Полный текст (2 835 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
ثم توجه الملك الناصر إلى البلاد الشامية، وأخلع عليه أيضاً بنيابة دمشق ثانياً، وحصر السلطان الأمراء بالكرك، وطال الأمر في ذلك إلى أن مشى القوم في الصلح؛ فطلب الأمراء من الملك الناصر عدم ولاية بكتمر لدمشق وقالوا: لا يكون بكتمر في نيابة دمشق ونحن في غيرها؛ فإن كان ولا بد؛ فيكون الأمير الكبير تغري بردى - يعني والدي -. فاستقر والدي في نيابة دمشق على كره منه، واستقر الأمير شيخ في نيابة حلب، والأمير نوروز في نيابة طرابلس.
وعاد السلطان إلى القاهرة ومعه الأمير بكتمر المذكور، ودام بها إلى أن تجرد السلطان إلى البلاد الشامية في سنة أربع عشرة وثمانمائة، وجعل بكتمر المذكور جاليشاً، وصحبته عدة من أعيان الأمراء. فلما وصلوا إلى دمشق توجهوا الجميع - يعني بكتمر ورفقته - إلى جهة الأميرين نوروز وشيخ، واستمروا من حزبهما إلى أن انكسر الملك الناصر فرج وقتل، وصار الأمر للخليفة ومدبر المماليك الأمير شيخ المحمودي؛ فكان بكتمر هذا معه كالقسيم في تدبير الممالك؛ فلم تطل أيامه بالقاهرة، ومات بعد مرض طويل في ثامن جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وثمانمائة، وخلا الجو بموته للأمير شيخ، وتسلطن بعد ذلك بمدة.
стр. 1297
وكان بكتمر أميراً مهاباً، شجاعاً، مقداماً، كريماً، ذا شكل مليح، وسمت ووقار، وله مكارم مشهورة عنه، وهو أحد أوصياء والدي على تركته، رحمه الله تعالى.
السعدي
بكتمر بن عبد الله السعدي، الأمير سيف الدين.
أحد أمراء الطبلخاناه بالديار المصرية. أصله من مماليك القاضي الأمير سعد الدين إبراهيم بن غراب ودواداره. وإليه ينتسب بالسعدي.
اشتراه سعد الدين في صغره، ورباه في حجر نسائه، وعلمه القرآن؛ فنشأ على أجمل طريقة وأحسن سيرة من الديانة، وطلب العلم والمعرفة بأنواع الفروسية. وترقى بعد موت أستاذه إلى أن صار أمير شعرة، ثم طبلخاناه.
وأرسله الملك المؤيد شيخ إلى بلاد اليمن رسولاً؛ فتوجه إلى اليمن، ثم عاد إلى الديار المصرية بعد ما أظهر بتلك البلاد من جميل صفاته وغزير عقله وقوة جنانه ما أذهل ملوك اليمن.
стр. 1298
واستمر على إقطاعه وإمرته إلى أن مات في يوم الخميس لثلاث عشر مضين من شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة، وسنه زيادة على خمسين سنة تقريباً.
ولم يخلف بعده في أبناء جنسه مثله، ديناً، وعقلاً، وفضلاً وشجاعة، وسؤددا. وكان رومي الجنس، طوالاً، جميلاً، مجسماً، ذا قوة مفرطة يضرب بها المثل، ذا شكالة حسنة ولفظ فصيح، بادره الشيب في مقدم لحيته قديماً، وكانت بيننا صحبة ومحبة.
ولما أن جاورت بمكة المشرفة في عام اثنتين وخمسين وثمانمائة، واجتمعت بمكة بمؤرخها وشاعرها الشيخ الأديب قطب الدين أبي الخير محمد بن عبد القوي المغربي، ثم المكي المالكي، وتكرر ترداده إلي، وتجارينا في الأديبات وأيام الناس من غير أن أذكر له الأمير بكتمر السعدي هذا؛ فأخذ الشيخ أبو الخير في بعض الأيام في الثناء على الأمير بكتمر والترحم عليه، ثم أنشدني من لفظه لنفسه:
وحبيني في الترك يحيى بن سنقر ... ويوسف مولانا وبكتمر السعدي
فإن قيل لي أي الثلاثة يرتضى ... لأفعل قلت: الحي واسطة العقد
стр. 1299
ثم إني سألت الشيخ أبا الخير المذكور عن يحيى بن سنقر المذكور في البيتين؛ فوصف لي شخصاً من الشاميين، ونعته بكل فضيلة ومحاسن جمة. رحمه الله تعالى. انتهى.
العزيزي
بكتوت بن عبد الله العزيزي، الأمير سيف الدين، أستادار الملك الناصر يوسف صاحب دمشق.
كان ذا حرمة وافرة، ورتبة عالية، ومهابة شديدة، ويد مبسوطة، وله الإقطاعات الضخمة والأموال الجمة.
وكان شجاعاً، جيد السياسة. وكانت بينه وبين ابن وداعة عداوة، يقال هو الذي سمه في بطيخة.
ومنذ توفى بكتوت وقع الخلل في أحوال الملك الناصر. وكانت وفاته سنة ست وخمسين وستمائة، مجرداً بالنواحي القبلية. رحمه الله تعالى.
стр. 1300
الأفرعي
بكتوت بن عبد الله الأفرعي، الأمير بدر الدين.
كان يلي شد دمشق في أيام الظاهر بيبرس، وعزل أيام الملك السعيد ابنه، وولى شد الصحبة للملك المنصور قلاوون، وهو الذي ضيق على قاضي القضاة ابن الصائغ أنه لا يقبل الرشاء. وكان ظالماً جباراً.
توفى سنة أربع وتسعين وستمائة، ورثاه الشيخ الأديب علاء الدين الكندي الوداعي:
خبا البدر الذي قد كان يهدي ... إلى سبل النزاهة والصيانة
فقل للدهر إن عزيت فيه ... يطيل الله عمرك في الأمانة
العلائي
بكتوت بن عبد الله العلائي، الأمير بدر الدين.
стр. 1301
كان أولاً من أعيان أمراء دمشق، ثم انتقل إلى القاهرة، وعلت رتبته بها في الدولة الأشرفية خليل بن الملك المنصور قلاوون.
وقيل إنه ولى نيابة دمشق في أوائل دولة المنصور قلاوون.
وكان أميراً ضخماً، شجاعاً، وافر الحرمة، والمهابة. توفى سنة ثلاث وتسعين وستمائة. ﵀.
المحمدي
بكتوت بن عبد الله المحمدي، الأمير بدر الدين.
قال الشيخ صلاح الدين في تاريخه: أخبرني الشيخ أثير الدين أبو حيان من لفظه قال: كان المذكور قد اشتغل علي بيسير من النحو، وأنشدني لنفسه:
بجلقٍ لي حبيب ... بوصله لا يجود
فقلبه قاسيون ... ودمع عيني يزيد
وأنشدني لنفسه:
من لي بطبي غريرٍ ... باللحظ يسبى الممالك
إذا تبدى بليلٍ ... جلا سناه الحوالك
من حور رضوان أبهى ... لكنه نجل مالك
стр. 1302
الخوارزمي
بكتي بن عبد الله الخوارزمي، الأمير سيف الدين.
كان من أكابر الأمراء. توفى سنة ست وثمانين وستمائة.
أمير شكار
٧٥٣ - هـ ... ... - ١٣٥٢م بكلمش بن عبد الله الناصري، الأمير سيف الدين.
كان الملك الناصر حسن أمره، ثم جعله أمير شكاراً، ثم نقله في سنة إحدى وخمسين وسبعمائة إلى نيابة طرابلس - عوضاً عن الأمير بدر الدين مسعود بن الخطير -؛ فباشر نيابة طرابلس على أقبح وجه، وساءت سيرته، ودام بها إلى أن
стр. 1303
توجه إلى صفد في واقعة الأمير أحمد الساقي، وحصره في القلعة، ثم عاد إلى طرابلس. ولم يزل بها إلى أن خرج مع يبغا أرس سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة وأحمد الساقي، ووصلوا إلى دمشق؛ فمات بكلمش هذا في برج دمشق في السنة المذكورة.
العلائي
بكلمش بن عبد الله العلائي، أمير سلاح، الأمير سيف الدين.
أصله من مماليك الأمير طيبغا الطويل، وتنقلت به الخدم إلى أن صار في دولة الملك الظاهر برقوق الأولى أمير طبلخاناه ورأس نوبة. ودام على ذلك إلى أن خلع الملك الظاهر برقوق، وحبس بالكرك، قبض على بكلمش هذا أيضاً، وحبس
стр. 1304
مع من قبض عليه من حواشي برقوق إلى أن خرج الظاهر برقوق من حبس الكرك وعاد إلى ملكه - حسبما ذكرناه في محله - أنعم على بكلمش المذكور بإمرة مائة وتقدمة ألف، وجعله أمير آخوراً كبيراً، فاستمر على ذلك مدة سنين إلى أن قبض عليه وحبسه مدة يسيرة. ثم أطلقه وجعله أمير سلاحاً؛ فاستمر على ذلك إلى سنة ثمانمائة.
فلما كان تاسع عشرين المحرم من السنة قبض الملك الظاهر عليه وعلى كمشبغا الحموي الأمير الكبير، وحملا إلى الإسكندرية من الغد صحبة الأمير سودون الطيار - قاله المقريزي، وقال العيني: سودون الظريف -؛ فسجنا بالثغر مدة، ثم أفرج السلطان عن الأمير بكلمش صاحب الترجمة، ووجهه إلى القدس بطالاً، فأقام بالقدس إلى أن مات في شهر صفر سنة إحدى وثمانمائة. رحمه الله تعالى.
وكان أميراً شجاعاً، مقداماً، ذا كلمة نافذة في الدولة وحرمة، وافرة. وكان خصيصاً عند الملك الظاهر برقوق، مدلاً عليه. وكان يبالغ السلطان بالكلام الخشن وله كرم وإنعام مع تكبر، وجبروت، وخلق سيئ، وسطوة، وبادرة على من حنق عليه؛ ولهذا المعنى قبض عليه الظاهر، وهو أنه ضرب موقعه
стр. 1305
القاضي صفي الدين الدميري وصادره؛ فشكى صفي الدين حاله إلى السلطان، ومدح السلطان بأبيات تتضمن ذم بكلمش، ومن جملتها قوله: أتأكلني الذئاب وأنت ليث؛ فسمع بذلك بكلمش؛ فطلبه، وضربه ثانياً بالمقارع. وكلما كانوا يضربونه يرشون عليه الملح، فكلما كان يستغيث ويصرخ يقول له بكلمش: قل لليث يخلصك من الذئب، فلم يزل يعاقبه حتى كان موته من تلك العقوبة؛ فبلغ السلطان ذلك؛ فتوغر خاطره عليه مع ما صدر منه من تحريض مماليكه على محاربة مماليك الأتابك أيتمش؛ فكان هذا هو السبب للقبض عليه. ولما قبض عليه أنعم الملك الظاهر برقوق بإقطاعه ووظيفته إمرة سلاح، على والدي. رحمه الله تعالى.
стр. 1306
باب الباء واللام
الزيني
بلبان بن عبد الله الزيني الصالحي، الأمير سيف الدين، مقدم البحرية في أوائل دولة الأتراك. حبسه الملك الظاهر بيبرس مدة يسيرة ثم أطلقه، وجعله أميراً بدمشق. وكان ذا نهضة وشهامة؛ فدام بدمشق إلى أن مات في سنة سبع وسبعين وستمائة. رحمه الله تعالى.
النوفلي
بلبان بن عبد الله النوفلي العزيزي، الأمير ناصر الدين، أحد أمراء دمشق. كان من أعيان العزيزية، وكان فيه دين وخير، وتوجه صحبة الجيش
стр. 1307
لغزو سيس سنة ثمان وسبعين وستمائة؛ فمات في المعترك. ﵀.
وأصله من مماليك الملك العزيز صاحب حلب. رحمه الله تعالى.
الزرد كاش
بلبان الزرد كاش بن عبد الله، الأمير سيف الدين.
стр. 1308
كان من أعيان أمراء دمشق، وكان طيبرس الوزيري نائب دمشق إذا غاب عن دمشق استنابه عنه في دار العدل، وكان ديناً، خيراً، عادلاً في حكمه، يحب الفقراء وأهل الصلاح. مات سنة ستين وستمائة. رحمه الله تعالى.
الساقي
بلبان بن عبد الله الساقي، الأمير علم الدين.
كان من أعيان الأمراء، وتوجه في الجيش لغزو سيس أيضاً؛ فتوفى وهو راجع من غزوه في سنة ثمان وسبعين وستمائة. رحمه الله تعالى.
الرومي
بلبان بن عبد الله الرومي الدوادار، الأمير سيف الدين.
كان من أعيان الأمراء ونجبائهم، وكان الملك الظاهر بيبرس يعتمد عليه ويحمله أسراره إلى القصاد، ولم يؤمره إلا الملك السعيد بن الملك الظاهر. واستشهد بمصاف حمص سنة ثمانين وستمائة.
وكان يباشر وظيفة الدوادارية، ولم يكن معه كاتب سر، فاتفق أنه قال يوماً لمحيي الدين بن عبد الظاهر: اكتب لفلان مرسوماً أن يطلق له من الخزانة العالية بدمشق عشرة آلاف درهم، نصفها عشرون ألف درهم؛ فكتب المرسوم كما قال له، وجهزه إلى دمشق؛ فأنكروه وأعادوه إلى السلطان الملك
стр. 1309
الظاهر، وقالوا: ما نعلم هل هذا المرسوم بعشرين، نصفها عشرة، أو هو بعشرة نصفها خمسة؟ ؛ فطلب السلطان محيي الدين، وأنكر ذلك عليه؛ فقال: يا خوند: هكذا قال لي الأمير سيف الدين بلبان الدوادار؛ فقال السلطان: ينبغي أن يكون للملك كاتب سر يتلقى المرسوم منه شفاهاً. وكان السلطان الملك المنصور قلاوون حاضراً من جملة الأمراء يسمع هذا الكلام، وخرج الملك الظاهر عقيب ذلك إلى نوبة الأبلستين؛ فلما توفى الظاهر وتملك الملك المنصور قلاوون اتخذ كاتب سر. رحمه الله تعالى.
الجوكندار
بلبان بن عبد الله الجوكندار، الأمير سيف الدين.
كان نائب قلعة صفد في نوبة غازان؛ فلما كسر المسلمون وهرب الأمراء جاء الملك المظفر بيبرس الجاشنكير والأمير سلار على وادي التيم حضروا إلى صفد
стр. 1310
وطبوا منه مركوباً؛ ليحملهم، فلم يعطهم شيئاً. فلما وصلوا إلى مصر عزل، وجهز إلى دمشق؛ فأكرمه الأفرم نائب دمشق، وولاه شد الدواوين بدمشق، وسلم الأمر إليه؛ فباشر الشد كالنيابة، يولي ويعزل ويحكم بما أراد.
وقيل إنما قربه الأفرم؛ وأعطاه هذه المنزلة إلا بسبب ولده علاء الدين قطليجا؛ فإنه كان مبدعاً بالجمال، ثم عزله الأفرم، وولاه نيابة حمص؛ فباشرها إلى أن مات في سنة ست وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
طرنا
بلبان بن عبد الله، أمير جندار، الأمير سيف الدين، المعروف ببلبان طرنا - يعني كركي -.
كان من جملة الأمراء بديار مصر، ثم نقله الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى نيابة صفد؛ فباشر نيابتها مدة، ثم وقع بينه وبين الأمير تنكز نائب الشام؛ فعزله السلطان، ورسم بتوجهه إلى دمشق. فلما وصل إليها، ودخل ليقبل يد تنكز ويسلم عليه أمسكه، وبقي في الاعتقال عشر سنين، ثم شفع فيه تنكز، وأخرجه
стр. 1311
من الاعتقال، وجعله أمير مائة ومقدم ألف، وأخذ في الإقبال عليه، وصار يشرب معه القمز، وبقي من خواصه إلى أن توفى يعد سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، ودفن في تربته بجوار داره عند مأذنة فيروز، رحمه الله تعالى.
الطباخي
بلبان بن عبد الله الطباخي المنصوري، الأمير سيف الدين.
أنشأه أستاذه الملك المنصور قلاوون، وجعله من جملة أمراء الديار المصرية، ثم نقله إلى نيابة طرابلس؛ فباشر نيابتها إلى أن نقل إلى نيابة حلب عوضاً عن الأمير قراسنقر المنصوري في سنة إحدى وتسعين وستمائة وطالت مدته بها إلى أن طلب إلى القاهرة، وصار من جملة أمرائها. ودام على ذلك إلى أن رسم له بالتوجه صحبة العساكر إلى البلاد الشامية؛ فتوفى بالرملة بطريق دمشق في سنة سبعمائة عن نيف وأربعين سنة.
стр. 1312
وكان أميراً عظيم القدر شجاعاً، مقداماً، شديد البأس، شهماً، ذا نعمة كبيرة، وسعادة، وحشم، وخدم. وفيه يقول الأديب بهاء الدين أبو الحسن علي بن أبي سواد الحلبي من أبيات:
بهرت مضاربك المعول بعزمة ... شكرت مواقعها بكل لسان
إن الشجاعة والبسالة والسخا ... جمعت بحمد الله في بلبان
شيخ كرك نوح
بلبان الرافضي، شيخ كرك نوح بالبلاد الشامية، واسمه، محمد، وغلب عليه بلبان. قتلته عامة دمشق مع ولده محمد الحرماني في يوم الجمعة ثالث ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة بدمشق بعد القبض على نائبها الأمير إينال اجلكمي. وكان من خبره أنه دخل إلى دمشق بمجموعة من العشيرة نصرة لأستاذه الأمير برسباي حاجب حجاب دمشق وعونة للعساكر السلطانية؛ فلم يصل حتى انقضت الوقعة؛ فدخل دمشق في خدمة نائبها الأمير آقبغا التمرازي المتولي بعد
стр. 1313
إينال المذكور حتى أوصله إلى دار السعادة. وتفرق الأمراء وغيرهم إلى منازلهم، وعاد بلبان هذا أيضاً. إلى محل إقامته، وفي خدمته أعوانه وحواشيه إلى أن وصل إلى المصلى، والعامة قد ملأت الطرقات؛ فصاح به ويمن معه من العشير جماعة من عامة دمشق قائلين: أبا بكر أبا بكر، يكررون ذلك مراراً، يريدون نكاية بلبان المذكور وجماعة.
كل ذلك وبلبان لم يلتفت إلى مقالتهم وكثر ذلك من العامة وأمعنوا، فأخذ عند ذلك بعض العشير يضرب واحداً من العامة؛ فوثبوا به وألقوه عن فرسه؛ ليقتلوه، فاجتمع أصحابه ليخلصوه من العامة، وقاتلوهم؛ فبادروا العامة، وذبحوا ذلك الرجل، وتناولوا الحجارة يرمون بها بلبان وقومه إلى أن ألقوه عن فرسه وذبحوه ثم ذبحوا ابنه محمد المذكور وجماعة كبيرة من أعوانه، وكان معه نحو خمسمائة فارس، فقتل بلبان المذكور من غير أمر يوجب قتله، وأراح الله العباد منه، غلا أسفاً عليه، وذهابه إلى سقر؛ فإنه كان رافضياً خبيثاً، إلا أنه كان له مكارم وأفضال من مال واسع.
وأغرب من هذا ما حكى لي يعض مماليك صهري الأمير آقبغا التمرازي
стр. 1314
المذكور: أن أستاذ بلبان الأمير برسباي حاجب دمشق أقام مدة بدمشق يخاف أن يظهر بشوارع دمشق؛ خوفاً من العامة. هذا، مع عدم قيامه بطلب دم بلبان المذكور، وعدم النصرة له. انتهى.
стр. 1315
باب الباء والهاء
ابن بيجار
بهادر بن بيجار، الأمير بهاء الدين بن الأمير حسام الدين.
وهو كان السبب لقدوم أبيه من بلاد التتار إلى الديار المصرية.
كان الأمير بهادر من أعيان الأمراء وأكابرها، وكان موصوفاً بالشجاعة والإقدام.
توفى سنة ثمانين وستمائة صحبة الجيش - وهو في عشر السبعين ووالده حي، قد كف بصره - رحمه الله تعالى.
الخوارزمي
بهادر بن عبد الله الخوارزمي، الأمير سيف الدين.
стр. 1316
وهو أول من ولى العراق لهولاكو. وكان على ظلمه له ميل إلى الإسلام، وعلم أولاده القرآن، وكان ربما يصلي بالعربي. وكان فيه دهاء ومكر. قتلته التتار لأمور نقموها منه سنة إحدى وستين وستمائة.
صاحب سميساط
بهادر بن عبد الله، الأمير شمس الدين، صاحب سميساط وابن صاحبها.
قدم إلى دمشق مهاجراً قبل موته بثلاث سنين؛ فأعطاه الملك الظاهر بيبرس إمرة، وأكرمه إلى أن مات كهلاً في سنة ست وسبعين وستمائة.
آص
بهادر بن عبد الله، الأمير الكبير سيف الدين، المعروف بآص.
أحد أمراء دمشق.
стр. 1317
قلت: وتسميه هو - لا - بالأمير الكبير على خلاف قاعدة زماننا هذا؛ فإنه كان أولاً كل قديم هجرة في الإمرة والشيخوخة يسمى بالأمير الكبير، وأما زماننا هذا، فأول من تسمى فيه بالأمير الكبير أتابك العساكر الأمير شيخو صاحب الخانقاة والجامع بخط صليبة جامع أحمد بن طولون إلى يومنا هذا. انتهى.
كان الأمير بهادر هذا أصله من المماليك المنصورية قلاوون، وكان هو القائم بأمر السلطان الملك الناصر محمد لما كان بالكرك كانت تجيء رسله إليه في الباطن؛ وتنزل عنده.
وكان هو الذي يفرق الكتب، ويأخذ أجوبتها، ويحلف الناس له في الباطن إلى أن استثبت له الأمر.
وكان ذا رخت عظيم، وعدة كاملة، وسلاح هائل.
стр. 1318
وتولى نيابة صفد مدة، ثم عزل، وعاد إلى إمرته بدمشق - كما كان أولاً - إلى أن تجرد مع الأمير تنكز نائب الشام إلى ملطية، أشار على تنكز بشيء؛ فخالفه تنكز، فقال بهادر آص المذكور: كما نحن في الصبينة؛ فحقدها تنكز عليه، وكتب إلى السلطان بذلك؛ فقبض عليه، وأقام في الاعتقال نحو السنتين، ثم أفرج عنه، وأعيد إلى مكانه إلى أن مات في سنة ثلاثين وسبعمائة. وآص طائفة من التتار.
المعزي
بهادر بن عبد الله المعزي، الأمير سيف الدين.
كان من أعيان الأمراء في الدولة الناصرية محمد بن قلاوون، ثم قبض عليه الناصر، وحبسه مدة طويلة إلى أن أخرجه من الحبس في سنة ثلاثين وسبعمائة، ثم أقبل عليه إقبالاً زائداً.
وكان يسميه الحاج بهادر، وجعله أمير مائة ومقدم ألف بديار مصر.
стр. 1319
وكان يجلس في دار العدل مع الأمراء والمشايخ. وكان يميل إلى مماليكه، ويشتري الملاح منهم، وينعم عليهم كثيراً. ولم يزل على ذلك إلى أن مات في أواخر سنة تسع وثلاثين أو في أوائل سنة أربعين وسبعمائة. رحمه الله تعالى.
التمرتاشي
بهادر بن عبد الله التمرتاشي، الأمير سيف الدين.
كان قد ورد البلاد صحبة تمرتاش؛ فرآه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون؛ فأحبه. ولما قتل تمرتاش أخذه السلطان الملك الناصر وقربه، وبالغ في تقديمه؛ فلامه الأمير بكتمر الساقي؛ فقال: يا خوند، كل واحد من مماليكك يقعد في خدمتك ما شاء الله حتى تقدمه لإمرة عشرة، ثم تنقله لإمرة أربعين، وبعد مدة حتى يكون أمير مائة؛ فخالفه السلطان؛ وأعطاه إمرة مائة وتقدمة ألف، وزوجه إحدى بناته، وصار أحد الأربعة المقدمين الذين يبيتون ليلة بعد ليلة عند
стр. 1320
السلطان. وسماه الناصر: بهادر الناصري - وهم: الأمير قوصون، وبشتك، وطغاي تمر، وبهادر هذا - ولم يزل على ذلك إلى أن مرض، وطالت به علته، وابتلى برمد مزمن، وقرحة.
ولازمه إنسان مغربي غريب من البلاد، وعالجه بأشياء لم يوافقه الأطباء عليها؛ فلزم بيته، وامتنع من الطلوع إلى القلعة إلا في بعض الأحيان. ولم يزل على ذلك إلى أن تسلطن الملك الصالح إسماعيل بن الناصر محمد قربه وسكنه الأشرفية - دار قوصون -؛ لكونه زوج أخته. وصار الأمر والنهي له، وأخرج الأمير علاء الدين ألطنبغا المارديني إلى نيابة حماة، ولم يزل في هذه الرتبة إلى أن مات في أوائل شهر شوال سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة. ﵀.
المشرف
بهادر بن عبد الله الجمالي، الأمير سيف الدين، المعروف بالمشرف.
أحد أمراء الألوف بالديار المصرية.
كان معظماً عند الملك الظاهر برقوق، ومن أعيان أمرائه. وتوجه في سنة
стр. 1321
ست وثمانين وسبعمائة إلى الحجاز أمير حاج المحمل؛ فمات بمنزله عيون القصب في ذي القعدة من السنة المذكورة، ودفن بالعيون. رحمه الله تعالى، وعفا عنه.
سمز
بهادر بن عبد الله المنصوري، المعروف بسمز - يعني سمين - الأمير شمس الدين.
كان من أكابر أمراء دمشق ومن أعيان الدولة إلى أن توجه صحبة نائب دمشق إلى الصيد خارج دمشق؛ فكبستهم طائفة من العرب الخارجة عن الطاعة، ولم يعلموا أن نائب دمشق معهم؛ فركب بهادر سمز المذكور، وجعل يحمل عليهم ويرميهم بالسهام ويقول: أنا بهادر دمشق، فرماه بعض العرب بحربة، وقال: خذها أنا عصفور بن عصفور؛ فقتله؛ فحمل إلى قرية قبر الست؛ فدفن هناك، وقتل أكثر العرب في هذه الوقعة، وكان بهادر مشهوراً بالشجاعة والإقدام. رحمه الله تعالى.
стр. 1322
حلاوة الأوجاقي
بهادر بن عبد الله الأوجاقي الناصري، الأمير سيف الدين، المعروف بحلاوة؛ وهو أنه كان يسوق البريد، وهو أوجاقي بالكوفية البيضاء؛ فكان إذا جاء المنزلة قال لغلمان البريد: تأكل حلاوة؛ فإذا قال: نعم ضربه؛ بالمقرعة؛ فسمي بحلاوة.
وكان فيه همة وقدرة على السوق، وقضى أشغالاً كثيرة؛ فقدمه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وألبسه الكلوتة، وصار من أعيان الدولة. وكان تنكز نائب الشام يعظمه، ويدعوه: ابني تارة بالتركي، وتارة بالعربي، وكان يخلع عليه تنكز قباء مطرز مغشى بكمخا.
ولما ولى الأمير ألطنبغا نيابة دمشق أنعم على بهادر هذا بإمرة طبلخاناه بها، وصار مقدم البريدية بها، ودام على ذلك إلى أن أخرج الملك الناصر أحمد ابن محمد بن قلاوون خبزه، ثم أعيد إليه، ثم أخرج إقطاعه الأمير أيدغمش لما ولى نيابة دمشق إلى أحد أولاده، وأنعم عليه بإقطاع آخر، وولى البر؛ فأقام
стр. 1323
على ذلك إلى أن ولى الأمير طقزدمر نيابة دمشق، نقله الملك الصالح إلى إمرة بحلب؛ فتوجه إليها؛ فأقام بها نحو أربعة أشهر، ومات في ثالث عشر صفر سنة أربع وأربعين وسبعمائة. وكان له همة، وفيه مروءة. رحمه الله تعالى.
المنجكي
بهادر بن عبد الله المنجكي الأستادار، الأمير سيف الدين، أستادار السلطان. نسبته بالمنجكي إلى معتقه الأمير منجك اليوسفي.
كان بهادر المذكور خصيصاً عند الملك الظاهر برقوق، قربه وأدناه، وجعله أستاداراً، وأمير مائة مقدم ألف بديار مصر. ونالته السعادة في وظيفته وعظم، وصار له ثروة، ومال جزيل، وبر واسع. وكان عنده معرفة وسياسة بالأمور وعقل، ومات ولم ينكب.
قال العيني: وكان رجلاً خيراً، يواسي الفقراء؛ ويحسن إلى الغرباء. وكانت له صدقات كثيرة. وكان أصله رومياً، وقيل إفرنجياً. انتهى كلام العيني.
стр. 1324
قلت: وهو أعظم من ولى هذه الوظيفة من الدولة الظاهرية برقوق إلى زماننا هذا.
توفى بهادر المذكور في أول جمادى الآخرة سنة تسعين وسبعمائة. وولى الأستادارية من بعده الأمير محمود بن علي بن أصفر عينه، انتقل إليها من شد الدواوين.
الشهابي
بهادر بن عبد الله الشهابي، الأمير سيف الدين، الطواشي الرومي، مقدم المماليك السلطانية. وليها بعد الأمير الطواشي صواب السعدي، المعروف بشنكل. وكان بهادر المذكور شهماً، ضخماً، صاحب حرمة، ووقار، وكلمة نافذة في الدولة إلى أن مات في سابع عشر شهر رجب سنة اثنتين وثمانمائة. ﵀.
الحاج بهادر
بهادر بن عبد الله المنصوري، الأمير سيف الدين، المعروف بالحاج بهادر.
стр. 1325
كان أولاً من أعيان الأمراء بالديار المصرية، ثم أخرج إلى حلب على إمرة، ثم نقل إلى دمشق، وأعطى إمرة مائة وتقدمة ألف، وأقام بها مدة، وداخل نائبها الأفرم، وصار من أخصائه.
وكان بهادر هذا يصحب قطلوبغا الفخري، وبينهما صحبة ومحبة أكيدة. وكانا متفقين على بعض اجلراكسة.
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي: أخبرني القاضي شرف الدين بن فضل الله، قال: أخبرني والدي أنه كان أشبه الناس بالملك الظاهر بيبرس - يعني بهادر صاحب الترجمة -.
ثم قال الشيخ صلاح الدين: ولما ولى الملك المظفر بيبرس الجاشنكير وفرح به الأفرم، تغير الحاج بهادر على الأفرم بعد مداخلته مجالس أنسه ومواطن إطرابه ولذاته، وأخذ في تغيير الأمراء عليه، ويقول لمن يخلو به: هؤلاء اجلراكسة متى تمكنوا منا أهلكونا، وراحت أرواحنا معهم؛ فقوموا بنا نعمل شيئاً قبل أن يعملوا بنا.
وتحالف هو وقطلوبك على الفتك بالأفرم، إن قدرا عليه؛ فأحس الأفرم بذلك، فلم يزل بالحاج بهادر إلى أن استصلحه على ظنه، وقال: بعد أن سلمت من هذه الحية ما بقيت أفكر بتلك العقرب - يعني بالحية الحاج بهادر، وبالعقرب قطلوبك الفخري -. ولما تحرك الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك أرسل الأفرم الحاج بهادر وقطلوبك لإقدامه؛ فنزلا على الفور، وأظهرا النصح للأفرم. ثم إنهما راسلا السلطان الملك الناصر في الباطن،
стр. 1326
وحلفا له. ثم سارا إلى لقائه، ودخلا معه إلى دمشق وكان الحاج بهادر حامل اللواء على رأس السلطان في يوم دخوله إلى دمشق، واستمر من حزب الملك الناصر إلى أن ولى نيابة طرابلس، وتوجه إليها، وأقام بها إلى أن مات في شهر ربيع الآخر سنة عشر وسبعمائة. رحمه الله تعالى.
قاضي القضاة تاج الدين الديري المالكي
بهرام بن عبد الله بن عبد العزيز، قاضي القضاة، تاج الدين بن الدميري المالكي.
كان إماماً في الفقه والعربية وغيرهما، وتصدر للإفتاء والتدريس عدة سنين، وانتفع به الطلبة. ثم ولى قضاء قضاة المالكية بالديار المصرية، وحمدت سيرته. ولم يزل ملازماً للأشغال والاشتغال إلى أن مات في يوم الاثنين سابع جمادى الآخرة سنة خمس وثمانمائة عن سبعين سنة، وقد انتهت إليه رئاسة السادة المالكية في زمانه. ﵀.
стр. 1327
باب الباء الموحدة والواو
الفرنسيس
بواش هو الملك ريد إفرنس، المعروف بالفرنسيس.
كل أجل ملوك الفرنج، وأعظمهم قدراً، وأكثرهم عساكراً، وأوسعهم بلاداً، وأكثرهم أموالاً. وقصد الديار المصرية، واستولى على طرف منها، وملك دمياط في سنة سبع وأربعين وستمائة. واتفق موت الملك الصالح نجم الدين أيوب سلطان الديار المصرية، وتملك بعده ابنه الملك المعظم توران شاه.
واستمر الحصار بين المسلمين والفرنج إلى أن قدر الله بأسر ريد إفرنس المذكور، وانهزام عسكره. وبقي أسيراً في أيدي المسلمين مدة إلى أن أطلق
стр. 1328
بعد تسليم دمياط إلى المسلمين. وتوجه إلى بلاده وفي قلبه ما جرى عليه من ذهاب أمواله، وأسر رجاله؛ فبقيت نفسه تحدثه بالعود إلى البلاد الإسلامية؛ لأخذ ثأره. فاهتم لذلك اهتماماً كبيراً في مدة سنين إلى سنة ستين وستمائة، وقصد سواحل الديار المصرية فقيل له: إن قصد مصر ربما يجري لك مثل المرة الأولى، والأحسن أن تقصد تونس.
وكان ملكها يومئذ السلطان محمد بن يحيى بن عبد الواحد، الملقب بالمستنصر بالله، فإنك إن ظهرت عليه، تمكنت من قصد مصر في البر والبحر؛ فقصد تونس، وكاد يستولي عليها، ومعه جماعة من ملوك الفرنج؛ فأوقع الله في عسكره وباءً عظيماً؛ فهلك الملك ريد إفرنس وخلق كثير من عسكره، ورجع من بقي من عسكره إلى بلادهم بالخيبة والصغار.
وكانت وفاته سنة إحدى وستين وستمائة، ووصلت البشرى بموته إلى الملك الظاهر بيبرس؛ فسر الناس بذلك.
وكان ريد إفرنس المذكور عنده شجاعة، وإقدام، ومكر، ودهاء. ولما أسر في نوبة دمياط، تسلمه الطواشي جمال الدين محسن هو وجماعته، وضرب في رجله قيداً ثقيلاً، واعتقله في الدار التي كان بها فخر الدين بن لقمان؛ كاتب الإنشاء، وذلك بالمنصورة، ووكل به جمال الدين محسن الطواشي صبيح المعظمي؛ فلذلك
стр. 1329
قال الصاحب جمال الدين بن مطروح عندما بلغهم مجيئه ثانياً إلى الديار المصرية:
قل للفرنسيس إذا جئته ... مقال حق من مقول نصيح
آجرك الله على ما جرى ... من قتل عباد يسوع المسيح
أتيت مصراً تبتغي ملكها ... تحسب أن الزمر يا طبل ريح
فساقك الحين إلى أدهم ... ضاقت به عن ناظريك الفسيح
وكل أصحابك أوردتهم ... بسوء أفعالك بطن الضريح
خمسون ألفاً لا ترى منهم ... إلا قتيلاً أو أسيراً جريح
وفقك الله لأمثالها ... لعل عيسى منكم يستريح
إن كان باباكم بذا راضياً ... فرب غش قد أتى من نصيح
وقل لهم إن أضمروا عودة ... لأخذ ثأر أو لقصد صحيح
دار ابن لقمان على حالها ... والقيد باقٍ والطواشي صبيح
واشتهرت هذه الأبيات؛ لحسنها ورشاقة ألفاظها.
ولما قصد الفرنسيس بلاد تونس، قال فيه بعض شعرائها:
стр. 1330
يا فرنسيس هذه أخت مصر ... فتيقن لما إليه تصير
لك فيها دار ابن لقمان قبرٍ ... وطواشيك منكر ونكير.
انتهى.
القان ملك التتار
بوسعيد بن خربندا بن أرغون بن أبغا بن هولاكو، المغلي القان ملك التتار، صاحب العراق، وخراسان، وأذربيجان، والروم، والجزيرة.
ومن الناس من يسميه أبو سعيد، وهو خطأ. والصواب ما ذكرناه - بوسعيد لا يعمل فيه الإعراب؛ لأنه اسم وليس بكنية وقيل بوصعيد بالصاد المهملة.
ملك بوسعيد نحو عشرين سنة. وكان مسلماً، قليل الشر، يكره الظلم، وينقاد للشرع، ويكتب خطاً قوياً منسوباً. ويجيد ضرب العود إلى الغاية، وصنف أشياء في فن الموسيقا، نقلت عنه.
وأبطل في أيامه مكوساً كثيرة، وفواحش، وخموراً، وهدم كنائس بغداد، وخلع على من أسلم من أهل الذمة، وأسقط مكوس الفاكهة في سائر مماليكه، وورث ذوي الأرحام.
وكان قبل موته بسنة قد حج ركب العراق من العراق، وكان المقدم عليهم بطلاً، شجاعاً، فلم يمكن العرب من قطع الطريق على الحاج.
стр. 1331
فلما كانت السنة الثانية خرج العرب على الركب ونهبوه، وأخذوا منهم شيئاً كثيراً؛ فلما عادوا شكوا إليه؛ فقال: هؤلاء العرب في مملكتنا، أم في مملكة الناصر محمد بن قلاوون؛ فقالوا له: لا في مملكتك، ولا في مملكة الناصر، وإنما هم في البرية لا يحكم عليهم أحذ، يعيشون بقائم سيفهم ممن يمر عليهم؛ فقال: هؤلاء فقراء، كم مقدار ما يأخذون من الركب؟ نحن نحمله إليهم من بيت المال من عندنا في كل سنة، ولا ندعهم يأخذون من الرعية شيئاً؛ فقالوا له: يأخذون ثلاثين ألف دينار؛ ليراها كثيراً؛ فيبطلها، فقال: هذا القدر ما يكفيهم، اجعلوها في كل سنة ستين ألف دينار، وتكون تحمل من بيت المال كل سنة إليهم صحبة مسفر من عندنا. فمات بوسعيد في تلك السنة بأذربيجان في شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين وسبعمائة، وله نيف وثلاثون سنة، وكان قد أنشأ بالسلطانية تربة؛ فنقل إليها. وانقرض بيت هولاكو بموته، وقيل إنه كان عنيناً، والله أعلم.
؟؟
الحبيس
بولص الراهب، المعروف بالحبيس. وقيل اسمه: ميخائيل.
стр. 1332
كان أولاً كاتباً، ثم ترهب، وانقطع في جبل حلوان خارج القاهرة؛ فيقال إنه ظفر هناك بمال دفين؛ فلما ظفر به وأثرى، صار يواسي به الفقراء من كل دين، وقام عن المصادرين بجمل وافرة.
وكان أول ظهور أمره أن وقعت نار بحارة الباطلية سنة ثلاث وستين وستمائة؛ فأحرقت ثلاثاً وستين داراً، ثم كثر الحريق بعد ذلك حتى احترق ربع فرج. - وكان وقفاً على أشراف المدينة -، والوجه المطل على النيل من ربع العادل، واتهم بذلك النصارى؛ فعزم الظاهر بيبرس على قتل النصارى واليهود؟، وأمر بوضع الحلفاء والأحطاب في حفيرة كانت في القلعة، وأن تضرم النار فيها، ويلقى فيها اليهود والنصارى؛ فجمعوا حتى لم يبق منهم إلا من هرب، وكتفوا ليلقوا فيها فشفع فيهم الأمراء، وأمر أن يشتروا أنفسهم؛ فقرر عليهم خمسمائة ألف دينار، وضمنهم الحبيس المذكور؛ فحضر موضع الجباية منهم؛ فكان أي من عجز عما قرر عليه وزن الحبيس عنه، سواء كان يهودياً أو نصرانياً.
وكان الحبيس المذكور يدخل الحبوس، ومن كان عليه دين وزنه عنه، وسافر إلى الصعيد وإلى الإسكندرية، ووزن عن النصارى ما قرر عليهم.
стр. 1333
وكان الناس قد عرفوه؛ فكان بعض الناس يتحيل عليه؛ فإذا رآه قد دخل المدينة أخذ اثنين بقصص - صورة أنهما رسولا القاضي أو المستولي - وأخذا يضربانه؛ فيستغيث به: يا أبونا يا أبونا؛ فيقول ما باله؟ ؛ فيقولان: عليه دين، أو اشتكت عليه زوجته، فيقول: على كم؟ فيقولا: على ألفين أو أقل أو أكثر؛ فيكتب له على شقفة أو غيرها إلى بعض الصيارف بذلك المبلغ؛ فيقبضه منه.
وقيل إن مبلغ ما وصل منه إلى السلطان، وما واسى به الناس في مدة ثلاث سنين ستمائة ألف دينار. مضبوطة بقلم الصيارف الذين كان يجعل عندهم المال، وذلك خارجاً عما كان يعطى من يده.
وكان لا يأكل من هذا المال ولا يشرب، بل النصارى يتصدقون عليه بما يمونه.
فلما كان سنة ست وستين وستمائة، أحضره الملك الظاهر بيبرس؛ فطلب منه المال أن يحضره، أو يعرفه من أين وصل إليه؛ فجعل يدافعه ويغالطه، ولا يفصح له بشيء - وهو عنده داخل الدور - فعذبه حتى مات، ولم يقر بشيء، فأخرج من القلعة، وأرمى ظاهرها على باب القرافة. وكان قد وصل إلى الملك الظاهر بيبرس فتاوى فقهاء الإسكندرية بقتله، وعللوا ذلك بخوف الفتنة من ضعفاء نفوس المسلمين. انتهى.
стр. 1334
باب الباء الموحدة والياء المثناة من تحت
الملك الظاهر بيبرس البندقداري
بيبرس بن عبد الله، السلطان الملك الظاهر ركن الدين أبو الفتح بيبرس الصالحي النجمي البندقداري التركي، سلطان الديار المصرية والبلاد الشامية والأقطار الحجازية والثغور الإسلامية.
ولد في حدود العشرين وستمائة تخميناً بصحراء اجبقلاق، وأخذ من بلاده صغيراً وأبيع بدمشق؛ فنشأ بها عند العماد الصائغ - على ما قيل - ثم اشتراه الأمير علاء الدين أيدكين البندقداري الصالحي، وبقي في ملكه إلى أن قبض
стр. 1335
الملك الصالح على أيدكين المذكور وصادره، وأخذ بيبرس هذا فيما أخذه منه، وذلك في شهر شوال سنة أربع وأربعين وستمائة. وأعتقه الملك الصالح نجم الدين، وقدمه على طائفة من الجمدارية؛ لما رأى من فطنته وذكائه واستمر بيبرس على ذلك إلى أن مات الملك الصالح نجم الدين أيوب، وملك بعده ابنه الملك المعظم توران شاه في سنة سبع وأربعين وستمائة. ثم قتل توران شاه في سنة ثمان وأربعين وستمائة، وأجمعوا الأمراء على إقامة الأمير عز الدين أيبك التركماني الصالحي، وولوه السلطنة بعد شجر الدر - أم خليل الصالحية - حسبما ذكرناه في ترجمة الملك المعز في أول هذا الكتاب -.
وكانت ولاية المعز في آخر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وستمائة.
ولما قتل المعز الأمير فارس الدين أقطاي الجمدار، ركب بيبرس هذا بالبحرية، وقصدوا قلعة الجبل. فلما لم ينالوا مقصودهم، خرجوا من القاهرة مجاهرين بالعداوة للملك المعز أيبك التركماني، قاصدين الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب دمشق، وهم: بيبرس هذا، وبلبان الرشيدي، وعز الدين أزدمر السيفي، وسنقر الرومي، وسنقر الأشقر، وبدر الدين بيسرى،
следующие страницы →