← Тараджим

Тараджим · id 23156

المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي

ابن تغري بردي

Полный текст (2 835 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

انتهى كلام الصفدي، ﵀. قلت: وبشتك - بفتح الباء الموحدة من تحت وترقيقها، وسكون الشين المعجمة، وبعد تاء مثناة من فوق مفتوحة، وكاف - ومعناه باللغة التركية: خمسة لا غير، وصوابه في الكتابة: بش تك، انتهى. العمري بشتك بن عبد الله العمري، الأمير سيف الدين. أحد الأمراء مقدمي الألوف بالديار المصرية، ورأس نوبة النوب. كان من خواص الملك الأشرف شعبان بن حسين، زوجه بكريمته، وكتب كتابه عليها في سابع عشرين جمادى الأولى من سنة سبعين وسبعمائة بالإيوان بحضور الأمراء والقضاة. وكان جملة المهر خمسة عشر ألف دينار وأربعمائة ألف درهم، ثم عمل المهم في الدور السلطانية سبعة أيام، ثم دخل بها.

стр. 1262

ولا زال مقرباً عند الملك الأشرف شعبان إلى أن مات في سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة بالقاهرة. وكان أميراً جليلاً، شجاعاً، مقدماً، كريماً، رحمه الله تعالى. الكريمي بشتك بن عبد الله بن عبد الكريم، الأمير سيف الدين. أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية في الدولة الأشرفية شعبان بن حسين. كان خصيصاً، مقرباً عند الملك الأشرف المذكور إلى الغاية إلى أن قصد الأشرف الحج، توجه بشتك المذكور معه مع من توجه من الأمراء. فلما وقع للأشرف - ما سنذكر في ترجمته إن شاء الله تعالى - من الوقعة التي كانت في عقبة أيلة وعوده إلى القاهرة منهزماً، واختفى بها. كان بشتك هذا ممن عاد هو أيضاً إلى القاهرة مع جماعة من الأمراء، واختفى بقبة النصر - خارج القاهرة - إلى أن دل عليه؛ فقبض عليه؛ فقتل،

стр. 1263

وقتل معه جماعة من الأمراء في أوائل ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.

стр. 1264

باب الباء الموحدة والطاء المهملة بطا الطولوتمري بطا بن عبد الله الطولوتمري الظاهري الدوادار، ثم نائب دمشق، الأمير سيف الدين. اشتراه الملك الظاهر برقوق في سلطنته، وجعله من خواصه، ثم أنعم عليه بإمرة عشرة عند زوال ملكه في وقعة الناصري ومنطاش - حسبما ذكرناه في ترجمة برقوق -. ولما ملك الناصري الديار المصرية، وخلع الظاهر برقوق وحبس بالكرك أمسك بطا المذكور، وسجن بقلعة الجبل مع من سجن من المماليك الظاهرية إلى أن خرج الملك الظاهر برقوق من حبس الكرك طالباً لملكه، وقوى أمره. وخرج الأمير تمربغا الأفضلي - المدعو منطاش - بالملك المنصور إلى البلاد الشامية؛ لقتال برقوق في العشر الأخير من شهر ذي الحجة سنة إحدى وتسعين

стр. 1265

وسبعمائة وجعل منطاش نائب الغيبة بقلعة الجبل الأمير تكا ومعه الأمير دمرداش القشتمري، وجعل بالإصطبل السلطاني الأمير صراي تمر، وبالقاهرة الأمير قطلوبغا الحاجب، ومقبل أمير سلاح. ثم سار منطاش بالمنصور لقتال برقوق. فلما كان يوم رابع عشر المحرم من سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة، كانت الوقعة بين منطاش والملك الظاهر برقوق، بشقحب وانتصر برقوق، وانهزم منطاش؛ فأشيع هذا الخبر في القاهرة في ذلك اليوم، وهذا من الغرائب أخبرني بذلك جماعة أتقية، رجال ونسوة. فلما أشيع هذا الخبر بالديار المصرية، ولهجت الناس بذلك، وقع بين الأمير تكا نائب القلعة وبين الأمير صراي تمر المقيم بالإصطبل السلطاني أمر أوجب التنافس والمباينة، واحترص كل واحد من الآخر، ودام هذا الأمر. واتفق مع هذا أن المماليك الظاهرية والأمراء الذين سجنوا بقلعة الجبل بخزانة الخاص، ومنهم بطا المذكور زرعوا بالحبس بصلاً في قصريتين؛ فنجب بصل إحدى القصريتين، ولم ينجب الآخر؛ فرفعوا القصرية التي لم ينجب بصلها، فإذا هي مثقوبة من أسفلها، وتحتها حجر يخرج من شقوق ما بينه وبين

стр. 1266

الحجر الآخر هواء؛ ففكوا الطاقة ورفعوها؛ فوجدوا تحتها خلو، فما زالوا به حتى اتسع، وأفضى بهم إلى سرداب، مشوا فيه حتى صعد بهم إلى طبقة الأشرفية من القلعة. وكان منطاش قد سد بابها الذي ينزل منه إلى الإصطبل السلطاني، فعاد الذين مشوا فيه، وأعلموا أصحابهم؛ فقاموا بأجمعهم، وكانوا نحو خمسمائة مملوك، ومشوا فيه ليلة الخميس ثاني صفر. هذا، وقد عملوا عليهم الأمير بطا رأساً، ثم تحيلوا في باب الأشرفية حتى فتحوه؛ فثار بهم الحراس الموكلون بحفظ الباب، وضربوا مملوكاً يقال له تمربغا؛ فقتلوه، ثم بادر الأمير بطا هذا ليخرج؛ فضربه بعض الحراس أيضاً ضربة سقط منها إلى الأرض، ثم أفاق وضرب بقيده الرجل صرعه، وفر بقية الحراس؛ فصرخ المماليك: تكا يا منصور، وجعلوا قيودهم سلاحهم يقاتلون بها؛ فانتبه صراي تمر فزعاً، وهو لا يش أن تكا نائب القلعة ركب عليه؛ وأراد قتله؛ فقام من وقته ونزل فاراً من الإصطبل السلطاني إلى بيت الأمير قطلوبغا الحاجب؛ فملك بطا ورفقته الإصطبل السلطاني، واحتوى على ما فيه من قماش صراي تمر وخيله وسلاحه، وقبض على المنطاشية، وأفرج عن الظاهرية. ثم أمر فدقت الكوسات قريباً من نحو ثلث الليل الأول إلى أن أصبح الناس يوم الخميس؛ فرماهم الأمير تكا من أعلى الإصطبل، وساعده

стр. 1267

الأمير مقبل أمير سلاح، ودمرداش القشتمري فيمن معهم. هذا، وقد تسامعت المماليك الظاهرية، وخرجوا من كل مكان، وساعدتهم المماليك اليلبغاوية إخوة الظاهر برقوق، وكسروا حبس الديلم، وبعثوا إلى خزانة شمائل، فكسروها، وأخرجوا من فيها من المماليك الظاهرية واليلبغاوية وغيرهم، فعند ذلك ركب صراي تمر وقطلوبغا الحاجب لقتال بطا وأصحابه؛ فنزل إليهم بطا وقاتلهم، وقد اجتمع عليه من العوام خلق كثير، وحصل بينهما بعض حروب؛ وانكسرت المنطاشية، وصعدوا إلى مدرسة السلطان حسن. فلما رأى تكا جمع بطا يتزايد وكسر صراي تمر، نزل من القلعة إلى الطبلخاناه، ورمى على بطا، فلم يلتفت بطا لذلك، وملك بيت قطلوبغا، وكثر جمعه، وقوى الحصار على من بالمدرسة، حتى طلبوا الأمان، وسلم تكا القلعة لسودون النائب، وأخذ بطا في الأمر والنهي، وملك الديار المصرية، وركب سودون النائب، ونادى بالأمان والإطمآن، وأن السلطان: الملك الظاهر برقوق.

стр. 1268

ثم كتب بطا إلى الملك الظاهر برقوق يخبره بما اتفق، وكتب إلى ولاة الأعمال بإحضار المنطاشية، والإفراج عن الظاهرية. وشرع بطا في قبض من استوحش منه، وتخلية سبيل من كان من جهة أستاذه الظاهر برقوق. ثم قدم كتاب الملك الظاهر برقوق بنصرته على منطاش؛ فصار بطا يأخذ في هذا الخبر ويعطي، ويخشى أن يكون هذا مكيدة من منطاش؛ لما في قلوب الناس من الشك في نصرة الظاهر برقوق على منطاش إلى أن ترادفت الأخبار بذلك، ونزل الملك الظاهر في يوم الثلاثاء رابع عشر شهر صفر سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة بالريدانية - خارج القاهرة -؛ فخرج الأمير بطامع من خرج من الأمراء والمماليك؛ لتلقي السلطان حتى وصل إليه، وقبل الأرض بين يديه، فشكر له السلطان ما فعله، وطلع إلى القلعة، وخلع على أرباب الوظائف، فاستقر الأمير بطا الطولوتمري هذا أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية، ودواداراً كبيراً؛ فباشر الدوادارية إلى شهر ذي القعدة من سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، نقل إلى نيابة دمشق عوضاً عن الأمير يلبغا الناصري، بعد القبض عليه وقتله - على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى -؛ فتوجه بطا إلى دمشق، وحكمها نحو الشهرين. ومات في المحرم من سنة أربع وتسعين وسبعمائة، وتولى نيابة دمشق من بعده سودون طرنطاي.

стр. 1269

ولم تطل أيام بطا في السعادة، ليعرف حاله، ولكن حدثني جماعة من المماليك والدي قالوا: لما انتصر الظاهر برقوق على منطاش، أرسل والدي إلى الديار المصرية مبشراً بنصرته على منطاش. قال والدي ﵀: فتلمحت من بطا الوثوب على أستاذنا الملك الظاهر برقوق من كلامه؛ فردعته بالكلام الخشن حتى تحقق أنه لم يكن من هذا القبيل، فمن جملة كلامه لوالدي: يا أخي تغردي بردى، هل اجتمع على أستاذنا من الرجال المسمية أحد؟ فقال له والدي: معه جماعة إذا قهقروا خيولهم هدموا باب السلسلة بأكفالها، لا تكن صبي، لا أنت هذا القبيل، ولا أنا. انتهى. وبطا - بضم الباء الموحدة ثانية الحروف، وبعدها طاء مهملة وألف - ومعناه: الجمل الصغير، تصغيره: بطجق.

стр. 1270

باب الباء الموحدة والغين المعجمة بنت جوبان بغداذ خاتون بنت النوين جوبان. كان السلطان بوسعيد ملك التتار يحبها ويميل إليها ميلاً زائداً. وكان أبوها لا يدعها تقرب من بلاد الأردو ولكن تكون غائبة مع زوجها الشيخ حسن. فلما قتل بوسعيد أخاها دمشق خجا، وهرب أبوها جوبان، ثم قتل، ودخل أخوها تمرتاش إلى الديار المصرية، تمكن بوسعيد منها، وأخذها من زوجها، وصارت عنده مكينة، لها الحكم في الممالك، ولها وزيرة، وتركب في موكب من الخواتين، وتشد في وسطها السيف، وهرب منها علي باشاه، خال

стр. 1271

بوسعيد. ولم تزل عند بوسعيد على ما هي عليه حتى مات. وتملك أربكون؛ فأخذها وقتلها في سنة ست وثلاثين وسبعمائة.

стр. 1272

باب الباء الموحدة والكاف بكا الخضري بكا بن عبد الله الخضري الناصري محمد بن قلاوون، الأمير سيف الدين. أحد الأمراء بالديار المصرية. كان من جملة أمراء الملك الناصر محمد بن قلاوون، ووقع له بعد موته أمور آلت إلى توسيطه بسوق الخيل، هو وثلاثة من مماليك السلطان، وعلق على باب زويلة ثلاثة أيام. نسب إلى الخروج مع رمضان بن الملك الناصر على أخيه السلطان الملك الصالح بن الناصر، وذلك في رجب سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة.

стр. 1273

بكتاش الفقيه بكترش - وقيل بكتاش - أبو الفضل، وأبو شجاع، الفقيه الحنفي الأصولي، نجم الدين التركي الناصري، مولي الإمام الناصر لدين الله الخليفة العباسي. كان إماماً فاضلاً، بارعاً في الفقه والأصول والعربية، وتصدر للإقراء والتدريس والتصنيف. ومن تصنيفه: الحاوي في الفقه - نحو القدوري -، وله شرح على مصنف الطحاوي - في مجلد كبير سماه: النور اللامع والبرهان الساطع -، وغير ذلك. وسمع منه الحافظ شرف الدين الدمياطي ببغداد. وذكره الصاحب ابن العديم في تاريخ حلب، وقال: فقيه حسن، عارف بالفقه والأصول. وكان يلبس لبس الأجناد: القباء والشربوش. عرض عليه الإمام المستنصر بالله قضاء القضاة ببغداد، وأن يلبس العمامة؛ فامتنع من ذلك.

стр. 1274

وكان ورعاً، ديناً، خيراً، فقيهاً، فاضلاً، حسن الطريقة. ولم يتفق لي الاجتماع به حين قدم حلب، ولا حين قدمت بغداد. وتوفي بغداد في أوائل شهر ربيع الآخرة سنة اثنتين وخمسين وستمائة، ودفن إلى جانب قبر الإمام أبي حنيفة ﵁ رحمه الله تعالى. بكتاش الفخري بكتاش بن عبد الله الفخري، الأمير بدر الدين، أمير سلاح الملك الصالح. كان مقدم العساكر المصرية إلى غزو سيس. وتوجه صحبته الأمير علم الدين سنجر الدواداري، وصاحب حماة، ونائب صفد؛ فوصلوا إلى بلاد سيس في شهر رجب سنة سبع وتسعين وستمائة؛ فأسروا، وقتلوا، وغنموا، ثم عادوا، وعاد الأمير بكتاش إلى الديار المصرية بعساكرها. وكان في الغزوة المذكورة مقدماً على جميع العساكر حتى على صاحب حماة. واستمر بالقاهرة حتى مات في سنة ست وسبعمائة، وقد نيف على السبعين.

стр. 1275

وكان أميراً جليلاً، خبيراً بالحروب، سديد الرأي، كثير الخير، سخياً، شجاعاً. رحمه الله تعالى. بكتاش الأستادار بكتاش بن عبد الله، الأمير بدر الدين، أستادار الأمير حسام الدين لاجين نائب دمشق. كان معدوداً من أعيان دمشق. توفي سنة ثلاث وتسعين وستمائة. الحاجب بكتمر بن عبد الله الحاجب، الأمير سيف الدين. كان أولاً من جملة أمراء الديار المصرية، وأمير آخوراً صغيراً، ثم أخرج إلى دمشق، وتولى بها شد الدواوين أيام الأفرم، ولم يكن لأحد معه كلام.

стр. 1276

وكان عارفاً خبيراً بالأحكام، دربا، خيراً، يرعى أصحابه ويقضي حوائجهم. ثم ولى الحجوبية بدمشق إلى أن توجه من دمشق صحبة الملك الناصر محمد بن قلاوون لما عاد من الكرك إلى الديار المصرية، وولاه الناصر محمد الوزارة، ثم قبض عليه لما قبض على أيدغدي شقير. وبقي في الاعتقال نحو سنة ونصف، ثم أخرجه السلطان إلى نيابة صفد، وأنعم عليه بمائة ألف درهم؛ لأنه كان قد أخذ منه مالاً كثيراً إلى الغاية؛ فباشر نيابة صفد عشرة أشهر، ثم طلب إلى الديار المصرية، وصار من جملة الأمراء الذين يجلسون في مجلس السلطان، وإذا تكلم السلطان في المشورة لا يرد عليه أحد غيره؛ لما عنده من المعرفة والخبرة. وكان قد تزوج بابنة الأمير آقوش نائب الكرك، وعمر له داراً ظاهر باب النصر - خارج القاهرة - وعمر بجانبها مدرسة. وكان مشكور السيرة، وعنده تعصب لمن يلوذ به، لا يبخل على أحد بجاهه ممن يقصده. وكانت رسالته مقبولة عند أرباب الدولة.

стр. 1277

وسرق له من خزانته مال كبير، قال إنه نحو من مائتي ألف درهم، وكان في الحقيقة أكثر من سبعمائة ألف درهم؛ فما جسر يظهر الكل؛ خوفاً من الملك الناصر محمد بن قلاوون. وكان قدو دار والي القاهرة؛ فرسم السلطان له أن يتبع ذلك، فيقال إن القاضي فخر الدين، وبكتمر الساقي، والجمالي الوزير تعاملوا في الباطن عليه، وحمل إليهم بعض العملة، فشرعوا يحتجون عن المتهمين. وإذا قال السلطان للوالي: إيش عملت في عملة الأمير بكتمر، يقول فخر الدين: يا خوند، لعن الله ساعة هذه العملة، كل يوم تموت الناس تحت المقارع، وإلى متى يقتل المتهم الذي لا ذنب له؟ ثم في آخر الحال وقف بكتمر الحاجب للسلطان في دار العدل وشكا وتضور، فأحضر السلطان الوالي وسبه؛ فقال: يا خوند، اللصوص الذين أمسكتهم أقروا بأن خزنداره سيف الدين بخشى اتفق معهم على أخذ المال وجماعة من ألزامه؛ فقال السلطان للجمالي الوزير: أحضر هؤلاء المذكورين وعاقبهم؛ فأحضرهم وعصر بخشى الخزندار، وكان عزيزاً عند بكتمر قد أزوجه ابنته، وهو واثق بعقله ودينه وأمانته؛ فقال يا خوند: أنا والله الذي تحت يدي لأستاذي ما يعرفه ولا يدري كم هو، فما يحتاج أن أخلي غيري يأخذ معي.

стр. 1278

فلما بلغ بكتمر عصر بخشى وجماعته، علم أن ماله قد راح، فحصل له غيظ عظيم، وغم وغبن؛ فمات فجأة من الظهر إلى العصر سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة. وكان له حرص عظيم على جمع المال إلى الغاية. وكان له الأملاك الكثيرة في كل مدينة، بحيث أنه كان له في كل مدينة ديواناً فيه مباشرون. وكان له قدور تطبخ فيها الحمص والفول وغير ذلك من الأواني التي تكرى. وكان بخيلاً جداً. قال الشيخ صلاح الدين الصفدي ﵀: حكى لي الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس قال: كنت عنده يوماً، وبين يديه صغير من أولاده، وهو يبكي ويتعلق في رقبته، ويبوس صدره. فلما طال ذلك من الصغير، قلت له: يا خوند، ما له؟ قال: شيطان يريد قصب مص؛ فقلت: يا خوند، اقض شهرته. قال، فقال: يا بخشى سير إلى السوق أربع فلوس، هات له عوداً. فلما حضر العود القصب وجدوا الصغير قد نام مما تعنى وتعب في طلب القصب؛ فقال الأمير: هذا قد نام، ردوا العود، وهاتوا الفلوس. ولما مات أخذ السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون من ماله شيئاً كثيراً إلى الغاية. انتهى.

стр. 1279

قلت: وهكذا كان غالب ذريته من بعده في البخل والخسة، عفا الله عنهم. الساقي بكتمر بن عبد الله الركني الساقي الناصري. كان أولاً من مماليك الملك المظفر بيبرس الجاشنكير، ثم انتقل إلى الملك الناصر محمد بن قلاوون؛ فحظي عنده، وجعله ساقياً. وكان غريباً في بيت السلطان؛ لأنه لم يكن له بخجداش، فكان هو وحده وسائر الخاصكية حزباً عليه. وعظمت مكانته عند السلطان، وزادت محبته له. ولما مات طغاي الكبير، كان تنكز نائب الشام منتمياً إليه؛ فقال السلطان لتنكز: خل بكتمر يكون أخاك عوض طغاي.

стр. 1280

قال ابن أيبك: كان يقال إن السلطان وبكتمر لا يفترقان، إما أن يكون بكتمر عند السلطان، وإما أن يكون السلطان عند بكتمر، ولا يأكل إلا في بيت بكتمر مما تطبخه له أم أحمد بن بكتمر في قدور فضة، وينام عندهم ويقوم، حتى كان الناس يظنون أن أحمد بن السلطان مما يحبه ويبوسه ويحمله. وكان بكتمر قد عظم ذكره عند الناس وتسامعوا به، فإذا أهدى الناس إلى السلطان شيئاً كان مثله لبكتمر، والذي يجيء إلى السلطان يكون أيضاً غالبه لبكتمر؛ فعظمت أمواله. وكان في إصطبله مائة سطل نحاساً لمائة سائس ستة أرؤس، غير ماله في الجشارات، ومع ذلك لم يكن له حماية ولا رعاية، ولا لغلمانه ذكر. وكان باب إصطبله يغلق من المغرب، وما لأحد به حس. وعمر تلك العمارة التي على بركة الفيل، وكان قد استخدم فيها نور الدين

стр. 1281

الفيومي، وكان صاحبي؛ فقلت له: كم نفقة العمارة كل يوم؟ قال: تبلغ ألف وخمسمائة درهم مع جاه العمل؛ لأن العجل من عند السلطان، والحجارين والفعلة من المحابيس؛ فقلت له: فكم يكون مقدار ذلك لو لم يكن جاء العمل؟ فقال لي: على القليل كل يوم ثلاثة آلاف درهم. وأقاموا يعمرون فيها مدة عشرة أشهر، وخرجت أنا من القاهرة وهم يعملون في الحوش، ولم يكونوا وصلوا إلى الرخام، ولا اللازورد، ولا الذهب، ولا عرق اللؤلؤ. انتهى. قلت: وهذه الدار بالقرب من الكبش، تعرف بقصر بكتمر، ملكناها في حدود سنين العشرين وثمانمائة، وابتاعها منا غصباً الأمير تمرباي رأس نوبة النوب في سنة ست وأربعين وثمانمائة، بنحو ألف دينار، بحكم القيراط من مصروفها، انتهى. قال الصفدي: ولما توفى بكتمر بطريق الحجاز عائداً سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، خلف من الأموال والجواهر والأصناف والأمتعة والقماش ما يزيد عن الحد. قال لي المهذب كاتبه: أخذ السلطان من خيله أربعين فرساً، قال: هذه لي وهبته إياها. وأبيع الباقي على ما انتهبه الخاصكية، وأخذوه بالثمن

стр. 1282

البخس، بما مبلغه ألفا ألف درهم ومائتا ألف درهم وثمانون ألف درهم، خارجاً عما في الجشارات. وأنعم السلطان بالزرد خاناه والسلاح خاناه التي له على الأمير قوصون بعد ما أخذ منها سرجاً واحداً وسيفاً واحداً؛ فقال المهذب: قيمتها ستمائة ألف دينار. وأخذ السلطان له ثلاثة صناديق جوهر مثمناً ما لا يعلم لها قيمة، وأبيع له من: الآلات، والصيني، والكتب، والمصاحف، والربعات، والبخاري نسخ مختلفة. ومن الأدوية والمطعم وغير ذلك، والفراء الوبر، والأطلس وأنواع القماش السكندري والبغدادي وغير ذلك شيء كثير إلى الغاية المفرطة، دام البيع في ذلك مدة شهور. وكان مع ذلك كله وافر العقل والسكون والحرمة والحشمة، قريباً من الناس، يتلطف بهم، ويسوسهم أحسن سياسة، ومن دخل في أمره قضى شغله على أكمل الوجوه. وكان السلطان لا يخالفه في شيء، وإذا أنعم على أحد بوظيفة أو غير ذلك يقول: روح إلى الأمير بوس يده. وكان يحجر على السلطان ويمنعه كثيراً عن أشياء من المظالم والعسف - ظهرت من السلطان بعد موته -.

стр. 1283

ولما توجه السلطان إلى الحجاز توجه معه سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، وظهر بتجمل زائد، وحشمة وافرة. كنت بسرياقوس لما خرجوا، ورأيت ما هالني، وخرج ساقه للناس كلهم، فكان ثقله وبركه نظير ما للسلطان، ولكن يزيد على ذلك بالزركش وآلة الذهب. وتنكر له السلطان في الطريق، واستوحش كل منهما من الآخر. فاتفق أنهم في العود مرض ولده أحمد، ومات قبل والده بثلاثة أيام، ثم إن بكتمر مات بعد ذلك. وكان السلطان قد عمل أحمد في تابوت وحمله معه. فلما مات أبوه بكتمر دفن الاثنين في الطريق عند نخل، وحث السير بعد ذلك. وكان السلطان في تلك السفرة لا يبيت إلى في برج خشب وبكتمر عنده، وقوصون على الباب، والأمراء المشايخ كلهم حول البرج ينامون بسيوفهم. فلما مات بكتمر، ترك المبيت بالبرج؛ فعلم الناس أن ذلك كان خوفاً من بكتمر.

стр. 1284

ووجد في خزانة بكتمر في طريق الحجاز خمسمائة خلعة، منها ما هو أطلس بطرز زركش، وحوائص ذهب، وكلوتات وما دون ذلك من خلع المتعممين ومن دونهم من الأمراء الأجناد. ووجدوا - على ما قيل - فيها قيوداً وزناجير، والله أعلم بحقيقة ذلك في الباطن. ويقال إنه لما مرض، دخل إليه السلطان يوماً، فقال له بكتمر: بيني وبينك الله تعالى؛ فقال له السلطان: كل من عمل شيئاً يلتقيه. ولما مات صرخت زوجته أم أحمد، وبكت إلى أن سمعها الناس تتكلم بكلام قبيح في حق السلطان، من جملته: أنت تقتل مملوكك، إيش كان ولدي فقال: بس تفشري، هاتي مفاتيح صناديقه، فأنا كل شيء أعطيته من الجوهر أعرفه واحداً واحداً؛ فرمت إليه المفاتيح؛ فأخذها. ولما حضر السلطان إلى القلعة أظهر الندم عليه والأسف، وأعطى أخاه إمرة مائة وتقدمة ألف، وقال: ما بقي يجينا مملوك مثل بكتمر. ثم إنه أمر بحمل رمته ورمة ولده أحمد من طريق الحجاز، وأحضرهما إلى تربيتهما بالقرافة.

стр. 1285

وكان للزمان به جمال، ولبيت السلطان به رونق عظيم. جاء أحمد بن مهنا بعد موته إلى القاهرة؛ فقال: بيت السلطان الآن يعوز شيئاً، وذلك الشيء هو كان بكتمر الساقي. ويقلا إنه لما مرض في طريق الحجاز كان في محفة سائراً، والسلطان خلفه بقدر رمية نشاب يسير، فإذا أوقفوه وقف، وإذا مشوا به مشى. وتجهز إليه بغا الدوادار يكشف خبره. فلما جاء إليه وقال: يا خوند مات ساقٍ في مماليكه الخاصكية، وقال للأمير سيف الدين الحاج بهادر المعزي: يا أمير، قف غسله، وادفنه هو وولده في هذا المكان. وخلاه، وحث السير؛ فنزل الأمير سيف الدين قوصون عن هجينه بعد ما عرج عن الطريق يظهر أنه يريق الماء، واستند إلى الهجين، وجعل يبكي والمنديل على عينيه، فقال له المملوك الذي معه: يا خوند إيش تبكي، أما كان عدوك فقال والك، أنا ما أبكي إلا على نفسي، هكذا يفعل بكتمر ومن فينا مثل بكتمر؟ ومن بقي بعد بكتمر؟ ما بقي إلا أنا

стр. 1286

وكان بكتمر من أحسن الناس شكلاً، حسن الوجه، له لحية مدورة حمراء بسواد يسير، أبيض، ساطع البياض مشرباً بحمرة، قده مليح، وعبارته عذبه. وكان إذا ركب في القاهرة ركب في مائتي نفس، ويركب نقيب النقباء والنقباء في خدمته. وقصره في سرياقوس، بخلاف قصور بقية الأمراء، لأنه قبالة قصر السلطان، بحث أنهما كانا يتحادثان من داخل القصرين. وعمر له بالقرافة خانقاة وتربة مليحتين، وكان عوناً لمن انتمى إليه، وركناً عظيماً، ومروءة زائدة. ولما تزوج آنوك ابن الملك الناصر بابنته كنت بالقاهرة، ورأيت الشوار الذي حمل من داره إلى القلعة. انتهى كلام الشيخ صلاح الدين الصفدي، ﵀. ؟ المؤمني بكتمر بن عبد الله المؤمني، الأمير سيف الدين.

стр. 1287

كان من جملة الأمراء بالديار المصرية، ثم ولى نيابة الإسكندرية، ثم ولى نيابة حلب، عوضاً عن الأمير علاء الدين على المارديني، فساءت سيرته بها؛ فعزل بالأمير بيدمر البدري، وقبض عليه، ثم صار بعد ذلك أمير آخوراً بالديار المصرية إلى أن توفى بها في سنة إحدى وسبعين وسبعمائة. وكان أميراً شديد البأس، ذا أخلاق شرسة، يميل إلى الظلم، إلا أنه كان قديم الهجرة، ذا مهابة، ومعرفة، وتدبير، ودهاء. عفا الله عنه. بكتمر الجوكندار بكتمر بن عبد الله الجوكندار، الأمير سيف الدين. كان أحد الأمراء الذين يشار إليهم أيام سلار وبيبرس الجاشنكير، ثم إنهما عملا عليه وأخرجاه إلى قلعة الصبيبة نائباً بها، فأقام هناك مدة، ثم نقل

стр. 1288

إلى نيابة صفد بعد موت الأمير سنقر شاه المنصوري، وكان في خدمته إذ ذاك ثمانمائة مملوك، حتى كان إذا ركب فيهم كانوا قريباً من عسكر صفد؛ فأقام في نيابة صفد نحو سنتين. فلما حضر الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك، لاقاه إلى دمشق، وحضر معه إلى القاهرة؛ فجعله الملك الناصر نائب السلطنة بالديار المصرية. وكان الملك الناصر يدعوه يا عمي. وله ولد يسمى محمد، كان هو والسلطان لا يتفارقان، وكان السلطان يدعوه: يا أخي. قال الشيخ صلاح الدين: ولما كان في بعض الأيام والسلطان متوجه إلى المطعم، بكتمر بإزائه، خرج السلطان من السرج، ومال إليه، وقال: يا عمي ما بقي في قلبي من أحد من هؤلاء الأمراء أن أمسكه إلا فلان وفلان، وذكر له أميرين، فقال له: يا خوند ما تطلع من المطعم إلا وتجدني قد أمسكتهما. وكان ذلك يوم الثلاثاء؛ فقال له السلطان: لا يا عمي ألا دعهما إلى يوم الخميس أو الجمعة نمسكهما في الصلاة إذا فرغنا منها. فقال: السمع والطاعة. ثم إنه جهز إليه تشريفاً هائلاً، ومركوباً معظماً. فلما كان يوم الخميس قال له: غداً نمسكهما. فلما كان يوم الجمعة قال له في الصلاة: أين هما؟ قال: حاضران؛ فقال: يعد الصلاة تقدم بما قلت لك. فلما انقضت الصلاة، قال:

стр. 1289

يا عم، ما لي وجه أراهما واستحيي منهما، ولكن أمسكهما إذا دخلت أنا إلى الدار، وتوجه بهما إلى المكان الفلاني تجد منكلي بغا وقجماس، فسلمهما إليهما وروح. فلما أمسكهما، وتوجه بهما إلى المكان المذكور له، وجد الأميرين قجماس ومنكلي بغا هناك، فقاما إليه، وقالا له: عليك سمعاً وطاعة لمولانا السلطان، وأخذا سيفه؛ فقال لهما: يا خجداشية، ما هو هكذا الساعة كما فارقته؟، وقال أمسك هؤلاء، فقالا: ما القصد إلا أنت، فأمسكاه، وأطلقا الأميرين. وكان ذلك آخر العهد به بتاريخ سنة إحدى عشرة وسبعمائة تقريباً. وكان فيه خير وبر للصلحاء، وحج حجة أنفق فيها شيئاً كثيراً، وأعطى المجاورين بالحرمين الذهب والقمصان والقمح. وكان لا يحب سفك الدماء؛ فكان في صفد إذا أحضروا القاتل ضربه ضرباً مبرحاً، قريباً من السبعمائة عصا، ورماه في الحبس ويقول: الحي خير من الميت؛ فكثر الفساد في صفد وبلادها.

стр. 1290

وكان هو وولده محمد في اللعب بالكرة فارسين، وولده أفرس منه. وكان له من الأولاد محمد وخليل وإبراهيم وأحمد - فيما أظن -. وكان يكثر اللعب بالكرة في صفد، ويضرب له حاماً على قرية بيربا - ظاهر صفد -، ويقيم هناك هو وحريمه أياماً، ويعمل الموكب هناك، ودور العدل. وعمر المغارة التي بصفد، وأنشأ بها صهريجاً، ودفن بها زوجته، ورتب للمغارة والصهريج على الديوان السلطاني مرتباً، وهو إلى اليوم. ولما كان السلطان في الكرك كان يكتب إليه وإلى ابنه ناصر الدين محمد كثيراً ويخاطبه: يا أخي قل لعمي كذا، وطول روحك إلى أن يقدر الله لنا الخير. انتهى كلام الشيخ صلاح الدين، رحمه الله تعالى. السلاح دار بكتمر بن عبد الله السلاح دار، الأمير سيف الدين. هو من مماليك الملك الظاهر بيبرس، وممن تأمر في الدولة المنصورية

стр. 1291

قلاوون، ودام على ذلك إلى أن عاد الملك الناصر محمد إلى الملك ثانياً، فر مع من فر من الأمراء إلى غازان - ووقع ما سنذكره إن شاء الله تعالى في غير هذا الموضع -؛ فأقام هناك مدة، ثم قدم إلى الديار المصرية، وصار بها من جملة الأمراء إلى أن توفى بها سنة ثلاث وسبعمائة رحمه الله تعالى. الركني بكتمر بن عبد الله الركني، الأمير سيف الدين. أنشأه الملك الظاهر برقوق، وأنعم عليه بإمرة عشرة، ثم طبلخاناه، ثم صار في الدولة الناصرية فرج أمير مائة ومقدم ألف، ثم نقل إلى إمرة مجلس، ثم إلى إمرة سلاح، ثم خلع في شوال سنة خمس وثمانمائة باستقراره رأس نوبة الأمراء - وهذه الوظيفة مفقودة الآن - واستقر عوضه في إمرة سلاح الأمير تمراز الناصري. واستمر على ذلك مدة، ثم أغطت رتبته، وتولى نيابة صفد عوضاً عن الأمير بكتمر شلق - الآتي ذكره - بعد انتقاله إلى نيابة طرابلس؛

стр. 1292

وذلك في ذي الحجة سنة سبع وثمانمائة، وأظنه مات بها بعد ذلك بيسير، والله أعلم. شلق بكتمر بن عبد الله الظاهري، المعروف بكتمر شلق، الأمير سيف الدين. أصله من مماليك الملك الظاهر برقوق ومن خاصكيته، ثم أنعم عليه بإمرة عشرة، ثم طبلخاناه إلى أن مات الظاهر برقوق، صار في دولة ابنه الملك الناصر فرج أمير مائة ومقدم ألف بديار مصر، ثم ولى نيابة صفد؛ فتوجه إليها وباشر نيابتها، ووقع له فيها أمور ووقائع مع الأمير شيخ المحمودي، ثم اصطلحا وتحالفا على الخروج عن طاعة الناصر فرج، وذلك في يوم الاثنين الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة سبع وثمانمائة. فكانت مدة الحرب بينهما اثنين وعشرين يوماً، وقتل بينهما خلائق. واستمر بكتمر المذكور على نيابة صفد على طاعة السلطان إلى أن توجه

стр. 1293

الأمير شيخ المذكور والأتابك يشبك الشعباني وقرا يوسف وغيرهم من الأمراء إلى الديار المصرية - وهي وقعة السعيدية -؛ فطرقه أيضاً الأمير يشبك بصفد، وحصل بينهما قتال شديد، ثم عاد يشبك عن صفد بغير طائل. ولما حصل للأمراء ما حصل، وتشتت شملهم بعد وقعة السعيدية، نقل بكتمر هذا إلى نيابة طرابلس - عوضاً عن الأمير شيخ السليماني - وولى عوضه صفد الأمير بكتمر الركني - المقدم ذكره -؛ فدخلها، وباشر نيابتها إلى شهر جمادى الآخرة من سنة ثمان وثمانمائة قصده الأمير شيخ المحمودي والأمير نوروز الحافظي، وهو نازل على حمص؛ ففر بكتمر منهما؛ فتوجها إلى طرابلس، واستوليا عليها. فلما كان الصلح بين الناصر فرج وبين أمرائه، استقر الأمير شيخ في نيابة دمشق، وأنعم بطرابلس على الأمير جكم مضافاً إلى حلب. وكتب إلى الأمير نوروز بالتوجه إلى القدس بطالاً، ورسم للأمير بكتمر شلق هذا بأن يكون أتابك دمشق؛ فدام في أتابكية دمشق إلى أن فر الأمير نوروز، نقل إلى نيابة صفد ثانياً بأمر الأمير جكم من عوض نائب حلب، بعد أن تسلطن جكم بحلب، وسمى نفسه بالملك العادل، وذلك في رابع شوال سنة تسع وثمانمائة، فلم يقم فيها إلا مدة يسيرة، وقدم عليه الأمير شيخ المحمودي فاراً من الأمير نوروز، وأخذ مدينة صفد منه؛ فتوجه بكتمر المذكور إلى القاهرة،

стр. 1294

فأنعم عليه السلطان بإمرة مائة وتقدمة ألف بها. ولما توجه الملك الناصر فرج إلى البلاد الشامية كان الأمير بكتمر هذا صحبته، وولاه نيابة طرابلس ثانياً، وجعله نائب الغيبة بدمشق إلى أن يعود إليها نائبها الأمير نوروز الحافظي؛ فطرقه الأمير شيخ المحمودي بغتة ومعه الأمير يشبك الشعباني والأمير جاركس القاسمي المصارع، وأجلاه عن دمشق؛ فتوجه بكتمر إلى بعلبك؛ فوافاه الأمير نوروز ببعلبك؛ فقوى أمر بكتمر. وكان قد خرج في إثر بكتمر من دمشق الأمير يشبك والأمير جركس؛ فلما ورد خبرهما على بكتمر خرج إليهما الأمير نوروز بمن معه، والتقى معهما؛ فكان بينهم وقعة قتل فيها الأتابك يشبك الشعباني وجاركس القاسمي المصارع - حسبما سنذكره في ترجمتهما إن شاء الله تعالى -. ثم توجه بكتمر إلى طرابلس وتولى يشبك بن أزدمر نيابة حماة. ودام بكتمر في نيابة طرابلس إلى أن اصطلح الأمير نوروز الحافظي مع الأمير شيخ المحمودي على القبض على بكتمر المذكور، وقبض عليه، وقيد؛ وتوجه به إلى قلعة دمشق؛ فسجن بها في يوم الخميس سابع شهر رجب سنة عشرة وثمانمائة، ثم أفرج عنه لما اصطلح السلطان مع الأمير شيخ، وأعاده إلى نيابة دمشق، وأخلع على بكتمر المذكور أيضاً بإعادته إلى نيابة طرابلس؛

стр. 1295

فباشر نيابتها مدة، ووقع بينه وبين نوروز الحافظي وقعة عند توجهه إلى مدينة صفد، ثم سار الأمير بكتمر وصحبته الأمير جانم إلى غزة، ونزح عنها الأمير سودون تلي المحمدي - وكان بها من قبل نوروز - ثم عاد إلى محل كفالته، واستمر إلى أن توجه الملك الناصر فرج إلى البلاد الشامية، ووصل إلى دمشق، وقدم عليه الأمير بكتمر هذا، وأخلع عليه الملك الناصر، واستقر به في نيابة دمشق، عوضاً عن الأمير شيخ المحمودي، وذلك في عشرين شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وثمانمائة. ثم توجه السلطان في أثر الأمراء إلى أن وصل إلى قلعة صرخد وحصرهم بها، ثم اصطلحا على أن يكون بكتمر في نيابة دمشق، والأمير شيخ في نيابة طرابلس. وعاد السلطان إلى دمشق، وعقد بكتمر على ابنته بحضرته وحضرة أعيان الدولة؛ فعظم بكتمر بصهارة الملك الناصر. ثم سار السلطان يريد القاهرة، واستمر بكتمر في نيابة دمشق إلى شهر جمادى الأولى من السنة؛ طرقه الأمير شيخ، واستولى على دمشق، وفر بكتمر إلى صفد، ثم إلى القاهرة، وصحبته من الأمراء الأمير بردبك نائب حماة، والأمير نكباي حاجب حجاب دمشق، والأمير ألطنبغا العثماني، والأمير يشبك الموساوي الأفقم نائب غزة؛ فخرج الملك الناصر إلى تلقيهم، ودخل بهم من باب النصر، وشق القاهرة، وأنعم على الأمير بكتمر بإمرة مائة وتقدمة ألف، وجعله رأس الميسرة، ودام بالقاهرة إلى أن زفت إليه بنت السلطان الملك الناصر فرج في المحرم سنة ثلاث عشرة وثمانمائة.

стр. 1296

ثم توجه الملك الناصر إلى البلاد الشامية، وأخلع عليه أيضاً بنيابة دمشق ثانياً، وحصر السلطان الأمراء بالكرك، وطال الأمر في ذلك إلى أن مشى القوم في الصلح؛ فطلب الأمراء من الملك الناصر عدم ولاية بكتمر لدمشق وقالوا: لا يكون بكتمر في نيابة دمشق ونحن في غيرها؛ فإن كان ولا بد؛ فيكون الأمير الكبير تغري بردى - يعني والدي -. فاستقر والدي في نيابة دمشق على كره منه، واستقر الأمير شيخ في نيابة حلب، والأمير نوروز في نيابة طرابلس. وعاد السلطان إلى القاهرة ومعه الأمير بكتمر المذكور، ودام بها إلى أن تجرد السلطان إلى البلاد الشامية في سنة أربع عشرة وثمانمائة، وجعل بكتمر المذكور جاليشاً، وصحبته عدة من أعيان الأمراء. فلما وصلوا إلى دمشق توجهوا الجميع - يعني بكتمر ورفقته - إلى جهة الأميرين نوروز وشيخ، واستمروا من حزبهما إلى أن انكسر الملك الناصر فرج وقتل، وصار الأمر للخليفة ومدبر المماليك الأمير شيخ المحمودي؛ فكان بكتمر هذا معه كالقسيم في تدبير الممالك؛ فلم تطل أيامه بالقاهرة، ومات بعد مرض طويل في ثامن جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وثمانمائة، وخلا الجو بموته للأمير شيخ، وتسلطن بعد ذلك بمدة.

стр. 1297

وكان بكتمر أميراً مهاباً، شجاعاً، مقداماً، كريماً، ذا شكل مليح، وسمت ووقار، وله مكارم مشهورة عنه، وهو أحد أوصياء والدي على تركته، رحمه الله تعالى. السعدي بكتمر بن عبد الله السعدي، الأمير سيف الدين. أحد أمراء الطبلخاناه بالديار المصرية. أصله من مماليك القاضي الأمير سعد الدين إبراهيم بن غراب ودواداره. وإليه ينتسب بالسعدي. اشتراه سعد الدين في صغره، ورباه في حجر نسائه، وعلمه القرآن؛ فنشأ على أجمل طريقة وأحسن سيرة من الديانة، وطلب العلم والمعرفة بأنواع الفروسية. وترقى بعد موت أستاذه إلى أن صار أمير شعرة، ثم طبلخاناه. وأرسله الملك المؤيد شيخ إلى بلاد اليمن رسولاً؛ فتوجه إلى اليمن، ثم عاد إلى الديار المصرية بعد ما أظهر بتلك البلاد من جميل صفاته وغزير عقله وقوة جنانه ما أذهل ملوك اليمن.

стр. 1298

واستمر على إقطاعه وإمرته إلى أن مات في يوم الخميس لثلاث عشر مضين من شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة، وسنه زيادة على خمسين سنة تقريباً. ولم يخلف بعده في أبناء جنسه مثله، ديناً، وعقلاً، وفضلاً وشجاعة، وسؤددا. وكان رومي الجنس، طوالاً، جميلاً، مجسماً، ذا قوة مفرطة يضرب بها المثل، ذا شكالة حسنة ولفظ فصيح، بادره الشيب في مقدم لحيته قديماً، وكانت بيننا صحبة ومحبة. ولما أن جاورت بمكة المشرفة في عام اثنتين وخمسين وثمانمائة، واجتمعت بمكة بمؤرخها وشاعرها الشيخ الأديب قطب الدين أبي الخير محمد بن عبد القوي المغربي، ثم المكي المالكي، وتكرر ترداده إلي، وتجارينا في الأديبات وأيام الناس من غير أن أذكر له الأمير بكتمر السعدي هذا؛ فأخذ الشيخ أبو الخير في بعض الأيام في الثناء على الأمير بكتمر والترحم عليه، ثم أنشدني من لفظه لنفسه: وحبيني في الترك يحيى بن سنقر ... ويوسف مولانا وبكتمر السعدي فإن قيل لي أي الثلاثة يرتضى ... لأفعل قلت: الحي واسطة العقد

стр. 1299

ثم إني سألت الشيخ أبا الخير المذكور عن يحيى بن سنقر المذكور في البيتين؛ فوصف لي شخصاً من الشاميين، ونعته بكل فضيلة ومحاسن جمة. رحمه الله تعالى. انتهى. العزيزي بكتوت بن عبد الله العزيزي، الأمير سيف الدين، أستادار الملك الناصر يوسف صاحب دمشق. كان ذا حرمة وافرة، ورتبة عالية، ومهابة شديدة، ويد مبسوطة، وله الإقطاعات الضخمة والأموال الجمة. وكان شجاعاً، جيد السياسة. وكانت بينه وبين ابن وداعة عداوة، يقال هو الذي سمه في بطيخة. ومنذ توفى بكتوت وقع الخلل في أحوال الملك الناصر. وكانت وفاته سنة ست وخمسين وستمائة، مجرداً بالنواحي القبلية. رحمه الله تعالى.

стр. 1300

الأفرعي بكتوت بن عبد الله الأفرعي، الأمير بدر الدين. كان يلي شد دمشق في أيام الظاهر بيبرس، وعزل أيام الملك السعيد ابنه، وولى شد الصحبة للملك المنصور قلاوون، وهو الذي ضيق على قاضي القضاة ابن الصائغ أنه لا يقبل الرشاء. وكان ظالماً جباراً. توفى سنة أربع وتسعين وستمائة، ورثاه الشيخ الأديب علاء الدين الكندي الوداعي: خبا البدر الذي قد كان يهدي ... إلى سبل النزاهة والصيانة فقل للدهر إن عزيت فيه ... يطيل الله عمرك في الأمانة العلائي بكتوت بن عبد الله العلائي، الأمير بدر الدين.
следующие страницы →