← Тараджим

Тараджим · id 23156

المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي

ابن تغري بردي

Полный текст (2 835 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ومنه أيضاً: لا تقتلوا بعضكم بعض وتخرجوهم من ديار ... " تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان " " ومن القوما " يا طالباً الغفران قوماً إلى الرحمن ... لتنظر العين منكم " عينان نضاحتان " ومما أنشدني لنفسه إجازة من شعره قصيدة نبوية تقرأ عَلَى أوجه كثيرة بعدة قوافي، وهي من الغرر: محمد. وجهُه بالنّور مُلْتَمَع ... بدر أَضاء. فاق بدر التَّم حين بَدَا مُشَرَّف. شَرُفَتْ في الناس أُمَّته ... له اللواء. حلَّ عقد الكفر مذ عقدا مؤَيَّد. دينه الإسلام متَّبع ... حكماً مضى. سيفه نار الوغى وقدا مُعَرَّفٌ. ولسان الحق ينعته ... وكم حوى. لم يشاهَدْ مثله أَبدا مُمَجَّدٌ. كفُّه رحْب ومتَّسع ... حقاً فضى. لم يخبْ مَنْ فضلَه قَصدَا مصرَّف رأيه زانتْه حكمتُه ... وهو الدَّوا. كم شفا من دائه جسدا مسدّد. بقليل الزاد مقتنع ... هو الرِّضا. شاكراً لله قد حمدا مهفهف. تُخْجل الأغصان خَطْرته ... إذا استوى. فاق حسناً قام أو قعدا ممهَّد. فيه كلُّ الخير مجتمع ... والمرتضى. وهو خيرُ الرُّسل والشُّهدا مؤلّف. عظُمت في الخلق همته ... سهم القوى. قاتل مَنْ دينه جحدا

стр. 597

وله أيضاً عَلَى وزن قصيدة ابن زيدون في ضد معناها: ملكْتَ فاحكم مهما إن تشأ فينا ... ها أَنت ممرضنا ها أنت شافينا لسْنا نُؤَمِّل شيئاً منك غير رضىً ... وقربُنا منك يا أَقصى أمانينا حاشاكَ يا غاية الآمال تُبْعدنا ... فما من البِرِّ إبعاد المحبينا روحي الفدا لحبيب قد دنا ووفا ... ولا رَقيب ولا واشٍ فيؤذينا لا تشتهي الرَّاح مع ظَلْم له أبداً ... ولا الظَّمأ نشتكي ما دام يُرْوينا يسعى لنا بشمول من شمائله ... وبالخدود يُحيِّينا فيحيينا في روضة رقصت أغصانها طرباً ... من شدو ورقاً عن الألحان تغنينا شقيقها شَقَّ غَبْطاً قلب حاسِدنَا ... وحُسْنُ منثورها المنظومُ يلْهينا والقلب سُرَّ بعيش قد صفا فدعا ... بأَن يدوم فقال الدَّهر آمينا والشَّملُ مُجتمع لا يشتفى أَبداً ... يوماً من الدَّهر واشينا ولا حينا فإن بكينا فليس الدَّمعُ مِنْ حَزَن ... لكنَّ فرطَ السُّرور المحض يَبْكينا

стр. 598

لا يَعرف الحبُّ هجراناً ولا مَلَلاً ... ونحن لا يعرف السلوان نادينا رأَيت حسَّدنا تشكو الزَّمان فما ... يزال يغضبُهم قهراً ويرضينا نُمْسِي ونصبح في ظلِّ الوصال وقد ... أَضحى التَّداني بديلاً من تناءينا وله موشح يعارض به موشح ابن سناء الملك: أَيا قدّاً غدا كالرمح طاعن، قويما ويا سيفاً لنا في الجفن كامِنْ، مقيما لقد أَدنيتما موتي وقتلي ... وقد صيَّرتما بالحب شُغْلي وقد قيدتما عقلي بُغلِّ من الأَصْداغِ سلْسلتي وقُفْلي فمن لي إن غدا حَكَما وساجن، خصيما إذا أضحى وكثر الصبر خائن. غريما له وجْه يفوق البدْرَ حسْنا وقَدُّ قَدْ تفرَّد إِذْ تَثَنَّا شَدا في روضة لفَّا وغنَّا

стр. 599

فأعرب إِذْ سمعنا منه لَحْنَا وحرك شدْوه ما كان ساكن. قديما وصرت إلى المدام لمن يُعاينِ. نديما مليحٌ لحْظُه يَرْمي نِبَالا بِقَدِّ يخجل السُّمر الطِّوالا يُريك جبينه الزاهي هِلالاَ ويترك صبَّه العاني خيالا بردف ظاهر كالطود باين. جسيما وخصر مِنْ خفاه له مباين. عديما له خالٌ كمسْك فَوْقَ جَمْر وثَغْر من لَمَاهُ سُلافُ خمْر وحقِّ تجلّدي وحياة صبري حقيقاً حار في الضِّدين فكري فعيني تجتني من ذي المحاسن. نعيما

стр. 600

وقلبي يصطلي كالخال ساكن. جحيما وليلة زارني عند المساءِ ولاح البدر في وسط السَّماءِ وحاكَى بالسَّنا وبالسَّناءِ وليلاً لا يُضاهى في البهاءِ وظَنَّ بأَن يكون له موازن. قسيما وما هو مثله في الكون لكن. خديما وله أيضاً زجل، وهو أول زجل نظمه عَلَى حسب ما اقترح عليه، عَلَى هذا المثال: إن ردت فرجة تفكر في أرواح جميع العباد ... أمَّا لدى حُسْن روضة أو في جهنم كوادي اسمع لي ألفاظ وجيزة ... عند الهرم قَلَّ صبري وصار دمْعي سَوَاقي ... لما انحنا قوسْ ظهْري ومُنتهى القَصْد توبة ... لأنِّي ضيَّعت عمْري

стр. 601

في البهطلة والصناعة. واللهو حاضر وبادي ... وجامع التوبة أطلب. هو المشتهى ومُرادي قف بالرصد واقف الآثار ... يا من هو مثلي معتوق وانظر بمقياس عقلك ... لأهل الوفا وتخلَّق واكسر النَّفس يُجْبَر ... وقم بستر وتعلَّق وبالأصابع تضرع. لأهل السماح والأيادي ... ودق كوسات عزمك وانهض لكسر الأعادي يا نفس بحر هواكي ... من الزيادة تكدَّر وأَنتِ في تيَّار مرادك ... حَتَّى تصيري إلى البر يقول لك ليش تكوني ... دوامة عمرك عَلَى الشَّر وشيمتك طول ليلك. ملازمة للوساد ... وأما الذنوب مثل الأمواج من الهوى والفساد أقلع عن الذَّنب يَا مَنْ ... في مركب اللهو ساري وكن عن الذنب راجع ... فالخلق فيها عواري قبل أن يحين منعا قلعك ... وأنت في كاني وصاري

стр. 602

كسر مقاديف نفسك تجمل غداً في المعادي ... وأرخي مراسيك وأقدم عليه من غير زاد لا ترتبط عند قرية ... ولا تقل فيها داري ولا تكن قط حبطين ... وأرخى المداري وداري فالخلق في فلك الأقدار ... ما بين عبيد وجواري يوم تصير نار جهنم. حراقة الأهل العناد ... وإن كان تشعث علينا شفيعنا خير هادي ومن شعره مقتبساً في يوسف " دو بيت ". يا يوسف أُوتيت من البهجة زيناً ... فضلت بذا الحسن والجمال الدنيا لا بدع إذا ما رحمتنا وقرآناً ... " تالله لقد آثرك الله علينا " ومن شعره في إبراهيم: تباعد إبراهيم أشعل في الحَشَا ... ضِرَاماً وأجرى مَدْمع العين مِدْرارا وواعَجباً أن الحليل سمَّيه ... به خمدت نار وذا ضرم نارا ومن شعره أيضاً: كأسنا في الطل صِرْفاً ... جُلِيَتْ بين النَّداما لم نجد ماء لمزج ... فقنعنا بالنداما وله أشياء ظريفة غير ذَلِكَ حذقناها خوف الإطالة، انتهى.

стр. 603

نظام الدين الحصيري ...... - ٦٩٨هـ -...... - ١٢٩٩م أحمد بن محمود بن أحمد بن عبد السلام، الشيخ الإمام نظام الدين بن الشيخ جمال الدين الحصيري الحنفي، مدرس النويرية. كان إماماً فاضلاً عالماً، مفتياً مدرساً، درس بالنويرية بعد أبيه، وناب فِي الحكم، وَكَانَ عفيفاً ديناً، ملازماً للعبادة والاشتغال، إِلَى أن توفي يوم الجمعة تاسع المحرم سنة ثمان وتسعين وستمائة، ودفن بمقابر الصوفية، ودرس بعده بالنويرية الشيخ شمس الدين بن الصدر سليمان. ابن العطار ٦٢٦ - ٧٠٢هـ - ١٢٢٩ - ١٣٠٣م أحمد بن محمود، الشيخ الإمام الأديب البليغ كمال الدين أبو العباس بن أبي الفتح الشيباني الدمشقي المعروف بابن العطار.

стр. 604

ولد سنة ست وعشرين وستمائة، وأجاز لَهُ بن روزبه، وسمع من ابن المقير، وأبي نصر بن الشيرازي، والسخاوي، وخُرجت لَهُ مشيخة، وحدث بصحيح البخاري فِي الكرك بإجازة سنة سبعمائة. وكان إماماً فاضلاً ديناً، بديع الكتابة والترسل، جيد النظم والنثر، ومن شعره مَا كتبه للشيخ محيي الدين بن عبد الظاهر: سقى وحيا الله طيْفاً أَتَى ... فقُمْتَ إجلالاً وقبَّلْتهُ لشدّة الشوق الَّذِي بيننا ... قَدْ زارني حقّاً وَمَا زرته فأجابه ابن عبد الظاهر فِي صدر مكاتبة: فِي النَّوم واليقظة لي راتب ... عَلَيْكَ فِي الحالين قدرته تفضَّل المولى إذَا زاره ... طيفي خيال منه إن زرته ومن شعره: ولما بدا مُرْخَى الذوائب وانثنى ... ضحوك التَّنايا مُرْسل الصَّدع فِي الخد بدا البدر فِي الظلماء والغصن والنُّقا ... وزهر الرُّبا فِي الروض والآس فِي الورد توفي سنة اثنتين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.

стр. 605

صدر الدين بن العجمي ٧٧٧ - ٨٣٣هـ - ١٣٧٥ - ١٤٣٩م أحمد بن محمود " بن محمد " بن عبد الله، العلامة صدر الدين بن قاضي القضاة جمال الدين القيصري العجمي الحنفي، الشهير بابن العجمي، محتسب القاهرة، وشيخ الشيخونية. مولده بالقاهرة وبها نشأ وطلب العلم، ولازم علماء عصره إِلَى أن برع فِي الفقه والأصول العربية " والمعاني " والبيان وغير ذَلِكَ، وأفتى ودرس، وَكَانَ معدوداً من فقهاء الحنفية الأذكياء الفضلاء، وتولى عدة وظائف: نظر جيش دمشق، وحسبة القاهرة غير مرة، ونظر الجوالي ومشيخة الشيخونية دينية. وكان عنده حذق وذوق ومحاضرة حسنة، وكرم وتواضع، مع بلاغة وفصاحة عبارة، وإقدام وطلاقة لسان، بحاثاً مستحضراً ذكياً، وَكَانَ يجالس الملك المؤيد شيخ وينادمه، ومما وقع لَهُ من حسن الاستدراك معه أن الملك

стр. 606

المؤيد أرسل مرة تجريدة من الأمراء والمماليك السلطانية إلى الصعيد وعليهم الأمير فخر الدين بن أبي الفرج الاستادار، فلما كَانَ فِي بعض الأيام، وجد الملك المؤيد شيخ مقبوض الخاطر مع جلسائه مهموماً، فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ، فقال رأيت الليلة فِي منامي أن فخر الدين الاستادار مكشوف الرأس فأهمني ذَلِكَ، فلما سمع جلساء المؤيد منه ذَلِكَ سكت الجميع إِلاَّ صدر الدين هَذَا، فإنه بادر وقال أبشر لَهُ بالنصر يَا مولانا السلطان، فالتفت إليه المؤيد وقال: وكيف ذَلِكَ؟، ومن أَيْنَ لَكَ هَذَا؟ قال من قول الشاعر: أنا ابن جلا وطلاَّع الثَّنايا ... متى أَصنع العمامة تعرفوني فكان يا مولانا السلطان عندهم كشف الرأس علامة النصر، وكذا يجري إن شاء الله، " فاستحسن الملك المؤيد منه ذَلِكَ "، ووقع بعد أيام كما قال صدر الدين، وانتصر فخر الدين بن أبي الفرج وعاد منصوراً، وله من هَذَا أشياء. توفي بالطاعون فِي يوم السبت رابع عشر شهر رجب سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، رحمه الله تعالى.

стр. 607

قاضي القضاة ابن الكشك الحنفي ٧٨٠ - ٨٣٦هـ - ١٣٧٨ - ١٤٣٢م أحمد بن محمود بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن أبي العز، قاضي القضاة شهاب الدين بن قاضي القضاة محيي الدين، المعروف بابن الكشك الدمشقي الحنفي، قاضي القضاة الحنفية بدمشق، ورئيسها. هو من بيت علم ورئاسة وعراقة، ذكرنا جماعة من آبائه وأجداده بني العز في هذا الكتاب كل واحد باسمه، مولده بدمشق ".... ". وبها نشأ وطلب العلم، وتفقه عَلَى مذهبه، واشتغل بالرئاسة، وولي قضاء القضاة الحنفية بدمشق مراراً عديدة، وجمع في بعض الأحيان بين القضاء وبين نظر جيش دمشق، وقدم إلى القاهرة غير مرة، وعين لكتابة سر مصر في الدولة الأشرفية برسباي، فامتنع من ذَلِكَ واعتذر عن الحضور بالتعلل، واستمر في وظيفته، وكان له ثروة، وفضل وأفضال، وهو معدود من أعيان أهل دمشق، إلى أن توفي بدمشق في ليلة الخميس سابع شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وثمانمائة، وتولى القضاء من بعده ولده محمد، يأتي ذكره في محله إن شاء الله تعالى.

стр. 608

قيل أن الأمير تنكز نائب الشام لما بنى جامعه لدمشق أراد أن يجعل الكشك خطيباً بالجامع المذكور، فاتفق أن تنكز جاء يوماً لينظر عمارة الجامع، وكان المرخمون بصحن الجامع يعملون الرخام، فقال تنكر: والله صحن مليح، فأجابه بعض من له غرض في تولية الخطابة لغير الكشك، بأن قال: إي والله يا خوند إِلاَّ ما يصلح أن يكون في مثل هذا الصحن كشك، فضحك تنكز، وفطن للرقة. وهجا الكشك بعض شعراء عصره بقوله: الكشْكُ فظُّ غليظ ... محرِّك للسَّواكن أبواه دَرُّ وبر ... نعم الجدود ولكنْ ابن أبي عمارة البجائي المغربي ...... - ٦٨٣هـ - ... ... - ١٢٨٤م أحمد بن مرزوق بن أبي عمارة البجائي المغربي، السلطان الدعي، الذي قال: أنا ابن الواثق بالله أبي زكريا يحيى بن محمد بن عبد الواحد بن عمر الهنتاني.

стр. 609

سار في جيش وقصد تونس، ووثب عَلَى صاحبها المجاهد أبي إسحاق إبراهيم بن يحيى الهنتاني، وظفر به وذبحه، وغلب عَلَى إفريقية، وتمسى بأمير المؤمنين، وقان بالوقاحة، وتم أمره، وكان سيئ الخلق والسيرة، فانتدب له أبو حفص عمر بن يحيى أخو المجاهد المذكور، وقام معه خلق كثير، فحارت قوى الدعى واختفى، وبويع أبو حفص ولقب بالمستنصر بالله المؤيد، ثم ظفر بالدعى وعذبه، فأقر بأنه أحمد بن مرزوق، وأنه كذب، فمات تحت السياط سنة ثلاث وثمانين وستمائة، انتهى. ابن علان القيسي ٦٢٤ - ٦٩٧هـ - ١٢٢٧ - ١٢٩٧م أحمد بن المسلم بن محمد بن المسلم، الشيخ عز الدين بن الشيخ شمس الدين بن علان القيسي " الدمشقي ".

стр. 610

ولد سنة أربع وعشرين وسبعمائة، وسمع من القاضي أبي نصر بن الشيرازي، وشيخ الشيوخ بن حمويه، والسخاوي، وإبراهيم الخشوعي، وحفظ كتاب التنبيه، وخدم في الجهات، وولي نظر بعلبك مرات، توفي سنة سبع وتسعين وستمائة، رحمه الله تعالى. القاضي برهان الدين صاحب سيواس ...... - ٨٠٠هـ -...... - ١٣٩٨م أحمد، القاضي برهان الدين أبو العباس، السلطان صاحب سيواس. ولد بسيواس وبها نشأ، ثم قدم حلب وقرأ بها مدة قليلة، ثم رجع إلى سيواس، وقيل أنه قدم إلى القاهرة وأقام بها مدة قبل عوده إلى سيواس، ولما قدم إلى سيواس تنقلت به الأحوال إلى أن ولي سيواس وغيرها من ممالك الروم،

стр. 611

واستفحل أمره وعظم إلى أن عصى الأمير تمربغا الأفضلي المدعو منطاش نائب ملطية عَلَى الملك الظاهر برقوق في سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وأرسل الملك الظاهر لحربه عسكراً من القاهرة، وعليهم من أمراء الألوف أربعة: الأمير يونس النورزي الدوادار، والأمير قردم الحسني رأس نوبة، والأمير سودون باق، والأمير الطنبغا المعلم أمير سلاح، فلما وصلوا إلى دمشق خرج معهم من عسكرها عدة أمراء: أتابكها الأمير إينال اليوسفي وأربعة من مقدمي دمشق، وتوجهوا إلى ملطية، ومقدم العساكر المصرية والشامية الأمير يلبغا الناصري نائب حلب، فلما أحس منطاش بقدوم العسكر توجه إلى سيواس والتجأ إلى القاضي برهان الدين المذكور، فتوجه العسكر خلفه إلى سيواس، ونازلوها وحصروها عدة أيام وأشرفوا عَلَى أخذها، فلما رأى ذَلِكَ للقاضي برهان الدين استنجد بمن في تلك الأطراف من الأرمن والتتار، فجمعوا وحشدوا وخرج المقاتلة من سيواس، وصافوا العسكر وقاتلوهم قتالاً شديداً، فأشرف العسكر عَلَى الكسرة، فلما رأى مقدم العسكر الأمير يلبغا الناصري ذَلِكَ حمل عليهم بمن معه من العساكر، فكسرهم كسرة شنيعة وقتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر منهم خلائق كثيرين، ثم رجع الأمير يلبغا الناصري والعساكر إلى حلب منصورين مؤيدين، لكنهم لم ينالوا من منطاش غرضاً، وعاد العسكر المصري إلى القاهرة، ووقع لمنطاش

стр. 612

أمور إلى وافقه الأمير يلبغا الناصري، وصارا علمي الملك الظاهر برقوق، ثم خلع برقوق وحبس بالكرك، عَلَى ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في غير موضع. ثم أن القاضي برهان الدين هذا بعد مدة طويلة صالح الملك الظاهر برقوق في سلطنته الثانية، واعتذر إِلَيْهِ، فقبل برقوق عذره، ومشت الرسل بينهما، ودام الصلح إلى سنة تسع وتسعين وسبعمائة، قصد التتار المجاورون لأزرنكان سيواس، فاستنجد صاحبها القاضي برهان الدين بالملك الظاهر برقوق، فجهز إِلَيْهِ العساكر الشامية لنصرته، فاجتمع نواب الممالك الشامية بحلب، وهم: الأمير تنبك الحسني المدعو تنم نائب دمشق، ووالدي الأمير تغري بردى من يشبغا نائب حلب، والأمير يونس بلطا نائب حماه، والأمير آقبغا الهذباني نائب صفد، قلت: وكل هؤلاء النواب مماليك الملك الظاهر برقوق، ومشتري ماله، وصحبتهم جمع كثير وتوجهوا إلى سيواس، فحصل للتتار رعب كبير لما سمعوا بقدومهم، وقفلوا إلى جهة بلادهم راجعين، فاجتمعوا بالقاضي برهان الدين،

стр. 613

وأمنوا رعيه وخلعوا عليه، وكان الذي أخلع عليه والدي، فغضب الأمير تنم نائب الشام في الباطن وأرسل بعد قدومه إلى دمشق يعرف بذلك الملك الظاهر برقوق، واتهم والدي عَلَى العصيان، ليس هذا محل ذكر ما وقع لهما، والمقصود أن القاضي برهان الدين اطمأن في مملكة سيواس، ودام بها إلى سنة ثمانمائة، قصده عثمان بن طر عَلَى المدعو قرايلك، ووصل إلى سيواس فخرج لقتاله القاضي برهان الدين بعساكر سيواس، وتقاتلا فكسر القاضي برهان الدين وقتل بظاهر سيواس، واستمرت سيواس بغير حاكم، إلى أن أرسل إليها أبو يزيد بن عثمان حاكماً، ودامت مضافة إلى مملكته إلى يومنا هذا. وكان القاضي برهان الدين ملكاً عالماً فقيهاً حنفياً، أديباً شاعراً، ماهراً، يقول الشعر باللغات الثلاثة، وكان سبب دخوله إلى القاهرة أنه كان في ابتداء أمره حين طلبه للعلم رأى منجساً حاذقاً، فسأله عن حاله، فقال له المنجم أنت تصير سلطاناً، فقال القاضي برهان الدين إن كان ولا بد فأكون سلطان مصر فأنها أعظم الممالك، فقدم إلى القاهرة وأقام بها سنين فما صار جندياً، فقال في نفسه أقمت هذه المدة الطويلة وما صرت جندياً، فمتى أصير سلطاناً، فعاد إلى سيواس وآل أمره إلى أن ملكها.

стр. 614

قال تقي الدين المقريزي: القاضي برهان الدين أبو العباس أحمد حاكم قيصيرية وتوقات وسيواس، أعلم أن ممالك الروم كانت أخيراً لبني قليج أرسلان الذين أقاموا بها دين الإسلام لما انتزعوها من يد ملك القسطنطينية، وكان كرسيهم قونية، وأعمالهم كثيرة جداً، حَتَّى بعث منكوقان أخو هولاكو في سنة أربع وخمسين وستمائة عسكراً عليه بيكو إلى بلاد الروم فملك آرزن الروم، وغاب في بلاد الروم حَتَّى هلك، وولي الروم بعده صمغار، وغلبت التركمان عَلَى الجبال والثغور والسواحل، فولاهم هولاكو ما غلبوا عليه، وكان صمغار، فبعث الملك أبغا بن هولاكو عوضه تداون، وتوفوا في سنة خمس وسبعين وستمائة، قتلهما الملك الظاهر بيبرس، وملك قيصرية في محاربته لهما، فأقام آبغا عَلَى قنعرطاي، وتداول بعده عدة أمراء حَتَّى قام دمرداش بن جوبان سنة ثلاث

стр. 615

وعشرين وسبعمائة، فعظم ملكه، ثم قدم إلى " مصر " واستفحل أرتنا أحد أمرائه عَلَى بلاد الروم، فنزل سيواس وعملها كرسي ملكه، حَتَّى مات سنة ثلاث وخمسين، وملك بعده ابنه وأولاده، " فأخذ أولاد " دلغادر النزكماني بلاد سيس، ومات محمد بن أرتنا في حدود سنة ثمانين، فأقيم بعده صبي من أولاده، وقام بأمره " الأمير " القليج أرسلان فغدر به قاضي سيواس، وقام بأمر الصبي حَتَّى مات، وهو والد برهان صاحب الترجمة. وكان برهان الدين هذا قد طلب العلم في صباه وقدم القاهرة، وأخذ بها عن شيوخ زمانه، فعرف بالذكاء حَتَّى حصل عَلَى طرف من العلم، فبشره بعض الفقراء بأنه يتملك بلاد الروم، وأشار إِلَيْهِ بعوده إليها، فمضى إلى سيواس، ودرس بها وصنف، ونظم الشعر، وهو يتزي بزي الأجناد ويسلك طريقة الأمراء، فيركب بالجوارح والكلاب إلى الصيد، ويلازم الخدم السلطانية، إلى أن مات ابن أرتنا عن ولد صغير اسمه محمد، فأقيم بعده، وقام الأمراء بأمره، وهم عضنفر بن ظغر، وفريدون، وابن المؤيد، وجي كلدي، وحاجي إبراهيم، وأكبرهم الذي يرجعون إليهم في الرأي والتدبير قاضي سيواس والد البرهان هذا،

стр. 616

فدبر الأمراء المذكورون مدة حياة القاضي، فلما مات ولي ابنه برهان الدين أبو العباس أحمد هذا مكانه، فسد مسده وأربى عليه بكثرة علمه وحسن سياسته وجودة تدبيره، وأخذ تدبيره، وأخذ في أحكام أمره، فأول ما بدأ به بعد تمهيد قواعده أن فرق ولايته، أعمال المملكة، عَلَى الأمراء، فأخرج ثلاثة: المؤيد وجي كلدي وحاجي إبراهيم، وبقي حول السلطان فريدون وعضنفر، فثقلا عليه واجب أن ينفرد بالأمر دونهما، فتمارض ليقعا في قبضته، فكان كذلك، فدخلا عليه يعودانه فلما استقر بهما الجلوس، فخرج عليهما من رجاله جماعة قد أقعدهما في مخدع، فقبضوا عليهما، وخرج من فوره فملك الأمر من غير منازع، ولقب بالسلطان، فلم يرضَ بذلك شيخ نجيب متولي توقات، وجي كللدي نائب أماسيه، فخرج القاضي برهان الدين واستولى عَلَى مملكة قرمان، وقاتل من عصي عليه، ونزع توقات من شيخ نجيب، واستمال إِلَيْهِ تتار الروم، وهم جمع كبير لهم بأس ومجده وشجاعة، واستضاف إِلَيْهِ الأمير عثمان قرايلك بتراكمينة فعز جانبه، ثم أن قرايلك خالف عليه ومنع تقادمه التي كان يحملها إِلَيْهِ، فلم يكترث به القاضي برهان الدين احتقاراً له، فصار قرايلك يتردد إلى ماسيه وأرزن خان إلى أن قصد ذات يوم مصيفاً بالقرب من سيواس، ومر بظاهر المدينة وبها القاضي برهان الدين، فشق عليه كونه لم يعبأ وركب عَجِلاً بغير أهبة ولا جماعة، وساق في إثره ليوقع به حَتَّى أقبل إِلَيْهِ، فكر عليه قرايلك بجماعته، فأخذه قبضاً باليد، فتفرقت عساكره شذر مذر، وكان قرايلك قد عزم عَلَى أن يعيده إلى مملكته

стр. 617

فنزل عليه شيخ نجيب وهو في ذَلِكَ، فما زال به حَتَّى قتله في ذي القعدة سنة ثمانمائة. وكان ﵀ فقيها حنفياً، فاضلاً كريماً جواداً، قريباً من الناس شديد البأس، أديباً شاعراً ظريفاً لبيباً مقداماً يحب العلم والعلماء، ويدني إِلَيْهِ أهل الخير والفقراء، وكان دائماً يتخذ يوم الخميس والجمعة والاثنين لأهل العلم خاصة، لا يدخل عليه سواهم، وأقلع قبل موته وتاب ورجع إلى الله تعالى، ومن مصنفاته كتاب الترجيح عَلَى التلويح، وكان للأدب وأهله عنده سوق نافق، انتهى كلام المقريزي باختصار. ابن جبَّاس الدمياطي الصوفي ...... - ٧٤٢هـ -...... - ١٣٤١م أحمد بن منصور، الشيخ الفقيه شهاب الدين، المعروف بابن جباس الدمياطي الصوفي، الأديب الشاعر.

стр. 618

كان من الشعراء المجيدين وعنده فصاحة وبلاغة وله نظم ونثر، توفي سنة اثنتين " وأربعين " وسبعمائة. ومن شعره قصيدة: زاد وجْدي فلستُ أَمْلك صبْراً ... أَعْظَم الله لي عَلَى الصَّبر أَجْرا راسلَ الوجْدُ مُهْجتي فدموعي ... أَرسلت رسْلها عَلَى الخدِّ تترا أمير آل فضل أمير العرب ...... - ٧٤٧هـ -...... - ١٣٤٦م أحمد بن مهنا بن عيسى بن مهنا بن مانع بن حديثة بن غضبة بن فضل بن ربيعة بن علي بن مفرج بن بدر بن سالم بن بصه بن بدر بن سميع، الأمير شهاب الدين أمير العرب. قال القاضي علاء الدين علي بن خطيب الناصرية: هكذا نسب، وربما العرب يقولون أن سميعاً هذا هو الذي ولدته العباسة أخت الرشيد من جعفر " بن يحيى " البرمكي، وقد أنكر هذا شيخنا الإمام العلامة قاضي القضاة ولي الدين بن

стр. 619

خلدون الحضرمي المالكي قاضي القضاة بمصر في تاريخه، قال حاش لله من هذه المقالة في الرشيد وأخته، انتهى. ثم قال ابن خطيب الناصرية: وهذا الحي من العرب يعرفون بآل فضل، وهم رحالة ما بين الشام والجزيرة وبرية نجد من أرض الحجاز، وينتسبون في طي، معهم أحياء من زبيد وكلب ومذحج وغيرهم، ويناهضهم في الغلب والعدد آل مرا، ويزعمون أن فضلاً ومراً ابنا ربيعة، ويزعمون أيضاً أن فضلاً ينقسم ولده بين آل مهنا وآل علي، وأن آل فضل كلهم كانوا بأرض حوران، فغلبهم عليها آل مرا، وأخرجوهم منها فنزلوا حمص ونواحيها، وأقامت زبيد أخلافهم بحوران، فهم بها حَتَّى الآن لا يفارقونها، قالوا: ثم اتصل آل فضل بالدولة السلطانية فولوهم عَلَى أحياء العرب، وأقطعوهم عَلَى إصلاح السابلة ما بين الشام والعراق، فاستظهروا برئاستهم عَلَى آل مرا، وغلبوهم عَلَى المشاتي، فصار عامة حيهم في حدود الشام قريباً من التلول، وكانت معهم من تفاريق العرب مندرجون في لفيفهم وخلفهم من مذجح وعامر وزبيد، كما كان آل فضل، إلا أن أكثر من كان مع آل مرا من أولئك الأحياء وأوفرهم عدداً بنو حارثة من سِنْبِس، إحدى شعوب علي وحارثة، وهؤلاء يتنقلون في هذا العهد في تلول الشام لا يجاوزونها إلى القفار، وعامة آل فضل من بني مهنا، ومبدأ رئاستهم من أول دولة بني أيوب.

стр. 620

قال العماد الأصبهاني في كتاب البرق الشامي: نزل العادل بمرج دمشق ومعه عيسى بن ربيعة شيخ الأعراب في جموع كثيرة، وهو كان الأمير، ثم إلى أن مات، ثم كان من بعده حسام الدين مانع بن حديثة بن غضبة وتوفي سنة ثلاثين وستمائة، فولي من بعده ابنه مهنا، ولما ارتجع قظز ثالث ملوك الترك بمصر وأخذ البلاد من أيدي التتار وهزم عساكرهم بعين جالوت أقطع سلمية لمهنا ابن مانع وأنتزعها من عمل المنصور بن المظفر صاحب حماه، ثم مات مهنا فولي من بعده ابنه عيسى بن مهنا من قبل الملك الظاهر بيبرس البندقداري، وتوفي عيسى بن مهنا سنة " ثلاث " وثمانين وستمائة، فولى الملك المنصور قلاوون ابنه مهنا بن عيسى مكانه، فدام إلى أن توفي سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، فولي ابنه مظفر الدين موسى عوضه إلى أن توفي سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، وولى مكانه أخوه سليمان إلى أن مات سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة وولى مكانه عيسى

стр. 621

ابن عمه فضل، وتوفي سنة أربع وأربعين، وتولى عوضه أخوه سيف بن فضل، وعزله السلطان الملك الكامل بن الناصر سنة ست وأربعين، وولى مكانه أحمد بن مهنا بن عيسى هذا، فجمع سيف بن فضل أعوانه، ولقي سيف أحمد المذكور فانهزم سيف، ثم سكنت الفتن، وأقام عَلَى ذلك إلى أن توفي سنة سبع وأربعين وسبعمائة، بنواحي سلمية، انتهى. القاضي شهاب الدين المتبولي الشافعي ٧٤٥ - ٨٣٠هـ - ١٣٤٤ - ١٤٢٧م أحمد بن موسى بن نصير، القاضي شهاب الدين المتبولي الشافعي، أحد نواب الحكم. ولد في حدود سنة خمس وأربعين وسبعمائة، كان فقيهاً محدثاً، سمع الكثير،

стр. 622

وحدث عن محمد بن أزبك، وعمر بن أميله، وست العرب، وجماعة أخر، وتوفي في يوم الأربعاء ثاني شهر ربيع الأول سنة ثلاثين وثمانمائة. شهاب الدين بن يغمور ...... - ٦٧٣هـ -...... - ١٣٧٤م أحمد بن موسى بن يغمور، الأمير شهاب الدين بن الأمير جمال الدين. كان أميراً جليلاً فاضلاً، وله معرفة بالأدب، وولى الأعمال الغربية، فهذبها، وأفرط في ذَلِكَ. قال الشيخ صلاح الدين: أخبرني الحافظ أثير الدين أبو حيان من لفظه قال: ابن يغمور بن جلدك تولى المحلة نائباً عن السلطان الملك الظاهر بيبرس، وكان يوصف بكرم، وكان الأدباء يقصدونه ويمدحونه، فيثيبهم، وكان له أدب، انتهى.

стр. 623

قلت: ومن شعره: خَطْبٌ أَتى مَسْرِعاً فآذى ... أَصبح جسمي به جُذَاذَا خصَّص قلبي وعمَّ غيري ... " يا ليتني متُّ قبل هذا " وله في مليح نحوي: ومليح تعلَّم النحو يَحْكي ... مشكلاتٍ له بلفظٍ وَجيز ما تميزتُ حُسْنه قط إِلاَّ ... قام أيري نصباً عَلَى التمييز وله يخاطب الأمير علم الدين الدواداري، وقد بعثه الملك الظاهر بيبرس كاشفاً إلى البلاد البحرية، فاجتاز بالغربية وبها المذكور، فرحل عنها ولك يجتمع به، فكتب إِلَيْهِ: إن صددتم عن منزلي فلكم في ... هـ ثناء كنشْر روْضٍ بهيِّ أو وردتم فللمحب الذي من ... آل موسى في الجانب الغربي " توفي الأمير شهاب الدين المذكور بالمحلة في سنة ثلاث وسبعين وستمائة ".

стр. 624

شهاب الدين العنتابي الحنفي ...... - ٧٨٤هـ -...... - ١٣٨٢م أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين بن يوسف بن محمود، القاضي شهاب الدين أبو العباس بن القاضي شرف الدين أبي البركات بن الشيخ شهاب الدين العنتابي الحنفي، والد العلامة قاضي القضاة بدر الدين محمود العيننابي. قال ولده المذكور في تاريخه: وهو والد العبد الضعيف مؤلف هذا التاريخ توفي يوم الاثنين بعد الظهر سادس عشرين رجب سنة أربع وثمانين وسبعمائة، ودفن صبيحة يوم الثلاثاء بمقبرة طريق حلب بعينتاب، وكان فقيهاً مستحضراً في الفروع والأصول، خبيراً بأمور المكاتبات الشرعية والسجلات الحكمية، وله مشاركة في سائر الفنون، ناب في الحكم عن القضاة ثلاثين سنة، ثُمَّ استقل حاكماً بعين تاب مدة، ثم توفي وهو معزول منقطع إلى الله، انتهى كلام العيني باختصار. الزاهد أبو العباس الزرعي ...... - ٧٦١هـ -...... - ١٣٦١م أحمد بن موسى، الشيخ المعتقد أبو العباس الزرعي، الفقيه الصالح الزاهد.

стр. 625

كان له كرامات وقدم، وكان يقيم بزرع من أعمال دمشق، وكان يتقوت من عمل العبي بيده من الصوف، فكان إذا باع العباءة أخذ ثمنها، فإن زادت عن قيمتها يترك الزيادة ويأخذ ما بقي، وكان له مريدون وشهرة كبيرة عند الناس، وكان لا يقبل من أحد شيئاً، وكان يتردد إِلَيْهِ من أعيان الدولة، من نائب دمشق إلى من دونه، فإذا دخل إِلَيْهِ أحد من أكابر المملكة يخاشنه في القول، ويخاطبه بما يكره، وصحب شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية، وقدم القاهرة بسببه لما سجن، وقام معه وكلم الأمير بيبرس الجاشنكير في أمره، وأمعن، ثم اجتمع بالسلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، وكلمه في رفع مظلمة لأهل زرع، كان يتحصل منها في كل سنة ألف دينار فأبطلها، فلما خرج الشيخ من عند السلطان، قال السلطان: ما رأيت أهيب من هذا الرجل، وله من هذا حكايات، وما زال عَلَى طريق الخير والصلاح إلى أن مات في يوم الثلاثاء منتصف شهر ذي الحجة سنة إحدى وستين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.

стр. 626

عز الدين بن قرصة ...... - ٧٠١هـ -...... - ١٣٠٢م أحمد بن موسى بن محمد بن أحمد، الشيخ الأديب عز الدين بن قرصة، الفيومي المولد، القوصي الدار والوفاة. كان فقيهاً شاعراً أديباً، من تلامذة ابن عبد السلام، وعنده مجون " وظرف "، وولي نظر قوص والإسكندرية، ودرس بالمدرسة الأفرمية ظاهر قوص. وكان قليل الكلام، يراعي الأعراب في كلامه، طلبه الأمير علم الدين الشجاعي فلما حضر قال له أَيْنَ المال، فقال مبتدأ بلا خبر، فقال له تعالى إلى هنا، فقال أخاف أن تضربني بهذه العصاة التي في يدك، فتبسم منه. وكان له من هذا النمط أشياء، هذا مع الفضيلة والعلم الغزير، ولع مصنفات منها كتاب سماه نتف المحاضرة، وله مسائل فقهية ونحوية ولغوية وأدبية.

стр. 627

ومن شعره: لا تَحقرنّ من الأعداء من قصُرت ... يداه عنك وإنْ كان ابن يومين فإن في قرْصة البرغوث معْتبراً ... فيها أذى الجسم والتّسهيد للعين وله أيضاً: نحن نسعى والسّعيُ غير مفيد ... إن أراد الإله منْع الغنائم وإذا ما الإله قدّر شيئاً ... جاء سعْياً إلى الفتى وهو نائم وتوفي في ذي الحجة سنة إحدى وسبعمائة بقوص، رحمه الله تعالى. شهاب الدين بن الوكيل ...... - ٧٩١هـ -...... - ١٣٨٩م أحمد بن موسى بن علي، الشيخ شهاب الدين أبو العباس المكي الشافعي، المعروف بابن الوكيل. سمع بمكة من محمد بن أحمد بن عبد المعطى وغيره، ورحل إلى دمشق،

стр. 628

وسمع بها من الحافظ صلاح الدين بن أبي عمر، ثم عاد إلى مكة، وطلب العلم بها، وتفقه بالشيخ جمال الدين الأميوطي، والبرهان الأبناسي، والنجم بن الجابي الدمشقي أخذ عنه الأصول، وعن الشيخ شمس الأئمة الكرماني شارح البخاري، وأخذ النحو من ابن عبد المعطي، والفرائض عن القاضي شهاب الدين أحمد بن ظهيرة، وكان يحضر دروس أبي الفضل النويري، ثم رحل إلى القاهرة فأخذ عن الشيخ ضياء الدين العفيفي مدرس المنصورية، وشيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني، وبرع في الفقه وغيره، وكان من أحسن الناس فهماً، ولولا معاجلة المنية له لبهرت فضائله، وقل مماثله، وله معرفة بالأدب ومصنفات، منها مختصر المهمات " للاسنوي " واختصر الملحة للحريري نظماً وشرحها، وكان

стр. 629

يقرئ في المسجد الحرام، يشغل فيها، ثم قدم القاهرة في سنة تسع وثمانين وسبعمائة، ولم يزل بها إلى أن توفي في صفر سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، ودفن بمقابر الصوفية. ومن شعره في معذر: لاح العذار بخديه فقلت لهم ... ما ذاك شعر كما قد ظن عاذله وإنما لحظه سيف يصول به ... وذا العذر الذي يبدو حمائله أحمد بن موسى الحنفي ...... - ٧٠٣هـ -...... - ١٣٠٤م أحمد بن موسى بن محمود، العلامة شهاب الدين أبو العباس الحنفي. كان من أئمة الحنفية ومن فضلائهم، وولي تدريس المدرسة الفرقانية خارج القاهرة وهو ثاني مدرس بها بعد الشيخ نجم الدين إسحاق الحلبي الحنفي بحكم انتقاله عنها، ودرس بعدة أماكن غيرها، وأفتى وأقرأ عدة سنين، وتفقه به جماعة، وهو خال القاضي كمال الدين البسطامي الحنفي.

стр. 630

وكان عالماً عاملاً، عابداً زاهداً، مكباً عَلَى الاشتغال والعبادة إلى أن توفي بالمدرسة الفارقانية في العشر الأخير من شهر رمضان سنة ثلاث وسبعمائة ودفن بتربة الإمام أبي العباس الظاهري، خارج باب النصر، بوصية لابن أخته كمال الدين البسطامي، فأراد قاضي القضاة شمس الدين السروجي أن يدفنه بتربته بالقرافة، وما أمكن مخالفته كمال الدين البسطامي، فلما صلى عليه ورفع النعش وتوجهوا به نحو باب زويلة دار النعش بقسوة إلى نحو باب النصر فتوجهوا به إلى حيث أوصى أن يدفن، رحمه الله تعالى. الشريف برهان الدين الحسيني ...... - ٦٨٩هـ -...... - ١٢٩٠م أحمد بن ناصر بن طاهر، الشيخ الإمام برهان الدين الحسيني الشريف الحسني، إمام محراب الحنفية بمقصورة الحلبيين بالجامع الأموي بدمشق. كان إماماً فقيهاً بارعاً مفنناً زاهداً، تصدر للإقراء والتدريس عدة سنين، وانتفع به الطلبة وصنف تفسيراً في سبع مجلدات، وصنف في أصول الدين كتاباً

стр. 631

يشتمل عَلَى سبعين مسألة، وكان له رواية وسماع، توفي ببيته في المنارة الشرقية سنة تسع وثمانين وستمائة، وخلف دنيا واسعة، رحمه الله تعالى. قاضي القضاة شهاب الدين الباعوني ٧٥١ - ٨١٦هـ - ١٣٥٠ - ١٤١٢م أحمد بن ناصر بن خليفة، قاضي القضاة شهاب الدين الباعوني الدمشقي الشافعي. ولد بقرية باعونة من قرى عجلون في سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وقدم دمشق وتفقه إلى أن برع في الفقه وغيره، ودرس وخطب ببيت المقدس، وولي قضاء الشافعية بدمشق. قال تقي الدين المقريزي في تاريخه: وباعونه " قرية من قرى " عجلون سميت بذلك من أجل أنه كان موضعها دير للنصارى واسم راهب الدير باعونه، فلما أزيل الدير وعمل مكانه قرية عرفت بباعونة، وكان أبو أحمد هذا، يعني صاحب

стр. 632

الترجمة، حائكاً بباعونة ثم أتجر في البز، وركض به في البلاد، وولد له إسماعيل وأحمد فتعلق إسماعيل بصحبة الفقراء وسكن صفد، ونظر في التصوف، وولي قضاء الناصرية نيابة عن قاضي صفد، فتخرج به أخوه أحمد صاحب الترجمة وقرأ كتاب المنهاج ولازم الاشتغال، وكان فيه ذكاء وفطنة، فباشر بصفد مدة إلى أن كانت فتنة منطاش " في سنة إحدى وتسعين ثار أهل صفد عليه من أجل أنه لقي منطاش: ومدحه بقصيدة وغضّ فيها من الظاهر برقوق، فخرج من صفد خائفاً وقدم إلى القاهرة، ثم ذكر تقي الدين المقريزي ما معناه أنه التجأ إلى الأمير يلبغا السالمي وأن يلبغا قربه إلى الملك الظاهر برقوق إلى أن ولاه خطابة دمشق ثم ولاه الظاهر بعد مدة عند توجهه إلى دمشق في سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة قضاء دمشق، فباشره مدة، وعول وحبس بقلعة دمشق، ثم أفرج عنه ولزم داره زماناً إلى أن ولي خطابة القدس، فشله أهله وهجوه بأهاجي، وحرت لهم خطوب آلت إلى رجمه وإخراجه من القدس، ومما هجوه به: قال المسجد الأقصى ... لو أن أهلي يُراعوني ما اختاروا لمحرابي ... يهوديّاً وباعوني ولما خرج من القدس توجه إلى دمشق أقام بها إلى أن ولاه الملك الناصر فرج " بن برقوق قضاء دمشق ثانياً بسفارة جمال الدين البيري الاستادار في سابع

стр. 633

عشر صفر سنة اثنتي عشرة وثمانمائة وحسنت سيرته في هذه الولاية إلى أن عزله الخليفة المستعين بالله العباس فلزم داره إلى أن توفي رابع المحرم سنة ست عشرة وثمانمائة. قلت: وقد ولاه الناصر فرج " عندما انهزم من شيخ ونوروز ودخل دمشق قاضي قضاة الشافعية بالديار المصرية عوضاً عن قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن بن عمر البلقيني لتخلفه عنه وانضمامه إلى الأميرين شيخ ونوروز، فدام نيفاً عَلَى عشرة أيام، وصرف وأعيد جلال الدين البلقيني، كل ذَلِكَ بدمشق. قال المقريزي: وكان رجلاً طوالاً مهاباً وعليه خفر، وله منطق صحيح، وعبارة عذبة، وقدرة على سرعة النظم وارتجال الخطب، مع جميل المحاضرة، وحسن المذاكرة، وكثرة الفوائد، وسرعة البكاء مع العفة من التدنس بشيء من الفواحش، والصيانة من تناول مال والأوقاف بغير حق، وأخذ البراطيل، إِلاَّ أنه كان شديد الإعجاب بنفسه، وأنشدني لنفسه:

стр. 634

ولما رأت " شيب " رأسي بكتْ ... وقالتْ عسى غير هذا عسى فقلت البياض لباس الملوك ... فإن السواد لباس الأسى فقالت: صدقت ولكنه ... قليل النفاق يسوق النسا ثم قال المقريزي: وأنشدني في شيخنا الجلال محمد بن خطيب داريا لنفسه في الباعوني: قضاء دمشق نادى ال ... له خلقك لا يراعوني رميت بكل مصنعة ... وبعد الكل باعوني انتهى. قاضي القضاة موفق الدين الحنبلي ٧٦٩ - ٨٠٣هـ - ١٣٦٧ - ١٤٠١م أحمد بن نصر الله بن أحمد بن محمد بن أبي الفتح بن هاشم بن إسماعيل بن إبراهيم، قاضي القضاة موفق الدين أبو العباس بن قاضي القضاة ناصر الدين أبي الفتح العسقلاني الكناني الحنبلي.

стр. 635

ولد بالقاهرة في أوائل المحرم سنة تسع وستين وسبعمائة، وبها نشأ وتفقه عَلَى أبيه، وعلى الشيخ مجد الدين سالم، وأخذ النحو عن برهان الدين الدجوي، وناب عن الحكم عن أخيه قاضي القضاة برهان الدين إبراهيم بن نصر الله، ثم استقل بقضاء الحنابلة بالديار المصرية من بعد موته في يوم الاثنين سابع عشر شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانمائة، وشكرت سيرته، ودام في الوظيفة إلى أن صرف بقاضي القضاة نور الدين عَلَى الحكري فباشر الحكري القضاء إلى يوم الخميس سابع عشرين ذي الحجة من السنة وعزل، وأعيد موفق الدين هذا إلى وظيفة القضاء ثانياً واستمر إلى أن سافر صحبة السلطان لقتال تيمورلنك في سنة ثلاث وثمانمائة، ولما انهزم السلطان وعاد إلى القاهرة، عاد موفق الدين هذا متوعكاً ولزم الفراش إلى أن مات بالقاهرة في يوم الاثنين حادي عشر شهر رمضان سنة ثلاث وثمانمائة، ودفن عند أبيه وجده لأمه قاضي القضاة موفق الدين عبد الله الحنبلي. يأتي ذكره في محله إن شاء الله تعالى.
следующие страницы →