← Тараджим

Тараджим · id 23156

المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي

ابن تغري بردي

Полный текст (2 835 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

واتصل بالملك المظفر، فأحسن إليه واستنابه بغزة وبالبلاد الساحلية مع جماعة كثيرة من العرب، وأقطعهم إقطاعات هائلة إلى أن قتل الملك المظفر قطز وتسلطن الملك الظاهر بيبرس البندقداري، وخرج الأمير علم الدين سنجر الحلبي نائب دمشق عن طاعته، وادعى السلطنة لنفسه، واستحلف الأمراء والأعيان وجلس بقلعة دمشق، وتلقب بالملك المجاهد. طلب الملك الظاهر بيبرس آقوش البرنلي، وأغدق عليه وعلى جماعة من العزيزية والناصرية؛ وأمرهم بالتوجه مع العساكر المصرية؛ لمحاصرة الأمير علم الدين سنجر الحلبي، المتغلب على دمشق، فتوجه إليها صحبة العساكر، وملكوا

стр. 912

دمشق، واستمر بها هو والعزيزية إلى أن جهز الملك الظاهر بيبرس الأمير فخر الدين الحمصي مقدماً على العساكر المصرية في سنة تسع وخمسين وستمائة؛ لتنزيح التتار عن البلاد الحلبية. استشعر آقوش البرنلي من الملك الظاهر بيبرس بالقبض عليه، فخرج هارباً إلى حلب، وكان تقدمه إلى حلب فخر الدين الحمصي والأمير لاجين العينتابي، فخرج الأمير فخر الدين لتلقيه، ظناً منه أنه جاء نجدةً له، ودخل البرنلي هذا حلب وتغلب عليها، فخافه الحمصي، وعمل الحيلة في خروجه من حلب وعوده إلى الملك الظاهر بدمشق، فتم له ذلك، وقبض البرنلي على حواشي الحمصي وصادرهم، وأبقى على العينتابي، وأمر وأقطع، ووفد عليها زامل بن حديثة، ففرق عليه وعلى أصحابه تسعة آلاف مكوك، مما احتاط عليه من الغلال التي كانت مطمورة بحلب، وفرق في التركمان أربعة آلاف أخرى، وبلغ الملك الظاهر بيبرس ذلك، فولى الحلبي نيابة حلب، وبعث معه عسكراً، عليهم الأمير جمال الدين آقوش

стр. 913

المحمدي. فلما قرب العسكر من حلب خرج منها البرنلي ودخلها الحلبي، وسار آقوش المحمدي يتبع البرنلي حيث توجه، فأدركه في الطريق فركب البرنلي ودخل على المحمدي في مخيمه، وقال: أنا مملوك السلطان وما هربت خوفاً منه، وقد رغبت إليك في أن تستعطفه بحيث يبقى على حران، فإني طردت نواب التتار ووليت فيها، ومتى لم يسمح لي بها لم أجد بداً من التجائي إلى التتار، فتكفل المحمدي بما لتمسه ورحل عائداً، ودخل البرنلي إلى حران، وكان ذلك خديعة منه، ثم تسلم البيرة وقصد حلب، فلما كان بتل باشر، خرج عن طاعة الحلبي أكثر من كان معه ولحق بالبرنلي، وخرج الحلبي من حلب ليلاً. فلما علم البرنلي بذلك بعث إليها الأمير طقصبا الناصري وكيكلدي الحلبي وتسلماها. ثم لما وردت الأخبار على الملك الظاهر بيبرس بذلك برز بالعساكر

стр. 914

المصرية ومعه الخليفة وأولاد صاحب الموصل إلى بركة الجب وأقام إلى عيد الفطر، فوصل إليه في خلال هذه الأيام آقوش المحمدي، فأنكر عليه الظاهر، ثم استقل بالمسير حتى وصل دمشق يوم الاثنين سابع ذي القعدة من السنة، فجهز الأمير علاء الدين الأيدكي البندقداري إلى نيابة حلب، وبعث معه عسكراً لمحاربة البرنلي وعليهم الأمير بلبان الرشيدي، فخرج الجميع من دمشق في منتصف ذي القعدة. فلما وصلوا إلى حماة خرج البرنلي من حلب وقصد حران، فتبعه الرشيدي، ودخل البندقداري حلب. فلما قارب الرشيدي الفرات رحل البرنلي عن حران وقصد قلعة القرادي، فحاصرها حتى أخذها من التتار عنوة ونهبها، وعاد الرشيدي إلى نحو الديار المصرية، فرجع البرنلي إلى البيرة، وبعث جماعة من أصحابه إلى حلب. وبلغ الخبر البندقداري، ففر من حلب وقصد حماة، وأقام

стр. 915

ببلدها، ودخل البرنلي حلب مظهراً طاعة الملك الظاهر بيبرس، وأقام بها إلى أن كتب إليه الملك الصالح واستنجده؛ فكتب إلى الملك الظاهر يستأذنه في التوجه لنصرته؛ فأجابه، وأمره بالتربص بحران إلى أن يصل إليه العسكر السلطاني بنجدته - صاحب الموصل -، فوصل حران وأقام بها، ثم خاف من العسكر السلطاني أن يقبض عليه؛ فتوجه بمن معه إلى سنجار لنجدته - الملك الصالح -، وكان التتار يحاصرون الصالح بسنجار، فلما بلغهم قدوم البرنلي غرهم كبيرهم صندغون بمن معه على الهرب، واتفق وصول الزين الحافظي إليه من عند هولاكو فقال لهم: إن الجماعة التي مع البرنلي قليلة، وأن المصلحة تقتضي ملاقاته؛ فقوى عزمهم فرجعوا إلى البرنلي والتقوا معه بطائفة التتار، وهم نحو عشرة آلاف وعليهم صندغون، ومع

стр. 916

البرنلي تسعمائة فارس وأربعمائة من التركمان، فتردد البرنلي في قتالهم، ثم قاتلهم وانكسر وانهزم جريحاً في رجله، وقتل ممن معه جماعة بعد أن قاتلوا قتالاً شديداً، وعاد البرنلي في جماعة من الأمراء العزيزية والناصرية إلى البيرة؛ ففارقه أكثرهم ودخلوا الديار المصرية، ثم طلب البرنلي الأمان من الملك الظاهر، فأجابه لذلك، وطلبه إلى الديار المصرية، فخرج من البيرة في تاسع عشر شهر رمضان سنة ستين وستمائة، واجتمع بالبندقداري نائب حلب بعد أن توثق كلامهما بالأيمان، ودخل البرنلي القاهرة في غرة ذي الحجة من السنة، فأكرمه وأنعم عليه بإمرة سبعين فارس، ودام بالقاهرة إلى أن اتفق مع جماعة أن يملكوه، فكان ذلك أعظم الدواعي إلى القبض عليه مع أمور أخر، وأمسكه الملك الظاهر بيبرس - وكان ذلك آخر العهد به - في سنة إحدى وستين وستمائة، وقيل إنه سجن بقلعة الجبل إلى أن مات في سنة ثمان وستين وستمائة. وقيل أن القبض كان عليه في سنة اثنتين وستين، قاله القاضي شمس الدين بن صقر. وقد اختلف المؤرخون في حكاية البرنلي، رحمه الله تعالى. الشمسي نائب حلب آقوش بن عبد الله الشمسي، الأمير جمال الدين.

стр. 917

أصله من مماليك الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، وهو خجداش الأمير بدر الدين بيسرى. كان أحد الأبطال، وهو الذي قتل كتبغا مقدم التتار على عين جالوت، والذي قبض على عز الدين أيدمر الظاهري نائب دمشق. وكان أولاً من الأمراء بديار مصر، ثم ولى نيابة حلب في سنة ثمان وسبعين وستمائة وباشرها مدة قليلة. ومات في أواخر السنة المذكورة. وكان أميراً، شجاعاً، مقداماً، كريماً، عفيفاً، رحمه الله تعالى. الركني الطباخ آقوش بن عبد الله الركني، الأمير جمال الدين، المعروف بالطباخ. كان أحد أمراء دمشق.

стр. 918

أصله مملوك بيبرس - الذي كسر الفرنج بأرض غزة -. ولبيبرس المذكور عدة مماليك أعيان منهم: الأمير إيغان - المعروف بسم الموت - وآقوش صاحب الترجمة وغيرهما. وتوفي آقوش هذا بحلب في سنة ثمان وتسعين وستمائة، ثم نقل إلى حمص. المحمدي الصالحي النجمي آقوش بن عبد الله المحمدي الصالحي النجمي، الأمير جمال الدين. كان من مماليك الملك الصالح نجم الدين أيوب، ومن أعيان أمراء الملك الظاهر بيبرس. ولما وردت الأخبار على الملك الظاهر بيبرس بنزول التتار على

стр. 919

البيرة وحصارهم لها، جهز السلطان الملك الظاهر بيبرس عسكراً، وتقدم العسكر الأمير عز الدين إيغان الركني - المعروف بسم الموت - والأمير جمال الدين آقوش صاحب الترجمة، وصحبتهم العساكر الشامية. فلما بلغ التتار مجيئ العساكر رحلوا عن البيرة، وكان آقوش هذا مرصوداً عند الملك الظاهر بيبرس لكل أمر مهم إلى أن توفى سنة ست وسبعين وستمائة وقد ناهز السبعين سنة. وكان رحمه الله تعالى معدوداً من الشجعان الأسخياء، رحمه الله تعالى. النجيبي الصالحي آقوش بن عبد الله النجيبي الصالحي، الأمير الكبير جمال الدين. أحد المماليك الصالحية، وتنقل في الوظائف إلى أن جعله أستاذه الملك الصالح نجم الدين أيوب أستاداراً، وصار يعتمد عليه في غالب أحواله ومهماته

стр. 920

إلى أن توفى الملك الصالح، وآل الأمر بعد مدة طويلة إلى الملك الظاهر بيبرس استقر به أيضاً أستاداراً في أوائل أمره، ثم جعله نائب دمشق تسع سنين، ثم عزل عن نيابة دمشق برغبته عنها وتقصر بطالاً سبع سنين قبل موته، وحرمته في الدولة قائمةٌ، ومكانته عالية. ولما مرض عاده الملك الظاهر بيبرس، ومات بعد أيام في خامس ربيع الآخر سنة سبع وسبعين وستمائة بداره بدرب ملوخيا. وكان ابتنى لنفسه تربة بالمدرسة النجيبية، وفتح لها شبابيك إلى الطريق، فلم يقدر دفنه فيها، ودفن بتربته التي أنشأها بالقرافة الصغرى من القاهرة. وكان كثير الصدقات والبر، محباً في الفقراء والعلماء، حسن الاعتقاد متغالياً في السنة وحب الصحابة، وعنده تحامل كبير على الشيعة. وبنى مدرسة بدمشق إلى جانب مدرسة نور الدين الشهيد، وبنى له بها تربةً ولم يدفن فيها، ووقف على مدرسته وخانقاته - والخانقاة ظاهر دمشق بالشرف

стр. 921

القبلي - وجعل النظر لقاضي القضاة شمس الدين بن خلكان. وكان ضخم الشكل، جهوري الصوت، كثير الأكل، وله أوقاف على الحرمين، رحمه الله تعالى. قتال السبع آقوش بن عبد الله المنصوري، الأمير جمال الدين المعروف بقتال السبع. أصله من مماليك الملك المنصور قلاوون، وترقى إلى أن صار من أعيان الأمراء بالديار المصرية. وولى عدة وظائف إلى أن توفى سنة عشر وسبعمائة. وله آثار بالقاهرة معروفة به.

стр. 922

الأشرفي نائب الكرك آقوش بن عبد الله الأشرفي، الأمير جمال الدين نائب الكرك. أصله من مماليك الملك الأشرف خليل بن قلاوون، وترقى إلى أن صار من جملة أمراء الديار المصرية، ثم ولى نيابة الكرك، ثم نقله الملك الناصر محمد ابن قلاوون إلى نيابة دمشق بعد الأمير كراي بحكم القبض عليه، فأقام آقوش هذا في نيابة دمشق مدة، وعزل بالأمير تنكز وطلب إلى القاهرة، وصار يجلس رأس الميمنة، ويقوم له السلطان إذا دخل - ميزة عن غيره - وكان لا يلبس المصقول، ويتوجه إلى الحمام في السحر وهو حامل الطاسة والمئزر، ويقلب عليه الماء، ويخرج وحده من غير بابا ولا مملوك.

стр. 923

وحكي عنه أنه دخل مرة الحمام فرآه بعض من يعرفه، فأخذ الحجر وحك رجليه وغسله بالسدر، ولم يكلمه كلمة واحدة. فلما خرج طلبه ورماه إلى الأرض وضربه بالعصا، وقال له: أنا مالي مملوك، ما عندي بابا، مالي غلمان حتى تتجرأ علي. ولما عمر جامعه بالحسينية - خارج القاهرة - فكان يتفقده في غالب الأحيان؛ لينظر حاله، ولم يدخل معه أحد من مماليكه، فويل للقيم إن رأى به تراباً. فلما كان في بعض الأيام - وهو بمفرده في الجامع المذكور على عادته - لم يشعر إلا وجندي من أكراد الحسينية قد بسط سفرةً وقصعة لبن ورقاق في وسط الجامع، فأيقن كل أحد له بالقتل في ذلك اليوم، وقال: بسم الله ثم التفت إلى الأمير، فرآه ولم يعرفه، فحسبه طفيلي، فقال له: من أعلمك بي أو دلك علي؟ قال: والله ولا أحد فطلب الأمير مماليكه وأكل وانبسط، وأمر له بستمائة درهم، فاتفق أن أتاه بعد ذلك كردي آخر وفعل مثل ذلك، فأمر به فضرب ستمائة عصا. وقيل إنه كان يقصد المطالب. وكان جواداً. قيل إنه ما تجرد إلى جهة من الجهات ورافقه أحد إلا وكان أكله على سماطه - ذهابه وإيابه - ويعلفون من عليفه من يوم خروجهم من القاهرة إلى عودهم.

стр. 924

وكان السماط الذي يمده في يوم العيد - عبد الفطر - نظير السلطان، ثم ولاه السلطان نظر البيمارستان المنصوري. ومن يومئذ صار ذلك عادة لكل أمير يكون رأس الميمنة. قلت: وأما الأمير الكبير الذي هو الآن في زماننا هذا أول من سمى به الأمير شيخو صاحب الخانقاة، وإنما كان قبل ذلك من كان قديماً في الإمرة يقعد رأس الميمنة، انتهى. ثم أخرجه الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى نيابة طرابلس في أول سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، فأقام بها مدة، ثم طلب الإقالة والتوجه إلى القدس، فرسم له بالحضور. فلما وصل إلى دمشق خرج إلى لقائه الأمير تنكز نائب الشام وعمل له سماطاً في دار السعادة. فلما حضر لأكل السماط قبض عليه وحبسه بقلعة دمشق. وقيل إنه لما كان نائب الشام كتب إليه شخص ورقة فيها: المملوك يسأل الحضور بين يدي ملك الأمراء؛ فوقع على جانبها: الاجتماع مقدر. وكتب إليه بعض أشكال الملاح بدمشق يطلب إقطاعاً، فوقع له: من كان يومه بخمسين وليلته بمائة، ماله حاجة بالجندية.

стр. 925

ووقع لبعض من حصلت له حادثة: قد أحصيناك وإن عدت إلى مثلها أخصيناك. ولما أمسك أقام بقلعة دمشق مدة يسيرة، ونقل إلى الإسكندرية. وحبس بها إلى أن توفى سنة ست وثلاثين وسبعمائة. وسبب موته أنه كان برأسه سلعة، فقطعها؛ فمات منها بعد قليل. وكان أميراً عارفاً عاقلاً، ذا رأي وتدبير وعظمة، وثروة زائدة، غير أنه كان ظالماً؛ مات تحت ضربة جماعة، ضرب بزداراً من بزدارية السلطان؛ لكونه شتم سقاء له، فأمسكه وضربه حتى مات بعد ثلاثة أيام. ومن ذنوبه التي عدها السلطان له، أنه ضرب جارية السلطان - زوجة بكتمر الحاجب - بسبب الميراث؛ لأن ابنته كانت أيضاً زوجة بكتمر، فضربها ستمائة عصا، انتهى. آقوش الشبلي آقوش بن عبد الله الشبلي، جمال الدين.

стр. 926

سمع من ابن عبد الدائم وغيره. توفى سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. آقوش الشهابي آقوش بن عبد الله الشهابي، الأمير جمال الدين، السلاح دار. كان أحد أكابر أمراء دمشق، وكان حشماً معظماً في الدولة، ثم نقل إلى حماة، فتوفى بها سنة ست وسبعين وستمائة. آقوش البيسري آقوش بن عبد الله البيسري، جمال الدين. كان من جلة أجناد طرابلس، وله شعر جيد، وفضيلة. حكي أنه رأى في النوم من أنشده:

стр. 927

لما بدا كقضيب البان منعطفاً ... وكان يشتم ريح المسك من فيه فقلت: يا لائماتي انظرن واحدةً ... فذلكن الذي لمتنني فيه قال: فحفظتهما، وانتبهت فنظمت في المعنى: لامت نساء زرودٍ في هوى قمر ... كل الملاحة جزء من معانيه وقلن لما تبدا ليس ذا بشراً ... فقلت هذا الذي لمتنني فيه وله أيضا في قبقاب: كنت غصناً بين الأنام رطيبا ... مائس العطف من غناء الحمام صرت أحكي رءوس أعداك ... في الذل برغم أداس بالأقدام وله أيضاً: خودٌ من الترك ذات وجهٍ ... كالبدر في هالة الكمال جاءت بكيس بغير ياءٍ ... تطلب زبداً بغير زال توفى ﵀ في سنة تسع وتسعين وستمائة.

стр. 928

باب الألف والكاف القاضي كريم الدين الصغير أكرم الصغير، الرئيس كريم الدين. ناظر الدولة بالديار المصرية. ولى نظر الدولة لما قدم الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك؛ عندما ولى خاله كريم الدين الكبير ناظر الخاص. وكان كاتباً ضابطاً، ذا سطوة ومهابة على الكتاب، لا يحابي أحداً، ولا يدع أحداً يلتمس شيئاً، وكان إذا حضر مجلس خاله كريم الدين الكبير يكون قائماً على قدميه، وكل من لا يمكنه الجلوس في دسته يكون في مجلس خاله قاعداً وهو قائم، فإذا كان في مجلسه - بعد انقضاء مجلس خاله - قعد ووقف الناس وأهابوه وعظموه.

стр. 929

وقيل إن الملك الناصر قال - لما كان بالكرك -: أنا أعود إلى مكان يكون فيه كريم الدين الصغير يضرب الجند بالدبابيس وأشفع فيهم ما يقبل شفاعتي؟ . وكان عفته عن مال السلطان إلى الغاية وتشدده على من يكون خارجاً عن الحد. قيل إنه كان يضرب الناس وقوفاً على ألواح أكتافهم، فإذا مال إلى قدام ضربهم على صدورهم، وسمى هذا المقترح. قال الصفدي: حكى لي غير واحد أن الأمراء العشرينات والطبلخانات يزدحمون في المشي قدامه. وقال: حكى لي أنه جاء إليه الأمير بكتمر الحاجب، فقام لتلقيه وجلس بين يديه، وقال: ارسم يا خوند فقال: هذا الكاتب تشفعني فيه وتستخدمه في الجهة الفلانية؟ فقال: السمع والطاعة، كم في هذه الوظيفة معلوم؟ فقال الكاتب: مائة وخمسون درهماً وثلاثة أرادب قمحاً. فقال للصيرفي: اصرف إلى هذا في كل شهر هذا المبلغ. فقال الكاتب: ما أريد إلا هذه الوظيفة، فقال كريم الدين لبكتمر: حتى تعرف يا خوند أنه لص وما يريد المعلوم، وما يريد إلا أن يسرق فاستحى بكتمر ومضى، انتهى.

стр. 930

ثم أمسكه السلطان مع كريم الدين الكبير وصادره، فطلب العوام قتله، وأثبت القضاة عليه محاضر بالكفر وغير ذلك، فخاف السلطان أنه إذا قتل يروح عليه المال فسلمه إلى بيبرس الأحمدي، ثم أرسله إلى صفد ناظراً، فأقام بها مدة، ثم نقل إلى الشام، فكرهه الأمير تنكز في أول حضوره. فلما رأى حسن مباشرته وعفته وتبعده أحبه، ثم طلب إلى الديار المصرية، فخافه أعداؤه وعملوا عليه حتى أقام بداره بطالاً، ثم تكلموا فيه وأمعنوا حتى رسم بنفيه إلى أسوان، فجهز في البحر، فغرق في النيل في سنة ست وعشرين وسبعمائة. قيل إنه كان غزير المروءة، إذا قام مع أحد تعصباً ما يرجع عنه. وكانت أطعمته فاخرة، ونفسه على الطعام واسعة. عفى الله عنه. مشد الدواوين الأكوز بن عبد الله الناصري، الأمير سيف الدين. أصله من مماليك الملك الناصر محمد بن قلاوون، كان جمداراً، فرقاه وأمره، ثم جعله شاد الدواوين، فعمل الشد أعظم من الوزارة، وتنوع في

стр. 931

عذاب المصادرين، وقتل بالمقارع، وحمى الطاسات وألبسها للناس، وحمى الدسوت وأجلسهم عليها، وضرب الأوتاد في الآذان، ودق القصب تحت الأظفار وبالغ، ثم أضاف إليه السلطان، لؤلؤ غلام فندش، فاتفقا على عقاب الناس، وزاد البلاء في أيامهما، وسكنت رعبة الأكوز في القلوب، ولم يزل كذلك إلى أن غضب يوماً على لؤلؤ المذكور، فأخذ العصاة بيده وضربه حتى هرب من قدامه وهو خلفه إلى باب القلعة البراني، وخرق شاشة في رقبته، فدخل لؤلؤ على النشو وعلى قوصون وبذل المال، واتفق أن كان الغلاء بالقاهرة سنة ست وثلاثين وسبعمائة، فقال السلطان لأكوز: انزل ولا تدع أحداً يبيع بأكثر من ثلاثين درهماً الأردب. فأول ما نزل إلى شونة قوصون وأمسك السمسار الذي له وضربه بالمقارع وأخرق بأستاداره، فكلم قوصون الأكوز فأساء عليه الرد، فدخل قوصون إلى السلطان، فأخرق السلطان به، فأكمنها له، وعمل عليه هو والنشو، ولم يزالا به إلى أن غضب عليه السلطان وضربه ورسم عليه أياماً، ثم أعطاه إمرةً بدمشق، فتوجه إليها وأقام بها مدة يسيرة. وتوفى سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة. رحمه الله تعالى وعفا عنه.

стр. 932

باب الألف واللام الابن الطشتمري ألبكي بن عبد الله الظاهري، الأمير فارس الدين. تأمر في دولة أستاذه الملك الظاهر بيبرس، وصار من أعيان الأمراء إلى أن قبض عليه، وحبس مدة طويلة إلى أن أخرجه الملك المنصور قلاوون من الحبس وولاه نيابة صفد، فأقام بها عشر سنين، وكان كلما ركب ونزل حل جمداره شاشه وجعله في الكلفته، فإذا أراد الركوب لفه بيده مرة واحدة. قال الشيخ نجم الدين الصفدي: كان ليس بخده نبات، كثير الأدب، وكان رئيساً عفيفاً.

стр. 933

وقال: كنت أنادمه فلم أره بلا خف قط، ولم يمد رجله ولا يكشفها، انتهى. ولما نفى الأشرف خليل بن قلاوون حسام الدين لاجين إلى صفد ضربه الأمير ألبكي هذا على كتفه بالمقرعة، وقال له: ما تمشي إلا خواتيني، وأخذت جوخة كانت معه وطرطور ضمن بقجة. فلما تسلطن لاجين أرسل يقول له: احتفظ بالبقجة، فعند ذلك أخذ حذره وفر من حمص هو والأمير بكتمر السلاح دار وقبجق وتوجهوا إلى غازان، فبالغ في إكرامهم، وزوج الأمير فارس الدين ألبكي هذا بأخته، ثم جاءوا مع غازان إلى الشام. ولما توجه تأخروا عنه، فأعطى ألبكي نيابة حمص، فأقام بها إلى أن توفي في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعمائة. رحمه الله تعالى. الأبو بكري ألتمر بن عبد الله الأبو بكري، الأمير سيف الدين.

стр. 934

أحد أمراء الطبلخاناه بدمشق. كان تركي الجنس، مشكور السيرة، دام بدمشق إلى أن مات في شهر ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وسبعمائة. رحمه الله تعالى. الناصري الدوادار ألجاي بن عبد الله الناصري الدوادار، الأمير سيف الدين. كان من مماليك الملك الناصر محمد بن قلاوون، ثم جعله أستاذه دواداراً صغيراً مع أرسلان الدوادار. فلما توفى أرسلان استقل ألجاي المذكور بالدوادارية عوضه، واستمر أمير عشرة مدة طويلة، ثم أعطى إمرة طبلخاناه قبل موته بسنتين. قال ابن أيبك الصفدي: وأما اسمه في العلامة فما كتبه أحد أحسن منه. وكان خبيراً، عفيفاً، خيراً، طويل الروح. وكان يحب الفضلاء، ويميل إليهم، ويقضي حوائجهم، وينامون عنده، ويبحثون ويسمع كلامهم، ويتعاطى معرفة علوم كثيرة. وبعد هذا كان لا بد في خطه أن يؤنث المذكر.

стр. 935

وكان اختص بقاضي القضاة تقي الدين السبكي كثيراً، وكان ألجاي المذكور يعظم وظيفته ويتبجح بها. وكان مشهوراً بالخير والدين، وعمر له داراً بالشارع غرم على بوابتها مائة ألف درهم، فلم تستكمل الدار حتى مرض، ونزل إليها من القلعة وهو مريض، فأقام بها إلى أن توفى سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. وولى الدوادارية بعده الأمير صلاح الدين يوسف الدوادار. رحمه الله تعالى. اليوسفي، صاحب الوقعة ألجاي بن عبد الله اليوسفي الناصري، الأمير سيف الدين. كان ممن أنشأه الملك الناصر حسن، وجعله أمير مائة ومقدم ألف بالديار

стр. 936

المصرية، ثم صار بعد موت السلطان حسن أمير جاندار، واستمر على ذلك إلى أن قتل يلبغا العمري الخاصكي، وعصى أسندمر على الملك الأشرف شعبان بن حسين - حسبما ذكرناه في ترجمة أسندمر - فلما كانت الوقعة انضم ألجاي المذكور إلى الأشرف، وانتصر أسندمر على الأشرف، وأمسك ألجاي هذا ورفقته وحبسهم بحبس الإسكندرية إلى أن صفا الوقت للأشرف وقبض على أسندمر أطلق ألجاي هذا ورفقته وجعله أمير مائة ومقدم ألف على عادته، وولاه حجوبية الحجاب بالقاهرة، ثم نقله إلى أن جعله أمير جاندار على عادته أولاً، ثم ولاه إمرة سلاح، ثم تزوج بخوند بركة أم السلطان الملك

стр. 937

الأشرف، واستمر على ذلك إلى أن مات الأمير منكاي بغا الشمسي - زوج أخت السلطان - فاستقر ألجاي من بعده أتابك العساكر بالديار المصرية، وعظمت حرمته في الدولة بزواجه أم السلطان ثم توليته الأتابكية. ولا زال على ذلك حتى توفيت أم السلطان في آخر سنة أربع وسبعين وسبعمائة، ووقع بينه وبين الملك الأشرف كلام من أجل التركة أوجب خروج ألجاي عن الطاعة. فلما كن يوم الثلاثاء سادس المحرم من سنة خمس وسبعين وسبعمائة، لبس ألجاي هذا ومعه جماعة من الأمراء، وركب السلطان ومعه الأمراء والخاصكية، وباتوا تلك الليلة لابسين السلاح إلى الصباح. فلما كان نهار الأربعاء سابع المحرم كانت الوقعة بين ألجاي وبين المماليك السلطانية الأشرفية، فتواقعوا إحدى عشرة مرة، ثم انكسر ألجاي وهرب إلى بركة الحبش. كل ذلك والسلطان لا يتحرك من مقعده، ثم عاد ألجاي من بركة الحبش بمن معه من الجبل الأحمر إلى قبة النصر، وطلبه السلطان فأبى؛ فأرسل له خلعة بنيابة حماة، فقال: أنا أروح بشرط أن يكون كل ما أملكه وجميع مماليكي معي، فأبى

стр. 938

السلطان ذلك، وباتوا تلك الليلة، فهرب جماعة من مماليكه في الليل إلى السلطان الملك الأشرف. فلما كان صباح يوم الخميس ثامن المحرم أرسل السلطان الأمراء الخاصكية ومماليك أولاده وبعض المماليك السلطانية إلى قبة النصر. فلما رآهم ألجاي هرب، فساقوا خلفه إلى الخرقانية بشاطئ النيل - ظاهر قليوب - فرمى ألجاي بنفسه في البحر فغرق، فبلغ الملك الأشرف موته فصعب عليه، ثم أخذ السلطان أولاد ألجاي - وأظنهم إخوته لأمه - عنده ورتب لهم ما يكفيهم، ثم رسم بإخراج ألجاي من النيل، فنزل الغواصون وطلعوا به وأحضروه إلى القاهرة في يوم الجمعة تاسع المحرم في تابوت وتحته لباد أحمر، فغسل وكفن وصلى عليه الشيخ جلال الدين التباني، ودفن بقبته التي عمرها بمدرسته ظاهر القاهرة - على رأس سويقة العزى - وكان أميراً جليلاً شجاعاً، كريماً ديناً، يميل إلى الخير والصدقات.

стр. 939

قال العيني: ولقد أخبرني قنق باي اللالا أحد مماليكه أنه كان كل يوم خميس واثنين يتصدق بألف درهم - غير ما يتصدق في غير هذه الأيام - وأنه كان يعتقد الفقراء، ولكن كان يرمى بأخذ الرشوة والبرطيل، ولم يحصل له استطالة إلا بعد أن تزوج بأم السلطان، انتهى. المظفري نائب طرابلس ألجبغا بن عبد الله المظفري، الأمير سيف الدين الخاصكي. كان المذكور أختص بالملك المظفر حاجي حتى لم يكن أحد في رتبته. فلما جرى من أمر المظفر - ما سنحكيه إن شاء الله تعالى في ترجمته - من خلعه وتسلطن من بعده الملك الناصر حسن، استمر المذكور أيضاً معظماً في دولة الناصر

стр. 940

حسن إلى أن وقع الخلاف بين الأمراء، أخرج ألجبغا المذكور إلى دمشق على إقطاع الأمير حسام الدين لاجين أمير آخور، وطلب لاجين إلى القاهرة في سنة تسع وأربعين وسبعمائة. وكان خروجه من القاهرة على أنه نائباً بحماة، فلحقه الخبر في أثناء الطريق وتوجه به إلى دمشق، فاستمر ألجبغا المذكور في دمشق إلى أن حضر إليه، فجاء الناصري السلاح دار في شعبان سنة تسع وأربعين وسبعمائة، فأخذه وتوجه به إلى نيابة طرابلس، عوضاً عن الأمير بدر الدين الخطيري فأقام بطرابلس إلى أوائل شهر ربيع الأول سنة خمسين وسبعمائة، أرسل طلب من الأمير أرغون شاه نائب دمشق الحضور إلى دمشق ليتصيد بها، فأذن له أرغون شاه في ذلك، فقدم دمشق وأكرمه نائبها المذكور، وتوجه ألجبغا هذا إلى بحيرة حمص أياماً يتظاهر الصيد، ثم إنه ركب ليلة وساق ونزل خان لاجين، وأقام في الثانية من النهار، وركب بمن معه من عسكر طرابلس، وهجم على الأمير أرغون شاه، ثم احتاط على موجوده، وكان ذلك في يوم الخميس ثالث عشرين شهر ربيع الأول.

стр. 941

ولما أصبح نهار الجمعة، شاع الخبر بأن أرغون شاه ذبح نفسه، وطالع ألجبغا السلطان بما وقع له، ثم إنه أراد أن ينفق في الأمراء ويحلفهم لنفسه، فأنكروا عليه ذلك، ولبسوا السلاح، ووقفوا بسوق الخيل، ولبس هو والأمير فخر الدين إياز وجماعة من الجراكسة، ووقع القتال، فكانت النصرة لألجبغا المذكور، ثم أخذ من الأموال ما قدر عليه، وتوجه نحو طرابلس. فلما بلغ ذلك السلطان رسم للنواب أن الذي وقع: لم يكن لنا به علم، وأنكم تجتهدون في تحصيل ألجبغا المذكور، فتجردت العساكر إليه وربطوا عليه الدروب، فتوجه حيثما توجه، فوجد العسكر من العربان والتراكمين وغيرهم في الطرق، ومنعوه وقاتلوه، فسلم نفسه؛ فأمسكوه وأمسكوا رفيقه الأمير إياز، وسجنوهما بقلعة دمشق، إلى أن برز المرسوم الشريف بتوسيطهما، فوسطا بسوق الخيل، وعلقا أياماً بدمشق، وذلك في حادي عشرين شهر ربيع الآخر سنة خمسين وسبعمائة، وتألم الناس على ألجبغا المذكور وترحموا عليه كثيراً.

стр. 942

ألجبغا العادلي نائب دمشق ألجبغا بن عبد الله العادلي، الأمير سيف الدين، أحد أعيان الأمراء. أقام في الإمرة قريباً من ستين سنة. وكان قد أصابته قديماً ضربة بالسيف بانت يده اليمنى في وقعة أرغون شاه. واستمر على إمرته وتقدمته بدمشق، ولم يزل بحشمه وخدمه إلى أن توفى في سابع شهر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وسبعمائة، ودفن بتربته خارج باب الجابية بدمشق، وقد أناف على تسعين سنة، وأظنه من مماليك الملك العادل كتبغا، والله أعلم، رحمه الله تعالى.

стр. 943

ألطبرس المنصوري ألطبرس بن عبد الله، الأمير سيف الدين المنصوري. كان من أعيان الأمراء بديار مصر، وكان سليم الباطن، وله محبة زائدة في الفقراء. قيل إنه جاء إليه بعض الفقراء، وقال له: اشتريت لك جارية، ما دخل هذا الإقليم مثلها، بخمسة عشر ألف درهم؛ فوزن له الثمن، فقال: وأريد ثلاثة آلاف درهم لكسوتها؛ فأعطاه، ثم جاءه الفقير بعد مدة وقال له: قد زوجتها لك بواحد من رجال الغيب، فما أنكر ذلك عليه. وهو الذي عمر المجنونة بالقاهرة على الخليج، عمرها للشيخ شهاب الدين الحنبلي العابر ولفقرائه، وعقدها قبواً.

стр. 944

وفي ذلك يقول الشيخ علم الدين بن الصاحب: ولقد عجبت من ألطبرس وصحبه ... وعقولهم بعقوده مفتونه عقدوا عقوداً لا تصح لأنهم ... عقدوا لمجنون على مجنونه ألطبرس الظاهري ألطبرس بن عبد الله الظاهري، الأمير الكبير علاء الدين، مولى الخليفة الظاهر بن الخليفة الناصر البغدادي العباسي. ترقى حتى صار من أكابر الأمراء، وكان خصيصاً عند المستنصر بالله، وزوجه بابنة بدر الدين صاحب الموصل، ووهبه ليلة عرسه مائة ألف دينار. وقيل إنه كان يدخل له من إقطاعه في كل سنة ثلثمائة ألف دينار إلى

стр. 945

أن توفى سنة خمسين وستمائة، ودفن بمشهد موسى الكاظم، ورثاه الشعراء، وكان أميراً جليلاً شجاعاً مقداماً جوداً حسن السيرة في الرعية، رحمه الله تعالى. ألطقصبا التركي ألطقصبا بن عبد الله الناصري التركي، الأمير علم الدين. كان من قدماء أمراء دمشق، وروى عن سبط السلفي. وكان من الشجعان؛ توجه صحبة العسكر الشامي لحصار قلاع الأرمن، فجرح في ركبته، فحمل إلى حلب، ولزم الفراش إلى أن مات في سنة سبع وتسعين وستمائة. وكان عاقلاً شجاعاً، ذا رأي وتدبير، ودهاء ومعرفة، رحمه الله تعالى.

стр. 946

العثماني الأتابك، نائب دمشق ألطنبغا بن عبد الله العثماني الظاهري، الأمير الكبير علاء الدين. هو من مماليك الملك الظاهر برقوق، وممن صار في دولة أستاذه المذكور نائبا بصفد، ودام بصفد إلى أن كانت وقعة الأمير تنم الحسني نائب الشام في سنة اثنتين وثمانمائة، ثم كانت وقعة تيمورلنك في سنة ثلاث، وقبض عليه تيمور مع جملة من قبض عليه من النواب بالبلاد الشامية. وولى الملك الناصر عوضهم جماعة؛ فولى والدي نيابة دمشق، بعد القبض على سيدي سودون - قريب الملك الظاهر وقتله - وولى الأمير دمرداش المحمدي نائب حلب على عادته؛ فإنه كان فر من تيمور وقدم على الناصر، وولى نيابة طرابلس للأمير آقبغا الجمالي،

стр. 947

عوضاً عن شيخ المحمودي - أعني المؤيد - وولى تمربغا المنجكي نيابة صفد - عوضاً عن صاحب الترجمة - وولى طولو من علي باشا نيابة غزة - عوضاً عن الأمير عمر بن الطحان - واستمر ألطنبغا العثماني هذا في أسر تيمور مدة، إلى أن فر مع من فر من الأمراء من أسر تيمور، وقدم إلى الديار المصرية، وتنقلت به الأحوال، وولى عدة وظائف إلى أن آلت السلطنة للملك المؤيد شيخ المحمودي؛ جعله أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية، ثم جعله نائب الغيبة بالقاهرة لما خرج المؤيد لقتال نوروز الحافظي نائب الشام، وسكن السلسلة من الأسطبل، ثم لما قدم خلع عليه بعد مدة باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية - بعد موت الأمير الكبير يلبغا الناصري - وذلك في يوم الخميس مستهل شهر رمضان سنة سبع عشرة وثمانمائة، فأقام أتابكاً إلى أن ولاه المؤيد نيابة دمشق - بعد

стр. 948

خروج الأمير قاني باس المحمدي عن الطاعة - في سنة ثماني عشرة وثمانمائة، فتوجه إليها صحبة السلطان، واستمر على كفالته بها إلى المحرم سنة عشرين وثمانمائة، عزل عن نيابة دمشق، ورسم له أن يتوجه إلى القدس بطالاً، وبرز المرسوم بذلك على يد الأمير آقبغا التمرازي، وولى مكانه الأمير أقباي المؤيدي نائب حلب، لما قدم من حلب على النجب - حسبما ذكرنا في ترجمته - واستمر الأمير ألطنبغا بالقدس إلى أن مات به في يوم الاثنين ثاني عشرين شوال سنة إحدى وعشرين وثمانمائة. وكان أميراً، ضخماً، جليلاً مشكور السيرة، ساكناً عاقلاً، رحمه الله تعالى. الصالحي نائب حلب ثم دمشق ألطنبغا بن عبد الله الصالحي العلائي، الأمير علاء الدين، نائب حلب، ثم نائب دمشق. هو ممن أنشأه الملك الناصر محمد بن قلاوون حتى صار من جملة

стр. 949

أمراء الألوف بديار مصر، ثم ولاه نيابة حلب عوضاً عن الأمير سودي في سنة أربعة عشر وسبعمائة، فباشرها ثلاثة عشر سنة إلى أن نقل منها إلى نيابة دمشق في سنة سبع وعشرين وسبعمائة، ثم أعيد إلى حلب ثانياً في سنة إحدى وثلاثين، واستمر في هذه النيابة الثانية ثمانية أعوام، وعزل في سنة تسع وثلاثين، وولى نيابة دمشق أيضاً. كل ذلك من قبل الناصر محمد بن قلاوون. وفي نيابته الأولى بحلب دخل إلى البلاد: سيس، وحاصر حصونها وفتح قلاعها، ثم غزاها ثانياً في سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، وصحبته العساكر المصرية والشامية، وتوجه إلى فتح مدينة إياس - وهي على ساحل البحر ولها فيه ثلاثة حصون وهن: أطلس وشمعة وإياس - وبه تعرف المدينة - فنازلوها، ونصبوا عليها آلات الحصار، وجدوا في القتال إلى أن فتحوا المدينة، ثم شرعوا في حصار

стр. 950

الحصن الأطلس - وهو حصن منيع في قاموس البحر - فنصبوا عليه أيضاً آلات الحصار، ثم صنعوا جسراً على البحر طوله ثلاثمائة ذراع. فلما رأى الأرمن ذلك ارتاعت قلوبهم وهربوا بأموالهم وأولادهم؛ فدخل العسكر في هذه الحصون المذكورة، وحرقوا وهدموا وقتلوا، ثم رجعوا فرحين مسرورين إلى أوطانهم. وفي هذا المعنى يقول الشيخ بدر الدين بن حبيب: نحو إياس فرقة من جيشنا ... توجهوا كي يملكوا بقعتها فاقتلعوا قلعتها وفصلوا ... أطلسها وفصلوا شمعتها ثم غزا تلك البلاد في نيابته الثانية في سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، وجرت بينهم حروب وخطوب يطول شرحها. ثم غزاها ثالث مرة في سنة ست وثلاثين، وتوجه إلى قلعة النقير من بلاد سيس ونازل القلعة المذكورة، وجد في حصارها إلى أن أخذها بالأمان، ورجع إلى محل كفالته. وفي هذا المعنى يقول العلامة زين الدين أبو حفص عمر بن الوردي قصيدة طنانة منها: جهادك مقبول وعامك قابل ... ألا في سبيل المجد ما أنت فاعل هنيئاً بعود من جهاد مبارك ... على الناس بالجنات كاف وكافل
следующие страницы →