← Тараджим

Тараджим · id 23156

المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي

ابن تغري بردي

Полный текст (2 835 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

النصارى، يقال له جرجس، فأظهر الإسلام، وتسمى عبد الرحمن، وباشر عدة جهات بالكرك ودمشق والقاهرة، آخرها نظر الدولة. وخدم ابنه داود هذا في الجيزة، ثم لحق بالشام، وباشر نظر جيش طرابلس، واتصل بخدمة شيخ المحمودي هو وأخوه صلاح الدين، فولاه جيش دمشق، وجعل أخاه صلاح الدين خليل في ديوانه، فقبض عليهما في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة، وحملا إلى القاهرة على حمارين في أسوأ حال، ثم أفرج عنهما، ففرا إلى دمشق. وما زالا في خدمة شيخ حتى قدم بهما إلى مصر وتسلطن؛ فولي داود هذا نظر الجيش، عوضاً عن الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله، بحكم انتقاله إلى نظر الخاص، عوضاً عن تقي الدين عبد الوهاب بن أبي شاكر، وذلك في يوم السبت ثامن جمادى الأولى سنة ست عشرة وثمانمائة، ثم ولاه ططر كتابة السر عوضاً عن القاضي كمال الدين محمد بن البارزي. واستقر كمال الدين في نظر الجيش عوضه وذلك في يوم الخميس سادس عشرين المحرم سنة أربع وعشرين وثمانمائة. وكانت تؤثر عنه فضائل منها: أنه ملازم الصلاة، وصيام الأيام البيض من كل شهر، ويتنزه عن القاذورات المحرمة، كالخمر، واللواط، والزنا، ويتصدق كل يوم على الفقراء، إلا أنه كان متعاظماً، صاحب حجاب وأعجاب، مع بعدٍ عن جميع العلوم، وضبطت عليه ألفاظ سخر الناس منها زماناً وهم يتناقلونها. وكان مهاباً إلى الغاية متمكناً في الدولة، موثوقاً به فيها، بحيث أنه مات ولا أحد أعلى رتبةً منه. وتولى مكانه جمال الدين يوسف بن الصفي الكركي.

стр. 1892

فأذكرتني ولايته بعد ابن الكويز هذا، قول أبي القاسم خلف بن فرج الإلبيري المعروف بالشميسر، وقد هلك وزير يهودي لباديس بن حيوس الحميري، صاحب غرناطة من بلاد الأندلس، فاستوزر بعد اليهودي وزيراً نصرانياً، فقال: كل يوم إلى وراء ... بدَّلَ البول بالخراء فزماناً تهودا وزماناً تنصراً ... وسيصبوا إلى المجوس إذا الشيخ عمَّرا وقد كان أبو الجمال هذا من نصارى الكرك، وتظاهر بالإسلام في واقعة كانت للنصارى، هو وأبو العلم هذا. وخدم كاتباً عند قاضي الكرك عماد الدين أحمد المقبري. انتهى كلام المقريزي باختصار. قلت: وذكر الشيخ تقي الدين المقريزي هنا حكاية العرب - لها محل - فإن كلا منهما لا يصلح لهذه الوظيفة العظيمة؛ لبعدهما عن الفضيلة وصناعة الإنشاء وغير ذلك. وقد أوضح الشيخ تقي الدين أمرهما؛ فلا حاجة في ذكر ذلك ثانياً. وأما تفسير قول الشيخ تقي الدين: وضبطت عليه ألفاظ سخر الناس منها

стр. 1893

زماناً. قيل إنه رأى مع بعض فقهاء الشافعية كتاب التنبيه في الفقه، فقال: هذا الكتاب اسمه عجيب البنيه في القفّه. وقيل إنه صلى به بعض الناس، وقرأ في صلاته بعد الفاتحة: سبحان ربك رب العزة عما يصفون. " وسلامٌ على المرسلين. والحمد لله رب العالمين " فلما فرغ من صلاته قال علم الدين هذا: ما ظننت أن الصلاة تصح بالدعاء، إلا في هذا اليوم. وله أشياء كثيرة من هذا النمط. توفي بالقاهرة في يوم الاثنين سلخ شوال سنة ست وعشرين وثمانمائة، ودفن بالصحراء، رحمه الله تعالى. الخطيب المقدسي ٥٨٦ - ٦٥٦هـ - ١١٩٠ - ١٢٥٨م داود بن عمر بن يوسف بن يحيى ين عمر بن كامل، الخطيب عماد الدين

стр. 1894

أبو المعالي، وأبو سليمان الزبيدي المقدسي الشافعي، خطيب بيت الآبار وابن خطيبها. ولد سنة ست وثمانين وخمسمائة وسمع من الخشوعي، وعبد الخالق بن فيروز، والجوهري، وعمر بن طبرزد، وحنبل، والقاسم بن عساكر، وجماعة. وروى عنه الدمياطي، والزين الفاروقي، والعماد بن البالسي، والشمس نقيب المالكي، والخطيب شرف الدين، والفخر بن عساكر، وولده الشرف محمد، وطائفة. وكان مهذباً، فصيحاً، مليح الخطابة، لا يكاد يسمع موعظته أحد إلا بكى. وخطب بدمشق ودرس بالزاوية الغزالية سنة ثمان وثلاثين بعد الشيخ عز الدين ابن عبد السلام، لما انفصل عن دمشق. وتوفي سنة ست وخمسين وستمائة رحمه الله تعالى.

стр. 1895

الملك الناصر صاحب حماة ٦٠٣ - ٦٥٦هـ - ١٢٠٦ - ١٢٥٨م داود بن عيسى بن محمد بن أيوب، السلطان الملك الناصر صلاح الدين، أبو المفاخر، وأبو المظفر بن السلطان الملك المعظم بن السلطان الملك العادل. ولد بدمشق في جمادى الآخرة سنة ثلاث وستمائة. وتفقه على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة ﵁ كما كان والده الملك المعظم. وبرع في الفقه، والعربية، والأدب، وصار معدوداً من الفضلاء. كل ذلك في أيام أبيه، وسمع ببغداد من القطيعي وغيره، وبالكرك من ابن اللتي. وأجاز له المؤيد

стр. 1896

الطوسي، وأبو روح عبد العزيز. وحدث؛ سمع منه الحافظ شرف الدين عبد المؤمن الدمياطي، وذكره في معجمه، وكتب عنه قطعة من شعره. وتسلطن بعد موت والده وأخيه في سنة أربع وعشرين وستمائة، وأحبه أهل دمشق، ثم سار عمه الملك الكامل من الديار المصرية، ليأخذ دمشق منه فاستنجد بعمه الملك الأشرف موسى شاه أرمن فجاء لنصرته ونزل بالدهشة بدمشق، ثم تغير الأشرف عليه، ومال لأخيه الكامل، وأوهم الناصر هذا أنه يصلح قضيته؛ فاتفقا عليه، وحاصراه أربعة أشهر، وأخذا دمشق منه، وسار الملك الناصر إلى الكرك، وكانت لوالده، وأعطى معها الصلت، ونابلس، وعجلون، وأعمال القدس، وعقد نكاحه على بنت عمه الملك الكامل. ثم إن الكامل تغير عليه؛ ففارق ابنته قبل الدخول. ثم إن الملك الناصر هذا قصد الخليفة المستنصر بالله ببغداد، وقدم له تحفاً ونفائس، وسار إليه على البرية، ومعه فخر القضاة ابن بصاقة، وشمس الدين الخسر وشاهي، والخواص من مماليكه، وطلب الحضور بين يدي الخليفة كما فعل بصاحب إربل، فامتنع الخليفة؛ فنظم الناصر قصيدته التي أولها: ودانٍ ألمت بالكثيب ذوائبه ... وجنح الدجى وحف تجول غياهبه

стр. 1897

وهي طويلة جداً. فلما وقف الخليفة عليها أعجبته كثيراً، فاستدعاه سراً، بعد شطرٍ من الليل؛ فدخل من باب السر إلى إيوان فيه ستر مضروب؛ فقبَّل الأرض؛ فأُمر بالجلوس، وجعل الخليفة يحدثه ويؤنسه. ثم أمر الخدام فرفعوا الستر؛ فقبَّل الأرض، ثم قبل يده، ثم أمره بالجلوس؛ فجلس وجاراه في أنواع من العلوم وأساليب الشعر، ثم أخرجه ليلاً، وأخلع عليه خلعة سنية، وعمامة مذهبة سوداء وجبة سوداء مذهبة. وخلع على أصحابه ومماليكه خلعاً جليلة، وأعطاه مالاً جزيلاً، وبعث في خدمته رسولاً مشربشاً من أكابر خواصه إلى الملك الكامل يشفع في الناصر المذكور، وفي إخلاص النية له، وإبقاء مملكته عليه. وخرج الملك الكامل إلى تلقيهما إلى القصير، وأقبل على الناصر إقبالاً كبيراً وجعل الناصر رنكه أسوداً، انتماءً للخليفة. وكان الخليفة زاد في ألقابه: الولي المهاجر، وذلك في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة. واستمر الناصر على ذلك إلى أن وقع بين الملك الكامل محمد وبين الملك الأشرف موسى، وأراد كل منهما أن يكون الناصر هذا معه؛ فمال إلى الكامل

стр. 1898

وجاءه في الرسلية القاضي الأشرف بن الفاضل، وسار الناصر هذا إلى عمه الملك الكامل في تعظيمه. ثم اتفق موت الكامل والأشرف والناصر المذكور بدمشق في دار أسامة، فتشوق إلى السلطنة؛ ولم يكن يومئذٍ أميز منه، ولو بذل المال؛ لحلفوا له. فتسلطن الملك الجواد، فخرج الناصر عن دمشق إلى القابون، ثم حشد كل واحد منهما، ووقع المصاف بين نابلس وجينين، فكسر الناصر، وأخذ الجواد خزائنه، وكانت على سبعمائة جمل، فافتقر الناصر، وأخذ أمره في انحطاط إلى أن ملك الملك الصالح نجم الدين أيوب دمشق، وسار لقصد مصر، جاء عمه الصالح إسماعيل وملك دمشق، فسحب جيش نجم الدين عنه، فجهز الناصر عسكراً من الكرك، فأمسكوه وأحضروه إلى الكرك، فاعتقله مكرماً عنده، وأخذ الناصر هذا بعد موت الكامل القلعة التي عمرها الفرنج بالقدس وطرد من بها من الفرنج. وفي ذلك يقول الصاحب جمال الدين بن مطروح: المسجد الأقصى له عادة ... سارت فصارت مثلاً سائرا إذا غدا للكفر مستوطناً ... أن يبعث الله له ناصرا فناصر طهَّره أولاً ... وناصر طهَّره آخرا

стр. 1899

حكي أنه لما وقعت المباينة بين الملك الكامل وبين أخيه الملك الأشرف، وعزما على القتال، وانضم إلى الملك الأشرف جميع ملوك الشام؛ وسير الملك الأشرف إلى الملك الناصر هذا يدعوه إلى موافقته، على أن يحضر إليه ليزوجه بابنته، ويجعله ولي عهده، ويملِّكه البلاد بعده. ثم بعث الملك الكامل أيضاً إلى الناصر هذا يدعوه إلى موافقته وأنه يحدد عقده على ابنته، ويفعل معه كل ما يختار، وتوافى الرسولان عند الناصر المذكور بالكرك، فرجَّح الميل إلى الكامل، ورشح رسول الأشرف بجواب إقناعي. ويقال إنه إنما فعل ذلك؛ إلا ليُعَرِّفْ الكامل بما وقع، واستنشد الملك الناصر صاحب الترجمة في جواب الكامل بقول المتنبي: وما شئت إلا أن أدلَّ عواذلي ... على أن رأيي في هواك صوابُ ويعلم قوم خالفوني وشرقوا ... وغربت أني قد ظفرت وخابوا واتفق أن الأشرف توفي عقيب ذلك، وندم الناصر هذا عن تخلفه عنه. ثم مات الكامل، ولم يحصل للناصر أيضاً منه أرب. قلت: كان الناصر غير مسعود في حركاته وأموره، وقضى عمره على أقبح حال، فإنه كان غالب أيامه في الغربة عن أوطانه والشتات عن بلاده.

стр. 1900

وكان مذموم السيرة يحكى عنه أشياء من القبائح منها: أنه كان إذا دخل في الشراب، وأخذ السكر منه يقول: أشتهي أبصر فلاناً طائراً في الهواء، فيرمى به في المنجنيق، ويراه وهو في الهواء، فيضحك ويسر به، ويقول: أشتهي أشم روائح فلان وهو يُشوى، فيحضر ذلك المعتز، ويقطع لحم، ويشوى منه، وهو يضحك. وكان له من هذه الأشياء القبيحة جملة مستكثرة. قلت: ولهذا كانت مساوئه غطت محاسنه، وقاسى هو أيضاً محناً، ولا يظلم ربك أحداً. ثم وقع له أمور مع أولاده، وفر إلى بغداد غير مرة، ولم يزل كذلك حتى قتل بيد التتار في سنة ست وخمسين وستمائة. وكان أديباً شاعراً، فاضلاً، جواداً، ممدحاً. وفيه يقول الصاحب جمال الدين بن مطروح: ثلاثة ليس لهم رابع ... عليهم معتمد الجود الغيث والبحر وعززهما ... بالملك الناصر داود وكان له نظم رائق، من ذلك قوله: بأبي أهيف إذا رمت منه ... لثم ثغر يصدني عن مرامي قد حمى خده بسور عذار ... مقلتاه أصحت عليه مرامي

стр. 1901

وله: إذا عاينت عيناي أعلام جلق ... وبان من القصر المشيد قبابه تيقنت أن البين قد بان والنوى ... نأى شخصها والعيش عاش شبابه وله أيضاً: عيون عن السحر المبين تبين ... لها عند تحريك القلوب سكون تصول بيض وهي سود يزيدها ... ذبول فتور والجفون جفون إذا ما رأت قلباً خلياً من الهوى ... تقول له كن مغرماً فيكون العلامة القونوي ٠٠ - ٠ - ٧١٥هـ - ٠٠٠ - ١٣١٥م داود بن غُلْبك بن علي، الشيخ الإمام العالم بدر الدين الرومي، القونويّ الأصل، الحنفي، المعروف بالبدر الطويل. نشأ بمدينة قونية وتفقه بها على جماعة. وقرأ: اللغة، والعربية، والأدب، والأصلين وبرع. ثم قدم دمشق، فبحث على علمائها، وتفقه بها أيضاً على العلامة جلال الدين الخبازي وغيره وبرع، وأفتى ودرَّس، وأقام بدمشق نحواً من

стр. 1902

ثلاثين سنة، ثم توجه إلى حلب، ودرَّس بها أيضاً بالمدرسة القليجية والطرخانية نحواً من خمسة عشر سنة، وتفقه به جماعة، وانتفع به الطلبة مدة طويلة، ثم توجه من حلب يريد قلعة المسلمين، فأدركه الأجل، فمات في سنة خمس عشرة وسبعمائة، رحمه الله تعالى وعفا عنه. الخليفة المعتضد بالله ٠٠ - ٠ - ٨٤٥هـ - ٠٠٠ - ١٤٤١م داود، الخليفة، أمير المؤمنين المعتضد بالله، أبو الفتح بن الخليفة المتوكل على الله محمد بن الخليفة المعتضد بالله أبي بكر بن الخليفة المستكفي بالله أبي الربيع سليمان بن الخليفة الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد بن الحسين بن أب

стр. 1903

ي بكر بن علي بن الحسن بن الخليفة الراشد بأمر الله منصور بن الخليفة المسترشد بالله الفضل بن الخليفة المستظهر بالله أحمد بن الخليفة المقتدي بالله عبد الله بن الإمام ذخيرة الدين محمد بن الخليفة القائم بأمر الله عبد الله بن الخليفة القادر بالله أحمد ابن الموفق طلحة بن الخليفة المتوكل على الله جعفر بن الخليفة المعتصم بالله محمد ابن الخليفة الرشيد هارون بن الخليفة المهدي محمد بن الخليفة أبي جعفر المنصور ابن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ﵁ الهاشمي العباسي. بويع بالخلافة بعد أخيه المستعين بالله أبي الفضل العباس في يوم الخميس سادس عشر ذي الحجة سنة ست عشرة وثمانمائة. قال الشيخ تقي الدين المقريزي ﵀: وفيه - يعني التاريخ المذكور - استدعى السلطان الملك المؤيد داود بن المتوكل على الله؛ فحضر بين يديه بقلعة الجبل، وقد حضر قضاة القضاة الأربع، فعندما رآه الملك المؤيد، قام له، وقد البس خلعة سوداء، وأجلسه بجانبه بينه وبين قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن البلقيني، فدعا القضاة وانصرفوا على أنه استقر خليفة. ولم يقع خلع المستعين بالله، ولا قامت بينة بما يوجب شغور الخلافة عنه، ولا بويع داود هذا، بل خلع عليه فقط. ولقب بابي الفتح المعتضد بالله.

стр. 1904

وكانت العادة بديار مصر أن يدعى على منابرها أيام الجمع وفي الأعياد، ويذكر كنية الخليفة ولقبه، فمن حين منع المستعين بالله في أول شعبان من السنة الحالية، لم يذكر على المنبر. قول الشيخ تقي الدين: منع، أي من السلطنة؛ فإنه دام خليفة بعد ذلك مدة. ثم قال: واستمروا على ذلك في أيام المعتضد. وصار من الخطباء من يقول: اللهم أصلح الخليفة، من غير أن يعينه. ومنهم من يقول: اللهم أيد الخلافة العباسية ببقاء مولانا السلطان. ومنهم من يقتصر على الدعاء للسلطان. انتهى كلام المقريزي. قلت: وهذه البدعة السيئة بقيت إلى يومنا هذا. وأما قول المقريزي: لم يقع خلع المستعين ولا قامت بينة بما يوجب شغور الخلافة، ليس هو كذلك، بل إنما الملك المؤيد لما أراد أن يتسلطن لم يلبس الخلعة السوداء حتى خلع القضاة المستعين من السلطنة، لأمور توجب خلعه، ثم أبقوه على الخلافة إلى أن خرج الأمير نوروز الحافظي نائب الشام عن طاعة الملك المؤيد، ودعا للمستعين بالسلطنة، وصار يخطب بالبلاد الشامية له. وبلغ المؤيد ذلك؛ فجمع القضاة، وحذرهم وقوع فتنة من هذه القضية؛ فأشار بعض القضاة بخلعه من الخلافة، صيانة لدم المسلمين، وخوفاً من إفساد أحوال الرعية، فمنع المستعين بدار بالقلعة، وطلب المعتضد؛ فهذا خلع وزيادة.

стр. 1905

وأما البينة؛ فقد تكلم بهذا بين يدي القضاة في اليوم المذكور خلائق من أعيان الأمراء وغيرهم، وأي بينة تكون أعظم من ذلك. وأما شغور الخلافة فلا يلزم؛ فقد يمكن الخلع والتولية في ساعة واحدة. انتهى. قلت: واستمر المعتضد في الخلافة دهراً، وطالت أيامه، وتسلطن في خلافته عدة سلاطين. وكان خليقاً للخلافة، سيد بني العباس في زمانه. وكان أهلاً للخلافة بلا مدافعة، كريماً، عاقلاً، سيوساً، ديناً، حلو المحاضرة، كثير الصدقات والبر للفقراء، وكان يحب طلبة العلم، ويكرمهم، ويحاضرهم كثيراً. وكان جيد الفهم، ذكياً، ويميل إلى الأدب وأهله. وكان يجتهد في السير على طريقة الخلفاء ممن قبله مع جلسائه وندمائه، فيضعف موجوده عن إدراك ما يرومه، وربما كان يتحمل بسبب هذا المعنى دينا، وذلك لعلو همته مع قلة متحصله لأن متحصل إقطاعه في السنة دون الأربعة آلاف دينار. وجميع ما كان يتكلفه لنفسه ولحواشيه ولمماليكه من النفقات والجوامك، والكلف، والمترددين، وغير ذلك كله من هذا الإقطاع لا غير. هذا وهو خليفة الوقت، ومتحصله هذا النزر الهين.

стр. 1906

والعجب أن متحصل بعض أصاغر الأقباط الأسلمية أضعاف ذلك. فليت شعري، ماذا يكون جواب الملوك عن ذلك. قلت: وكان يحب اللطافة والدقة الأدبية، وكان له مشاركة وفضيلة. هذا مع الدين المتين، والأوراد الهائلة في كل يوم. جالسته غير مرة، فلم أر عليه ما أكره، وكنت أدخل إلى حرمه، لأن زوجته بنت الأمير دمرداش كانت قبله تحت والدي ﵀. ثم اتصلت بأمير المؤمنين المذكور من بعده إلى أن توفي عنها في يوم الأحد رابع شهر ربيع الأول سنة خمس وأربعين وثمانمائة، بعد مرض طويل. وعهد لأخيه أبي الربيع سليمان الملقب بالمستكفي، واجتهد بعد موت ابن أخيه يحيى بن المستعين بالله العباس غاية الاجتهاد، فلم ينله ﵀، ونفعنا بسلفه. العلامة الملطي ٠٠ - ٠ - ٧١٧هـ - ٠٠٠ - ١٣١٧م داود بن مروان بن داود، العلامة نجم الدين الملطي الحنفي.

стр. 1907

كان إماماً بارعاً في الفقه والعربية، والأصلين، والمعاني، والبيان. وتصدر للإفتاء، والتدريس عدة سنين، وانتفع به الطلبة، وتفقه به جماعة كثيرة، ودرس بالمنصورية بالقاهرة، والظاهرية، والقراسنقرية، وناب في الحكم مدة. ثم تنزه عن ذلك بعد أن حمدت سيرته. وكان له مشاركة في الأدب، وله نظم. وهو والد العلامة صدر الدين سليمان - يأتي ذكره في محله إن شاء الله تعالى -. توفي بالقاهرة في شهر ربيع الأول سنة سبع عشرة وسبعمائة، ودفن بالقرافة - رحمه الله تعالى وعفا عنه -.

стр. 1908

العلامة البصروي ٠٠ - ٠ - ٦٨٤هـ - ٠٠٠ - ١٢٨٥م داود بن يحيى بن كامل، الشيخ عماد الدين القرشي البصروي الحنفي " مدرس المعزية ". كان فقيهاً عالماً، فاضلاً. أفتى ودرَّس، وناب في الحكم عن القاضي مجد الدين بن العديم، وسمع الحديث، وبرع في المذهب. وهو والد العلامة نجم الدين القجقاري شيخ الحنفية، وخطيب جامع تنكز بدمشق. توفي ليلة نصف شعبان سنة أربع وثمانين وستمائة، رحمه الله تعالى. الملك المؤيد صاحب اليمن ٠٠ - ٠ - ٧٢١هـ - ٠٠٠ - ١٣٢١م داود بن يوسف بن عمر بن رسول، الملك المؤيد هِزَبر الدين صاحب اليمن ابن الملك المظفر صاحب اليمن أيضاً، التركماني الأصل، اليمني.

стр. 1909

تسلطن بعد أخيه الملك الأشرف في المحرم سنة ست وتسعين وستمائة، فملك نيفاً وعشرين سنة. وكان قبل سلطنته قد تفقه، وحفظ كفاية المتحفظ، ومقدمة ابن بابشاذ، وبحث التنبيه. وطالع، وفضل، ودأب، وحصل، وسمع من المحب الطبري وغيره، وجمع الكتب النفيسة من الأقطار. قيل إن خزانة كتبه اشتملت على مائة ألف مجلد - والله أعلم -. وكان مشكور السيرة، محباً لأهل الخير والصلاح، مثابراً على زيارة الصالحين. وأنشأ بظاهر زبيد قصره المشهور بالحسن؛ فقال فيه الأديب تاج الدين عبد الباقي اليمني قصيدة أولها: يا ناظم الشعر في نعم ونعمان ... وذاكر العهد من لبنا ولبنان

стр. 1910

ومنها: أنس بإيوانه كسرى فلا خبر ... من بعد ذكري عن كسرى لإيوان وفيه يقول تاج الدين المذكور، وقد ركب المؤيد فيلاً: الله ولاك يا داود مكرمة ... ورتبةً ما أتاها قبل سلطان ركبت فيلاً وظل الفيل ذا رهج ... مستبشراً وهو بالسلطان فرحان لك الإله أذل الوحش أجمعه ... هل أنت داود فيه أم سليمان وكانت وفاته في ذي الحجة سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، وتولى من بعد ابنه الملك المجاهد، واضطرب أمر اليمن مدة، وتولى عدة سلاطين، يأتي ذكرهم في محلهم إن شاء الله تعالى.

стр. 1911

باب الدال والقاف دقماق الظاهري ٠٠٠ - ٨٠٨هـ - ٠٠٠ - ١٤٠٥م دقماق بن عبد الله المحمدي الظاهري، الأمير سيف الدين. هو من عتقاء الملك الظاهر برقوق، وممن صار خاصكياً في سلطنته الأولى. فلما خلع الملك الظاهر برقوق وحبس بالكرك، وتشتت مماليكه في الأقطار، خدم دقماق هذا ووالدي ودمرداش المحمدي نائب حلب عند الأمير بزلار العمري نائب دمشق من قبل الملك المنصور حاجّي إلى أن ظهر الملك الظاهر برقوق من حبس الكرك توجه إليه مع رفيقيه، وصار من حزب أستاذه إلى أن تسلطن ثانياً، وملك الديار المصرية، أنعم عليه دقماق هذا بإمرة مائة وتقدمة ألف بحلب. ثم نقله بعد مدة إلى نيابة ملطية؛ فأقام بها نحو سنتين. وفي تلك الأيام قدم دقماق الملك الأشرف برسباي في جملة مماليك وغيرها إلى الملك الظاهر برقوق؛ فلهذا كان الملك الأشرف يعرف بالدقماقي. ثم عزل الأمير

стр. 1912

دقماق عن نيابة ملطية بالأمير جقمق الصفوي حاجب حجاب حلب، وقدم إلى حلب بطالاً إلى أن مات الملك الظاهر برقوق، قدم إلى الديار المصرية في الدولة الناصرية فرج. وتولى نيابة حماة بعد واقعة الأمير تنم الحسني نائب الشام في سنة اثنتين وثمانمائة، عوضاً عن دمرداش المحمدي، بحكم انتقاله إلى نيابة حلب. واستمر بحماة إلى أن قدم تيمور إلى البلاد الحلبية، وخرج دقماق لقتاله مع جملة نواب البلاد الشامية، وانكسر العسكر الحلبي، فقبض تيمور على دقماق المذكور في جملة من قبض عليه من النواب والأمراء. ودام في أسر تيمور إلى أن فر من الأسر، وقدم إلى الديار المصرية مع العساكر المصرية إلى أن عاد تيمور إلى بلاده، ولاه الملك الناصر فرج نيابة صفد، فاستمر بها إلى سنة أربع وثمانمائة، نقل إلى نيابة حلب، عوضاً عن الأمير دمرداش المحمدي، بحكم عصيانه؛ فتوجه إليه وواقعه بنواحي حماة، فانتصر دقماق على دمرداش، وملك حلب ودخلها، وفرَّ دمرداش هارباً إلى جهة التركمان، فاستمر دقماق في نيابة حلب إلى سنة ست وإلى أن ورد إلى حلب مرسوم بلطف بالقبض عليه، ففطن دقماق بذلك، وقبض على القاصد، وأخذ الملطف منه. ثم خرج من حلب هارباً في ليلة الخميس

стр. 1913

خامس عشر شهر ربيع الآخر من السنة. وتولى مكانه الأمير آقبغا الهذباني، ودخلها في يوم السبت سادس عشر جمادى الأولى وهو مريض؛ فاستمر بها مريضاً إلى أن توفي بعد شهر في ليلة الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة. وبلغ دقماق موته، فعاد إلى حلب، فدخلها في ليلة الاثنين سلخ جمادى الآخرة، فهرب منها حاجب حجابها الأمير ناصر الدين محمد بن شهري، وتوجه إلى دمشق خجا بن سالم الدكزي، واستنجد به، فسارا جميعاً إلى حلب، وحاصرا الأمير دقماق. وكان دقماق في أناس قلائل، ففر إلى جهة التركمان، ودام بتلك البلاد إلى أن أرسل يطلب الأمان من الملك الناصر، فأعطيه، وأنعم عليه بنيابة حماة ثانياً، وذلك بعد وقعة السعيدية، فتوجه إلى حماة، فلما قاربها خرج عليه جماعة من تركمان تلك البلاد، وقاتلوه أيضاً في جمع يسير، فانكسر، وأمسك. ثم أطلق ودخل حماة في سنة ثمان وثمانمائة ودام بها إلى أن توجه لقتاله الأمير جكم والأمير شيخ المحمودي بمن معهما فتهيأ دقماق لقتالهما، وأنجده

стр. 1914

الأمير نوروز الحافظي، والأمير علان نائب حلب، والأمير بكتمر جلق نائب طرابلس بمن معهم من العساكر، فحاصرهم جكم ودقماق عدة أيام إلى أن ورد الخبر على علاّن بأن دمرداش طرق حلب، ودخلها بغتة، فركب علاّن من وقته ومعه نوروز الحافظي، وسارا لإخراج دمرداش من حلب، فبقي دقماق وحده في نفر قليل، فانتهز جكم الفرصة، واقتحم العاصي ودخل حماة، وقبض على الأمير دقماق المذكور، وقتله صبراً بظاهر حماة في شهر رجب سنة ثمان وثمانمائة. وكان أميراً جليلاً، كريماً، شجاعاً، ذا شكل مليح، وخلق حسن. وكان متواضعاً قريباً من الناس، وعنده حشمة ورئاسة، وعدل في الرعية، وعفة عن أموالهم. وبنى تربة خارج حلب، ووقف عليها وقفاً. وبقتله نفرت القلوب من جكم، وخالفه كثير من أصحابه. وكان بيني وبين ولده الأمير ناصر الدين محمد صحبة أكيدة، ومحبة زائدة، ولاّه الملك الأشرف برسباي نيابة المرقب، وأنعم عليه بإمرة طبلخاناة بطرابلس بعد أن استقدمه من حلب،

стр. 1915

وبالغ في إكرامه، فدام بالمرقب مدة، ثم عزله، وأنعم عليه بإمرة عشرة بالقاهرة؛ فدام بها إلى أن توفي بالطاعون في سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة. وكان مليح الشكل، رأساً في رمي النشاب، رحمه الله تعالى.

стр. 1916

باب الدال والميم نائب طرابلس ٠٠ - ٠ - ٧٩٣هـ - ٠٠٠ - ١٣٩٠م دمرداش بن عبد الله اليوسفي، الأمير سيف الدين، نائب طرابلس. كان من أعيان الأمراء بالديار المصرية، ولي عدة وظائف جليلة إلى أن صار من حزب منطاش والناصري على الملك الظاهر برقوق، وولي لهما نيابة طرابلس وغيرها. واستمر مع منطاش إلى أن ظفر به الظاهر برقوق وقتله، بعد خذلان منطاش في سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة. ودمرداش بالدال المهملة المفتوحة وبالتاء المثناة من فوق، كلاهما لغة بلسان التركي، وميم مضمومة وراء ساكنة، ودال، وقيل ضاد، كلاهما أيضاً لغة، وألف وشين معجمة، ومعناه: حديد حجر، فإن دمر حديد، وضاش حجر. انتهى.

стр. 1917

نائب الكرك ٠٠ - ٠ - ٧٩٣هـ - ٠٠٠ - ١٣٩٠م دمرداش بن عبد الله القَشْتَمري، الأمير سيف الدين، نائب الكرك، ثم أحد المقدمين في أيام الناصري ومنطاش. ودام معهما إلى أن قبض عليه الملك الظاهر برقوق وقتله في سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة تقدم الكلام على اسم دمرداش ومعناه، انتهى. نائب حلب ثم نائب دمشق ٠٠ - ٠ - ٨١٨هـ - ٠٠٠ - ١٤١٥م دمرداش بن عبد الله المحمدي الأتابكي الظاهري، الأمير سيف الدين. هو أيضاً من مماليك الملك الظاهر برقوق، وممن صار خاصكياً سلاح دارا في سلطنة برقوق الأولى.

стр. 1918

فلما خلع برقوق وحبس بالكرك، ونفيت مماليكه أخرج دمرداش هذا إلى الشام، وصار بخدمة نائبها الأمير بزلار العمري كما تقدم ذكره في ترجمة دقماق. واستمر بدمشق إلى أن خرج أستاذه الملك الظاهر برقوق من حبس الكرك، وتسلطن ثانياً أنعم على دمرداش هذا بإمرة بالبلاد الشامية، ثم ولاه نيابة حماة. فاستمر في نيابة حماة إلى سنة خمس وتسعين، نقل إلى نيابة طرابلس بعد عزل الأمير إياس الجرجاوي عنها وتوجهه إلى دمشق أتابكاً بها بعد انتقال تنم الحسني منها إلى نيابة دمشق. وتولى نيابة حماة بعد الأمير آقبغا الصغير؛ فدام دمرداش في نيابة طرابلس إلى أن تجرد الظاهر برقوق إلى البلاد الشامية في سنة ست وتسعين، قبض عليه، وولي عوضه في نيابة طرابلس الأمير أرغون شاه الإبراهيمي نائب صفد. واستقر في نيابة صفد بعد أرغون شاه المذكور آقبغا الهذباني أتابك حلب، ثم أطلقه برقوق من يومه بشفاعة والدي ﵀ فيه، وأنعم عليه بأتابكية حلب عوضاً عن آقبغا الهذباني المستقر في نيابة صفد؛ فدام دمرداش بحلب، وقد ولي نيابتها والدي سنين إلى أن نقل إلى نيابة حماة ثانياً، عوضاً عن الأمير يونس بلطا بحكم انتقاله إلى نيابة طرابلس، عوضاً عن أرغون شاه

стр. 1919

الإبراهيمي بحكم انتقاله إلى نيابة حلب، بعد عزل والدي عنها وقدومه إلى الديار المصرية أمير مائة ومقدم ألف بها، واستقراره أمير سلاح. فاستمر الأمير دمرداش المذكور في نيابة حماة إلى أن توفي الملك الظاهر برقوق وعصى الأمير تنم نائب الشام على الملك الناصر، وسأله تنم على موافقته فأبى؛ فأرسل تنم إلى حصاره عسكراً، ثم أذعن لموافقته لما بلغه موافقة والدي لتنم المذكور، وحضر إلى دمشق، وسار مع تنم لقتال الملك الناصر. فلما التقى الفريقان فر دمرداش المذكور من عسكر تنم، ولحق بالملك الناصر. فلما انتصر الملك الناصر، وقبض على تنم ورفقته واستقر دمرداش هذا في نيابة حلب، فتوجه إليها ودخلها في أول شهر رمضان سنة اثنتين وثمانمائة. وأقام بها إلى شوال من السنة، ورد عليه الخبر بقدوم قرا يوسف والسلطان أحمد بن أويس صاحب بغداد إلى الساجور جافلين من تيمور، فجمع الأمير دمرداش العساكر، واستنجد بالأمير دقماق المحمدي نائب حماة - المتقدم ذكره - وتوجه لقتال قرا يوسف والسلطان أحمد، فطرقهم دمرداش

стр. 1920

بالساجور، واقتتل الفريقان إلى أن انكسر الأمير دمرداش هذا كسرةً شنيعة، ورجع دمرداش إلى حلب في دون العشرة أنفس، وأخذ جميع ما كان معهم، وأمسك الأمير دقماق نائب حماة إلى أن افتدى وأطلق، فأخذ أمر حلب من يومئذ في النقص والتلاشي إلى أن قدمها تيمور في سنة ثلاث وثمانمائة، وأخذها بالأمان في شهر ربيع الأول من السنة، وفعل فيها ما فعل حسبما ذكرناه في غير هذا الموضع. ثم أن تيمور أخلع على دمرداش وأكرمه؛ ولهذا تقول أهل حلب إن دمرداش كان مباطناً مع تيمور في أخذ حلب، وأخذه تيمور صحبته نحو دمشق. فلما سمع دمرداش بقدوم الملك الناصر بالعساكر المصرية لقتال تيمور فر من تيمور وأتى الناصر، ودام معه إلى أن عاد تيمور إلى بلاده، خلع عليه بنيابة حلب ثانياً، وعلى والدي بنيابة دمشق أيضاً ثانياً، وتوجها إلى محل كفالتهما، ودام دمرداش في نيابة حلب إلى أن عزل بالأمير دقماق نائب حماة. ووقع بينهما وقعة انكسر دمرداش فيها، وانهزم إلى بلاد التركمان، وذلك في سنة أربع وثمانمائة، فدام في تلك البلاد نحواً من سنة، وطلب الأمان، فأنعم عليه بنيابة طرابلس، فتوجه إليها، واستمر بها إلى سنة ست وثمانمائة نقل إلى نيابة حلب ثالثاً، فدخلها في مستهل شهر رمضان سنة ست، واستمر بها إلى شعبان من سنة سبع وثمانمائة طرقه الأمير جكم من عوض بها، وتقاتلا، فانكسر دمرداش، وتوجه إلى

стр. 1921

ناحية إياس، وركب منها البحر، وتوجه إلى القاهرة، فولاه الملك الناصر نيابة حلب، ورسم له بالعود. ثم عزله بعد خروجه إليها، فعاد إلى التركمان، وجال في تلك البلاد. ثم جمع وطرق حلب بغتة، وأخذها في سنة ثمان وثمانمائة. فلما سمع نائبها الأمير علان، وهو بحماة عند دقماق نائب حماة، ركب من وقته إلى حلب، ومعه الأمير نوروز الحافظي، وأخرجاه منها، فهرب. ثم هجم بعد ذلك على حماة وأخذها، فجاءه ابن سقلسيز التركماني نائب شيزر وأخرجه منها، فتوجه إلى الأمير شيخ المحمودي نائب دمشق، ودام عنده إلى أن اتفق بين جكم وبين شيخ الوقعة المشهورة بين حمص والرستن، وانكسر شيخ، عاد دمرداش مع شيخ إلى القاهرة؛ فأنعم عليه الملك الناصر بإمرة مائة وتقدمة ألف بها. واستمر بالقاهرة إلى أن توجه الناصر إلى البلاد الشامية في سنة تسع خرج معه دمرداش المذكور. فلما وصل السلطان إلى حلب، ولاه نيابتها، فلم يثبت، وخرج منها خوفاً من جكم من عوض، وعاد صحبة السلطان إلى الديار المصرية، فاستمر بها إلى

стр. 1922

سنة عشر ولي نيابة صفد، فلم تطل مدته بها، ونقل إلى نيابة حلب بعد قتل جكم من عوض بآمد، فدام بحلب مدة يسيرة، وطرقه الأمير شيخ، وأخذ حلب منه، فخرج هارباً إلى أنطاكية، واستمر بأنطاكية إلى أن وصل الملك الناصر إلى حلب حضر دمرداش إليه، وعاد صحبته إلى الديار المصرية، واستقر بها أتابك العساكر، عوضاً عن والدي ﵀ بحكم انتقاله إلى نيابة دمشق - وهي نيابته الثالثة - ودام على ذلك إلى أن تجرد الملك الناصر إلى البلاد الشامية في أواخر سنة أربع عشرة وثمانمائة، لقتال الأمير شيخ ونوروز، وواقعهم. ثم انهزم الناصر - حسبما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى - ودخل إلى دمشق، فوجد والدي محتضراً، ثم توفي من الغد، فحضر الناصر الصلاة عليه، ودفنه بتربة الأمير تنم الحسني، وذلك في يوم الخميس سادس عشر المحرم من سنة خمس عشرة ثم توجه إلى قلعة دمشق، واستقر بالأمير دمرداش هذا في نيابة دمشق عوضاً عن والدي ﵀ فباشر دمرداش نيابة دمشق عشرة أيام، وخلع الناصر فرج في يوم السبت خامس عشرينه. وتسلطن الخليفة المستعين بالله العباسي، واشتد الحصار على الملك الناصر بقلعة دمشق، وعنده الأمير دمرداش المذكور، ودام معه إلى ليلة الأحد عاشر صفر من السنة، فر دمرداش من عنده، وتوجه إلى حلب، وأقام بالبلاد

стр. 1923

الحلبية مدة، وصار ينتقل من بلد إلى أخرى إلى أن تسلطن المؤيد شيخ، وعصى عليه الأمير نوروز الحافظي، وجهز كل منهما يستميل دمرداش إلى نفسه فمال إلى نوروز على أن يعطيه نيابة حلب. وكان فيها من قبل نوروز يشبك بن أزدمر نائباً فرسم له نوروز بذلك، ثم رجع عن ذلك، ثم وردت ملطفات من الملك المؤيد إلى حلب بنيابة دمرداش نيابة حلب، فلم تصل يده لإخراج نائبها، وطال عليه الأمر، فركب البحر، وقدم إلى الديار المصرية حسبما ذكرنا في ترجمتي أولاد أخيه قرقماس وتغري بردى - يعني سيدي الكبير وسيدي الصغير - ووصل القاهرة في يوم السبت مستهل شهر رمضان، فأكرمه السلطان الملك المؤيد، وأخلع عليه. وكان الأمير دمرداش هذا هو وأولاد أخيه سيدي الكبير قرقماس وسيدي الصغير تغري بردى، لا يجتمعون عند سلطان جملة؛ خوفاً من القبض عليهم. فلما اجتمع هؤلاء الثلاثة عند الملك المؤيد - يعني دمرداش وولدا أخيه - لكن كان ابن أخيه سيدي الصغير قد خرج من القاهرة، بمنزلة الصالحية لنيابة غزة، وكان في ظن دمرداش أنه خرج قبل ذلك، وأنه بغزة.

стр. 1924

فلما رأى المؤيد حضور دمرداش إلى القاهرة، وعود سيدي الكبير من نيابة دمشق، وهو أيضاً بالقاهرة، أرسل بجماعة من الأمراء من يومه إلى الشرقية على أنهم يكبسوا العرب، وندبهم في الباطن للقبض على تغري بردى سيدي الصغير بالصالحية. ثم أرسل خلف دمرداش هذا وخلف ابن أخيه قرقماس سيدي الكبير - المتولي نيابة دمشق، عوضاً عن الأمير نوروز الحافظي - إلى القلعة، وقبض عليهما في ليلة السبت ثامن شهر رمضان سنة ست عشرة وثمانمائة، وحملا إلى حبس الإسكندرية. ثم حضرت الأمراء من الصالحية، ومعهم سيدي الصغير في الحديد؛ فحبس بقلعة الجبل إلى أن قتل في أول شوال. ثم قتل سيدي الكبير قرقماس بثغر الإسكندرية في السنة المذكورة أيضاً. ودام دمرداش هذا في حبس الإسكندرية إلى سنة ثمان عشرة وثمانمائة، أرسل المؤيد بقتله؛ فقتل في يوم السبت ثامن عشر المحرم من السنة، وله نحو خمسين سنة. وكان أميراً كبيراً، شجاعاً، مقداماً، عارفاً، جواداً كريماً، باشر الحروب وحضر الوقائع، وتنقل في عدة ولايات وأعمال جليلة، إلا أنه كان قليل السعادة في حركاته، مع معرفة تامة، وخديعة، ومكر، ودهاء. وكان يعظم العلماء، ويحب أهل الصلاح.

стр. 1925

وبنى بحلب جامعاً كان قد أسسه الأمير أقبغا الهذباني الأطروش؛ فكمله، ووقف عليه وقفاً جيداً، وبنى بطرابلس أيضاً زاوية عظيمة على بركة راوية، معروفة به. وكان يلوذ لنا بقرابة، وهو أحد أوصياء والدي رحمهما الله تعالى وعفا عنهما. ابن سالم الدكزي ٠٠ - ٠ - ٨٠٦هـ - ٠٠٠ - ١٤٠٣م دمشق خجا بن سالم الدكزي، الأمير سيف الدين، نائب جعبر، وأمير التركمان. كان غالب أيامه عاصياً على السلطنة ووقع له أمور مع نواب البلاد الشامية.

стр. 1926

ثم وقع بينه وبين الأمير نعير عداوة، وتقاتلا. ودام القتال بينهما أياماً إلى يوم الخميس سابع عشرين شهر رمضان سنة ست وثمانمائة انتصر نعير على دمشق خجا المذكور وقتله. واستمر القتل في تركمانه وحفدته، وتفرق شملهم، ونهبت أموالهم. قلت: ومستراح منه؛ لأنه كان من شرار خلق الله المفسدين في الأرض. وكان يرتكب عظائم من القتل والنهب، لم تأخذه رأفة على مسلم، وكان كهفاً للصوص وقطاع الطريق، عليه من الله ما يستحقه.

стр. 1927

باب الدال والواو الدوادار ٠٠ - ٠ - ٨٥٧هـ - ٠٠٠ - ١٤٥٣م دُولات باي بن عبد الله المحمودي، الساقي المؤيدي الدوادار، الأمير سيف الدين. قدم به خواجا محمود من بلاد الجاركس في جملة مماليك إلى ثغر الإسكندرية؛ فاشتراه نائبها الأمير آقبردي المنقار المؤيدي، وأحبه، فبلغ الملك المؤيد شيخ ذلك، فبعث بطلبه، فوجهه إليه، فأخذه المؤيد، وجعله في طبقة الطواشي مرجان الخازندار. ثم أعتقه، وجعله خاصكياُ، ثم صار خازنداراً، ثم ساقياً

стр. 1928

في آخر دولته، أو بعد موته. واستمر على ذلك إلى أن عزل عن السقاية في دولة الملك الصالح محمد بن الملك الظاهر ططر. واستمر على إقطاعه دهراً طويلاً. وكان إقطاعه حصة من جينين القصر، إلى أن أنعم عليه الملك الأشرف برسباي بإمرة عشرة بسفارة صهره زوج ابنته الأمير جانم أمير آخور، قريب الملك الأشرف برسباي، وذلك في حدود سنين خمس وثلاثين وثمانمائة. ثم جعله من جملة رؤوس النواب الصغار. ولا زال على ذلك إلى أن مات الملك الأشرف، وتسلطن ولده الملك العزيز يوسف من بعده، ثم وقع بين العزيز وبين الأتابك جقمق العلائي ما ذكرناه في غير موضع. فانضم دولات باي هذا مع خجداشيته على الأتابك جقمق، وركبوا معه، وصاروا من حزبه إلى أن خلع الملك العزيز، وتسلطن جقمق، ولقب بالملك الظاهر، أنعم على دولات باي المذكور بإمرة طبلخاناة، وجعله أمير آخوراً ثانياً، عوضاً عن الأمير نخْشي باي الأشرفي المقبوض عليه قبل تاريخه.

стр. 1929

ثم نقله الملك الظاهر بعد مدة يسيرة إلى الدوادارية الثانية، بعد الأمير أسنبغا الطياري بحكم انتقاله إلى تقدمة ألف بالديار المصرية. واستقر عوضه في الأمير آخورية الثانية الأمير جرباش المحمدي، المعروف بُكرد. كل ذلك في سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، فباشر المذكور وظيفة الدوادارية الثانية بحرمة وافرة وعظمة زائدة، ونالته السعادة وأثرى، وعمّر الأملاك الجيدة، وحصّل الأموال الكثيرة، وطالت أيامه. وحج أمير الحج في سنة تسع وأربعين وثمانمائة، ثم عاد إلى القاهرة. واستمر على ذلك إلى أن أنعم عليه الملك الظاهر جقمق بإمرة مائة وتقدمةألف بالديار المصرية، بعد موت الأمير تمراز القرمشي أمير سلاح بالطاعون في يوم الاثنين ثالث عشر صفر سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة، وأنعم بطبلخانته على الأمير يونس السيفي آقباي شاد الشراب خاناة. واستقر عوضه في الدوادارية الثانية الأمير تمربغا الظاهري على

стр. 1930

إمرة عشرة، فلم يكن بعد أيام إلا وأخلع عليه باستقراره في الدوادارية الكبرى في يوم الخميس ثاني عشرين صفر المذكور، عوضاً عن الأمير قاني باي الجاركسي بحكم انتقاله إلى الأمير آخورية الكبرى بعد موت الأمير قراقجا الحسني بالطاعون أيضاً. وقيل إن تولية دولات باي المذكور للدوادارية الكبرى كانت على بذله نحواً من عشرين ألف دينار للخزانة الشريفة. ولا يبعد ذلك. واستمر دولات باي هذا في الدوادارية مدة، ورسم له في سنة خمس وخمسين بنيابة حلب لبغيضٍ بدا من السلطان على الأمير قاني باي الحمزاوي نائب حلب. ثم بطل ذلك من الغد، واستمر على وظيفته إلى أن قبض عليه المنصور عثمان ابن جقمق في صفر سنة سبع وخمسين، وحبسه بالإسكندرية مدة يسيرة، وبعد خلع عثمان أطلقه الأشرف إينال، فلم تطل مدته وتوفي في السنة المذكورة، وخلَّف مالاً جماً، أخذه من يستحقه من بعده.
следующие страницы →