الله، وإسقاءه للعبد على وجهين:
١ - أن الله خلق له الطعام والشراب، والحركة التي بها يأكل ويشرب، وعلى هذا فالعامد والناسي، وجميع الخلق اللهُ أطعمهم وسقاهم، وهذا المعنى لم يقصده النبي ﷺ .
٢ - أن يطعمه الله ويسقيه بغير فعل من العبد، ولا قصد، ولا عمد كما في هذه الصورة، فصار غير مكلف لأجل النسيان، فأضيف الفعل إلى الله قدرًا وشرعًا؛ فسقط قلم التكليف عن هذا الفعل، فقول النبي ﷺ : «الله أطعمك وسقاك» معناه: لا صنع لك في هذا الفعل، وإنما هو فعل الله فقط، فلا حرج عليك فيه، ولا إثم؛ فَأَتْمم صومك. انتهى بتصرف
الثاني: أنه يفطر وعليه القضاء دون الكفارة، وهو قول مالك، وربيعة، قالوا: لأن الإمساك عن المفطرات ركن الصوم، فحكمه حكم من نسي ركنًا من الصلاة؛ فإنها تجب عليه الإعادة وإن كان ناسيًا.
والجواب: أن هذا القياس فاسد الاعتبار؛ لمخالفته للنصوص المتقدمة.
انظر: "الفتح" (١٩٣٣)، "نيل الأوطار" (٤/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، "سبل السلام" (٤/ ١٣٨)، "شرح المهذب" (٦/ ٣٢٤)، "المغني" (٣/ ٢٣)، "المحلى" (٧٥٣)، "توضيح الأحكام" (٣/ ١٧٩)، "كتاب الصيام" (١/ ٤٥٧ - ٤٥٨) بتصرف.
стр. 72
مسألة: من أكل أو شرب ناسيًا فهل يجب إعلامه على من رآه ؟
ذكر ابن مفلح في "الفروع" وجهين:
الأول: أنه يلزمه الإعلام، قال المرداوي: وهو الصواب، وهو في الجاهل آكَدُ.
الثاني: لا يلزمه الإعلام، ثم وجَّه ابن مفلح وجهًا آخر: أنه يلزمه إعلام الجاهل لا الناسي.
قال أبو عبد الله ﵀: وما صوبه المرداوي هو الصواب، والله أعلم؛ لكون الأكل والشرب في نهار رمضان محرمًا، وإنما الجهل والنسيان عذر في عدم تأثيمه، فيشمله قوله ﷺ : «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان». (١)
ومن المعلوم أيضًا: أن الإمام إذا قام إلى ركعة خامسة ناسيًا فيجب على المأموم إعلامه؛ لقوله ﷺ : «فإذا نسيت فَذَكِّروني» (٢)، فكذلك هذه الصورة، والله أعلم.
انظر: "الفروع" (٣/ ٥٣)، "الإنصاف" (٣/ ٢٧٤ - ٢٧٥).
стр. 73
فَصْل فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِمُبْطِلاتِ الصِّيَامِ
مسألة: ويبطل الصيام بالأكل والشرب والجماع، بالكتاب والسنة والإجماع .
أما من الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧].
أما دلالة السنة: فقوله ﷺ فيما يرويه عن ربه: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» متفق عليه عن أبي هريرة ﵁. (١)
وأما الإجماع: فقد نقله جمع من العلماء كابن حزم وابن المنذر وابن قدامة وغيرهم.
انظر: "المغني" (٣/ ١٤)، "المجموع" (٦/ ٣١٣)، "المحلى" (٧٣٣).
تنبيه:
الأكل والشرب الذي يُفطِّر بالإجماع هو الذي يتغذى به، وأما ما لا يتغذى به، فقد ذهب بعض أهل العلم إلى الجواز، كالحسن بن صالح، وصح عن أبي طلحة الأنصاري ﵁، أنه كان يأكل البَرَدَ في الصوم، ويقول: ليس بطعام ولا شراب. (٢)
стр. 74
وبناء على هذا: فإن من ابتلع خاتمًا، أو خرزةً، أو لؤلؤةً، أو نحو ذلك؛ فلا يُعَدُّ مُفَطِّرًا، والذي عليه سائر العلماء أنه يعد مفطرًا؛ لعموم الأدلة، وهو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذا الشيخ ابن عثيمين، وهو الحق بلا ريب.
انظر: "المغني" (٣/ ١٤ - ١٥)، "الشرح الممتع" (٦/ ٣٧٨)، "كتاب الصيام" (١/ ٣٨٤).
مسألة: ابتلاع الريق ؟
إذا كان على العادة: فلا يفطر بالإجماع، نقل الإجماع على ذلك الإمام النووي ﵀؛ وذلك لأنه يعسر الاحتراز منه، ولأنه مما تعم به البلوى؛ ولو كان مفطرًا لَبيَّن ذلك رسول الله ﷺ .
وأما إذا جمع ريقه في فمه فابتلعه: ففيه وجهان عند الشافعية، والحنابلة، والأصح في المذهبين أنه لا يفطر؛ لعدم وجود دليل على تفطيره، وهو الذي رجحه ابن قدامة ﵀، وكما أنه لا يفطر إذا لم يجمعه وإن قصد ابتلاعه فكذلك إذا جمعه، وهو ترجيح الإمام ابن باز، وابن عثيمين رحمة الله عليهما.
انظر: "الشرح الممتع" (٦/ ٤٢٧)، "المغني" (٣/ ١٦ - ١٧)، "المجموع" (٦/ ٣١٧ - ٣١٨).
مسألة: إذا ابتلع ريق غيره ؟
قال الإمام النووي ﵀ في "شرح المهذب" (٦/ ٣١٨): اتفق العلماء على أنه إذا ابتلع ريق غيره أفطر. اهـ
مسألة: لو بلل الخياط خيطًا بالريق ثم رده إلى فيه ؟
قال الإمام النووي ﵀ في "شرح المهذب" (٦/ ٣١٨): قال أصحابنا: إن لم
стр. 75
يكن عليه رطوبة تنفصل لم يفطر بابتلاع ريقه بعده بلا خلاف؛ لأنه لم ينفصل شيء يدخل جوفه، وممن نقل اتفاق الأصحاب على هذا المتولي، وإن كانت رطوبة تنفصل وابتلعها فوجهان حكاهما إمام الحرمين، ومتابعوه والمتولي، أحدهما: وهو قول الشيخ أبي محمد الجُوينِّي لا يفطر، قال: كما لا يفطر بالباقي من المضمضة، وأصحهما وبه قطع الجمهور: يفطر؛ لأنه لا ضرورة إليه، وقد ابتلعه بعد مفارقة معدنه وانفصاله. اهـ
قلتُ: ما صححه النووي هو الصحيح إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
ويلحق به السواك، فإذا أخرجه من فمه وفيه من ريقه، فلا يبلع ذلك الريق مرة أخرى.
مسألة: بقية الطعام الذي بين الأسنان ؟
ذهب الجمهور إلى أنه إذا بلع منه شيئًا؛ فإنه يعد مفطرًا، وهو قول مالك، وأحمد، والشافعي، وهو الصحيح؛ لأنه يعتبر أكل طعام، ويمكنه الاحتراز منه ولا تدعو الحاجة إليه.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يفطر، ولا دليل على ما ذهب إليه، والله أعلم.
انظر: "المجموع" (٦/ ٣١٧).
مسألة: لو ابتلع الصائم شيئًا يسيرًا جدًّا ؟
قال النووي ﵀ في "شرح المهذب" (٦/ ٣١٧): لو ابتلع شيئًا يسيرًا جدًّا كحبة سمسم، أو خردل ونحوهما أفطر بلا خلاف عندنا، وبه قال جمهور العلماء،
стр. 76
قال المتولي: يفطر عندنا ولا يفطر عند أبي حنيفة، كما قال في الباقي في خِلَل الأسنان. اهـ
والصحيح قول الجمهور؛ لأنه من الأكل وإن كان يسيرًا فيدخل في عموم الأدلة.
مسألة: بقايا الطعام التي تصاحب الريق ؟
قال ابن المنذر ﵀: أجمع العلماء على أنه لا شيء على الصائم فيما يبلعه مما يجري مع الريق مما بين أسنانه مما لا يقدر على رده، قال: فإن قدر على رده فابتلعه عمدًا؛ قال أبو حنيفة: لا يفطر، وقال سائر العلماء: يفطر، وبه أقول. اهـ
و ما ذهب إليه ابن المنذر هو الصحيح؛ لكونه طعامًا، فله حكمه، والله أعلم.
انظر: "المجموع" (٦/ ٣٢٠)، "المغني" (٣/ ١٩).
مسألة: ما يوضع في الفم من طعام أو غيره ؟
ذهب أحمد، والشافعي إلى أنه لا بأس به؛ إذا كان لحاجة كذوق الطعام، والمضغ للطفل ونحوه، وإذا كان لغير حاجة فيكره.
قال ابن عباس ﵄: لا بأس أن يتطعم الصائم من القِدْر. أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٧) من طريقين، أحدهما فيه: شَرِيك القاضي، والثاني فيه: جابر بن يزيد الجعفي، والأول ضعيف، والثاني متروك، وقد علقه البخاري ﵀ في [كتاب الصيام/ باب: ٢٥] بصيغة الجزم.
стр. 77
قال ابن حزم ﵀: وكره بعضهم مضغ الطعام وذوقه، وهذا لا شيء؛ لأن كراهة ما لم يأتِ قرآن، ولا سنة بكراهته خطأ، وهم لا يكرهون المضمضة، ولا فرق بينهما. اهـ
قال المرداوي ﵀: إذا ذاقه فعليه أن يستقصي في البصق، ثم إن وجد طعمه في حلقه لم يفطر كالمضمضة، وإن لم يستقصِ بالبصق أفطر؛ لتفريطه على الصحيح من المذهب. اهـ
قال ابن حزم ﵀: ولا ينقض الصوم مضغ طعام، أو ذوقه ما لم يتعمد بلعه.
انظر: "المغني" (٣/ ١٩)، "المجموع" (٦/ ٣٥٤)، "الإنصاف" (٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥)، "الشرح الممتع" (٦/ ٤٣٠ - ٤٣١)، "كتاب الصيام" (١/ ٤٧٨)، "المحلى" (٤/ ٣٥٠ - ٣٥١) رقم المسألة (٧٥٣).
تنبيه:
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه ليس هناك دليل يدل على أن مناط الحكم بالإفطار وصول الطعم إلى الحلق. اهـ
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وهو واضح؛ لأنه أحيانًا يصل الطعم إلى الحلق، لكن لا يبتلعه ولا ينزل، ويكون منتهاه الحلق، فمثل هذا لا يمكن أن نتجاسر، ونقول: إن الإنسان يفطر بذلك. اهـ
انظر: "الشرح الممتع" (٦/ ٤٣١).
стр. 78
مسألة: مضغ العِلْك ؟
العِلْك: بكسر المهملة، وسكون اللام بعدها كاف: كل ما يمضغ ويبقى في الفم، كالمَصْطَك واللُّبان.
وله حالان:
الأولى: أن يتحلل منه أجزاء.
قال ابن المنذر: فإن تحلل منه شيء فازدرده؛ فالجمهور على أنه يفطر. اهـ
وجزم بفطره ابن قدامة، والحافظ ابن حجر، ثم الإمام ابن عثيمين ﵏.
الثانية: ألَّا يتحلل منه شيء.
قال ابن المنذر ﵀: ورخص في مضغ العِلْك أكثر العلماء إن كان لا يتحلل منه شيء، وقد كرهه أحمد، والشافعي، والشَّعبي، والنَّخعي، وأصحاب الرأي؛ وذلك لأنه يمتص الريق، ويجهد الصائم، ويورثه العطش.
وذهب ابن حزم إلى إباحيته.
قال النووي ﵀: ولو نزل طعمه في جوفه، أو ريحه دون جِرْمه لم يفطر؛ لأن ذلك الطعم بمجاورة الريق له، هذا هو المذهب، وبه قطع الجمهور، وحكى الدارمي وجهًا عن ابن القطان أنه إذا ابتلع الريق وفيه طعمه أفطر وليس بشيء. اهـ
انظر: "المغني" (٣/ ١٨)، "المجموع" (٦/ ٣٥٣ - ٣٥٤)، "المحلى" (٤/ ٣٥١) (٧٥٣)، "الفتح" باب (٢٨) من الصيام، "الإنصاف" (٣/ ٢٩٥)، "الشرح الممتع" (٦/ ٤٣١ - ٤٣٢).
стр. 79
مسألة: هل يعد ابتلاع النُّخَامة مفطرًا ؟
لها حالان:
الأولى: ألَّا تصل إلى الفم وإلى حده الظاهر، بل تنزل من دماغه فتذهب إلى جوفه؛ فلا تعد مفطرة.
قال النووي ﵀: قال أصحابنا: النخامة إن لم تحصل في الحد الظاهر من الفم لم تضر بالاتفاق. اهـ
الثانية: أن تصل إلى الفم، ثم يبتلعها، ففيه قولان:
١ - المشهور عند الحنابلة وهو مذهب الشافعية أنه يفطر.
قال النووي ﵀: وبه قطع الجمهور، يعني جمهور أصحابه. وقال به خليل من المالكية. وهذا ظاهر ترجيح الإمام ابن باز ﵀؛ حيث قال: ولا يجوز للصائم بلعها؛ لإمكان التحرز منها، وليس مثل الريق.
٢ - رواية عند أحمد نصرها ابن عقيل الحنبلي، وهو وجه شاذٌّ عند الشافعية أنه لا يعد مفطرًا، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وهو ترجيح شيخنا مقبل، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما؛ لأنها لم تخرج من الفم، ولا يعد بلعها أكلاً ولا شربًا.
وهذا القول هو الراجح، والله أعلم؛ لأنَّ الأصل صحة الصوم، ولا يحكم بفساد الصوم إلا بدليل صحيح صريح، وبالله التوفيق.
انظر "المغني" (٣/ ١٧)، "المجموع" (٦/ ٣١٨ - ٣١٩)، "كتاب الصيام" (١/ ٤٧٦)، "الشرح الممتع" (٦/ ٤٢٨ - ٤٢٩)، "فتاوى رمضان" (٢/ ٥٢٦)، "الموسوعة الفقهية"
стр. 80
(٢٨/ ٦٥ - )، "الدر المختار" (٢/ ٤٠٠)، "التاج الإكليل لمختصر خليل" (٢/ ٤٢٦).
مسألة: من تمضمض واستنشق فغلبه الماء فدخل عليه ؟
ذهب أحمد، وإسحاق، وأبو ثور إلى أنه لا يبطل الصوم، وهو قول الحسن البصري، وترجيح ابن حزم.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، [الأحزاب:٥].
وبقوله ﷺ : «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان» (١)، وهذا هو ظاهر ترجيح البخاري، ورجحه الإمام ابن عثيمين، وهو الراجح، والله أعلم.
وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى بطلان صومه مطلقًا.
قال الماوردي ﵀: وهو قول أكثر الفقهاء، لكن شرط أبو حنيفة أن يكون ذاكرًا لصومه، واحتج من حكم عليه بالفطر بحديث لَقِيط بن صَبِرة أن النبي ﷺ قال: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا». (٢)
ولا حجة لهم في هذا الحديث؛ فإن غاية ما في هذا الحديث هو أن الصائم ليس مأمورًا بالمبالغة، وليس فيه أنه إذا بالغ فدخل حلقه شيء من غير قصده أنه يفطر، لكن ينبغي ألَّا يبالغ؛ لكون المبالغة مَظِنَّة لدخول شيء إلى جوفه، والله أعلم.
انظر: "المجموع" (٦/ ٣٢٦ - ٣٢٧)، "الشرح الممتع" (٦/ ٤٠٦ - ٤٠٧)، "المحلى" (٧٥٣)،
стр. 81
"الفتح" (١٩٣٣).
مسألة: استعمال الإبر التي في الوريد والعَضَل ؟
الذي يظهر أن هذه الإبر إن كانت للتغذية فتفطر، وإن لم تكن كذلك فلا تفطر، وقد أفتى بذلك الشيخ الإمام عبدالعزيز بن عبد الله بن باز، والعلامة العثيمين، والعلامة الفوزان رحمة الله عليهم. ثم ظهر لي مؤخرًا أن الذي ينبغي هو التحرز منها؛ لأنها تحتوي على ماء أو مواد أخرى ينتفع بها الجسم؛ فصار فيها معنى الغذاء، ولو كان يسيرًا، والله أعلم.
انظر: "تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام" (١٧٥)، "فتاوى العثيمين" (١٩/ ٢٢٠)، "الملخص الفقهي" (١/ ٣٨٣).
مسألة: السعوط ؟
السُّعُوط: هو بضم السين، وهو نفس الفعل، وهو جعل الشيء في الأنف وجذبه إلى الدماغ.
والسَّعُوط بالفتح: هو اسم للشيء الذي يتسعطه كالماء، والدهن وغيرهما، والمراد هنا بالضم.
وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب:
الأول: أنه إن وصل إلى الدماغ أفطر، وهو قول الشافعية، والحنابلة، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال: وسواءٌ تيقن من وصوله إلى حلقه وجوفه أو لم يتحققه بناءً على أن بين الدماغ والجوف مجرى، فما يصل إلى الدماغ لابد أن
стр. 82
يصل إلى الجوف وإلى الحلق. اهـ
الثاني: قول الإمام مالك ﵀، وهو أنه لا يفطر بالسعوط إلا إذا نزل إلى حلقه، وهو ظاهر ترجيح الإمام ابن عثيمين، والعلامة ابن باز، وعزا هذا القول الحافظ إلى مالك، والشافعي ﵏.
الثالث: أنه لابأس به للصائم، وهو قول النخعي، وابن حزم.
والراجح -والله أعلم- هو القول الثاني؛ لحديث لَقيط بن صَبِرة أن النبي ﷺ قال: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» (١)، ولا يعلم لهذا علة إلا أن المبالغة تكون سببًا لوصول الماء إلى المعدة، والله أعلم.
انظر: "المغني" (٣/ ١٦)، "المجموع" (٦/ ٣١٣)، "كتاب الصيام" (١/ ٣٨٥)، "المحلى" (٧٥٣)، "الفتح" [باب (٢٨) من كتاب الصيام]، "الشرح الممتع" (٦/ ٣٧٩)، "فتاوى رمضان" (٢/ ٥١١).
مسألة: احتقان الصائم ؟
الاحتقان هو: إدخال الأدوية عن طريق الدبر، وهو معروف ولا يزال يُعمل.
فالمشهور من مذهب أحمد، والشافعي، وعزاه النووي للجمهور -يعني جمهور أصحابه- أنها تفطر؛ لأنها تصل إلى شيء مجوف في الإنسان، وهو الأمعاء فتكون مفطرة، سواء وصلت إلى المعدة أم لا.
وذهب ابن حزم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو رواية عن مالك، وهو ترجيح
стр. 83
الشيخ ابن عثيمين، والشيخ ابن باز إلى أنه لا بأس بذلك؛ لأنه لا يطلق عليه اسم الأكل والشرب لا لغة ولا عُرفًا، وليس هناك دليل من الكتاب، ولا من السنة أن مناط الحكم بالإفطار وصول الشيء إلى الجوف، وهذا القول هو الراجح، والله أعلم.
انظر: "المجموع" (٦/ ٣١٣)، "المغني" (٣/ ١٦)، "المحلى" (٤/ ٣٤٨) (٧٥٣)، "الشرح الممتع" (٦/ ٣٨٠)، "فتاوى رمضان" (٢/ ٤٨٥)، "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢٤٥).
مسألة: التقطير في الإحليل (الذكر) ؟
الذي عليه جمهور الشافعية، والحنابلة أنه يعد مفطرًا؛ لأنه يصل إلى جوف.
وهناك وجه عند الشافعية والحنابلة، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يعد مفطرًا؛ لأنه ليس أكلاً ولا شربًا، ولا في معناهما.
قال ابن حزم ﵀: وما علمنا أكلاً ولا شربًا يكون على دبر أو إحليل. اهـ
وهذا القول هو الراجح؛ لعدم وجود دليل من الكتاب والسنة يدل على أن مناط الحكم بالإفطار وصول الشيء إلى الجوف، وهذا هو الذي رجحه الإمام ابن عثيمين ﵀.
انظر: "المجموع" (٦/ ٣١٣)، "كتاب الصيام" (١/ ٣٩٣ - ٣٩٤)، "المحلى" (٤/ ٣٤٨) (٧٥٣)، "الشرح الممتع" (٦/ ٣٨٤)، و"الإنصاف" (٣/ ٢٧٦)، "المغني" (٣/ ١٩ - ٢٠).
مسألة: القَلْس ؟
القلس: هو أن يبلغ الطعام إلى الحلق مِلْء الحلق أو دونه، ثم يرجع إلى الجوف.
стр. 84
وقيل: هو ما يخرج إلى الفم من الطعام والشراب، والجمع (أقلاس). انظر "لسان العرب".
وأما حُكْمُه: فإذا خرج ثم عاد بغير اختياره لم يفطره، وإذا ابتلعه عمدًا؛ فإنه يفطر، وقد نص عليه أحمد، ثم ابن حزم رحمة الله عليهما.
انظر: "المغني" (٣/ ١٧)، "كتاب الصيام" (١/ ٤٧٧)، "المحلى" (٧٥٣).
مسألة: هل يلزم الصائم تنشيف فمه بعد المضمضة ؟
قال النووي ﵀ في "المجموع" (٦/ ٣٢٧): قال المتولي وغيره: إن تمضمض الصائم لزمه مَجُّ الماء، ولا يلزمه تنشيف فمه بخرقة ونحوه بلا خلاف. قال المتولي: لأن في ذلك مشقة. قال: ولأنه لا يبقى في الفم بعد المَجِّ إلا رطوبة لا تنفصل عن الموضع؛ إذ لو انفصلت لخرجت في المج، والله تعالى أعلم. اهـ
قلتُ: ولو كان يلزمه التنشيف لأمر بذلك النبي ﷺ ؛ لعموم البلوى به وحاجة الناس إليه؛ فهذا يدل على ما ذكره المتولي، والله أعلم.
مسألة: لو استاك الصائم بسواك رطب فانفصل من رطوبته أو خشبه المتشعب شيء فابتلعه ؟
قال النووي ﵀: يفطر بلا خلاف، صرح به الفوراني، وغيره. اهـ
انظر: "المجموع" (٦/ ٣١٨).
والمقصود بالرطوبة هو السائل الذي يخرج من السواك عند أن يكون رطبًا ويكون حارًّا، وإنما جزم النووي ﵀ بأنه يفطر؛ لكونه يمكن التحرز منه.
стр. 85
أما إذا استاك بالسواك بعد تحرزه من تلك المادة الرطبة، وبعد ذهابها؛ فلا يضره ذلك وإن وُجِد له طعم؛ لأنه لا يوجد إلا ريقه، وإنما أصابه ذلك الطعم لمجاورته للسواك، والله أعلم.
مسألة: استعمال معجون الأسنان ؟
استعمال المعجون للصائم لا بأس به إذا لم ينزل إلى معدته، وبهذا أفتى الإمام ابن باز، وابن عثيمين، والفوزان وغيرهم رحمة الله عليهم أجمعين.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: الأولى عدم استعماله؛ لأن له نفوذًا قويًّا قد ينفذ إلى المعدة والإنسان لا يشعر به؛ ولهذا قال النبي ﷺ للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» (١). اهـ انظر: "فتاوى رمضان" (٢/ ٤٩٤ - ٤٩٧).
مسألة: شُربُ الدخان ؟
شرب الدخان يعد من المفطرات؛ لأن له أجرامًا تصل إلى المعدة؛ ولذلك فإن الذي يشرب الدخان تكون معدته مسودة من الدخان، وقد أفتى الإمام ابن عثيمين ﵀ بأن شرب الدخان يعد من المفطرات، والله أعلم.
انظر: "فتاوى رمضان" (٢/ ٥٢٧ - ٥٢٨).
مسألة: البَخَّاخ الذي يستعمل في مرض الربو (ضيق التنفس) ؟
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: استعمال هذا البخاخ جائز للصائم، سواء كان صيامه في رمضان أم في غير رمضان ... ؛ وذلك لأن هذا البخاخ لا يصل إلى المعدة
стр. 86
وإنما يصل إلى القصبات الهوائية فتنفتح لما فيه من خاصية، ويتنفس الإنسان تنفسًا عاديًّا بعد ذلك، فليس هو بمعنى الأكل والشرب، ولا أكلًا، ولا شربًا يصل إلى المعدة، ومعلوم أن الأصل صحة الصوم حتى يوجد دليل على الفساد من كتابٍ، أو سنةٍ، أو إجماع، أو قياسٍ صحيح. اهـ
انظر: "فتاوى رمضان" (٢/ ٥٣١ - ٥٣٢).
مسألة: من أكل ناسيًا فظن أنه قد أفطر فأكل عمدًا ؟
ذكر صاحب "الفروع" وصاحب "الإنصاف" في ذلك قولين، والأكثر على أنه يفطر، وهو قول الحنفية، والأصح عند الشافعية، وإليه مال الشيخ ابن عثيمين ﵀ معللاً ذلك بكونه قد تعمد الأكل وهو عالم أنه صائم دون أن يسأل ويتحرى؛ فيكون بذلك مُفَرِّطًا.
ثم قال: وعلى كل حالٍ، يقضي يومًا ولا يضره إن شاء الله، وهذان الوجهان هما وجهان أيضًا عند الشافعية.
انظر: "الإنصاف" (٣/ ٢٧٥)، "الشرح الممتع" (٦/ ٤٠٠)، "فتح الباري" لابن رجب (١٢٢٧) (٦/ ٤٦٨ - ٤٦٩)، "حاشية ابن عابدين" (٢/ ٤١١)، "المجموع" (٦/ ٣٣٩)، "حاشية إعانة الطالبين" (٢/ ٢٦٠).
مسألة: من دخل في حلقه الذباب، أو الغبار، أو نُخَالة الدقيق وهو صائم ؟
قال الحافظ ابن حجر ﵀: ونقل ابن المنذر الاتفاق على أن من دخل حلقه الذباب وهو صائم أن لا شيء عليه، و لكن نقل غيره عن أشهب أنه قال: أحب إليَّ
стр. 87
أن يقضي حكاه ابن التين. اهـ
والصواب أنه لا شيء عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وقوله ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥].
وَأَلْحَقَ الحنابلة والشافعية، وغيرهم بهذه المسألة ما لو دخل الغبار إلى حلقه من غير قصد، وكذا نخالة الدقيق وما أشبه ذلك.
انظر: "المغني" (٣/ ٢٢)، "الفتح" (٤/ ١٨٤)، "الإنصاف" (٣/ ٢٧٦) "الحاوي" (٣/ ٤١٩)، "المجموع" (٦/ ٣٢٧).
مسألة: من أكل، أو شرب، أو جامع جاهلاً بالتحريم ؟
المشهور عند الحنابلة أنه يعد مفطرًا وإن كان جاهلًا؛ لأن النبي ﷺ مر بالذي يحتجم فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» (١)، ولم يكن يعلم أن ذلك منهي عنه.
وذهب بعض الحنابلة كأبي الخطاب والمجد ابن تيمية، وجزم به الشيرازي في "المهذب" إلى أنه لا يعد مفطرًا، ويعذر بجهله، واستدلوا بحديث عدي بن حاتم ﵁، عند أن نزل قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فأخذ عقالًا أبيض وعقالًا أسود فلم يزل يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما، فقال النبي ﷺ : «إن وِسَادك لعريض! إنما هو سواد الليل وبياض النهار» (٢)، متفق عليه.
стр. 88
وقد أخرجاه بنحوه عن سهل بن سعد ﵁. (١)
وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي رجحه الإمام ابن عثيمين ﵀، وأما استدلالهم بحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم»، فسيأتي إن شاء الله الجواب عنه في مسألة الحجامة.
وعلى التسليم بأنه أفطر؛ فلم يأتِ في الحديث أنهما لم يكونا يعلمان أن الحجامة منهي عنها.
انظر: "الإنصاف" (٣/ ٢٧٤)، شرح "كتاب الصيام" (١/ ٤٦٣ - ٤٦٤)، "الشرح الممتع" (٦/ ٤٠١ - ٤٠٢)، "المجموع" (٦/ ٣٢٣ - ٣٢٤).
فائدة تتعلق بالمسألة السابقة:
قال النووي ﵀: إذا أكل الصائم، أو شرب، أو جامع جاهلًا بتحريمه؛ فإنْ كان قريب عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة بحيث يخفى عليه كون هذا مفطرًا لم يفطر؛ لأنه لا يأثم، فأشبه الناسي الذي ثبت فيه النص، وإن كان مخالطًا للمسلمين بحيث لا يخفى عليه تحريمه أفطر؛ لأنه مقصر. انظر: "المجموع" (٦/ ٣٢٤).
مسألة: إذا أجري المفطر فيه قهرًا ؟
قال النووي ﵀: إذا فعل به غيره المفطر بأن أُوْجِر الطعام قهرًا، أو أُسْعط الماء وغيره، أو ربطت المرأة وجومعت، أو جومعت نائمة؛ فلا فطر في كل ذلك. انتهى بتصرف
стр. 89
وهذا الذي ذكره النووي هو مذهب الشافعية، ونقله جماعة عن الإمام أحمد في غير الجماع، وعنه رواية في الجماع أنه لا يفطر.
ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، وقول النبي ﷺ : «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما اسْتُكْرِهوا عليه». (١)
انظر: "المجموع" (٦/ ٣٢٤)، "الإنصاف" (٣/ ٢٧٣ - ٢٧٤)، شرح "كتاب الصيام" (١/ ٣٣١).
مسألة: لو أكره الصائم على أن يأكل بنفسه، أو يشرب، فأكل أو شرب، أو أكرهت المرأة على التمكين فمكنت ؟
قال الإمام النووي ﵀: في بطلان الصوم في ذلك قولان مشهوران قَلَّ من بين الأصح منهما، والأصح لا يبطل، وممن صححه المصنف -يعني الشيرازي- في "التنبيه"، والغزالي في "الوجيز" والعبدري في "الكفاية"، والرافعي في "الشرح"، وآخرون، وهو الصواب، ولا تغتر بتصحيح الرافعي في "المحرر" البطلان، واحتجوا لعدم البطلان بأنه بالإكراه سقط أثر فعله؛ ولهذا لا يأثم بالأكل لأنه صار مأمورًا بالأكل لا منهيًّا عنه، فهو كالناسي بل أولى منه بأنه لا يفطر؛ لأنه مُخاطب بالأكل لدفع ضرر الإكراه عن نفسه بخلاف الناسي؛ فإنه ليس بمخاطب بأمر ولا نهي، وأما قول القائل الآخر: (إنه أكل لدفع الضرر عنه فكان كالآكل لدفع الجوع
стр. 90
والعطش)، ففرقوا بينهما بأن الإكراه قادح في اختياره، وأما الجوع والعطش فلا يقدحان في اختياره بل يزيدان. اهـ
والذي اختاره النووي هو المنقول عن أحمد أيضًا إلا في مسألة إكراه المرأة على الوطء، فالمشهور عنه أنه يفسد صومها، ولا كفارة عليها.
والصحيح ما ذهب إليه النووي بأن الإكراه يشمل إكراه المرأة على الوطء بشروطه، والله أعلم.
انظر: "المجموع" (٦/ ٣٢٥)، "الإنصاف" (٣/ ٢٧٤،٢٨٢)، "المغني" (٣/ ٢٧).
مسألة: شروط الإكراه ؟
ذكروا للإكراه شروطًا منها:
١ - أن يكون المُكْرِه قادرًا على تحقيق ما هدد، به إما لولايةٍ، أو تغلبٍ، أو فرط هجوم.
٢ - أن يكون المكرَه عاجزًا عن الدفع؛ فإنْ قدر بمقاومة، أو استغاثة، أو فرار ونحوه فلم يفعل؛ لم يكن مكرهًا.
٣ - أن يكون المتهدد به مما يحرم على المكرِه تعاطيه منه، فلو قال: ولي القصاص للجاني: (طلق امرأتك، وإلا اقتصصتُ منك)، أو (أفطر هذا اليوم من رمضان وإلا اقتصصت منك)؛ لم يكن ذلك إكراهًا.
٤ - أن يكون المتهدد به عاجلًا، ويغلب على ظن المكلف بأن يوقعه ناجزًا إن لم يفعل ما أمره به، فلو قال: أقتلك غدًا. أو نحو ذلك؛ لم يكن إكراهًا، والله أعلم.
стр. 91
٥ - أن يحصل بفعل المكره عليه التخلص من المتوعد به.
٦ - ألا يحصل منه الاختيار بعد أن كان مكرهًا، كمن أكره على الزنا ثم أصبح مختارًا له بعد الإيلاج -والعياذ بالله- فهذا لا يعد مكرهًا.
انظر: "روضة الطالبين" (٨/ ٥٨ - ٦١)، "قواعد الحصني" (٢/ ٣٠٦)، "الأشباه والنظائر" (٢٠٩ - ٢١٠).
مسألة: جماع الصائم ناسيًا ؟
في المسألة أقوال:
الأول: أنه لا شيء عليه، وهو قول مجاهد، والحسن، والشافعي، وأبي حنيفة، وإسحاق، وداود، وابن المنذر وغيرهم، وهو ترجيح ابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا هو الصحيح؛ للأدلة التي تقدم ذكرها في مسألة الأكل والشرب ناسيًا.
الثاني: وجوب القضاء، وهو قول عطاء، والأوزاعي، والليث، ومالك، وأحمد، وهو أحد الوجهين للشافعية، وحجتهم: قصور حالة المجامع ناسيًا عن حالة الأكل.
الثالث: وجوب القضاء والكفارة، وهو المشهور من مذهب أحمد، وحجتهم حديث الذي جامع امرأته في نهار رمضان فجاء فقال: هلكت!. فقال النبي ﷺ : «ما أهلكك؟» قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان، فأمره النبي ﷺ بالكفارة.
قالوا: ولم يستفصل النبي ﷺ من الرجل أنسي أم لم ينس؟ قالوا: وترك
стр. 92
الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.
والرد على ذلك: أن في سياق الحديث ما يدل على أن الرجل لم يكن ناسيًا، بل كان متعمدًا، وهو قوله: (هلكت) وقوله: (احترقت)، فهذه الألفاظ لا يقولها إلا من كان متعمدًا للمعصية، لا من وقعت منه نسيانًا، والله أعلم.
انظر: "الفتح" (١٩٣٣)، "المجموع" (٦/ ٣٢٤)، "توضيح الأحكام" (٣/ ١٧٩)، "المحلى" (٤/ ٣٥٦) (٧٥٣)، "الفتح" (٤/ ١٩٥)، "المغني" (٣/ ٢٦ - ٢٧).
مسألة: استمناء الصائم ؟
ذهب الجمهور والأئمة الأربعة إلى أنه يفسد الصوم، واستدلوا بقوله تعالى: في الحديث القدسي: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» (١)، وهذا لم يدع شهوته، ورجح ذلك الإمام ابن عثيمين والعلامة ابن باز رحمهما الله.
واستدلوا أيضًا بقياسه على الجماع؛ فإن غاية الجماع هو خروج المني، وقد حصل بالاستمناء.
وذهب الإمام أبو محمد بن حزم إلى أنه لا يفسد صومه؛ لأنه لم يأت نص بأنه ينقض الصوم، ورجح ذلك الصنعاني، والألباني رحمة الله عليهما.
والراجح -والله أعلم- هو قول الجمهور؛ لدلالة الحديث على ذلك، أعني قوله ﷺ : «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي»، والمستمني لم يدع شهوته.
ويستثنى من الشهوة الواردة من هذا الحديث ما استثناه الدليل، وهو المباشرة
стр. 93
والتقبيل دون أن يتعمد الإنزال؛ لحديث عائشة ﵂ في "الصحيحين" (١)، أن النبي ﷺ كان يُقَبِّل وهو صائم، ويباشر وهو صائم. قالت: ولكنه كان أَمْلَككم لإربه.
وما أحسن وأجود ما قرره الإمام الشوكاني ﵀ في "السيل الجرار" (٢/ ١٢١) حيث قال: إن وقع من الصائم سببٌ من الأسباب التي وقع الإمناء بها؛ بطل صومه، وإن لم يتسبب بسبب، بل خرج منيه لشهوة ابتداءً، أو عند النظر إلى ما يجوز له النظر إليه مع عدم علمه بأن ذلك مما يتسبب عنه الإمناء؛ فلا يبطل صومه، وما هو بأعظم ممن أكل ناسيًا. اهـ
قلتُ: هذا الذي قرره هذا الإمام هو الصحيح، والله أعلم.
انظر: "المجموع" (٦/ ٣٤١)، "المحلى" (٧٥٣)، "الشرح الممتع" (٦/ ٣٨٦ - ٣٨٧)، "تمام المنة" (٤١٨ - ٤١٩).
مسألة: احتلام الصائم ؟
إذا احتلم الصائم فلا يفطر بالإجماع، نقل الإجماع على ذلك ابن عبد البر في "التمهيد" (٧/ ١٩٢)، والنووي في "شرح المهذب" (٦/ ٣٢٢)، وشيخ الإسلام ابن تيمية في شرح "كتاب الصيام" (١/ ٣٠٧، ٤٨٥).
стр. 94
مسألة: إذا باشر، أو قَبَّل، أو نظر، فأمنى أو أمذى ؟
في المسألة أقوال:
الأول: قال الكوفيون والشافعي: يقضي إذا أمنى في غير النظر، ولا قضاء في الإمذاء.
الثاني: قال مالك، وإسحاق يقضي في كل ذلك ويكفر، إلا في الإمذاء فيقضي فقط، واحتج له بأن الإنزال أقصى ما يطلب في الجماع من الالتذاذ في كل ذلك، وتعقب بأن الأحكام علقت بالجماع، ولو لم يكن إنزال فافترقا.
الثالث: لا قضاء عليه ولا كفارة.
وهو قول الإمام أبي محمد بن حزم، ورجحه الصنعاني حيث قال: الأظهر أنه لا قضاء ولا كفارة إلا على من جامع، وإلحاق غير المجامع به بعيد. اهـ
وهذا الذي رجحه الإمام الألباني ﵀، وبهذا القول يُعْلَم أن قول ابن قدامة في "المغني": (إن قَبَّل فأنزل؛ أفطر بلا خلاف) غير صحيح؛ فقد وجد الخلاف كما تقدم، وكما في "الإنصاف" (٣/ ٢٧١ - ٢٧٢).
والراجح -والله أعلم- أنه إن تعمد إنزال المني بالمباشرة أو التقبيل أنه يفطر.
قال الإمام الشوكاني ﵀ في "السيل" (٢/ ١٢١): إن وقع من الصائم سبب من الأسباب التي وقع الإمناء بها؛ بطل صومه، وإن لم يتسبب بسبب، بل خرج منيه لشهوة ابتداء أو عند النظر إلى ما يجوز له النظر إليه مع عدم علمه بأن ذلك مما يتسبب عنه الإمناء؛ فلا يبطل صومه، وما هو بأعظم ممن أكل ناسيًا. اهـ
стр. 95
انظر: "الفتح" (١٩٢٧)، "سبل السلام" (٤/ ١٢٩ - ١٣٠)، "توضيح الأحكام" (٣/ ١٦٦)، "المحلى" (٧٥٣).
مسألة: القبلة والمباشرة للصائم إذا لم يُنْزل ؟
في المسألة أقوال:
الأول: الكراهة مطلقًا، وهو المشهور عند المالكية.
الثاني: نقل ابن المنذر وغيره عن قوم التحريم، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧]، وزاد بعضهم فقال: يبطل صومه. كعبد الله بن شُبْرمة، وحكي عن سعيد بن المسيب.
الثالث: الإباحة، وهو المنقول صحيحًا عن أبي هريرة ﵁، وقد أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٦٠) بإسناد صحيح.
وبه قال سعد بن أبي وقاص، أخرجه عبدالرزاق (٤/ ١٨٥) من طريق زيد بن أسلم عنه وهو منقطع؛ لأن زيدًا لم يسمع من سعد كما في "جامع التحصيل"، لكن قال ابن حزم في "المحلى": ومن طرق صحاح عن سعد بن أبي وقاص ... ، فذكره.
وبالغ ابن حزم ﵀، فقال بالاستحباب.
الرابع: قالوا يكره للشاب ويباح للشيخ، واستدلوا بما أخرجه أبو داود (٢٣٨٧)، من حديث أبي هريرة ﵁، أنَّ رجلاً أتى النبي ﷺ فسأله عن المباشرة للصائم، فرخص له، وأتاه آخر فسأله عنها فنهاه، فإذا الذي رخص له
стр. 96
شيخ، والذي نهاه شاب. وإسناده صحيح، وقد أعله بعضهم بأبي العَنْبس الحارث بن عبيد، وقالوا: إنه مجهول. والصحيح أنه ثقة، فقد وثقه ابن معين كما في "تاريخ الدارمي".
الخامس: إن ملك نفسه جاز وإلا فلا، وهو قول الشافعي، والثوري، وهذا هو الصحيح، ويدل عليه حديث عائشة ﵂ في "الصحيحين" (١)، قالت: كان النبي ﷺ يُقبِّل وهو صائم، ولكنه كان أَمْلَككم لِإِرْبه.
وإنما منعناه لمن لا يملك نفسه للأدلة المقضية بسد الذرائع الموصلة إلى الحرام، ويشير إلى ذلك الحديث الذي استدل به أصحاب القول الرابع.
وأما عن الأقوال السابقة:
فالقول الأول: يرد عليه أحاديث عائشة، وحفصة، وأم سلمة ﵅، أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم.
وحديث عائشة ﵂، متفق عليه (٢)، وحديث حفصة، وأم سلمة ﵄، أخرجهما مسلم. (٣)
ودعوى الخصوصية في هذه الأحاديث تحتاج إلى برهان، بل قد ثبت أن رجلاً من الأنصار ذكر أنه قَبَّل امرأته على عهد رسول الله ﷺ ، فأمرها فسألت النبي ﷺ عن ذلك؟ فقال لها: «إن رسول الله ﷺ يفعل ذلك»، فأخبرته امرأته، فقال
стр. 97
لها: إن النبي ﷺ رخص له في أشياء، فارجعي إليه، فرجعت إليه فذكرت له ذلك، فقال لها رسول الله ﷺ : «أنا أتقاكم وأعلمكم بحدود الله».
أخرجه أحمد (٥/ ٤٣٤)، وصححه الوادعي ﵀ في "الصحيح المسند" (١٦٥٨).
وروى مسلم في "صحيحه" (١١٠٨): أن عمر بن أبي سلمة سأل رسول الله ﷺ : أَيُقَبِّلُ الصائمُ؟ فقال له رسول الله ﷺ : «سل هذه»، يعني أم سلمة، فأخبرته أن رسول الله ﷺ يصنع ذلك، فقال يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. قال: «أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم».
وأما القول الثاني: فالرد عليه بما رد على القول الأول.
وأما استدلالهم بالآية ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧]؛ فالجواب عن ذلك أن رسول الله ﷺ هو المبين عن الله تعالى، وقد أباح المباشرة والقُبْلة نهارًا؛ فدل على أن المراد بالمباشرة في الآية هو الجماع لا ما دونه، والله أعلم.
وأما الرد على أهل القول الرابع:
فإن الحديث الذي ذكروه وَاقِعة عين لا تفيد العموم، والناس يختلفون، فَرُبَّ شيخٍ أشد شهوة من الشاب، وكذلك العكس، ويدل على عدم اعتبار هذا التفريق حديث عمر بن أبي سَلَمة الذي تقدم ذكره قريبًا؛ فهذا يدل على أن النظر في ذلك لمن يتأثر بالمباشرة، والتقبيل، ويجره إلى الحرام، والله أعلم.
انظر: "الفتح" (١٩٢٧)، "سبل السلام" (٤/ ١٢٨ - ١٢٩)، "المحلى" (٧٥٣)، "شرح
стр. 98
المهذب" (٦/ ٣٥٥).
مسألة: من أدركه الفجر وهو جُنُب، فهل يصح صومه ؟
ذهب الجمهور إلى صحة صومه؛ لحديث عائشة، وأم سلمة ﵄، أن النبي ﷺ كان يصبح جُنُبًا من جماع، ثم يغتسل ويصوم. متفق عليه. (١)
وقد كان هناك خلاف في زمن التابعين، ثم استقر الإجماع على صحة الصوم كما جزم بذلك النووي، وسبب الخلاف هو حديث أبي هريرة ﵁، في "الصحيحين" (٢) أنه كان يفتي يقول: «من أدركه الفجر وهو جنب فلا صوم له».
وجاء عند النسائي (٣)، وغيره أنه رفعه إلى النبي ﷺ ، ودخل عليه عبدالرحمن بن الحارث بعد أن سمع حديث عائشة، وأم سلمة ﵄، فأخبره بحديثهما، فقال أبو هريرة ﵁: أهما قالتاه لك؟! قال: نعم. قال أبو هريرة: هما أعلم. ثم أخبره أنه لم يسمعه من النبي ﷺ ، وإنما سمعه من الفضل بن عباس، ورجع عن فُتْياه.
وأما حديث الفضل بن عباس: فمنهم من حمله على أن الأمر بالغسل قبل الفجر للإرشاد.
قال الحافظ ﵀: ويعكر عليه التصريح في كثير من طرق الحديث بالأمر
стр. 99
بالفطر، وبالنهي عن الصيام، فكيف يصح الحمل المذكور إذا وقع ذلك في رمضان؟ ومنهم من حمله على من أدركه الفجر مجامعًا، فاستدام بعد طلوعه عالمًا بذلك.
قال الحافظ: ويعكر عليه ما رواه النسائي (١) من طريق أبي حازم عن عبدالملك ابن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، أنه كان يقول: «من احتلم وعلم باحتلامه ولم يغتسل حتى أصبح فلا يصوم».
ومنهم من سلك مسلك الترجيح، فرجح حديث عائشة، وأم سلمة ﵄، على حديث أبي هريرة ﵁، الذي أخذه من الفضل، وهو مسلك الشافعي، والبخاري، وابن عبد البر.
ومنهم من حمل حديث الفضل على أنه منسوخ.
قال ابن خزيمة ﵀: توهم بعض العلماء أن أبا هريرة ﵁ غلط في هذا الحديث.
ثم رد عليه ابن خزيمة بأنه لم يغلط، وإنما أحال على رواية صادق، إلا أن الخبر منسوخ؛ لأن الله تعالى عند ابتداء فرض الصيام كان منع في ليلة الصوم من الأكل، والشرب، والجماع بعد النوم، فيحتمل أن يكون خبر الفضل كان حينئذٍ، ثم أباح الله ذلك إلى طلوع الفجر، فكان للمجامع أن يستمر إلى طلوعه، فيلزم أن يكون اغتساله بعد طلوع الفجر، فدل على أن حديث عائشة ناسخ لحديث الفضل، ولم يبلغ الفضل ولا أبا هريرة الناسخ، فاستمر أبو هريرة على الفتيا به، ثم رجع عنه بعد ذلك لما بلغه. اهـ
стр. 100
وأيد الحافظ القول بالنسخ بحديث عائشة ﵂، الذي في "صحيح مسلم" (١١١٠)، أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ يستفتيه، وهي تسمع من وراء الحجاب، فقال: يا رسول الله، يدركني الفجر وأنا جُنُب أفأصوم؟ فقال النبي ﷺ : «وأنا يدركني الفجر، وأنا جنب فأصوم»، قال: لست مثلنا يا رسول الله! قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال: «والله، إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي».
قال الحافظ ﵀: ويقوي النسخ أن في حديث عائشة هذا الأخير ما يُشعر أن ذلك كان بعد الحديبية؛ لقوله فيه: «قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر».
وأشار إلى [آية الفتح]، وهي إنما أنزلت عام الحديبية عام ست، وابتداء فرض الصيام كان في السنة الثانية. اهـ
وإلى القول بالنسخ ذهب ابن المنذر، والخطابي، وابن دقيق العيد، ورجحه الحافظ، وتبعه الصنعاني.
انظر: "الفتح" (١٩٢٦)، "السبل" (٢/ ٣٣٥ - ٣٣٦) ط/ دار الكتاب العربي.
مسألة: احتجام الصائم ؟
في المسألة مذهبان:
الأول: أن الحجامة لا تفطر، وإلى ذلك ذهب الجمهور، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة، ومن الصحابة: ابن مسعود (١)، وابن عمر (٢)، وابن عباس، وأنس بن
стр. 101
مالك، وأبو سعيد، وأم سلمة (١)، ومن التابعين: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والشعبي، والنخعي.
واستدلوا بما يلي:
١ - حديث ابن عباس ﵄، الذي في "البخاري" (١٩٣٨) أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم. وفي رواية: احتجم وهو صائم.
٢ - ما أخرجه البخاري (١٩٤٠) عن ثابت البُناني، قال: سُئل أنس بن مالك: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا؛ إلا من أجل الضعف.
ولفظُه عند أبي داود (٢٣٧٥) قال: ما كنا ندع الحجامة للصائم إلا كراهية الجهد.
٣ - أخرج أبو داود (٢٣٧٤) بإسناد صحيح عن رجلٍ من الصحابة أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما؛ إبقاء على أصحابه.
٤ - ما أخرجه النسائي في "الكبرى" (٢/ ٢٣٧)، وغيره من حديث أبي سعيد الخدري ﵀، قال: رخص النبي ﷺ في الحجامة للصائم.
وإسناده قابل للصحة؛ إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه، والراجح وقفه، وقد رجح وقفه أبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذي، وابن خزيمة وغيرهم.
стр. 102
٥ - حديث أنس ﵁، عند الدارقطني (٢/ ١٨٢) أنه قال: أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم، فمر به النبي ﷺ ، وقال: «أفطر هذان»، ثم رخص النبي ﷺ بعد ذلك للصائم.
وهذا الحديث ضعيف؛ لأنه من طريق: خالد بن مَخلد القَطَواني، وله مناكير، وعبد الله بن المثنى وهو صدوق كثير الغلط، وقد أعله وأنكره ابن عبد الهادي في "التنقيح" كما في "نصب الراية" (٢/ ٤٨٠)، وكذلك الحافظ في "الفتح" (١٩٣٨)، وشيخ الإسلام في شرحه ل"كتاب الصيام" (١/ ٤٤٧ - ٤٤٨).
٦ - استدلوا بقياسه على الفَصْد والرُّعاف، وقد ثبت عن ابن عباس (١) ﵄، أنه قال: الفطر مما دخل، وليس مما خرج.
وهذا المذهب رجحه البخاري في "صحيحه"، وابن حزم في "المحلى"، وهو ترجيح الإمام الألباني ﵀.
المذهب الثاني: يفطر الحاجم والمحجوم، وعليهما القضاء.
روي عن علي ﵁، (٢)، وجاء عن عائشة ﵂ عند ابن أبي شيبة، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو قول عطاء، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، ومن الشافعية ابن خزيمة، وابن المنذر، وأبو الوليد النيسابوري، وابن حبان، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وتلميذه ابن القيم ﵀، ورجحه
стр. 103
الشيخ ابن عثيمين، والشيخ ابن باز رحمهما الله، وقد شذ عطاء فأوجب الكفارة أيضًا، ولا دليل على ذلك.
واستدل هؤلاء بقوله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» (١)،
وأوردوا على القول الأول ما يلي:
١ - أما عن حديث ابن عباس ﵄، فقال مُهنَّا: سألت أحمد عن هذا الحديث؟ فقال: ليس فيه (صائم) إنما هو (محرم).
٢ - أجاب ابن خزيمة بما حاصله: أن النبي ﷺ كان مُحْرِمًا، والمحرم يكون مسافرًا، والمسافر يجوز له أن يفطر سواءٌ بالأكل، أو الشرب، أو الحجامة؛ فليس في حديث ابن عباس ما يمنع الإفطار.
٣ - أن حديث ابن عباس ﵄، مُبْقٍ على الأصل، وحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» ناقل عن الأصل، والناقل مقدم على المبقي.
والصحيح هو قول الجمهور، وأما قوله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم»، فقد أجيب عنه بأجوبة منها:
١) ما ذكره الشافعي في "الأم"، وتبعه عليه الخطابي، والبيهقي، وسائر
стр. 104
الشافعية من أن هذا الحديث منسوخ بحديث ابن عباس وغيره مما ذكرنا، قالوا: ويدل على النسخ أن ابن عباس لم يصحب النبي ﷺ محرمًا إلا في حجة الوداع، وحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» كان في يوم الفتح، كما جاء في بعض ألفاظه، ويؤيده حديث أبي سعيد وحديث أنس اللذان تقدم ذكرهما في أدلة المذهب الأول.
وقد اعتمد على هذا الجواب ابن حزم، والشيخ الألباني رحمهما الله على حديث أبي سعيد وحديث أنس ﵄.
ويرد على هذا الجواب أن الراجح في حديث ابن عباس أنهما قضيتان: «احتجم وهو محرم» «احتجم وهو صائم»، وجمع بينهما بعض الرواة كما في "البخاري"، قرر ذلك الحافظ ابن حجر في "التلخيص".
وحديث أبي سعيد وأنس ﵄ فيهما ضعف كما تقدم.
فيبقى هذا الجواب احتمالًا، وهو أقوى الأجوبة، والله أعلم.
٢ - ما أجاب به الشافعي أيضًا، وتبعه الخطابي، وبعض الشافعية من أن المراد بحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» أنهما كانا يغتابان في صومهما كما جاء في بعض طرق الحديث، وعلى هذا التأويل يكون المراد بإفطارهما أنه ذهب أجرهما، كما قال بعض الصحابة لمن تكلم حال الخطبة: (لا جمعة له)، أي: ليس لك أجرها، وإلا فهي صحيحة مجزئة عنه، لكن لم يصح في الحديث أنهما كانا يغتابان (١)، فيبقى هذا
стр. 105
الجواب احتمالًا فقط.
٣ - ما أجاب به الخطابي، والبغوي رحمة الله عليهما، أن معناه: تعرَّضَا للإفطار، أما الحاجم فلأنه لا يأمن وصول شيء من الدم إلى جوفه عند المَصِّ، وأما المحجوم فلأنه لا يأمن ضعف قوته بخروج الدم فَيَئُول أمره إلى أن يفطر.
٤ - ما ذكره الخطابي ﵀: أنه مر بهما قريب المغرب، فقال: أفطرا، أي: حان فطرهما، كما يقال: أمسى الرجل إذا دخل وقت المساء أو قاربه.
٥ - أنه تغليظ ودعاء عليهما؛ لارتكابهما ما يعرضهما لفساد صومهما.
٦ - أن حديث ابن عباس أصح، ويعضده القياس فوجب تقديمه، أجاب بهذا الشافعي، وأقوى الأجوبة، الأول، ثم الثالث.
وأما ما أوردوه على الجمهور، فالجواب عنه كما يلي:
١ - أما إعلال الإمام أحمد لذكر الصيام فيه، فقد عارضه في ذلك الإمام البخاري، وصحح ذكر الصيام في الحديث، وقد بين الحافظ أنهما قضيتان:
الأولى: «احتجم النبي ﷺ وهو محرم»، وهذا الحديث متفق عليه. (١)
الثانية: «احتجم النبي ﷺ وهو صائم»، فجاء بعض الرواة فجمع بينهما، ومن هنا حصل الإشكال؛ لكون أكثر الرواة يروونه بلفظ «وهو محرم» فقط.
٢ - قال الحافظ ابن حجر بعد ذكر كلام ابن خزيمة: وتَعُقِّب بأن هذا الحديث
стр. 106
ما ورد هكذا إلا لفائدة، فالظاهر أنها وجدت منه الحجامة وهو صائم لم يتحلل من صومه واستمر.
قال الخطابي ﵀ في "معالم السنن": وهذا تأويل باطل؛ لأنه قال: احتجم وهو صائم، فأثبت له الصيام مع الحجامة، ولو بطل صومه بها؛ لقال: أفطر بالحجامة. اهـ
قال النووي ﵀: قلت: ولأن السابق إلى الفهم من قول ابن عباس: «احتجم وهو صائم» الإخبار بأن الحجامة لا تبطل الصوم، ويؤيده باقي الأحاديث المذكورة. اهـ
٣ - أن هذا الترجيح لا يرجع إليه إلا عند عدم إمكان الجمع، وعند عدم النسخ، والأمر هنا بخلاف ذلك، ومع التسليم فقد يعارض بترجيح حديث ابن عباس على حديث «أفطر الحاجم والمحجوم»، والله أعلم.
ونسأله تعالى أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وما أحسن ما قاله الشوكاني ﵀ بعد أن ذكر الخلاف: فيجمع بين الأحاديث بأن الحجامة مكروهة في حق من كان يضعف بها، وتزداد الكراهة إذا كان الضعف يبلغ به إلى حد يكون سببًا للإفطار، ولا تكره في حق من كان لا يضعف بها، وعلى كل حال: تجنب الحجامة للصائم أولى، فيتعين حمل قوله: «أفطر الحاجم، والمحجوم» على المجاز؛ لهذه الأدلة الصارفة له عن معناه الحقيقي. اهـ
انظر: "شرح المهذب" (٦/ ٣٤٩ - ٣٥٣)، "الفتح" (١٩٣٨)، "نصب الراية" (٢/ ٤٧٢)، "التلخيص
стр. 107
الحبير" (٢/ ٣٦٦)، "سبل السلام" (٤/ ١٣٠ - ١٣٥)، "الشرح الممتع" (٦/ ٣٩٢)، "نيل الأوطار" (٣/ ١٢٧) ط/ دار الكلم الطيب، "توضيح الأحكام" (٣/ ١٦٩ - ١٧١)، "كتاب الصيام" (١/ ٤٠٦ - ٤٥٠)، "ابن أبي شيبة" (٣/ ٤٦ - )، "عبد الرزاق" (٤/ ٢٠٩ - ).
مسألة: فَصْدُ العرق وشرطه ؟
الفَصْدُ وَالشَّرْطُ: هو شق العرق؛ فإنْ شققته طولاً فهو شرط، وإن شققته عرضًا فهو فصد.
والذي عليه الشافعية، وأكثر الحنابلة، ومنهم القاضي، وابن عقيل أنه لا يفطر، وهذا هو الصحيح؛ لعدم وجود دليل يدل على إفطاره.
وذهب بعض الحنابلة، ورجحه شيخ الإسلام ﵀ إلى أنه يفطر قياسًا على الحجامة بجامع وجود الضعف في كليهما، واستقرب ذلك الشيخ ابن عثيمين ﵀.
انظر: "شرح المهذب" (٦/ ٣٤٩)، "كتاب الصيام" (١/ ٤٥٢ - ٤٥٣)، "الشرح الممتع" (٦/ ٣٩٦ - ٣٩٧).
مسألة: من نزفه الدم من رعاف وغيره ؟
النزيف الذي يحصل من الأسنان، أو من الأنف، أو ما أشبه ذلك لا يؤثر في الصوم ما دام يحترز من ابتلاعه ما أمكن.
وهذا الذي عليه مذهب الحنابلة، وهو ترجيح الإمام ابن باز، وابن عثيمين رحمة الله عليهما. وهو مقتضى مذهب الجمهور.
стр. 108
انظر: "الإنصاف" (٣/ ٢٧٣)، "كتاب الصيام" (١/ ٤٥٠)، فتاوى ابن عثيمين (١/ ٥١٤)، فتاوى اللجنة الدائمة (١٢٠٧٧)، "فتاوى رمضان" (٢/ ٤٦٠)، "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢٦٧).
مسألة: سحب الدم للتبرع ؟
ذهب الإمام ابن باز، والعلامة ابن عثيمين، والعلامة الفوزان إلى أنه إذا كان كثيرًا أفطر؛ قياسًا على الحجامة، وقد تقدم أن الراجح في الحجامة أنها لا تفطر، فالظاهر - والله أعلم - أن سحب الدم للتبرع لا يعد مُفطِّرًا. وهذا مقتضى مذهب الجمهور
انظر: "فتاوى رمضان" (٢/ ٤٦٥ - ٤٧٧).
مسألة: اكتحال الصائم ؟
مذهب الشافعي، وحكاه ابن المنذر عن عطاء، والحسن البصري، والنخعي، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وأبي ثور أنه جائز ولا كراهة فيه، ولا يفطر، سواء وجد طعمه في حلقه أم لا.
واستدلوا بحديث عائشة ﵂ الذي في الباب، وبأحاديث أخرى ضعيفة، وأقوى ما استدلوا به هو البراءة الأصلية، فالأصل أن الصائم لا يحكم عليه بالفطر إلا بدليل صحيح صريح، ولا نستطيع أن نفسد عبادة شخص إلا بذلك.
وأما حديث عائشة ﵂، فقد أخرجه ابن ماجه (١٦٧٨) عنها، ولفظه: أن النبي ﷺ اكتحل في رمضان وهو صائم. وإسناده ضعيف جدًّا؛ لأن فيه سعيد بن عبدالجبار الزُّبيدي، وقد كذبه ابن جرير، وضعفه النسائي. وانظر "نصب الراية"
стр. 109
(٢/ ٤٥٦).
وهذا المذهب هو الراجح، وهو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وأشار إلى ترجيحه الصنعاني، واستظهره الشوكاني، ورجحه الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين.
القول الثاني: مذهب أحمد، ومالك، والثوري، وإسحاق أنه يكره، وقد قال مالك، وأحمد: وإن وصل إلى الحلق أفطر. واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: «الفطر مما دخل، وليس مما خرج» أخرجه ابن عدي (٦/ ٢٠٤٢)، وقالوا: هذا يجد طعمه في حلقه؛ فيدل على أنه قد دخل. وبالإفطار قال ابن شبرمة، وابن أبي ليلى.
والصحيح هو القول الأول.
وأما استدلالهم بحديث:
«الفطر مما دخل وليس مما خرج»، ففي سنده: الفضل بن مختار، وهو ضعيف جدًّا. وفيه أيضًا شعبة مولى ابن عباس، وهو ضعيف.
وقال ابن عدي ﵀: الأصل في هذا الحديث أنه موقوف. اهـ
ورجح ذلك البيهقي.
وقال الصنعاني ﵀ في "سبل السلام": وأجيب عنه بأنا لا نسلم كونه داخلًا؛ لأن العين ليست بمنفذ، وإنما يصل من المسام؛ فإنَّ الإنسان قد يدلك قدميه بالحَنْظل فيجد طعمه في فيه. اهـ
стр. 110
وقد استدل للمانعين بحديث معبد بن هَوْذة عن النبي ﷺ أنه قال في الإِثْمِد: «ليَتَّقه الصائم»، رواه أبو داود (٢٣٧٧)، من طريق عبدالرحمن بن النعمان بن معبد ابن هوذة، عن أبيه، عن جده به.
وهذا الحديث سنده ضعيف؛ لأن عبدالرحمن ضعيف، والنعمان مجهول، وقد أنكر هذا الحديث ابن معين، وأحمد، ثم شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن عبدالهادي.
انظر: حاشية "كتاب الصيام" (١/ ٣٨٩)، "المغني" (٣/ ١٦)، "شرح المهذب" (٦/ ٣٤٨ - ٣٤٩)، "سبل السلام" (٤/ ١٣٦)، "نيل الأوطار" (٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦)، "الشرح الممتع" (٦/ ٣٨٢).
مسألة: القطرة في الأذن ؟
الذي عليه الحنابلة، وجمهور الشافعية أنها تعتبر مفطرة؛ لكونها تصل إلى الدماغ، وذهب بعض الشافعية كأبي علي السنجي، والقاضي حسين، والفوراني، وصححه الغزالي إلى أنها لا تفطر، وهو مذهب ابن حزم، وترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لكون الأذن ليست بمنفذ إلى الحلق، والمعدة.
وهذا هو الصحيح، وهو ترجيح الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله.
انظر: "شرح المهذب" (٦/ ٣١٤ - ٣١٥)، "المغني" (٣/ ١٦)، "المحلى" (٤/ ٣٤٨) (٧٥٣)، "فتاوى رمضان" (٢/ ٥٠٩ - ٥١١).
مسألة: تَقيُّؤ الصائم ؟
ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه يفطر إن استقاء وطلب القيء، وأما إن غلبه القيء فلا يفطر.