← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 23143

التصوير النبوي للقيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف

علي علي صبح

Полный текст (208 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٥- رحمة النبي ﷺ بأمته: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ . ٦- كان الرسول ﷺ المثل الأعلى والقدوة، يتميز بخصائص النبوة. ٧- تساوي المكلفين في الأحكام الشرعية، لا فرق بين عربي وأعجمي. ٨- قدرة الله على إيجاد المسببات بدون سبب ظاهر إن الله على كل شيء قدير، يقول للشيء كن فيكون. ٩- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي من الحديث الشريف.

стр. 107

فمن رغب عن سنتي فليس مني: أخرج البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: "جاء ثلاثة رهط إلى أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني". التصوير البلاغي المستمد من المعاني الحقيقية، التي تواضع عليها علماء اللغة، لألفاظ الحديث الشريف وبلاغة أسلوبه، منها: بلاغة الاستفهام في قوله: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا" فليس المقصود منه الإجابة عن السؤال. وهو المعنى اللغوي للاستفهام، لأن الرسول ﷺ قد علم ما سألهم عنه، وما تقالوه من عبادتهم، لكن المراد نفي ما قالوه، ورفض ما

стр. 108

فهموه عن تعاليم الإسلام المسيرة، وإنكار ما سيفعلون من التشدد في العبادة، مستدلين بقولهم عنه: لقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أمَّا أنا فإني أصلي الليل أبدًا. وقال آخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الثالث: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فأنكر عليهم ذلك، ووضح لهم سماحة الإسلم ويسر شريعته، ومنها: ما توحيه كلمة "أما" من إشارتهم لما ينكره عليهم من الأمر الجلل، وتنبيههم إلى فظاعة قرارهم، وغلظة ما فرضوه على أنفسهم مما لا يطيقون "فالدين يسر لا عسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا"، وغيرها من القيم السامية، التي أوحى بها حرف التنبيه والاستفهام، في نسق أسلوبي ونظم بلاغي، وأكد هذه القيم بلفظ الجلالة، وما أعظمه؟! "إني وبلام الابتداء"، ومنها: أسلوب الحذف، وما يدل عليه من بلاغة الإيجاز، وهو أبلغ في النفس، فهو يحتاج إلى تأمل وطول نظر، فيكون أكثر إمتاعًا وأعظم تأثيرًا في قوله: "لكني أصوم وأفطر ... إلخ "، والتقدير يدل عليه السياق والنسق البلاغي، وهو: أنا وإن تميزت عنكم بذلك، لكني أنا وأنتم بالنسبة للعبودية سواء، فأنا أصوم وأفطر.. إلخ، ومنها إضافة السنة في "سنتي" ونفيها عنه "فليس مني"، إضافة إلى ضميره، للدلالة على طريقته في التشريع، والإعراض عن العمل بها، فالمراد ما جاء به عن ربه من تشريع، يشتمل على الطاعة في أمر الله ونهيه. التصوير الفني في بلاغة الأسلوب البياني، المستمد من الصور الخيالية كانت مؤثرة وممتعة، منها: الكناية البليغة في قوله: "أنتم قلتم كذا وكذا" فليس المراد ما يفيده اسم الإشارة، على ما سبق بيانه من العزائم الثلاث، لكن المراد إنكار هذه الأفعال الثلاثة والتجاوزات فيها؛ حتى كره الرسول ﷺ أن يذكرها، حتى لا يقررها، وإنما أهملها تمامًا، واكتفى

стр. 109

بالكناية، وهو أسلوب بلاغي، من أبلغ الصور الأدبية في الإمتاع والتأثير والإقناع، ومنها: التنوع في التقسيم الموسيقي الذي أداره الخيال، مما يضفي على الأسلوب الإيقاع الرتيب، والنسق الموسيقي المتتابع، مما يثير النفس ويمتعها، ويقنعها عن طريق المنافذ الأخرى، من العاطفة والوجدان والحواس المختلفة، وهو ما يفيده أيضًا التوازن الإيقاعي بين أسلوب الشرط، وأسلوب الجزاء، فتتفتح له منافذ الإدراك المختلفة، ليستقر الحكم في النفس، ويكون القرار الفصل الذي لا مرد فيه، وهو أن من أعرض عن شريعة الإسلام السمحة، بلا تشدد، أو تنطع فليس من المؤمنين، لأنه خرج عن طاعة الله ورسوله ﷺ ، ومنها: الصورة الأدبية في الكناية البليغة، التي تعبر عن سماحة الإسلام في تشريعه التي يطيقها القوي والضعيف، ويسر تعاليمها لكي يقوى المسلم على طاعة إلى الأبد، فخير الأعمال القليل الدائم، وذلك في قوله ﷺ : "لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء"، فليس المراد تلك المزاوجة فحسب، ولكن المراد سماحة الإسلام ويسره، لما ورد في الحديث الشريف "إن لربك عليك حقًا وإن لنفسك عليك حقًا وإن لأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه". القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف: ١- تتبع أحوال أهل الكمال للسير على مناهجهم وطريقهم. ٢- يجوز استكشاف هذه الأحوال من النساء إذا تعذرت عند الرجال. ٣- من عزم على فعل الخير، وأراد إظهاره، فلا حرج من إعلانه دفعًا للرياء. ٤- قد يتحول المباح والجائز بالنية إلى الكراهة. ٥- الدين يتلاءم مع طبيعة البشر لأن الدين يسر لا عسر. ٦- إزالة الشبهات عن المجتهدين، وإثبات الأحكام المحكمة والحكيمة.

стр. 110

٧- كان النبي ﷺ رفيقًا بأصحابه ﵃ ورحيمًا بأمته. ٨- العلم بالله ومعرفته حق المعرفة أعظم قدرًا من العبادات. ٩- طاعة الرسول ﷺ في أقواله وأفعاله وأوامره ونواهيه. ١٠- العودة إلى استعمال نعم الله تعالى، والتمتع بها بعد أن استبدلها بغليظ الحياة الخشنة، والتقشف في المأكل والملبس. ١١- سنة النبي ﷺ تشريع إلهي من الله لأمته، ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ و ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ . ١٢- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي في الحديث الشريف.

стр. 111

الصيام كالجهاد: أخرج البخاري عن أبي هريره ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها"، قالوا: يا رسول الله أفلا تبشر الناس؟ قال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، آراه قال: وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة". التصوير البلاغي المستمد من حقائق المعاني الموضوعة في اللغة لألفاظ الحديث الشريف وأساليبه البليغة، فقد تنوعت مصادره البليغة، منها بلاغة أسلوب القصر، الذي يؤكد القول الفصل والقرار النهائي في ترتب الجزاء على الشرط في قوله: "من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام

стр. 112

رمضان كان حقًا على الله أن يدخله الجنة"، فتأكد هذا التقرير أكثر وأكثر بأسلوب القصر: "كان حقًا على الله أن يدخله الجنة" وطريقه التقديم لخبر كان على اسمها، ليطمئن من أدى ذلك، أن له حقًّا على الله تعالى أن يدخله الجنة من فضله، فلا يجب شيء على الله ، ومنها ما تفيده "أو" العاطفة، من صورة التسوية بين من قاتل في سبيل الله واستشهد، ومن مات في بيته بعد قيامه بالصلاة والصيام، فله أجر شهيد أيضًا في الجنة، وإن كانوا جميعًا يتفاضلون فيما بينهم حسب كثرة الأعمال الصالحة، لينال المكثر مائة درجة، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، ومن زاد فقد تميز بالفردوس الأوسط ثم الأعلى، ويؤكد ذلك ما ورد في حديث معاذ ﵁ حين استسمح رسول الله ﷺ أن يخبر الناس بذلك؛ فرد عليه قائلًا: "ذر الناس يعملون، فإن في الجنة مائة درجة ... " إلخ الحديث، ومنها أسلوب القصر البليغ الذي يؤكد بأنهم لا ينفكون عن الجنة أبدًا، حين قدم خبر إن عن اسمها في قوله: "إن في الجنة مائة درجة"، مع إفادة التقديم من البشارة وسرعة إدخال السرور، وتقرير الجزاء منذ البداية لزيادة الأمن والطمأنينة، ثم يكون ما تلاه توضيحًا للجنة وتفسيرًا لها بمائة درجة، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فيكون السرور أعظم والأمن أكثر، ليزداد الذين آمنوا إيمانًا مع إيمانهم، حتى لا ينتهي العمل إلى حد معين، بل يتفاضلون فيه بالزيادة المستمرة: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ . التصوير الفني في بلاغة الأسلوب البياني، المستمد من الألوان الخيالية، يتخذ منها صورًا أدبية بليغة، يغتذي منها الذوق، وتتهذب بقيمها النفوس الزكية، فالصورة الأولى جاءت في التشبيه الضمني البليغ، في قوله: "جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها"،

стр. 113

مما يحتاج إلى تأمل، وطول نظر في استخراج أركان التشبيه الصريحة، التي تقفز إلى العقل لأول وهلة، كالوقوف هنا على المشبه في قوله: "من أقام الصلاة وصام رمضان" والمشبه به في قوله: "قاتل في سبيل الله حتى استشهد"، أما التشبيه الضمنى فلا يتأتى إلا بعد تفكير طويل، وحينئذ يستقر في النفس، فيمتعها ويظل فيها زمنًا طويلًا أيضًا، كما أن الاقتصار على الصلاة والصيام للتكرار في الأداء في كل يوم وسنة، فهما واجبان على القوي والضعيف والغني والفقير، بينما الحج والزكاة لا تجب إلا على المستطيع، بيد أن الحج لا يجب إلا مرة في العمر، والزكاة على الغني فقط، على النقيض من الصلاة فهي في كل يوم، ومن الصيام فهو في كل سنة وعلى الغني والفقير، والصورة البليغة الثانية قامت على التشبيه الصريح الذي تجسدت أركانه في المشبه وهو: "ما بين الدرجتين في الجنة"، والمشبه به: "كما بين السماء والأرض"، ووجه الشبه وهو الاتساع وكثرة النعيم، فما بالك بما بين مائة درجة، إنه الفضل الأكبر، والصورة الأدبية الثالثة قامت على التوازن بين التقسيم الموسيقي في الفقرات الأربع، فالأولى: "إذا سألتم الله"، والثانية: "فاسألوه الفردوس"، والثالثة: "فإنه أوسط الجنة"، والرابعة: "أعلى الجنة"، فتجد جمال التنسيق والإيقاع في هذا التوازن الموسيقي، الذي أحكمه الخيال، فتنوعت أوتاره الشجية، التي تمتع النفس والذوق والعقل جميعًا، بالإضافة إلى ما أفادته "إذا" من التحقيق، وتأكيد الرجاء عند الله، فهو حقيقة عند الخالق لا كالرجاء عند المخلوق، كما في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فهم مفحلون إن شاء الله تعالى. القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف: ١- من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقًا على الله بفضله أن يدخله الجنة.

стр. 114

٢- وكذلك من جاهد في سبيل الله تعالى، كان حقًا على الله تعالى بفضله أن يدخله الجنة. ٣- من يصوم رمضان، ويقيم الصلاة، ومات في أرض، كان كالمجاهد في سبيل الله تعالى سواء بسواء في دخول الجنة. ٤- بشر الرسول ﷺ من أطاعه بالصيام والقيام، وبالجهاد في الدنيا بالجنة، كما بشر بعض الصحابة ﵃ بالجنة. ٥-اتساع الجنة ورحابتها، تتعدد درجاتها بما يتلاءم كثرة الأعمال الصالحة والخيرات، حتى تصل إلى مائة درجة، دفعًا للتنافس فيها والسباق إلى فعلها. ٦- بلغت عظمة الدرجة واتساعها ما بين السماء والأرض، فما بالك إذا تعددت الدرجات إلى مائة، ذلك فضل الله تعالى يؤتيه من يشاء، ولا يظلم ربك أحدًا. ٧- وأعظم هذه الجنات وتلك الدرجات هي الفردوس؛ فحث النبي ﷺ أمته أن يسألوا الله إياه، ويعملوا من أجله ويتسابقوا إليه فالفضل لمن سبق. ٨- الفردوس درجات، من الفردوس أوسط الجنة ومنه أعلى الجنة. ٩- حدد موقع الفردوس؛ فبين أن موقعه فوق عرش الرحمن، ومنه تتفجر أنهار الجنة. ١٠- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي من الحديث الشريف.

стр. 115

الصيام والقيام كالحج: أخرج النسائي وأحمد عن النضر بن شيبان قال: قلت لأبي سلمة بن عبد الرحمن: حدثني بشيء سمعته عن أبيك، وسمعه أبوك من النبي ﷺ عن شهر رمضان فقال: نعم حدثني أبي فقال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله ﵎ فرض صيام رمضان عليكم وسننت لكم قيامه، فمن صامه وقامه إيمانًا واحتسابًا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه". التصوير البلاغي: المستمد من المعاني الحقيقية، التي تواضع عليها علماء اللغة لألفاظ الحديث الشريف وبلاغة أسلوبه، جاء هنا في صور بليغة متنوعة، منها: تصوير صوم رمضان بصيغة الصيام لا الصوم، للدلالة على قيم خلقية كثيرة؛ تشمل جميع فضائل شهر رمضان، بما لا يحتويه لفظ الصوم، فالصوم بمعنى الإمساك عن الكلام، قال تعالى على لسان مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ أي إمساكًا عن الكلام، وقد يشمل الإمساك عن الطعام، بينما صيغة الصيام تدل على أكثر من ذلك بكثير، لأن صيغة الفعال والمفاعلة تدل على المشاركة والمجاهدة، والمثابرة والمقاومة والمغالبة والمنافسة، وغير ذلك مما يتضمن جهاد النفس، وانتصارها على هواها وشهواتها، وعلى الشيطان وإغراءاته، وعلى ذلك فصور الصيام بمدلولاتها اللغوية تحتوي على قيم صيام رمضان الخِلقية والخُلُقية، فأما القيم الخِلْقية كالجهاد والمقاومة والمغالبة بالجسد، تنشطه وتقويه وتجدد طاقاته، ليقوى على الطاعة والعمل، فيخرج الصائم من صيامه صحيح البدن قوي البنية، وفي الحديث الشريف: "صوموا تصحوا"، وفي آخر: "المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء"، وفي ثالث: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرًّا من بطنه وإن

стр. 116

كان ولا بد، فثلث لطعامه وثلث لشرابه ولثلث لنفسه"، وأما القيم الخُلُقية التي تحتويها صيغة الصيام، فتشمل الغاية السامية من هذه الفريضة، فمن قيمة المجاهدة والمقاومة والمغالبة والمشاركة والصبر، وقوة الإرادة والعزيمة والأمانة، بل أسمى أنواعها، والمحاسبة والمراقبة والعفة والعزة، وحسن المعاملة والمواساة والتعاون والتكافل، والكرم والاستثمار وكثرة الإنتاج ورواج الاستهلاك والأسواق وغيرها، وكان النبي ﷺ متأثرًا بمنهج القرآن في إيثار الصيام عن الصوم مع كل العبادات وفي رمضان، فجاءت هذه الغاية السامية في معظم الأحاديث بلفظ الصيام في القرآن الكريم، وقليل منها بالصوم، ليظل الفرق بين كلام الله المعجز وبين حديث أبلغ البشر على الإطلاق. ومنها صورة التأكيد للفريضة في صيام رمضان بمؤكدات وهي: "إن واسمية الجملة من المبتدأ والخبر، وما تدل عليه من الدوام والثبات، وذكر لفظ الجلالة "الله" وصور التنزيه له في قوله: "﵎" وإيثار لفظ الفرض الذي لا يترك مجالًا لاحتمال أي ركن من أركان الإسلام الخمسة، والتصريح بذكر رمضان أي مقصور عليه لا غيره من الشهور، ودلالة "عليكم" من الإلزام، لكي يتضح الفرق بين "لكم" في السنة و"عليكم" في الفريضة، ومنها الصورة البليغة في التعبير عن لفظ "السنة" المشددة وهي نافلة القيام وسنة التراويح في قوله: "وسننت لكم قيامه"، بفك إدغام لفظ السنة، كما في سننت من التسهيل والترويح والتجاوز، لا الإلزام والفريضة، حتى لا يكون القيام ملزمًا كالصيام، لذلك قال النبي ﷺ لأصحابه حين امتنع عن متابعة القيام معهم: "خشيت أن يفرض عليكم". أما التصوير الفني في بلاغة الأسلوب البياني المستمد من الصور الخيالية وغيرها، مما يدعو إلى التأمل وطول النظر، ويثير العاطفة ويوقظ

стр. 117

العقل، ويدعو إلى التفكير والتدبر، جاء في صور متنوعة، منها صورة التشبيه التمثيلي في قوله: "رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه"، قد شبه الصائم القائم في متابعة فعل الخيرات والحسنات في ثلاثين يومًا، وترك المنكرات وهجر المحرمات والمكروهات، حتى تجردت صفحاته من الأوزار واتسعت للحسنات والأنوار، فعاد الصائم إلى فطرته المستقيمة طاهرًأ بريئًا نقيًا صافيًا شبه ذلك كله بالطفل على فطرته، حين يولد طاهرًا بريئًا، لم تقع منه معصية مطلقًا، بل كان في بطن أمه على الفطرة الربانية المستقيمة بلا جريرة أو ذنب، مثل الحج المبرور فليس له جزاء إلا الجنة، ومنها التجسيم الفني البليغ للذنوب، وهو أمر معنوي لا حسي، حين يقاوم الصائم التخلص منها وهي تلح عليه وتغريه، فينزع جسده وكيانه منها، كما ينزع الجنين من الرحم الذي أحاط به وأطبق على كيانه، فكان الرحم يقاومه ويصر على أن يحيط به ويلازمه، ومنها التوازن الإيقاعي والتناسق الموسيقي الذي يثير العاطفة ويشد العقل، في المقابلات من الصور التعبيرية البليغة، كالطباق في "فَرَضَ وسَنَنْتُ" وبين "الصيام والقيام" وبين "صامه وقامه" وبين "إيمانًا واحتسابًا"، وكالمقابلة بين جملتي "فرض صيام رمضان عليكم، وسننت لكم قيامه"، والتعادل الموسيقي بين جملتي الشرط "فمن صامه وقامه إيمانًا واحتسابًا"، وجملة الجواب والجزاء: "خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" فتحرك موسيقاه العاطفة ويتفاعل معها العقل، حتى تتمكن فيه القيم الخلقية من النفس، وتستقر في أعماقها منهجًا قويمًا لا تبرح عنها، لتصير سلوكًا ساميًا، وعملًا صالحًا، بالإضافة إلى ما يفيده جواب الشرط من الحكم الفصل، والقرار الذي لا رجعة فيه بفضل الله ، وهو من صام وقام إيمانًا واحتسابًا استحق على سبيل الجزم واليقين التجرد من الذنوب والأوزار،

стр. 118

كالشأن في المولود بعد ولادته، فهو يولد على الفطرة التي فطره الله عليها، ذلك الدين القيم لا تبديل لخلق الله. القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف: ١- أن الله تعالى فرض على المسلمين صيام شهر رمضان؛ فهو ركن من أركان الإسلام. ٢- أما القيام فهو سنة سنها النبي ﷺ رحمة بأمته. ٣- صيام شهر رمضان وقيامه لا يكفر الذنوب إلا إذا صدر عن مؤمن يحتسب ذلك عند الله ابتغاء مرضاته. ٤- من صام رمضان وقام ليله إيمانًا واحتسابًا كان ثوابه كالحج، يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. ٥- لذلك كان الصيام والقيام في شهر رمضان إنصافًا للفقير وغير المستطيع لأداء فريضة الحج، حتى لا يحرم من ثواب الحج المبرور للمستطيع، ولا يظلم ربك أحدًا. ٦- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي من الحديث الشريف.

стр. 119

اليد العليا: أخرج البخاري عن حكيم بن خُزَامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله". التصوير البلاغي المستمد من المعاني الحقيقية، التي تواضع عليها علماء اللغة لألفاظ الحديث الشريف كثيرة ومتنوعة، وصوره البلاغية كثيرة ومتنوعة، منها الصورة البلاغية في أسلوب القصر، وبلاغة الحصر بين ركني الجملة، مقصرًا فضائل الخير على اليد المعهودة بالعليا، أي ذات

стр. 120

الطبيعة الخيرة، والموصوفة بأفضل المعالي، من اليد المعهودة بالدنو والتسفل والقبح، كل ذلك على سبيل التوكيد والحصر، حتى صار الخير مقصورًا على اليد العليا، لأنها دائمًا سامية وعفيفة وجادة وعاملة، لأن أفضل الجهاد جهاد النفس، وتكررت هذه الصورة الأدبية، ليؤكد هذه القيم الخلقية والتشريعية السامية، في قوله بأسلوب المفاضلة: "وخير الصدقة عن ظهر غنى"، ومنها: الصورة البليغة بأسلوب الأمر والجزم، ليدل على أنه الأفضل ولا خير في غيره ولا بديل عنه، حتى يتفق مع القيم الخلقية السابقة، وذلك في قوله: "وابدأ بمن تعول"، مع دلالة "من" على جميع من تجب عليه نفقتهم، من نفسه وزوجه وأولاده ووالديه وخادمه، لأن فعل الأمر يدل على الوجوب والفرض واللزوم، زاد النسائي: "أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك"، ويؤكد هذا أيضًا بصورة أدبية أخرى، تدل على الأم، لكنها بصيغة المضارعة المقرونة بالسين والتاء، التي تدل على الطلب في قوله: "يستعفف" أي يطلب العفة، وقوله: "يستغن" أي يطلب الغنى، ومنها الصورة الأدبية، التي تدل على العموم والشمول في التعبير، بـ "من" فطلب العفة والغنى واجب على الجميع لا فرق بين الكبير والصغير، والذكر والأنثى والقوي والضعيف، فقد قصر الله العزة على ذاته العلية، وعلى رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ، ثم ما أعظم التنكير في "غنى" فهو يدل على التعظيم والتكثير. التصوير الفني في بلاغة الأسلوب البياني، المستمد من الصور الخيالية التي تثير النفس والعاطفة، ويعمر بها القلب والوجدان، ويتزود منها العقل والمعرفة، ومنها: الصورة الأدبية التي تستمد روافدها من كنايتين بليغتين، الأولى صورة اليد العليا، فهي كناية عن المنفق والمتصدق، وكثرة

стр. 121

البذل والعطاء، والترفع والعفة والكسب والعمل، والغنى والثراء والثانية صورة "اليد السفلى"، فهي كناية عن الشحاذة والسؤال، والسائل والمحتاج، والفقر والضعف والكسل والعجز وعدم الترفع، وغير ذلك مما لا يليق بالمؤمن القوي العفيف، ذي الهمة العالية في العبادة والعمل، ومنها: الصورة البليغة القائمة على الاستعارة في قوله: "عن ظهر غنى"، فقد شبه الغنى والثراء بالظهر، الذي يحمي الأحشاء والبطن في البدن من الضرر، بجامع الحماية والوقاية من الفقر والضعف، ومهانة ذل السؤال، فالغني يستظهر بغناه على النوائب والملمات، فيعينه على الإنفاق والصدقة، وقضاء فاقة المحتاج والفقير ومساعدة المساكين، ومنها: الصورة البليغة النابعة من مصادر الموسيقى في قوله: "ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله"، لما يفيده التوازن المتناسق بين جملتي الشرط والجزاء، كما يفيد المزاوجة بين الجملتين، للدلالة عن العفة وعن الغنى، وفي جملة الشرط والجزاء حتمية القرار، والقول الفصل الذي لا رجعة فيه، فمن طلب الغنى أغناه الله، ومن طلب العفه أعفه الله تعالى، إنما الأعمال بالنيات، كما في الحديث الشريف، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ ، وفي الحديث الشريف إيجاز؛ فقد دل على معان كثيرة، وقيم خلقية وتشريعية متنوعة، من خلال ألفاظ محدودة، وتعبيرات قليلة دون المعاني والقيم المختلفة، وهذا هو ما اختص به النبي ﷺ من بين الخلق جميعًا بجوامع الكلم، فصار أبلغ العرب قاطبة كما قال: "بيد أني من قريش". القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف: ١- الشأن في المسلم أن يكون قويًا عزيزًا ذا همة عالية؛ فلا يقبل منه الإسلام أن يكون ضعيفًا ذليلا حقيرًا، لا يمد يده لذل السؤال، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين.

стр. 122

٢- أن خير النفقة والصدقة ما ينفقه المسلم على من يعوله، وعلى من تلزمه نفقتهم، أو يتصدق على ذوي الرحم والأقارب. ٣- خير الصدقة ما كانت زائدة عن حاجته، وحاجة من يعوله، ومن تلزمه نفقتهم من زوجه وأولاده وخادمه ووالديه. ٤- يحث الإسلام المسلم على أن يكون عفيف النفس، عالي اليد، طاهر القلب، عزيز الجانب، قويًا في عقله وفكره وبدنه. ٥- يحث الإسلام المسلم على العمل والكسب والإنتاج، ليزداد غنى؛ فالمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، ويسد حاجة المسلمين؛ فلا يحتاجون إلى أعدائهم من منتجات وسلع. ٦- إن الله يعطي المسلم حسب نيته ومقاصده، فمن أراد العفة أعفه الله، ومن أراد الغنى أعانه على ذلك: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ... ". ٧- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي من الحديث الشريف.

стр. 123

الحج وفطرة الله تعالى: أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ : "من حج فلم يرفث، ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه". التصوير الأدبي في بلاغة التعبير عمن أدى فريضة الحج في قوله ﷺ : "من حج" في تصوير فني يقوم على النسق الإيقاعي الجميل بين جملتي الشرط والجزاء، والانسجام الموسيقي في التوازن بينهما في: "من حج رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه" مما يحرك المشاعر ويوقظ الوجدان؛ فيتلقى القلب والعقل والقيم الخلقية والتشريعية في شوق وحب، وتجاوب فاعل في

стр. 124

التصديق والعمل به منهجًا وسلوكًا، وجاءت الصور الفنية للحج مقيدة بعدم الرفث والفسوق، ليضفي على التصوير البلاغي قيمًا فنية وخلقية تعود إلى دلالات الألفاظ التصويرية؛ فتشمل "من" كل مسلم رجلًا أو امرأة، كهلًا أو شيخًا، أو شابًا، فلا بد أن يتصف الجميع بالعقل، على العكس من "ما"، التي تشمل العقلاء وغيرهم، والمميز وغير المميز، والمكلف وغير المكلف، وآثر التعبير بقوله: "حج" دون "أدى" لأن الأداء قد يكون قاصرًا، أو رياء وسمعة أو يطلق على بعض المناسك دون غيرها، كل ذلك يعد أداء، لكن المصطلح الشرعي للفظ "الحج" يشمل مشاعره تامة كاملة في إيمان صادق وإخلاص في الأداء ابتغاء مرضاة الله ، لذلك جاء العنصر الثالث وهو أن يكون لله لا للشهرة أو الرياء، ولا طمعًا في متاع الحياة الدنيا، ولا لمجرد إسقاط الفريضة عنه فقط، بل يكون أداء الحج طاعة لله سبحانه، وإيمانًا به وبرسوله، وخوفًا من عذابه وطمعًا في رحمته وجنته، وتكفيرًا لسيئاته وأوزاره، وتصديقًا لشريعته، التي جاءت لتحقيق السعادة للبشرية جمعاء، وفي الحديث الشريف: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ... إلخ ". وبلاغة التصوير الأدبي في قوله: "فلم يرفث ولم يفسق" يقوم على عناصر جمالية في التعبير، لأن مشاعر الحج طاعة وعبادة وتقديسًا لله ، لا يتفق مع المدلول اللغوي للرفث والفسوق؛ فالرفث معناه الفحش والجماع، وهو يتعارض مع قداسة مشاعر الحج، ولا يتناسب مع الجانب الروحي فيها؛ فهو يتنافى مع الشهوات والملذات المادية، فلها مجال آخر غير الحج، وفي الحديث الشريف: "إن لربك عليك حقًا وإن لنفسك عليك حقًا وإن لأهلك عليك حقًا فأعط كل ذي حق حقه" وكذلك الفسوق، وهو بمعنى الخروج عن طاعة الله تعالى، والتمرد على مشاعر

стр. 125

الحج المقدسة الطاهرة، بارتكاب المعاصي والموبقات المهلكات، قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ ، وما أروع الإيقاع الموسيقي، والنسق الرتيب بين المقطعين المتلائمين وهما "لم يرفث" و "لم يفسق" مما يهز العاطفة، ويثير المشاعر، ويعمر الوجدان بالإيمان الصادق ابتغاء مرضاة الله . التصوير الأدبي في بلاغة التعبير عن التطهر من الذنوب والأوزار من النجس والرجس عن البدن، ومن الشيطان والهوى عن العاطفة والعقل، وذلك في صورة فنية تقوم بلاغتها على عناصر تصويرية جميلة، فعبر الحديث الشريف بالفعل "رجع" بمعنى عاد إلى الفطرة الطاهرة المستقيمة التي تقوم على الطاعة لله ، والصفاء الروحي وطهارته في إيمان صادق واستقامة، وتأكدت هذه الفطرة في تصوير حالة الإنسان يوم مولده حين خرج من بطن أمه إلى الحياة على الفطرة المستقيمة؛ والطهارة والنقاء من كل أوزار الحياة، فهي موصولة ببارئها وخالقها، لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ وهي موصولة بوالديه بالإحسان إليهما، والبر بهما، ومقرونًا بعطاء الله : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ، وتلاءمت هذه العناصر الجمالية في لوحة فنية، تقوم أبعادها على التشبيه البليغ، الذي يتلاءم طرفاه مع الفطرة السليمة والطهارة الربانية، والصفاء الروحي وسلامة الجسد، وبراءته من هوى النفس ودنس المردة من الإنس والجن، من خلال تشبيه حالة الإنسان في حجه المبرور وهو كبير بحالته يوم ولدته أمه على الفطرة طاهرًا نقيًا، وفي الحديث الشريف: "تابعوا بين

стр. 126

الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحج المبرور جزاء إلا الجنة". القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف: ١- بالإضافة إلى ما ذكر في بلاغة الحديث الشريف وتصويره النبوي من قيم خلقية وتشريعية فيشمل كذلك ما يأتي: ٢- فريضة الحج ركن من أركان الإسلام. ٣- النهي عن الرفث والفسوق في الحج. ٤- الحج المبرور يكفر السيئات ويطهر النفس من الذنوب. ٥- الحج يعيد النفس إلى الفطرة المستقيمة كالطفل ساعة ولادته.

стр. 127

العمرة إلى العمرة والحج المبرور: أخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة". بلاغة التصوير الفني في التعبير الشريف عن تكفير العمرة لما قبلها من السيئات، وذلك في صورة متنوعة، فجاءت العمرة معرفة "بأل"، لتفيد التعريف، والعهد، والاستغراق، فالتعريف بمعنى العمرة المعروفة في تعاليم شريعة الإسلام سنة مؤكدة عند الأحناف والمالكية لحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن العمرة أواجبة هي؟ قال: "لا وأن تعتمروا أفضل" وفريضة عند الشافعية وأحمد بن حنبل لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ لأنها معطوفة على الحج وهو فرض، والأرجح أنها سنة مؤكدة، والعهد بمعنى العمرة المعهودة بأركانها من الإحرام مع النية والطواف حول الكعبة سبعًا، والسعي بين الصفا والمروة سبعًا،

стр. 128

والحلق أو التقصير، والمعروفة بسننها المختلفة كالاغتسال قبل الإحرام ودعاء الطواف والملتزم وتقبيل الحجر الأسود، وركعتي الطواف خلف مقام إبراهيم، والشرب من ماء زمزم وغيرها، وتفيد الاستغراق بمعنى استغراق جميع الأركان والمشاعر والمناسك والواجبات والسنن، حتى تكون كاملة تامة، وكذلك جاءت "إلى" بمعنى "مع" أي العمرة مع العمرة كفارة لما بينهما، وفي هذه الصورة الفنية التي تكررت فيها العمرة، تحث على متابعة العمرة من حين لآخر، للحرص على تكفير السيئات تباعًا، كما أنها تفيد القصر والتأكيد، أي قصر التكفير على التتابع بين العمرات وتأكيده، لتعظيم الثواب الجزيل والأجر العظيم، فقد قصر الحديث الشريف تكفير السيئات على أداء العمرة بعد العمرة، أو قصر التكفير على السيئات التي كانت قبل أداء العمرة وإن طالت المدة قبلها، وكذلك تجد الصورة الأدبية في صيغة المبالغة في "كفارة" بالتشديد، تدل على محو جميع السيئات الصغائر والكبائر غير حقوق العباد في أرجح الأقوال عند العلماء، لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، فلا تبقي منها بقية، فالإبهام في دلالة "ما" اللغوية، تدل على هذا العموم والشمول لكل السيئات صغيرة كانت أم كبيرة، أما حقوق العباد ومظالمهم لا بد من ردها إلى أصحابها، أخرج ابن ماجة عن النبي ﷺ قال: "جزاء الحج جهاد والعمرة تطوع". روعة التصوير الأدبي في بلاغة التعبير عن الحج المبرور في قوله: "والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" في صور أدبية بليغة متنوعة، فالصورة الفنية في مفهوم "الحج" "بأل" التي تفيد التعريف والعهد والاستغراق، أي الحج المعروف في تعاليم الشريعة الإسلامية ركنًا من الأركان الخمسة، التي بني عليها الإسلام؛ فلا يتحقق الإسلام إلا بالتصديق بها، ولا تسقط عن المستطيع إلا بعد أدائها بنفسه أو ورثته من

стр. 129

بعده من تركته أو من غير، وكذلك الحج المعهود بأركانه، وهي النية والإحرام من الميقات والطواف والسعي والوقوف بعرفة والحلق والتقصير، وبواجباته من المبيت بمزدلفة والمشعر الحرام ورمي الجمرات والمبيت بمنى، وطواف الوداع، والحج المعهود بسننه الكثيرة، وباجتناب محرماته وممنوعاته، والمعهود بنسكه من الهدي والأضحية وغيرها، ويفيد التعريف الاستغراق والشمول، فلا يكون تامًا إلا باستغراقه لجميع الأركان والواجبات والسنن والبعد عن المحرمات والممنوعات، لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ . والصورة الأدبية الثانية جاءت بلاغتها في اسمية الجملة، التي تقصر الخبر على المبتدأ الموصوف بصفة المبرور، فلا يتجاوزه إلى المتصف بالرياء والتظاهر والمخالط للرفث والفسوق والجدال والمعاصي، أما الصورة البليغة الثالثة في قوله: "ليس له جزاء إلا الجنة" فقد جاءت على سبيل القصر أيضًا والتأكيد بالنفي والاستثناء بمعنى أن الجنة مقصورة على جزاء الحج المبرور، لا يتجاوزه إلى المأزور غير المأجور تأكيدًا وتعظيمًا لثوابه الجزيل، قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ . القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف: ١- بالإضافة إلى ما ذكره في التصوير النبوي للحديث الشريف للقيم الخلقية والتشريعية نذكر ما يلي: ٢- الحث على أداء العمرة وتكرارها كلما أمكن ذلك. ٣- متابعة العمرات تكفر ما بينهما من السيئات والأوزار. ٤- الحث على أداء فريضة الحج. ٥- الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.

стр. 130

الحج مرة واحدة: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا"، فقال رجل: أَكُل عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها: ثلاثًا، ثم قال ﷺ : "لو قلت: نعم، لو جبت، ولما استطعتم"، ثم قال: "ذروني ما تركتم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه". روعة التصوير الأدبي في بلاغة التعبير عن فريضة الحج بالعناصر البلاغية التي لا تدع مجالًا للإنكار أو التردد؛ ليكون الحكم قاطعًا والأمر حاسمًا، وذلك في قوله: "إن الله كتب عليكم الحج فحجوا"؛ فأكد الفرضية "بإن" المشددة المؤكدة، وبذكر لفظ الجلالة على سبيل القصر والتأكيد، مقدمًا الجار والمجرور: "عليكم" على المفعول به: "الحج"، بمعنى قصر كتابة الحج وفرضيته على عباده على سبيل الوجوب، وأكد الفرضية بلفظ الفعل الماضي، على سبيل الجزم واليقين والتحقيق، متأثرًا ببلاغة القرآن الكريم في تصوير فريضة الصوم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ، وكذلك وجوب الكتابة في آية الدين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ ثم أكد الفرضية بصورتين بليغتين، الأولى: جاءت في حرف "الفاء" التي تدل على الترتيب والتعقيب، فهي لا تعطي فرصة للتأخير أو التردد، بل سرعة التنفيذ على سبيل الإنجاز والسرعة، والثانية في التعبير بفعل الأمر "حجوا" الذي يدل على الإلزام والقطع بلا تردد أو مراجعة.

стр. 131

التصوير الفني في بلاغة التعبير في الرد على سؤال الرجل حين قال: أكل عام يا رسول الله؟ فكانت الإجابة دقيقة وعميقة، لا تتعارض مع أمر الله بوجوب فريضة الحج مرة واحدة في العمر، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ وذلك في صور فنية متنوعة، فالصورة الأولى ليست تعبيرًا ولا كلامًا بل سكونًا وصمتًا، على الرغم من إعادة السؤال ثلاث مرات، فقد أجمع علماء البلاغة على أن الصمت قد يكون أبلغ من الكلام حسب المقام، والصمت هنا يدل على إنكار السؤال وعدم الرضا عنه، والصورة الثانية في بلاغة التعبير في قوله: "لو قلت: نعم"، التي تدل على تعليق الامتناع على ممنوع، وللإشارة إلى أن "لو" تفتح باب الشيطان؛ فيجب علينا أن نغلق منافذه بعدم استعمالها، والصورة الثالثة في قوله: "لو قلت: نعم، لوجبت ولما استطعتم"؛ فأصحبت الفريضة متكررة، مما لا يطيقه المكلف كل عام كما في الحديث الشريف عن ابن عباس ﵄: "يا أيها الناس كتب عليكم الحج" فقام الأقرع بن جابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: "لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا، الحج مرة فمن زاد فهو تطوع" رواه أحمد والنسائي وأبو داود والحاكم، ويدل منطوقها على صورة أخرى يوحي بها المفهوم بمعنى "لو قلت: لا" لأدى ذلك إلى حرمان المستطيع من ثواب التطوع بالحج، فقد حث الرسول ﷺ على متابعة الحج والعمرة كما في الحديث الشريف الذي أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة جزاء إلا الجنة". روعة التصوير الأدبي في بلاغة النهي عن كثرة السؤال والتشدد والتنطع كما في الحديث الشريف: "إن الدين يسر، فلن يشاد الدين أحد

стр. 132

إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة" وفي آخر: "هلك المتنطعون"، وذلك في صور بليغة؛ فبلاغة الصورة الأولى في إيجازها وعمق معانيها وسمو قيمها في قوله: "ذروي ما تركتم"، تحث الناس على عدم إثارة الأسئلة والتنطع فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ، وعليهم أن يذروه مع ربه ما دام الوحي لم ينزل بشيء، حتى لا ينزل بأمر لا يطيقونه. والصورة البليغة الثانية تصور أسباب التشدد في الديانات للرسل السابقين، مثل تشدد اليهود مع موسى ﵇ في ذبح البقرة، حتى عزت عليهم فقال: "إنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم" والصورة الثالثة تعبر عن تعليم الصحابة ﵃ الأسلوب الأمثل في تعلم الشريعة في قوله: "فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه"؛ فعبر بإذا مرتين عن ذلك، لإفادة الجزم واليقين، وعن طريق الأمر والنهي من قبل الله ورسوله، لا عن طريق كثرة السؤال والاختلاف، بل عن طريق أداء هذه الأوامر على قدر استطاعتهم، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وعن طريق النهي عنها، فيتركونه بلا مناقشة أو تأويل أو جدال، فربما يؤدي ذلك إلى نزول وحي قد يضعف التكليف فوق طاقتهم. القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف: ١- بالإضافة إلى ما ذكر في التصوير النبوي للقيم الخلقية والتشريعية في هذا الحديث الشريف نذكر ما يلي: ٢- كتب الله على المسلمين فريضة الحج ركنًا من أركان الإسلام مرة واحدة في العمر. ٣- كراهية الرسول ﷺ للسؤال عن أمر لم يذكره، بل يجب عدم إثارة الأسئلة بلا داع، ويلتزم بما أمر الله تعالى ورسوله. ٤- كراهة كثرة السؤال فيما لم يذكر قبل ذلك. ٥- رحمة النبي ﷺ لأمته والتخفيف عليهم والتيسير لهم. ٦- اتباع ما أمر به علي قدر الطاقة واجتناب ما نهى عنه على سبيل الجزم.

стр. 133

الوقوف بعرفة: أخرج ابن حبان وابن خزيمة والبزاز ويعلى عن جابر ﵁ قال رسول الله ﷺ : "ما من أيام عند الله أفضل من عشر ذي الحجة" فقال رجل: هن أفضل من عدتهن جهادًا في سبيل الله؟ قال: "هن أفضل من عدتهن جهادًا في سبيل الله، وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينزل الله ﵎ إلى السماء الدنيا، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول: انظروا إلى عبادي جاءوني شعثًا غبرًا ضاحين، جاءوا من كل فج عميق يرجون رحمتي، ولم يروا عذابي، فلم ير أكثر عتيقًا من النار من يوم عرفة". بلاغة التعبير بالأفضلية في الحديث الشريف في قوله ﷺ : "ما من أيام عند الله أفضل من عشر ذي الحجة"، بما فيها يوم عرفة، فهي عند الله من الجهاد في سبيل الله لأنها من أفضل أيام السنة، وبلغ التصوير الفني قمته حين اقتصرت على المفاضلة بين أيام السنة لا بين شهورها، لأن رمضان أفضل شهورها على الإطلاق، ثم ما أروع التقييد بالتنصيص على لفظ الجلالة "عند الله" الكريم ذي الفضل العظيم، والله لا يخلف الميعاد، ثم تأكدت الأفضلية بتفضيل يوم عرفة على بقية العشر، في صور بلاغية أخرى في قوله: "وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة" لأن من فاته

стр. 134

الوقوف بعرفة في اليوم التاسع وليلة العاشر؛ فقد فاته الحج، للأحاديث الشريفة: "الحج عرفة"، "من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك" ووضح الحديث الشريف أسباب الأفضلية: "ينزل الله ﵎ إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي، جاءوني شعثًا غبرًا ضاحين، جاءوا من كل فج عميق، يرجون رحمتي، ولم يروا عذابي فلم ير أكثر عتيقًا من النار من يوم عرفة". بلاغة التصوير الفني في التعبير عن مباهاة الله بالحجيج في يوم عرفة بصورة فنية بلغت القمة في بلاغة الأسلوب النبوي الشريف، فعبر عن قرب الله ، وسرعة استجابته لهم، وقبول مناسك الحج ومشاعره، مع أنه موجود في كل الوجود، بنزوله إلى السماء الدنيا؛ فيباهي بهم الملائكة وغيرهم من العوالم الأخرى ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ معجبًا بعباده وهو يقول: "انظروا إلى عبادي" بإضافة عبوديتهم إليه، وهو أعظم تشريف للحجيج فقد رضي عنهم، وكذلك بلاغة التصوير الفني بالكناية عن اشتغالهم بمشاعر الحج صادقين في إتقان مناسكهم مخلصين، غير مهتمين بمظاهر الحياة والتفاخر بمتاع الحياة الدنيا، حتى طالت شعورهم وأظافرهم، واغبرت بالتراب والعرق أبدانهم وملابس إحرامهم، فلا يؤبه لهم وقد ضحوا في ذلك بأوطانهم وأهليهم وأصدقائهم، ومضحين بدماء النسك، وذبائح الهدي والأضحية كما في الحديث الشريف: "جاءوني شعثًا غبرًا ضاحين"، وكذلك بلاغة التصوير لقدوم الحجيج من كل حدب وصوب على سبيل الكناية المعجزة، التي اقتبسها النبي ﷺ من التصوير القرآني المعجز في سورة الحج: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ ، وليس من كل فج بعيد، لأن العمق يدل على كروية الأرض حيث تكون

стр. 135

الكعبة في وسط الأرض وأعلاها وهي القمة، وما حولها من جميع الجهات دونها ومنخفض عنها في عمق رأسي، لا بعد أفقي، ويظهر انسجام بلاغته مع بلاغة القرآن، واتساقه مع فطرته التي فطره الله عليها، فحينما تعجب الصحابة من بلاغته فرد عليهم قائلًا: "وما يمنعني، وإنما أنزل القرآن علي بلسان عربي مبين". التصوير الأدبي في بلاغة التعبير عن شدة عقاب الله وشدة عذابه، مع تقديم رحمته التي وسعت كل شيء، في قوله ﷺ : "يرجون رحمتي ولم يروا عذابي"، فقدم الرحمة على العذاب، مما جعل الحجيج يستحقون المغفرة والرضوان من الله ، قال أنس بن مالك ﵁: وقف النبي ﷺ بعرفات وقد كادت الشمس أن تثوب، فقال: "يا بلال أنصت لي الناس"، فقام بلال فقال: أنصتوا لرسول الله ﷺ ، فأنصت الناس فقال: "يا معشر الناس أتاني جبريل ﵇ آنفًا، فأقرأني من ربي السلام وقال: إن الله غفر لأهل عرفات، وأهل المشعر الحرام، وضمن عنهم التبعات"، فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله، هذه لنا خاصة؟ قال: "هذا لكم ولمن أتى بعدكم إلى يوم القيامة"، فقال عمر ﵁: كثر خير الله وطاب. وعبر مع الرحمة بالرجاء، وهو حاصل ومتوقع من الرحمن الرحيم وسعت رحمته كل شيء، وعبر مع العذاب بعدم الرؤية "ولم يروا عذابي" للدلالة على رفع العذاب عن الحجيج، وأن الله لا يرضى لعباده الكفر ولا العذاب، فهو منفي عنهم "بلم" الجازمة، وأن المغفرة والرحمة وجبت لهم كما ورد في الأحاديث الشريفة: "والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"، "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه"، "ما رئي الشيطان يومًا هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة".

стр. 136

القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف: ١- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم الخلقية والتشريعية في هذا الحديث الشريف نذكر ما يلي: ٢- فضل العشر الأوائل من أيام ذي الحجة على أيام السنة، لا على الشهور إلا يوم عرفة فهو أفضلها جميعًا وعلى مثلها في الجهاد. ٣- يكثر عتق الرقاب من النار في يوم عرفة، ويباهي الله تعالى ملائكته في السماء بذلك، وكذلك أهل الأرض. ٤- الترغيب في الإقبال على الأعمال الصالحات والخيرات صيامًا وقيامًا وطاعة وأمرًا بالمعروف، ونهيًا عن المنكر، وصدقة وغيرها في هذه العشر.

стр. 137

قضاء الحج: أخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، ولم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: "نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا لله؛ فالله أحق بالوفاء". بلاغة التصوير الأدبي في الإجابة عن السؤال، التي اتسمت بلاغته بالإيجاز، والذي قل لفظه، وبلغ الغاية في معناه، بحيث لا يبقى منه بقية، فكانت الإجابة في صورتين بليغتين الأولى في قوله: "نعم"، تدل على وجوب الفريضة بالإيجاز الحاسم على نحو يراد منها، فقد وجب الحج على أمك التي نذرت على نفسها الحج بنذرها، والصورة البلاغية الثانية جاءت أيضًا في صورة الإيجاز الحاسم على سبيل الأمر للمرأة السائلة؛ بأن تحج عن أمها، بحيث إذا لم تفعل تعد آثمة، ما دامت قد تحققت شروط

стр. 138

الاستطاعة المشروعة، وذلك في الأمر الذي يدل على الوجوب "حجي عنها"، أي: حجي أنت عن أمك، ولقد أضفى الحوار القصصي بين الراوي وامرأة من جهينة التي وجهت السؤال وتلقت الإجابة، والنبي ﷺ الشخصية الرئيسية في الحوار، أضفى ذلك على التصوير الأدبي الحيوية والحركة والجدة والتشويق مما يؤدي إلى مشاركة المتلقي الإيجابية في هذا الحوار القوي المثير. روعة التصوير الأدبي في بلاغة التعبير عن صورة محسة من الواقع في قوله: "أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته"؟ تستنطق السائلة وتقتنع بها؛ لأن الدين لا بد من أدائه في الواقع على سبيل الوجوب، دون تقصير في أدائه كاملًا غير منقوص، وعند حلول الأجل بلا تسويف أو تأخير، وذلك من خلال صورتين؛ الأولى: تقوم على الاستفهام بالألف مرتين "أرأيت -أكنت" فهو يفيد غايتين: الاستفهام الإنكاري على السائلة، فكيف تنكر ذلك وهو أمر واضح مألوف لا يخفى على أحد في معاملة الناس، ولا يختلف مع الواقع المتعارف عليه، والغاية الثانية في الاستفهام التقريري، لأن قضاء الدين أمر مقرر وحقيقي، قررته العقول والفطرة المستقيمة، وقضت به الأحكام في المرافعات والقضايا، والصورة البليغة الثانية في التعبير بحرف "لو"، الذي يدل على عدم تحقيق الجواب لعدم تحقق الوقوع بمعنى النفي، لكن بلاغة الرسول ﷺ استخدمتها على النقيض من معناها المتعارف عليها، وخاصة وهي تفتح باب الشيطان؛ فصارت "لو" تدل على الإيجاب وتحقق الوقوع، لتسلط الاستفهام الإنكاري عليها، لأن نفي النفي إثبات، فكان المراد نفي إنكار قضاء الدين، لأن الدين يجب قضاؤه، قال تعالى في أداء الدين قبل توزيع التركة: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ .

стр. 139

التصوير الأدبي في بلاغة التعبير بأحقية الله تعالى بوجوب القضاء له؛ لأن الله تعالى هو الخالق المبدع، والرازق المعطي، إليه يرجع كل شيء وله كل شيء، وذلك في قوله: "اقضوا الله فالله أحق بالقضاء"؛ فجاء القضاء بصيغة الأمر الجازم على سبيل الوجوب والإلزم مخاطبًا جميع المسلمين بواو الجماعة، لا المرأة السائلة فحسب، ليكون تشريعًا عامًا لا خاصًا بها، فقد روى ابن ماجه وغيره عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة، فقال: "أحججت عن نفسك"؟ قال: لا، قال: "فحج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة" هذه هي الصورة الأولى. وأما الصورة الثانية جاءت بالتصريح بذكر لفظ الجلالة "الله" لإفادة أمرين جليلين؛ أولهما: المهابة من الله والخشية من ذاته العلية، والتقديس لجلالته بالألوهية والربوبية فيعبده حق عبادته، ويلبي أوامره طاعة وخشوعًا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ، ﴿وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ ، وثانيهما: الخوف من عقابه، وتوقي عذابه، فالله شديد العقاب، ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ لمن نذر أن يحج ومات لم يحج، أما أداء فريضة الحج، التي وجبت على المستطيع في حياته؛ فالأداء أولى، وتجب على الورثة في تركته، وإن لم يوص، لأنها دين الله ، أخرج الجماعة عن ابن عباس ﵄ أن امرة من خثعم قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: "نعم".

стр. 140

القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف: ١- بالإضافة إلى ما سبق من القيم في التصوير النبوي الشريف، نذكر ما يلي: ٢- وجوب أداء النذر ولو بعد الموت؛ فهو على الوريث. ٣- يصح أداء الحج عن الميت، الذي لم يؤد الفريضة؛ فتسقط عنه، وينال ثوابها الجزيل، فهو حج مبرور. ٤- قضاء الدين واجب الأداء، ولا يرفع عنه عذابه إلا بعفو الدائن عن المدين. ٥- دين الله في العبادات وغيرها أحق بالأداء لأنه الخالق المبدع المتفضل. ٦- إن الإسلام كرم المرأة، ورفع مكانتها، وأعلى من شأنها، بما لا يقل عن شأن الرجل.

стр. 141

من خطبة الوداع: وقف النبي ﷺ يخطب بين الحجيج في حجة الوداع؛ فبعد أن حمد الله وأثنى عليه وعلى رسوله ﷺ قال: "أما بعد فيا أيها الناس، اسمعوا مني أبين لكم؛ فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا، أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد". بلاغة الخطبة من بلاغة القرآن الكريم، فقد صدرت عن أفصح العربية قاطبة، انتهت إليه قمة البلاغة بنزوله عليه، وقراءته على مكث، وهو المثل الأعلى في البلاغة، معجز في تصويره القرآني، وفي تشريعه وأخباره وقصصه، خصه ربه بالوحي، يستعجل قراءته لشغفه بسحره.

стр. 142

وانسجامه مع بلاغته، واتساقه مع فطرته، فينهاه ربه عن العجلة، لأن القرآن الكريم موصول بقلبه إيمانًا وحفظًا، قال تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ . لهذا لا ينفك أسلوب صفي الله وخليله في هذه الخطبة عن روح القرآن الكريم، وبلاغته في لفظ عذب رقيق جزل، واتساق نظم في أحسن موقع، وسلاسة فحوى وسهولة مخرج، في أسلوب صاف سهل ممتع، يحفل بالحكم البديعة والمعاني الغزيرة، التي لا تصدر إلا عن نفس شريفة عزيزة، حازت شرف القرآن، وعزت بخطاب الله ؛ لذلك تعجب منه أصحابه قائلين: ما وجدنا أفصح منك، قال: "وما يمنعني وإنما أنزل القرآن عليَّ بلسان عربي مبين، وأنا أفصح العرب بيد أني من قريش، ونشأت في بني سعد". لذلك تجد في هذه الخطبة منهج القرآن الكريم، وروحه وقيمه الخلقية، فمعانيه شريفة وأخلاقه سامية في أسلوب عفيف بليغ، وعبارات رشيقة سامية، وتصوير أدبي أخاذ بالقلوب، تتفتح له منافذ التلقي في الإنسان انبهارًا وخضوعًا واقتناعًا؛ لأنه أوتي جوامع الكلم. بلاغة الأسلوب في التعبير الإنشائي عن القيم الخلقية في هذه الفقرة، فقد خاطب بالأسلوب الإنشائي المتنوع المتلقي خطابًا مباشرًا، يثير انتباهه ويحرك عواطفه ويستثيره، فيتلقاه عن إيمان صادق وعاطفة حارة، ووجدان حي متيقظ، وعقل مفتوح مستوعب، فقد جمع بين النداء المقرون بأداة التنبيه فقال: "يا أيها الناس" مرات، مرة في صدر الفقرة، ومرة أخرى في وسطها "بالياء" لتأكيد الصورة البلاغية، وفي نهايتها

стр. 143

كان النداء بالهمزة مقرونًا بلا "ألا هل بلغت"؛ ليجمع بين النداء والحث على العمل بما يقول، ثم ختمها بالنداء الجليل بمخاطبة الله على سبيل الدعاء، والإقرار بما يجب على النبي ﷺ نحو أمته الإسلامية، فختمها بقوله: "اللهم اشهد"، ومن أساليب الإنشاء أيضًا الأمر في قوله: "اسمعوا"؛ ليثير به المستمع، فتتفتح فيه منافذ الإدراك من العاطفة والوجدان والمشاعر والخواطر، وخاطبهم بصيغة الأمر، للدلالة على وجوب السمع والعمل بما يسمعون، ليتحول الأمر إلى منهج وسلوك، فلا تسفك الدماء ولا تنتهك الأعراض، ولا يعتدى على الحقوق بالباطل ظلمًا وغصبًا؛ ليسود الحق والعدل والخير والأمن والحب، ثم ينتقل إلى الترجي في قوله: "لعلي لا ألقاكم"، في أسلوب لا يدل على طمع في استبقاء حياته وحرص عليها؛ فهو يحتمل اللقاء وعدمه؛ لأنه ربط الرجاء بعدم اللقاء، فعبرت الصورة الفنية عن رؤية الغيب بنور البصيرة، حتى شعر الصحابة ﵃ أيضًا برحيله؛ فبكوا وأطلقوا عليها: "خطبة الوداع". بلاغة الأسلوب في التعبير الخبري عن القيم الخلقية على سبيل التقرير والثبات، فاستخدم الحديث الشريف عناصره، التي تقرر الحفاظ على الدين والنفس والعرض والمال على سبيل الوجوب والثبات، والتنفيذ والسلوك الإسلامي القويم؛ فجاء بموكدات كثيرة "إن -أبين لكم- فإني لا أدري"، ثم التأكيد بالواقع المحس دليلًا دامغًا، لا يقبل الجدل، في "يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا"، مع التأكيد على التعظيم في اسم الإشارة، التي تكرر تأكيدًا لتعظيم التقرير لهذه التشريعات المحرمة، مثل حرمة هذا اليوم والشهر والبلد الحرام في صورة فنية تقوم على التشريع البليغ، مستمدًا عناصره من الواقع المحس، والمشاهد الحية النافذة إمتاعًا

стр. 144

وتأثيرًا وإقناعًا، فهذا يوم عظيم الحرمة، وشهر عظيم الحرمة، وبلد عظيم الحرمة، وازداد تعظيمًا وتحريمًا وتقديسًا بإضافتها إلى المخاطبين، وهو يخاطبهم ويحرك مشاعرهم في "يومكم وشهركم وبلدكم"؛ ليحث المسلمين على تقديسها والحفاظ عليها، وأداء مناسكها والعمل بها والدفاع عنها، لأنه دفاع وحماية للعقيدة والنفس والحقوق وأوطان الأمة الإسلامية ﷺ . القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف: ١- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي الشريف نذكر ما يلي: ٢- مشروعية خطبة يوم عرفة للحجيج للوعظ والتذكير والتوجيه، وذكر المناسك والشكر لله على مننه الكثيرة، وأعظمها في ذلك اليوم مشهد يوم عرفة. ٣- تهيئة نفوس المسلمين إلى تمام شريعة الإسلام، ونهاية الوحي، والتحاقه بالرفيق، حتى لا تأخذهم المفاجأة بتركهم. ٤- فظاعة سفك دماء المسلمين، والعدوان عليهم وظلمهم، وأكل أموالهم بالباطل. ٥- حرمة يوم عرفة، وأشهر الحج، والبلد الحرام مكة المكرمة، وعظيم علو منزلتها عند الله والثواب الجزيل للعبادة فيها. ٦- إشهاد الناس جميعًا والمشاعر والمناسك ويوم عرفة ومواقيت الحج والبلد الحرام على تبليغهم شريعة الإسلام.

стр. 145

أربع أعجبنني: أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ وقد غزا مع النبي ﷺ ثنتى عشرة غزوة قال: أربع سمعتهن من رسول الله ﷺ فأعجبنني وآنفنني: "ألا تسافر امرأة مسيرة يومين ليس معها زوجها أو ذو محرم، ولا صوم يومين، الفطر والأضحى، ولا صلاة بعد صلاتين، بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد الأقصى". التصوير الأدبي في بلاغة التعبير بأسلوب القصر والتأكيد، للدلالة على عظيم الحظر لها، ولا يصح التجاوز إلى غيرها مطلقًا، وذلك في صورتين بليغتين، الأولى في قوله: "ألا تسافر امرأة مسيرة شهر ليس معها زوجها أو ذو محرم"، فقد اتخذ الحديث الشريف أسلوب القصر والحصر، لا يتجاوز إلى غيره، حين قصر على الزوج وذي المحارم فقط المرافقة للزوجة في سفرها، فلا يتجاوزه إلى الأجانب الذين تحل لهم زواجها، لما في ذلك من خطر شديد على المرأة المسافرة سفرًا بعيدًا يستغرق يومين، حتى لا يخدش شرفها ولا يهدر دمها، لضعفها وقلة حيلتها، لأنها موطن الفتنة والطمع، فكان الإسلام حريصًا عليها في الحفاظ على نفسها وعرضها ومالها، وكذلك أسلوب القصر في السفر إلى المساجد الثلاثة: المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، فقد اقتصر إنشاء السفر والرحلة عليها فقط، فلا يصح تخصيص السفر لغيرها، للدلالة على عظيم حرمتها وسمو منزلتها عند الله، وعظيم الأجر والثواب، فجاء أسلوب القصر والتأكيد في قوله: "ولا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام ومسجدي ومسجد الأقصى". التصوير الأدبي في بلاغة الأسلوب النبوي الشريف، الذي يعتمد على عناصر بلاغته الجميلة، منها تسليط النفي على النكرة وهي صيام، مضافة ليومي الفطر والأضحى، وتخصيصًا للدلالة على تحريم الصوم في عيدي الفطر والأضحى، فقد هيأهما الله تعالى يتمتعون فيهما، وهم
следующие страницы →