الناس وهو في المهد، وكذلك وهو كهل في سنن النبوة، فهو من الصالحين: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٦] ، ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [المائدة: ١١٠] .
وفي مرحلة الكهولة تتمكن العادات من النفس، فتصير طبيعة بشرية، لا تنفك عن صاحبها، فإن كانت العادات حسنة، انصهرت بأخلاق فاضلة، وصلاح وتقوى، ليرتقي الكهل إلى منزلة العالم الخبير المجرب، والواعظ المخلص في دعوته؛ وإن تمكنت منه عادات فاسدة سيئة، صارت فيه طبيعة بشرية لا ينفك عنها إلا من هداه الله تعالى، ولهذا السبب أكد العلماء أن سن الأربعين هو الفيصل في حياة الإنسان، وهو بشير خير، أو نذير شر، على حسب سلوك الشخص في مراحله السابقة، هذا كله من حيث الظاهر، أما الباطن فيختص بعلمه الله ، ولا ردَّ لقضائه، فهو فعال لما يريد: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] .
وتبدأ مرحلة الشيخوخة من الخسمين إلى الثمانين أو إلى نهاية الحياة وحلول الأجل، ويظل الشيخ فيها مشغولًا بلقاء ربه أكثر من المراحل السابقة، وهي أيضًا مرحلة الضعف والهزال، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤] ، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ
стр. 282
يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ [غافر: ٦٧] .
ومع الضعف يكون الشيب والدعاء غالبًا، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤] ، والشيخوخة هي الثمرة الحقيقية لمرحلة الكهولة، فإن كانت الكهولة صالحة فينسحب عليها الصلاح ليصير الشيخ صالحًا، يعرف ربه حق المعرفة، ويمتلئ قلبه بالرحمة والعطف والحنان والشفقة، والخوف من الله ، والوجل من عذابه، وفي الأثر: "لولا الأطفال الرضع والشيوخ الركع لصببنا عليكم العذاب صبًّا"، وإن كانت الكهولة فسادًا وهوى، وضلالًا وتيهًا، فإن ذلك ينسحب على الشيخوخة، فيكون صاحبها في نقمة وعذاب، وقلق وآلام، وربما يبلغ أرذل العمر بلاء واختيارًا ومحنة له، قال تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٨] .
والشيخوخة أشدّ ما تحتاج إلى البر بالوالدين فيها، وضرورة الطاعة لهما، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣-٢٤] ، فإن كان الوالدان في حاجة إلى النفقة والمال وجبت لهما، وإن كانا أغنياء، أهداهما وحقق لهما المطالب المحببة إلى نفوسهما من حين لآخر، وقد جعل الإسلام سعي الرجل على أبويه الشيخين الكبيرين ضربًا من الجهاد في سبيل الله، فقال ﷺ : "ألك أبوان كبيران؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد"،
стр. 283
وفي الحديث: أن بعض الصحابة رأى شابًّا قويًّا يسرع في عمله، فقال بعضهم: لو كان هذا في سبيل الله، فرد عليه النبي ﷺ : "لا تقولوا هذا، فإنه إن كان خرج يسعى على ولد له صغارًا فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على نفسه فهو في سبيل الله"، وإن كان يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان".
وأفضل الأعمال بر الوالدين، سُئل النبي ﷺ : "أي الأعمال أفضل يا رسول الله؟ قال: "الصلاة على مواقيتها": قال: ثم أي؟ قال: برُّ الوالدين، قال: "ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله" "متفق عليه"، بل عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، قال ﷺ : "ألا أدلُّكم على أكبر الكبائر؟ " قلنا بلى يا رسول الله، قال: "الشرك بالله، وعقوق الوالدين"، وكان متكئًا فجلس، فقال: "ألا وقول الزور" "متفق عليه".
ومن البر بهما أن يعلمهما، إن فائتتهما فرصة التعليم، وهنا يجب على الصغار أن يعلموا الكبار ليمحوا أميتهم، وكان النبي ﷺ يفتدي الأسير بتعليم عشرة من أصحابه، وقد أمر زيد بن ثابت أن يتعلم الرومية والفارسية وهو كبير.
ومن البر أيضًا أن يقرأ عليهما القرآن الكريم، والسنة الشريفة، والعلم، وأن يعينهما على أداء الفرائض والواجبات، وقضاء الديون، وصلة الأرحام، وأن يطيعهما في المعروف، ويستمع إلى رأيهما، فإن إهمالهما يؤدِّي إلى الجحود والنكران، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ
стр. 284
تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٥] ، وهذه المرحلة يكثر فيها الشيخ من الكلام، ليملأ به الفراغ الذي يعيشه، ويحاول أن يمتصَّه بالحديث واللغو، وذلك لاعتداده بنفسه، وثقته بأنه الأوحد في عصره، وصاحب التجربة الكبرى في الحياة، وينبغي أن يسمع له، ويستجاب لأمره، لهذا كله يربيه الإسلام على الصمت وخاصة في هذه المرحلة، فهو أولى وأفضل من الكلام والثرثرة، فالصمت تفكر وتأمل في الله تعالى.
وحذره أيضًا من القيل والقال، وكثرة السؤال، مما يؤدي إلى كثرة الكلام، التي تدفع إلى الخطأ، وتوقع في المحظور، وتكدر النفوس، وتُذهب بهيبة المسلم ووقاره، روى المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعًا وهات، ووأد البنات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" "متفق عليه".
وكان أبو بكر الصديق ﵁ يعالج من نفسه كثرة الكلام بأن يضع حصاة تحت لسانه لتمنعه من الكلام، حتى يتبين الخير فيه، ويسأل عقبة بن عامر رسول الله ﷺ : "ما النجاة؟ قال: "أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك" "رواه الترمذي".
ويضع النووي معيارًا دقيقًا لاستخدام اللسان، فيقول: ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه من جميع الكلام إلا كلامًا ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة، فالسنة الإمساك عنه، لأنه قد يجرّ الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثير في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء، ولذلك يقول النبي ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت"، وهنا دليل صريح في أنه ينبغي ألا يتكلم، إلا إذا كان الكلام خيرًا، وهو الذي ظهرت مصلحته، ومتى
стр. 285
شك في ظهور المصلحة فلا يتكلم "شرح النووي على صحيح مسلم".
ويربي الإسلام المؤمن في هذه المرحلة تربية يحثه فيها دائمًا إلى النظر في عاقبة الأمر لأولاده من بعده، ليتركهم أغنياء، خير لهم من أن يتركهم عالة يتكففون الناس، فيمنعه الإسلام من الوصية لوارث، حتى يتساوى جميع الأولاد والورثة في التركة كما أمر الله ، وإذا أوصى تكون الوصية بمقدار الثلث أو أقل، وهذا أفضل وأولى، وهو الذي فعله السلف الصالح، لأن أقرباءه أولى بالغنى من غيرهم، وخاصة إذا كانوا فقراء، لحديث سعد ﵁: "الثلث والثلث كثير".
وتقييد الوصية بهذا القدر، يظهر حكمة التشريع الإسلامي، وهي تفتيت الثروة على الورثة، حتى لا تتضخم عند شخص دون آخر، ثم حذر المسلم من التعدي على هذه الحقوق، وتلك الحدود والفروض، التي شرعها الله في الميراث بنظام فريد، كما رغب في تنفيذها، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٣-١٤] .
وهكذا كان منهج الشريعة الإسلامية في توجيه وتربية الكبار في مرحلتي الكهولة والشيخوخة، وأساس هذا المنهج الإسلامي في التربية والتعليم والتوجيه والإصلاح يرجع إلى تنمية غريزة الرقابة الداخلية في النفس، وإحياء الضمير، ليكون حارسًا على النفس من التردِّي في الهلاك، لتحقيق سعادته في الدنيا والآخرة.
стр. 286
الفصل الخامس: العقود والمعاملات في التصوير القرآني والسنة الشريفة
سمات الاقتصاد الإسلامي في العقود والمعاملات
الاقتصاد الإسلامي تشريع إلهي:
الاقتصاد الإسلامي تشريع من قبل الله للبشرية جمعاء، إلى أن تقوم الساعة، وقد أيقن الإنسان المعاصر أكثر وأكثر بعد فشل النظم الاقتصادية منذ القدم حتى الآن، سواء أكان النظام الاقتصادي هو الرق القديم، ثم الإقطاع ثم البرجوازية، أو الرأسمالية ثم الاشتراكية، فقد أثبت هذا النظم فشلها حديثًا لسبب واضح، هو أن الإنسان أصبح عبدًا لماله، لا يرى في الوجود سواه، فكان مشركًا بالله شركًا مقنعًا، كما في النظام الرأسمالي الاقتصادي، أو عبد لآلته تسخره؛ فتذوب إنسانيته بين ضجيجيها وفحيحها، وكان أيضًا مشركًا مقنعًا، كما في النظام الاشتراكي الاقتصادي، لأن عبودية الإنسان المعاصر للمادة هزت كيانه وجوهره، وعكَّرت صفوة فطرته السليمة، فضل عن القيم الروحية والأخلاقية، التي لا تستقيم الحياة إلا بها، ولا تسمو نواميس الطبيعة إلا بمقدار التجاوب العملي معها.
لهذا أقر علماء الاقتصاد في العالم، ومنهم: جاك أوستري من علماء الاقتصاد في فرنسا، ورايموند شارل١، أقروا بأن الاقتصاد الإسلامي هو النظام الذي يحقُّق للإنسان السعادة، فهو نظام شامل صالح للحياة والإحياء، وذلك لقيمه النبيلة، وأخلاقه السامية، ودقته ومطاوعته لأساليب الحياة والناس، وهو نفسه ما تتميز به العقود والمعاملات في
стр. 287
الفقه الإسلامي والشريعة السمحاء، وهذا ما سيعني به بحث "منهج الإسلام وأخلاقه في العقود والمعاملات"، نسأل الله أن تجتمع أمة الإسلام على تطبيقه والعمل به، وأن تسير على نهجه القويم، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ، في تصوير قرآني معجز.
ولما كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، اقتضت شريعة الله نظامًا اقتصاديًّا متكاملًا يشتمل على الجوانب: الروحية، والمادية، والوجدانية النفسية، والعقلية، والإنسانية، والأخلاقية لتسير الحياة على أكمل وجهٍ بما يتلاءم مع نضوج العقل البشري، واتزان الوجدان النفسي، لذلك كان الهدف من التشريع الإسلامي كمال الأخلاق وتمامها، قال النبي ﷺ : "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وقال أيضًا يُوضح أن التشريع الإسلامي جاء كاملًا شاملًا لكل جوانب الحياة والآخرة، وجاء أيضًا مكملًا ومتممًا لما خلت منه الرسالات السابقة، كطغيان المادية في اليهودية، وطغيان الروحية في المسيحية، وتعادل الجانبين في توازن واعتدال في الإسلام، فقال ﷺ يوضح ذلك كله في إيجاز: "إنما مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وجمَّله وجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: ما أحسن هذا البناء؟! وما أعظم هذا البناء؟! لولا موضع هذه اللبنة، وتلك الزاوية، فأنا اللبنة وأنا الزاوية وأنا خاتم النبيين"، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] .
وعلى ذلك تكون الشريعة الإسلامية بجميع جوانبها المادية
стр. 288
والروحية منهجًا وأخلاقًا، بمعنى أن كل ما اشتملت عليه من عبادات ومعاملات وغيرهما، إنما هو وسيلة لغاية كبرى، وهي البناء الأخلاقي المتكامل للبشرية، في منهج تشريعي من قبل الحق ، لا من البشر، الذين يعتمدون على الظن والفوضى والتخمين في علومهم ونظرياتهم القاصرة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النساء: ١٥٧] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا﴾ [يونس: ٣٦] .
стр. 289
العبادات وأثرها في بناء القيم الاجتماعية والاقتصادية:
العبادات: من طهارة وصلاة وزكاة وصوم، وحج وعمرة، ومن اتباع لما أمر الله به من أوامر، واجتناب لما نهى الله عنه من محرمات، ثم التطوع والنقل، وغير ذلك مما كان الهدف الإسلامي منه هو البناء الأخلاقي المتكامل للبشرية، فالعبادات من صلاة وصوم ويغرها ليست مقصورة لذاتها، بل هي وسيلة لغاية أسمى، وهي بناء الخلق الفاضل في المسلم، فليس المقصود من الصلاة هي عملية ترويض الجسم بالقيام والركوع، والاعتدال والجلوس والسجود، بل المقصود منها أن تنهى عن الفحشاء والمنكر، وليس المقصود من الصيام هو تعذيب النفس بالجوع والعطش؛ لكي يصح البدن فحسب، ولكن المقصود الأسمى هو بناء خلق المسلم على المحبة والعطف والرحمة، والصبر والأمانة والمواساة، وغير ذلك من مبادئ الأخلاق الإسلامية، كما أن الأخلاق التي تنميها العبادات في النفس ليس المقصود منها أن تكون أخلاقًا أنانية ذاتية للشخص نفسه فحسب، ولكن المقصود منها هو أن تكون أخلاقًا.
стр. 290
اجتماعية يتعامل بها مع الناس، فالدين المعاملة، لهذا كان المقصود من العبادات والغاية منها هي تربية الأخلاق في النفس وتنميتها لكي يحسن المعاملات والعقود التي تجري مع الناس تبعًا لسنة الحياة وناموس الطبيعة الإنسانية الاجتماعية، وهذا يقتضي أن تقف على الأخلاق التي تغرسها العبادات في النفس البشرية.
وأما الأخلاق الاجتماعية التي تنمِّيها الصلاة في النفس فهي المساواة، والشكر، والخوف والمراقبة المستمرة، والمواظبة على العمل؛ فالمساواة في الصلاة بين الناس مهما اختلفت أجناسهم وتباينت منازلهم، وتنوعت ألوانهم؛ فالجميع يقف أمام الله في صف واحد تنتفي فيه فوارق الثراء، وتمايز الدم، وتذوب الألوان، فيشعر الفرد بأنه من الجماعة وللجماعة، وتتوثق الروابط الأخوية، التي تعين على التعاون في مجالات الحياة المختلفة، وفي مجال المعاملات الاقتصادية، التي هي في أشدِّ الحاجة إليها، وهي الشعور بالمساواة والإخاء.
والصلاة في ذاتها إنما هي عمل خالص في الشكر والثناء على الله ، فالله أسبغ على الإنسان نعمًا ظاهرة وباطنة، كالعقل والبصر والسمع واللسان وسائر الجوارح، ويسَّر له كل أسباب النعم والحياة، وهذه النعم تقتضي من الإنسان أن يشكر ربه شكرًا عمليًّا لا باللسان فقط؛ لذلك كانت أعمال الصلاة قد اشتركت فيها جميع الجوارح من الخضوع والخشوع، لتؤدي بذلك الشكر العملي لله ، وبالمتابعة في الصلاة والمواظبة عليها، تنمو في النفس غريزة الشكر، التي سيكون لها دور كبير في العقود والمعاملات، فيتعامل الإنسان مع الناس بالشكر والتقدير، لتيسير الخدمات وتحضيرها، وتقوم المعاملات
стр. 291
على أساس من الاحترام والتقدير، مما يكون له أثر كبير في مجال الاقتصاد الإسلامي ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلَّا الْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ١٩-٢٣] .
وتنمي الصلاة غريزة الخوف من الله دائمًا، وما أحوج العقود والمعاملات بيننا إلى غريزة الخوف والمراقبة لله ، فتنأى النفس عن السرقة والغصب والغشِّ والاختلاس والغبن والغرر والظلم والتطفيف والبخس والتناجش، وغيرها من المحرمات، وتنمي الصلاة في النفس غريزة المواظبة عليها خمس مرات في اليوم والليلة، وما أحوج المعاملات والعمل إلى المواظبة والاستمرار، فبهما يتضاعف الدخل، ويتزايد الإنتاج، ويسمو الاقتصاد الإسلامي، وهذه الغرائز كلها تربِّي في النفس ضمير المؤمن الصادق، الذي يراقب الله في السر والعلن، فتستقيم النفس على الجادة، وتتجنب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، لذلك يقول الله : ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] ، وفي الحديث الشريف: "ومن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له"، وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١-٢] ، فإذا لم تؤدّالصلاة رسالتها في تحقيق هذه الغرائز ولم تحقق الثمرات السابقة في النفس، كانت كالعدم سواء، وصارت عديمة الجدوى، وهذا هو ما أشار إليه الحديث القدسي الشريف، يقول النبي ﷺ عن ربه: "إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطل بها على خلقي، ولم يبت مصرًّا على معصيتي، وقطع النهار في
стр. 292
ذكري، ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة، ورحم المصاب، ذلك نوره كنور الشمس، أكلأه بعزتي، وأستحفظه ملائكتي، أجعل له من الظلمة نورًا، ومن الجهالة حلمًا، ومثله في خلقي كمثل الفردوس في الجنة" "رواه البزار عن ابن عباس ﵁".
وأداء الصلاة على وجهها، معناه استقامة النفس على الجادة والإيمان؛ فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وعدم أدائها على وجهها هو اتباع الشهوات والزيغ والضلال، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] ، وصلاح الأعمال في الدنيا والآخرة يرجع إلى إتقان الصلاة والإخلاص، يقول النبي ﷺ : "أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله" "رواه الطبراني"، ولذلك كانت الصلاة عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين، قال ﷺ : "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله" "رواه الطبراني".
وأما الأخلاق الاجتماعية التي تنميها الزكاة، فهي تطهر الغني من الشح والبخل والحرص المدمر، وإذا تجرَّدت النفس من هذه الفواحش الذميمة جبلت على الكرم والسماحة، وحسن المعاملة وغيرها مما يؤدِّي إلى سماحة البذل والمعاملة، عن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا قضى واقتضى" "فتح الباري ٥/ ٢١١"، فالزكاة تطهير للغني من الشح والبخل، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾
стр. 293
[التوبة:١٠٣] ، ولذلك وصف الله النفس السمحة التي تغلبت على شحها بالفلاح والفوز، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] ، وتطهر الفقير من الحقد والحسد والبغضاء، لتطبع نفسه على المحبة والسماحة في المعاملة.
وأما الأخلاق الاقتصادية التي تنميها الزكاة، فهي تحثُّ على الاستثمار وعلى الاستهلاك، وكلاهما ضروري في مجال العقود والمعاملات، فتحصيل الزكاة من الأغنياء، يدفعهم إلى استثمار أموالهم، وإلا تآكلت من الزكاة كل عام، فيقول النبي ﷺ : "اتجروا بمال اليتيم حتى لا تأكله الزكاة"، فاكتناز المال يؤدّي إلى خطرين: القضاء عليه وإهلاكه بعدم الاستثمار والتنمية، والقضاء على صاحبه بالعذاب الأليم في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] ، وكذلك تحث على الاستهلاك، فالذين يحصلون على الزكاة يستهلكونها في قضاء حاجتهم مما يؤدّي إلى زيادة الاستهلاك، وهذا بدوره يؤدّي إلى زيادة الاستثمار، وسداد ديون الغارمين في الزكاة يشجع الأغنياء والفقراء على القرض والاقتراض لضمان السداد من سهم الغارمين، إذا عجز الفقير عن أداء الدين، وهذا يؤدِّي بدوره إلى الاستثمار أيضًا، وكذلك فالزكاة تحثُّ على العمل وتشغيل رءوس الأموال والعاطلين، فحينما يقضي الفقير حاجاته يؤدِّي إلى كثرة الاستثمار والاستهلاك، مما يؤدي إلى الحث على العمل وتشغيل العاطلين.
وأما الأخلاق الاجتماعية التي تنميها فريضة الصوم فهي الصبر، وقوة العزيمة، وأسمى أنواع الأمانات، وكلها من مبادئ الأخلاق في
стр. 294
العقود والمعاملات، أما الصبر فيغرس في النفس من احتمالها على الجوع والعطش، وهما من ضروريات حياتها وبقائها، والصبر على الضروريات من أشدّ ما تكايده النفس وتعانيه، وبهذا يكون الصبر عليها أقوى من الصبر على غيرها من الكماليات أو اللغو في الحديث أو الفحش في القول وغير ذلك، وأن كان ذلك كله محرمًا أيضًا على الصائم، وينبغي أن يتجنبه ما دام صائمًا، ويصبر على مقاومته، ولذلك يقول النبي ﷺ : "وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة" ويقول: "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" "رواه البخاري"، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] ، فالصبر على الطعام والشراب سلاح ضدِّ الشيطان وهوى النفس والشهوات، قالت عائشة ﵂: "أول بلاء حديث في هذه الأمة بعد نبيها الشبع، فإن القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم، فضعفت قلوبهم، وجمحت شهواتهم" "رواه البخاري".
والصبر الذي يغرسه الصوم له دوره الفعال في مجال العقود والمعاملات، فهو سلاح قوي يقاوم الشطط في الأسواق ويحارب شهوات النفس من حبها للمال وجمعه بشتى الوسائل، ويوزن التصرفات المالية على أساس من الحكمة والاتزان، ووضع الأمور في نصابها الصحيح، فإذا ما كان أحد المتعاقدين صابرًا بضبط نفسه، كان النجاح والتوفيق حليف المتعاقدين في العقود والتصرفات والمعاملات، وكذلك الصوم يربي في النفس أسمى أنواع الأمانات البشرية، وهي الأمانة الخالصة لوجه الله ، فالأمين على حاجات الناس قد يتمسَّك بالأمانة، ويزداد تمسكًا وحفاظًا كلما أثنى على أمانته الناس؛ فزيادة التمسك بالأمانة يرجع إلى ثناء الناس لا ابتغاء وجه الله ،
стр. 295
ولذلك لم تكن خالصة لله، بل قد تعتريها شبهة الاستجابة لثقة الناس فيه، بينما الأمانة التي يغرسها الصوم لا تعتريها هذه الشبهة، بل تكون خالصة لوجه الله ؛ لأن أداء الصوم بشروطه وأركانه لا يكون طمعًا في رضى الناس عنه وخوفًا منهم، فقد يتظاهر الإنسان بالصوم أمام الناس إرضاء لهم، أو خوفًا منهم، ثم يأكل ويشرب في الخفاء، وإنما يكون أداء الصيام ابتغاء مرضاة الله خالصًا لوجهه الكريم؛ لأنه يعلم السر وأخفى، ويرى الصائم دائمًا لا تخفى عليه خافية، لذلك يكون الصائم أمينًا، وتكون أمانته أسمى أنواع الأمانات؛ لأنها خالصة لله ، لا تظاهرًا ولا رياء ولا سمعة، ولا طمعًا في شهوات النفس، ومن ثم يقول الله في حديث قدسي: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" "رواه البخاري"، وما أحوجنا في العقود والمعاملات إلى هذا النوع السامي من الأمانة التي يغرسها الصيام في النفس، حينئذ يتعامل الناس فيما بينهم على أساس مجرد من الهوى أو الرياء أو التظاهر، وتكون تصرفاتهم في عقودهم ومعاملاتهم ابتغاء مراضة الله ، فلا يتظالم الناس ولا يأخذون أموال غيرهم بالباطل.
وأما تنمية الأخلاق الاجتماعية عن طريق مشاعر الحج، فيعود إلى ما يغرسه الحج في النفس من مبادئ سامية، أهمها التكافل الاقتصادي بين شعوب الأمة الإسلامية، فتتحد كلمة المسلمين على الوقوف بجانب البلاد الفقيرة لتغطي حاجاتها، وتتعاون معها في سبيل النهوض بها، وإقالتها من عثرتها، لأن الأمة الإسلامية أمة واحدة مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، وهو ما تشير إليه الآية الكريمة من شهود المنافع للمسلمين، قال تعالى: ﴿وَأَذِّن
стр. 296
فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٧-٢٨] ، وقد أقر القرآن الكريم هذه المعاملات والعقود، سواء أكانت مادية في مظهرها الخارجي، أو كانت روحية في جوهرها الحقيقي، وجمعها القرآن في أربعة أعمال مهنية كبيرة، وهي: الزراعة، والرعي، والصيد، والصناعة، والتجارة.
стр. 297
التصوير القرآني للأعمال الحرفية ١:
التصوير القرآني لحرفة الزراعة:
القرآن الكريم حينما يصور مهنة الزراعة، يعطي اهتمامًا بالغًا أكثر من غيرها من التجارة والصناعة والرعي والصيد، لأن الزراعة هي المصدر الأول لمواد الغذاء عند الإنسان والحيوان على السواء، بل قد تكون مصدرًا كبيرًا من مصادر الصناعة الحديثة في المواد الغذائية؛ ولأنها أيضًا عمل مبارك كثير الخير والنماء، إذا أفاضت الأرض والسماء بخيراتهما، ولأن من أبرز خصائصها التوكل على الله من يوم أن توضع البذرة في الأرض، حتى يصل حصادها إلى أيدي الناس لتكون غذاء شهيًّا، يعين على طاعة الله ، لذلك يقول النبي ﷺ : "ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فتأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة" "رواه مسلم"، ويصور القرآن الكريم الزراعة ليقيم من خلالها منهجًا تشريعيًّا أخلاقيًّا، يحدد فيها القيم الإنسانية النبيلة، التي
стр. 298
يتعامل بها الإنسان مع ربه ، ومع أخيه الإنسان، ومع الطير والحيوان، وكل روح خلقها الله ، لتظل هذه القيم السامية مع الزراع فيكل عصر وجيل، فهي باقية مع تطور الآلات الزراعية من جيل إلى آخر، ومن زمن إلى زمن، فالآلات الزراعية تتطور وتتغير حسب الظروف والتقدم الحضاري، لكن القيم الأخلاقية التي شرعها القرآن خالدة، لا تتغير ولا تتبدل، بل تظل صالحة لكل الأجيال والأزمان؛ لأنها هي المنهج التي تدور عليه الحياة الزراعية؛ ليضع في كل مجتمع سلوكًا يتناسب مع ظروفه وعصره الحضاري.
وموضع الحديث هنا مهنة الزراعة من خلال التصوير القرآني فقط دون الحديث الشريف فله مجال آخر؛ فيحث القرآن الكريم المعجز على تعمير الأرض، واستغلالها بالزراعة، فتنشق عن عطاءها الموفور من الحبوب والبقول والفواكه والثمار والخضروات والمراعي، والنخيل، والأعناب والزيتون والرمان، والتين والأشجار، ليتأمل الإنسان في نعم الله وخيراته؛ فيشكره ويثني عليه، قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤-٣٢] ، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩] ،
هذه النعمة لا يتعرَّض لمحنة الله وعذابه في الدنيا والآخرة، لأنه وفي حق الله فيها وأحسن ولايته عليها، فيضاعف له العطاء في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤدِّ شكر هذه النعمة، باتباع ما أمر الله تعالى، واجتناب ما نهى عنه، أصبحت نقمة عليه، تجلب له الغضب والعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، قال تعالى يصور ذلك في بيان معجز خلَّاب: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٥-٢٦٦] ، ويقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ، فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ، ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٥-١٧] .
ويقول في قصة الرجلين الذين ابتلاهما الله ، أحدهما بالفقر فصبر فرضي الله عنه، والآخر بالمال والولد وجنات تجري من تحتها الأنهار، فأغواه الشيطان ونسي الرحمن، ولم يشكر ربه على نعمه، فغضب الله عليه، بل أشرك به، وليس بعد الشكر ذنب، فأحبط الله عمله في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ، قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ، عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ، كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ١٧-٣٣] ، وكذلك رؤيا الملك التي فسرها يوسف ﵇ بأن يستمر الناس في الزراعة سبع سنين، وتظل الحبوب في سنابلها ومخزنها الطبيعي محفوظة من الآفات والحشرات، لكي يقاوم الجدب، الذي سيحدث في المستقبل بإرادة الله ، ومعجزة ليوسف ﵇، وهنا يشرع القرآن الكريم الإدخار لتوقع واحتمال النقصان في السنين العجاف، قال تعالى: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٧-٤٩] ، وتلقيح الزروع لكي تثمر بعض أزهارها قرَّره القرآن قبل أن ينكشف في علوم الأحياء منذ خمسة عشر قرنًا، ويحدثنا عن التلقيح عن طريق الرياح، واحتكاك الزهور بعضها ببعض، لتكون الثمرة ناضجة على أتم وجه، يقول تعالى: ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ، وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ١٩-٢٢] .
وأما دعوة خليل الله إبراهيم ﵇ المستجابة، وطلبه من الله أن يعمر الله أرض الجزيرة الجدباء، وتلك الصحراء بالزروع
стр. 303
والثمار، فتحوَّلت تلك الجبال إلى زروع وثمار، وأفاض الله عليها من بركات السماء، وفي كل يوم جديد ترى بقعة جديدة عامرة بالثمار والزروع، وستظل دعوة إبراهيم باقية مباركة فيها إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] ، وهذه هي القيم الأخلاقية لمهنة الزراعة التي جاء بها القرآن الكريم، أما فقه المزارعة، وباب إحياء الموات من الأرض وغير ذلك مما يتصل بالزراعة، فقد تولَّى الحديث الشريف والفقه الإسلامي شرحه بالتفصيل في نظام فريد، شهد به وبدقة إحكامه أعداء الإسلام، والفضل ما شهدت به الأعداء.
стр. 304
التصوير القرآني لحرفة الرعي والصيد:
والرعي والصيد من أقدم الأعمال الحرفية، التي عرفها الإنسان البدائي القديم، حيث كانت الأرض معمورة بالأعشاب والمرعى، وما عليه إلا أن يتحرك وراء الحيوان الأليف لتبتلعه الوديان المعشوشية، والسهول الممرعة، ولا زال الإنسان المتحضر في العصر الحديث، يعتمد على الرعي والصيد، فالحيوان يستخرج منه أهم غذاء للإنسان، وهو المواد "البروتينية"، والمواد "الدهنية"، فمنه تأخذ اللحوم والشحوم، واللبن والجبن، والزبد، والقشدة والسمن، وتستخدم جلودها في شتَّى الصناعات الحديثة من الأحذية، والأحزمة والحقائق وغيرها، كما كانت تستخدم قديمًا في إقامة البيوت، ومن أصوافها تُصنع أفضل أنواع الملابس الثقيلة والخفيفة، وليست حرفة الرعي وتربية الحيوان بالحرفة البدائية البدوية في العصر الحديث كما يدَّعي البعض، ولكنها أصبحت
стр. 305
في منزلة الزراعة مدنية، وحضارة تدفع إلى المدنية والتقدم والرقي، وكذلك الصيد ما زال أهم الحرف المتحضرة في العصر الحديث، مثل صيد الأسماك والحيوانات البحرية العجيبة، ومثل استخراج اللآلئ، واليواقيت، والجواهر والمرجان من البحار، فأصبحت لها وزنها الحضاري وميزانها النقدي في مجال الاقتصاد المعاصر، فإذا ما توفرت هذه المصائد لدى أي أمة، قفزت بها هذه الحرفة إلى مستوى الدول الغنية الواسعة الثراء بين دول العالم في أنحاء الدنيا، ومنذ قرن اشتهرت بريطانيا بأساطيلها البحرية لصيد الأسماك والجواهر في البداية، وعن طريق الترويض في هذه الحرفة خلعت عليها الدول المجاورة لقب "سيدة البحار"، ثم انطلقت من هذه الحرفة لتسيطر على الدول الضعيفة باستعمار أراضيها قرابة قرن من الزمان.
أما حرفة الرعي فكانت مهنة أفضل خلق الله، وهم الرسل ﵈، لتنمي في نفوسهم غريزة الصبر وقوة الاحتمال، وتحمل الشدائد، فكليم الله موسى ﵇ حينما خرج خائفًا من المدينة، وتوجَّه تلقاء مدين، وجدّ أمة من الناس يسقون أغنامهم من بئر، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ، فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ
стр. 306
اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ، قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٣-٢٨] ، وهكذا ظل موسى ﵇ في مهنة الرعي عشر سنين عند نبي الله شعيب ﵇، ليوفِّي ما عليه من صداق الزواج.
وكذلك بقية الأنبياء حتى جاء خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ ليعمل في مهنة الرعي منذ بداية حياته لعمه أبي طالب الذي تكفُّله بعد وفاة جده عبد المطلب، والسيرة النبوية تحدثنا عن ذلك بالتفصيل، ويصوّر القرآن الكريم المرعى والأعشاب التي أنبتها الله بعد الغيث بلا رعاية من الإنسان، حتى أصبحت المرعى كالماء والنار والملح من الأشياء المشاعة، التي لا يختص بها أحد دون آخر، بل هي حق مشاع لجميع المسلمين: الناس شركاء في ثلاثة وقيل في أربعة: الماء والنار والكلأ والملح، اللهم إن حمى ولي الأمر المرعى لفئة معينة من المسملين لفقرهم، كما حمى النبي ﷺ "أرض النقيع"، وكما حمى عمر بن الخطاب ﵁ أرض "الربذة"، قال تعالى في المرعى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٣١-٣٢] ، وقال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا، أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا، وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٠-٣٣] ، وقال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
стр. 307
وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ، وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ، وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥-٨] ، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٢-١٤٤] ، وهكذا يصور القرآن الكريم في سورة سميت باسم الأنعام -وهي من كبار السور- الحيوان الذي يحل في حالاته المتنوعة، وما يحرم من الحالات الأخرى كأن يكون دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير أو ميتة، فإنه رجس أو فسقًا أهل لغير الله به، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾ [النحل: ٦٦] .
وأما النحل وما يستخرجه من عسل مصفى فيه شفاء للناس، حين يتخذ من الجبال بيوتًا، ومن الشجر وما يقيمه الناس من الخلايا المعدة على غرار بيوتها في الجبال والشجر، يقول تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ
стр. 308
كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٨-٦٩] ، وأما صيد الحيوانات من البر فقد حرم الله صيده في زمن الإحرام، وأحله بعد التحلل من مشاعر الحج، قال تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦] ، ويدخل في ذلك الطير، وهو حيوان أيضًا مما جاء الحديث بتوضيحه، فما نصَّ عليه بالتحريم فهو حرام، وما عدا ذلك مما تعارف عليه الناس فهو حلال.
وأما صيد الأسماك واللآلئ والجواهر واليواقيت، والمرجان وغيرها من أصداف البحر وحلاه، فقد صوره القرآن الكريم تصويرًا يحثُّ فيه عباد الله على أن يبتغوا من فضل الرزاق ونعمه الكثيرة، فيغتدى باللحم من الأسماك المتنوعة، ويتزينون بأصدافه وجواهره، ويزدادون ثراء من البحر كالبر، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢] ، وقال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ، فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ١٩-٢٢] ، فالتصوير القرآني لهذه الحرفة أيضًا يحثُّ على تشريعها للبشرية، لكن من خلال القيم السامية التي جاء من أجلها
стр. 309
التصوير القرآني لبناء الخلق القيم في الإنسان، حتى نحسن معاملته مع الله ومع نفسه ومع الناس أجمعين، ولا تخلو كل آية من الآيات السابقة مما يأتي من الحث على العمل لا الكسل والخمول، فليس هذا من طبيعة المؤمن، بل يجب عليه أن يعمل، وأن يختار العمل الذي يجيده، فإذا قام به بعضهم سقط عن الباقين، وإلا وجب عليه أن يعمل في المهنة التي تحتاجها الأمة لتسدَّ النقص الواقع فيها.
التشريع والتقرير لهذه المهنة العملية من خلال ما شرعه الله حين ذكرها في القرآن أمرًا ونهيًا أو تقريرًا، سواء أكان ذلك إخبارًا عن قوم أو أنبياء سبقوا، أو كانوا توجيهًا صريحًا لأنه محمد ﷺ فكلاهما تشريع لنا وشريعة إسلامية لهذه الأمة الآخرة، ودائمًا يكون التشريح والتقرير للحرفة من خلال النص على القيم السامية التي يتعامل بها الإنسان الصالح مع الله ونفسه ومع الناس أجمعين، مثل قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُون﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾ ، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ ، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ ، ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِه﴾ ، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ... وهكذا في كل آية اشتملت على حرفة أو مهنة في القرآن الكريم.
стр. 310
التصوير القرآني لحرفة الصناعة:
ومهنة الصناعة من الحرف التي اهتمَّ بها التصوير القرآني ليحث المسلم على العمل بها والإنتاج في مجالاتها المختلفة، بل كان بعض الأنبياء والرسل يجيدون العمل في بعض الصناعات التي اشتهروا بها، فنبيُّ الله نوح ﵇ صنع السفينة التي حملت عالمًا جديدًا، ليعمر الحياة بوجه جديد يقوم على أساس من التقوى لا الكفر والضلال، حيث اندحر أهله مع طوفان الأرض والسماء، وكان من بينهم ابن نوح ﵇، ومن هذا الحدث التاريخي نشات صناعة السفن، قال تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ، وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ ... ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ، وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود: ٣٧-٤٢] ، وقال تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٣-١٤] .
وقد ارتبطت صناعة السفن بالقيم الروحية التي تقيم في الإنسان بناء أخلاقيًّا، حيث كانت سفينة نوح ﵇ هي منجاة العقيدة والإيمان الذي يرضى عنه الله ، ونبي الله داود ﵇ اشتهر بصناعة الدروع والأسلحة من الحديد، قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠] ، وقال تعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ، أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ: ١٠-١١] ، وكذلك فمن الحديد تنوع المصنوعات، ولذلك سمى الله إحدى سور القرآن بسورة الحديد، قال
стр. 311
تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] ، وأصبح الحديد هو القوة في العصر الحديث التي أشار إليها الله في قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] ، وترى أن صناعة الحديد هنا ارتبطت بالعدل والميزان والرسل والمنافع للناس والنصر لكلمة الله، وكذلك القوة ارتبطت بإرهاب أعداء الله الذي يعتدون على دينه ومقدساته، ثم تنتهي الآية الأولى بالقوة والعزة وأن الله قوي عزيز، بما يتناسب مع الحديد، وكذلك الآية الثانية في مضمونها.
أما صناعة السدود فيصور القرآن ما صنعه ذو القرنين ليوقف زحف يأجوج ومأجوج في زحفهم على الآخرين، فقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا، إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ ... ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا، كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا، ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا، قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا، آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا، فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٨٣-٩٧] ، وكان قامة هذا السد لدفع الأذى عن الإنسان،
стр. 312
ودرء الفساد والطغيان من يأجوج ومأجوج، فهم مفسدون في الأرض، ولذلك قال الله تعالى بعد هذه الآيات على لسان ذي القرنين: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف: ٩٨] ، وأما صناعة الأسورة وأدوات الزينة والرفه من الذهب، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٥٣] ، وكذلك صناعة الصحاف والأطباق والأكواب: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ [الزخرف: ٧١] ، وقوله تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤] ، وجاءت هذه الصناعات في سور كثيرة منها سورة الطور، وسورة يس، وسورة الرحمن، وسورة الواقعة، وسورة الزخرف، والإنسان، وغيرها مما ورد في سياق الترغيب أو الترهيب.
وأما صناعة القرش والسرر والمفروشات، قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ، وقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] ، وقوله تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣-١٦] ، وأما صناعة الأواني الفخارية في قوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] ، وأما صناعة النار فقد صورها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ، نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾
стр. 313
[الواقعة: ٧١-٧٣] ، وأما صناعة البناء، فتشمل البيوت الخفيفة المتنقلة التي تخضع لظروف البوادي والرحلات من مكان إلى آخر مثل الخيام ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] ، وتشمل صناعة البيوت الثابتة المستقرة في الحضر كالقصور، والصروح، قال تعالى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] ، وقال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص: ٣٧] ، وقال تعالى يمن على قوم هود ﵇ بصناعة البناء والصناعة بصفة عامة، قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ، وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٨-١٣١] ، كما يمن الله تعالى على قوم صالح ﵇ في مدائن قوم ثمود، التي ما زالت تزهو بفنها حتى الآن، يقول تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِين﴾ [الشعراء: ١٤٩] ، وأما صناعة الملابس فقد صورها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦] ، وقال تعالى بحث المسلم على أن يتزيَّن بأحسن الثياب وأدوات الزينة التي تجعله جميلًا حسنًا، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، قُلْ مَنْ
стр. 314
حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣١-٣٢] .
وأما تسخير الرياح للنقل، وإن كانت في صورة معجزة من الله لنبي الله سليمان ﵇، لكنها أوحت إلى العقل البشري، ليتخذ الأسباب في سبيل الوصول إلى تسخير الرياح، كما سخرها سليمان للنقل لا على سبيل المعجزة، ولكن باتخاذ أسباب العلم حتى صار الجو حديثًا معبرًا للطيران في جميع أنحاء العالم، قال تعالى يصف معجزة سليمان في تسخير الرياح: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨١] ، وقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢] ، وقال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦] ، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر: ١٢] ، وهكذا صور القرآن الكريم الحرف الصناعية تصويرًا معجزًا ليرسي الخلق الإسلامي خلق القرآن الكريم فيتحقق ما يأتي: التشريع والتقرير لهذه الصناعات، وأنها مشروعة من قبل الله : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] ، وغرس القيم وتنمية الفضائل من خلال التشريع لهذه الصناعات المتنوعة، لتحقق الغاية من الإسلام وهي الأخلاق "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، كما حث الإسلام على العمل والصمود فيه، فخير الكسب ما كان عن جهد ومشقة "من أمسى كالًّا من عمله بات مغفورًا له".
стр. 315
التصوير القرآني لحرفة التجارة:
القرآن الكريم هو كتاب هذه الأمة إلى قيام الساعة، فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم، يقيم منهجًا مستقيمًا يتجاوب مع الإنسان في أي مكان، وفي كل الأزمان ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] ، على العكس من الأمم السابقة، فقد كان لكل قوم تشريع يتناسب معهم، ولا يتناسب مع غيرهم، ولا يصلح إلا لعصر وجيل واحد، وهو الجيل الذي يعيش فيه الرسول حتى يلتحق بالرفيق الأعلى فتنقطع رسالته من بعده، قال تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٦٧] ، لهذا العموم في رسالة الإسلام، كانت الغاية من القرآن الكريم في تصوير الحرف والمهن العامة، وتصوير التجارة خاصة، هي إقرار الحرفة والمهنة، وتشريعها من خلال القيم الإسلامية، لتكون منهجًا صالحًا لتطبيقه في كل عصر، ولتستجيب مع أمسى الغايات للإسلام، وهي البناء الأخلاقي للإنسان المثالي، التي تحسن علاقته مع ربه ومع الناس أجمعين.
هذا هو منهج القرآن الكريم في تصوير الحرف، وسنوضح حرفة التجارة من خلال القرآن وحده غير مرتبط بالسنة الشريفة، وفيها تفصيل شامل لها، وليست السنة موضع حديثنا، لأنني سأتحدث عن التجارة في القرآن الكريم هنا بصفة خاصة.
صور القرآن الكريم أعمال التجاربة في إعجاز بياني يقوم على تشريعها من خلال القيم الإسلامية، التي تميِّز بين الغثِّ والسمين، وبين الحلال والحرام، وبين الطيب والخبيث، ليوضح للإنسان التجارة
стр. 316
المشروعة: ويحرم عليه غير المشروع فيها، الذي يتنكب طريق الفطرة الإنسانية المستقيمة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ، الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧-٢٦٨] ، ثم يبين التجارة المشروعة ويميزها عن التجارة غير المشروعة، في حوار مع الذين أضلهم الشيطان عن الحق، فيقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٥-٢٧٦] .
ومن لم يلتزم بشريعة الله في التجارة، فستعلن عليه الحرب لا من الناس فقط، بل من الله ورسوله، وهذا التصوير القرآني أعنف تهديد للإنسان على وجه الأرض في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ، وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ
стр. 317
مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨-٢٨١] .
وينكر القرآن، بل يحرم كل سيطرة على حقوق الغير بالباطل، فيقول تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨] ، ويصور القرآن الكريم تحريم التجارة والبيع أثناء الصلاة، وخاصة صلاة الجمعة، ثم يأمر الله بالعمل والتجارة والبيع والشراء بعد أداء الصلاة، ليبتغوا من فضله، ويشكروه على نعمه التي أمتن بها عليهم، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ٩-١١] .
لذلك جعل القرآن التجارة ابتغاء مرضاة الله لا تطاولًا ومفاخرة، ورياء وسمعة، فهذا يحقق للإنسان السعادة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١٠-١١] ، ويقول أيضًا يصور التجارة من خلال العقيدة الصحيحة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] ، ويصوّر القرآن الكريم التجارة وأعمال البيع والشراء
стр. 318
المشروعة لتقوم على القيم الإنسانية النبية مجردة من الأنانية والغش والبخس والتطفيف والفساد والضلال وغيرها، مما يتنافى مع الفطرة الظاهرة، يقول الله تعالى: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ، وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ، وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١-١٨٣] ، وقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٧-٩] ، وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ، لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ١-٦] .
ويمتن الله بما أسبغ على قريش من نعم التجارة وفضلها عليهم دون سائر العرب آنذاك، من خلال رحلتيهما العظيمتين رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام، وحين يقرِّر القرآن هذا العمل في الجاهلية يصير بعد ذلك تشريعًا إسلاميًّا لهذه الأمة، فشرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد في القرآن ما يقرِّره، قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ، إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ١-٤] .
وهنا قرر القرآن التجارة لا كما كانت عليه الجاهلية الأولى، ولكن من خلال قيم الإسلام التشريعية، وهي أن تكون مرتبطة بمرضاة الله ، رب هذا البيت الذي بسببه كانوا أفضل البشر على وجه الأرض،
стр. 319
لأن فيهم خير البشر محمد ﷺ ، وقافلة الأسباط التجارية تنزل على وزير الخزانة والتموين والاقتصاد يوسف ﵇، ويطلبون منه أن يفيض عليهم بالخير في تجارتهم، وأن يوفِّي لهم الكيل، حتى يرجعوا رابحين في رحلتهم، ليلقي الجزاء الأوفى من الله ، وهو جزاء المتصدقين المحسنين في إدارة أعمالهم: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨] ، ويصور القرآن الكريم تجارة البحر، كما صور تجارة البر السابقة، فيقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ، إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ، أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٢-٣٤] ، ويقول تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] ، ويقول تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الرحمن: ٢٤] ، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٢٢-٢٣] .
стр. 320
ويوضح الله المقاييس الأخلاقية في الأعمال، فيحث القرآن الكريم على التجارة، ويحرم الكنز للأموال، يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] ، والنفقة في سبيل الله تشمل تنمية الأموال والعمل فيها، لأنها ستعود على المسلمين بتشغيل العاطلين، وتوفير السلع لهم، واستثمار الأموال وزيادتها، وزيادة الدخل والعائد وغيرها مما يهدف إليه الاقتصاد الإسلامي، والاستثمار في مؤسسات الإنتاج من أعظم المصارف في سبيل الله، لأنها تعود على الأمة بالعزة والمجد والقوة ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] ، ويحث القرآن الكريم على الإنجار في مال اليتيم والسفيه حتى لا تأكله الزكاة كل عام فيقول تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا، وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٥-٦] .
وحث على الكتابة في الديون حتى لا يقع التنازع بين المسلمين في تجارتهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا