← Тараджим

Тараджим · id 23156

المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي

ابن تغري بردي

Полный текст (2 835 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

فلما كانت السنة الثانية خرج العرب على الركب ونهبوه، وأخذوا منهم شيئاً كثيراً؛ فلما عادوا شكوا إليه؛ فقال: هؤلاء العرب في مملكتنا، أم في مملكة الناصر محمد بن قلاوون؛ فقالوا له: لا في مملكتك، ولا في مملكة الناصر، وإنما هم في البرية لا يحكم عليهم أحذ، يعيشون بقائم سيفهم ممن يمر عليهم؛ فقال: هؤلاء فقراء، كم مقدار ما يأخذون من الركب؟ نحن نحمله إليهم من بيت المال من عندنا في كل سنة، ولا ندعهم يأخذون من الرعية شيئاً؛ فقالوا له: يأخذون ثلاثين ألف دينار؛ ليراها كثيراً؛ فيبطلها، فقال: هذا القدر ما يكفيهم، اجعلوها في كل سنة ستين ألف دينار، وتكون تحمل من بيت المال كل سنة إليهم صحبة مسفر من عندنا. فمات بوسعيد في تلك السنة بأذربيجان في شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين وسبعمائة، وله نيف وثلاثون سنة، وكان قد أنشأ بالسلطانية تربة؛ فنقل إليها. وانقرض بيت هولاكو بموته، وقيل إنه كان عنيناً، والله أعلم. ؟؟ الحبيس بولص الراهب، المعروف بالحبيس. وقيل اسمه: ميخائيل.

стр. 1332

كان أولاً كاتباً، ثم ترهب، وانقطع في جبل حلوان خارج القاهرة؛ فيقال إنه ظفر هناك بمال دفين؛ فلما ظفر به وأثرى، صار يواسي به الفقراء من كل دين، وقام عن المصادرين بجمل وافرة. وكان أول ظهور أمره أن وقعت نار بحارة الباطلية سنة ثلاث وستين وستمائة؛ فأحرقت ثلاثاً وستين داراً، ثم كثر الحريق بعد ذلك حتى احترق ربع فرج. - وكان وقفاً على أشراف المدينة -، والوجه المطل على النيل من ربع العادل، واتهم بذلك النصارى؛ فعزم الظاهر بيبرس على قتل النصارى واليهود؟، وأمر بوضع الحلفاء والأحطاب في حفيرة كانت في القلعة، وأن تضرم النار فيها، ويلقى فيها اليهود والنصارى؛ فجمعوا حتى لم يبق منهم إلا من هرب، وكتفوا ليلقوا فيها فشفع فيهم الأمراء، وأمر أن يشتروا أنفسهم؛ فقرر عليهم خمسمائة ألف دينار، وضمنهم الحبيس المذكور؛ فحضر موضع الجباية منهم؛ فكان أي من عجز عما قرر عليه وزن الحبيس عنه، سواء كان يهودياً أو نصرانياً. وكان الحبيس المذكور يدخل الحبوس، ومن كان عليه دين وزنه عنه، وسافر إلى الصعيد وإلى الإسكندرية، ووزن عن النصارى ما قرر عليهم.

стр. 1333

وكان الناس قد عرفوه؛ فكان بعض الناس يتحيل عليه؛ فإذا رآه قد دخل المدينة أخذ اثنين بقصص - صورة أنهما رسولا القاضي أو المستولي - وأخذا يضربانه؛ فيستغيث به: يا أبونا يا أبونا؛ فيقول ما باله؟ ؛ فيقولان: عليه دين، أو اشتكت عليه زوجته، فيقول: على كم؟ فيقولا: على ألفين أو أقل أو أكثر؛ فيكتب له على شقفة أو غيرها إلى بعض الصيارف بذلك المبلغ؛ فيقبضه منه. وقيل إن مبلغ ما وصل منه إلى السلطان، وما واسى به الناس في مدة ثلاث سنين ستمائة ألف دينار. مضبوطة بقلم الصيارف الذين كان يجعل عندهم المال، وذلك خارجاً عما كان يعطى من يده. وكان لا يأكل من هذا المال ولا يشرب، بل النصارى يتصدقون عليه بما يمونه. فلما كان سنة ست وستين وستمائة، أحضره الملك الظاهر بيبرس؛ فطلب منه المال أن يحضره، أو يعرفه من أين وصل إليه؛ فجعل يدافعه ويغالطه، ولا يفصح له بشيء - وهو عنده داخل الدور - فعذبه حتى مات، ولم يقر بشيء، فأخرج من القلعة، وأرمى ظاهرها على باب القرافة. وكان قد وصل إلى الملك الظاهر بيبرس فتاوى فقهاء الإسكندرية بقتله، وعللوا ذلك بخوف الفتنة من ضعفاء نفوس المسلمين. انتهى.

стр. 1334

باب الباء الموحدة والياء المثناة من تحت الملك الظاهر بيبرس البندقداري بيبرس بن عبد الله، السلطان الملك الظاهر ركن الدين أبو الفتح بيبرس الصالحي النجمي البندقداري التركي، سلطان الديار المصرية والبلاد الشامية والأقطار الحجازية والثغور الإسلامية. ولد في حدود العشرين وستمائة تخميناً بصحراء اجبقلاق، وأخذ من بلاده صغيراً وأبيع بدمشق؛ فنشأ بها عند العماد الصائغ - على ما قيل - ثم اشتراه الأمير علاء الدين أيدكين البندقداري الصالحي، وبقي في ملكه إلى أن قبض

стр. 1335

الملك الصالح على أيدكين المذكور وصادره، وأخذ بيبرس هذا فيما أخذه منه، وذلك في شهر شوال سنة أربع وأربعين وستمائة. وأعتقه الملك الصالح نجم الدين، وقدمه على طائفة من الجمدارية؛ لما رأى من فطنته وذكائه واستمر بيبرس على ذلك إلى أن مات الملك الصالح نجم الدين أيوب، وملك بعده ابنه الملك المعظم توران شاه في سنة سبع وأربعين وستمائة. ثم قتل توران شاه في سنة ثمان وأربعين وستمائة، وأجمعوا الأمراء على إقامة الأمير عز الدين أيبك التركماني الصالحي، وولوه السلطنة بعد شجر الدر - أم خليل الصالحية - حسبما ذكرناه في ترجمة الملك المعز في أول هذا الكتاب -. وكانت ولاية المعز في آخر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وستمائة. ولما قتل المعز الأمير فارس الدين أقطاي الجمدار، ركب بيبرس هذا بالبحرية، وقصدوا قلعة الجبل. فلما لم ينالوا مقصودهم، خرجوا من القاهرة مجاهرين بالعداوة للملك المعز أيبك التركماني، قاصدين الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب دمشق، وهم: بيبرس هذا، وبلبان الرشيدي، وعز الدين أزدمر السيفي، وسنقر الرومي، وسنقر الأشقر، وبدر الدين بيسرى،

стр. 1336

وسيف الدين قلاوون الألفي وبلبان السنقري وغيرهم. فلما شارفوا دمشق سير إليهم الملك الناصر صاحب دمشق يطيب قلوبهم ويستدعيهم إليه؛ فأرسلوا إليه الأمير فخر الدين المقرئ يستحلفه لهم؛ فحلف؛ فاطمأنوا ودخلوا دمشق؛ فأكرمهم الملك الناصر، وأطلق لبيبرس هذا بثلاثين ألف درهم، وثلاثة قطر بغال، وثلاثة قطر جمال، وخيل، وملبوساً. وفرق أيضاً في بقية الجماعة الأموال والخلع - على قدر مراتبهم -. فلما بلغ الملك المعز ذلك كتب إلى الملك الناصر يحذره منهم، ويغريه بهم؛ فلم يصغ الملك الناصر لذلك، إلى أن استشعر بيبرس من الملك الناصر بالغدر، توجه بمن معه إلى الكرك؛ فجهز صاحبها الملك المغيث عسكره معه؛ فقدم إلى مصر، وعدة من معه ستمائة فارس. وخرج عسكر الديار المصرية؛ فتلقاه، وأراد الملك الظاهر كبسهم؛ فوجدهم على أهبة؛ فالتفت العسكر المصري عليهم وقاتلهم فانكسر عسكر بيبرس، ولم ينج إلا هو بنفسه وقلاوون وبيسرى وبيليك الخازندار.

стр. 1337

وعاد بيبرس إلى جهة الكرك؛ فجاءه جماعة من أمراء مصر، واجتمعوا بيبرس والملك المغيث صاحب الكرك بظاهر غزة؛ فقويت شوكتهما، وعادوا إلى الصالحية، ولقوا عسكر مصر ثانياً؛ فاستظهر عسكرهما أولاً، ثم عادت الكرة عليهما، وهرب الملك المغيث، ولحقه بيبرس، وأسر أولئك الأمراء الذين كانوا حضروا إليه؛ فقتلوا جميعاً صبراً - ما خلا الأمير بيليك الخازندار -؛ فإن جمال الدين الجوكندر شفع فيه؛ فخير بين المقام والذهاب؛ فاختار الذهاب إلى أستاذه. ثم إلى الملك المغيث حصلت بينه وبين بيبرس وحشه أوجبت مفارقته إياه، وعوده إلى الملك الناصر صاحب دمشق بعد أن أستحلفه على أن يقطعه خبز مائة فارس؛ فأجاب الملك الناصر لذلك. وكان قدوم بيبرس في هذه المرة على الملك الناصر، في شهر رجب سنة سبع وخمسين وستمائة، ومعهم الجماعة الذين حلف لهم الناصر وهم: أيتمش السعدي، بيسرى الشمسي، وطيبرس الوزيري، وبلبان الرومي، وآقوش الرومي، وكشتغدي الشمسي، وأيدغميش الحلبي، ولاجين الدرفيل، وكشتغدي الشرقي، وأيبك الشيخي، وبيبرس خاس ترك الصغير، وبلبان المهراني، وسنجر الهمامي، وسنجر الباشقردي، وأيبك العلائي، ولاجين الشقيري، وبلبان الأقسيسي،

стр. 1338

وعلم الدين سلطان الألد كزى؛ فأكرمهم الملك الناصر، ووفى لهم بما حلف. فلما ورد الخبر بأن الملك الظفر قطز وثب على ابن أستاذه، حرض الملك الناصر بيبرس على قصد الديار المصرية، فلم يجبه الناصر، فقال بيبرس: فقد منى على أربعة آلاف فارس أقوم بها إلى شط الفرات أمنع التتار من العبور إلى الشام، فلم يمكنه الملك الصالح صاحب حمص؛ لباطن كان له مع التتار. ثم إن بيبرس أرسل استحلف الملك المظفر قطز، وفارق الملك الناصر صاحب دمشق، ودخل إلى القاهرة في الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وستمائة؛ فركب الملك المظفر قطز للقائه، وأنزله في دار الوزارة، وأقطعة قليوب لخاصته، وصار عنده خصيصاً إلى أن خرج الملك المظفر قطز لملتقى التتار، سير بيبرس هذا في عسكر؛ ليتجسس أخبارهم؛ فأول من وقعت عينه عليهم ناوشهم القتال؛ فلما كسر التتر تبعهم يقتص آثارهم، ويقتل من وجد منهم إلى حمص. ثم عاد بيبرس؛ فوافى المظفر قطز بدمشق؛ فلما توجه المظفر إلى نحو الديار المصرية، عاد بيبرس هذا صحبته بعد أن اتفق مع جماعة من ممن وافقه على قتل الملك المظفر قطز؛ فقتلوه في سادس عشر ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة.

стр. 1339

وكان المتولى قتله الملك الظاهر بيبرس هذا، بين منزلة الغرابي والصالحية، ودفن بالقصير. وهو أن الملك المظفر قطز ساق خلف أرنب؛ فلما انفرد عن عسكره، تقدم بعض الأمراء - ممن اتفق مع بيبرس وشفع عنده شفاعة - وتقدم ليقبل يده؛ فقبض عليها، وأخذته السيوف حتى تلف، ثم ساقوا إلى الدهليز، فتقدم فارس الدين الأتابك؛ فحلف له، ثم الرشيدي، ثم الأمراء على طبقاتهم، ثم ركب ومعه الأتابك فارس الدين المذكور، وبيسرى وجماعة من خواصه؛ فدخل القاهرة؛ وملك قلعة الجبل، وتلقب بالملك القاهر أولاً؛ فأشار الوزير زين الدين على السلطان بتغيير لقبه - وكان فاضلاً - وقال: ما لقب أحد بالقاهرة فأفلح، لقب به: القاهر بن المعتضد، فلم تطل أيامه وخمل وهمل، ولقب به القاهر ابن صاحب الموصل؛ فسم؛ فأبطل السلطان اللقب الأول ولقب بالملك الظاهر، وكتب بذلك إلى جميع الأعمال، ثم كتب إلى الملك

стр. 1340

الأشرف صاحب حمص، وإلى الملك المنصور صاحب حماة، وإلى علاء الدين ابن صاحب الموصل يعرفهم بما جرى، ثم أفرج عمن بالحبوس، وأقر الصاحب زين الدين على الوزارة، وأفرج عن الأجناد، وأرسل الأمير جمال الدين آقوش المحمدي بتقاليد إلى دمشق باستقرار الأمير علم الدين سنجر الحلبي في نيابة دمشق عوضاً عن الأمير حسام الدين لاجين؛ فوجده قد تسلطن بدمشق. وكانت سلطنة الملك الظاهر بيبرس في سنة ثمان وخمسين وستمائة، واستقر في الملك وعظمت ممالكه، وسافر إلى دمشق غير مرة، وفتح الفتوحات الهائلة، وكسر التتار؛ فأول ركوبه كان في سنة تسع وخمسين وستمائة، ركب من قلعة الجبل في سابع شهر صفر متوجهاً إلى دمشق وبخدمته أعيان الأمراء، ومن جملتهم أستاذه الأمير علاء الدين أيدكين البندقداري - يعني أستاذ الملك الظاهر قبل السلطان صلاح الدين، كما ذكرناه في أول هذه الترجمة - ومهد أحوال دمشق، وعاد إلى الديار المصرية، وأقام بها إلى أن سافر ثانياً إلى صفد في سنة أربع وستين؛ ففتحها عنوة من يد الفرنج، ثم جهز صاحب حماة

стр. 1341

والفارقاني إلى غزو سيس وصحبتهم عسكراً هائلاً؛ فتوجهوا إلى بلاد سيس، وقتلوا، وأسروا، وغنموا، وأسر ابن صاحب سيس وابن أخته. ثم فتح يافا سنة ست وستين وستمائة، ثم سار إلى أنطاكية؛ فوصلها في أول شهر رمضان، وفتحها بالسيف في رابع شهر رمضان المذكور، واستمر السيف فيهم، ولا نجا منهم إلا اليسير. قال ابن كثير: وما رفع السيف عن أحد حتى لو حلف الحالف أنه ما سلم منها أحد صدق. انتهى. وفيها فتح الشقيف بعد أن حاصرها عشرة أيام وتسلمها، وكان بها نحو خمسمائة رجل، وفيها أيضاً فتح صور، ثم أغار على طرابلس، وخرب قراها، وقطع أشجارها، ثم رحل ونزل على حصن الأكراد؛ فنزل إليه رسول صاحبها بإقامة وضيافة؛ فردها، وطلب منهم دية: مائة رجل، مائة ألف دينار، ثم حصرها يوماً واحداً؛ فملكها في يوم السبت، ووضع فيها السيف، ونهب، وسبا، وقتل، وأسر، ثم تسلم دركوش، وصالح أهل القصير على مناصفته ومناصفة

стр. 1342

القلاع المجاورة له. ثم وصل إليه صاحب بغراص يطلبون منه تسليمها إليه، فسير إليها الأمير شمس الدين الفارقاني بالعساكر؛ فتسلمها في ثالث عشر شهر رمضان، ثم عاد الملك الظاهر بيبرس إلى دمشق فعيد بها، ثم توجه نحو القاهرة؛ فدخلها، واستمر بها إلى سنة سبع وستين وستمائة أجلس ولده الملك السعيد على تخت الملك، ثم خرج من القاهرة؛ فتوجها إلى الشام؛ فدخلها في جمادى الآخرة، ثم ركب منها ونزل على الخربة، ثم سار منها في أواخر شهر رجب إلى ديار مصر على البريد، ثم عاد؛ فكانت غيبته أحد عشر يوماً. وكان غرضه برجوعه إلى القاهرة كشف خبر ولده، بعد أن ترك عسكره بالقرب من دمشق إلى أن عاد إليهم، ثم توجه إلى صفد؛ فأقام بها يومين وشن، الغارة على بلد صور ثانياً، ثم سار إلى الكرك، وأخذ معه بيليك الخازندار، والقاضي فخر الدين سليمان، وغيرهما من الأمراء وثلاثمائة مملوك. وسار إلى الحج، وعاد إلى دمشق، ثم إلى حلب؛ فوصلها في سادس المحرم سنة ثمان وستين، ثم خرج منها في عاشر المحرم، وسار إلى دمشق، ثم توجه من دمشق إلى نحو البلاد

стр. 1343

المصرية؛ فدخلها في يوم الثلاثاء من صفر، فصادف في هذا اليوم دخول الحج المصري إلى القاهرة. ثم في سنة تسع وستين قبض الظاهر على الملك العزيز ابن الملك المغيث صاحب الكرك واعتقله. ثم في سنة إحدى وسبعين وستمائة توجه إلى دمشق على البريد، وعاد في سابع عشرين المحرم - وقيل في يوم السبت ثالث عشرينه من السنة - فكانت غيبته في هذه السفرة نحواً من عشرين يوماً، فأقام بالقاهرة إلى ليلة الجمعة السابع والعشرين من المحرم، ثم عاد إلى دمشق على البريد؛ فدخل قلعة دمشق ليلة الثلاثاء رابع صفر في خمسة نفر. وفي أوائل هذه السنة قصد الكافر صاحب النوبة عيذاب؛ فنهبها، وقتل منها خلقاً، منهم واليها وقاضيها؛ فسار متولي قوص وقصد بلاد النوبة؛ فدخل بلاد الجون وقتل من فيه وأحرقه، وكذا فعل بجميع بلاده. وفي خامس جمادى الأولى ورد الخبر على الملك الظاهر بدمشق أن فرقة

стр. 1344

من التتار قصدت الرحبة، فبرز إلى القصير بالعساكر، فبلغه عودهم من الرحبة ونزولهم على البيرة، فسار الظاهر إلى حمص، وأخذ مراكب الصيادين بالبحرية على الجسور، ثم سار حتى بلغ الباب من أعمال حلب، وبعث بجماعة من المماليك لكشف أخبارهم، وسار إلى منبج؛ فعادوا، وأخبروا بأن طائفة من التتار نحو من ثلاثة آلاف فارس على شط الفرات؛ فرحل الملك الظاهر من منبج يوم الأحد ثامن عشر جمادى الأولى، ووصل إلى شط الفرات - مما يلي الجزيرة -؛ فتقدم العسكر يخوضون الفرات؛ فخاض الأمير سيف الدين قلاوون الألفي، والأمير بدر الدين بيسرى في أول الناس، ثم تبعها الملك الظاهر بنفسه، وتتابع الناس إلى أن وقعوا على التتار، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأسروا تقدير مائتي نفس، ولم ينج من التتار إلا القليل، وتبعهم بيسرى إلى قريب سروج، ثم عاد إلى السلطان، فرجع السلطان إلى البيرة في الثاني والعشرين من جمادى الأولى؛ فدخلها، وخلع على نائبها، وعلى جماعة أخر. وقال في هذه الواقعة العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود بن سليمان قصيدة يمدح الملك الظاهر بها، ويذكر خوضه الفرات، وأول القصيدة: سر حيث شئت لك المهيمن جاره ... وأحكم فطوع مرادك الأقدار

стр. 1345

ومنها: خضت الفرات بسابح أقصى منىً ... هوج الصبا من فعله الآثار وفي هذا المعنى يقول أيضاً الأديب ناصر الدين بن النقيب: ولما ترامينا الفرات بخيلنا ... سكرناه منا بالقوى والقوائم فأوقفت التيار عن جريانه ... إلى حيث عدنا بالغناء والغنائم وقال الفاضل موفق الدين عمر بن المتطيب في المعنى: الملك الظاهر سلطاننا ... نفديه بالمال وبالأهل اقتحم الماء ليطفي به ... حرارة القلب من المغل وفي سنة اثنتين وسبعين وستمائة قدم ملك الكرج؛ ليزور بيت المقدس والقمامة منكراً في زي الرهبان ومعه طائفة؛ فسلك أرض الروم إلى

стр. 1346

سيس، ثم ركب البحر وطلع من عكا، وأتى القدس، فاطلع الأمير بيليك الخازندار على أمره، وهو على يافا؛ فأرسل من قبض عليه، ثم أرسله مع الأمير منكورس إلى الملك الظاهر، والظاهر بدمشق؛ فسأله السلطان، وقرره بلطف حتى اعترف، وحبسه وأمره أن يكتب إلى بلاده بأسره. وعاد السلطان إلى ديار مصر في شهر رجب. وفي سنة ثلاث وسبعين وستمائة - في صفر منها - توجه السلطان إلى الكرك على الهجن، وكان قد وقع بها برج أحب السلطان أن يصلح بحضوره، ثم دخل دمشق في آخر شهر شعبان. ثم سار إلى سيس، وعبر إليها من الدربند، فافتتحها، وأخذ إياس، وأذنة، والمصيصة في العشر الأخير من رمضان، وبقي الجيش بها شهراً، وقتلوا وأسروا وسبوا منها خلائق. وفي هذا المعنى يقول العلامة محيي الدين بن عبد الظاهر: يا ملك الأرض الذي جيشه ... يملأ من سيس إلى قوص مصيصة التكفور قالت لما ... بالله إفرادي وتخصيصي كم بدن فصله سيفك الغراء ... والأكثر مصيصي وفي يوم الخميس العشرين من شهر رمضان سنة خمس وسبعين وستمائة خرج الملك الظاهر من الديار المصرية متوجهاً إلى بلاد الروم، بعد أن قرر في السلطنة

стр. 1347

بالديار المصرية ولده الملك السعيد، وجعل الفارقاني كالمدبر له، وترك عند الملك السعيد من العسكر خمسة آلاف فارس، ورحل الظاهر يوم السبت ثاني عشرين شهر رمضان، وسار حتى دخل دمشق في سابع عشر شوال، ثم خرج منها متوجهاً إلى حلب؛ فدخلها في أول ذي القعدة، ثم خرج منها متوجهاً إلى الروم، وجد في السير إلى أن وصل إلى أقجا دربند، فقطعه في نصف نهار. فلما خرجت عساكره وتكاملت، قدم الأمير سنقر الأشقر على جماعة من العسكر وأمره بالمسير؛ فسار حتى وقع على كتيبة للتتار، عدتهم ثلاثة آلاف فارس، ومقدمهم الأمير كراي التتري؛ فهزمهم الأمير سنقر الأشقر وأسر منهم طائفة، ثم وردت الأخبار على الملك الظاهر بأن برواناه على نهر جيحان، ثم سار السلطان. فلما صعد العسكر على الجبال وأشرف على صحراء إبلستين؛ فشاهد التتار قد رتبوا عساكرهم أحد عشر طلباً، في كل طلب ألف فارس، وعزلوا عسكر الروم إلى جانب؛ خوفاً من باطن لهم مع المسلمين، وجعلوا عسكر الكرج طلباً واحداً. فلما تراءى الجمعان، حملت ميسرة التتار حملة واحدة على ميمنة الظاهر، فأردفهم الظاهر بنفسه، ثم كانت منه التفاتة؛ فرأى ميسرته قد لحت عليها ميمنة التتار؛ فأردفها أيضاً بنفسه، ثم حمل وحملت العساكر برمتها حملة رجل واحد؛ فترجل التتار عن خيولهم، وقاتلوا أشد القتال، فلم يغن عنهم ذلك شيئاً،

стр. 1348

وأنزل الله بأسه بهم، وانتصر المسلمون؛ فقتل أكثر التتار، وفر من نجا منهم واعتصموا بالجبال، وأحاط بهم الجيش الإسلامي، وترجلوا عن خيولهم، وقاتلوا؛ فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأسروا منهم جماعة كثيرة من أعيان الروم والتتار. وفي هذا المعنى يقول العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود بن سليمان الحلبي الكاتب قصيدة طنانة منها: كذا فلتكن في الله عز العزائم ... وإلا فلا تجفوا الجفون الصوارم عزائم جازتها الرياح فأصبحت ... مخلفة تبكي عليها الغمائم ومنها: بجيش تظل الأرض منه كأنها ... على سعة الأرجاء في الضيق خاتم كتائب كالبحر الخضم جيادها ... إذا ما تهادت موجه المتلاطم تحيط بمنصور اللواء مظفر ... له النصر والتأييد عبد وخادم مليك يلوذ الدين من عزماته ... بركن له الفتح المبين دعائم

стр. 1349

وفي السنة المذكورة دخل الملك الظاهر بلاد الروم، ونزل بمدينة قيصرية، وجلس بها في دار الملك، وصلى بها الجمعة، وخطبوا له، وضربت السكة باسمه في القعدة من السنة. ثم رجع، وقطع الدربند، وعبر النهر، ثم عاد إلى دمشق في سابع المحرم مؤيداً منصوراً، ونزل بالقلعة، ثم انتقل إلى قصره الأبلق بدمشق؛ فمرض في نصف المحرم من سنة ست وسبعين وستمائة؛ فمات من مرضه يوم الخميس بعد الظهر الثامن والعشرين من المحرم من السنة المذكورة، وحمل إلى القلعة ليلاً مع أكابر أمرائه، وغسله، وصبره المهتار شجاع الدين عنبر، والكامل علي بن المنبجي الإسكندراني المؤذن، والأمير عز الدين الأفرم. ووضع في تابوت، وعلق في بيت بالقلعة، وهو في عشر الستين إلى أن يحصل الاتفاق على موضع دفنه. وكان قد أوصى أن يدفن على الطريق السالكة، قريباً من داريا، وأن يبنى عليه هناك قبة؛ فرأى ولده الملك السعيد أن يدفنه داخل السور، فابتاع دار العقيقي، وبنيت له قبة. فلما تكمل بناؤها نقل إليها، ووقف عليها وعلى المدرسة الأوقاف الكثيرة، ثم في يوم السبت رابع عشر صفر شرع في عمل أغربة الملك الظاهر بيبرس المذكور بالديار المصرية.

стр. 1350

قال الأمير بيبرس الدوادار في تاريخه: وكان القمر قد كسف كسوفاً كاملاً، أظلم له الجو، وتأول ذلك المتأولون بموت رجل جليل القدر؛ فقيل إن السلطان لما بلغه ذلك حذر على نفسه، وخاف، وقصد أن يصرف التأويل إلى غيره؛ لعله يسلم من شره. وكان بدمشق شخص من أولاد الملوك الأيوبية - وهو الملك القاهر بهاء الدين عبد الملك ابن السلطان الملك المعظم عيسى ابن السلطان الملك العادل أبي بكر بن أيوب -؛ فأراد الظاهر - على ما قيل - اغتياله بالسم؛ فأحضره في مجلس شرابه؛ فأمر الساقي أن يسقيه قمزاً، كان ممزوجاً فيما يقال بسم؛ فسقاه الساقي ذلك الكأس؛ فأحس به، وخرج من وقته، ثم غلط الساقي، وملأ الكأس المذكور، وفيه أثر السم، ووقع الكاس في يد الملك الظاهر فشربه. انتهى كلام بيبرس الدوادار باختصار. قلت: هذا القول مشهور بأفواه الناس، والله أعلم. وخلف الملك الظاهر بيبرس - صاحب الترجمة - عشرة، أولاد وهم: الملك السعيد محمد، وسلامش، وخضر. وسبع بنات.

стр. 1351

وقال الشيخ قطب الدين: كان له عشرة آلاف مملوك. وقال الحافظ الذهبي في تاريخه: حكى الشيخ شرف الدين عبد العزيز الأنصاري الحموي، قال: كان الأمير علاء الدين البندقداري الصالحي لما قبض عليه، وأحضر إلى حماة، واعتقل بجامع قلعتها اتفق حضور ركن الدين بيبرس هذا من بلاده مع تاجره، وكان الملك المنصور صاحب حماة إذ ذاك صبياً. وكان إذا أراد شراء رقيق تبصره الصاحبة والدته؛ فأحضر بيبرس هذا مع جخداشه؛ فرأتهما من وراء الستر، فأمرت بشراء جخداشه، وقالت: هذا الأسمر - يعني الملك الظاهر بيبرس - لا يكون بينك وبينه معاملة؛ فإن في عينيه شراً لائحاً؛ فردهما الملك المنصور جميعاً، فطلب البندقداري الغلامين، فاشتراهما، وهو معتقل، ثم أفرج عنه وسار بهما إلى مصره وآل أمر ركن الدين بيبرس هذا إلى ما آل. ثم قال: واشتهر - يعني الملك الظاهر - بالشجاعة والإقدام.

стр. 1352

ولما سارت الجيوش المنصورة من مصر لحرب التتار كان هو طليعة الإسلام. ثم قال: وكان غازياً، مجاهداً، مرابطاً، خليقاً للمملكة لولا ما كان فيه من الظلم، والله يرحمه ويغفر له؛ فإن له أياماً بيضاء في الإسلام، ومواقف مشهودة، وفتوحات معدودة. انتهى كلام الذهبي، ﵀. قلت: وكان الملك الظاهر ﵀ ملكاً شجاعاً، مقداماً، خبيراً بالحروب، ذا رأي وتدبير وسياسة، ومعرفة تامة. وكان سريع الحركات، كثير الأسفار، نالته السعادة والظفر في غالب حروبه، وفتح عدة فتوحات من أيدي الفرنج وهي: قيسارية، وأرسوف، وصفد، وطبرية، ويافا، والشقيف، وأنطاكية، وبغراس، والقصير، وحصن الأكراد، وحصن عكار، وصافيثا، ومرقية، وطرابلس، وبلاد أنطرطوس، وناصفهم على المرقب وبانياس. وله مآثر بالقاهرة ودمشق وغيرها. وبنى عدة جوامع، ومدارس، وقناطر، وجسور مشهورة به بسائر الأقاليم منها: المدرسة الظاهري بين القصرين

стр. 1353

من القاهرة. ولما فرغ من عملها جعل بها مدرس الحنفية الصاحب مجد الدين بن العديم، ومدرس الشافعية الشيخ تقي الدين بن رزين. وولى مشيخة الحديث للحافظ شرف الدين عبد المؤمن الدمياطي. وولى مشيخة القراء للشيخ كمال الدين الحلي. وفي أيامه في سنة ثلاث وستين وستمائة جعل بالديار المصرية قضاة أربع، من كل مذهب قاض. وسبب ذلك: توقف القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز عن تنفيذ كثير من الأحكام، وكثرة توقفه؛ فكثرت الشكاوى منه، وتعطلت الأمور؛ فوقع الكلام في ذي الحجة بين يدي الملك الظاهر. وكان الأمير جمال الدين أيدغدي العزيزي يكره القاضي تاج الدين؛ فقال له نترك لك مذهب الشافعي، ونولي معك من كل مذهب قاضياً؛ فمال السلطان الملك الظاهر إلى كلامه. وكان لأيدغدي العزيزي محل عظيم عند الظاهر؛ فولى قاضي قضاة

стр. 1354

الحنفية الشيخ صدر الدين سليمان، وقاضي القضاة المالكية الشيخ شرف الدين عمر السبكي، وقاضي قضاة الحنابلة شمس الدين محمد بن العماد، واستنابوا النواب. وأبقى للشافعي النظر في أموال اليتامى وأمور بيت المال، ثم فعل ذلك بسائر الأقاليم إلى يومنا هذا. ﵀ وعفا عنه. الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير بيبرس بن عبد الله، الملك المظفر ركن الدين بيبرس البرجي المنصوري الجاشنكير.

стр. 1355

أصله من مماليك الملك المنصور قلاوون وعتقائه، وتنقل في الخدم حتى صار من جملة الأمراء بالديار المصرية. وتولى الأستادارية للملك الناصر محمد بن قلاوون. وكان إقطاعه كبير، فيه عدة إقطاعات لأمراء. ولما كان أستاداراً كان سلار نائباً بالديار المصرية؛ فحكما في البلاد وتصرفا في الممالك، وصار الملك الناصر ليس له من السلطنة إلا الاسم فقط. وكان نواب البلاد الشامية جخداشية الجاشنكير من البرجية؛ فقوى أمره بهم، إلى أن توجه الملك الناصر إلى الحجاز ورد من الطريق إلى الكرك وأقام بها، وأرسل يعلم أمراء الديار المصرية؛ ليقيموا سلطاناً. لعب الأمير سيف الدين سلار بالجاشنكير هذا، وحسن له السلطنة حتى تسلطن، ولقب بالملك المظفر بعد أن أفتى له جماعة من القضاة والفقهاء بذلك، وكتب محضراً مثبوتاً على القضاة، وناب سلار له، واستوثق له الأمر. وكانت سلطنته في يوم السبت بعد العصر ثالث عشرين شوال سنة ثمان وسبعمائة - وقيل في ذي القعدة في بيت سلار -، وركب من بيت سلار بخلعة السلطنة إلى القلعة، ومشوا الأمراء بيني يديه، ودقت البشائر، وسارت البريدية

стр. 1356

بذلك إلى سائر الممالك، وكتب له الخليفة المستكفي بالله على تقليده بخطه. وكان من جملة عنوانه أنه: من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم. وجلس الأمير بتخاص والأمير قلى والأمير لاجين لاستحلاف الأمراء والعساكر، واستفحل أمره، وأعطى، وأنعم. قيل إن خلعه التي خلعها وصلت إلى ألفين ومائتي خلعة. ودام في الملك إلى أن وقع بينه وبين الملك الناصر وحشة؛ وهو أن الملك الناصر لما دخل إلى الكرك سأل من نائبها الأمير آقوش عن الأموال الحاصلة بها؛ فأحضر النائب بمائتي ألف درهم لا غير؛ خوفاً أن يطلعه على المال؛ فيأخذه كله، وأخرج آقوش من نيابة الكرك، وقنع بالكرك. وخطب للملك المظفر بيبرس هذا بجامع الكرك بحضرة الملك الناصر محمد بن قلاوون، وتأدب الملك الناصر معه وسكت حتى أنه كان إذا كاتبه يكتب: الملكي المظفري. وقصد بذلك سكون الأحوال. فلما كان بعد ذلك بقليل أرسل الملك المظفر يطلب من الملك الناصر الخيل والمماليك التي عنده، والأموال التي كانت بالكرك؛ فبعث إليه الملك الناصر بالمبلغ الذي أخذه؛ فأعاد الملك المظفر الجواب بتجديد الطلب للخيول والمماليك، والتهديد إن لم يرسل الخيول والمماليك؛ فعند ذلك أهان الملك الناصر رسوله، وأمر

стр. 1357

بإخراجه ماشياً إلى الغور، وأخذ من وقته في التحفل حتى كان من أمره ما كان. وأخذ أمر الملك المظفر بيبرس هذا في إدبار، ثم إن الملك المظفر جهز عسكراً لقتال الملك الناصر، لما بلغه خروجه من الكرك، وجعل مقدم عساكره الأمير برلغي. وكان برلغي هو المشار إليه في الدولة المظفرية بيبرس، وكثر قلق الملك المظفر، وأتى بعض المماليك السلطانية بالمواطأة، وقبض على جماعة منهم، ثم جرد الأمير برلغي مقدماً على العساكر، ومعه ثلاثة أمراء من مقدمي الألوف وهم: آقوش الأشرفي نائب الكرك كان، وأيبك البغدادي، والدكر السلاح دار ومن معهم من الأمراء؛ فبرزوا في يوم السبت تاسع رجب من سنة تسع وسبعمائة، وخيموا بمسجد التبن، ولم يتوجهوا، بل عادوا إلى القاهرة بعد أربعة أيام. وكان الباعث لهم على العود أن كتب الأفرم نائب دمشق: وردت تتضمن عود الملك الناصر محمد إلى الكرك. ثم أرسل الملك المظفر إلى الملك الناصر محمد رسالة ثانية على يد الأمير مغلطاي وقطلوبغا تتضمن وعيداً، وتهديداً، ونكاراً شديداً. فلما وقف عليها الناصر اشتد غضبه، وقبض عليهما بعد أن أوجهما بالضرب الشديد، ثم كتب للأمراء بالبلاد الشامية، وذكر لهم ما لوالده عليهم من الحقوق والتربية. ثم خرج بعد ذلك من الكرك ثانياً بعد الاهتمام بالتوجه إلى

стр. 1358

دمشق. فلما بلغ الملك المظفر الخبر ثانياً، جرد الأمراء المذكورين - كما ذكرناه أولاً - ومعهم أربعة آلاف فارس، وبرزوا في الوقت، وشرع المظفر في النفقة على الجند والعامة. وسبب نفقته على العامة ما وقع له معهم في السنة المذكورة عند توقف النيل عن الزيادة، فقالت العامة: سلطاننا ركين ونائبنا دقين ... يجينا الماء من أين يسيبوا لنا الأعرج ... يجينا الماء وهو يتدحرج ولهجت العامة بذلك؛ فعظم هذا القول على الملك المظفر، وأراد أن يوقع بهم. انتهى. ثم إن الملك المظفر وقع بينه وبين جماعة من الخاصكية - وهم نحو المائة - وصحبتهم الأمير نوغاي، وكانوا مع العسكر؛ فخامروا الجميع، وتوجهوا إلى الملك الناصر محمد بن قلاوون؛ وأخبروا الناصر بمحبة المصريين له. وقدم الملك الناصر دمشق، ونزل بالقصر الأبلق، وجاءته نواب البلاد الشامية وجماعة أخر من المصريين، وتوجه الجميع صحبة الملك الناصر نحو الديار المصرية، وخرج العسكر المصري صحبة الأمير برلغي لقتال الناصر، ووقع له مع عسكر الناصر أمور أسفرت عن توجه برلغي ودخوله تحت طاعة الملك الناصر محمد. فلما بلغ الملك المظفر بيبرس الجاشنكير ذلك، ذل وهرب في مماليكه نحو الغرب بعد أن خلع نفسه،

стр. 1359

وكتب إلى الملك الناصر كتاباً فيه: الذي أعرفك به أنني قد رجعت لأقلدك بغيك، فإن حبستني عددت ذلك خلوة، وإن نفيتني عددت ذلك سياحة، وإن قتلتني كان ذلك لي شهادة. فلما سمع الناصر ذلك عين له صهيون؛ فسار الملك المظفر إليها مرحلتين؛ فتكلم فيه؛ فرده الناصر، وأحضره قدامه، وسبه، وعنفه، وعدد عليه ذنوباً، ثم خنقه قدامه بوتر حتى كاد يتلف، ثم سيبه حتى أفاق، وعنفه، وزاد في شتمه، ثم خنقه حتى مات في شهر شوال سنة تسع وسبعمائة. وكان المظفر ملكاً ثابتاً، كثير السكون والوقار، جميل الصفات، نذب إلى المهمات مراراً عديدة. وكان يتكلم في أمر الدولة سنين عدة، وحسنت سيرته. وكان يرجع إلى خير ودين ومعروف تولى السلطنة على كره منه. وله أوقاف على وجوه البر والصدقة، وعمر ما هدم من الجامع الحاكمي داخل باب النصر من القاهرة بعد ما شققته الزلازل. وأنشأ الخانقاه داخل باب النصر - المعروفة قديماً بدار الوزارة، وهي الآن معروفة به -.

стр. 1360

وكان من أعيان الأمراء في الدولة المنصورية قلاوون، والدولة الأشرفية خليل بن قلاوون، والدولة الناصرية محمد بن قلاوون. وكان أبيضاً أشقراً، مستدير اللحية، وهو جاركسي الجنس - على ما قيل - ولا يعرف غيره من الجراكسة ملك الديار المصرية إلى أن تسلطن الملك الظاهر برقوق، وقيل إنه كان تركياً، والأقوى عندي أنه كان جركسياً؛ فإنه كان بينه وبين الأفرم نائب دمشق محبة زائدة؛ قيل قرابة، وكان الأفرم جاركسياً، والله أعلم. ولما هرب الملك المظفر بيبرس عند قدوم الملك الناصر محمد، قال بعض الأدباء: تثنى عطف مصر حين وافى ... قدوم الناصر الملك الخبير فذاك الجشنكير بلا لقاء ... وأمسى وهو ذو جأش نكير إذا لم تعضد الأقدار شخصاً ... فأول ما يراع من النظير انتهى.

стр. 1361

الجالق بيبرس بن عبد الله الصالحي النجمي الجالق، الأمير ركن الدين، أحد أكابر الأمراء بالديار المصرية - والجالق صفة الفرس إذا كان قوي النفس كثير اللعب - كان أولاً في أيام أستاذه الملك الصالح نجم الدين أيوب من جملة الجمدارية، ثم أمره الملك الظاهر بيبرس، وجعله من جملة أمراء البحرية. ولا زال الملك الظاهر يرقبه حتى صار من أكابر أمراء دولته، ونالته السعادة، وكثر ماله. ثم أخرج إلى دمشق على إقطاع هائل؛ فدام في السعادة، وطالت أيامه، وهو آخر البحرية موتاً. ولما كان بدمشق خرج منها إلى الرملة؛ لقسم إقطاعه، فمات بها سنة سبع وسبعمائة، وقد عمر، ونقلت رمته إلى القدس. رحمه الله تعالى وعفا عنه. الحاجب بيبرس بن عبد الله المنصوري الحاجب، الأمير ركن الدين. أظنه من

стр. 1362

مماليك الملك المنصور قلاوون، وترقى إلى أن صار أمير آخوراً. واستمر إلى أن عزله الملك الناصر محمد عند حضوره من الكرك بالأمير أيدغمش، وولاه الحجوبية؛ فدام على ذلك مدة إلى أن جرده الملك الناصر إلى اليمن هو وجماعة من العسكر المصري؛ فغاب مدة في اليمن، ثم حضر. ولما حضر نقم السلطان عليه أموراً نقلت إليه عنه؛ فقبض عليه؛ واعتقله، ثم أطلقه بعد مدة، ورسم له بإمرة في حلب؛ فتوجه إليها وأقام بها مدة. فلما قدم تنكز إلى الديار المصرية في سنة تسع وثلاثين وسبعمائة طلبه من السلطان أن يكون عنده بدمشق؛ فرسم له بذلك؛ فاستمر بدمشق إلى أن مات الملك الناصر محمد، وتسلطن الملك الناصر أحمد بن محمد بن قلاوون، صار المذكور نائب الغيبة بدمشق. وكان قد أسن؛ فحصل له ما شرى في وجهه أقام معها مقدار جمعة، ومات في شهر رجب سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة. وكانت داره بالقاهرة داخل باب الزهومة، كانت مشهورة به، وهو صاحب القنطرة على خليج الناصري. رحمه الله تعالى وعفا عنه.

стр. 1363

العديمي بيبرس بن عبد الله العديمي، الشيخ المسند أبو سعيد التركي، مولى الصاحب محمد بن عبد الرحمن بن العديم. مولده في حدود عشرين وستمائة. رحل مع أستاذه، وسمع ببغداد جزء البانياسي من الكاشغري، وجزء العيسوي من ابن الخازن، وأسباب النزول من أبي سهل، وتفرد بأشياء، وسمع من ابن أبي قميرة، وحدث بدمشق وحلب، وسمع منه الحافظ علم الدين البرزالي، وابن حبيب وأولاده، والواني، وابن خلف، وابن خليل المكي، وعدة. وكان مليح الشكل، أمياً فيه عجمة. توفى بحلب سنة ثلاثة عشر وسبعمائة. رحمه الله تعالى.

стр. 1364

الخطائي الدوادار بيبرس بن عبد الله المنصوري الخطائي الدوادار، الأمير ركن الدين. أصله من مماليك الملك المنصور قلاوون، اشتراه، ورباه مع أولاده، ثم ترقى من بعده إلى أن ولى الدوادارية، ثم صار رأس الميسرة وكبير الدولة، ثم ولى نيابة السلطنة بالديار المصرية إلى أن قبض عليه وحبس مدة، ثم أطلق وأعيد إلى رتبته. وكان عاقلاً، فاضلاً، بارعاً، عارفاً، سيوساً، ذا مشاركة وفضل، وصنف تاريخاً كبيراً أجاد فيه وأبدع، ويقال إنه صنفه بإعانة كاتبه ابن كبر النصراني وغيره، وسمى تاريخه: بزبدة الفكرة في تاريخ الهجرة، في أحد عشر مجلداً. ومما يدل على فضله ما أورده في تاريخه من الكلام المسجع. وانتهى تاريخه إلى سنة أربع وعشرين وسبعمائة. وكانت وفاته بالقاهرة في ليلة الخميس خامس عشرين شهر رمضان سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وهو من أبناء الثمانين.

стр. 1365

وكان فاضلاً، وافر الحرمة، مهاباً. وكان الملك الناصر محمد بن قلاوون يجله، ويقوم له لما يدخل عليه، ويأذن له بالجلوس. قلت: كان يستحق هذا وأكثر؛ لما احتوى عليه من العلم، والفضل، والعقل، والكرم، والسياسة؛ فهؤلاء كانوا هم الأمراء، لا مثل أمراء عصرنا، هذا البقر العاجزة. انتهى. السلاري بيبرس بن عبد الله السلاري، الأمير ركن الدين حاجب صفد. كان أولاً من أمراء الديار المصرية، ثم أخرجه الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى صفد بعد سنة سبع وعشرين وسبعمائة؛ فدام بصفد إلى أن مات الأمير أقطوان الجمالي الحاجب؛ فتولى بيبرس هذا حجوبية صفد من بعده، واستمر في الحجوبية إلى أن ولى الأمير أصلم السلاري نيابة صفد، نقل بيبرس هذا إلى دمشق على إمرة حتى لا يجتمعا؛ لأن كلا منهما كان سلارياً، ثم أعيد المذكور إلى حجوبية صفد، بعد مت الملك الناصر محمد؛ فدام بها إلى أن مات في أوائل شهر رجب الفرد سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة.

стр. 1366

الأحمدي بيبرس بن عبد الله الأحمدي، الأمير ركن الدين، أميرجندار. كان أحد أعيان أمراء الدولة، وكان أمير جندار في الدولة الناصرية محمد ابن قلاوون والمشار إليه، ثم عظم حتى صار له كلمة في الدولة وأمر ونهي. ولما مات الملك الناصر محمد بن قلاوون صار هو صاحب العقد والحل في المملكة، وهو الذي قوى عزم قوصون على تولية الملك المنصور أبي بكر بعد موت والده الملك الناصر محمد، وخالف بشتك، وقال له: هذا السلطان أستاذك قد ولى ولده، وما اختار الذي تختاره أنت، وأبوهما أخبر بهما. ولما نسب إلى الملك المنصور الذي نسب من اللهو، واللعب، واستعمال الشراب، حضر بيبرس هذا إلى باب القصر، وقال: إيش هذا اللعب؟ فانفل الجماعة الذين كانوا عند السلطان. ثم رغب عن وظيفته، ووليها الأمير أرنبغا إلى أن ولى الملك الناصر أحمد بن محمد بن قلاوون السلطنة، ولاه نيابة صفد؛ فباشرها إلى أن وقع له بها أمور. وخرج عن صفد بعد لبس آلة الحرب، وألبس مماليكه، ثم توجه إلى دمشق على تلك الهيئة؛ فأراد أمراء دمشق القبض

стр. 1367

عليه؛ فقال لهم: أنا جئت إليكم غير محارب؛ فإن جاء أمر من السلطان بإمساكي؛ فأمسكوني، وأنا ضيف عندكم. فأخرجوا الإقامة له، وبات تلك الليلة وأصبح والأمراء معه، فجاء البريد من الكرك بإمساكه؛ فكتب الأمراء إلى السلطان الملك الناصر أحمد يسألونه فيه، وقالوا له: هذا مملوكك ومملوك والدك، وركن من أركان دولتك، وما له ذنب، واليوم يعيش وغداً يموت، ونسأل صدقات السلطان العفو عنه، وأن يكون أميراً بدمشق، فرد الجواب بإمساكه، فردوا الجواب بالسؤال فيه، فأبى ذلك، وقال: أمسكوه، وانهبوه، وخذوا أمواله لكم؛ وابعثوا إلي برأسه؛ فأبوا ذلك، وخلعوا طاعته، وشقوا العصا عليه، فلم يكن إلا مدة يسيرة، وقدم عليهم الأمير طقتمر الصلاحي من الديار المصرية مخبراً بأن الأمراء المصريين خلعوا الملك الناصر أحمد المذكور، وولوا السلطان الملك الصالح إسماعيل بن الناصر محمد بن قلاوون؛ فاطمأنت نفوس الأمراء الشاميين. ودام بيبرس هذا مقيماً بدمشق - بقصر الأمير تنكز بالمزة - إلى أن ورد مرسوم الملك الصالح له بنيابة طرابلس؛ فتوجه إليها، وأقام بها نحو الشهرين، وطلب إلى الديار المصرية، وولى عوضه طرابلس الأمير أرنبغا أمير جندار، ثم جهز بيبرس هذا بحصار الملك الناصر أحمد بالكرك؛ فحصره مدة، وبالغ فلم ينل منه قصداً، وعاد إلى ديار مصر، وأقام بها إلى أن مات في أوائل سنة ست وأربعين وسبعمائة. وهو في عشر الثمانين.

стр. 1368

وكان شكلاً تاماً، ذا شيبة منورة، ووجه أحمر. وكان يميل إلى دين وخير، ويحب الفقراء وأهل الصلاح، وكان مثرياً، وله عدة أملاك ودور معروفة به. رحمه الله تعالى. الموفقي بيبرس بن عبد الله الموفقي المنصوري. الأمير ركن الدين. أصله من مماليك الملك المنصور قلاوون الصالحي الألفي، وترقى إلى أن صار من جملة الأمراء بالقاهرة، ثم وقع حوادث نقل فيها أميراً بدمشق؛ فدام بها إلى أن مات في يوم الأربعاء ثالث عشرين جمادى الآخرة سنة أربع وسبعمائة، وصلى عليه ودفن، ثم ظهر بعد ذلك أن مماليكه خنقوه وهو نائم سكران، نسأل الله حسن الخاتمة. الأتابكي بيبرس بن عبد الله الظاهري الأتابكي، أحد مماليك الملك الظاهر برقوق وابن أخته.

стр. 1369

استقدمه الملك الظاهر برقوق صغيراً مع والدته وأقاربه في حدود سنين نيف وثمانين وسبعمائة؛ فربى في الحرم السلطاني إلى أن كبر أنعم عليه بإمرة عشرة. ولا زال الملك الظاهر يرقيه إلى أن جعله أمير مجلس بعد نفي الأمير شيخ الصفوي إلى القدس في تاسع صفر سنة ثمانمائة؛ فدام على ذلك إلى تاسع عشرين جمادى الأولى من السنة نقل إلى الدوادارية الكبرى بعد موت الأمير قلمطاي الدوادار، وأنعم بإمرة مجلس على الأمير أقبغا اللكاش؛ فاستمر بيبرس دواداراً إلى أن نقله الملك الناصر فرج بن برقوق إلى الأتابكية، بعد عصيان الأتابك أيتمش البجاسي، وخروجه إلى الشام في سنة اثنتين وثمانمائة. واستقر عوضه في الدودارية الأمير يشبك الشعباني الظاهري الخازندار؛ فاستمر بيبرس المذكور أتابكاً مدة إلى أن اختفى الملك الناصر فرج، وخلع، وتسلطن أخوه الملك المنصور عبد العزيز ابن الملك الظاهر برقوق في سنة ثمان وثمانمائة؛ فلم تطل أيام الملك المنصور عبد العزيز، وظهر الملك الناصر فرج طالباً ملكه من بيت الأمير سودون الحمزاوي

стр. 1370

الدوادار في يوم الجمعة رابع جمادى الآخرة من السنة، وتلاحق به كثيراً من أمرائه، ولم يطلع الفجر حتى ركب الملك الناصر بآلة الحرب وسار بمن اجتمع عليه يريد قلعة الجبل؛ فقاتله الأتابك بيبرس هذا ومعه الأمير إينال باي أمير آخور، وسودون المارديني، ويشبك بن أزدمر من القلعة، قتالاً ليس بذاك، ثم انهزموا، وملك الملك الناصر فرج القلعة، وتوجه بيبرس منهزماً إلى خارج القاهرة؛ فأدركه الأمير سودون الطيار؛ فقاتله، فلم يثبت بيبرس، وأخذه سودون، وقبض عليه، وأحضره بين يدي الملك الناصر فرج بقيده، وبعث به إلى الإسكندرية. وعاد الملك الناصر إلى ملكه، وخلع المنصور عبد العزيز، فكانت مدة ملك المنصور سبعين يوماً، وخلع السلطان على الأمير يشبك الشعباني الدوادار باستقراره أتابك العساكر، عوضاً عن بيبرس المذكور، واستقر سودون الحمزاوي دواداراً، عوضاً عن يشبك. ولا زال بيبرس في حبس الإسكندرية إلى أن قتل بالثغر في سنة إحدى عشرة وثمانمائة، وقتل معه الأمير سودون المارديني، والأمير بيغوت. وكان بيبرس أميراً جليلاً، كريماً، لين الجانب، قليل الشر، منهمكاً في اللذات، واللهو، والطرب، منقاداً إلى نفسه، بمعزل عن الشجاعة والفروسية. رحمه الله تعالى.
следующие страницы →