← Тараджим

Тараджим · id 23156

المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي

ابن تغري بردي

Полный текст (2 835 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

اشتغل وتفقه، ثم قرأ القراءات على السخاوي وغيره. وسمع الحديث، وأكثر عن الضياء المقدسي، وحدث، وأقرأ، وأضر بآخره. وكتب الأجزاء، وأجزاؤه موقوفة بالأشرفية، وكتابته معروفة. وكان صوفياً، وكتب من تصانيفه ابن عربي كثيراً، ومات سنة خمس وستين وستمائة، رحمه الله تعالى. أيوب بن المظفر أيوب بن سليمان بن مظفر، الشيخ المعمر المقرئ نجم الدين، كبير المؤذنين. كان له صوت جهوري طيب إلى الغاية، واستمر على ذلك زمناً طويلاً، وعاش تسعاً وثمانين سنة، وتوفى سنة تسع وسبعمائة، رحمه الله تعالى.

стр. 1122

ابن الفقاعي أيوب بن عمر بن علي بن مقلد الحمامي الدمشقي، المعروف بابن الفقاعي. روى تاريخ داريا عن الخشوعي، وروى عنه الحافظ الدمياطي، وابن الخباز وغيرهما. توفى سنة ست وستين وستمائة. الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل أبي المعالي محمد - رحمهما الله تعالى - أيوب، الملك الصالح نجم الدين بن السلطان الملك الكامل محمد بن السلطان

стр. 1123

الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب، سلطان الديار المصرية، وآخر سلطان بني أيوب بمصر القائم بدولة الأتراك. ولد سنة ثلاث وستمائة بالقاهرة. ليس لذكره محل في تاريخنا؛ لأن وفاته في سنة سبع وأربعين وستمائة، ومبدأ تاريخنا هذا من سنة خمسين وستمائة، من أوائل دولة مملوكه المعز أيبك التركماني إلى يومنا هذا. وفي هذا المعنى يقول بعض الشعراء: الصالح المرتضى أيوب أكثر من ... ترك بدولته يا شر مجلوب لا، وآخذ الله أيوباً بفعلته ... فالناس كلهم في ضر أيوب أبو الشكر المقدسي أيوب بن نعمة بن محمد بن نعمة بن أحمد بن جعفر، الشيخ المعمر المسند زين الدين أبو الشكر المقدسي، ثم الدمشقي، الحكيم الكحال.

стр. 1124

ولد سنة أربعين وستمائة. اشتغل على طاهر الكحال وبه تخرج، وبرع في الصنعة، وتميز وتكسب بها. وكان أجروداً له شعرات يسيرة في حنكه، وسمع من المشرف المرسي، والرشيد العراقي، وعثمان ابن خطيب القرافة، وعبد الله ابن الخشوعي، وجماعة. وتفرد، وروى الكثير بمصر ودمشق. أقام بالقاهرة مدة طويلة، ثم عاد إلى دمشق وقد شاخ، فأقام بها مدة يسيرة. وتوفى سنة ثلاثين وسبعمائة عن تسعين سنة، رحمه الله تعالى.

стр. 1125

حرف الباء باب الباء الموحدة ثانية الحروف رضي الدين المغلي البابا بن عبد الله، الأمير رضي الدين، المغلي الأصل التركي، والد الأمير بدر الدين جنكلي بن البابا. كان من كبار أمراء المغل، وتولى الموصل، وحسنت سيرته، وساس الناس أحسن سياسة إلى أن قتل شهيداً سنة تسع وسبعين وستمائة. قال الشيخ صلاح الدين: أظنه والد الأمير بدر الدين جنكلي، والله أعلم. قلت: وهو غير البابا التركماني الذي ظهر بالروم وادعى النبوة، وقتل لأجل ذلك في سنة ثمان وثلاثين وستمائة. بادار بادار الشيخ المعتقد العالم العابد شهاب الدين أبو العباس، واسمه الأصلي أحمد، لكن المشهور بادار.

стр. 1126

قدم إلى الديار المصرية، وسكنها بعفة عما في أيدي الناس، وتردد إليه الناس للتبرك والزيارة. وكان ينسب إلى معرفة علم الحرف. وكان عارفاً بالتصوف كما ينبغي، وله فيه طرائق وتلامذة، وكف بصره بآخره. توفى بالقدس في سنة ثمانين وسبعمائة عن نيف وسبعين سنة. قال المقريزي: كان في ابتداء أمره طباخاً، ثم انقطع وتسلك؛ فظهرت له أحوال، وأبدى مقالات في العرفان. وقفت له على شرح أبيات لابن عربي على طريقة الصوفية دل على تمكنه في المعارف الإلهية، أملاه بعد عماه، مع أنه أمي لا يكتب ولا يقرأ. أخبرني الثقة مقبل السامي عنه بذلك، وأنه قال: ليس هذا عن كشف، وإنما هو شيء استفدته من كلام ابن عربي. وعندي أنه ورى بذلك؛ ليهضم عن نفسه. وكان قد صحب الشريف حيدر بعد ما جهد في طلبه؛ ففتح له على يديه، ثم قال: وهو أحد الأفراد الذين أدركتهم. انتهى كلا المقريزي، ﵀.

стр. 1127

باك نائب قلعة حلب باك بن عبد الله، الأمير سيف الدين، نائب قلعة حلب. هو من جملة مماليك الملك الظاهر ططر، وممن أنشأه بعد سلطنته، وولاه نيابة قلعة حلب، فدام بها دهراً. وقدم القاهرة في الدولة الأشرفية برسباي غير مرة، واستمر في نيابة قلعة حلب إلى أن توفى بها بعد سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة تخميناً، وتولى مكانه الأمير حطط. وباك - باء موحدة من تحت مفتوحة وبها ألف وكاف ساكنة - ومعناه أمير - انتهى. باي سنقر بن شاه رخ باي سنقر بن القان معين الدين شاه رخ بن تيمور كور كان، صاحب مملكة كرمان وما والاها من قبل والده شاه رخ.

стр. 1128

وباي سنقر هذا هو ولي عهد أبيه من بعده، وأمه كهرشاه خاتون زوجة ساه رخ، وهي صاحبة العقد والحل في مماليك شاه رخ، وهي والدة غالب أولاده، لكن كان ميلها لباي سنقر هذا أكثر من جميع أولادها حتى من ألوغ بك أكبر أولادها صاحب سمرقند. واستمر باي سنقر في مملكة كرمان إلى أن توفى في العشر الأول من ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة، وعظم مصابه على والديه - لا سيما والده -. ومستراح منه، فإنه كان ذا قوة، وجبروت، وبطش، وجرأة، مع شجاعة، وإقدام، وظلم. وهؤلاء أولاد باي سنقر المذكور الذين ملكوا بعد موت جدهم شاه رخ غالب ممالك العجم وهم: علاء الدولة - الذي سلطنته جدته كهرشاه بعد موت زوجها شاه رخ، وهو أسن أولاد باي سنقر - ودام في مملكة هراة

стр. 1129

إلى أن أخرجه عمه ألوغ باك منها مع جدته، وتشتت شملها - ومحمد - وهو الذي استفحل أمره الآن، وملك غالب بلاد العجم - وبابور - وهو أصغرهم -. انتهى.

стр. 1130

باب الباء الموحدة والتاء المثناة من فوق بتخاص بن عبد الله بتخاص بن عبد الله، الأمير سيف الدين. كان أولاً من جملة أمراء دمشق وهو من جملة البرجية، ثم ولى نيابة صفد بعد عزل الأمير كراي المنصوري، فباشر نيابتها ست سنين، ومهد جلبها، وقمع المفسدين وأفناهم، وأمسك سابق، وسمر أولاده تحت القلعة، ورمى أباهم في المنجنيق، وأبدع في هلاكهم أنواعاً غريبة إلى أن عزل عنها، وعاد إلى القاهرة أميراً بها. ولم يزل بالديار المصرية إلى أن قدم الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك، فعزم على إمساكه.

стр. 1131

وكان بتخاص المذكور يسكن بالقلعة في برج، فأحس بذلك، فعصى في داره، وأغلق الأبواب، ورمى بالنشاب، وكان ذلك ليلاً، فرسم السلطان بإحراق داره، ثم جاءه الأمير شرف الدين بن جندر، ووقف تحت شباكه وناداه، وقال له: ويلك إيش هذا العمل؟ انزل كلم أستاذك، يطلبك يتحدث معك في أمر ترمى بالنشاب فنزل ونفر في الذين جاءوا من عند السلطان، فانفعل بتخاص، وعاد به إلى السلطان؛ فاعتقله، وكان ذلك آخر العهد به، بتاريخ سنة عشرة وسبعمائة. بتخاص نائب دمياط بتخاص بن عبد الله الظاهري نائب دمياط، الأمير سيف الدين. من أصاغر المماليك الظاهرية برقوق، وممن تأمر في الدولة الظاهرية جقمق ثم ولى نيابة دمياط مدة، ثم عزل، ورسم الملك الظاهر جقمق بنفيه،

стр. 1132

فنفي مدة، ثم عاد إلى القاهرة، واستقر من جملة الأجناد، وأنعم عليه بإقطاع، وصار من جملة المماليك السلطانية؛ كل ذلك لاستخفاف السلطان به، ولهوانه.

стр. 1133

باب الباء والجيم بجاس النوروزي بجاس بن عبد الله النوروزي، وقيل العثماني اليلبغاوي، الأمير سيف الدين. كان من جملة الأمراء المقدمين في الدولة الظاهرية برقوق ومن خواصه، وكان مشهوراً بالشجاعة. ولما مات الملك الظاهر برقوق في سنة إحدى وثمانمائة، توجه إلى الحج وعاد ورمى بإقطاعه، وسأل أن يكون بطالاً، فأجيب. وأنعم بتقدمته على الأمير شيخ المحمودي - أعني الملك المؤيد - ودام الأمير بجاس بطالاً إلى أن مات في ثاني عشر شهر رجب سنة ثلاث وثمانمائة بالقاهرة - رحمه الله تعالى - وهو أستاذ جمال الدين يوسف البيري الأستادار.

стр. 1134

باب الباء والدال أبو الحسن الصوابي بدر بن عبد الله الصوابي، الأمير بدر الدين أبو المحاسن الصوابي الطواشي الحبشي. أصله من خدام الطواشي صواب العادلي، كان موصوفاً بالكرم والشجاعة والرأي، وكان له بر وصدقة، ودام مقداماً أكثر من أربعين سنة، وكان إقطاعه مائة فارس - يعني تقدمة ألف -. قال الحافظ شمس الدين الذهبي: قرأت عليه جزءاً سمعه من ابن عبد الدايم. وحج بالناس غير مرة.

стр. 1135

مات فجأة وسنه نيف على الثمانين سنة، سنة ثمان وتسعين وستمائة بقرية الخيارة، ودفن بتربته التي أنشأها بلحف الجبل شمالي الناصرية، رحمه الله تعالى. ابن النفيس بديع بن نفيس، الشيخ الإمام صدر الدين التبريزي، الحكيم الطبيب رئيس الأطباء. كان إماماً في الطب كثير الحفظ لمتونه، جيد التدبير، حازقاً، ماهراً، مقرباً عند الملوك والأكابر، رأساً في صناعته، وهو صاحب التصانيف، المشهور، وعم القاضي فتح الدين فتح الله كاتب السر، وهو الذي كفله بعد موت جده

стр. 1136

نفيس، وقد مات فتح الله مستعصم وفتح الله طفل، ولم يزل بديع المذكور في رئاسة الطب إلى أن مات في سادس شهر ربيع الأول سنة سبع وتسعين وسبعمائة.

стр. 1137

باب الباء والراء المهملة الشيخ براق براق القرمي. أصله من قرية من قرى دوقات، وكان أبوه صاحب ثروة، وعمه كاتباً معروفاً، ونشأ هو على قدم الفقر، وتجرد إلى الروم وصحبته جماعة من الفقراء، ثم عاد إلى دمشق بعد السبعمائة ومعه جماعة من أتباعه، وهو محلوق الذقن، وشواربه وافرة، وهيئته بشعة، وأتباعه على هيئته، وعلى كتف كل واحد منهم جوكان، وفي رأسه قرن لباد، وعليه معلق كعاب بقرة مصبوغة بالحناء،

стр. 1138

وأجراس، وكل واحد مقلوع الثنية العليا، وهو مع ذلك ملازم للعبادة، وله أوراد، ومعه محتسب يؤدب أصحابه، وإذا ترك واحد منهم صلاة يعاقبه عليها أربعين سوطاً. وكان لا يدخر شيئاً، وكان معه طبلخاناه يضرب بها، وعوتب على هذه المنكرة، فقال: أنا أردت أن أكون مسخرة الفقراء. وكان أول ظهوره من بلاد التتار، فبلغ خبره غازان، فأحضره، وسلط عليه سبعاً ضارياً، فوثب الشيخ براق المذكور، وركب على ظهره؛ فعظم لذلك عند غازان، ونثر عليه عشرة آلاف، فلم يتعرض لها. وقيل بل سلط عليه نمراً، فصاح عليه، فانهزم النمر، فصارت له عند غازان مكانة، وأعطاه مرة ثلاثين ألفاً، ففرقها في يوم واحد. ولما دخل دمشق كان في إصطبل الأفرم نعامة، فسلطوها عليه، فوثب عليها وركبها، فطارت به في الميدان تقدير خمسين ذراعاً، إلى أن قرب من الأفرم وقال له: أطيرها إلى فوق شيئاً آخر؟ قال: لا، وأحسن الأفرم إليه وأكرمه، وسأله ما يريد؛ فقال: التوجه إلى القدس؛ فأذن له، ورتب له رواتب في

стр. 1139

الطرقات، وأراد الدخول إلى مصر، فما مكن من ذلك، ثم رجع إلى المشرق، وأرسله غازان صحبة قطليجا إلى حبال كيلان؛ ليحاربهم، فأسروا الشيخ، وقالوا له: أنت شيخ فقراءٍ، فكيف تجيء صحبة أعداء الدين لقتال المسلمين؟ ثم سلقوه في دست في سنة سبع وسبعمائة، والله أعلم بحاله. بردبك الخليلي بردبك بن عبد الله الخليلي، الأمير سيف الدين.

стр. 1140

كان أحد أمراء المقدمين بديار مصر في الدولة المؤيدية شيخ، ثم صار رأس نوبة النوب، ثم ولى نيابة طرابلس في سابع عشر شهر رجب سنة عشرين وثمانمائة عوضاً عن الأمير يشبك المؤيدي؛ بحكم انتقاله إلى نيابة حلب عوضاً عن الأمير جققار القردمي. واستقر من بعده رأس نوبة النوب الأمير ططر، فباشر المذكور نيابة طرابلس إلى شهر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، ووقع بينه وبين أهل طرابلس، وعزل عنها، وطلب إلى القاهرة؛ فحضرها بعد أن كتب عليه أهل طرابلس محاضر بقبائح، فعند حضوره استقر به السلطان في نيابة صفد في ثاني شهر ربيع الآخر من السنة. واستقر بعده في نيابة طرابلس الأمير برسباي الدقماقمي، أحد أمراء الألوف بديار مصر - يعني الأشرف - وتوجه بردبك المذكور إلى صفد، وباشر نيابتها مدة يسيرة، إلى أن مات بها في نصف شهر رجب سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، رحمه الله تعالى، وعفا عنه.

стр. 1141

أمير آخور بردبك بن عبد الله السيفي يشبك بن أزدمر، الأمير سيف الدين، أحد مقدمي الألوف بديار مصر في الدولة الأشرفية برسباي. أصله من مماليك الأمير يشبك بن أزدمر، ثم اتصل بعد موت أستاذه بخدمة الملك الظاهر ططر، في حال إمرته، وحظي عنده، وجعله أمير آخوره، إلى أن آلت إليه السلطنة أنعم عليه بإمرة طبلخاناه، وجعله أمير آخور ثاني. ودام على ذلك سنين إلى أن نقله الأشرف برسباي إلى تقدمة ألف في سنة ثلاثين وثمانمائة. واستقر من بعده في الأمير آخورية الثانية الأمير سودون ميق الظاهري . واستمر الأمير بردبك المذكور على ذلك إلى أن توفى بالطاعون في سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة.

стр. 1142

وكان أميراً عاقلاً، متواضعاً، كثير الأدب والحشمة، وله مكارم، وحسن خلق مع البشاشة والتحبب إلى الناس بكل طريق. وكان حسن الشكالة، أشقر اللحية، للطول أقرب. ومات في أوائل الكهولية، رحمه الله تعالى. قصقا بردبك بن عبد الله الإسماعيل الظاهري برقوق - المعروف بقصقا - يعني قصير - الأمير سيف الدين. كان من جملة الطبلخانات في الدولة الأشرفية برسباي، ثم صار حاجباً ثانياً بعد الأمير إياس الجلالي، ورسم لإياس أن يكون بطالاً، فاستمر المذكور في الحجوبية مدة، إلى أن نفى إلى البلاد الشامية، ثم شفع فيه بعد مدة، وأنعم عليه بإمرة عشرة بالقاهرة إلى أن مات في سابع عشر جمادى الأول سنة أربعين وثمانمائة.

стр. 1143

وكان ﵀ لا ذات ولا أدوات، وكان شيخاً قصيراً، مهملاً، سميناً، لا للسيف ولا للضيف، سامحه الله. العجمي بردبك بن عبد الله الجكمي، المعروف بالعجمي الأعور، الأمير سيف الدين. أصله من مماليك الأمير جكم من عوض، المتغلب على حلب، وخدم بعد أستاذه عند الأمير تغري بردى بن أخي دمرداش - المدعو بسيدي الصغير - ولما أن كان بردبك المذكور راكباً بخدمة الأمير تغري بردى، وقعت تخفيفة الأمير تغري بردى المذكور عن رأسه، فأشار لبردبك هذا أن يناوله التخفيفة من الأرض، فأخذ بردبك قوسه من تركاشه، ومال عن فرسه، وأخذ

стр. 1144

التخفيفة برأس قوسه. فلما رأى الأمير تغري بردى منه ذلك، وجه التفاته له، أخذ الطبر وضربه به على وجهه ضربة ذهبت منها عين بردبك المذكور. وتغيرت محاسنه من يومئذ، ثم تنقلت به الأيام إلى أن ولى عدة ولايات، ثم صار في أواخر الدولة الأشرفية حاجب حجاب حلب. ثم نقله الملك الظاهر جقمق إلى نيابة حماة غي سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، فدام بها إلى سنة سبع وأربعين وثمانمائة تقريباً، وقع بينه وبين أهل حماة فتنة آلت إلى قتاله معهم، وقتل بين الفريقين جماعة كبيرة، ثم عصى بردبك، وخرج من حماة أشهراً. ثم طلب الحضور، فلما حضر إلى الديار المصرية قبض عليه، وحبس بالإسكندرية إلى سنة ثلاث وخمسين أطلق وتوجه إلى ثغر دمياط بطالاً، ثم طلب بعد ذلك بمدة يسيرة إلى القاهرة، وأنعم عليه بتقدمة ألف بدمشق، عوضاً عن الأمير يشبك النوروزي، حاجب حجاب دمشق، بحكم انتقال يشبك إلى نيابة طرابلس بعد مسك الأمير يشبك الصوفي المؤيدي، ثم استقر بردبك المذكور في إمرة حاج دمشق، وتوجه إلى الحج، وعاد إلى دمشق.

стр. 1145

الظاهري بردبك بن عبد الله الظاهري، الأمير سيف الدين، المعروف بالبشمقدار. هو من مماليك الملك الظاهر جقمق ومن خواصه، رقاه إلى أن صار خاصكياً، ثم بشمقداراً، ثم أمره عشرة ضعيفة، ثم جعله من جملة رؤوس النوب. الملك الأشرف برسباي بن عبد الله، السلطان الملك الأشرف أبو النصر الدقماقي الظاهري

стр. 1146

الجاركسي، سلطان الديار المصرية والبلاد الشامية والأقطار الحجازية. الثاني والثلاثون من ملوك الترك، والثامن من ملوك الجراكسة. أخذ من بلاد الجاركس، وأبيع بالقرم، ودام بمدينة قرم مدة إلى أن اشتراه بعض التجار، وقدم به إلى جهة البلاد الشامية. فلما وصل به إلى مدينة ملطية اشتراه نائبها الأمير دقماق المحمدي منه، ودام عند الأمير دقماق المذكور مدة يسيرة، وأرسله إلى الملك الظاهر برقوق في جملة مماليك أخر مع تقدمة هائلة - كما هو عادة نواب البلاد الشامية - فأخذه الملك الظاهر وجعله في طبقة الزمام إنيا للأمير جركس القاسمي المصارع، فأقام من جملة مماليك الأطباق الكتابية مدة يسيرة، وأخرج له السلطان خيلاً، وأعتقه في جملة مماليك أخر. وتنقلت به الأيام إلى أن صار ساقياً في الدولة الناصرية فرج،

стр. 1147

ثم انحرف إلى جهة الأميرين شيخ ونوروز، وصار معهما إلى أن قتل الملك الناصر فرج، وقدم صحبة الأمير شيخ المحمودي إلى الديار المصرية، وصار من جملة الأمراء بها. ولا زال يترقى إلى أن صار أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية، وتولى كشف الجسور بأعمال الغريبة. ثم ولى نيابة طرابلس بعد عزل الأمير بردبك الخليلي في ثالث عشرين ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، فتوجه، إلى طرابلس وباشر النيابة بها، إلى أواخر شهر رمضان من السنة المذكور عزل عنها؛ وسبب ذلك: أن الخبر ورد بأنه قد قدم إلى أعمال طرابلس جماعة من التركمان الأينالية البياضة والأوشرية، ونزلوا على صافيثا من أعمال طرابلس جافلين من قرا يوسف صاحب بغداد، ونهبوا البلاد، وأحرقوا منها جانباً؛ فنهاهم برسباي المذكور، فلم ينتهوا؛ فركب إليهم وقاتلهم في يوم الثلاثاء سادس عشرين شهر شعبان، فقتل بينهم خلق كثير، منهم أتابك طرابلس الأمير سودون الأسندمري وغيره، ثم انهزم بمن معه إلى طرابلس، وركبت التركمان أقفيتهم، وينهبون أثفالهم، ثم عادوا.

стр. 1148

وبلغ الخبر المؤيد، فغضب من ذلك، ورسم بعزله والقبض عليه وحبسه بالمرقب، فحبس بالمرقب مدة إلى أن أطلقه الملك المؤيد بسفارة الأمير ططر، وجعله أمير مائة ومقدم ألف بدمشق، فدام بدمشق إلى أن قبض عليه نائبها الأمير جقمق الأرغون شاوي الدوادار، بعد موت المؤيد وخروجه عن الطاعة، فدام في السجن إلى أن أطلقه الملك الظاهر ططر، وهو إذ ذلك مدبر مملكة الملك المظفر أحمد بن الملك المؤيد شيخ، ثم أنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف، ثم جعله دواداراً كبيراً بعد مسك الأمير علي باي. كل ذلك في أيام قلائل في سنة أربع وعشرين وثمانمائة، وعاد إلى الديار المصرية صحبة الملك الظاهر ططر، فلم يقم بالقاهرة إلا أشهراً، ومرض الظاهر ططر ومات. وصار الأتابك جانبك الصوفي مدبر مملكة الملك الصالح محمد بن الملك

стр. 1149

الظاهر ططر. وصار الأمير برسباي هذا والأمير طرباي حزباً واحداً، وكثر الكلام بين الأميرين وبين الأتابك جانبك الصوفي، إلى أن لبس الأتابك جانبك آلة الحرب، وركب من باب السلسلة، ووافقه على الركوب الأمير يشبك اجلكمي أمير آخور. فلم يكن غير ساعة وخدع، وأنزل إلى بيت الأمير بيبغا المظفري - تجاه باب السلسلة - ومعه الأمير يشبك المذكور، وقبض عليهما، وحملا إلى ثغر الإسكندرية، وحبسا بها. وصفا الوقت إلى الأمير برسباي وطرباي، وصار أمر المملكة لهما. واستمرا على ذلك مدة يسيرة، ووقع بينهما، وكثر الكلام في هذا المعنى، وتخوف طرباي من طلوع الخدمة؛ فإن برسباي كان سكنه بطبقة الأشرفية من القلعة، وكان طرباي سكنه أسفل، وعدى إلى الربيع، وزادت الوحشة بينهما إلى أن أرسل برسباي بجماعة من الأمراء إلى طرباي وطيبوا خاطره، وحسنوا له الطلوع إلى الخدمة السلطانية؛ فعدى من بر الجيزة عائداً إلى القاهرة في يوم الثلاثاء ثاني شهر ربيع الأول، وأصبح في ثالثه قبض الأمير برسباي على الأمير

стр. 1150

سودون الحموي، وعلى الأمير قانصوه النوروزي، وكانا من أصحاب طرباي؛ فكثرت القالة. وبات طرباي ليلة الخميس وجماعة وأصحابه يحذرونه الطلوع إلى القلعة، وهو لا يصغي لقولهم، وفي ظنه أن الأمراء لا يعدلون عنه إلى غيره، وأن الأمير برسباي لا يقابله بسوء؛ لأنه في ابتداء الأمر كان طرباي متميزاً على برسباي - منذ مات الظاهر برقوق - وفي أواخر الأمر هو الذي استمال الدولة إلى الأمير برسباي. ونفرهم عن الأتابك جانبك الصوفي، ثم خدع جانبك حتى نزل من الإصطبل السلطاني، ثم قبض عليه، فكان طرباي يرى أنه هو الذي أقام برسباي فيما هو فيه. وأصبح يوم الخميس، وطلع إلى الخدمة بالقصر السلطاني من قلعة الجبل، ودخل إلى السلطان، وجلس من يمينه، وجلس الأمير برسباي عن يساره، وجلس كل واحد من الأمراء في منزلته. فلما استقر بهم الجلوس ابتدأ الأمير برسباي بأن قال: الكلمة غير مسموعة بيننا، والرأي أن تكون الكلمة لواحد منا. فما استتم الكلام حتى قال الأمير قصروه من تمراز: أنت المشار إليه، وأنت صاحب الكلمة، فقال الأمير برسباي في الحال: فاقبضوا على طرباي.

стр. 1151

فلما سمع طرباي ذلك شهر سيفه؛ ليدفع عن نفسه، فبادره الأمير برسباي بالسبق إلى النهوض، وضربه بالسيف ضربة جاءت في يده، كادت تبينها، ثم جاءه الأمير قصروه من خلفه، وقبض عليه هو والأمير تغري بردى المحمودي، وحمل إلى السجن من ساعته، وقد تضمخ بدمه، فوقعت هجة بالقصر، وتكسر لنصرة طرباي، ثم أخرج من الغد إلى الإسكندرية، وصفا الوقت للأمير برسباي، وأخذ في أسباب سلطنته، فأرسل الأمير محمد بن إبراهيم بن منجك إلى دمشق؛ ليحضر بنائبها الأمير تنبك العلائي - المعروف بميق - ثم أخذ وأعطى إلى أن قدم الأمير تنبك المذكور في يوم الاثنين سادس ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وثمانمائة، وتلقاه غالب أعيان الأمراء والدولة، ما عدا الأمير برسباي؛ فإنه خرج له من القصر إلى قرب الإيوان من القلعة وعانقه، ثم دخل به إلى الملك الصالح، وخلع عليه باستمراره في نيابة دمشق. ثم خلا به، وتحدث معه، فكان أول كلام الأمير برسباي بأن قال له:

стр. 1152

أنت أغتنا، وأنت لائق للسلطنة، فلم يسع تنبك إلا أن قام من وقته وقبل الأرض، وبايعه بالسلطنة ثم وافقه على ذلك جماعة الأمراء وغيرهم، وخلع الملك الصالح محمد بن ططر، فكانت مدة سلطنته أربعة أشهر وثلاثة أيام. جلوس الأشرف برسباي على تخت الملك لما كان يوم الأربعاء، ثامن شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وثمانمائة طلب الخليفة المعتضد بالله أبو الفتح داود، والقضاة الأربعة إلى القلعة؛ فحضروا، وقد جمع الأمراء وأرباب الدولة، فبايعه الخليفة والقضاة، ثم الأمراء على مراتبهم، وفوضت عليه خلعة السلطنة، وجلس على تخت الملك، وقبلت الأمراء الأرض، ونعت بالملك الأشرف أبي العز، ثم غير كنيته بأبي النصر. ونودي بذلك في القاهرة، وكتب بذلك إلى الأقطار، وتم أمره، وساس الملك أحسن سياسة بالنسبة إلى غيره، ونالته السعادة، وفتحت في أيامه عدة فتوحات، وجهز العساكر إلى أخذ قبرس في سنة ثمان وعشرين، ومقدم العساكر الأمير جرباش الكريمي، حاجب الحجاب، المعروف بقاشق، صحبته عدة من

стр. 1153

الأمراء وغيرهم، وتوجهوا إلى قبرس، وأخذوا الماغوصة، ونهبوا، وأسروا، وسبوا، وأحرقوا، ثم عادوا بعد النصر والظفر إلى الديار المصرية. ثم جهز عسكراً آخر في سنة تسع وعشرين أعظم من ذلك العسكر، وعليهم من الأمراء مقدمي الألوف أربعة وهم: الأمير إينال الجكمي أمير مجلس، والأمير تغري بردى المحمودي رأس نوبة النوب، والأمير قرامراد خجا الظاهري، والأمير تغري برمش نائب القلعة، وعدة أمراء أخر من الطبلخانات والعشرات، وكثير من أعيان الخاصكية وغيرهم. ووافاهم أيضاً العساكر الشامية براً وبحراً. وساروا في يوم الجمعة ثاني شهر رجب من سنة تسع وعشرين، بعد أن قرر السلطان بأن يكون مقدم العساكر البحرية الأمير إينال الجكمي، والأمير قرا مراد خجا وعدة أخر، وأن يكون مقدم العساكر في البر، لما يصلون إلى جزيرة قبرس الأمير

стр. 1154

تغري بردى المحمودي، والأمير تغري برمش، وصحبتهم أكثر العسكر. وركبوا بحر النيل إلى أن وصلوا رأس بحر المالح، وأرادوا السفر فيه، هبت ريح باردة؛ حصل اضطراب عظيم، وانكسر بعض المراكب، وغرق عدة من الخيول - التي كانت في مراكب السفر الأغربة - وردوا إلى الثغر؛ لإصلاح ما تلف من المراكب. وراجعوا الملك الأشرف بذلك، فاغتم لذلك، ودعا الله وقصد الأولياء والصالحين، وأمر عدة فقهاء بقراءة سورة الأنعام عدة مرار، ثم أرسل إليهم بالثغر بما يحتاجون إليه من الآلات والدراهم والسلاح، ولا هاله ذلك، بل صمم على السفر، وأرسل يستحثهم في إصلاح ما فسد من مراكبهم، وفي سرعة السفر؛ فامتثلوا ما رسم به، وسافروا في أمن الله إلى أن وصلوا بر اللمسون، فخرج إليها شرذمة من العسكر، وقاتلوا من بها حتى أخذت عنوة في يوم الأربعاء سابع عشرين شعبان، وهدموها، وقتلوا من بها من المقاتلة، وغنموا، ثم ساروا عنها بعد إقامتهم عليهم ستة أيام

стр. 1155

في يوم الأحد أول شهر رمضان، وقد صاروا فرقتين: فرقة في البر، وفرقة في البحر، حتى كانوا فيما بين اللموسون والملاحة إذا هم بجينوس بن جاك متملك قبرس قد اقبل بمجموعة، والتقى مع العساكر الإسلامية؛ فكانت بين الفريقين حروب شديدة، انجلت عن وقوعه في الأسر، بأمر من عند الله يتعجب منه. ولله الحمد. وكان النصر في ساعة واحدة. والعجب من كثرة جيوشه، وقلة مقاتلة المسلمين؛ لعدم اجتماعهم، فإنه جاءهم بعساكره بغتة، وكان غالب فرسان المسلمين في المراكب لم يتأهبوا للقتال. ولما وقع جينوس متملك قبرس في أسرهم وانهزم جيشه وأسرت جماعة من فرسانه، أكثر المسلمون من القتل والأسر، ولم يقتل من المسلمين الأعيان سوى أربعة من الخاصكية، وهم: السيفي تغري بردى المؤيدي الخازندار، وكان من الشجعان والأشكال الحسنة ﵀ والسيفي قطلوبغا الخاصكي المؤيدي المصارع، وكان أيضاً من الفرسان ﵀ والسيفي إينال طاز المصارع الخاصكي، والسيفي نانق اليشبكي الخاصكي.

стр. 1156

وانهزم بقية الفرنج، ووجد معهم طائفة من التركمان المسلمين قد أمدهم بهم علي بك بن قرمان، فقتل كثيراً منهم. واجتمع عساكر البر والبحر من المسلمين في الملاحة يوم الاثنين ثامن رمضان، وقد تسلم متملك قبرس الأمير تغري بردى المحمودي، ثم ساروا من الملاحة يوم الخميس يريدون الأفقسية - مدينة الجزيرة ودار مملكتها - فأتاهم الخبر في مسيرهم بأن أربعة عشر مركباً للفرنج قد أتت لقتالهم، منها سبعة أغربة، وسبعة مربعة القلاع؛ فأقبلوا نحوهم، وغنموا منهم مركباً مربعاً، وقتلوا من الفرنج عدة كبيرة. وكان السبب في أخذ هذه المربعة من الفرنج الأمير طوغان - مملوك والدي أحد مقدمي الألوف بدمشق -، ثم دخلوا الأفقسية وهم يقتلون ويأسرون. ثم عادوا إلى الملاحة بعد إقامتهم بالأفقسية يومين وليلة، فأقاموا بالملاحة سبعة أيام وهم يقيمون شعائر الإسلام. ثم ركبوا عائدين بالأسرى والغنيمة وبصاحب قبرس إلى أن وصلوا إلى الثغور الإسلامية، ثم ساروا نحو القاهرة، فدخلوها في يوم الأحد

стр. 1157

سابع شهر شوال سنة تسع وعشرين وثمانمائة، وتكمل من دخولهم من الغد في يوم الاثنين، ونزلوا بالميدان من موردة الجبس، ثم مضوا سائرين في اليوم المذكور بمتملك قبرس والأسرى والغنائم، وقد اجتمع لرؤيتهم من الخلائق عالم لا يحصى عددهم إلا الله ومروا بهم من الميدان على باب اللوق حتى خرجوا من المقس، ودخلوا من باب القنطرة إلى بين القصرين، وشقوا قصبة القاهرة إلى باب زويلة ومضوا إلى صليبة جامع ابن طولون، وأقبلوا من سويقة منعم إلى الرميلة إلى القلعة من باب المدرج. وكانوا في مسيرهم هذا البعيد قد قدموا الفرسان من الغزاة والمجاهدين أمام الجميع ومن وراء الفرسان الرجالة من عشران البلاد الشامية، ومطوعة البلاد، وزعر القاهرة، ومن وراء هؤلاء الغنائم محمولة على رءوس الرجال،

стр. 1158

وظهور، الخيل، والبغال، والحمير، وفيها تاج الملك، وأعلامه، ورايته منكسة، وخيله تقاد من وراء الغنائم، والأسرى من الرجال، والنساء، والصبيان، وهم نحو ألف إنسان، ومن وراء الجميع جينوس الملك، وهو على بغل مقيد بالحديد، وأركب معه اثنان من خاصته، وركب الأميران إينال اجلكمي أمير مجلس عن يمينه، وتغري بردى المحمودي رأس نوبة النوب عن يساره، حتى وصلوا الجميع إلى القلعة، أنزل جينوس عن مركبه، ثم كشف رأسه، وخر على وجهه إلى الأرض فقبلها، ثم قام ومشى إلى أن دخل إلى الحوش السلطاني، وهو يرفل في قيوده، وقبل الأرض أيضاً بين يدي السلطان. وكان السلطان جالساً في المقعد على باب البحرة، تجاه باب الحوش، وعنده أكابر الدولة من الأمراء والأعيان، وكان الشريف بركات بن عجلان أمير مكة حاضراً، ورسل ابن عثمان متملك الروم، ورسل صاحب تونس من بلاد الغرب، ورسل صاحب عدن وغيرهم. كل هؤلاء اتفق حضورهم في هذا اليوم بالمقعد المذكور. ولقد عاينت جينوس المذكور لما دخل من الحوش، ورأى تلك الأبهة والعظمة أغمي عليه، واستلقى على الأرض كالميت، ثم أفاق، وأعلامه منكسة

стр. 1159

أمامه، وعرضت الغنائم والأسرى على السلطان، ثم قدم جينوس بقيوده مكشوف الرأس، فخر على وجهه يعفره في التراب، ثم قام وقد أظهر من الخوف ما لا مزيد عليه، ثم أمر السلطان بتوجهه إلى منزل قد أعد له بالحوش، فكان هذا اليوم من الأيام التي لم نعهد يمثلها، ولا شاهدنا مثل هذا اليوم الذي عظم الله قدره بنصر المسلمين، وأعز الله فيه دينه، فلله الحمد على هذه النعمة. ولما كان جينوس بين يدي الملك الأشرف على تلك الهيئة المذكورة، صارت دموع الأشرف تذرف، وهو يلهج بحمد الله وشكره. ثم إن السلطان رتب له من الرواتب ما يكفيه في اليوم، إلى أن أطلقه وأعاده إلى ملكه بعد أن ضرب عليه الجزية، واستمرت إلى يومنا هذا. وفي هذا المعنى يقول صاحبنا الأديب البليغ زين الدين عبد الرحمن بن الخراط، أحد كتاب الإنشاء بالديار المصرية قصيدة أنشدها بين يدي السلطان بحضور أركان الدولة، وفرغ عليه بعد فراغها بالحضرة الشريفة، أولها:

стр. 1160

بشراك يا ملك المليك الأشرف ... بفتوح قبرس بالحسام المشرفي فتح بشهر الصوم تم له فيا ... لك أشرف في أشرفٍ في أشرف فتح تفتحت السموات العلى ... من أجله بالنصر واللطف الخفي والله حف جنوده بملائكٍ ... ، عاداتها التأييد وهو بها حفي الأشرف السلطان أشرف مالكٍ ... لولاه أنفس ملكه لم تشرف هو مكتف بالله أحلم قادرٍ ... راضٍ لآثار النبوة مقتفي حامي حمى الحرمين بيت الله وال ... قبر الشريف لزائر ومطوف والقصيدة ثلاثة وسبعون بيتاً، كلها على هذا النمط. ثم بعد ذلك جهز السلطان العساكر إلى جهة الشرق غير مرة، وفتح عدة قلاع بديار بكر وغيرها، وتجرد هو بنفسه في سنة ست وثلاثين وثمانمائة؛ فوصل إلى مدينة آمد من ديار بكر، وحصرها مدة طويلة، ثم عاد بعد أن بلغ بمن بمدينة آمد الجهد.
следующие страницы →