Полный текст (2 835 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
وانهزم بقية الفرنج، ووجد معهم طائفة من التركمان المسلمين قد أمدهم بهم علي بك بن قرمان، فقتل كثيراً منهم.
واجتمع عساكر البر والبحر من المسلمين في الملاحة يوم الاثنين ثامن رمضان، وقد تسلم متملك قبرس الأمير تغري بردى المحمودي، ثم ساروا من الملاحة يوم الخميس يريدون الأفقسية - مدينة الجزيرة ودار مملكتها - فأتاهم الخبر في مسيرهم بأن أربعة عشر مركباً للفرنج قد أتت لقتالهم، منها سبعة أغربة، وسبعة مربعة القلاع؛ فأقبلوا نحوهم، وغنموا منهم مركباً مربعاً، وقتلوا من الفرنج عدة كبيرة. وكان السبب في أخذ هذه المربعة من الفرنج الأمير طوغان - مملوك والدي أحد مقدمي الألوف بدمشق -، ثم دخلوا الأفقسية وهم يقتلون ويأسرون.
ثم عادوا إلى الملاحة بعد إقامتهم بالأفقسية يومين وليلة، فأقاموا بالملاحة سبعة أيام وهم يقيمون شعائر الإسلام.
ثم ركبوا عائدين بالأسرى والغنيمة وبصاحب قبرس إلى أن وصلوا إلى الثغور الإسلامية، ثم ساروا نحو القاهرة، فدخلوها في يوم الأحد
стр. 1157
سابع شهر شوال سنة تسع وعشرين وثمانمائة، وتكمل من دخولهم من الغد في يوم الاثنين، ونزلوا بالميدان من موردة الجبس، ثم مضوا سائرين في اليوم المذكور بمتملك قبرس والأسرى والغنائم، وقد اجتمع لرؤيتهم من الخلائق عالم لا يحصى عددهم إلا الله ومروا بهم من الميدان على باب اللوق حتى خرجوا من المقس، ودخلوا من باب القنطرة إلى بين القصرين، وشقوا قصبة القاهرة إلى باب زويلة ومضوا إلى صليبة جامع ابن طولون، وأقبلوا من سويقة منعم إلى الرميلة إلى القلعة من باب المدرج.
وكانوا في مسيرهم هذا البعيد قد قدموا الفرسان من الغزاة والمجاهدين أمام الجميع ومن وراء الفرسان الرجالة من عشران البلاد الشامية، ومطوعة البلاد، وزعر القاهرة، ومن وراء هؤلاء الغنائم محمولة على رءوس الرجال،
стр. 1158
وظهور، الخيل، والبغال، والحمير، وفيها تاج الملك، وأعلامه، ورايته منكسة، وخيله تقاد من وراء الغنائم، والأسرى من الرجال، والنساء، والصبيان، وهم نحو ألف إنسان، ومن وراء الجميع جينوس الملك، وهو على بغل مقيد بالحديد، وأركب معه اثنان من خاصته، وركب الأميران إينال اجلكمي أمير مجلس عن يمينه، وتغري بردى المحمودي رأس نوبة النوب عن يساره، حتى وصلوا الجميع إلى القلعة، أنزل جينوس عن مركبه، ثم كشف رأسه، وخر على وجهه إلى الأرض فقبلها، ثم قام ومشى إلى أن دخل إلى الحوش السلطاني، وهو يرفل في قيوده، وقبل الأرض أيضاً بين يدي السلطان. وكان السلطان جالساً في المقعد على باب البحرة، تجاه باب الحوش، وعنده أكابر الدولة من الأمراء والأعيان، وكان الشريف بركات بن عجلان أمير مكة حاضراً، ورسل ابن عثمان متملك الروم، ورسل صاحب تونس من بلاد الغرب، ورسل صاحب عدن وغيرهم. كل هؤلاء اتفق حضورهم في هذا اليوم بالمقعد المذكور.
ولقد عاينت جينوس المذكور لما دخل من الحوش، ورأى تلك الأبهة والعظمة أغمي عليه، واستلقى على الأرض كالميت، ثم أفاق، وأعلامه منكسة
стр. 1159
أمامه، وعرضت الغنائم والأسرى على السلطان، ثم قدم جينوس بقيوده مكشوف الرأس، فخر على وجهه يعفره في التراب، ثم قام وقد أظهر من الخوف ما لا مزيد عليه، ثم أمر السلطان بتوجهه إلى منزل قد أعد له بالحوش، فكان هذا اليوم من الأيام التي لم نعهد يمثلها، ولا شاهدنا مثل هذا اليوم الذي عظم الله قدره بنصر المسلمين، وأعز الله فيه دينه، فلله الحمد على هذه النعمة.
ولما كان جينوس بين يدي الملك الأشرف على تلك الهيئة المذكورة، صارت دموع الأشرف تذرف، وهو يلهج بحمد الله وشكره.
ثم إن السلطان رتب له من الرواتب ما يكفيه في اليوم، إلى أن أطلقه وأعاده إلى ملكه بعد أن ضرب عليه الجزية، واستمرت إلى يومنا هذا.
وفي هذا المعنى يقول صاحبنا الأديب البليغ زين الدين عبد الرحمن بن الخراط، أحد كتاب الإنشاء بالديار المصرية قصيدة أنشدها بين يدي السلطان بحضور أركان الدولة، وفرغ عليه بعد فراغها بالحضرة الشريفة، أولها:
стр. 1160
بشراك يا ملك المليك الأشرف ... بفتوح قبرس بالحسام المشرفي
فتح بشهر الصوم تم له فيا ... لك أشرف في أشرفٍ في أشرف
فتح تفتحت السموات العلى ... من أجله بالنصر واللطف الخفي
والله حف جنوده بملائكٍ ... ، عاداتها التأييد وهو بها حفي
الأشرف السلطان أشرف مالكٍ ... لولاه أنفس ملكه لم تشرف
هو مكتف بالله أحلم قادرٍ ... راضٍ لآثار النبوة مقتفي
حامي حمى الحرمين بيت الله وال ... قبر الشريف لزائر ومطوف
والقصيدة ثلاثة وسبعون بيتاً، كلها على هذا النمط.
ثم بعد ذلك جهز السلطان العساكر إلى جهة الشرق غير مرة، وفتح عدة قلاع بديار بكر وغيرها، وتجرد هو بنفسه في سنة ست وثلاثين وثمانمائة؛ فوصل إلى مدينة آمد من ديار بكر، وحصرها مدة طويلة، ثم عاد بعد أن بلغ بمن بمدينة آمد الجهد.
стр. 1161
فأول ما جهزه من العساكر إلى البلاد الشامية لما عصى الأمير تنبك البجاسي نائب دمشق سنة سبع وعشرين وثمانمائة، وكان المجهز لقتاله المتولي نيابة دمشق عوضه الأمير سودون بن عبد الرحمن الظاهري الدوادار؛ فتوجه إليه وقاتله حتى ظفر به، وحز رأسه، وأرسل بها إلى الملك الأشرف، فعلقت بالقاهرة أياماً.
ثم جهز عسكراً لغزو الفرنج في سنة سبع وعشرين نحو أربعة أغربة، ثم جهز عسكراً ثانياً لغزو قبرس في سنة ثمان وعشرين، ومقدمهم الأمير جرباش الكريمي - حسبما ذكرناه - ثم الغزوة الثالثة المتقدم ذكرها التي أخذ فيها جينوس ملك قبرس.
ثم جهز عسكراً إلى ديار بكر؛ لقتال الأمير عثمان ابن طرغي المدعو قرايلك في سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة؛ فتوجه العسكر المذكور لقتال قرايلك، فقاتلوه، وملكوا مدينة الرها، وصارت بيد الملك الأشرف إلى أن توفى. ثم سافر هو بنفسه إلى آمد في سنة ست وثلاثين، وعاد في أوائل سنة سبع وثلاثين بعد أن
стр. 1162
حصرها نحو خمسة وثلاثين يوماً، ثم رحل عنها لما بلغه عن أمرائه في الباطن.
ثم جهز عسكراً في سنة تسع وثلاثين، ومقدم العسكر المذكور الملك الظاهر جقمق - وكان إذ ذاك أتابك العساكر - وصحبته أمراء أخر، فوصلوا إلى مدينة أرزنكان، ثم عادوا إلى ديار مصر في سنة أربعين وثمانمائة.
ثم جهز عسكراً آخر إلى أرزنكان في سنة إحدى وأربعين، ومقدمهم الأمير قرقماس الشعباني أمير سلاح، ومات الملك الأشرف والعسكر المذكور بتلك البلاد. وكان ابتداء مرضه من أوائل شعبان، إلا أنه كان يركب تارة وينقطع تارة، ثم يلزم الفراش مدة، ثم يطيب ويدخل الحمام، إلى أوائل شهر شوال لزم الفراش إلى أن توفى.
ولما قوى عليه المرض وسط طبيبه العفيف الأسلمي، رئيس الأطباء، وزين الدين خضر في يوم السبت رابع عشرين شوال.
وسببه: أنه كان قد اشتد عليه المرض وطال، فصار يستعجل في طلب العافية، وساءت أخلاقه من طول المرض، وتوهم أن الأطباء مقصرون في علاجه، وأنهم أخطأوا والتدبير في مداواته، ولما تحقق ذلك في نفسه، طلب
стр. 1163
والي القاهرة عمر بن سيفا، فلما مثل عمر بين يديه، وهو جالس على فرسه وبين يديه خواصه وفيهم العفيف الرئيس المذكور، أمره أن يأخذ العفيف؛ ليوسطه من ساعته بالقلعة، وحرضه على ذلك، فأقامه عمر في الوقت ليمضي به، وإذا بخضر الحكيم قد حضر، فأمره بتوسيط خضر الآخر؛ فأخذه عمر من ساعته، وهو يصيح عمر حكيم وسطوه إيش في يد الحكيم ما يعمل؟ فلم يسمع له عمر، وأخذه هو والعفيف ومضى بهما إلى حدرة الساقية من القلعة، ووقف بهما مقدار ما يشفع فيهما، وقام أهل المجلس يقبلون الأرض، ومنهم من يقبل رجل السلطان، ويتضرعون إليه في العفو عنهما، فلم يقبل، ثم بعث واحداً بعد آخر يستعجل عمر الوالي في توسيطهما، وهو يتباطئ؛ رجاء أن يقع العفو عنهما.
فلما طال الأمر بعث السلطان من أعوانه من يحضر توسيطهما، فخرج المذكور، وأغلظ للوالي في القول، فقدم العفيف؛ فاستسلم، وثبت حتى صار قطعتين، وقدم خضر، فراغ، وجزع جزعاً شديداً، ودافع عن نفسه، وصاح؛ فتكاثروا عليه، ووسطوه توسيطاً معذباً؛ لتلويه واضطرابه، فساءت القالة في السلطان، وكثر كلام الناس في ذلك.
стр. 1164
ومن حينئذ قوي مرضه إلى أن توفى قبيل عصر يوم السبت ثالث عشر ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، وسنه نيف على الستين، بعد أن عهد بالسلطنة من بعده لولده الملك العزيز يوسف، وتسلطن ولده المذكور من يومه، ثم غسل الأشرف وصلى الله عليه بباب القلة من القلعة، ودفن بتربته التي أنشأها بالصحراء، قبيل المغرب، من يوم السبت المذكور، فكانت مدة سلطنته ستة عشر سنة، وثمان شهور وخمسة أيام.
وكان ﵀ ملكاً جليلاً، مهاباً، عارفاً، سيوساً، حازماً، شهماً، فطناً، له خبرة بالأمور، ومعرفة، وتدبير، محباً لجمع المال.
وكان يحب الاستكثار من المماليك حتى بلغت عدة من اشتراه من المماليك زيادة على ألفي نفر. وكان يقدم اجلراكسة على غيرهم من الأجناس، ويشره في جمع الخيول والجمال، وما أشبه ذلك.
وكان يتصدى للأحكام، ويباشر أحوال المملكة، غالبها بنفسه، وكان متواضعاً، حسن الخلق، غير سباب، لين الجانب، طوالاً، دقيقاً، ذا شيبة نيرة، وهيبة حسنة، متجملاً في حركاته، حريصاً على ناموس الملك.
стр. 1165
وكان يميل إلى فعل الخير، ويكثر من الصوم، ولا يتعاطى شيئاً من المسكرات. وكانت أيامه في غاية الحسن من الأمين، والخير، ورخاء الأسعار، وعدم الفتن مع طول مكثه في السنة.
وعمر في دولته عدة بلاد وقرى من أعمال مصر والشام وغيرهما مما خرب في الدولة الناصرية فرج، والدولة المؤيدية شيخ؛ لكثرة تجاريدهما، والفتن التي كانت في أيامهما.
وكان الأشرف مع هذا كله متنغص العيش إلى الغاية من يوم ورد عليه الخبر بفرار الأتابك جانبك الصوفي من سجن الإسكندرية في سابع شعبان سنة ست وعشرين وثمانمائة إلى قبل موته بمدة يسيرة - حسبما سنذكره - فكان دأبه الفحص عنه، والقبض على الناس، وكبس بيوت الأعيان من الأمراء إلى ما دونهم، ونفى جماعة من الأمراء بسببه، وعاقب جماعة، وقبض على جماعة، وطال هذا الأمير سنين، وعم هذا البلاء جميع المماليك. كل ذلك وجانبك المذكور مخف بالقاهرة.
ثم خرج إلى البلاد الشامية، ودام ذلك من سنة ست وعشرين إلى سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة، ورد الخبر بأن جانبك الصوفي المذكور عند بعض بني دلغادر، وصح هذا الخبر؛ فعند ذلك أمن الناس على أنفسهم، وطال لسان من كان اتهم به. ووقع له بعد ذلك أمور من جانبك المذكور أيضاً بتلك البلاد،
стр. 1166
وعزل بسبه جماعة من الأمراء، وتجرد نواب البلاد الشامية بسبه غير مرة.
وآخر الحال جيء إليه برأسه - وسنذكر ذلك كله مفصلاً في ترجمته إن شاء الله تعالى - واستراح الأشرف، وخمدت ناره، فلم يتهن من بعده غير أشهرا ومرض ومات.
وكان الأشرف ﵀ مغرما بإنشاء العمائر، من ذلك: مدرسته الأشرفية التي أنشأها بخط العنبريين بين القصرين بالقاهرة على الشارع الأعظم، وعمر أوقافها، وجعل فيها عدة صوفية حنفية، وولى مشيختها للعلامة الشيخ كمال الدين بن الهمام الحنفي، ثم بدا له بعد عمل صوفية ومدرس من كل مذهب.
وتربته التي أنشأها بالصحراء، بجوار تربة الناصر فرج، وجعل فيها عدة من القراء على ساعات الليل والنهار، تقام فيها الجمعة. ثم أنشأ في آخر دولته جامعه الذي بمنشأة خانقاة سرياقوس بالقليوبية ووقف عليه عدة أوقاف، فجميع ما يصرف على هذه الثلاث مدراس من الجوامك في الشهر مائة وعشرون ألف درهم، وله آثار جميلة، وفتوحات كثيرة.
وفي الجملة هو أعظم ملوك الجراكسة بعد الملك الظاهر برقوق، رحمهما الله تعالى.
стр. 1167
الحاجب
برسباي بن عبد الله بن حمزة الناصري، نائب حلب، الأمير سيف الدين.
هو من مماليك الملك الناصر فرج ومن خاصكيته، وحبس بعد موت أستاذه مدة، ثم أطلق، وأنعم عليه بإمرة بالبلاد الشامية، ثم صار حاجب حجاب دمشق في دولة الأشرف برسباي بكمالها إلى أن خرج الأمير إينال الجكمي نائب دمشق عن طاعة الملك الظاهر جقمق وقبض على أمراء دمشق الأكابر.
كان برسباي هذا ممن قبض عليه، وحبس بقلعة دمشق إلى أن أطلقهم الأمير إينال المذكور بعد أن أخذ عليهم العهود والمواثيق. فلما خرجوا من الحبس فروا من عنده، وصاروا من حزب الملك الظاهر جقمق إلى أن ظفر الظاهر بإينال.
стр. 1168
استقر برسباي المذكور على عادته في حجوبية دمشق إلى أن نقله إلى نيابة طرابلس بعد انتقال الأمير قاني باي الحمزاوي إلى نيابة حلب بعد الأمير جلبان، بحكم انتقاله إلى نيابة دمشق، بعد موت الأمير آقبغا التمرازي، فباشر نيابة طرابلس سنين إلى أن برز المرسوم الشريف باستقراره في نيابة حلب بعد موت الأمير قاني باي البهلوان في سنة إحدى وخمسين وثمانمائة، فتوجه إلى حلب مريضاً، فأرسل يستعفى؛ فأعفى.
وتوفى بعد أن خرج من حلب في السنة المذكورة، وكان ديناً، خيراً، عفيفاً عن المنكرات، عاقلاً، سيوساً، مشكور السيرة، إلا أنه كان يحب جمع المال، ويستكثر من العمائر، وكان يقيم أشهراً لا يتناول شرب الماء - على ما قيل - وقد شهر عنه ذلك. وكان للطويل أقرب، طويل اللحية، مليح الشكل، تام الخلقة، حسن الخلق، ﵀.
стр. 1169
برسباي الساقي
برسباي بن عبد الله المؤيدي الساقي، الأمير سيف الدين.
هو من صغار المؤيدية، وممن صار خاصكياً بعد أن استشهد إغاته قطوبغا المصارع بغزوة قبرس في سنة تسع وعشرين وثمانمائة، ثم صار ساقياً في الدولة الظاهرية جقمق مدة إلى أن أنعم عليه بإمرة عشرة، بعد موت الأمير إينال الكمالي الناصري.
البجاسي
برسباي بن عبد الله البجاسي، الأمير سيف الدين.
هو من عتقاء الأمير تنبك البجاسي نائب دمشق، ثم خدم بعد موت أستاذه عند الأمير جانبك الأشرفي
الدوادار الثاني مدة طويلة إلى أن توفى جانبك
стр. 1170
المذكور، اتصل بخدمة الملك الأشرف برسباي، وصار من جملة المماليك السلطانية مدة، ثم صار من جملة الخاصكية الصغار إلى أن تسلطن الملك الظاهر جقمق، واتصلت تلك الأوباش الدنيئة إلى الوظائف السنية، صار برسباي هذا ساقياً مدة طويلة إلى أن أنعم عليه بإمرة في سنة تسع وأربعين، ثم نقله السلطان إلى نيابة الإسكندرية بعد عزل الأمير تنم بن عبد الرزاق المؤيدي في سنة إحدى وخمسين.
وقبل ولايته للإسكندرية كان الملك الظاهر جقمق قد زوجه بزوجة ولده المقام الناصري محمد، التي تسمى خديجة بنت الأمير آقطوه، قرابة الأشرف برسباي بعد أن أمر برسباي هذا بطلاق زوجته خوند بنت آقبغا الدوادار؛ فطلقها وتزوج، بخديجة هذه.
وأمر زواجه بها من الغرائب؛ وما ذاك إلا أن برسباي المذكور كان عند زواج المقام الناصري بخديجة هذه أظهر أنه عمها، ومشى هذا على المقام الناصري، وصار يدخل عليها، ويقيم عندها، ويأكل ويشرب مدة سنين، فعظم ذلك عند من يعرف أنه ليس لها بعم، وكثر الكلام في ذلك.
ولما شاع هذا الخبر قال لي الأمير تغري برمش الفقيه نائب قلعة الجبل: عرف المقام السلطاني بذلك؟ فقلت: يمنعني من الكلام كون المقام الناصري متزوجاً ببنت كريمتي بنت الأتابك آقبغا التمرازي، فإنها صارت لخديجة المذكورة
стр. 1171
ضرة، وأنا خالها؛ فلا يسمع كلامي في هذا المعنى. فقال: أنا أتكلم معه، فقلت له: لكن بحسن عبارة. فاتفق بعد ذلك أن برسباي خرج يوماً من عندها، ونحو جلوس عند المقام الناصري، فقال تغري برمش: أين كان هذا؟ فقال له المقام الناصري: عند بنت أخيه، فقال تغري برمش: ومتى كان هذا أخاً لأقطوه؟ بل وليس له بقرابة، وأمعن في الكلام. فلما سمع المقام الناصري كلامه، التفت إلي وقال: أهو كما يقول تغري برمش؟ فقلت: نعم، وهذا لا يخفى على أحد من صغار الجراكسة؛ فنكس رأسه ساعة، ثم أخذ يتكلم في غير هذا المعنى، وقد كادت نفسه تزهق - وأظنه كان تنسم هذا الخبر قبل تاريخه، ولكنه وهاه -.
وكان ذلك آخر العهد بدخول برسباي هذا إلى خديجة المذكورة، ثم طلقها المقام الناصري بعد أيام قلائل. وقوي عليه المرض، ومات بعد طلاقها بأيام؛ فاستراح برسباي بموته، واستمر عمها إلى أن انقضت عدتها طلبه الملك الظاهر جقمق وزوجه بها، فكان أولاً عمها، ثم صار زوجها، بعلم الملك الظاهر
стр. 1172
المذكور؛ فسبحان محلل الحلال ومحرم الحرام. وبنى بها واستولدها، وماتت في عصمته بالثغر، وورث منها جملة مستكثرة بولده.
ولو فرضنا أنه لم يكن له ولد منها، كان أيضاً يستغرق جميع المال؛ لأنه عم وزوج.
واستمر برسباي هذا في نيابة الإسكندرية مدة سنين، وساءت سيرته؛ لطمعه وسوء تدبيره.
الحاجب
برسبغا بن عبد الله الناصري، الحاجب، الأمير سيف الدين.
ولاه أستاذه الملك الناصر محمد بن قلاوون الحجوبية، فكان دون الأمير بدر الدين مسعود بن الخطير في الحجوبية، ثم عظم بعد ذلك.
ولما أمسك النشو وأقاربه، سلموا إليه؛ فعاقبهم وصادرهم، من غير أن يقصد قتلهم، حتى توعده الأمير بشتك؛ لإهماله في إتلافهم، فعند ذلك أمعن في عقوبتهم إلى أن ماتوا تحت العقوبة.
стр. 1173
ثم توجه المذكور مع الأمير بشتك إلى الحوطة على أموال الأمير تنكز نائب الشام، وسلم إليه جماعة من أهل دمشق، ثم عاد إلى القاهرة.
وجرت له أمور وخطوب - يطول شرحها - إلى أن حبس بثغر الإسكندرية، وتوجه إليه شهاب الدين أحمد بن صبيح، فتولى قتله، وقتل معه الأمير قوصون، والأمير ألطنبغا، وذلك في شهر شوال سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
الدوادار
برسبغا بن عبد الله الظاهري الدوادار، الأمير سيف الدين.
كان من أعيان مماليك الملك الظاهر برقوق، وممن صار دواداراً صغيراً في الدولة الناصرية فرج، ثم صار من جملة أمراء الألوف بدمشق، ثم وافق الأميرين شيخ ونوروز إلى أن قتل الناصر؛ صار من جملة أعوان نوروز الحافظي، ولما خامر نوروز على الملك المؤيد شيخ وافقه أيضاً، واستمر معه إلى أن ظفر المؤيد شيخ بنوروز المذكور، وبمن معه من الأمراء وغيرهم.
стр. 1174
حبس برسبغا هذا بحبس المرقب مدة، وكان معه في الحبس أيضاً الأمير برسباي الحاجب - المتقدم ذكره - حتى برز مرسوم المؤيد بقتله، وقدم البريدي عليه بذلك.
وقبل أن يعلموه بالخبر، قرأ نائب المرقب المرسوم، فغلط القارئ، وقال: برسباي - يعني برسباي الحاجب -؛ فدخل النائب إليه، وأعلمه؛ فقام من وقته برسباي المذكور وتوضأ، وصلى ركعتين على صفة عجيبة، بعد أن حل به من البلاء والجزع ما لا مزيد عليه، وأوصى، ثم قعد للقتل.
والعادة أن يعطى المرسوم في يد المقتول حتى يقرأه، ويقرأ عليه. فلما أخذ برسباي المرسوم؛ ليقرأه، وقد آيس عن روحه بعد أن قال: ما يحتاج قرأه، فقال له النائب: هذه العادة، ولا بد من ذلك، فتأمل المرسوم، فإذا فيه بقتل برسبغا الدوادار، صاحب الترجمة؛ فأخذ وقتل، ونجا برسباي، فكان برسباي كثيراً ما يحكي هذه الحكاية.
قلت: ينبغي أن تلحق هذه الحكاية بكتاب: الفرج بعد الشدة.
وكان قتل برسبغا المذكور بقلعة المرقب، قبيل سنة عشرين وثمانمائة تخميناً. وكان يميل إلى دين وخير، ويتفقه يسيراً، ويكتب كتابة هينة، وكان عفيفاً عن المنكرات، إلا أنه كان كثير الشرور والفتن، رحمه الله تعالى.
стр. 1175
الملك الظاهر برقوق
برقوق بن آنص، السلطان الملك الظاهر أبو سعيد برقوق العثماني اليلبغاوي الجاركسي، سلطان الديار المصرية، القائم بدولة اجلراكسة.
جلبه خواجا عثمان من بلاده، وكان اسمه ألطنبغا، وقيل سودون. فلما اشتراه الأتابك يلبغا العمري الخاصكي سماه برقوق، قاله القاضي علاء الدين علي بن خطيب الناصرية، عن قاضي القضاة ولي الدين أبي زرعة العراقي، عن التاجر
стр. 1176
برهان الدين المحلي، عن خواجا عثمان جالب برقوق.
قلت: والأقوى عندي أن اسمه كان قديماً برقوق في بلاده؛ لأن إخوته وأقاربه ووالده قدموا إلى الديار المصرية، وكانوا خلقاً كثيراً، فلم يلهج أحد منهم بذلك، ولا أحد من حواشيه، ممن كان من بلده، وهم جماعة كبيرة أيضاً.
والرواة لهذا الخبر ثقاة، إلا أنب رهان الدين المحلي كان لا يعرف باللغة التركية، وخواجا عثمان كان لا يعرف باللغة العربية، فدخل الوهم من هنا، والله أعلم.
ولما أخذه الأتابك يلبغا أعتقه، وجعله من جملة مماليكه إلى أن قتل يلبغا وكانت واقعة الأجلاب مماليكه وتشتت شملهم، أخرج برقوق فيمن أخرج منهم إلى البلاد الشامية، وخدم عند الأمير منجك اليوسفي نائب دمشق حتى طلب الملك الأشرف شعبان بن حسين اليلبغاوية إلى ديار مصر، وجعلهم في خدمة أولاده؛ فصار برقوق من جملة مماليك الأسياد إلى أن ثاروا مع الأمير أينبك بعد سفر الأشرف شعبان إلى الحجاز؛ فانتقل برقوق في هذه الواقعة من الجندية إلى إمرة طبلخاناه دفعة واحدة ثم إلى إمرة مائة وتقدمة ألف، وملك الإسطبل السلطاني، وصار أمير آخور. ثم ولى الإمرة الكبرى، ولا يزال يدبر الأمر والأقدار تساعده حتى ذهب من يعانده واستفحل أمره.
стр. 1177
ووافقه أكابر الدولة على السلطنة، وخلع الملك الصالح حاجي بن الملك الأشرف شعبان بن حسين، وتسلطن.
ذكر جلوس الظاهر برقوق على تخت الملك
لما كان بعد صلاة الظهر من يوم الأربعاء، تاسع عشر شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبعمائة - الموافق له آخر هاتور، وسادس تشرين الثاني، والطالع برج الحوت - خطب الخليفة المتوكل على الله أبو عبد الله محمد وبايعه على السلطنة، وقلده أمر البلاد والعباد، وفوض عليه التشريف الخليفتي، ثم خلع على الخليفة أيضاً، وبايعه القضاة الأربعة، وأعيان الدولة على مراتبهم، فأشار شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني أن يكون لقب السلطان بالملك الظاهر وقال: هذا وقت الظهر، والظهر مأخوذ من الظهيرة والظهور، وقد ظهر هذا الأمر بعد أن كان خافياً؛ فتلقب بالملك الظاهر.
стр. 1178
وركب من الحراقة بالإصطبل السلطاني، وطلع من باب السر إلى القصر، فحال ركوبه أمطرت السماء؛ فتفاءل بيمنه، وجلس على تخت الملك، ونودي بالقاهرة، وكتب بذلك إلى الأقطار، وأخذ وأعطى، وقرب من أراد، وأنشأ جماعته.
ثم أخذ في الاستكثار من شراء المماليك حتى بلغوا نيفاً على ثلاثة آلاف مملوك في سنين يسيرة.
ثم أمر بإنشاء مدرسته ببين القصرين، وكان المتحدث عمارتها الأمير جاركس الخليلي أمير آخور إلى أن استتم عملها في أوائل شهر جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين وسبعمائة. فعندما تكاملت رسم السلطان بأن تنقل رمم أولاده ووالده آنص من موضع دفنهم إلى الفسقية بها؛ ففي رابع عشره يوم الخميس نقلت الرمم وقت العشاء والأمراء مشاة أمامهم حتى دفنوا بالقبة من المدرسة المذكورة، ثم نزل الأمير جاركس الخليلي من الغد، وهيأ الأطعمة والحلوى والفاكهة، ونزل الملك الظاهر برقوق من القلعة بأمرائه وعسكره إلى المدرسة المذكورة، ومدت
стр. 1179
الأسمطة بين يديه، وحضرت القضاة والأعيان، ثم مدت الحلاوات والفواكه وملئت البحرة من مشروب السكر المكرر، ثم خلع على العلامة علاء الدين السيرامي، وجعله شيخ الصوفية بها ومدرس السادة الحنفية، وفرش الأمير جاركس الخليلي السجادة بيده، ثم خلع السلطان على الأمير جاركس الخليلي، وعلى المعلم شهاب الدين أحمد بن الطولوني المهندس، وأركبا فرسين بأقمشة ذهب، وخلع على خمسة عشر من مماليك جاركس الخليلي، وأنعم على كل منهم بخمس مائة درهم، وتكلم العلاء السيرامي لما جلس على السجادة على قوله تعالى: " قل اللهم مالك الملك " الآية، ثم قرأ القارئ عشراً من القرآن، ودعا؛ وقام السلطان وركب إلى القلعة، فكان يوماً مشهوداً.
وفي هذا المعنى يقول شهاب الدين أحمد المصري الأديب.
стр. 1180
قد أنشأ الظاهر السلطان مدرسةً ... فاقت على إرم مع سرعة العمل
يكفي الخليلي أن جاءت لخدمته ... شم الجبال لها تسعى على عجل
وفي هذا المعنى أيضاً يقول شرف الدين عيسى بن حجاج، وقد عمل فيها خيمة جديدة.
بنى الظاهر السلطان خانقةً زهت ... على غيرها في الشام جمعاً وفي مصر
كأن نحاة صيروا خيمةً بها ... معلقة بالرفع والنصب والجر
قلت: ومما وقع من الغرائب في هذه السنين ما حكاه قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي في تاريخه، قال: وفي شعبان رأت امرأة النبي ﷺ في منامها، وهو ينهاها عن لبس الشاش، وكانت غالب نساء مصر يلبسنه، فانتهت، وتابت عن لبسه، ثم عادت ولبسته؛ فرأت النبي ﷺ مرة ثانية، وقال لها: ننهاك عن لبس
стр. 1181
الشاش، فلم تسمع؟ ما تموتين إلا نصرانية؛ فأخبرت أمها بذلك، فأخذتها، وأتت بها إلى الشيخ سراج الدين البلقيني، فحكت له ما جرى، فقال: قول النبي ﷺ حكم، ولكن اذهبي إلى الكنيسة وصلي بها ركعتين، ثم أحضري حتى يتوسل إلى رسول الله ﷺ لعل ذلك ينفعها؛ فتوجهت إلى الكنيسة وصلت، ثم خرت ميتة؛ فتركتها والدتها ومضت؛ فأخذتها النصارى ودفنوها عندهم. انتهى كلام العيني.
قلت: نسأل الله حسن الخاتمة بمنه وكرمه. وقد رأيت أنا هذا الشاش المذكور، كان على صفة الحلى التي تحلى به العروس، بل كان أكثر تعباً في تعديله، انتهى.
ودام الملك الظاهر في ملكه إلى أن قدم عليه البريد في تاسع عشر شوال سنة تسع وثمانين وسبعمائة بأن الأمير تمربغا الأفضلي المدعو منطاش نائب ملطية خامر ووافقه القاضي برهان الدين أحمد صاحب سيواس، وقرأ محمد التركماني؛ فصار السلطان يأخذ في هذا الكلام ويعطي، ثم رسم لنواب البلاد الشامية بالتوجه لقتال منطاش.
стр. 1182
واستمر إلى أن ورد عليه في أول سنة تسعين قاصد الأمير منطاش يخبر بأنه تحت طاعة السلطان، وأن ما قيل عنه كذب؛ فقدم في إثر القاصد البريد من حلب يخبر بأنه خارج عن الطاعة، وأن ما أرسله دهاء ومكر، وقصد بذلك المدافعة عنه حتى يدخل فصل الربيع وتذوب الثلوج؛ فعند ذلك سير السلطان الأمير ملكتمر الدوادار بعشرة آلاف دينار للأمراء المجردين؛ تقوية لهم، وليعرف حقيقة أمر منطاش.
ثم ورد الخبر بمخامرة ألطنبغا الجوباني نائب دمشق، وأنه ضرب طرنطاي حاجب حجاب دمشق، وأنه استكثر من استخدام المماليك.
وبلغ الجوباني هذا الخبر، فاستأذن في الحضور إلى القاهرة، فأذن له؛ فركب البريد حتى وصل سرياقوس ليلة الخميس سابع عشرين شهر رمضان من السنة؛ فبعث السلطان الأمير فارس الصرغتمشي أمير جندار، فقيده، وسيره إلى الإسكندرية.
ثم قبض السلطان في يوم السبت تاسع عشرين رمضان على الأمير ألطنبغا المعلم أمير سلاح، وقردم الحسني رأس نوبة، وقيدا، وحملا إلى الإسكندرية مع الجبغا الجمالي الدوادار، فحبسا بها.
стр. 1183
واستقر الأمير طرنطاي حاجب حجاب دمشق في نيابتها، عوضاً عن الجوباني، وحمل إليه التقليد والتشريف مع سودون الطرنطاي.
ثم كتب السلطان بالقبض على الأمير كمشبغا الحموي نائب طرابلس؛ فقبض عليه، وقدم سيفه في عاشر ذي القعدة وولى نيابتها حاجبها الأمير أسندمر المحمودي، ثم نفى السلطان الأمير كمشبغا الخاصكي الأشرفي رأس نوبة إلى طرابلس، ثم رسم بالقبض على عشرة من أمراء البلاد الشامية، فلذلك نفرت القلوب عن الملك الظاهر برقوق، وخاف كل أحد على نفسه، وسمع الأمير يلبغا الناصري نائب حلب بما وقع للجوباني نائب دمشق؛ فخاف، وطلق زوجته، وتأهب للعصيان، ووقع بينه وبين الأمير سودون المظفري حاجب حجاب حلب، وكاتب كل منهما في الآخر، فلم يلتفت السلطان إلى كتب سودون المظفري في الظاهر، وأنصف الناصري، وفي القلب ما فيه.
ثم أرسل السلطان عقيب ذلك للناصري بهدية فيها عدة خيول بقماش ذهب، واستدعاه ليحضر إلى الديار المصرية للمشورة في أمر منطاش؛ فأجاب يعتذر عن الحضور بحركة التركمان، وبعصيان منطاش، والخوف على مدينة حلب منهم؛ فلم يقبل السلطان عذره، وعلم أمره، ولم يظهر ذلك.
стр. 1184
ثم بعث الأمير ملكتمر المحمدي الدواداري إلى حلب وعلى يده مثالين ليلبغا الناصري وسودون المظفري أن يصطلحا بحضرة الأمراء والقضاة، وسير معه خلعتين يلبسانهما بعد صلحتهما. وحمل في الباطن عدة مطالعات إلى سودون المظفري وغيره من الأمراء بالقبض على الناصري وقتله - إن امتنع من الصلح -.
وكان مملوك الناصري قد تأخر عن سفره؛ ليفرق كتباً من عند أستاذه على أمراء الديار المصرية، ويستميلهم فيها، ويدعونهم إلى موافقته، وأخر السلطان جواب الناصري الوارد على يده؛ ليسبقه ملكتمر الدوادار إلى حلب؛ فبلغ مملوك الناصري ما على يد ملكتمر من القبض على أستاذه الناصري وغيره، ثم كتب له الجواب بعد سفر ملكتمر بأيام وخرج، وفي ظن السلطان أن ملكتمر هو السابق، فجد هذا المملوك في السير، وساق إلى أن دخل حلب؛ قبل ملكتمر، وعرف الناصري الحال كله؛ فأخذ الناصري حذره.
وقيل إن ملكتمر كان بينه وبين الشيخ حسن رأس نوبة الناصري مصاهرة، فلم قرب من حلب بعث يخبره بما أتى فيه.
قلت: وهذا بعيد، اللهم إلا أن كان تباطأ حتى سبقه مملوك الناصري، مراعاة للشيخ حسن، فهذا ممكن. وخرج الناصري حتى لقي ملكتمر على العادة، وأخذ منه مثاله، وحضر به إلى دار السعادة، وقد اجتمع الأمراء
стр. 1185
والقضاة وغيرهم؛ لسماع المرسوم السلطاني. وتأخر سودون المظفري عن الحضور، والرسل تستعجله حتى حضر، وهو لابس آلة الحرب من تحت ثيابه.
فعند ما دخل الدهليز جس قازان اليرقشي أمير آخور الناصري كتفه؛ فوجد السلاح، فقال: يا أمير، الذي يجيء للصلح يدخل لابس آلة الحرب؟ فسبه المظفري، فسل قازان عليه السيف وضربه، فأخذته السيوف من الذين رتبهم الناصري من مماليكه حتى فارق الدنيا، وجرد أيضاً مماليك المظفري سيوفهم، وقاتلوا مماليك الناصري، فقتل بينهم أربعة، وثارت الفتنة.
ثم انهزمت مماليك المظفري، وقبض الناصري على الحاجب وأولاد المهمندار، وعدة ممن يخافهم، وركب من وقته إلى قلعة حلب؛ فتسلمها من غير قتال.
واستدعى التركمان والعرب، وقدم عليه منطاش معاوناً له، وداخلاً في طاعته. وعاد الخبر إلى الملك الظاهر برقوق بما وقع في خمس عشر صفر؛ فكتب السلطان في سابع عشره إلى الأمير إينال اليوسفي أتابك دمشق المعزول قبل تاريخه عن نيابة حلب بنيابة حلب ثانياً، عوضاً عن الناصري، بحكم عصيانه. فلم يلتفت إينال لذلك، ووافق الناصري على العصيان.
وفي ثامن عشر الشهر المذكور طلب السلطان القضاة وأعيان الدولة
стр. 1186
من الأمراء وغيرهم، وعرفهم بما وقع من الناصري، واستشارهم في أمره؛ فوقع الاتفاق على إرسال عسكر لقتاله.
ثم إن السلطان حلف الأمراء بأجمعهم على طاعته وعدم مخالفته، ثم خرج إلى القصر الأول، وحلف أكابر المماليك، ثم أخذ في تجهيز العسكر، وعرض المماليك السلطانية، فعين منهم أربعمائة وثلاثين للسفر، وعين من أمراء الألوف خمسة وهم: الأتابك أيتمش البجاسي، والأمير أحمد بن يلبغا أمير مجلس، والأمير أيدكار حاجب الحجاب، الأمير جاركس الخليلي، والأمير يونس النوروزي الدوادار. وعين من أمراء الطبلخانات سبعة وهم: الأمير فارس الصرغتمشي، والأمير بكلمش رأس نوبة، والأمير جاركس المحمدي، الأمير شاهين الصرغتمشي، والأمير آقبغا الصغير السلطاني، والأمير إينال الجركسي أمير آخور ثاني، والأمير قديد القلمطاوي، ومن العشرات جماعة.
وحمل للأمير أيتمش مائتا ألف درهم فضة، وعشرة آلاف دينار ذهباً مصرية، برسم النفقة، وإلى كل أمير من أمراء الألوف مائة ألف درهم، وخمسة آلاف دينار، ما خلا أيدكار الحاجب، فإنه أحمل إليه
стр. 1187
مبلغ ستين ألف درهم، وألف دينار وأربعمائة دينار.
فبينما هو كذلك، إذ قدم عليه الخبر في رابع عشرينه من دمشق بأن الأمير قرابغا فرج الله، والأمير بزلار العمري الناصري حسن، والأمير دمرداش اليوسفي، والأمير كمشبغا الخاصكي، والأمير آقبغا جنجق اجتمع معهم جماعة كبيرة من المماليك المنفيين، وقبضوا على الأمير أسندمر نائب طرابلس، وقتلوا من الأمراء الأمير صلاح الدين خليل بن سنجر وابنه، وقبضوا على جماعة أخر، ودخلوا في طاعة الناصري. وكان هؤلاء الأمراء بلا أرزاق بطرابلس، ممن نفاهم الظاهر برقوق، وكانوا من أعيان أمراء الدولة.
وفي سادس عشرينه قدم الخبر بأن مماليك الأمير سودون العثماني نائب حماه، هموا بقتله، ففر منهم إلى دمشق، وأن الأمير بيرم العزي حاجب حماة دخل في طاعة الناصري، وملك مدينة حماة؛ فعرض السلطان المماليك، وكتب منهم
стр. 1188
جماعة للسفر؛ لتتمة خمسمائة مملوك؛ ولهذا تعرف بوقعة الخمسمائة.
وفي يوم الجمعة سابع عشرينه رسم السلطان للأمير بجاس والي باب القلعة أن يتوجه إلى الخليفة المتوكل على الله، وينقله إلى البرج من القلعة، ففعل ذلك، وضيق عليه، ومنع الناس من الدخول إليه، وخوفاً من الناصري أن يدس من يأخذه؛ فإنه شنع عن السلطان بتلك البلاد أموراً أعظمها: خلع الخليفة هذا في البرج ليلة واحدة، ثم أعيد إلى مكانه، ثم رسم الملك الظاهر للأمير الطواشي مقبل الزمام بالتضييق على الأسياد - أولاد السلاطين - ومنع من يتردد إليهم، والفحص عن أحوالهم؛ ففعل ذلك، ثم أرسل السلطان تقليداً على البريد إلى الأمير طغاي تمر القبلائي - أحد أمراء دمشق - بنيابة طرابلس.
стр. 1189
وفي خامس ربيع الأول قدم البريد من خليل بن دلغادر يخبر بأن سنقر نائب سيس توجه إلى الناصري، ودخل في طاعته. ثم أنفق السلطان في المماليك برسم السفر نفقة ثانية؛ فإنه كان فرق في الأولى لكل واحد خمسة آلاف درهم فضة، وفي الثانية ألفاً. وهذا سوى الخيل والجمال والسلاح، فإنه فرق في أرباب الجوامك لكل واحد جملين، ولكل اثنين من أرباب الأخباز خمس علائق. ورسم أن يعطى كل مملوك بدمشق مبلغ خمسمائة درهم.
وفي ثالث عشرة قدم البريد بأن ثلاثة عشر من أمراء دمشق خرجوا بمماليكهم إلى حلب، ودخلوا تحت طاعة الناصري. ثم إن السلطان استدعى الخليفة من سجنه، وقام إليه، وتلقاه، وتلطف به، واعتذر إليه مما وقع في حقه، وتحالفا. ومضى الخليفة إلى داره.
стр. 1190
ثم رسم السلطان بسفر العسكر؛ فخرجوا في يوم السبت رابع عشر ربيع الأول من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة واستقلوا بالمسير حتى وصلوا إلى دمشق في يوم الاثنين سابع شهر ربيع الآخر.
ولما وصلوا إلى دمشق صارت المماليك السلطانية تكثر من الفساد واللهو إلى أن نزل عليهم الأمير يلبغا الناصري يوم السبت تاسع عشر في خان لاجين، خارج دمشق؛ فخرج في يوم الأحد أو الاثنين حادي عشرينه عساكر مصر ودمشق إلى برزة، والتقوا بالناصري على خان لاجين، وقاتلوه قتالاً شديداً، انكسر الناصري فيه مرتين من المماليك السلطانية؛ فعندما تنازلوا في المرة الثالثة؛ قلب الأمير أحمد بن يلبغا رمحه ولحق بعسكر الناصري بمن معه وتبعه الأمير أيدكار العمري الحاجب أيضاً بمن معه؛ ثم الأمير فارس الصرغتمشي؛ والأمير شاهين أمير آخور بمن معهم، ورجعوا قاتلوا العسكر المصري معاونة للناصري، فثبتوا لهم أيضاً ساعة جيدة.
ثم انهزموا؛ فهجم مملوك من عسكر الناصري يقال له يلبغا الزيني الأعور، وضرب الأمير جركس الخليلي بالسيف؛ فقتله، وأخذ سلبه، وترك رمته بالعراء مدة إلى أن كفنته امرأة ودفنته. ثم مدت التراكمين أيديهم ينهبون ويأسرون.
стр. 1191
ولحق الأتابك أيتمش بقلعة دمشق وتحصن بها، وتمزق العسكر السلطاني شذر مذر، ودخل الناصري إلى دمشق من يومه، ونزل بالقصر من الميدان، وتسلم القلعة بغير قتال، وأوقع الحوطة على سائر مال العسكر المصري والشامي، وقيد أيتمش والأمير طرنطاي نائب دمشق وحبسهما بقلعة دمشق. ثم قبض من يومه على الأمير بكلمش العلائي في عدة من المماليك السلطانية، واعتقلهم بالقلعة، وانهزم الأمير يونس النوروزي الدوادار يريد القاهرة، فاعترضه عنقاء بن شطي أمير آل مرا قريباً من خربة اللصوص؛ فقتله في يوم الثلاثاء ثالث عشرين ربيع الآخر. وبعث برأسه إلى الأمير يلبغا الناصري. وبلغ السلطان الخبر من غزة في يوم سابع عشرين ربيع الآخر؛ فاضطرب اضطراباً عظيماً، وغلقت الأسواق، وانتهبت الأخباز، وتشغبت الزعر.
هذا، مع عظم الوباء بالقاهرة، وترادفت الأهوال على المصريين. ثم خرج السلطان إلى الإيوان من القلعة، وعرض المماليك، وكتب منهم خمسمائة، وأنفق فيهم ذهباً حساباً عن ألف درهم فضة؛ ليتوجهوا إلى دمشق صحبة الأمير سودون الطرنطاي، ثم أنفق في خمسمائة مملوك، ثم في أربعمائة؛ لتتمة ألف وأربعمائة مملوك، ثم أنفق في المماليك الكتابية، لكل واحد مائتي درهم فضة.
стр. 1192
وفي يوم الأربعاء أول جمادى الأولى من السنة أنعم على كل من قرابغا الأبو بكري، وبجاس النوروزي نائب القلعة، وشيخ الصفوي، وقرقماش الطشتمري بإمرة مائة وتقدمة ألف بديار مصر، وأنعم على كل من ألجبغا الجمالي الخازندار، وألطنبغا العثماني رأس نوبة، ويونس الأسعردي الرماح، وقنق باي الألجاوي اللالا، وأسنبغا الأرغون شاوي، وبغداد الأحمدي، وأرسلان اللفاف، وأحمد الأرغوني، وجرباش الشيخي، وأرسبغا المنجكي، وإبراهيم بن طشتمر، وقراكسك السيفي بإمرة طبلخاناه. وأنعم على كل من السيد الشريف
стр. 1193
بكتمر الحسني والي القاهرة، وقنق باي الأحمدي بإمرة عشرين، وأنعم على كل من بطا الطولوتمري، ويلبغا السودوني، وسودون اليحياوي، وتنبك اليحياوي وأرغون شاه البيدمري، وآقبغا الجمالي الهذباني، وتغري بردى من يشبغا - أعني والدي - وقوزي الشعباني، وبكبلاط السونجي، وأردبغا العثماني، وشكزباي العثماني، وأسنبغا السيفي بإمرة عشرة.
ثم رسم فنودي بالقاهرة بإبطال المكوس، وأخذ في تحصين القاهرة، واستجلاب خواطر الرعية إلى أن ورد الخبر بقدوم الناصري نحو الديار المصرية. ثم انقطعت الأخبار عن السلطان؛ لأن ابن باكيش نائب غزة وغيره دخلوا في
стр. 1194
طاعة الناصري، فهم السلطان أن يخرج إلى السفر؛ لقتال الناصري في أثناء الطريق - وكان هو الرأي - فخذله الأمير دمرداش وغيره، وحسنوا له القتال من القلعة. ووقع الشروع في حفر خندق القلعة، فبينما هم كذلك إذ ورد الخبر بنزول الناصري إلى الصالحية؛ فأرسل السلطان الأمير قجماق بجماعة لكشف خبر الناصري فتوجه إلى المرج والزيات، وعاد ولم يقف على خبره، ثم أرسل في يوم الخميس أول جمادى الآخرة الأمير قرابغا الأبو بكري إلى قبة النصر، فعاد ولم يقف على خبر.
هذا والسلطان قد اجتمع عنده من الرماة، والمقاتلة، وآلات القتال أنواع، ثم ورد عليه الخبر بنزول الناصري إلى البئر البيضاء في يوم الجمعة ثانيه؛ فتوجه إليه
стр. 1195
أمراء الظاهر أولاً بأول.
وركب السلطان والخليفة بعد العصر، ودقت، الكوسات الحربية، ووقف عند دار الضيافة، وجميع من بقي عنده من العسكر ملبسة. واجتمع حوله من العامة خلائق، وقد ظهر زوال ملكه من عظم خوفه وكثرة بكائه حتى أبكى الناس، ثم عاد إلى الإصطبل السلطاني؛ فجلس فيه، وصعد الخليفة إلى منزله بقلعة الجبل. ثم لا زال الناصري بمن معه يتقدم، وأمر الظاهر برقوق وسعده يتأخر، إلى أن فر من عنده من الأمراء إلى الناصري الأمير آقبغا المارديني حاجب الحجاب، والأمير جقمق بن الأتابك أيتمش، والأمير صارم الدين إبراهيم بن طشتمر الدوادار.
وفي يوم الأحد رابع جمادى الآخرة فر الأمير قرقماس الطشتمري الدوادار، والأتابك قرا دمرداش الأحمدي، والأمير سودون باق، ولحقوا
следующие страницы →