← Тараджим

Тараджим · id 23156

المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي

ابن تغري بردي

Полный текст (2 835 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

علاء الدين أيدكين هذا، وأخذ منه بيبرس في جملة ما أخذه منه، وتنقلت الأحوال بهما حتى صار بيبرس سلطاناً، والأمير علاء الدين أيدكين المذكور من جملة أمرائه، وبقي معظماً عند الملك الظاهر بيبرس؛ لحقوق سلفت، ويرعى له ما تقدم، وينعم عليه. وكان أصل أيدكين هذا مملوكاً للأمير جمال الدين موسى بن يغمور، ثم انتقل إلى ملك الصالح نجم الدين أيوب؛ فرقاه وجعله بندقداره، ثم أمره على عجلون، ثم عزله، وأمسكه وصادره - حسبما ذكرناه في أول الترجمة - واستمر أيدكين هذا على حرمته وإمرته، إلى أن مات في شهر ربيع الآخرة سنة أربع وثمانين وستمائة، ودفن بتربته بالشارع الأعظم، تجاه حمام الفارقاني بظاهر القاهرة، وكان له معرفة، ورأي، وتدبير، وسياسة، رحمه الله تعالى.

стр. 1052

العمري، الحاجب أيدكار بن عبد الله العمري، الأمير سيف الدين، أحد أعيان أمراء الملك الظاهر برقوق، ثم ولاه الظاهر حجوبية الحجاب بالديار المصرية، عوضاً عن الأمير ألطنبغا الكوكاي في سادس عشر ربيع الآخرة سنة تسعين وسبعمائة، وكانت متوفرة نحو أربع سنين. واستمر على ذلك إلى أن عينه الملك الظاهر برقوق لقتال الناصري ومنطاش في سنة إحدى وتسعين وسبعمائة مع الأمير أيتمش؛ فتوجه صحبة العساكر إلى البلاد الشامية إلى أن وقع العين في العين، فر أيدكار هذا بعد أن التحم القتال وصار من حزب الناصري ومنطاش، ثم تبعه الأمير أحمد بن يلبغا أمير مجلس، والأمير

стр. 1053

فارش الصرغتمشي، وشاهين الأمير آخور بمن معهم؛ فقوى الناصري بهم بعد أن كان الناصري قد عزم على الفرار، وقاتل المماليك الظاهرية إلى أن انتصر وهجم مملوك أعور يسمى يلبغا الزيني وضرب الأمير جاركس الخليلي وقتله، وأخذ سلبه واستمر الأمير أيدكار المذكور مع الناصري إلى أن ملك الناصري الديار المصرية وصار مدبر المماليك، أنعم على أيدكار هذا بتقدمة ألف بالديار المصرية، واستمر على ذلك إلى أن كانت الوقعة بين الناصري ومنطاش، وقبض على الناصري وحواشيه - كان أيدكار هذا من حزب منطاش - وخلع عليه بحجوبية الحجاب بالديار المصرية على عادته. ثم ضرب الدهر ضرباته، وخرج الظاهر برقوق من الحبس، وملك الديار المصرية ثانياً، قبض على أيدكار هذا في ثالث عشرين ربيع الآخرة سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة، وحبسه إلى أن مات قتيلاً في سنة أربع وتسعين وسبعمائة، وقتل معه جماعة من الأمراء، وهم: قراكسك، وأرسلان اللفاف، وأرغون شاه، رحمهم الله تعالى.

стр. 1054

العزيزي أيدغدي بن عبد الله العزيزي، الأمير جمال الدين. أصله من مماليك الملك العزيز صاحب حلب، وتنقل في الخدم حتى صار من أكابر الأمراء وأعيان الدولة. قال العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود بن سليمان الحلبي في تاريخه: وسمع، وحدث، وكان أميراً كبير القدر، مشهوراً بالشجاعة والكرم، والديانة، والحشمة، ووساعة الصدر، وعلو الهمة، كثير الصدقات والبر والمعروف: للفقراء، والمشايخ، وأرباب الزوايا، وأرباب البيوتات. عليه مرتب في كل سنة - ما يزيد على مائة ألف درهم، وألوف أرادب قمحاً. هذا غير ما يتصدق به، ويطلقه في وسط السنة مما هو على غير حكم الراتب.

стр. 1055

وكان مقتصراً في ملبسه، لا يتعدى لبس ثياب القطن من القماش الهندي والبعلبكي، وغيره مما يباح ولا يكره لبسه. قال الشهاب محمود: قال المولى الشيخ قطب الدين - نفع الله به - وحكى لي بعض الناصرية قال: لما دخلنا الديار المصرية اتفق أن بعض الأكابر من الأمراء عمل سماطاً، وحضر هو بنفسه إلى الأمير جمال الدين ودعاه؛ فوعده بالمضي إليه والحضور عنده. فلما كان عشاء الأخرة مضى ونحن معه وجماعة من مماليكه وخواصه إلى دار ذلك الأمير. فلما دخل وجد جماعة من الأمراء جلوساً في إيوان الدار، وجماعة من الفقراء جلوساً في وسط الدار، فوقف ولم يدخل، وقال لصاحب الدار والأمراء: أخطأتم فيما فعلتم كان ينبغي أن يقعد الفقراء فوق، وأنتم في أرض الدار، ولم يجلس حتى تحول الفقراء إلى مكان الأمراء، والأمراء إلى مكان الفقراء، وقعد هو ونحن بين يدي الأمراء. فلما غنى المغاني، قال أحدهم والدف بيده لينقطوه، وهذه كانت عادة المغاني بالديار المصرية. فلما رآه الأمير جمال الدين انتهزه وقال: ويلك أنت في الخلق، وأشار إلى خزنداره، فوضع في الدف كيساً فيه ألف درهم. فلما رقص الجميع دار بينهم، ورمى على المغني بغلطاقه وهو أبيض قطن بعلبكي

стр. 1056

لا يساوي عشرين درهماً، فرمى سائر مماليكه بغالطيقهم موافقة له، وقيمتها فوق الثلاثة آلاف درهم، ثم دار في النوبة الثانية، ورمى على المغني منديله، وهو أبيض يساوي ثلاثة دراهم، فرمى سائر أصحابه مناديلهم، وفيها ما هو بالذهب وغيره، ولعل قيمتها فوق الألف درهم وخمس مائة درهم. فحسان المغاني حصل لهم منه ومن غلمانه نحو ستة آلاف درهم. قال: ولما عزم العزيزية على قبض الملك المعز، أطلعوا الأمير جمال الدين، فلم يوافقهم ونهاهم عن ذلك، وعرفهم ما يترتب عليهم من المفاسد، وأن ضرر هذا العزم يلحقهم - دون الملك المعز - ولم ير الأمير جمال الدين أن يشي بهم إلى الملك المعز وبلغ المعز ما عزموا عليه، وعلم العزيزية أنه علم. وهو - وهم - في الميدان يلعب بالكرة في العشر الأوسط من شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وستمائة. فهربوا على حمية، وفيهم الأمير شمس الدين البرنلي. وأما الأمير جمال الدين، فلم يهرب؛ لعلمه ببراءة ساحته؛ فساق الأمير المعز إلى قريب من خيمة الأمير جمال الدين؛ فخرج إليه، فأمر بقبضه وسيره إلى الاعتقال مكرماً مرفهاً. وكان ذنبه عنده كونه لم يطلعه على ما عزم عليه

стр. 1057

أصحابه، وأذن لأهل الأمير جمال الدين أن يحملوا إليه الطعام والشراب والملابس وكل ما يحتاج إليه، ثم أظهر موته وأخفى خبره بالكلية. فلما وقع الصلح بين الملك الناصر صلاح الدين يوسف وبين المعز وتوجه الشيخ نجم الدين البادرائي إلى الديار المصرية، طلب من الملك المعز الإفراج عن الأمير جمال الدين، فقال له الملك المعز: ما بقي المولى يراه إلا في عرصات القيمة إشارة إلى أنه قد مات. ولم يكن مات، بل كان في قاعة، وعليه الملبوس الفاخر، والملك المعز يدخل عليه في بعض الأوقات ويلعب معه الشطرنج. واستمر على ذلك إلى أن خرج الملك المظفر سيف الدين قطز لقتال التتار، فأفرج عنه، وأمر بتجهيزه إليه، فلقيه في الطريق وقد خرج من دمشق، فعاد معه، واجتمع معه الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، وأطلعه على شيء مما عزم عليه؛ فأغلظ له في الجواب وصده عن ذلك بكل طريق، وقال له: لو كان للملك المظفر في عنقي يمين لأخبرته بذلك، فإياك إياك أن تقع في ذلك؛ فأظهر الإصغاء إلى قوله، وفعل ما كان عزم عليه.

стр. 1058

فلما استقل بالسلطنة عظم الأمير جمال الدين في عينه، ووثق به، وسكن إليه، وصار عنده في أعلى المراتب، وأعطاه إقطاعاً عظيماً. وكان يرجع إليه، وإلى رأيه ومشورته، لا سيما في الأمور الدينية، وما يتعلق بالقضاة، والعلماء، والمشايخ، وأرباب الحرف، فإنه لم يكن ليعدل عن رأيه. وحضر حصار صفد وباشر ذلك بنفسه، وكان في غزوات الكفار يبذل جهده ويتعرض للشهادة، فجرح عليها، وبقي مدة وألم الجراحة يتزايد، وحمل إلى دمشق، وتوفى ليلة عرفة، سنة أربع وستين وستمائة، ودفن بمقبرة الرباط الناصري، رحمه الله تعالى وعفا عنه. الركني أيدغدي بن عبد الله الركني، الأمير علاء الدين، الأعمى الزاهد، ناظر أوقاف القدس الشريف، وكان ديناً خيراً، أنشأ العمائر، والربط، وله آثار

стр. 1059

جميلة بالقدس والخليل ﵇ والمدينة النبوية - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - وكان من أذكياء العالم. يقال عنه أنه خط حمام بلد الخليل، ورسم الأساس بيده، وذره بالكلس للصائغ، وهو أعمى لا ينظر النور. وكان يحب الخيل ويستولدها، وكان إذا مر به فرس من خيله عرفه، وقال: هذا من خيلي، وله أشياء من هذا كثيرة. واستمر بالقدس إلى أن مات به في سنة ثلاث وتسعين وستمائة، رحمه الله تعالى. ؟ الكبكي أيدغدي بن عبد الله الكبكي، الأمير جمال الدين. أصله من مماليك جمال الدين ابن الداية الحاجب الناصري. وكان قد حضر الوقعة التي كانت بين المعز أيبك التركماني والملك الناصر صاحب دمشق سنة ثمان وأربعين وستمائة، وهو صبي، فاستولى كبك؛ فعرف به، وتنقلت به الأحوال حتى صار من جملة أمراء الديار المصرية، ثم ولاه الملك الظاهر بيبرس نيابة صفد، ثم نقله إلى نيابة حلب، فدام بحلب مدة، ثم

стр. 1060

أمسك وحبس، ثم أطلق، وتوجه إلى القدس الشريف بطالاً، فأقام به إلى أن مات في سنة ثمان وثمانين وستمائة، وسنه نحو ستين سنة، وكان أميراً شجاعاً مقداماً جليلاً مهاباً، معظماً، وله محاسن. وكان يركب ويسوق من أول الميدان إلى آخره وتحت إبهام رجله درهم في الركاب ولا يقع، رحمه الله تعالى. الطباخي أيدغمش بن عبد الله الناصري الطباخي، الأمير علاء الدين. أصله من مماليك سيف الدين بلبان الطباخي، ثم أخذه الملك الناصر محمد بن قلاوون منه وجعله خاصكياً، ثم أميراً. ولما عاد الملك الناصر إلى ملكه من الكرك سنة تسع وسبعمائة رقاه إلى أن جعله أمير آخور، عوضاً عن الأمير بيبرس الحاجب، فاستمر على ذلك إلى أن توفى الملك الناصر، فكان أيدغمش هذا ممن قام

стр. 1061

بأمر الملك المنصور أبي بكر بن الملك الناصر محمد بن قلاوون، إلى أن توهك الأمير قوصون من الملك المنصور، واتفق مع الأمير أيدغمش المذكور على خلعه؛ فوافقه وخلع المنصور بأخيه الناصر، ولولاه لم يتم لقوصون أمر. ودام الأمر إلى أن فر الأمير ألطنبغا نائب الشام من الفخري وسار نحو القاهرة، ووصل إلى مدينة بلبيس، اتفق الأمراء مع أيدغمش على القبض على قوصون وحزبه، فوافقهم على ذلك، وقبض على قوصون وجماعته، وجهزوا إلى الإسكندرية. وكان أيدغمش في هذه المرة هو المشار إليه، ثم جهز ولده ومعه جماعة من أكابر الأمراء المشايخ إلى الملك الناصر أحمد بن الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى الكرك؛ ليحضروه حتى يجلس على كرسي الملك، فلم يوافق الناصر على الحضور، وعاد ابن أيدغمش، فلم يكن بعد أيام يسيرة إلا وبلغ الناصر حركة الفخري، فتوجه إلى دمشق ثم سار إلى ديار مصر وحده بأناس قلائل، فلم يشعروا بالناصر إلا وهو في القلعة، وجاءت بعده الجيوش الشامية، وجلس على كرسي الملك وتم أمره، وولى أيدغمش هذا نيابة حلب؛ فخرج إليها. فلما كان على عين جالوت جاءه كتاب السلطان بالقبض على الفخري،

стр. 1062

وكان الفخري في رمل مصر. فلما أحس بالقبض عليه، هرب في جماعة من مماليكه وجاء إلى أيدغمش مستجيراً به، فقبض عليه، وجهزه مع ولده أمير علي إلى السلطان. ثم إن أيدغمش توجه إلى حلب، وأقام بها إلى أن تولى الملك الصالح إسماعيل السلطنة، نقله إلى نيابة دمشق، وكان مسفره الأمير ملكتمر السرجواني. وكان دخول أيدغمش إلى دمشق في يوم الخميس بكرة عشرين صفر سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، وأقام بها نائباً إلى يوم الثلاثاء ثالث جمادى الآخرة من السنة، فركب بكرة وخرج إلى ظاهر دمشق، وأطعم طيور الصيد، وعاد إلى دار السعادة وقرئت عليه قصص يسيرة، ثم أكل السماط، ثم عرض طلبه والمضافين إليه، وقدم جماعة وأخر جماعة، ثم دخل إليه ديوانه، وقرأ عليه مخازيم وحساب ومصروف ديوانه، ثم قال أيدغمش: هؤلاء الذين تزوجوا من

стр. 1063

مماليكي، أقطعوا مرتبهم، ثم أكل الطاري، وقعد هو وابن جماز يتحادثان، فسمع حس جماعة من جواريه يتخاصمن، فقام وأخذ عصاة، ودخل إليهن، وضرب واحدة منهن ضربتين، وسقط ميتاً لم يتنفس، فتحير الناس في أمره، فأمهلوه إلى بكرة يوم الأربعاء رابع جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، وأخذوا في غسله ودفنه في اليوم المذكور. ودفن في خارج ميدان الحصا في تربة عمرت له هناك، فكان مدة نيابته في حلب ودمشق نحو نصف سنة. وكان أميراً جليلاً، مهاباً، شجاعاً، مقداماً، كريماً. قيل إنه كان قل من دخل عليه للسلام ولا خلع عليه. وكان مكيناً عند أستاذه الملك الناصر محمد بن قلاوون، وكان الناصر أنعم على أولاده الثلاثة بإمرة، وهم: أمير حاج وأمير أحمد، وأمير علي. وكان يميل إلى فعل الخير والبر، وله آثار حميدة، وهو صاحب الحمام والخوخة خارج بابي زويلة، رحمه الله تعالى.

стр. 1064

العلائي أيدمر بن عبد الله العلائي الصالحي، الأمير عز الدين، أخو أيدكين الصالحي. كان خصيصاً عند الظاهر بيبرس، وكان الظاهر يتحقق منه الأمانة والديانة، مما رأى منه قبل سلطنته، فإنهم كانوا لما خرجوا من الديار المصرية يأكلون بقائم سيفهم في البلاد الشامية، وكانوا إذا جاءوا إلى زرع أطلقوا خيلهم، فكان العلائي هذا يمسك فرسه بيده، ولم يطعمه إلا مما يشتريه بماله من فلاحين تلك الأرض. فلما تسلطن الظاهر بيبرس قربه وأمره. ولما ملك الظاهر صفد ولاه نيابتها، وهو أول من استناب بها من المسلمين تقريباً. حكى أن بعض البحرية بصفد طفئ الطوافة من يده، فوقعت في مكان فيه قشر أرز فاحترق، وكان هناك حواصل المنجنيقات، فاحترقت، فطالع العلائي الملك الظاهر بذلك، وقال في آخر المطالعة: وقد بذل المذكور لبيت المال ألف دينار، فجاء الجواب من الملك الظاهر أن: يشنق الرجل،

стр. 1065

وما لمنا حاجة بالذهب، فأعاد الجواب: بأنه قد دفع في نفسه ألفي دينار. كل هذا وذلك البحري لم يعلم بشيء من ذلك، وإنما العلائي يبذل ذلك من ماله، ولا يدخل في شنق رجل مسلم، فجاء الجواب ثانياً: بالشنق بلا معاودة، وإلا بعثنا بشنقك وبشنقه. فقال الأمير أيدمر العلائي المذكور: يا مسلمين، رجل مسلم تحترق خشبة من غير علمه، أشنقه؟ والله هذا لا أفعله، ومهما أراد السلطان يفعل؛ فخاف أهل صفد من الملك الظاهر: فقال والي القلعة: أنا أشنقه. فأخذوه وشنقوه، فحزن عليه العلائي، فكان هذا شأنه في أحوال الرعية. ولم يزل العلائي هذا معظماً مبجلاً عند الملك الظاهر، إلى أن توفى سنة ست وسبعين وستمائة، ﵀. الحلي الحلبي النجمي أيدمر بن عبد الله الحلي الحلبي النجمي، الأمير عز الدين.

стр. 1066

كان أيضاً خصيصاً عند الملك الظاهر بيبرس، وكان يستنيبه عند توجهه إلى البلاد الشامية؛ لوثوقه به واعتمداه عليه. وكان من أكبر أمراء الدولة وأعظمهم محلاً عند الظاهر وكان محظوظاً من الدنيا، وله ثروة كبيرة. ولما مات خلف من الأموال والأملاك والخيل والجمال والعدد ما يستحيا من ذكره، ومع ذلك كان قليل الخبرة بالأمور، لكنه رزق السعادة. توفى بقلعة دمشق سنة سبع وستين وستمائة، رحمه الله تعالى. الخطائي أيدمر بن عبد الله من صديق، الأمير سيف الدين، المعروف بالخطائي،

стр. 1067

أحد أمراء الطبلخاناه بالديار المصرية، ورأس نوبة. وهو ممن كان انضم مع الأمير بركة، ووافقه على الركوب على الأتابك برقوق. ولما انهزم بركة، وأمسك وحبس، أمسك أيدمر هذا معه، وحبس مدة إلى أن أفرج عنه الأتابك برقوق، وجعله على عادته أمير طبلخاناه، فاستمر على ذلك إلى أن توجه مجرداً إلى ثغر الإسكندرية، فمات بها في سنة خمس وثمانين وسبعمائة، وخلف موجوداً كبيراً؛ فاحتاط على الجميع ناظر الخواص. المحيوي أيدمر بن عبد الله المحيوي، فخر الترك، الأديب الشاعر عز الدين، عتيق محيي الدين أبي المظفر محمد بن محمد بن سعد، الأديب الشاعر بن ندى، وهو خجداش أيبك المحيوي، صاحب الخط المنسوب. قال ابن سعيد المغربي في كتاب المشرق في أخبار المشرق، قال: بأي

стр. 1068

لفظ أصفه - يعني أيدمر المحيوي هذا - ولو حشدت جيوش البلاغة لفضله لم أكن أنصفه. نشأ في الدولة السعيدية؛ فنمت أزاهره، وطلع في روض الندائية فتمت زواهره، جمعت لأقرانه أعلام الفنون، حتى خرج آيةً في كل فن، وبرع في المنثور والموزون، مع الطبع الفاضل الذي عضده، وبلغه من رئاسة هذا الشأن ما قصده، قبل أن أرتقي إلى السماء المحيوية. كثيراً ما أسمع الثناء في هذه الطريقة عليه، فيهوى السمع والعين والقلب إليه، لا سيما حين سمعت قوله الذي أتى فيه بالأغراب وترك مهياراً معلقاً منه بالأهداب، بالله إن جزت الغوير فلا تغر، بالميل منك معاطف الأغصان، واستر شقائق وجنتيك هناك لا، ينشق قلب شقائق النعمان انتهى كلام ابن سعيد المغربي باختصار.

стр. 1069

ومن نظمه قوله: رعى الله ليلاً ما تبدى عشاؤه ... لأعيننا حتى تطلع صبحه كأن تغشيه لنا وانفراجه ... لقربهما إطباق جفنٍ وفتحه وله - وقد ركب مولاه في البحر؛ فانخرق به المركب، فقال: غضب البحر من حجاب منيع ... حائل بينه وبين أخي مزقته حمية الشوق حتى ... خرق الحجب عله يلتقيه وله موشحة يعارض بها موشحة ابن زهر الطبيب: عهد البين لعيني البكا ... ثم أوصاها بأن لا تهجعي وسقى قلبي من خمرته فهو لا يعقل من سكرته فمتى ينقذ من غمرته

стр. 1070

في سبيل الحب قلبي هلكا ... شيع الركب ولما يرجع قال لي العادل لما نظرا من غدا قلبي به مهتشرا ألذا تعشق ماذا بشرا حاش لله أراه ملكا ... مثل ذا فاعشق وإلا فدع هو عطف الغصن من قامته مطلعاً للشمس من طلعته ثم نادى البدر في ليلته أيها البدر تغيب ويحكا ... ما احتياج الناس للبدر معي أنا علمت القضيب الميدا واستعار الظبي مني الجيدا وكذا ذا القرم من آل الندى أبصر البحر نداه فحكى ... فهو إن ظن سوى ذا مدعي

стр. 1071

من جمع الفضل يحيا عنده ليس للدين يمحي وحده قال للتالي عليه حمده لي حسن الذكر والمال لكا ... فاقترح تعط وقل يستمع آخذ بالحزم لا يتركه في سوى الجود بما يملكه لا ترى في الجود من يشركه وهو في المال كثير الشركا ... ومن الحمد كثير الشيع الشيخي أيدمر بن عبد الله الشيخي، الأمير عز الدين. كان من جملة أمراء الديار المصرية في دولة الملك الناصر حسن، ثم ولى

стр. 1072

نيابة حماة، فدام بها إلى أن صرف عنها وتوجه إلى حلب بطالاً، ثم أنعم عليه بتقدمة ألف بها؛ فدام على ذلك إلى أن مات في سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة. وكان فاضلاً مشكور السيرة، ﵀. الشمسي أيدمر بن عبد الله الشمسي، الأمير سيف الدين. أحد أعيان الأمراء الأكابر بديار مصر، وكان جليل القدر في الدول، عديم الشر، وكان يجلس في الخدمة السلطانية فوق الأتابك برقوق إلى أن توفى قبل سلطنة برقوق بمدة يسيرة. ولما حضر الأمير آنص والد الملك الظاهر برقوق من بلاد الجاركس، - قبل سلطنة ولده، وخرج الأتابك برقوق إلى لقائه بالعكرشة وصحبته جميع الأمراء

стр. 1073

والعساكر المصرية. فلما التقيا قبل برقوق يد والده آنص، وأجلسه في صدر المخيم، وجلس عن يمينه الأمير أيدمر الشمسي هذا، وجلس تحته برقوق، وجلس عن شماله الأمير آقتمر عبد الغني، ثم عاد الجميع إلى القاهرة. ولم يزل أيدمر المذكور معظماً في الدولة إلى أن توفى بالطاعون في ثالث عشر صفر سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة، وخلا الجو لبرقوق، فتسلطن في سنة أربع وثمانين وسبعمائة - على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى -. الدوادار أيدمر بن عبد الله الأنوكي الدوادار، الأمير عز الدين. أصله من مماليك سيدي آنوك بن الملك الناصر محمد بن قلاوون، وتنقل في الخدم من بعده إلى أن صار خصيصاً مقرباً عند الملك الناصر حسن، ولم يزل حظياً عنده حتى جعله دواداراً. ولم يكن في آخر أيام للناصر حسن أحصى من أربعة أمراء: يلبغا الخاصكي، وطيبغا الطويل، وتمان تمر العمري، وأيدمر

стр. 1074

هذا إلى أن ركب يلبغا على أستاذه الناصر حسن. كان أيدمر المذكور من حزب السلطان، فلما قبض يلبغا على السلطان نفى أيدمر إلى الشام، ثم ولاه نيابة البيرة، ثم صار من جملة أمراء الألوف بالقاهرة، ثم ولى نيابة طرابلس، ثم نقل إلى نيابة حلب عوضاً عن الأمير أشقتمر المارديني في سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، ثم عزل، وعاد إلى الديار المصرية، وصار أتابك العساكر بها بعد موت الأمير ألجاي اليوسفي. ولما ولى الأتابكية عظمت حرمته في الدولة، وهو مع ذلك لا يزداد إلا تواضعاً وحلماً، وكان حسن السياسة في أموره، ويبدأ الناس بالسلام، ويكثر من ذلك؛ حتى لقبوه أهل حلب: سلام عليكم، واستمر على ما هو عليه حتى توفي بالقاهرة في سنة ست وسبعين وسبعمائة، عن بضع وسبعين سنة، وكان مشكوراً، محبباً للناس. السناني أيدمر بن عبد الله السناني، الشيخ عز الدين. كان جندياً من أهل الفضل، وله معرفة بتعبير الرؤيا، وكان له نظم ونثر، ومن شعره:

стр. 1075

بعلبك دار ولكنها ... دار بلا أهلٍ وجيران كأنها ليلة وصلٍ مضت ... وأهلها ليلة هجران الخطيري كان أصله مملوكاً للخطير الرومي، ثم انتقل إلى الملك المنصور قلاوون، وصار خصيصاً عنده، ثم ترقى في الدولة الناصرية محمد بن قلاوون حتى صار من أكابر الأمراء. وكان سكنه بدار له في رحبة باب العيد، ينزل إليها في النهار، ثم يطلع إلى

стр. 1076

القلعة، ولا يمكن من المبيت بالقاهرة. وكان الملك الناصر حبسه في أول سلطنته؛ فسعى له مملوكه بيليك مع طغاي الكبير حتى أخرجه السلطان وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف، وزيادة عشرين. وعظم عند الناصر، وصار يجلس رأس الميسرة. وكان لا يلبس قباءً مطرزاً، ولا يدع عنده أحداً يلبس ذلك. وكان أحمر الوجه منور الشيبة كريماً جداً، واسع النفس على الطعام. حكى أن أستاداره قال له يوماً: يا خوند هذا السكر الذي يعمل في الطعام ما يضر إن نعمله غير مكرر؟ فقال: لا؛ فإنه يبقى في نفسي أنه غير مكرر، فلا تطيب. توفى بالقاهرة في أوائل شهر رجب سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. وخلف ولدين أميرين: أمير علي، وأمير محمد. وهو من الأمراء المشهورين بالشجاعة

стр. 1077

والكرم، والدين، والخير، وهو الذي عمر الجامع الذي في رملة بولاق على شاطئ النيل، وإلى جانبه الربع المشهور، وغرم عليه جملة مستكثرة، فلما تم أكله البحر، ورماه في حياته؛ فأعاده وأصلحه ثانياً بجملة كبيرة. تقبل الله منه ورحمه وعفا عنه. الزراق أيدمر بن عبد الله الناصري، الأمير عز الدين، المعروف بالزراق. كان ممن أنشأهم الملك الناصر محمد بن قلاوون، وجعله أميراً. ولما تسلطن الملك الصالح إسماعيل بن الملك الناصر محمد بن قلاوون، استقر به في نيابة غزة في

стр. 1078

سنة خمس وأربعين وسبعمائة، فدام بغزة إلى أن استعفى منها بعد موت الملك الصالح، وعاد إلى ديار مصر، فدام بها إلى أن خرج على الملك المظفر حاجي هو والأمير آق سنقر أمير جندار والأمير أيدمر الشمسي؛ فنقم الأمراء ذلك عليهم، وأخرجوهم إلى الشام في أواخر شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، ثم رسم له بالتوجه إلى حلب في شوال؛ فخرج من دمشق إلى حلب، وأقام بها بطالاً، ثم أنعم عليه بإقطاع أسندمر الحسني. الظاهري أيدمر بن عبد الله الظاهري، الأمير سيف الدين التركي. كان من عتقاء الملك الظاهر بيبرس، وأحد أكابر أمرائه. ولى نيابة الشام لأستاذه الملك الظاهر، ولما تسلطن قلاوون حبسه مدة كبيرة حتى أطلقه ولده الأشرف خليل، وأقام بطالاً، وسكن برباط له بالجسر

стр. 1079

الأبيض بدمشق إلى أن مات في شهر ربيع الأول سنة سبعمائة، وكان أميراً مبجلاً، ذا حرمة ومهابة، وله مآثر وخيرات. رحمه الله تعالى وعفا عنه. الخازندار أيدمر بن عبد الله الناصري الخازندار، الأمير سيف الدين. أحد أمراء الألوف بالديار المصرية. كان خصيصاً عند أستاذه الملك الناصر محمد بن قلاوون، ولم يزل على ذلك إلى أن توجه إلى الحج في سنة ثلاثين وسبعمائة، فقتل بمكة في يوم الجمعة رابع عشر ذي الحجة من السنة. قال النويري: قتله أمير مكة محمد بن عقبة بن إدريس بن قتادة الحسني.

стр. 1080

قال: وسبب ذلك أن بعض عبيد مكة عبثوا على بعض حجاج العراق، وتخطفوا أموالهم، فاستصرخ الناس به، وكان قد تأخر عن الحاج مع أمير الركب لصلاة الجمعة بمكة، فنهض والخطيب على المنبر، فمنعهم من الفساد ومعه ولده، فتقدم الولد؛ فضرب بعض العبيد؛ فضربه العبد بحربة فقتله فلما رأى أبوه ذلك اشتد حنقه وحمل ليأخذ بثأر ابنه، فرمى الآخر بحربة؛ فمات. انتهى كلام النويري باختصار. قال البرزالي: قال العفيف المطري في تاريخه: لما كان يوم الجمعة عند طلوع الخطيب على المنبر حصلت هوسة، ودخل الخيل المسجد الحرام وفيهم جماعة من بني حسن ملبسين، وتفرق الناس، وركب بعضهم بعضاً: ونهبت الأسواق، وقتل خلق من الحجاج وغيرهم، وصلينا نحن الجمعة والسيوف تعمل، وخرج الناس، واستشهد: الأمير أيدمر الخازندار وابنه خليل، ومملوك لهم، وأمير عشرة يعرف بابن التاجي، وجماعة نسوة، وغيرهم من الرجال، وسلمنا من القتل. كان الخيل في إثرنا يضربون يميناً وشمالاً، وما وصلنا إلى المنزلة وفي العين قطرة. ودخل الأمراء بعد الهزيمة إلى مكة؛ لطلب بعض الثأر، وخرجوا

стр. 1081

فارين مرة أخرى، ثم أمر أمير المصريين بالرحيل، وعادوا إلى القاهرة وأخبروا الملك الناصر محمد بن قلاوون بذلك؛ فجهز إلى مكة عسكراً وعليهم عدة من الأمراء، فأخذوا بثأر أيدمر المذكور، وقتلوا جماعة كثيرة من العبيد وغيرهم، وقالوا: تلك الوقعة كانت بغتة، وإنما الرجل من يبارز. ومن حينئذ حكمت الأتراك مكة، وانقمع أهلها إلى يومنا هذا. أيرنجي أيرنجي خال القان خربندا بن القان بو سعيد صاحب الدشت. كان أيرنجي المذكور مناصحاً لابن أخته، وكان شخص من أمراء القان بوسعيد يسمى جوبان قد استولى على المملكة، وصار خربندا يتضجر من جوبان؛ فشكا خربندا لأمرائه أيرنجي هذا وقرمش ودقماق، فقالوا: له إن شئت قتلناه. واتفقوا على قتله، وذلك في جمادى الأولى سنة تسع عشرة وسبعمائة، ثم وافقهم أخو دقماق الأمير محمد، ويوسف بكتا، ويعقوب المسخرة؛

стр. 1082

فهيأ قرمش دعوة، ودعا جوبان المذكور مكيدة عليه، بأمر القان. فلما توجه جوبان إلى الدعوة نور له شخص بما هو القصد، فتحفظ لنفسه وركب، ووقع القتال بينهم، واستفحل أمر الجوبان، وتراجع له جيشه، ووفد على القان وخضع له، فقال له القان خربندا: أنا مالي علم بما وقع. ثم صار مع جوبان على أيرنجي ووافقه، وأنكر أنه ما أمرهم بقتله، ثم ركب القان مع جوبان وقاتل أيرنجي ورفقته حتى ظفر به وأمسكه. فلما أمسك أيرنجي قال لخربندا: يا خوند، أنت الذي قلت لنا اقتلوا جوبان؛ فأنكر، فحاققه أيرنجي، فغضب خبنجا وضربه بسيخ في فمه، فتلف من وقته، ثم قتل رفقته قرمش ودقماق. كل ذلك في السنة المذكورة. وأيرنجي بفتح الألف - وسكون الياء آخر الحروف، وفتح الراء المهملة، وسكون النون، وجيم وياء - ومعناه: صاحب الأيران، الذي يخرج من اللبن. سم الموت أيغان بن عبد الله الركني، المعروف بسم الموت، الأمير عز الدين.

стр. 1083

أصله من مماليك ركن الدين بيبرس الذي كسر الفرنج بغزة، ثم اتصل إيغان هذا بخدمة الملك الظاهر بيبرس، وتقدم عنده، وصار له الكلمة النافذة والحرمة الزائدة، ودام على ذلك مدة طويلة إلى أن بلغ الملك الظاهر عنه ما أوغر خاطره عليه؛ فأمسكه وحبسه في الجب بالقلعة إلى أن مات في سنة خمس وسبعين وستمائة. وكان أحد الموصوفين بالشجاعة والكرم مع شدة البأس، وكان يحب أن لا ترد كلمته البتة، ﵀. صاحب ماردين آيل غازي، الملك السعيد نجم الدين، صاحب ماردين، وابن صاحبها أبي الفتح أرتق بن آيل غازي بن ألبي بن تمرتاش بن آيل غازي ابن أرتق. كان حازماً، بطلاً، شجاعاً، ممدحاً، ملك ديار بكر مدة إلى أن قدم عليه هولاكو

стр. 1084

ووقع بينهما وقعة يطول الشرح في ذكرها، وآخر الأمر أن هولاكو استولى على ديار بكر، وحاصر ماردين من جمادى سنة ثمان وخمسين إلى أن دخلت سنة تسع وخمسين وستمائة، فتوفى الملك السعيد هذا في سادس عشر صفر، وقيل في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين وستمائة بالطاعون، ﵀. حفيد المتقدم ذكره آيل غازي، الملك السعيد، نجم الدين بن الملك المظفر قرا أرسلان بن الملك السعيد آيل غازي، حفيد المذكور أعلاه. تولى السلطنة بعد موت أبيه، وحمدت سيرته إلى أن توفى سنة خمس وتسعين وستمائة، وتملك بعده ماردين أخوه المنصور نجم الدين غازي. رحمه الله تعالى. اليوسفي الأتابك إينال بن عبد الله اليوسفي اليلبغاوي، الأمير سيف الدين، أتابك العساكر.

стр. 1085

أصله من مماليك يلبغا العمري الخاصكي، وترقى بعد موت أستاذه إلى أن صار من جملة أمراء الديار المصرية في دولة الملك المنصور علي بن الأشرف شعبان، وصار له شهامة في الدولة، وطمع أن يستبد بتدبير مملكة الملل المنصور وحده، فصبر إلى أن سافر الأمير بركة إلى البحيرة، ونزل الأمير برقوق من السلسلة؛ ليسير إلى جهة قبة النصر، ركب من وقته بمن معه بآلة الحرب، وملك باب السلسلة - مكان برقوق - وبلغ برقوق الخبر؛ فعاد وحصل بينهما وقعة هائلة انتصر فيها برقوق، وقبض على إينال المذكور وقرر، فاعترف بأنه لم يركب إلا كرهاً في الأمير بركة لا غير. وفي هذا المعنى يقول الأديب شهاب الدين بن العطار: ما بال إينالٍ أتى ... في مثل هذي الحركه

стр. 1086

مع علمه بأنها ... خالية من بركه وقال غيره وأجاد: بغى إينال واعتقد الأماني ... تساعده فما نال المؤمل ومد لأخذ برقوقٍ يديه ... ولم يعلم بأن الخوخ أسفل وكانت هذه الوقعة في يوم الاثنين رابع عشرين شعبان سنة إحدى وثمانين وسبعمائة. ثم حبس إينال المذكور بثغر الإسكندرية مدة إلى أن أفرج عنه برقوق، وولاه نيابة طرابلس، ثم نقله بعد مدة إلى نيابة حلب، عوضاً عن منكلي بغا الشمسي، كل ذلك في مدة يسيرة. ولما كان نائب حلب ورد عليه مرسوم الملك الصالح حاجي، ومرسوم الأتابك برقوق العثماني على يد يونس النوروزي الدوادار، يتضمن توجه العساكر الحلبية والشامية إلى الأمير خليل بن دلغادر؛ فامتثل بالسمع والطاعة، وتربص حتى قدمت عليه العساكر الشامية وهم: الأمير أشتقمر المارديني نائب دمشق،

стр. 1087

والأمير أسنبغا اليلبغاوي نائب طرابلس، والأمير طشتمر القاسمي نائب حماة، والأمير طشتمر العلائي نائب صفد، والجميع بعساكرهم، وذلك في سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة؛ فتوجه الجميع إلى مرعش وواقعوا من بها، وأجلوهم عن ديارهم، ونهبوا أموالهم، وأقصوهم عن الممالك الإسلامية، ثم أخذوا في إصلاح الطرق والمسالك، وانتهى بهم السفر إلى مدينة ملطية، ونزلوا على الفرات. كل ذلك وبنو دلغادر يكاتبون الأمير إينال ويسألونه الدخول تحت الطاعة، وهو لا يسمع ذلك، ثم قدم عليهم المرسوم الشريف بعودهم، فعاد الجميع إلى محل كفالتهم، وأقام الأمير إينال في نيابة حلب إلى أن تسلطن الملك الظاهر برقوق، أو قبل سلطنته بقليل، عزل عن نيابة حلب بالأمير يلبغا الناصري، صاحب الوقعة - رفيق منطاش - ورسم له بالتوجه إلى دمشق أتابكاً بها؛ فتوجه إلى دمشق، ودام بها إلى أن خرج الأمير يلبغا الناصري نائب حلب على الملك الظاهر برقوق أرسل إليه الملك الظاهر تشريفاً بنيابة حلب ثانياً، فأظهر إينال المذكور السمع والطاعة، وفي الباطن بخلاف ذلك، ثم إنه أظهر

стр. 1088

العصيان، وانضم إلى الناصري، وجرت أمور ووقائع إلى أن تولى نيابة صفد في سلطنة برقوق الثانية في سنة اثنتين وتسعين، وتصافا هو والظاهر برقوق، ثم طلب إلى القاهرة، واستقر أتابك العساكر بها، وعظم عند الظاهر برقوق في هذه النوبة محله وضخم، وصار له كلمة في الدولة. وكان شرس الخلق وعنده بادرة وحدة. قيل إن الأمير كمشبغا الحموي نائب حلب، لما أراد القدوم إلى الديار المصرية تحير برقوق أين يجلس كمشبغا؟ ؛ فإنه كان أكبر مماليك يلبغا، وممن تأمر في أيام أستاذه يلبغا، فكلم الظاهر إينال المذكور في أمر كمشبغا بأن قال: الأمير كمشبغا قادم علينا من حلب، وهو أغتنا كلنا، وأقدمنا، وأنت أتابك العساكر، نريد أن تجلس أنت في الميسرة وتكون أتابك - يعني بالعربي أب أمير - ويكون كمشبغا أمير كبير ويجلس في الميمنة. فأجاب إينال بحدة: إن رسم السلطان، أكون أتابك - يعني أب أمير - فلما سمع برقوق منه ذلك قال: لا، وإنما يستمر كل أحد على وظيفته. ونزل الأمير إينال إلى داره، ومرض، ولزم الفراش إلى أن مات في رابع جمادى الآخرة سنة أربع وتسعين وسبعمائة، واتهم بأنه سم، والله أعلم.

стр. 1089

وكان أميراً جليلاً، شجاعاً، مقداماً، ذا شكالة حسنة وكرم وحشمة. أنشأ مدرسته بالشارع خارج بابي زويلة، كملت عمارتها بعد وفاته، وأظنه دفن بها. وإينال معناه باللغة التركية: شعاع القمر؛ فإن إي هو القمر، ونال الشعاع، وصوابه في الكتابة: إي نال، لكن اصطلاح ما يكتب الآن عند من لا يعرف اللغة التركية أن يكتبه موصولاً، والله أعلم. الصصلاني إينال بن عبد الله الصصلاني الظاهري، الأمير سيف الدين.

стр. 1090

أصله من مماليك الملك الظاهر برقوق ومن جملة خواصه، وتنقل في الدولة الناصرية فرج ابن أستاذه إلى أن صار أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية، ثم حاجب الحجاب بها، ثم استقر به الملك المؤيد شيخ في نيابة حلب، بعد قتل الأمير نوروز الحافظي نائب الشام، فدخلها في ربيع الآخر سنة سبعة عشر وثمانمائة، واستمر بها إلى سنة ثمانية عشر وثمانمائة، خرج عن الطاعة، ووافق الأمير قاني باي المحمدي نائب الشام على العصيان، ثم انضم عليهم جماعة من النواب بالبلاد الشامية مثل: الأمير سودون من عبد الرحمن نائب طرابلس، والأمير تنبك البجاسي نائب حماة، والأمير طرباي نائب غزة. وتجرد لقتالهم الملك المؤيد وحاربهم - وسنذكر ذلك كله في ترجمة الأمير قاني باي المحمدي إن شاء الله تعالى - ثم إن المؤيد ظفر به وبابنه في الوقعة، ثم ظفر بالأمير قاني باي المحمدي، وفر الباقون إلى قرا يوسف صاحب بغداد، ثم أمر المؤيد
следующие страницы →