك عليك هذا"، وأشار إلى لسانه، فيقول معاذ: وهل نحن مؤاخذون بما نتكلم، قال النبي: "وهل يكبُّ الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم"، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ١-٣] .

стр. 269

ويربي في الشباب روح الأخوة الإسلامية، والإيثار والتضحية في سبيل الله، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] ، وقوله ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". في البناء الاجتماعي للفرد: إذا كانت ضوابط التربية الإسلامية في مرحلة الشباب والمراهقة قد تمخَّضت عن سلوك وممارسة عملية على حدّ مصطلحات علماء التربية الحديثة، أو تمخَّضت عن استقامة وأخلاق على حد التشريع الإسلامي، فإن الشباب بعد ذلك سينتقل إلى مرحلة النضج والرجولة، كما اصطلح على ذلك علماء التربية، وأطلق عليه مرحلة البناء الاجتماعي للفرد، وقد تعقَّب المنهج الإسلامي في التربية المرحلتين بصورة شاملة وعميقة وجادة، كعهده دائمًا في بناء الفرد والجماعة.

стр. 270

أولًا: مرحلة النضج: ومرحلة النضج تكون ما بين سنِّ العشرين إلى الثلاثين عامًا، وتخضع هذه المرحلة لضوابط التربية الإسلامية والتعليم، ومن أهمها: ١- الضابط الأول: وهو أن العقد الثالث من العمر ضابط بذاته لهذه الحلقة الناضجة من الحياة، فهي الحلقة المثالية لبناء حياة

стр. 271

اجتماعية على أساس قوي متين، وقد كان زواج النبي ﷺ من أم المؤمنين خديجة بنت خويلد في هذا السن تعبيرًا دقيقًا وصادقًا عن تمام النضج الاجتماعي، وتقريرًا يعبر بدقة عن نضوج البدن، ليقاوم الحياة الجنسية الجديدة، بحيث لا تضطرب القوة، ويتحكم الناضج حينئذ في ضبط الشهوة نوعًا ما، وخاصة بعد اجتيازه مرحلة المراهقة، التي هي من أخطر المراحل، فلا يسرف فيها، ويحفظ على النفس اتزانها وقوتها. ٢- الضابط الثاني للسلوك التربوي القويم هو الزواج، فجمال الزوجة، وملكة التسلية، والإمتاع في حديثها، وغريزة الإيثار والتضحية في سبيل حب زوجها، وغيرها من غرائزها الفطرية تسيطر على عقل الزوج، وتستبد بقلبه، فلا يجد في غير هذا الحلال الطيب بديلًا في الخبيث المحرم، ومن هنا تنحصر الشهوة فيما أحله الله له فقط دون غيره من المحرمات، ثم يتوالى بعد ذلك ما ينظم الشهوة ويضبطها، وهو إنجاب الأولاد وما يحتاجونه من نفقات ورعاية وحفظ وتوجيه وتربية وتعليم وتنمية للغرائر الفطرية، عند ذلك تنحصر الشهوة في إطار ضيق جدًّا مع زوجته ربة البيت وأم الأولاد، والحديث الشريف يحذر من الإفراط "فإنه نور عينيك ومخ ساقيك". يقول ابن القيم الجوزية: وأما الجماع والباه "النكاح" فكان هديه "أي النبي" فيه أكمل هدي يحفظ به الصحة، ويتمّ به اللذة وسرور النفس، ويحصل به مقاصده التي وضع لأجلها، فإن الجماع وضع في الأصل لثلاثة أمور هي مقاصده الأصلي، أحدها: حفظ النسل ودوام النوع إلى أن تتكامل العدة التي قدر الله بروزها إلى هذا العالم، الثاني: إخراج الماء الذي يضر احتباسه واحتقانه بجملة البدن، والثالث: قضاء

стр. 272

الوتر ونيل اللذة والتمتع بالنعمة١. والإفراط في الغريزة وعدم انضباط الشهوة يؤثر على الجسم والعقل معًا، يقول الطبيب إليكس كاربل: ومن المعروف أن الإفراط الجنسي، يعرقل النشاط العقلي، ويبدو أن العقل يحتاج إلى غدد جنسية حسنة النمو، وكبت مؤقت للشهوة الجنسية حتى يستطيع أن يبلغ منتهى قوته٢. ٣- الضابط الثالث: أن يجعل الأساس في اختيار الزوجة أن تكون ذات دين، ثم يأتي بعد ذلك الجمال والبكارة والولود الودود، من باب الأولى، أو من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو الواجب، لقول النبي ﷺ فيما رواه أبو هريرة: "تنكح المرأة لأربع، لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" ٣، فالمرأة الصالحة خير ما يرزق بها الرجل في حياته، لأنها تعين زوجها على طاعة الله دائمًا، ليظل معها في الحياة مستقيمًا طاهرًا عفيفًا، يرضي الله فيها، ويحافظ على عشرتها بالمعروف، وحسن المعاشرة لأهله، لأنه راع، وهو مسئول عن رعيته. ولهذا حذر النبي ﷺ من خضراء الدمن، فقال: "إياكم وخضراء الدمن"، قالوا: وما خضراء الدمن يا رسول الله؟ قال: "المرأة الحسناء في المنبت السوء" ٤، ومصدر الخطورة أنها تجمع بين ضررين

стр. 273

كبيرين بالنسبة للرجل، أحدهما: الجمال الفاتن والمجرد من الدين والخلق، وفي هذه الحالة لا تنضبط الشهوة معها، فتكون نهاية الزوج كنهاية المدمن في الخمر، فيغيب عقله ويفنى جسده معًا. وثانيهما: سوء الخلق، فلا ترضى به وعنه إلا إذا كان على شاكلتها، ويناظرها في سوء الخلق، ويجاريها في وقاحتها، فيكون تابعًا لها، بل أشد منها، لكونه إمعة لا إرادة له ولا شخصية، ولذلك كان خير النساء كما قال النبي ﷺ : "التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا في مالها بما يكره" "رواه أحمد والنسائي". وإذا لم يكن الدين والخلق الكريم هو أساس الزواج، تنخر الفتنة في عصب الأمة، ويعبث الفساد في الأرض، قال النبي ﷺ : "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" "رواه الترمذي". ٤- الضابط الرابع: حقوق الحياة الزوجية، التي تعمرها بالسعادة والتعاون والحب والإيمان، فرعاية تلك الحقوق تربِّي في النفس الإحساس بالمسئولية والشعور بالواجب، فيتناصح الزوجان: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ، ويتعاونان معًا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ، ويتشاوران فيما يخالط الأسرة والحياة: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] . وهذه الحقوق تغرس في النفس المودة والمحبة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] .

стр. 274

وتربي حقوق الحياة الزوجية في النفس أيضًا الرعاية لحدود الله وأوامره، فينفقه الزوجان في الدين، ويقفان على حدود الحلال والحرام، ويحفظان أسرار الزوجية: ﴿قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] ، ويتعامل معها الزوج بالرفق والمعروف: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . وهذه الحقوق الزوجية أيضًا تربي في النفس رعاية حقوق الأولاد لتأمين حق الرضاعة والحضانة: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . ومن واجبات التربية للأولاد تنمية الغرائز في نفوسهم، مثل غريزة الخوف والمراقبة والمحبة والتدبر في ملكوت الله، ليؤمن بربه عن اعتقاد لا تقليد، وينمي فيهم الملكات الحسية والفكرية والفنية، جاء في الحديث: "علِّموا أولادكم السباحة والرماية ومروهم فليثبوا على الخيل وثبًا ورووهم ما يجمل من الشعر" "رواه الترمذي وأحمد وأبو داود". ويربيهم أيضًا على أخلاق القرآن الكريم من معرفة آداب الدخول وأخلاق الاستئذان العامة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ٢٧] ، والاستئذان على أهله ووالديه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ

стр. 275

مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٨] .

стр. 276

ثانيًا: مرحلة الرجولة: في هذه المرحلة التي تبدأ من الثلاثين إلى الأربعين، يكون الجسم فيها قد اكتمل وبلغ غاية النضج في تمام الأعضاء، واعتدال القوام وقمة النشاط، وحيوية الحركة، فيتحول العقل من حالة التوازن إلى حالة الاتزان، ووضع الأمور في نصابها، فالعقل السليم في الجسم السليم، وهذا العمر يكون أنضر وأقوى مراحل حياة الرجل، والقوة فيه بلغت غاية الاتزان الجسدي والعقلي والعاطفي والوجداني والنفسي والفكري، ويكون في منزلة هي أحب إلى الله فيما لو تحقق الاتزان، يقول النبي ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف"، لأن القوة هنا تشمل جوانبها المختلفة من القوة البدنية، والقوة الفكرية والعقلية، والقوة الدينية، والقوة العلمية، وهذه القوى تستلزم بالضرورة القوة في المال والاقتصاد، لأنها مرحلة بناء الحياة الاقتصادية للأسرة، وتأمين حياتها، وحياة الأفراد فيها. عن عبد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين حدثاه أنهما أتيا رسول الله ﷺ يسألانه عن الصدقة، فقلب فيهما النظر، فرآهما جلدين، فقال: "إن شئتما أعطيتكما، ولا حظَّ فيهما لغني ولا لقوي مكتسب" "رواه أحمد وأبو داود والنسائي"، وهذا الحديث يستلزم تحريم الصدقة

стр. 277

على القوي الجلد، لأنه يجب أن يعمل ما دام قويًا جلدًا، قال أحمد بن حنبل معقبًا على هذا الحديث: ما أجوده من حديث، وقال الصنعاني: والحديث من أدلة تحريم الصدقة على الغني وعلى القوي المكتسب١، يقول النبي ﷺ : "اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعولن وخير الصدقة ما كان عن ظهر غني، ومن يستضعف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله" "رواه البخاري ومتفق عليه". وفي ختام هذه المرحلة غالبًا، يشعر الإنسان بأنه بلغ الغاية، فيثني على الله بهذه النعمة الجليلة، ويطلب منه أن يسلكه في الصالحين المقبولين عنده، وكذلك الذي يقطع الأربعين وهو ماض في غيه، منساق حسب شهواته ونزواته، فئلا أمل في صلاحه وتقواه، لأن العقد الرابع هو الفيصل بين حياة الرجل الصالحة أو الطالحة. وحين يجدد القرآن الكريم السلوك التربوي الصالح في هذا العقد يصف صاحبه بالصلاح، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٥-١٦] ، ومع الأنبياء ﵈ يصفهم الله تعالى في هذا العقد بصفات المحسنين والمرسلين، قال تعالى يصف موسى ﵇ في هذه المرحلة: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا

стр. 278

وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤] ، وقال تعالى في يوسف ﵇: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢٢] .

стр. 279

في مرحلتي الكهولة والشيخوخة ١: منهج التربية الإسلامية، والسلوك الأخلاقي في الشريعة يعتمد على حقيقة لا تقبل النقض ولا الجدل، ولا تكون قاصرة محدودة، بل تظل صالحة، تتجاوب مع أصداء الحياة، وتستجيب لها كل الأجيال، لأنها ترتبط بالقيم الفاضلة، والأخلاق السامية، وكلاهما ثابت لا يتغير بتغير الزمان والأجيال. وحقيقة التربية قائمة أيضًا على العلم واليقين، والدقة والشمول والاستقصاء لكل الجوانب المحتملة، التي لا تخطر على بال الإنسان، لأنها تشريع من قبل الله العليم الخبير بمخلوقاته: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] ، فقد خلق الله الخلق، وهداهم إلى ما يحتاجونه في الحياة: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] . لهذا يجب ألا تضع أنفسنا في مجال الموازنة والمقارنة بين منهج التربية الإسلامية، وبين مناهج التربية الحديثة، وفلسفاتها المعاصرة، فالأول يظل حيًّا خالدًا، يتجاوب مع كل عصر وجيل، والثاني يرتبط بالأحياء، الذين أنتجتهم معامل التجارب، فيقبل الاحتمالات.

стр. 280

والتوقعات، وهذا من المسلمات حتى عند أصحاب النظريات، فلسان حالهم يردِّد قول الله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١] . ومنهج الإسلام في التربية والتوجيه يختلف حسب المراحل المتنوعة التي يمر بها الكبار، فله منهجه العميق في كل مرحلة: في مرحلة الشباب، ومرحلة النضج، ومرحلة الرجولة، ومرحلة الكهولة، ومرحلة الشيخوخة، ونحن الآن بصدد المرحلتين الأخيرتين لنقف على الضوابط التربوية الإسلامية في الكهولة والشيخوخة. والكهل هو من بلغ الأربعين إلى الخمسين، وفي هذه المرحلة يبلغ الرجال الكمال في الدين والخلق، ويسمو إلى غاية النضج في العلم والمعرفة، فتكون منزلته في الحياة منزلة المعلم والمرشد والموجه، وهو صادق فيها كل الصدق، لأنها من واقع تجربته في الحياة، تنساب كلماته نافذة طاهرة قوية، وتنفجر عن خبرة ذاق حلاوتها ومرارتها. وفي مطلع هذه المرحلة يصطفي الله الرسل مبشرين ومنذرين، حيث يكون الإنسان فيها أقدر على التأثير في غيره والتوجيه له، وهي مرحلة الثقة التي يأخذ عنها الغير في ثقة مبرأة من طيش الشباب، وأنانية الرجولة وحرصها، وحين اتهم قوم عاد هودًا ﵇ بالسفه، ردَّ الله عليهم دعواهم الباطلة بأنه رسول من رب العالمين، قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦-٦٧] ، ويمتن الله على عيسى بن مريم ﵇ بأنه دعا

стр. 281

الناس وهو في المهد، وكذلك وهو كهل في سنن النبوة، فهو من الصالحين: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٦] ، ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [المائدة: ١١٠] . وفي مرحلة الكهولة تتمكن العادات من النفس، فتصير طبيعة بشرية، لا تنفك عن صاحبها، فإن كانت العادات حسنة، انصهرت بأخلاق فاضلة، وصلاح وتقوى، ليرتقي الكهل إلى منزلة العالم الخبير المجرب، والواعظ المخلص في دعوته؛ وإن تمكنت منه عادات فاسدة سيئة، صارت فيه طبيعة بشرية لا ينفك عنها إلا من هداه الله تعالى، ولهذا السبب أكد العلماء أن سن الأربعين هو الفيصل في حياة الإنسان، وهو بشير خير، أو نذير شر، على حسب سلوك الشخص في مراحله السابقة، هذا كله من حيث الظاهر، أما الباطن فيختص بعلمه الله ، ولا ردَّ لقضائه، فهو فعال لما يريد: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] . وتبدأ مرحلة الشيخوخة من الخسمين إلى الثمانين أو إلى نهاية الحياة وحلول الأجل، ويظل الشيخ فيها مشغولًا بلقاء ربه أكثر من المراحل السابقة، وهي أيضًا مرحلة الضعف والهزال، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤] ، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ

стр. 282

يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ [غافر: ٦٧] . ومع الضعف يكون الشيب والدعاء غالبًا، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤] ، والشيخوخة هي الثمرة الحقيقية لمرحلة الكهولة، فإن كانت الكهولة صالحة فينسحب عليها الصلاح ليصير الشيخ صالحًا، يعرف ربه حق المعرفة، ويمتلئ قلبه بالرحمة والعطف والحنان والشفقة، والخوف من الله ، والوجل من عذابه، وفي الأثر: "لولا الأطفال الرضع والشيوخ الركع لصببنا عليكم العذاب صبًّا"، وإن كانت الكهولة فسادًا وهوى، وضلالًا وتيهًا، فإن ذلك ينسحب على الشيخوخة، فيكون صاحبها في نقمة وعذاب، وقلق وآلام، وربما يبلغ أرذل العمر بلاء واختيارًا ومحنة له، قال تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٨] . والشيخوخة أشدّ ما تحتاج إلى البر بالوالدين فيها، وضرورة الطاعة لهما، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣-٢٤] ، فإن كان الوالدان في حاجة إلى النفقة والمال وجبت لهما، وإن كانا أغنياء، أهداهما وحقق لهما المطالب المحببة إلى نفوسهما من حين لآخر، وقد جعل الإسلام سعي الرجل على أبويه الشيخين الكبيرين ضربًا من الجهاد في سبيل الله، فقال ﷺ : "ألك أبوان كبيران؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد"،

стр. 283

وفي الحديث: أن بعض الصحابة رأى شابًّا قويًّا يسرع في عمله، فقال بعضهم: لو كان هذا في سبيل الله، فرد عليه النبي ﷺ : "لا تقولوا هذا، فإنه إن كان خرج يسعى على ولد له صغارًا فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على نفسه فهو في سبيل الله"، وإن كان يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان". وأفضل الأعمال بر الوالدين، سُئل النبي ﷺ : "أي الأعمال أفضل يا رسول الله؟ قال: "الصلاة على مواقيتها": قال: ثم أي؟ قال: برُّ الوالدين، قال: "ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله" "متفق عليه"، بل عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، قال ﷺ : "ألا أدلُّكم على أكبر الكبائر؟ " قلنا بلى يا رسول الله، قال: "الشرك بالله، وعقوق الوالدين"، وكان متكئًا فجلس، فقال: "ألا وقول الزور" "متفق عليه". ومن البر بهما أن يعلمهما، إن فائتتهما فرصة التعليم، وهنا يجب على الصغار أن يعلموا الكبار ليمحوا أميتهم، وكان النبي ﷺ يفتدي الأسير بتعليم عشرة من أصحابه، وقد أمر زيد بن ثابت أن يتعلم الرومية والفارسية وهو كبير. ومن البر أيضًا أن يقرأ عليهما القرآن الكريم، والسنة الشريفة، والعلم، وأن يعينهما على أداء الفرائض والواجبات، وقضاء الديون، وصلة الأرحام، وأن يطيعهما في المعروف، ويستمع إلى رأيهما، فإن إهمالهما يؤدِّي إلى الجحود والنكران، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ

стр. 284

تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٥] ، وهذه المرحلة يكثر فيها الشيخ من الكلام، ليملأ به الفراغ الذي يعيشه، ويحاول أن يمتصَّه بالحديث واللغو، وذلك لاعتداده بنفسه، وثقته بأنه الأوحد في عصره، وصاحب التجربة الكبرى في الحياة، وينبغي أن يسمع له، ويستجاب لأمره، لهذا كله يربيه الإسلام على الصمت وخاصة في هذه المرحلة، فهو أولى وأفضل من الكلام والثرثرة، فالصمت تفكر وتأمل في الله تعالى. وحذره أيضًا من القيل والقال، وكثرة السؤال، مما يؤدي إلى كثرة الكلام، التي تدفع إلى الخطأ، وتوقع في المحظور، وتكدر النفوس، وتُذهب بهيبة المسلم ووقاره، روى المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعًا وهات، ووأد البنات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" "متفق عليه". وكان أبو بكر الصديق ﵁ يعالج من نفسه كثرة الكلام بأن يضع حصاة تحت لسانه لتمنعه من الكلام، حتى يتبين الخير فيه، ويسأل عقبة بن عامر رسول الله ﷺ : "ما النجاة؟ قال: "أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك" "رواه الترمذي". ويضع النووي معيارًا دقيقًا لاستخدام اللسان، فيقول: ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه من جميع الكلام إلا كلامًا ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة، فالسنة الإمساك عنه، لأنه قد يجرّ الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثير في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء، ولذلك يقول النبي ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت"، وهنا دليل صريح في أنه ينبغي ألا يتكلم، إلا إذا كان الكلام خيرًا، وهو الذي ظهرت مصلحته، ومتى

стр. 285

شك في ظهور المصلحة فلا يتكلم "شرح النووي على صحيح مسلم". ويربي الإسلام المؤمن في هذه المرحلة تربية يحثه فيها دائمًا إلى النظر في عاقبة الأمر لأولاده من بعده، ليتركهم أغنياء، خير لهم من أن يتركهم عالة يتكففون الناس، فيمنعه الإسلام من الوصية لوارث، حتى يتساوى جميع الأولاد والورثة في التركة كما أمر الله ، وإذا أوصى تكون الوصية بمقدار الثلث أو أقل، وهذا أفضل وأولى، وهو الذي فعله السلف الصالح، لأن أقرباءه أولى بالغنى من غيرهم، وخاصة إذا كانوا فقراء، لحديث سعد ﵁: "الثلث والثلث كثير". وتقييد الوصية بهذا القدر، يظهر حكمة التشريع الإسلامي، وهي تفتيت الثروة على الورثة، حتى لا تتضخم عند شخص دون آخر، ثم حذر المسلم من التعدي على هذه الحقوق، وتلك الحدود والفروض، التي شرعها الله في الميراث بنظام فريد، كما رغب في تنفيذها، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٣-١٤] . وهكذا كان منهج الشريعة الإسلامية في توجيه وتربية الكبار في مرحلتي الكهولة والشيخوخة، وأساس هذا المنهج الإسلامي في التربية والتعليم والتوجيه والإصلاح يرجع إلى تنمية غريزة الرقابة الداخلية في النفس، وإحياء الضمير، ليكون حارسًا على النفس من التردِّي في الهلاك، لتحقيق سعادته في الدنيا والآخرة.
следующие страницы →