← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 231

إتحاف الأنام بأحكام ومسائل الصيام

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (327 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ما ورد هكذا إلا لفائدة، فالظاهر أنها وجدت منه الحجامة وهو صائم لم يتحلل من صومه واستمر. قال الخطابي ﵀ في "معالم السنن": وهذا تأويل باطل؛ لأنه قال: احتجم وهو صائم، فأثبت له الصيام مع الحجامة، ولو بطل صومه بها؛ لقال: أفطر بالحجامة. اهـ قال النووي ﵀: قلت: ولأن السابق إلى الفهم من قول ابن عباس: «احتجم وهو صائم» الإخبار بأن الحجامة لا تبطل الصوم، ويؤيده باقي الأحاديث المذكورة. اهـ ٣ - أن هذا الترجيح لا يرجع إليه إلا عند عدم إمكان الجمع، وعند عدم النسخ، والأمر هنا بخلاف ذلك، ومع التسليم فقد يعارض بترجيح حديث ابن عباس على حديث «أفطر الحاجم والمحجوم»، والله أعلم. ونسأله تعالى أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وما أحسن ما قاله الشوكاني ﵀ بعد أن ذكر الخلاف: فيجمع بين الأحاديث بأن الحجامة مكروهة في حق من كان يضعف بها، وتزداد الكراهة إذا كان الضعف يبلغ به إلى حد يكون سببًا للإفطار، ولا تكره في حق من كان لا يضعف بها، وعلى كل حال: تجنب الحجامة للصائم أولى، فيتعين حمل قوله: «أفطر الحاجم، والمحجوم» على المجاز؛ لهذه الأدلة الصارفة له عن معناه الحقيقي. اهـ انظر: "شرح المهذب" (٦/ ٣٤٩ - ٣٥٣)، "الفتح" (١٩٣٨)، "نصب الراية" (٢/ ٤٧٢)، "التلخيص

стр. 107

الحبير" (٢/ ٣٦٦)، "سبل السلام" (٤/ ١٣٠ - ١٣٥)، "الشرح الممتع" (٦/ ٣٩٢)، "نيل الأوطار" (٣/ ١٢٧) ط/ دار الكلم الطيب، "توضيح الأحكام" (٣/ ١٦٩ - ١٧١)، "كتاب الصيام" (١/ ٤٠٦ - ٤٥٠)، "ابن أبي شيبة" (٣/ ٤٦ - )، "عبد الرزاق" (٤/ ٢٠٩ - ). مسألة: فَصْدُ العرق وشرطه ؟ الفَصْدُ وَالشَّرْطُ: هو شق العرق؛ فإنْ شققته طولاً فهو شرط، وإن شققته عرضًا فهو فصد. والذي عليه الشافعية، وأكثر الحنابلة، ومنهم القاضي، وابن عقيل أنه لا يفطر، وهذا هو الصحيح؛ لعدم وجود دليل يدل على إفطاره. وذهب بعض الحنابلة، ورجحه شيخ الإسلام ﵀ إلى أنه يفطر قياسًا على الحجامة بجامع وجود الضعف في كليهما، واستقرب ذلك الشيخ ابن عثيمين ﵀. انظر: "شرح المهذب" (٦/ ٣٤٩)، "كتاب الصيام" (١/ ٤٥٢ - ٤٥٣)، "الشرح الممتع" (٦/ ٣٩٦ - ٣٩٧). مسألة: من نزفه الدم من رعاف وغيره ؟ النزيف الذي يحصل من الأسنان، أو من الأنف، أو ما أشبه ذلك لا يؤثر في الصوم ما دام يحترز من ابتلاعه ما أمكن. وهذا الذي عليه مذهب الحنابلة، وهو ترجيح الإمام ابن باز، وابن عثيمين رحمة الله عليهما. وهو مقتضى مذهب الجمهور.

стр. 108

انظر: "الإنصاف" (٣/ ٢٧٣)، "كتاب الصيام" (١/ ٤٥٠)، فتاوى ابن عثيمين (١/ ٥١٤)، فتاوى اللجنة الدائمة (١٢٠٧٧)، "فتاوى رمضان" (٢/ ٤٦٠)، "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢٦٧). مسألة: سحب الدم للتبرع ؟ ذهب الإمام ابن باز، والعلامة ابن عثيمين، والعلامة الفوزان إلى أنه إذا كان كثيرًا أفطر؛ قياسًا على الحجامة، وقد تقدم أن الراجح في الحجامة أنها لا تفطر، فالظاهر - والله أعلم - أن سحب الدم للتبرع لا يعد مُفطِّرًا. وهذا مقتضى مذهب الجمهور انظر: "فتاوى رمضان" (٢/ ٤٦٥ - ٤٧٧). مسألة: اكتحال الصائم ؟ مذهب الشافعي، وحكاه ابن المنذر عن عطاء، والحسن البصري، والنخعي، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وأبي ثور أنه جائز ولا كراهة فيه، ولا يفطر، سواء وجد طعمه في حلقه أم لا. واستدلوا بحديث عائشة ﵂ الذي في الباب، وبأحاديث أخرى ضعيفة، وأقوى ما استدلوا به هو البراءة الأصلية، فالأصل أن الصائم لا يحكم عليه بالفطر إلا بدليل صحيح صريح، ولا نستطيع أن نفسد عبادة شخص إلا بذلك. وأما حديث عائشة ﵂، فقد أخرجه ابن ماجه (١٦٧٨) عنها، ولفظه: أن النبي ﷺ اكتحل في رمضان وهو صائم. وإسناده ضعيف جدًّا؛ لأن فيه سعيد بن عبدالجبار الزُّبيدي، وقد كذبه ابن جرير، وضعفه النسائي. وانظر "نصب الراية"

стр. 109

(٢/ ٤٥٦). وهذا المذهب هو الراجح، وهو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وأشار إلى ترجيحه الصنعاني، واستظهره الشوكاني، ورجحه الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين. القول الثاني: مذهب أحمد، ومالك، والثوري، وإسحاق أنه يكره، وقد قال مالك، وأحمد: وإن وصل إلى الحلق أفطر. واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: «الفطر مما دخل، وليس مما خرج» أخرجه ابن عدي (٦/ ٢٠٤٢)، وقالوا: هذا يجد طعمه في حلقه؛ فيدل على أنه قد دخل. وبالإفطار قال ابن شبرمة، وابن أبي ليلى. والصحيح هو القول الأول. وأما استدلالهم بحديث: «الفطر مما دخل وليس مما خرج»، ففي سنده: الفضل بن مختار، وهو ضعيف جدًّا. وفيه أيضًا شعبة مولى ابن عباس، وهو ضعيف. وقال ابن عدي ﵀: الأصل في هذا الحديث أنه موقوف. اهـ ورجح ذلك البيهقي. وقال الصنعاني ﵀ في "سبل السلام": وأجيب عنه بأنا لا نسلم كونه داخلًا؛ لأن العين ليست بمنفذ، وإنما يصل من المسام؛ فإنَّ الإنسان قد يدلك قدميه بالحَنْظل فيجد طعمه في فيه. اهـ

стр. 110

وقد استدل للمانعين بحديث معبد بن هَوْذة عن النبي ﷺ أنه قال في الإِثْمِد: «ليَتَّقه الصائم»، رواه أبو داود (٢٣٧٧)، من طريق عبدالرحمن بن النعمان بن معبد ابن هوذة، عن أبيه، عن جده به. وهذا الحديث سنده ضعيف؛ لأن عبدالرحمن ضعيف، والنعمان مجهول، وقد أنكر هذا الحديث ابن معين، وأحمد، ثم شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن عبدالهادي. انظر: حاشية "كتاب الصيام" (١/ ٣٨٩)، "المغني" (٣/ ١٦)، "شرح المهذب" (٦/ ٣٤٨ - ٣٤٩)، "سبل السلام" (٤/ ١٣٦)، "نيل الأوطار" (٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦)، "الشرح الممتع" (٦/ ٣٨٢). مسألة: القطرة في الأذن ؟ الذي عليه الحنابلة، وجمهور الشافعية أنها تعتبر مفطرة؛ لكونها تصل إلى الدماغ، وذهب بعض الشافعية كأبي علي السنجي، والقاضي حسين، والفوراني، وصححه الغزالي إلى أنها لا تفطر، وهو مذهب ابن حزم، وترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لكون الأذن ليست بمنفذ إلى الحلق، والمعدة. وهذا هو الصحيح، وهو ترجيح الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله. انظر: "شرح المهذب" (٦/ ٣١٤ - ٣١٥)، "المغني" (٣/ ١٦)، "المحلى" (٤/ ٣٤٨) (٧٥٣)، "فتاوى رمضان" (٢/ ٥٠٩ - ٥١١). مسألة: تَقيُّؤ الصائم ؟ ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه يفطر إن استقاء وطلب القيء، وأما إن غلبه القيء فلا يفطر.

стр. 111

واستدلوا بما يلي: ١ - حديث أبي هريرة ﵁، عند أحمد، وأصحاب "السنن" أن النبي ﷺ قال: «من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء». (١) وهذا الحديث إسناده ظاهره الصحة، ولكن قد أعله أحمد، والبخاري، والدارمي، وأبو علي الطُّوسي وغيرهم كما في "التلخيص" (٢/ ٣٦٣)، و"نصب الراية" (٢/ ٤٤٨)، فراجعه. ٢ - حديث أبي الدرداء، وثوبان ﵄، أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر. رواه أبو داود (٢٣٨١)، والترمذي (٨٧)، والنسائي في "الكبرى" (٢/ ٢١٣ - )، وهو في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (١٩٥)، وقد روي الحديث بلفظ: «استقاء»؛ ولكنها شاذة غير محفوظة. (٢) ٣ - حديث فَضَالة بن عبيد قال: أصبح رسول الله ﷺ صائمًا فقاء فأفطر، فسئل عن ذلك؟ فقال: «إني قِئْتُ»، رواه أحمد (٢٣٩٦٣). وسنده حسن؛ لأن ابن إسحاق صرح بالتحديث، وقد ذهب إلى ذلك من

стр. 112

الصحابة عبد الله بن عمر (١) ﵄. ونقل ابن المنذر الإجماع على هذا القول، والصحيح وجود الخلاف؛ فقد ذهب عبد الله بن عباس (٢)، وعبد الله بن مسعود (٣)، وعكرمة، وربيعة، وأسنده البخاري في "صحيحه" عن أبي هريرة ﵁، وهو رواية عن مالك إلى أن القيء لا يفطر، سواء تعمده أو لا، ورجح ذلك الإمام البخاري، واستدلوا بالبراءة الأصلية، وقالوا: لا يحكم بفساد صومه إلا بدليل صحيح صريح. وأجابوا عن أدلة الجمهور بما يلي: ١ - حديث أبي هريرة ﵁، قد تقدم أنه مُعلٌّ. ٢ - حديث ثوبان ﵁، وإن كان صحيحًا، فليس في الحديث التفريق بين الاستقاءة والقيء بدون استقاء، بل لفظ الحديث: «قاء فأفطر»؛ ولذلك فقد قال الطحاوي ﵀: ليس في الحديث أن القيء فَطَّره، وإنما فيه أنه قاء فأفطر بعد ذلك. وقال بعض أهل العلم فيما حكاه عنهم الترمذي: معناه: قاء فضعف فأفطر. ٣ - حديث فضالة ﵁ يقال فيه ما قيل في حديث ثوبان ﵁. والقول الثاني هو الراجح، والله أعلم، وقد رجح القول الأول شيخنا ﵀

стр. 113

في "الجامع الصحيح"، وكذا الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما. انظر: "فتح الباري" (١٩٣٨)، "نيل الأوطار" (٤/ ٢٠٤)، "المجموع" (٦/ ٣٢٠)، "سبل السلام" (٤/ ١٤٠)، "كتاب الصيام" (١/ ٣٩٥ - ٤٠٣). مسألة: إذا أفسد صومه بإحدى المبطلات التي تقدمت فهل يلزمه إمساك بقية اليوم ؟ قال النووي ﵀: إذا أفطر الرجل، أو المرأة في نهار رمضان بالجماع بغير عذر؛ لزمه الإمساك بقية النهار بلا خلاف؛ لأنه أفطر بغير عذر. اهـ وقد نقل ابن قدامة على ذلك الإجماع. قلتُ: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فقد حرم الله عليه الأكل، والشرب، والجماع طوال النهار بهذا النص، ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ جزم بذلك كما في "مجموع الفتاوى"، واستدل بالآية التي ذكرتها، فلله الحمد. تنبيه: الإجماع المذكور لا يثبت؛ فقد خالف في المسألة عطاءٌ؛ فقال كما في مصنف عبد الرزاق (٧٤٦٤)، ومصنف ابن أبي شيبة (٣/ ٥٤): إن شاء أكل، وإن شاء شرب. وإسناده صحيح. انظر: "المجموع" (٦/ ٣٣١)، "المغني" (٣/ ٣٣)، "المحلى" (٧٦١)، الفتاوى (٢٠/ ٥١٨).

стр. 114

فَصْل فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْكَفَّارَاتِ مسألة: كفارة المجامع في نهار رمضان متعمدًا مقيمًا ؟ ذهب جمهور العلماء إلى وجوب الكفارة، واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ في "الصحيحين" (١)، أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: هلكت يا رسول الله!، قال: «وما أهلكك؟!» قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: «هل تجد ما تعتق رقبة؟» قال: لا، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟»، قال: لا، قال: «فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا؟»، قال: لا، قال: ثم جلس، فأتي النبي ﷺ بِعَرَق فيه تمر، فقال: «تصدق بهذا» قال: فقال: أعلى أفقر منا؟ فما بين لَابَتَيها أهل بيت أحوج إليه منا. فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: «اذهب فأطعمه أهلك»، واللفظ لمسلم. وذهب ابن سيرين، والنَّخعي، والشَّعبي، وسعيد بن جبير إلى أنه لا تلزمه الكفارة؛ لأن الصوم عبادة لا تجب الكفارة بإفساد قضائها فلا تجب في أدائها كالصلاة، وهذا قياس فاسد الاعتبار؛ لمخالفته للنص، والراجح القول الأول. انظر: "المغني" (٣/ ٢٥)، "المحلى" (٣١٨ - ٣١٩) (٧٣٧).

стр. 115

مسألة: ماذا يجب عليه في هذه الكفارة ؟ ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه تلزمه كفارة المظاهر مرتبة، واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁، المتقدم. وخالف مالك فقال بالإطعام فقط، ولا يأخذ بعتقٍ، ولا بصيام، هكذا وقع في "المدونة"، وقد وجه بعض أصحابه هذا القول على أنه أراد استحباب البدء بالإطعام، وقد احتج له بحديث عائشة ﵂ عند البخاري (١٩٣٥)، ومسلم (١١١٢)، بنحو حديث أبي هريرة ﵁، قالوا: ولم يقع فيه سوى الإطعام. قال الحافظ ﵀: ولا حجة فيه؛ لأن القصة واحدة، وقد حفظها أبو هريرة وقصها على وجهها، وأوردتها عائشة مختصرة، أشار إلى هذا الجواب الطحاوي، قال: وقد ورد فيه من وجه آخر ذكر العتق أيضًا. اهـ والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. انظر: "الاستذكار" (١٠/ ٩٧ - ٩٨)، "الفتح" (٤/ ١٩٢ - ١٩٧). مسألة: هل يلزمه الترتيب في هذه الكفارة ؟ في المسألة قولان: الأول: أنه يلزم الترتيب، وهو قول جمهور العلماء، وهو المشهور عن أحمد، وبه يقول الثوري، والأوزاعي، والشافعي، واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ الذي تقدم ذكره في أول الفصل.

стр. 116

الثاني: أنه لا يلزمه الترتيب، بل هو على التخيير، وهو رواية عن أحمد ومالك، واستدلوا بما أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ في قصة المجامع في نهار رمضان، قال: فأمره رسول الله ﷺ أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا. وقد أجاب الجمهور بأن هذه الرواية شاذة، وأن المحفوظ هو رواية الترتيب التي تقدمت في أول الفصل، والذين رووها على التخيير هم: مالك، وابن جريج، وفُليح بن سليمان، وعمرو بن عثمان، ولكن قد خالفهم جمع كبير، فرووا الحديث بالترتيب، منهم: ابن عيينة، وشعيب، والأوزاعي، والليث، وإبراهيم بن سعد، ومنصور وآخرون، حتى قال الحافظ: بل روى الترتيب عن الزهري كذلك تمام ثلاثين نفسًا أو أَزْيد. والراجح هو القول الأول، وهو ترجيح النووي، والحافظ، والصنعاني وغيرهم، والله أعلم. انظر: "المغني" (٣/ ٢٩)، "الفتح" (١٩٣٦)، "شرح المهذب" (٦/ ٣٣٣ - ٣٣٤)، "الاستذكار" (١٠/ ٩٥ - ٩٦). مسألة: هل يلزم المرأة كفارة إذا لم تكن مكرهة ؟ في المسألة قولان: الأول: أنه يلزمها، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأبي ثور، وابن المنذر، ورواية عن أحمد، وقول عن الشافعي، وعزاه الحافظ للجمهور، واستدلوا بقوله في حديث

стр. 117

المجامع امرأته في نهار رمضان في بعض طرق الحديث: هلكت وأهلكت. وقالوا: بيان الحكم للرجل بيان في حقها؛ لاشتراكهما في تحريم الفطر، وقد رجح هذا القول الإمام ابن باز، والعلامة ابن عثيمين رحمهما الله. القول الثاني: أنه لا يلزمها، وهو قول الحسن، والأوزاعي، وهو رواية عن أحمد، وقول للشافعي، وهو الصحيح عند الشافعية، وهو قول داود، وأهل الظاهر، وابن حزم، واستدلوا: بقوله ﷺ : «تصدق بهذا»، جاءت زيادة في خارج "الصحيحين": «عن نفسك»، ويؤيدها رواية في البخاري بلفظ: «أطعم هذا عنك»، فأفرده بالخطاب، ولم يتعرض للمرأة، وكذا قوله: «هل تجد ... ؟»، «هل تستطيع؟»، وكذلك استدلوا بسكوت النبي ﷺ عن إعلام المرأة بالكفارة مع الحاجة. وأجابوا عن أدلة الجمهور بما يلي: ١) قوله: (هلكتُ وأهلكتُ)، هذه الزيادة ضعيفة، وقد ذكر البيهقي أن للحاكم في بطلانها ثلاثة أجزاء، وقد لخص الحافظ الكلام عليها في "الفتح". وقال الحافظ: ولا يلزم من ذلك تعدد الكفارة، بل لا يلزم من قوله: (وأهلكت) إيجاب الكفارة عليها، بل يحتمل أن يريد بقوله: (هلكت)، أي: أثمت، و (أهلكت) أي: كنت سببًا في تأثيم من طاوعتني، فواقعتها؛ إذ لا ريب في حصول الإثم على المطاوعة، ولا يلزم من ذلك إثبات الكفارة، ولا نفيها، أو المعنى: هلكت حيث وقعت على شيءٍ لا أقدر على كفارته، وأهلكت، أي: نفسي بفعلي الذي جر عليَّ الإثم. اهـ

стр. 118

٢) قالوا: لا يلزم من اشتراكها في تحريم الفطر عليهما اشتراكهما في وجوب الكفارة، بل الحديث يدل على أنه ليس عليها كفارة لعدم أمره ﷺ للمرأة بالكفارة. وأجاب الجمهور عن هذا بأنها قضية حال، فالسكوت عنها لا يدل على عدم الحكم؛ لاحتمال أن تكون المرأة غير صائمة لعذر من الأعذار، ويحتمل أن يكون سبب السكوت عن حكم المرأة ما عرفه من كلام زوجها بأنها لا قدرة لها على شيء. وَأُجيب: بأن النبي ﷺ سكت عن حالها مع عدم علمه بأن لها عذرًا، ولم يسأل المجامع عن امرأته ألها عذر في الإفطار أم لا؟ أتستطيع على الكفارة أم لا؟ بل وجه الأسئلة والخطاب له وحده والقولان قويان، والثاني أقرب، والله أعلم، وهو ترجيح شيخنا مقبل الوادعي ﵀. انظر: "الفتح" (١٩٣٦)، "المغني" (٣/ ٢٧)، "شرح المهذب" (٦/ ٣٣١)، "الشرح الممتع" (٦/ ٤١٤ - ٤١٥)، الاستذكار (١٠/ ١٠٨ - ١٠٩)، "المحلى" (٤/ ٣٢٧). مسألة: إذا أُكْرهت المرأة على الجماع ؟ في المسألة أقوال: الأول: أنه لا كفارة عليها، وعليها القضاء، وهو قول أحمد، والأوزاعي، والثوري، وهو قول الحسن، وأصحاب الرأي، ويلتحق به إذا وَطِئها وهي نائمة؟ الثاني: إن كان الإكراه بوعيد حتى فعلت فكالقول الأول، وإن كان إلجاءً؛ لم تفطر، وكذا إن وطئها نائمة، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر.

стр. 119

الثالث: لا كفارة عليها ولا قضاء -وإن كان الإكراه بوعيد- وصومها صحيح، وهو وجه عند الشافعية صححه النووي، والشيرازي في "التنبيه"، والرافعي في "الشرح" وآخرون، وهو الراجح. وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀ في ظاهر كلامه، والله أعلم. انظر: "شرح المهذب" (٦/ ٣٢٥ - ٣٣٦)، "المغني" (٣/ ٢٧)، "الشرح الممتع" (٦/ ٤١٦). مسألة: إذا طلع الفجر والرجل مجامع، واستدام الجماع ؟ في المسألة قولان: القول الأول: يجب عليه القضاء والكفارة، وهو قول أحمد، والشافعي، ومالك؛ لأنه ترك صوم رمضان بجماع أثم به؛ لحرمة الصوم فيه، فوجبت به الكفارة كما لو وَطِئ بعد طلوع الفجر، وعزا هذا القول النووي إلى الجمهور. القول الثاني: يجب القضاء دون الكفارة؛ لأن وطأه لم يصادف صومًا صحيحًا، فلم يوجب الكفارة كما لو ترك النية وجامع، وهو قول أبي حنيفة. والقول الأول هو الصحيح؛ إلا أن القضاء لا يجزئه كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى فيما بعد. انظر: "المغني" (٣/ ٢٩)، "المجموع" (٦/ ٣٣٨). مسألة: إذا طلع الفجر وهو مجامع، فترك في الحال ؟ في المسألة قولان عند الحنابلة وغيرهم، والصحيح أنه لا قضاء عليه ولا كفارة، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه تَرَكَ الجماع؛ فلا يتعلق به ما يتعلق بالجماع.

стр. 120

وقال مالك: يبطل صومه ولا كفارة عليه. والراجح: أنه لا قضاء عليه ولا كفارة، وهو ترجيح ابن حزم، وقد أسند البيهقي (٤/ ٢١٩) بإسناد صحيح عن ابن عمر، ﵄، أنه قال: لو نودي الصلاة، والرجل على امرأته؛ لم يمنعه ذلك أن يصوم إذا أراد الصيام؛ قام واغتسل، ثم أتم صيامه. انظر: "المغني" (٣/ ٢٩)، "المحلى" (٧٥٦). مسألة: من جامع فلم يكفر حتى جامع ثانية في يوم واحد ؟ قال ابن قدامة ﵀: إن كان في يوم واحد؛ فكفارة واحدة تجزئه بغير خلاف عند أهل العلم. اهـ قال ابن عبدالبر: وأجمعوا على أن من وطئ في يوم واحد مرتين فأكثر أنه ليس عليه إلا كفارة واحدة. اهـ انظر: "المغني" (٣/ ٣٢)، "التمهيد" (٧/ ٢٥٩)، "المحلى" (٧٧١). مسألة: إن جامع فلم يكفر حتى جامع في اليوم الثاني ؟ فيها قولان: الأول: أن عليه كفارة واحدة، وهو قول الزهري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، وهو ظاهر إطلاق الخِرَقِي؛ لأنها جزاء عن جناية تكرر سببها قبل استيفائها فيجب أن تتداخل كالحد.

стр. 121

الثاني: تلزمه كفارتان ولا تجزئه واحدة، وهو قول مالك، والليث، والشافعي، واختاره بعض الحنابلة، ورجحه ابن المنذر، ورُوي ذلك عن عطاء، ومكحول؛ لأن كل يوم عبادة منفردة، فإذا وجبت الكفارة بإفساده لم تتداخل كرمضانين، وكالحجين. والقول الثاني هو الراجح، ورجحه ابن حزم. انظر: "المغني" (٣/ ٣٣)، "شرح المهذب" (٦/ ٣٣٦ - ٣٣٧)، "المحلى" (٧٧١). مسألة: من جامع ثم كَفَّر، ثم جامع في يوم واحد، فهل عليه كفارة ثانية ؟ في المسألة قولان: الأول: أن عليه كفارة ثانية، وهو قول أحمد؛ لأنه وَطْء محرم بحرمة رمضان فأوجب الكفارة كالأول. الثاني: أنه لا تلزمه إلا كفارة واحدة، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة؛ لأن الجماع الثاني لم يصادف الصوم ولم يمنع صحته، وهذا القول هو الراجح والله أعلم، وهو الذي رجحه ابن حزم ﵀، ثم شيخنا الإمام الوادعي ﵀. انظر: "المغني" (٣/ ٣٣)، "شرح المهذب" (٦/ ٣٣٦ - ٣٣٧)، "المحلى" (٧٧١). مسألة: إن جامع ثم كَفَّر، ثم جامع في اليوم الثاني فهل عليه كفارة ؟ قال ابن قدامة ﵀: عليه كفارة ثانية بغير خلاف نعلمه. اهـ

стр. 122

انظر: "المغني" (٣/ ٣٣)، "شرح المهذب" (٦/ ٣٣٦ - ٣٣٧)، "المحلى" (٧٧١). مسألة: إذا جامع في أول النهار، ثم مرض، أو جُنَّ، أو كانت امرأةً فحاضت، أو نفست في أثناء النهار، فهل تسقط الكفارة ؟ في المسألة قولان: الأول: أنها تسقط، وهو قول الحنفية، وأحد قولي الشافعي، واحتجوا بأن صوم هذا اليوم خرج عن كونه مستحقًّا، فلم يجب بالوطء فيه كفارة كصوم المسافر، أو كما لو قامت البينة أنه من شوال. الثاني: أنها لا تسقط، وهو قول أحمد، ومالك، والليث، وإسحاق، وابن الماجشون، وأحد قولي الشافعي، وهو ترجيح ابن حزم؛ لأن ما أوجبه الله تعالى لا يسقط بعد وجوبه إلا بنص، ولا نص في سقوطها، وهذا القول عزاه النووي للجمهور، ورجحه الإمام ابن عثيمين ﵀، وهو الراجح إن شاء الله تعالى. انظر: "المغني" (٣/ ٢٨)، "المحلى" (٧٣٨)، "الشرح الممتع" (٦/ ٤٢٢)، "المجموع" (٦/ ٣٤٠). قال النووي ﵀: واتفقوا على أنها لا تسقط بالسفر إلا ابن الماجشون المالكي فأسقطها به. انظر: "المجموع" (٦/ ٣٤٠). مسألة: المُجامع لامرأته في دبرها ؟ قال ابن قدامة ﵀: ولا فرق بين كون الفرج قبلًا أو دبرًا من ذكر أو أنثى، وبه قال الشافعي.

стр. 123

وقال أبو حنيفة في أشهر الروايتين عنه: لا كفارة في الوطء في الدبر؛ لأنه لا يحصل به الإحلال، ولا الإحصان فلا يوجب الكفارة كالوطء دون الفرج. قال ابن قدامة ﵀: ولنا أنه أفسد صوم رمضان بجماع في الفرج؛ فأوجب الكفارة كالوطء. اهـ قال النووي ﵀: واتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أن وطء المرأة في الدبر، واللواط بصبي، أو رجل، كوطء المرأة في القبل في جميع ما سبق. انظر: "المغني" (٣/ ٢٧)، شرح "كتاب الصيام" (١/ ٣٠٠ - ٣٠١)، "المجموع" (٦/ ٣٤١ - ٣٤٢). مسألة: إن جامع دون الفرج فأنزل ؟ في المسألة أقوال: الأول: أنه يفطر، وعليه الكفارة، وهو قول مالك، وعطاء، والحسن، وابن المبارك، وإسحاق، ورواية عن أحمد؛ لأنه أفطر بجماع فأوجب الكفارة كالجماع في الفرج. الثاني: أنه يفطر وليس عليه الكفارة، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد، ورجحه ابن قدامة؛ لأنه أفطر بغير جماع تام فأشبه القبلة، ولأن الأصل عدم وجوب الكفارة ولا نص في وجوبها ولا إجماع، ولا يصح قياس ذلك على الجماع في الفرج؛ لأنه أبلغ بدليل أنه يوجبها من غير إنزال، ويجب به الحد إذا كان محرمًا؛ ولأن العلة في الأصل الجماع في الفرج سواء أنزل أم لم ينزل، والله أعلم. الثالث: أنه لا يفطر بالإنزال إذا باشر دون الفرج، ذكره ابن مفلح في "الفروع"

стр. 124

احتمالًا ومال إليه، وقد تقدم أنه قول ابن حزم، والصنعاني، ثم الألباني رحمة الله عليهم أجمعين. والذي يظهر -والله أعلم- أن القول الثاني هو الراجح، وهو ترجيح الإمام ابن باز، وابن عثيمين رحمة الله عليهما. تنبيه: معنى الجماع دون الفرج: أن يباشرها بِفَرْجه في موضع من بدنها على أي وجهٍ كان، سواء أولج بين فخذيها، ونحوه من بدنها أم لم يولج. انظر: "المغني" (٣/ ٢٦)، "الإنصاف" (٣/ ٢٨٤)، شرح "كتاب الصيام" (١/ ٣٠٢)، "المجموع" (٦/ ٣٤٢). مسألة: الوطء بزنا أو شبهه ؟ قال النووي ﵀: الوطء بزنا، أو شبهه، أو في نكاح فاسد، أو وطء أمته، أو أخته، أو ابنته، والكافرة، وسائر النساء سواء في إفساد الصوم ووجوب القضاء والكفارة، وإمساك بقية النهار، وهذا لا خلاف فيه. اهـ انظر: "المجموع" (٦/ ٣٤١). مسألة: من كان جاهلاً بتحريم الجماع في نهار رمضان فهل عليه كفارة ؟ قال الإمام النووي ﵀: في "المجموع" (٦/ ٣٤٤): إذا وَطِئ الصائم في نهار رمضان وقال: (جهلت تحريمه)؛ فإن كان ممن يخفى عليه؛ لقرب إسلامه

стр. 125

ونحوه فلا كفارة وإلا وجبت، ولو قال: (علمت تحريمه وجهلت وجوب الكفارة)؛ لزمته الكفارة بلا خلاف. اهـ مسألة: من أتى امرأته وهو يغلب على ظنه أن الفجر لم يطلع ثم تبين له أن الفجر قد طلع فما الحكم وهل عليه كفارة ؟ في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أن عليه القضاء والكفارة وهو المشهور من مذهب أحمد. الثاني: أن عليه القضاء ولا كفارة، وهو قول ثان في مذهب أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ومالك. الثالث: لا قضاء عليه ولا كفارة، وهذا قول طوائف من السلف كسعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن، وإسحاق، وداود وأصحابه. وهذا القول الثالث هو الراجح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وهذا القول هو أصح الأقوال وأشبهها بأصول الشريعة، ودلالة الكتاب والسنة، وهو قياس أصول أحمد وغيره؛ فإن الله رفع المؤاخذة عن الناسي والمخطئ، وهذا مخطئ، وقد أباح الله الأكل والوطء حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، واستحب تأخير السحور، ومن فعل ما ندب إليه، وأبيح له لم يفرط، فهذا أولى بالعذر من الناسي. انظر: "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢٦٣ - ٢٦٤).

стр. 126

مسألة: إذا نسي النية وجامع في ذلك اليوم ؟ قال النووي ﵀: إذا جامع في ذلك اليوم ونسي النية فلا كفارة في ذلك اليوم بلا خلاف؛ لأنه لم يفسد به صومًا. اهـ انظر: "المجموع" (٦/ ٣٤٤). مسألة: كفارة المفطر بجماع في قضاء رمضان ؟ قال ابن عبد البر ﵀: وأجمعوا على أن المجامع في قضاء رمضان عامدًا لا كفارة عليه، حاشا قتادة وحده. اهـ قلتُ: ويدل على قول الجمهور أن الأصل براءة الذمة من هذه الكفارة، والدليل الذي جاء بهذه الكفارة -أعني: حديث أبي هريرة الذي تقدم ذكره في أول الفصل- إنما هو في المجامع في نهار رمضان، والله أعلم. وقول الجمهور هو الراجح، وهو ترجيح ابن حزم، ثم الشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين. انظر: "التمهيد" (٧/ ٢٥٨)، "المغني" (٣/ ٢٨)، "المحلى" (٣/ ٣٢٧)، "المجموع" (٦/ ٣٤٥)، شرح "كتاب الصيام" (١/ ٣٠٩)، "الشرح الممتع" (٦/ ٤٢٢). مسألة: هل الكفارة مخصوصة بالجماع، أم تشمل المفطر بأكل أو شرب ؟ ذهب الجمهور إلى أنها مخصوصة بمن أفطر بجماع؛ لأن الدليل جاء في ذلك دون غيره. وذهب أحمد في رواية، وهو قول مالك وأصحابه، والثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، والأوزاعي، وإسحاق إلى أن عليه من الكفارة ما على المجامع، وقاسوا

стр. 127

الإفطار بالأكل والشرب على الإفطار بالجماع، والجامع بينهما انتهاك حرمة الشهر بما يفسد الصوم عمدًا. وقول الجمهور هو الصحيح، وهو رواية مشهورة عن أحمد ﵀، صححها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو قول سعيد بن جبير، وابن سيرين، وجابر بن زيد، والشعبي، وقتادة. وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ وجوهًا في ترجيح هذا القول: أحدها: أن الأصل براءة الذمة من هذه الكفارة، والحديث إنما يوجبها في الوقاع، فإلحاق غيره به يحتاج إلى دليل، والقياس فيها ليس بالبَيِّن؛ لجواز أن يكون الجماع قد تضمن وصفًا فارق به غيره، فما لم يقم دليل أن موجب الكفارة مجرد الفطر، لم يجز الإيجاب بمجرد الظن. الثاني: أنه لو وجب لأجل الإفطار؛ لاستوى فيه جميع المفطرات؛ فإن تخصيص بعضها دون بعض نوع تشريع يحتاج إلى دلالة الشرع. قلتُ: وهم لا يقولون بالكفارة فيمن استقاء. الثالث: أن الجماع يفارق غيره بقوة داعيه، وشدة باعثه؛ فإنه إذا هاجت شهوته لم يكد يزعها وازع العقل، ولم يمنعها حارس الدين، وهو قول عمر، وعلي (١) ﵄، ولا يعلم لهما مخالف من الصحابة.

стр. 128

وهذا القول هو الراجح، وهو الذي رجحه ابن حزم، وهو ترجيح شيخنا الإمام مقبل بن هادي الوادعي ﵀. انظر: "الاستذكار" (١٠/ ١٠٠)، "الصيام" (١/ ٢٧٢)، "المحلى" (٧٣٧). مسألة: إذا أفطر بالأكل أو الشرب ثم جامع فهل عليه كفارة ؟ في المسألة قولان: أحدهما: وجوب الكفارة، وهو قول جمهور العلماء كمالك، وأحمد، وأبي حنيفة، وغيرهم. الثاني: أنها لا تجب الكفارة، وهو مذهب الشافعي، وهذان القولان مبناهما على كون الكفارة هل هي بسبب إفساد الصوم، أم بسبب انتهاك حرمة ذلك اليوم بالجماع؟ وقد رجَّح شيخ الإسلام ﵀ القول الأول بكلام قوي كما في "مجموع الفتاوى". والذي يظهر لي -والله أعلم- أن القول الثاني أرجح؛ لأن حديث أبي هريرة ﵁ في كفارة المجامع كان في من أفسد صيامه بذلك، وفي الحديث يقول: وقعت على امرأتي وأنا صائم. وهذا قيد بُنِي عليه الحكم، فلا ينبغي إهماله، وهذا لا ينافي كون هذا الرجل أشد ذنبًا من الذي جامع فقط؛ لأنه اقترف ما حرم الله عليه مرتين؛ إلا أنه إن فعل ذلك تَحَيُّلًا على الجماع؛ فالذي يظهر أنَّ عليه الكفارة، والله أعلم.

стр. 129

انظر: "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢٦٢ - ٢٦٣). مسألة: الكفارة على المعسر ؟ في المسألة قولان: الأول: أنها تسقط، وهو الصحيح في مذهب أحمد، وأحد قولي الشافعي، وهو قول الأوزاعي، وعيسى بن دينار من المالكية، واستدلوا بعدم أمر النبي ﷺ للمجامع أن يؤدي الكفارة إذا أيسر، ورجحه ابن قدامة. الثاني: أنها لا تسقط، بل تبقى في ذمته إلى اليسر، وهو قول الجمهور، ورواية عن أحمد، وقولٌ للشافعي، واستدلوا بأن هذا هو الأصل في الكفارات وأنها لا تسقط بالعجز عنها، بل تبقى في الذمة. ويدل على هذا أيضًا أن الرجل بعد أن عجز عن الثلاث سكت النبي ﷺ ، وجلس الرجل ولم يقل له النبي ﷺ : لا شيء عليك، بل عند أن جاءه المِكْتَل قال: «خذ هذا فتصدق به عنك؟»، وفي رواية: «عن نفسك»، فهذا يدل على أن ذمته لم تبرأ. قال شيخ الإسلام ﵀: وأما ما استدلوا به من تأخير البيان فلا دلالة له فيه؛ لأن العلم بالوجوب قد تقدم، ولم يرد في الحديث ما يدل على الإسقاط؛ لأنه لما أخبره بعجزه ثم أمره بإخراج العِرْق دل على أن لا سقوط على العاجز، ولعله أخر البيان إلى وقت الحاجة وهو القدرة. اهـ قال ابن عبد البر ﵀: إن احتج محتج في إسقاط الكفارة عن المعسر بأن

стр. 130

رسول الله ﷺ إذ قال له: (كله أنت وعيالك)، لم يقل له وتؤديها إذا أيسرت؛ ولو كانت واجبة لم يسكت عنه حتى يبين ذلك له، قيل له: ولا قال له رسول الله ﷺ : إنها ساقطة عنك؛ لعسرتك، بعد أن أخبره بوجوبها عليه وكل ما وجب أداؤه في اليسار لزم الذمة إلى الميسرة على وجهه، والله أعلم. وهذا القول هو الراجح، أعني: قول الجمهور، وهو ترجيح ابن حزم ﵀. انظر: "الفتح" (١٩٣٦)، "المغني" (٣/ ٣٢)، الاستذكار (١٠/ ١٠٥ - ١٠٧)، شرح "كتاب الصيام" (١/ ٢٩٦)، "توضيح الأحكام" (٣/ ١٩٤)، "المحلى" (٧٥١). مسألة: هل يشترط أن تكون الرقبة مؤمنة ؟ ذهب الجمهور إلى اشتراط الإيمان؛ حملًا للمطلق في قوله ﷺ : «هل تجد رقبة تعتقها؟» على المقيد في كفارة القتل في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]. وإنما قيد المطلق؛ لأن القياس يقتضي ذلك فيكون تقييدًا بالقياس، كالتخصيص بالقياس، والعلة الجامعة هنا هو أن جميع ذلك كفارة عن ذنب. واستدلوا أيضًا بحديث معاوية بن الحكم السُّلمي ﵀ في "صحيح مسلم" (٥٣٧)، أن النبي ﷺ قال: «أَعْتقها؛ فإنها مؤمنة». وذهب الحنفية، وابن حزم إلى جواز عتق الكافرة، وهو قول عطاء، والنَّخعي، والثوري.

стр. 131

والراجح القول الأول، ويؤيده حديث: «أَعْتقها؛ فإنها مؤمنة» كما تقدم، فقد علل النبي ﷺ عتقها؛ لكونها مؤمنة، وهو ترجيح الشوكاني، والصنعاني. انظر: "المحلى" (٧٤٠)، تكملة "شرح المهذب" (١٧/ ٣٦٨)، "سبل السلام" (٤/ ١٤٨)، "المغني" (٨/ ١٧ - ١٨). مسألة: هل يشترط في الرقبة أن تكون سالمة من العيوب ؟ ذهب الجمهور من الشافعية، والحنابلة، والحنفية وغيرهم إلى تفاصيل -على خلاف فيما بينهم- في كون العيوب الشديدة التي تضر بالعمل ضررًا بينًا لا تجزئ. وذهب داود الظاهري، وابن حزم إلى جواز عتق كل رقبة، معيبة كانت أو غير معيبة. قال ابن حزم- ﵀: وأما المعيب فكلهم متفق على إجازة العيب الخفيف فيها، ولم يأت نص ولا إجماع ولا قياس في الفرق بين العيوب في ذلك. وقال: وأيضًا فلا سبيل لهم إلى تحديد الخفيف الذي أجازوه من الكثير الذي لا يجيزونه فصح أنه رأي فاسد من آرائهم. اهـ قلتُ: الذي يظهر لي -والله أعلم- أن العبد إذا كان في حال لا ينتفع بعتقه، ولا ينفع غيره أنه لا يجزئ، فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧].

стр. 132

وقال النبي ﷺ : «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا» (١)، ولكن إذا لم يجد إلا هذه الرقبة فتجزئه، والله أعلم. انظر: تكملة "شرح المهذب" (١٧/ ٣٦٨)، "المحلى" (٧٤٠)، "المغني" (٨/ ١٨). مسألة: من لم يجد إلا رقبة لا غنى له عنها فهل يلزمه عتقها ؟ من وجبت عليه الكفارة ولا يجد إلا رقبة لا غنى له عنها وعن خدمتها؛ لكونه كبيرًا أو مريضًا أو نحو ذلك؛ فإنه لا يلزمه عتقها؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]. وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]. وهذا قول أحمد، والشافعي خلافًا لمالك، وأبي حنيفة، والأوزاعي. انظر: تكملة "المجموع" (١٧/ ٣٦٧)، "المحلى" (٧٥٠)، "المغني" (٨/ ٢٠). مسألة: هل يجزئ أن تكون الرقبة أم ولد أو مُدبَّرًا ؟ ذهب أبو حنيفة، ومالك إلى أنهما لا يجزئان، وقال الشافعي: لا تجزئ أم الولد؛ لأنها لا تباع. وأجاز عتق المدبر. وذهب عثمان البتي، وداود، وابن حزم إلى الجواز. قال ابن حزم ﵀: فمعتق كل واحد منهما يسمى معتق رقبة، وعتق كل واحد منهما عتق رقبة بلا خلاف، فوجب أن من فعل كل واحدة منهما فقد فعل ما

стр. 133

أمره الله تعالى به. وقال -ردًّا على الشافعي-: وهل اشترط ﵇ إذ أمر بالكفارة بعتق رقبة أن تكون ممن يجوز بيعها -حاشا لله من هذا- فإذا لم يشترط ﵇ هذه الصفة؛ فاشتراطها باطل وشرع في الدين لم يأذن به الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]. انظر: "المحلى" (٧٤٠)، تكملة "المجموع" (١٧/ ٣٧٠). مسألة: المكاتب هل يجزئ في عتق الرقبة ؟ إن كان لم يؤد شيئًا، فيجزئ؛ لأنه ما زال عبدًا، وإن كان قد أدى شيئًا فلا يجزئ؛ لكون بعضه حرًّا، فيكون قد أعتق بعض رقبة، وهذا مذهب أحمد، وإسحاق، وأبي حنيفة، ورجحه ابن حزم. وذهب الشافعي، ومالك، والأوزاعي، والثوري إلى عدم الإجزاء مطلقًا؛ لأن عتقه مستحق بسبب آخر سابق لعتقه عن الكفارة. وذهب أحمد في رواية، وأبو ثور إلى الإجزاء مطلقًا، وهذا هو الصحيح؛ لأنه ما زال عبدًا، والله أعلم. انظر: "المحلى" (٧٤٠)، و"الإنصاف" (٩/ ٢٢٣)، و"البيان" (١٠/ ٣٧٣).

стр. 134

مسألة: إذا شرع في الصيام، ثم وجد ما يعتق فهل يلزمه العتق ؟ فيها ثلاثة أقوال: الأول: أنه يلزمه الرجوع إلى العتق، وهو قول أبي حنيفة، واستدل بأنه قد قدر على الأصل قبل أداء فرضه بالبدل؛ فبطل حكم البدل كالمتيمم يرى الماء. الثاني: لا يلزمه الرجوع إلى العتق إلا أن يشاءه فيجزئه، ويكون قد فعل الأولى، وهو قول أحمد، والشافعي، ورجحه ابن قدامة؛ لكونه قد شرع في الكفارة الواجبة فأجزأته كما لو استمر العجز إلى فراغها، وفارق العتق التيمم لوجهين: ١ - أن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يستره، فإذا وجد الماء بطل حكمه بخلاف الصوم؛ فإنه يرفع حكم الجماع بالكلية. ٢ - أن الصيام تطول مدته، فيشق إلزامه الجمع بينه وبين العتق، بخلاف الوضوء والتيمم. وكذلك فإن العتق مأمور به إذا وجده، وهذا لم يجده حتى تلبس بالصيام، فمن أين لنا أن نوجب العتق عليه بعد ذلك؟ بخلاف التيمم، فقد قال النبي ﷺ : «فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته». (١) الثالث: أنه يلزمه الصوم، ولا يجوز له الرجوع إلى العتق، وهو قول ابن حزم.

стр. 135

والراجح -والله أعلم- هو القول الثاني. انظر: "المغني" (٣/ ٣٠)، "المحلى" (٧٤٩). مسألة: هل يلزمه المتابعة في صيام الشهرين ؟ قال ابن قدامة ﵀: ولا خلاف بين من أوجبه أنه شهران متتابعان للخبر. اهـ انظر: "المغني" (٣/ ٣٠)، "المحلى" (٧٤٢)، تكملة "المجموع" (١٧/ ٢٧٣). مسألة: إذا صام شهرين متتابعين، فهل يعتبر العدد أم الأَهلَّة ؟ قال ابن قدامة ﵀: ويجوز أن يبتدئ صوم الشهرين من بداية الشهر، ومن أثنائه، لا نعلم في هذا خلافًا. قال: فإن صام من أول الشهر شهرين بالأهلة؛ أجزأه ذلك تامين وناقصين إجماعًا. قال: وإن بدأ من أثناء الشهر فصام ستين يومًا؛ أجزأه بلا خلاف أيضًا. قال ابن المنذر ﵀:أجمع على هذا من نحفظ عنه من أهل العلم. اهـ قال أبو عبد الله: أما إذا صام من أول الشهر؛ فالذي يلزمه هو الصوم على الأهلة؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]. وأما إذا ابتدأ من أثناء الشهر؛ فإنَّ الشهر الثاني يصومه على الهلال، ثم يتم بقية الشهر الأول تمام الثلاثين عند أكثر أهل العلم. وخالف ابن حزم، فقال: لا يلزمه إلا تسعة وعشرون يومًا؛ لأن الشهر قد

стр. 136

يكون تسعة وعشرين. والأحوط القول الأول؛ لأن الله أوجب عليه صيام شهرين، ولأنه قد تعذر اعتبار الهلال، فعليه الأخذ بالأكثر حتى يؤدي ما عليه. انظر: "المغني" (٨/ ٣٠ - ٣١)، تكملة "المجموع" (١٧/ ٣٧٣ - ٣٧٤)، "المحلى" (٧٤٥). مسألة: قطع التتابع لعذر ؟ عذر الحيض: قال ابن قدامة ﵀: وأجمع أهل العلم على أن الصائمة متتابعًا إذا حاضت قبل إتمامه تقضي إذا طهرت وتبني؛ وذلك لأن الحيض لا يمكن التحرز منه في الشهرين إلا بتأخيره إلى اليأس، وفيه تغرير بالصوم؛ لأنها ربما ماتت قبله. عذر النفاس: فيه وجهان عند الحنابلة، والشافعية، والصحيح أنه لا يقطع التتابع، وهو قول المالكية؛ لأنه بمنزلة الحيض في أحكامه؛ ولأن الفطر لا يحصل فيهما بفعلهما. ومذهب الحنفية: أنه يقطع التتابع، وقال بعضهم: لا يصح قياسه على الحائض؛ لأنه أندر منه، ويمكن التحرز عنه. والصحيح ما قدمناه، فلو أن امرأة صامت خمسين يومًا مثلاً ثم أسقطت، أو ولدت فأصبحت نفساء، فمن أين لنا أن نوجب عليها شهرين من جديد؟!! قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨].

стр. 137

وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]. انظر: "المغني" (٨/ ٢١ - ٢٢)، تكملة "المجموع" (١٧/ ٣٧٤)، "روضة الطالبين" (٨/ ٣٠٢)، "الموسوعة الفقهية الكويتية" (١٠/ ١٣٢). عذر المرض، فيه قولان: القول الأول: أنه لا يقطع التتابع، روي ذلك عن ابن عباس ﵄، وبه قال ابن المسيب، والحسن، وعطاء، والشعبي، وطاوس، ومجاهد، ومالك، وإسحاق، وأبو عبيد، وأحمد، وأبو ثور، وابن المنذر، والشافعي في القديم؛ لأنه أفطر بسبب لا صنع له فيه فلم يقطع التتابع كإفطار المرأة للحيض. ولأنا إذا قلنا: إنه ينقطع بالمرض؛ لأدى ذلك إلى أن يتسلسل؛ لأنه لا يأمن وقوع المرض إذا استأنف بعد البرء. القول الثاني: أنه يقطع التتابع، وهو قول سعيد بن جبير، والنَّخعي، والحكم، والثوري، وأصحاب الرأي، وهو قول الشافعي في الجديد؛ لأنه أفطر بفعله، فلزمه الاستئناف. والراجح القول الأول. انظر: "المغني" (٨/ ٢٢)، تكملة "المجموع" (١٧/ ٣٧٥) "الموسوعة الفقهية" (١٠/ ١٣٤). عذر السفر، فيه قولان: الأول: أنه يقطع التتابع، وهو قول مالك، وأصحاب الرأي، والمشهور عند الشافعية، وقال به بعض الحنابلة، قالوا: لأن السفر يحصل باختياره؛ فقطع التتابع

стр. 138

كما لو أفطر بغير عذر. الثاني: أنه لا يقطع التتابع، وهو ظاهر مذهب أحمد، وقال به الحسن، وبعض الشافعية، وقالوا: إنه أفطر لعذر مبيح للفطر فلم ينقطع به التتابع، كإفطار المرأة بالحيض، ففارق الفطر بغير عذر؛ فإنه لا يباح، وهذا اختيار الإمام ابن باز ﵀ في آخرين من أعضاء اللجنة الدائمة. والقول الأول أقرب؛ إلا إذا اضطر إلى السفر اضطرارًا وشق عليه الصوم، فيرخص له في الفطر، ولا يقطع التتابع، والله أعلم. انظر: "المغني" (٨/ ٢٢)، تكملة "المجموع" (١٧/ ٣٧٥) "الموسوعة الفقهية" (١٠/ ١٣٣). عذر الحامل والمرضع: إن أفطرتا خوفًا على أنفسهما؛ فهما كالمريض، وإن أفطرتا خوفًا على ولديهما؛ ففيهما وجهان عند الحنابلة والشافعية. ومقتضى مذهب الحنفية، والمالكية: أنه يقطع التتابع. انظر "المغني" (٨/ ٢٢)، تكملة "المجموع" (١٧/ ٣٧٥) "الموسوعة الفقهية" (١٠/ ١٣٤). عذر الجنون والإغماء: قال ابن قدامة ﵀: وإن أفطر لجنونٍ، أو إغماءٍ؛ لم ينقطع التتابع؛ لأنه عذر لا صنع له فيه فهو كالحيض.

стр. 139

قلت: وهو مقتضى قول الجمهور. انظر: "المغني" (٨/ ٢٢). مسألة: إذا أفطر أثناء الشهرين بغير عذر، أو قطع التتابع بصوم نذر، أو قضاء، أو كفارة أخرى ؟ يلزمه استئناف الشهرين؛ لأنه أخل بالتتابع المشروط، ويقع صومه عما نواه؛ لأن هذا الزمان ليس بمستحق متعين للكفارة؛ ولهذا يجوز صومها في غيره بخلاف شهر رمضان؛ فإنه متعين لا يصلح لغيره. انظر: "المغني" (٨/ ٢٣)، تكملة "المجموع" (١٧/ ٣٧٥ - ٣٧٦). مسألة: إذا تخلل الشهرين المتتابعين صوم رمضان، وأيام العيد ؟ قال ابن قدامة ﵀ في "المغني" (١١/ ١٠٣): إذَا تَخَلَّلَ صَوْمَ الظِّهَارِ زَمَانٌ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ، مِثْلُ أَنْ يَبْتَدِئَ الصَّوْمَ مِنْ أَوَّلِ شَعْبَانَ، فَيَتَخَلَّلَهُ رَمَضَانُ وَيَوْمُ الْفِطْرِ، أَوْ يَبْتَدِئَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَيَتَخَلَّلَهُ يَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ؛ فَإِنَّ التَّتَابُعَ لَا يَنْقَطِعُ بِهَذَا، وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ، وَيَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرَيْنِ بِمَا كَانَ يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ إذَا أَفْطَرَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ صَامَ عَنْ نَذْرٍ، أَوْ كَفَّارَةٍ أُخْرَى. وَلَنَا أَنَّهُ زَمَنٌ مَنَعَهُ الشَّرْعُ عَنْ صَوْمِهِ فِي الْكَفَّارَةِ، فَلَمْ يَقْطَعْ التَّتَابُعَ، كَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ؛ فَإِنْ قَالَ: الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ غَيْرُ مُمْكِنٍ التَّحَرُّزُ مِنْهُ. قُلْنَا: قَدْ يُمْكِنْ التَّحَرُّزُ مِنْ النِّفَاسِ بِأَنْ لَا تَبْتَدِئَ الصَّوْمَ فِي حَالِ الْحَمْلِ، وَمِنْ الْحَيْضِ إذَا كَانَ طُهْرُهَا يَزِيدُ عَلَى الشَّهْرَيْنِ، بِأَنْ تَبْتَدِئَ الصَّوْمَ عَقِيبَ طُهْرِهَا مِنْ الْحَيْضَةِ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِهِ، وَلَا

стр. 140

يَجُوزُ لِلْمَأْمُومِ مُفَارَقَةُ إمَامِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ الْمَسْبُوقُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، مَعَ عِلْمِهِ بِلُزُومِ مُفَارَقَتِهِ قَبْلَ إتْمَامِهَا. اهـ قلتُ: والقول بانقطاع التتابع هو قول الحنفية، وقال به المالكية في حق من لم يجهل الحال، وعلم أنه سيوافق هذه الأيام، وما رجحه ابن قدامة ﵀ هو الراجح عندي، والله أعلم. "الموسوعة الفقهية" (١٠/ ١٣٣)، "الروضة" (٨/ ٣٠٣)، "جواهر الإكليل" (١/ ٣٧٧). مسألة: إذا كفر بالإطعام، فهل يلزمه ستين مسكينًا ؟ في المسألة قولان: الأول: أنه يجزئ أن يطعم، ولو مسكينًا واحدًا ستين مرة، أو عشرة مساكين ست مرات، وهكذا، وهو قول الحنفية. الثاني: يلزمه أن يكونوا ستين مسكينًا، وهو قول الجمهور، وأحمد، والشافعي، ورجحه ابن حزم وغيره من أهل العلم؛ لقول الرسول ﷺ : «هل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟». قال ابن دقيق العيد ﵀: أضاف الإطعام الذي هو مصدر أطعم إلى ستين مسكينًا، فلا يكون ذلك موجودًا في حق من أطعم ستة مساكين عشرة أيام مثلًا. انظر: "المغني" (٣/ ٣١)، "الفتح" (١٩٣٦)، "المحلى" (٤/ ٣٢٨) رقم (٧٤٨)، "النيل" (٤/ ١٢٥).

стр. 141

مسألة: مقدار الإطعام ؟ اختلف في تقديره الحنابلة، والشافعية، والحنفية وغيرهم، فمنهم من قدره بالمد لكل مسكين، ومنهم من قدره بالصاع، ولهم تفاصيل في ذلك، والصحيح أنه لا حدَّ له، ويجب عليه أن يشبعهم، وهو رواية عن أحمد. قال ابن حزم ﵀: ولا يجوز تحديد إطعام دون إطعام بغير نص، ولا إجماع، ولا يختلف فيما دون الشبع في الأكل، وفيما دون المد من الإعطاء أنه لا يجزئ. وهذا القول هو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. انظر: "المغني" (٣/ ١٣)، "المحلى" (٧٤٦)، "مجموع الفتاوى" (٣٥/ ٣٤٩). مسألة: هل يجزئ إطعام الطفل الذي لم يطعم ؟ قال الشافعي: يجزئ، ويسلمه إلى وليه. وقالت الحنفية: لا يجزئ؛ لكونه لا يطعم. وهو ترجيح ابن حزم، وهو الراجح؛ لقوله ﷺ : «هل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟»، والطفل الذي لم يطعم كيف يمكن إطعامه؟! انظر: "الفتح" (١٩٣٦)، "المحلى" (٧٤٧). مسألة: هل يلزم التتابع في إطعام المساكين ؟ قال ابن قدامة ﵀: ولا يلزم التتابع في الإطعام، نصَّ عليه أحمد في رواية الأثرم، وقيل له: تكون كفارة يمين فيطعم اليوم واحدًا، وآخر بعد أيام، وآخر بعد حتى يستكمل عشرة؟ فلم ير بذلك بأسًا. انظر: "المغني" (٨/ ٢٦).

стр. 142

فَصْل فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِصِيَامِ أَهْلِ الأَعْذَارِ أولاً المريض مسألة: أحوال المريض: قال القرطبي ﵀: للمريض حالتان: إحداهما: ألَّا يطيق الصوم بحال؛ فعليه الفطر واجب. الثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة؛ فهذا يستحب له الفطر، ولا يصوم إلا جاهل. اهـ انظر: "تفسير القرطبي" (٢/ ٢٧٦). مسألة: ضابط المرض الذي يرخص فيه الفطر ؟ قال النووي ﵀: قال أصحابنا: شرط إباحة الفطر أن يلحقه بالصوم مشقة يشق احتمالها، وأما المرض اليسير الذي لا يلحقه مشقة ظاهرة لم يجز له الفطر بلا خلاف عندنا خلافًا لأهل الظاهر. اهـ وما قرره الشافعية هو الذي عليه الحنابلة، والمالكية، حكاه عن الحنابلة ابن قدامة، والمرداوي، وعن المالكية أبو عبد الله القرطبي. انظر: "المجموع" (٦/ ٢٥٨)، "الإنصاف" (٣/ ٢٥٧ - ٢٥٨)، "المغني" (٣/ ٤١)، "تفسير القرطبي" (٢/ ٢٧٦).

стр. 143

مسألة: المريض مرضًا لا يرجى بُرْؤه ؟ قال النووي ﵀: حكمه كحكم الشيخ العاجز عن الصيام بلا خلاف. قلتُ: سيأتي إن شاء الله حكم العاجز قريبًا. انظر: "المجموع" (٦/ ٢٥٨ - ٢٥٩). مسألة: إذا أفطر المريض الذي لا يرجى برؤه، ثم قدر على الصوم؛ فهل يلزمه قضاء الصوم ؟ فيه وجهان عند الشافعية والحنابلة، والأصح منهما أنه يلزمه القضاء؛ لأن الإطعام بدل يأس، وقد تبينا ذهاب اليأس. وهذا الذي رجحه شيخنا الإمام مقبل بن هادي الوادعي ﵀ في أحد دروسه، وقال: تشمله الآية ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [لبقرة: ١٨٤]. انظر: "المجموع" (٦/ ٢٥٩). مسألة: هل للمريض أن يترك نية الصوم ؟ قال النووي ﵀: قال أصحابنا: إن كان المرض المجوز للفطر مطبقًا فله ترك النية بالليل، وإن كان يحم وينقطع ووقت الحمى لا يقدر على الصوم، وإن كان لم تكن حمى يقدر عليه؛ فإن كان محمومًا وقت الشروع في الصوم، فله ترك النية وإلا فعليه أن ينوي من الليل، ثم إن عاد المرض، واحتاج إلى الفطر أفطر.

стр. 144

انظر: "المجموع" (٦/ ٢٥٨). مسألة: إذا أصبح الصحيح صائمًا، ثم مرض ؟ قال النووي ﵀: جاز له الفطر بلا خلاف. اهـ ونقل المرداوي الإجماع على استحباب إفطاره. انظر: "المجموع" (٦/ ٢٥٨)، "الإنصاف" (٣/ ٢٥٧). مسألة: إذا تحامل المريض على نفسه فصام ؟ قال ابن عبد البر ﵀: وإجماعهم أن المريض إذا تحامل على نفسه فصام وأتم يومه أن ذلك مجزئ عنه. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: خالف ابن حزم، وقال: إنه لا يجزئ عنه. والصحيح أنه يجزئ عنه. قال ابن قدامة ﵀: فإن تحمل المريض وصام مع هذا فقد فعل مكروها؛ لما يتضمنه من الإضرار بنفسه، وتركه تخفيف الله تعالى، وقبول رخصته، ويصح صومه ويجزئه؛ لأنه عزيمة أبيح تركها رخصة، فإذا تحملها أجزأه كالمريض الذي يباح له ترك الجمعة إذا حضرها، والذي يباح له ترك القيام في الصلاة إذا قام فيها. اهـ انظر: "التمهيد" (٧/ ٢٣٥)، "المغني" (٣/ ٤٢)، "الشرح الممتع" (٦/ ٣٥٣). مسألة: هل يجوز للمريض أن يصوم في رمضان كفارة، أو نذرًا أو نحوه ؟ الذي قطع به الجمهور، وهو قول أحمد، والشافعي، ومالك، وأبي حنيفة

стр. 145

وغيرهم أنه لا يجوز له ذلك؛ لأن الفطر أبيح له رخصة وتخفيفًا، فإذا لم يرد التخفيف عن نفسه، لزمه أن يأتي بالأصل؛ فإن نوى صومًا غير رمضان لم يصح صومه، لا عن رمضان ولا عمَّا نواه. انظر: "المجموع" (٦/ ٢٦٣)، "المغني" (٣/ ١٤). ثانيًا من خاف الهلاك من الجوع والعطش قال النووي ﵀: قال أصحابنا وغيرهم: من غلبه الجوع والعطش، وخاف الهلاك؛ لزمه الفطر، وإن كان صحيحًا مقيمًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩]، ويلزمه القضاء كالمريض. انظر: "المجموع" (٦/ ٢٥٨)، "الإنصاف" (٣/ ٢٥٨)، "المحلى" (٧٥٥). ثالثًا المُسافر إفطار المسافر: يجوز للمسافر في الجملة الفطر بالكتاب، والسنة، والإجماع. أما من الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥].
следующие страницы →