Полный текст (2 835 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
وإن دام على دمشق يحاصرها فيرسل السلطان من بعض عسكره من يضرب أطراف عسكره وينهبه فلا يسعه إلا العود إلى بلاده، فإذا توجه سرنا في أثره فيهلك غالب عسكره لعدم معرفتهم بالبلاد ولكثرتهم، فإن شأن العسكر الكبير إذا عاد إلى بلاده لا يلتفت إلى خلفه، ويصير أول العسكر في بلاد وأخرهم في بلاد أخر وبينهم مسافة أيام.
فلم يقبل الأمراء كلام والدي ﵀ بنصح، وقالوا فيما بينهم: يريد يأخذ دمشق ويسلمها لتيمور ويتفق معه على قتالنا لما في نفسه منان وبلغ والدي ﵀ ذلك فسكت عن مقالته، وليس تشريفه، وتوجه إلى دمشق.
وأخبرني من أثق به أن هذا الخبر بلغ تيمور، فشكر هذا الرأي إلى الغاية، ثم حمد الله تعالى على عدم فعلهم إياه.
ووقع لأهل دمشق محن، وآخر الأمر أخذها تيمور وفر والدي ﵀ مع الملك الناصر فرج عائدا إلى القاهرة، فدام بها إلى أن نزح تيمور عن دمشق، أخلع عليه ثانياً بنيابتها، فتوجه إليها ودخلها وباشرها إلى أن أراد السلطان القبض عليه، فخرج من دمشق وتوجه إلى حلب، فوافقه نائبها الأمير دمرداش المحمدي على الخروج على الملك الناصر، ووقع لهما مع عسكر السلطان أمور ووقائع إلى أن انهزما بعد أشهر، وتوجها إلى بلاد التركمان، فأقاما بها مدة إلى أن أرسل السلطان إلى والدي، ﵀، خاتم الأمان، وطلبه إلى ديار
стр. 1437
مصر، فقدمها وأنعم عليه بتقدمتي ألف بالديار المصرية، وجلس رأس الميسرة فوق أمير سلاح، واستمر على ذلك إلى أن اختفى الملك الناصر فرج، وخلع عن الملك بأخيه الملك المنصور عبد العزيز، فر والدي من القاهرة على البرية إلى القدس، فدخل إلى القدس في خامس يوم، ودام بها إلى أن عاد الملك الناصر إلى ملكه طلبه، وكان الناصر قد عقد عقدة على ابنته أختي فاطمة، فدخل عليها في غيبة والدي، ﵀، ثم قدم والدي إلى الديار المصرية وأنعم عليه أيضاً بعدة إقطاعات، وعظم في الدولة، كل ذلك في سنة ثمان وثمانمائة، ثم أخلع عليه باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية عوضاً عن الأتابك يشبك الشعباني.
فاستمر على وظيفته إلى أن أستقربه في نيابة دمشق ثالث مرة، على كره منه، وهو أن المير شيخ المحمودي ونوروز الحافظي طال خروجهما على الملك الناصر، وصارا كلما ولى السلطان أميراً في نيابة دمشق يخرجاه منها مهزوماً على
стр. 1438
أقبح الوجوه، فلما حصرهما السلطان بقلعة الكرك مدة، ثم وقع الصلح بين السلطان وبينهما على أن يعطي الأمير شيخ نيابة حلب، ويعطي الأمير نوروز نيابة طرابلس، ويكون نائب دمشق من قبل الملك الناصر، فقالوا: إن كان ولا بد فلا يكون علينا من هو دوننا نائب دمشق، ونحن راضون بالأمير الكبير، يعني والدي ﵀ فإنه آغتنا قديماً وحديثاً، فالتفت الملك الناصر إليه وقال له: يا أبي ما بقي في هذا إلا استقرارك في نيابة دمشق، فامتنع والدي ﵀ غير مرة، والملك الناصر يكرر السؤال عليه ويعانقه ويقبل رأسه حتى قبل ووليها، وهي ولا يته لها ثالث مرة، وذلك في أواخر سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، وخمدت الفتنة بتوليته.
وصار شيخ ونوروز في طاعته إلى أن مرض في سنة أربع عشرة ولزم الفراش عدة أشهر، وأفحش الناصر ثانياً في حقهما، فخرجا عن طاعته وتوجه الناصر إلى البلاد الشامية في السنة المذكورة لقتالهما، ولما بلغ الأمير شيخ والأمير نوروز الحافظي مجيء الملك الناصر إلى البلاد الشامية، وعلما أن والدي، ﵀ على خطه، عظم عليهما ذلك، وقدما إلى دمشق ليعوداه، فنزلا ظاهر دمشق بثقلهما، ودخلا إليه كل واحد معه خمسة مماليك لاغير، وأقاما عنده بدار السعادة ساعة كبيرة، والناس يتعجبون من دخولهما إلى دمشق والملك الناصر في طلبهما، لا سيما دخولهما إلى دار السعادة ومكثهما عنده هذه المدة، ثم خرجا من عنده بعد أن أخلع عليهما كل واحد كاملية سمور هائلة، وقيد لكل منها فرس بسرج
стр. 1439
ذهب وكنبوش زركش، وألف دينار ذهب لكل منهما، ثم قدم الملك الناصر دمشق بعد ذلك بأيام يسيرة.
وتوفي والدي ﵀ في يوم الخميس سادس عشر المحرم سنة خمس عشرة وثمانمائة، دفن من الغد في يوم الجمعة بتربة الأمير تنم نائب الشام بميدان الحصا، وصلى عليه الملك الناصر فرج، وشهد دفنه، ثم قتل بعد أيام في شهر صفر من السنة المذكورة.
وخلف والدي ﵀ عشرة أولاد: ستة ذكور وأربع بنات، ونذكرهم بالأسن، وهم الزينى قاسم أحد أمراء الطبلخانات، كان في أيام والده، ومولده بحلب في سنة ثمان وتسعين وسبعمائة تقريباً، وأمه أم ولد تركية، كلاهما في قيد الحياة الآن، والشرفى حمزة ومولده في أواخر سنة ثمانمائة بالقاهرة وبها توفي سنة ثمان وأربعين وثمانمائة، وأمه أم ولد جار كسية، والصارمى إبراهيم، ومولده في حدود الثمان والثمانمائة وتوفي بدمشق مطلعوناً في سنة ست وعشرين وثمانمائة، وأمه أم ولد رومية، والناصري محمد، ومولده في سنة ثمانمائة ومات في سنة تسع عشرة وثمانمائة مطعوناً بالقاهرة وأمه أم ولد رومية، والعمادي إسماعيل، ومولده في أواخر سنة إحدى عشرة وثمانمائة وتوفي بالطاعون سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، وأمه أم ولد رومية، وجامعه الجمالي يوسف ومولدي بعد سنة أحدى عشرة وثمانمائة تخمينا، ووالدتي أيضاً أم ولد
стр. 1440
مجهولة الجنس، ونحن الجميع غير أشقة ما خلا أختى هاجر فإنها شقيقتي، وخلف من البنات أربعلوهن: خوند فاطمة زوجة الملك الناصر فرج، ومولدها سنة خمس وتسعين وسبعمائة وماتت سنة ست وأربعين وثمانمائة، وأمها أم ولد رومية، وبيرم، ومولدها في سنة سبع وثمانمائة، وتوفيت سنة ست وعشرين وثمانمائة بالطاعون في دمشق، وأمها أم ولد تترية، وهاجر وهي شقيقتي ومولدها في سنة سبع وثمانمائة تقريباً، وهي زوجة قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن البلقيني الشافعي، ومات عنها، توفيت سنة ست وأربعين وثمانمائة، وأمها والدتي تقدم الكلام عليها، وعائشة وتدعي شقراء زوجة الأتابك آقبغا التمرازى نائب دمشق ومات عنها، وتزوجت بعده بالمقام الغرسى خليل بن الملك الناصر فرج إلى يومنا هذا، وأمها خوند حاج ملك بنت ابن قرا زوجة الملك الظاهر برقوق.
وخلف ﵀ من الأموال والخيول والسلاح شيئاً كثيراً، استولى على غالبه الملك الناصر فرج لما عاد إلى دمشق منهزما، بعد موت والدي ﵀ من الأميرين شيخ ونوروز، فتحايا بموجود والدي وبركه ومماليكه،
стр. 1441
لأنه كان في خدمته بدمشق ألف مملوك إلا ثلاثين مملوكاً، وعاد إلى شيخ ونوروز وقاتلهما ثم انهزم وحوصر إلى أن قتل في صفر من السنة المذكورة.
اننهى ما أوردته من ترجمة والدي، ﵀، ولم أطنب في ذلك خوفاً من قول القائل، وقد ذكره غالب أهل التاريخ في أماكن لا تحصر، وأخبار الناس معروفة، والأصول محفوظة، رحمه الله تعالى، وعفا عنه.
تغرة بردى المؤيدى، أخو قصروه
تغرى بردى بن عبد الله المؤيدي، الأمير سيف الدين، نائب حلب المعروف بأخي قصروه.
وأصله
من مماليك المؤيدية شيخ، إشتراه ورفاه إلى أن جعله خاصكيا، ثم أمره عشرة، ولما مات أستاذه الملك المؤيد وثب تغرى بردى هذا، وصار أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية وأمير أخور كبيرا عوضاً عن الأمير طوغان
стр. 1442
أمير أخور بحكم غيابة في التجريدة صحبة الأمراء إلى البلاد الشامية، ودام تغرى بردى على ذلك أشهرا إلى أن توجه الأمير الكبير ططر بالملك المظفر أحمد إلى البلاد الشامية في سنة أربع وعشرين وثمانمائة، ووصل إلى دمشق ثم إلى حلب استقر بالأمير تغرى بردى هذا في نيابة حلب عوضاً عن الأمير إينال الجكمى بحكم عزله في السنة المذكورة، فاستمر بحلب مدة يسيرة وخرج عن طاعة الملك الظاهر ططر، وبلغ ططر ذلك فأرسل تشريفا إلى الأمير تنبك الجباسى نائب طرابلس بنيابة حلب، فبرز الأمير تنبك المذكور إلى ظاهر طرابلس للتوجه إلى حلب، فورد عليه الخبر بموت الملك الظاهر ططر، وسلطنة ولده الملك الصالح محمد بن ططر، فكف تنبك عن السفر إلى أن قدم عليه مرسوم شريف بتوجهه إلى حلب لإخراج تغرى بردى منها واستيلائه عليها فسار تنبك وصحبته عساكر طرابلس وحماه، ووافاه الأمير إينال النور وزى نائب صفد بعسكرها بطريق حلب، وبلغ مجيء هؤلاء العساكر تغرى بردى ففر من حلب قبل وصول تنبك إليها ومعه الأمير كزل نائب البهسنا وتوجها إلى بهسنا بعد أن أفحشا في
стр. 1443
العصيان، ووقع منهما أمور عجيبة مع أهل حلب، فتبعه تنبك إلى الباب، فلم يقف له على أثر، فعاد إلى حلب، ثم خرج إلى بهسنا ومعه العساكر، وحاصر تغرى بردى مدة طويلة، وقتل الأمير كزل نائب بهسنا في الحصار، ولما طال الأمر عاد الأمير تنبك الجباسى إلى حلب، وخلف على حصار بهسنا الأمير جار قطلو نائب حماة، والأمير إينال النوروزى نائب صفن كل ذلك وتغرى بردى صابر على القتال، ولم يكن عنده بقلعة بهسنا إلا نفر يسير، وطال الأمر عليه إلى أن طلب الأمان من الأمير جار قطلو، وبلغ الخبر تنبك البجاسى فركب من وقته من حلب حتى وصل إلى بهسنا في يومين، فوجد الأمير تغرى بردى قد نزل من قلعة بهسنا فتسلمه وعاد به إلى حلب، فحبسه بقلعتها في العشر الأخير من رمضان سنة حمس وعشرين وثمانمائة.
فاستمر الأمير تغرى بردى المذكور محبوساً بقلعة حلب إلى أن قتل بها في شهر ربيع الأول سنة ثلاثين وثمانمائة، وسنة نيف على ثلاثين سنة.
وكان شابا شجاعاً، جميلا، مقداماً، كريماً، عارفا بفنون الفروسية، الا أنه كان عنده تكبر وإسراف على نفسه، سامحه الله تعالى.
стр. 1444
٧٦٢ - تغرى بردى سيدي الصغير ابن أخي دمرداش
٨١٦هـ -؟ - ١٤١٤م
تغرى بردى بن عبد الله، الأمير سيف الدين، المدعو بسيدي الصغير، المعروف بابن أخي دمرداش.
استقدمه عمه الأمير دمرداش المحمدي لما كان نائب طرابلس في الدولة الظاهرية برقوق، فوصل المذكور مع والدته، وأخيه قرقماس سيدي الكبير.
وكان دمرداش قد عزل من طرابلس وصار أتابكا بسفارة والدي ﵀، لما ولي نيابة حلب، فتزوج دمرداش المذكور بزوجة أخيه أم سيدي الصغير هذا، وضم أولاد أخيه إليه، وصار بخدمته إلى أن ترعرع كل من سيدي الكبير قرقماس وسيدي الصغير تغرى بردى هذا.
стр. 1445
وتأمر تغرى بردى المذكور، وترقى إلى أن صار نائب حماة في الدولة الناصرية فرج، واشتهر بالشجاعة والإقدام، وتنقل في عدة ولايات، ونالته السعادة إلى أن عزل عن نيابة حماة وعصى على الملك الناصر فرج، وانضم إلى الأمير شيخ المحمودى، ودام معه إلى أن تسلطن الأمير شيخ زاد في تعظيمه وأنعم عليه بإقطاعات هائلة، وأرسل خلفه في خلوة فاسر إليه بأنه يريد مسك الأمير طوغان الحسنى الدوادار، وأنعم عليه بالدوادارية عوضه، وأمره بكتم ذلك إلى وقته، فنزل تغرى بردى المذكور من وقته إلى الأمير طوغان وأعلمه بجميع ما وقع، فعصى طوغان المذكور من يومه، وركب على السلطان من الغد، ولم ينتج أمره، وقبض عليه وحبس بثغر الإسكندرية حسبما سنذكره في محله إن شاء الله تعالى، والعجب أن الأمير تغرى بردى هذا أخبر طوغان بالواقعة واتفق معه على العصيان، فلما ركب طوغان تخلف عنه وقعد في داره إلى أن ظفر المؤيد بطوغان المذكور أرسل خلف تغرى بردى هذا وعاتبه عتاباً هيناً، وولاه نيابة غزة، ولم يسعه إلا مداراته لأجل عمه دمرداش وأخيه قرقماس، وكان دمرداش إذ ذاك بحلب، والأمير قرقماس قد ولاه الملك المؤيد نيابة الشام عوضاً عن نوروز، وندبه إلى قتاله وهو مقيم بالقرب من صف، وهو لا يطيق دخول دمشق من الأمير نوروز، وكان هذا شأنهم لا يجتمعون عند سلطان حتى لا يقبض عليهم،
стр. 1446
فأخذ سيدي الصغير هذا في عمل مصالح السفر، فقبل خروجه من القاهرة حضر أخوه الأمير قرقماس المدعو سيد الكبير وعرف الملك المؤيد أنه يضعف عن ملاقاة الأمير نوروز، وطلب من الملك المؤيد أن يردفه بالعساكر لقتال نوروز، فبينما هم كذلك إذ ورد الخبر على الملك المؤيد بأن عمهم الأمير دمرداش قد وصل إلى الطينة من البحر، فاستحث الأمير قرقماس أخاه سيدي الصغير هذا على الخروج من القاهرة قبل أن يصل عمه الأمير دمرداش إلى القاهرة، وأخلع عليه الملك المؤيد وأكرمه وأنزله بدار أعدت له.
حكى بعض أعيان
مماليك الأمير دمرداش قال: لما خرج دمرداش من المركب إلى الطينة سأل عن ابن أخيه الأمير قرقماس فقيل له قدم إلى القاهرة في أمسه، وكان في ظنه أنه بنواحي صفد، ثم سأل عن ابن أخيه تغرى بردى صاحب الترجمة، فقيل له أنه أيضاً بالقاهرة لكنه خرج متوجهاً إلى مدينة غزة، فهز دمرداش رأسه، ثم وبخ دراداره الأمير آقبلاط، فأجاب دواداره بأن قال: الملك المؤيد مشغول بما هو أهم من ذلك، وهو الأمير نوروز، ثم حسن له دخول القاهرة حتى دخلها، فلما وصلها انتهز الملك المؤيد الفرصة وأراد القبض عليهم، فاستشار أخصاءه في أمرهم، فقالوا: وكيف نقبض على هؤلاء
стр. 1447
ومثل الأمير نوروز غريمك؟ دعهم فإنهم كفؤ لقتاله، فإذا ظفرت بنوروز إفعل ما بدا لك، فقال: ليس هذا الرأي بشئ هؤلاء ثلاثة ونوروز واحد، ومتى يسمح الدهر باجتماع الثلاثة في مدينة واحدة حتى أقبض عليهم، وصمم على قبضهم إلا أنه خاف عاقبة الأمير تغرى بردى سيدي الصغير صاحب الترجمة أنه سمع بالقبض على عمه وأخيه يفر إلى نوروز، فدبر حيلة قبل القبض على دمرداش وقرقماس بأن ندب جماعة من الأمراء للقبض على سيدي الصغير حيثما أدركوه في طريق غزة في الباطن، وقال لهم في الظاهر اذهبوا إلى الشرقية وقاتلوا من بها من قطاع الطريق وكتب لكاشف الشرقية ولمشايخ العربان بالمسير مع الأمراء حيثما ساروا، وخرج الأمراء من يومهم، فلما تكامل مسير الأمراء وخرجوا من القاهرة، أرسل الملك المؤيد يطلب الأمير دمرداش وابن أخيه الأمير قرقماس سيدي الكبير إلى القلعة للفطر قرقماس قلبي يتخوف من هذا الرجل ليقبض علينا، يعني المؤيد، فقال قرقماس صرت قطيع يا عم، ذهبت الشجاعة منك، خلفه مثل نوروز، وقد خرج عن طاعته، وولاني نيابة الشام عوضه، وندبني لقتاله، فإذا قبض على وعليك من يبقى عنده لقتال نوروز، اسكت عن هذا التخيل الفاسد، ثم صعدا إلى القلعة،
стр. 1448
وجلسا عند السلطان الملك المؤيد، ومد السماط، وانقضى، ثم قبض عليهما قبل أن يرد خبر الأمراء المتوجهين لقبض الأمير تغرى بردى سيدي الصغير هذا، وقيدهما وحبسهما بالبرج من القلعة، وفي تلك الليلة ورد عليه الخبر الجميع بقلعة الجبل، كل ذلك في شهر رمضان سنة ستة عشر وثمانمائة، ثم أرسل بالأمير دمرداش المحمدى وبابن أخيه قرقماس سيدي الكبير إلى سجن الأسكندرية، وبقى تغرى بردى سيدي الصغير المذكور بالبرج من قلعة الجبل إلى أن قتله في أول شهر من السنة وعلقت رأسه على الميدان أياماً، وسنه دون الثلاثين سنة.
وكان كريما، شجاعاً إلى الغاية، مقداما، مفرطا في الشجاعة والكرم، وكان جميلاً في أول أمره، لكنه تغيرت محاسنه من كثرة الجراحات التي أصابته في وجهه، وكانت إحدى عينيه قد ذهبت في وقعة من الوقائع، وكان يدخل إلى القتال بثلاثة سيوف في وسطه، وكان أول ما ينزل للقتال يرمى بالنشاب، ثم يأخذ الرمح، ثم الطبر، ثم السيف، فلا يرجع في غالب الأوقات حتى يعوز السلاح، ويذهب ما معه من السلاح، وكذلك كان أخوه، رحمهما الله.
стр. 1449
تغرى بردى المحمودي
٨٣٦هـ -؟ - ١٤٣٣م
تغرى بردى بن عبد الله المحمودى الناصر، الأمير سيف الدين، رأس نوبة النوب، ثم أتابك دمشق.
نسبته إلى الملك الناصر فرج بن رقوق، اشتراه وأعتقه ورقاه إلى أن أنعم عليه بإمرة عشرة بالديار المصرية، ودام على ذلك إلى أن قتل الملك الناصر، وتسلطن الخليفة المستعين بالله من بعده، وصار الأمير نوروز الحافظى نائب دمشق بعد والدي ﵀ وأضيف إليه من الفرات إلى مدينة غزة يولى فيها من يشاء ويعزل من يشاء إنضم إليه الأمير تغرى بردى المحمودي هذا، وصار من جملة أمرائز وحزبه، إلى أن تسلطن الملك المؤيد شيخ وخرج نوروز عن طاعته وافقه تغرى بردى هذا على العصيان، واستمر عنده إلى أن ظفر المؤيد بالأمير نوروز وجماعته حبس تغرى بردى هذا مدة طويلة بحبس المرقب، ثم أطلقه قبل موته بمدة يسيرة، فلما مات المؤيد وصار ططر مدبر ملك ولده الملك
стр. 1450
المظفر أحمد أنعم على تغرى بردى المذكور بإمرة طبلخاناة، ثم لما تسلطن جعله أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية، واستمر على ذلك إلى أن أخلع عليه الملك الأشرف برسباى باستقراره رأس نوبة النوب بعد انتقال الأمير أزبك منها إلى الدوادارية الكبرى عوضاً عن الأمير سودون من عبد الرحمن لما ولى نيابة دمشق بعد عصيان الأمير تنبك البجاسى في سنة سبع وعشرين وثمانمائة، فباشر الوظيفة بحرمه وافرة، وعظمة زائدة، ونالته السعادة، وعظم في الدولة.
وتوجه إلى غزو قبرس مقدما على العساكر إذا حلوا بجزيرة قبرس، وكان الأمير اينال الجكمى مقدما على العساكر في المركب، وعاد من غزو قبرس بعد النصرة والظفر بصاحب قبرص، وحج أمير حاج المحمل في بعض السنين بتجمل زائد وعظمة وافرة.
ولا زال فيما هو فيه إلى أن قبض عليه الملك الأشرف في يوم الثلاثاء عاشر جمادى الآخرة سنة ثلاثين وثمانمائة، وقيد وأخرج إلى الإٍسكندرية ليحبس بها، فاتفق بمسكه أمر عجيب، وهو أن رجلاً يعرف بابن الشامية من مباشريه لما
стр. 1451
بلغه القبض عليه، خرج إلى جهة القلعة فوافا نزول أستاذه مقيدا، فصار يصرخ ويبكي وهو ماشيا معه تجاه فرسه حتى وصل إلى ساحل البحر، فأنزلوا أستاذه في الحراقة ليمضوا به، فاشتد صراخه حتى سقط ميتا، هذا مما شاهدناه بالعين.
واستمر الأمير تغرى بردى المذكور بحبس الأسكندرية مدة إلى أن أفرج عنه، ورسم له بالإقامة بثغر دمياط بطالا، فرام بالثغر المذكور إلى أن نقل إلى دمشق أتابك العساكر بها، عوضا عن الأمير قانى باى الحمزاوي بحكم انتقاله إلى إمرة مائة وتقدمه ألف بالديار المصرية، فاستمر بدمشق إلى أن تجرد الملك الأشرف في سنة ست وثلاثين وثمانمائة إلى آمد بديا بكر وحاصرها، فكان الأمير تغرى بردى هذا ممن توجه إليها مع العساكر الشامية صحبه السلطان، فأصابه سهم في رجله لزم منه الفراش إلى أن مات في شهر شوال من السنة المذكورة، ودفن بآمد، ثم نقل صحبة العساكر في عودهم إلى جهة الديار المصرية في سحلية إلى مدينة الرها، فدفن بها، ﵀.
وولى أتابكية دمشق من بعده الأمير قانى باي البهلوان أتابك حلب، وأنعم
стр. 1452
بأتابكية حلب على الأمير قطج أحد أمراء حلب.
وكان أمير اجليلا، شجاعاً مقداما كريما، متجملا في ملبسه ومركبه وخدمه، وله مروءة تامة وعصبة لمن يلوذ به، هذا مع البشاشة والصباحة وحسن الملتقى إلى من يقصده ويأتيه، وكان طوالا رقيقا، حلو الوجه، خفيف اللحية مدورها، وكان بلسانه بعض عجمة، كما هو عادة جنس الروم، ومع هذا كانت الجراكسة معه في الدرجة السفلى في كل مجلس، وكانوا يراعونه ويدارونه حيثما حل بهم، وبالجملة كان به تجمل في الزمان. رحمه الله تعالى.
تغرى بردى القرمى
٧٩٨هـ -؟ - ١٣٩٥م
تغرى بردى بن عبد الله القرمى، الأمير سيف الدين، أحد أمراء العشرات بالقاهرة في دولة الظاهر برقوق إلى أن توفي سنة ثمان وتسعين وسبعمائة.
٧٦٥؟ - تغرى بردى البكلمشى المؤذى
؟ ٨٤٦هـ؟ - ١٤٤٢
م
تغرى بردى بن عبد الله البكلمشى الدوادار، المعروف بالمؤذى، الأمير
стр. 1453
سيف الدين.
أحد
مماليك الأمير بكلمش العلائي، أمير سلاح في دولة الظاهر برقوق، ولما قبض الظاهر على أستاذه بكلمش المذكور صار تغرى بردى هذا من جملة المماليك السلطانية إلى أن تأمر عشرة في الدولة الناصرية فرج، وأقام على ذلك زيادة على عشرين سنة إلى أن نقله الملك الأشرف برسباى إلى إمرة طبلخاناة في سنة أربع وثلاثين وثمانمائة، ثم جعله أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية في سنة تسع وثلاثين تخمينا، فدام على ذلك إلى أن ولاه الملك الظاهر جقمق حجوبية الحجاب بالديار المصرية عوضاً عن الأمير شبك السودونى المشد، بحكم إنتقال يشبك إلى إمرة مجلس عوضاً عن الأمير آقبغا التمرازى المنتقل إلى إمرة سلاح بعد استقرار الأمير قرقماس الشعبانى أتابك العساكر بالديار المصرية عوضاً عن السلطان الملك الظاهر جقمق.
فلم تطل مدة تغرى بردى هذا في الحجوبية، ونقل إلى الدوادرية الكبرى بعد نفي الأمير أركماس الظاهري إلى ثغر دمياط، كل ذلك في سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، وباشر الدوادارية بحرمة وافرة، وعظمة زائدة، بحيث أنه لم يدع لأرباب
стр. 1454
الدولة شيئاً من الأمر والنهي، وسار على قاعدة السلف من الأمراء المتقدمين، ونالته السعادة.
وكان مشكور السيرة في أحكامه، لا يسمع رسالة مرسل بل يجتهد في عمل الحق حسب ما يظهر له، إلا أنه كان فظاً غليظا بذاء اللسان، شرس الخلق، يخاطب الرجل بما يكره، غير بشوش، متكبرا وعنده جبروت، ولما عظم أظهر ما كان مخفياً من لقبه، فانطبق الإسم على المسمى، فلله در القائل.
الظلم كمين في النفس ... القوة تظهره والعجز يخفيه
وكان له مشاركة هينة، ويذاكر بالتاريخ فيمن عاصره، يحفظ مسائل يمارى بها الفقهاء، وكان عنده نباهة وفظنة، ومعرفة بأنواع الفروسية، يحب الجد ويكره الهزل، وعمر جامعا لطيفاً بخط صليبة جامع أحمد بن طولون، ووقف عليه عدة أوقاف، وكان يروم المرتبة العليا، ويقول في نفسه أنه هو حرف التاء، فادركته المنية بعد أن لزم الفراش مدة طويلة، ومات في يوم حادي عشرين جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وثمانمائة، وهو في عشر الثمانين تقريباً، رحمه الله تعالى.
٧٦٦ - تغرى برمش الفقيه التركماني
٨٢٠هـ -؟ - ١٤١٧م
تغرى برمش بن يوسف، الشيخ زين الدين التركماني الجندي الحنفي، أبو المحاسن.
стр. 1455
أصله من بلاد الروم، واعتنى يطلب العلم في بلده، ثم قدم إلى القاهرة في دولة الملك الظاهر برقوق وهو شاب، واشتغل بالعلم، وأخذ عن المشايخ، وتفقه بجماعة من أعيان العلماء كالشيخ جلال الدين التبانى وغيره، وكان كثير الاستحضار لفروع مذهبه، ويحفظ بعض مختصرات إلا أن ذكاءه لم يكن بذاك، وكان يميل إلى الصوفية، مع أنه كان يبالغ في ذم ابن عربى، وأحرق كتبه.
وكان لجماعة من الأمراء فيه محبة، ونال بصحبتهم جاها وتعظيما عند الأعيان وقتا بعد وقت في دولة الظاهر برقوق، ثم في دولة ابنه الملك الناصر فرج، ثم في الدولة المؤيدية شيخ، وأرسله الملك المؤيد إلى الحجاز وعلى يده مراسيم تتضمن النظر في أحوال مكة المشرفة، ١٣٠أوجاور بمكة، وأخذ في الأمر فيها بالمعروف والنهى عن المنكر، ومنع المؤذنين من المدائح النبوية فوق المنابر ليلا، ومنع المداحين من الإنشاد في المسجد الحرام، ومنع الصغار من الخطابة في ليالي رمضان، والوقيد في الليالي المعروفة بالحرم، وجرى له مع أهل مكة أمور بسبب ذاك يطول الشرح في ذكرها، ثم عاد إلى القاهرة، وكان يميل إلى دين خير.
توفي سنة عشرين وثمانمائة، ﵀.
стр. 1456
؟
٧٦٧ - تغرى برمش نائب حلب
٨٤٢هـ -؟ - ١٤٣٩م
تغرى برمش، اسمه الأصلي حسين بن أحمد.
كان أبوه يدعى بابن المصرى، من أهل بهسنا، كان أحد الأجناد بها، وكان له ثروة في أول أمره، فلما قدم تيمور إلى بهسنا وأخذها افتقر، وقدم حلب، ومعه أولاده حسن وحسين هذا، ثم إنه مات فانتقل تغرى برمش هذا مع أخيه حسن ووالدتهما إلى القاهرة، واتصلا بخدمة الأمير قراسنقر الظاهري أمير الحاج.
فأقاما عنده مدة إلى أن أخذ تغرى برمش المذكور الأمير أينال حطب أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية، واستمر أخوه حسن بخدمة الأمير قراسنقر، وسمى أيضاً حسن شاه.
ولما مات الأمير إينال حطب اتصل تغرى برمش هذا بخدمة والدي ﵀ بسفارة الأمير فارس دوادار الأمير إينال حطب، وكان تغرى برمش
стр. 1457
المذكور إذ ذاك صغيرا، فأخرج له والدي ﵀ خيلا وقماشا، وجعله من جملة الجمدارية، وسمى تغرى برمش، واستمر عندنا سنين إلى أن استقر والدي في نيابة الشام سنة ثلاثة عشرة وثمانمائة، فلما وصل والدي ﵀ إلى دمشق، وأقام بها مدة، فر تغرى برمش هذا من عنده وأخذ معه جماعة من طبقته. وكان تغرى برمش ومن هرب معه من المماليك آنيات شاهين أمير آخور والدي ﵀ الكببر، وكان شاهين المذكور له ميل زائد إلى تغرى برمش هذا، فأخفى شاهين خبر تغرى برمش ورفقته عن والدي مدة لكثرة مماليكه، ثم علم ذلك فشق عليه، ثم بلغه أنه هو ورفقته بمدينة طرابلس، فرسم بأن يكتب إلى نائب طرابلس الأمير جانم من حسن شاه بالقبض على تغرى برمش المذكور ورفقته، فلما سمع شاهين أمير آخور ذلك صعب عليه، ولم يمكنه مراجعة ملك الأمراء في الكلام، فسأل أن يتوجه هو إلى طرابلس ويقبض عليهم، ويعود بهم إلى دمشق، قصد شاهين بذلك الشفقة عليهم، وتوجه إلى طرابلس، فبلغه خبرهم أنهم يتعاطون الشراب في قاعة بطرابلس، فترك شاهين مماليكه وخدمه، وركب وتوجه إليهم، ودخل عليهم هجما في القاعة المذكورة، فلما وقع نظره عليهم سبهم قبل السلام، فقام إليه
стр. 1458
تغرى برمش المذكور، وسل سيفه وضربه به ضربة أتلفه فيها، ومات من وقته وفرهو وأصحابه، وبلغ الخبر الأمير جانم نائب طرابلس، فركب من وقته إلى القاعة المذكورة، فوجد شاهين قد مات، بعد أن أشهد عليه جماعة من الناس قبل موته أن الذي قتله هو تغرى برمش، فكتب الأمير جانم بذلك محضرا وأثبته على قاضي طرابلس، وأرسل به إلى والدي ﵀ واعتذر أنه لم يعلم بمجئ شاهين إلى طرابلس، ولا بما وقع له إلا بعد فوات الأمر، وأنه شدد الطلب على تغرى برمش المذكور، ومتى حصل في يده أرسله مقيدا إلى الخدم العالية، فلما سمع والدي ﵀ بموت شاهين أمير آخورشق عليه ذلك، وكتب إلى نواب البلاد الشامية يعلمهم بواقعة تغرى برمش المذكور، ويأمرهم بشنقه متى ظفروا به.
وكان والدى ملازما للفراش من مرضه الذي مات فيه، فلم تطل أيامه، ومات، وتقلبت الدولة، واتصل تغرى برمش يخدمة الأمير طوخ نائب حلب، ودام المحضر عندنا، ثم صارا بخدمة الأمير جقمق الأرغون شاوي الدوادار، فحظى عنده، وصار رأس نوبته، ثم دواداره إلى أن قتل جقمق بدمشق في سنة أربع وعشرين وثمانمائة على ما يأتي إن شاء الله تعالى في ترجمته
стр. 1459
واتصل تغرى برمش هذا بعد قتله بالأمير ططر، فلما تسلطن ططر أمره طبلخاناة وجعله نائب قلعة الجبل، فدام بقلعة إلجبل إلى سنة سبع وعشرين وثمانمائة نقله الملك الأشرف برسباى إلى تقدمة ألف بالديار المصرية، وتولى نيابة القلعة عوضه الأمير تنبك البردبكى.
كل ذلك وتغرى برمش يسأل منا عن المحضر ونحن ننكره منه فيقو ما قصدكم إلا قتلى، وسلط على الملك الأشرف غير مرة حتى دفعته بأن قلت له: أنت قتلت شاهين أم لا؟ فقال: لا، فقلت: فما خوفك من التهمة؟، فسكت من حينئذ، وصار في نفسه ما فيها، ثم ولاه الملك الأِشرف نيابة الغيبة بالديار المصرية عند توجهه إلى آمد في سنة ست وثلاثين وثمانمائة، وسكن بباب السلسلة من الإصطبل السلطاني، وحمدت سيرته، ثم نقله الملك الأشرف بعد عوده بمدة إلى الأمير آخورية الكبرى بعد انتقال الأمير جقمق العلائي عنها إلى إمرة سلاح، فدام في وظيفته إلى سنة تسع وثلاثين وثمانمائة نقل إلى نيابة حلب عوضا عن الأمير إينال الجكمى بحكم انتقال الجكمى إلى نيابة دمشق بعد موت الأمير قصروه من تمراز الظاهري.
فباشر ثغرى برمش المذكور نيابة حلب على أتم وجه وأحسنه وأجمل طريقة، ومهد بلادها، وعظم في الأعين، وتجرد إلى إبلستين غير مرة في طلب الأمير جانبك الصوفي إلى أن وصل إليه جماعة من أمراء الديار المصرية نجدة إلى مقصده، فتوجه بهم إلى مدينة أرزنكان وغيرها، ثم عادوا الجميع نحو مدينة حلب، فبلغ تغرى برمش المذكور موت الملك الأشرف برسباى وسلطنة ولده
стр. 1460
الملك العزيز يوسف، فاستوحش حبنئذ من العساكر المصرية، وصار بمعزل عنهم، وتخلف بعدهم بعين تاب، ولم يدخل حلب حتى خرج منها العسكر المصري خوفاً على نفسه منها.
وكانت العساكر المصرية تشتمل على ثمانية من مقدمى الألوف بالديار المصرية وهم: الأمير قرقماس الشعباني أمير سلاح، والأمير آقبغا التمرازى أمير مجلس، والأمير أركماس الظاهري الدوادار الكبير، والأمير تمراز القرمشى رأس نوبة النوب، والأمير جانم أمير آخور قريب الملك الأشرف برسباى، والأمير يشبك التمربغاوي حاجب الحجاب، والأمير خجا سودون البلاطى، والأمير قراجا الخازندار الأشرفي، فلما وصلت الأمراء إلى حلب أرسلت إليه بالأميرين قانى باى الحمزاوى نائب حماه، والأمير تمراز القرمشى رأس نوبة النوب إلى عين تاب لإحضاره، فأبى عن الحضور إلا بعد خروجهم منها، فعادا إلى حلب بهذا الخبر، ثم عاد العسكر إلى محله في أواخر المحرم من سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، وبلغ الخبر تغرى برمش فركب من عين تاب ودخل حلب، ودام في نيابته إلى شهر ربيع الآخر من السنة، ورد عليه الخبر بخلع الملك العزيز وسلطنة الملك الظاهر جقمق، ثم قدم عليه الخاصكى بخلعة الاستمرار فلبسها، وقبل الأرض وحلف للملك الظاهر جفمق.
стр. 1461
ثم شرع بعد ذلك يتعاطى أسباب العصيان في الباطن، ويكاتب العربان والتركمان، واستمر على ذلك إلى شهر شعبان من السنة بدا لأمراء حلب الركوب عليه خوفاً منه على أنفسهم، فركبوا عليه وقاتلوه بالبياضة من حلب، فكسر أمراء حلب وانهزم كل واحد منهم إلى جهة، ثم أخذ تغرى برمش في حصار قلعة حلب واستفحل أمره، ثم وقع بينه وبين أهل حلب وحشة، وركبوا عليه وقاتلوه، ورموا عليه من القلعة، فلم يسعه إلا الفرار من حلب، وخروجه جريدة من دار السعادة، من غير أن يصحب معه شيئاً من خيله وقماشه، وخرج ومعه نحو مائة فارس من باب السر قاصدا باب أنطاكية، فتبعه العوام ورموا عليه وعلى أصحابه، ثم نهبت العوام ماله بدار السعادة وغيرها، فأخذ له مال لا يحصى كثرة.
وتوجه ثغرى برمش بمن معه إلى الميدان، ثم إلى خان طومان، ثم توجه إلى ابن سقلسيز التركماني نائب شيراز لا ئذابه، فوافقه ابن سقلسيز على العصيان فاستفحل به أمره، واجتمع عليه خلق من التركمان وغيرهم، ثم توجه ومعه ابن سقلسيز إلى طرابلس وطرقها، ففر منها نائبها الأمير جلبان من غير قتال، واستولى تغرى برمش هذا على جميع برك جلبان وذلك في حادي عشر
стр. 1462
رمضان من السنة، ثم خرج عن طرابلس وصار ينتقل من مكان إلى آخر، ويأخذ ما ظفر به من أموال الناس إلى أن عاد إلى حلب في عشرين شهر شوال فاستعد أهل حلب جماعة، ومعهم عدة من العوام لظاهر حلب، وقاتلوه قتالا شديدا استظهر فيه أمراء حلب، ومسكوا بعض أمراء التركمان، وقتلوا منهم جماعة، ثم حمل تغرى برمش على أهل حلب فهزمهم، وقبض على جماعة منهم ممن بقى خارج البلد، وقطع أيديهم فنفرت القلوب منه، وقويت العداوة بينهم، ودام ذلك إلى شهر ذي القعدة من السنة المذكورة، ورد عليه الخبر بقدوم العساكر السلطانية إلى حلب، وبالقبض على الأمير إينال الجكمى نائب دمشق، فتهيأ لقتالهم، وسار إلى جهة حماه، ونزل بالقرب منها إلى يوم الخميس سادس عشر ذي القعدة، نزل العسكر السلطاني ظاهر حماه من جهة الشمال، وبأن تغرى برمش من جهة الغرب على عزم القتال، فلما أصبح نهار الجمعة سابع عشرة ركب العسكر السلطاني وركب تغرى برمش بمن معه والتقى الجمعان، فلم يثهت تغرى برمش وانهزم من غير قتال، وتوجه في أناس قلائل إلى جهة أنطاكية، ونهب جميع ما كان معه، وتوجه معه ابن سقلسيز، فلما وصلوا إلى الدر بند خرج عليهم فلاحو تلك القرى مع من انضم إليهم وقاتلوهم، فانكسر نغرى برمش وأمسك معه ابن سقلسيز أيضاً، فورد الخبر على العسكر المصري بذلك، فخرج منهم جماعة إليهم وأمسكوهما وقيدوهما، وجاءوا
стр. 1463
بهما إلى حلب، فحبسا بقلعتها، فكان يوم قدومهم إلى حلب من الأيام المشهودة، واستمر تغرى برمش وابن سقلسيز في حبس قلعة حلب حتى ورد المرسوم بقتلهما، فقتلا في يوم الجمعة رابع عشر ذي الحجة سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، بعد أن شهرا، وسمر ابن سقلسيز، وضربت رقبة تغرى برمش هذا تحت قلعة حلب.
وكان تغرى برمش أمير جليلا، عاقلا عارفا سيوسا ذا رأي وتدبير، ودهاء ومكر مع ذكاء مفرط وفطنة، وكان رجلا طوالا، أسود اللحية، مليح الوجه، فصيح اللسان باللغة التركية، عارفا بأمور الدنيا وجمع المال، وله قدرة على مداخلة الملوك، وكان جاهلا بسائر العلوم حتى لعله لم يحفظ مسألة في دينه، بل كانت جميع حواسه مجموعة على أمر دنياه، وكان جبانا، بخيلا بالبر والصدقة، كريما على مماليكه، متجملا في مركبه وملبسه ومأكله، وكان حريصا، جبارا يميل إلى الظلم والعسف، ولقد أخرب في حروبه هذه عدة قرى من أعمال حلب وما حولها، وقتل من أهلها جماعة، لا جرم أن الله عامله وجازاه من جنس أعماله وما ربك بظلام للعبيد.
٧٦٨ - تغرى برمش الزرد كاش
٨٥٤هـ -؟ - ١٤٥٠م
تغرى برمش بن عبد الله البشبكى الزرد كاش، أحد أمراء الطبلخاناه بديار مصر، الأمير سيف الدين.
стр. 1464
أصله من مماليك الأمير يشبك بن أزدمر، وصار بعد موته من جملة المماليك السلطانية، ثم صار في الدولة الأشرفية من جملة الزرد كاشية مدة طويلة إلى أن صار زردكاشا كبيرا بعد انتقال أحمد الدوادا منها إلى نيابة الإسكندرية في سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، وأنعم عليه بإمرة عشرة، ودام على ذلك مدة طويلة إلى أن أنعم عليه الملك الظاهر جقمق بإقطاع الأمير أقطوه الموساوى بعد نفيه، زيادة على ما بيده، فصار إقطاعه نحو الطبخاناة، وعظم ونالته السعادة، وعمر عدة أملاك معروفة به، وعمر جامعاً بخط بولاق على ساحل النيل، ووقف عليه أوقافا هائلة، وسافر أمير الحاج غر مرة، وتوجه إلى غزو الفرنج عدة مرات.
حكى لي من لفظه قال: سافرت في البحر المالح مغازيا وغير ذلك ما يزيد على عشرين مرة.
стр. 1465
ثم توجه مع الرجبية إلى الحجاز في سنة أربع وخمسين وثمانمائة، وأقام بمكة مدة، ومرض ولزم الفراش إلى أن توفي بمكة في السنة المذكورة، وسنه نحو الثمانين سنة.
وكان شيخاً أشقرا جسيما، للقصر أقرب، وكان عارفا بدنياه، خبيراً بجمع المال، مغرما بإنشاء العمائر، مسيكا، وله بر وصدقات على الفقراء في السر.
وخلف مالا جزيلاً، لم ينل ولده فرج منه شيئاً، لأن تغرى برمش هذا كان قد شخط عليه لسوء سيرته ونفاه إلى دمشق من عدة سنين، وأشهد على نفسه أنه ليس بولده، فلما بلغ فرج موت أبيه تغرى برمش المذكور وقدم إلى القاهرة قبل قدوم أخته من الحجاز، وطلب ميراث والده فمنع من ذلك إلى أن حضرت أخته زوجة السيفى دمرداش الأشرفي من الحجاز ببقية موجود أبيها تغرى برمش المذكور، أراد فرج الدخول إليها فمنع زوجها دمرداش من ذلك وقال: أنت رجل أجنبي، مالك دخول على زوجتي، وأبيعت تركه تغرى برمش وأخذت ابنته زوجة دمرداش ما خصها، وأخذ السلطان ما بقى، ولم ينل ولده فرج من مال أبيه غير ثمانمائة دينار، أعطاه السلطان إياها صدقة عليه لما تكلفه
стр. 1466
لمجيئه من دمشق، وأشهد عليه أنه لم يكن ابن تغرى برمش المذكور، وعاد إلى دمشق خائباً مبعودا من حقه في الدنيا، مطالباً به في الآخرة.
انتهت ترجمة تغرى برمش الزردكاش.
٧٦٩ - تغرى برمش نائب القلعة
٨٥٢هـ -؟ - ١٤٤٨
م تغرى برمش بن عبد الله الجلالى المؤيدى، الفقيه الحنفي المحدث، الأمير سيف الدين أبو محمد، نائب القلعة بالديار المصرية.
في معتقه أقوال كثيرة، سألته عن ذلك فقال: أصلى من بلاد الروم، وأبي كان مسلماً، ثم جلبني خواجا جلال الدين من بلادي إلى حلب وأنا في السابعة أو التي بعدها في عدة مماليك أخر، وكان النائب بها إذ ذاك الأمير جكم من عوض وذلك في سنة ثمان وثمانمائة، فطلب الأمير جكم المماليك المذكورين من خواجا جلال الدين فأحضرهم بين يديه، فاشترى منه جكم الجميع إلا أنا ورفيقا لي صغيراً، فعاد بنا خوجا جلال الدين إلى محله، واتفق في تلك الأيام قدوم الملك الظاهر جقمق إلى حلب بكاملية نائبها الأمير جكم من عند السلطان الملك الناصر فرج،
стр. 1467
وكان الملك الظاهر جقمق إذ ذاك خاصكيا ساقيا، فلما أقام جقمق بحلب اشتراني أنا ورفيقي، وعاد بنا إلى الديار المصرية، وقدمني إلى أخيه الأمير جاركس القاسمي المصارع الأمي آخور، فأقمت عند الأمير جاركس المذكور إلى أن خرج عن طاعة الناصر فرج وفد إلى البلاد الشامية، واستولى الملك الناصر على مماليك جاركس وموجوده، أخذني فيمن أخذ، وجعلني من جملة المماليك السلطانية الكتابية بالطبقة بقلعة الجبل إلى أن قتل الناصر، واستولى الملك المؤيد شيخ على الديار المصرية اشتراني فيمن اشتراه من المماليك الناصرية، وأعتقني، وجعلني جمدارا مدة طويلة، وكان الملك الظاهر إذ ذاك أمير طبلخاناه وخازندار، فوقف في بعض الأحيان إلى الملك المؤيد وادعاني وقال: هذا مملوكي وهبته لأخي، ومات أخي وليس له وارث غيري، وهو إلى الآن لم يخرج عن ملكي، فقال له الملك المؤيد: هذا يحسن قراءة القرآن ويعرف الفقه لا أعطيه لك، وأمر له بمبلغ ومملوك يسمى قمارى، فقبض الملك الظاهر جقمق الدراهم وأخذ المملوك قمارى وذهب إلى حال سبيله، واستمريت على ذلك إلى أن مات الملك المؤيد ووثب ططر على الأمر، وقيل له أن مشترى الملك المؤيد شيخ لمماليك الملك الناصر ما يصح، ووجهوا له وجها في شرائهم، فاشترى عدة، منهم تغرى برمش هذا، وأعتقه وجعله خاصكيا، واستمر خاصكيا إلى أن نفاه الملك الأشرف برسباى إلى قوص، ثم عاد بعد مدة إلى القاهرة، واستمر من جملة المماليك السلطانية مدة طويلة إلى أن أعاده خاصكيا بسفارة تغرى برمش نائب حلب.
فاستمر على ذلك إلى أن تسلطن الملك الظاهر جقمق وأمر جماعة من المؤيدية
стр. 1468
فعظم ذلك على تغرى برمش المذكور، وكان في ظنه أنه يتأمر قبل هؤلاء لأنه مملوكه قديما ومشتراه من حلب، وأن الملك الظاهر جقمق يدعى أن تغرى برمش المذكور لم يخرج من ملكه إلى يومنا هذا بطريق شرعي، فوقف إليه وسأله في الإمرة فلم يجبه، فألح عليه فأمر بنفيه، فنفى إلى قوص، وأقام بها نحو شهرين، ثم طلب إلى القاهرة، وأنعم عليه بحصة من شبين القصر، عوضاً عن يشبك الصوفي بحكم انتقاله إلى إمرة عشرة، عوضاً عن الأمير آفبغا التركماني المنتقل إلى نيابة الكرك.
واستمر تغرى برمش على ذلك إلى يوم السبت أول رجب سنة أربع وأربعين وثمانمائة أنعم عليه عشرة ونيابة القلعة بعد موت الأمير ممجق النوروزي نائب القلعة، فباشر نيابة القلعة بحرمة وافرة، وصار معدودا من أعيان الدولة، وقصدته الناس لقضاء حوائجهم، ثم أخذ أمره في انحطاط لسوء تدبيره، وصار يتكلم في كل وظيفة، ويداخل السلطان فيما لا يعنيه، فسهر عليه من له عنده رأس حتى اثخن جراحه عند السلطان، وهو لا يعلم إلى أن أمر السلطان ينفيه إلى القدس في يوم الخميس حادي عشر صفر إحدى وخمسين وثمانمائة، فتوجه إلى القدس ودام إلى أن توفي به في ثالث شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، وسنه نيف على خمسين سنة، ﵀.
стр. 1469
وكان له فضل ومعرفة بالحديث، لا سيما في أسماء الرجال، فإنه كان بارعاً في ذلك، وكان له مشاركة لطيفة في الفقه والتاريخ والأدب، مع أنه كان يحسن فنون الفروسية كالرمح والنشاب وغير ذلك.
وكان رجلاً أشقرا ضخما، للقصر أقرب، كث اللحية، بادره الشيب قبل موته بسنين، وكان فصيحاً باللغة العربية والتركية، مقداماً، محباً لطلبة العلم وأهل الخير، متواضعاً، كثير الأدب جهوري الصوت، وله إلمام بكتابة الخط المنسوب على قدره، وبالجملة فكان نادرة في أبناء جنسه مع جودة علمي بهذه الطائفة.
وكان أحسن علومه الحديث، وفيه كان غاية اجتهاده، وسمع الكثير. ذكر لي أنه قرأ صحيح البخاري على قاضي القضاء محب الدين أحمد بن نصر الله الحنبلي البغدادي قاضي قضاة الديار المصرية، وقرأ صحيح مسلم على الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن محمد الزركشى، وقرأ السنن الصغرى للنسائي على الشيخ شهاب الدين أحمد الكلوتاتي. وقرأ السنن لابن ماجه على الشيخ شمس الدين
стр. 1470
محمد المصري، وقرأ بعض الدارمي على القاضي ناصر الدين محمد بن حسن الفاقوسى، وقرأ على قاضي القضاة شيخ الإسلام حافظ العصر شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر السنن لأبي داود السجستاني، وقرأ أيضاً على الشيخة الأصيلة أم الفضل عائشة بنت القاضي علاء الدين على الكناني العسقلاني الفوائد لأبي بكر الشافعي المعروفة بالغيلانيات، وسمع عليها أيضاً بقراءة صاحبنا تقي الدين عبد الرحمن القلقشندى المعجم الصغير للطبراني، وعلى القاضي شمس الدين محمد بن محمود البالسى السنن لأبي داود بافوات، وسمعنا معاً أيضاً بقراءة تقي الدين القلقشندي
стр. 1471
المذكور على المشايخ الثلاثة زين الدين عبد الرحمن بن يوسف بن الطحان، وعلاء الدين علي بن الإمام عماد الدين إسماعيل بن بردس، وشهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن بن ناظر الصاحبة السنن لأبي داود بكماله في عدة مجالس، وبعض مسند أحمد على الأول، وكله على الآخرين، وكذا جامع الترمذي كاملا في عدة مجالس، والشمائل للترمذي أيضاً كاملا، ومشيخة ابن البخاري، وأجازوا لنا جميع ما يجوز لهم وعنهم روايته بشرطه، وذكر لي أنه تفقه بالشيخ سراج الدين عمر قارئ الهداية، وبشيخ الإسلام سعد الدين بن الديري.
وكان ينظم القريض باللغة التركية والعربية، ولعله أنشدني غالب نظمه من لفظه، أذكر منه أحسن ما سمعته من لفظه لنفسه في مليح يدعى شقير:
стр. 1472
تفاح خدي شقير فيه ... مسكى لونٍ زها وأزهر
قد بان منه النوى فأضحى ... زهري لونٍ بخد مشعر
وهذا أحسن ما سمعته من نظمه، وله نظم غير ذلك نازل عن هذه الطبقة، انتهى.
стр. 1473
٧٧٠ - تقتميش ملك الدشت تقتميش بن بردبك بن جانبك بن أزبك بن طفر لحاى بن منكو تمر بن طغان ابن باطوخان بن دوشى خان بن جنكز خان بن باى سوكى بن تريان بن تبل خان ابن تومنيه بن باى سنقر بن بيدو بن توتين بن بغا بن بوذ نجرين ألان قوا، وهي المرأة التي ولدت بوذ نجر ابن عمهم من غير أب، السلطان الفان ملك القبجاق والدشت، وأول من ملك المشرق.
واشتهر من أولاد بوذنجر جنكر خان، وهو صاحب اليسق، وعظيم ملوك التتار.
واليسق باللغة التركية: الترتيب وأمر الملك في عساكره، وأصله يسا، فلما أمر جنكز خان في عسكره بثلاثة تراتيب، وفرع منها بقية الترتيب
стр. 1474
كإمرات الجندار والداوادارية والخازندارية ورؤس النوب والحجاب وما أشبه ذلك، وجعل الأصل في الأمور أصول ثلاثة، والثلاثة باللغة العجمية سى، فصاروا يقولون سى يسا، وتداول الناس هذه الأحكام وسموها السياسة في جميع أقاليم الإسلام، حتى صارت العوام تقول: اشتكى فلان من الشرع والسياسة، انتهى.
وكان جنكز خان أعظم ملوك التتار، ومن ذريته ملوك الشرق بتمامه وكماله إلى صاحب الترجمة، ولما أشرف جنكز خان على الموت وأيس من الحياة جمع المعتمد عليه من أولاده وهم: جغتاى، وأوكتاى، وأوليغ نوين، وكا كان، وجرجاى، وأورجاى، وأوصاهم بوصايا ثبتت لهم من ملكهم أساسا لم ينهدم، وأقامت بنيانا قواعد أركان لم تنخرم، هذا مع كثرة عددهم، وشراسة أخلاقهم، واختلاف أديانهم، وسعة بلادهم، وغلبة الجهل والحمية عليهم، فإن فيهم المسلمين والنصارى واليهود والمجوس والمشركين وعباد الشمس والنجوم والأصنام والصباه، ومن لا يتقيد بدين ولا ملة، فمن جملة وصاياه: أنه أعطى كل واحد منهم سهماً وأمره بكسره، فكسره من غير
стр. 1475
انزعاج، ثم جعله سهمين فكسرهما، ثم ثلاثة فكسرها، ولا زال يزيد السهام واحداً بعد واحد وهم يكسرونها، حتى تكاتفت السهام فعجزوا عن كسرها، فقال لهم: مثلكم مثل هذه السهام إن انفردتم واختلفت كلمتكم وصار كل واحد منكم وحده كسركم كل من لقيكم من غير صداع ولا تعب، ثم مثل لهم من هذا النمط أشياء يطول شرحها.
وكانت أولاد جنكرخان وأقاربه يزيدون على عشرة آلاف نسمة، والترك لا يعتبرون في تقديم الأولاد إلا بالأمهات، فمن كانت أمه من الخوندات فهو المقدم، وهذا أيضاً مما رتبه جنكز خان، ثم أخذ جنكر خان على رعيته العهود والمواثيق لئن أقام عليهم من يختار ليطيعونه الباقون ولا يختلف عليه أحد، فأجابوه بالسمع والطاعة، فعهد إلى ابنه أوكتاى، وهلك جنكر خان في رابع شهر رمضان في سنة أربع وعشرين وستمائة.
فجمع أوكتاى المذكور ملوك الأطراف للمشورة، وتسمى هذه الجمعية باللغة المغلية قورلناى، وجلس على السرير سنة ست وعشرين، وتلقب بالقان، وجعل محل إقامته وتخت ملكه أيميل وقوناق، وذلك ما بين ممالك الخطار وبلاد أويغور، وهو موضعهم الأصلي ومنشأهم ومولدهم وسرة ممالكهم، وكان جنكر خان قد جعل محل إقامته وتخت ملكه أيميل وقوناق، وذلك ما بين ممالك الخطا وبلاد أو يغور، وهو موضعهم الأصلي ومنشأهم ومولدهم وسرة ممالكهم، وكان جنكز خان قد جعل ابنه جغتاى هو الذي يرجع إليه في أمور السياسة وتنفيذ الأحكام، وجعل ابنه
следующие страницы →