مسألة: مقدار الإطعام ؟
اختلف في تقديره الحنابلة، والشافعية، والحنفية وغيرهم، فمنهم من قدره بالمد لكل مسكين، ومنهم من قدره بالصاع، ولهم تفاصيل في ذلك، والصحيح أنه لا حدَّ له، ويجب عليه أن يشبعهم، وهو رواية عن أحمد.
قال ابن حزم ﵀: ولا يجوز تحديد إطعام دون إطعام بغير نص، ولا إجماع، ولا يختلف فيما دون الشبع في الأكل، وفيما دون المد من الإعطاء أنه لا يجزئ.
وهذا القول هو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
انظر: "المغني" (٣/ ١٣)، "المحلى" (٧٤٦)، "مجموع الفتاوى" (٣٥/ ٣٤٩).
مسألة: هل يجزئ إطعام الطفل الذي لم يطعم ؟
قال الشافعي: يجزئ، ويسلمه إلى وليه.
وقالت الحنفية: لا يجزئ؛ لكونه لا يطعم. وهو ترجيح ابن حزم، وهو الراجح؛ لقوله ﷺ : «هل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟»، والطفل الذي لم يطعم كيف يمكن إطعامه؟! انظر: "الفتح" (١٩٣٦)، "المحلى" (٧٤٧).
مسألة: هل يلزم التتابع في إطعام المساكين ؟
قال ابن قدامة ﵀: ولا يلزم التتابع في الإطعام، نصَّ عليه أحمد في رواية الأثرم، وقيل له: تكون كفارة يمين فيطعم اليوم واحدًا، وآخر بعد أيام، وآخر بعد حتى يستكمل عشرة؟ فلم ير بذلك بأسًا. انظر: "المغني" (٨/ ٢٦).
стр. 142
فَصْل فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِصِيَامِ أَهْلِ الأَعْذَارِ
أولاً المريض
مسألة: أحوال المريض:
قال القرطبي ﵀: للمريض حالتان: إحداهما: ألَّا يطيق الصوم بحال؛ فعليه الفطر واجب. الثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة؛ فهذا يستحب له الفطر، ولا يصوم إلا جاهل. اهـ
انظر: "تفسير القرطبي" (٢/ ٢٧٦).
مسألة: ضابط المرض الذي يرخص فيه الفطر ؟
قال النووي ﵀: قال أصحابنا: شرط إباحة الفطر أن يلحقه بالصوم مشقة يشق احتمالها، وأما المرض اليسير الذي لا يلحقه مشقة ظاهرة لم يجز له الفطر بلا خلاف عندنا خلافًا لأهل الظاهر. اهـ
وما قرره الشافعية هو الذي عليه الحنابلة، والمالكية، حكاه عن الحنابلة ابن قدامة، والمرداوي، وعن المالكية أبو عبد الله القرطبي.
انظر: "المجموع" (٦/ ٢٥٨)، "الإنصاف" (٣/ ٢٥٧ - ٢٥٨)، "المغني" (٣/ ٤١)، "تفسير القرطبي" (٢/ ٢٧٦).
стр. 143
مسألة: المريض مرضًا لا يرجى بُرْؤه ؟
قال النووي ﵀: حكمه كحكم الشيخ العاجز عن الصيام بلا خلاف.
قلتُ: سيأتي إن شاء الله حكم العاجز قريبًا.
انظر: "المجموع" (٦/ ٢٥٨ - ٢٥٩).
مسألة: إذا أفطر المريض الذي لا يرجى برؤه، ثم قدر على الصوم؛ فهل يلزمه قضاء الصوم ؟
فيه وجهان عند الشافعية والحنابلة، والأصح منهما أنه يلزمه القضاء؛ لأن الإطعام بدل يأس، وقد تبينا ذهاب اليأس.
وهذا الذي رجحه شيخنا الإمام مقبل بن هادي الوادعي ﵀ في أحد دروسه، وقال: تشمله الآية ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [لبقرة: ١٨٤].
انظر: "المجموع" (٦/ ٢٥٩).
مسألة: هل للمريض أن يترك نية الصوم ؟
قال النووي ﵀: قال أصحابنا: إن كان المرض المجوز للفطر مطبقًا فله ترك النية بالليل، وإن كان يحم وينقطع ووقت الحمى لا يقدر على الصوم، وإن كان لم تكن حمى يقدر عليه؛ فإن كان محمومًا وقت الشروع في الصوم، فله ترك النية وإلا فعليه أن ينوي من الليل، ثم إن عاد المرض، واحتاج إلى الفطر أفطر.
стр. 144
انظر: "المجموع" (٦/ ٢٥٨).
مسألة: إذا أصبح الصحيح صائمًا، ثم مرض ؟
قال النووي ﵀: جاز له الفطر بلا خلاف. اهـ
ونقل المرداوي الإجماع على استحباب إفطاره. انظر: "المجموع" (٦/ ٢٥٨)، "الإنصاف" (٣/ ٢٥٧).
مسألة: إذا تحامل المريض على نفسه فصام ؟
قال ابن عبد البر ﵀: وإجماعهم أن المريض إذا تحامل على نفسه فصام وأتم يومه أن ذلك مجزئ عنه. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: خالف ابن حزم، وقال: إنه لا يجزئ عنه. والصحيح أنه يجزئ عنه.
قال ابن قدامة ﵀: فإن تحمل المريض وصام مع هذا فقد فعل مكروها؛ لما يتضمنه من الإضرار بنفسه، وتركه تخفيف الله تعالى، وقبول رخصته، ويصح صومه ويجزئه؛ لأنه عزيمة أبيح تركها رخصة، فإذا تحملها أجزأه كالمريض الذي يباح له ترك الجمعة إذا حضرها، والذي يباح له ترك القيام في الصلاة إذا قام فيها. اهـ
انظر: "التمهيد" (٧/ ٢٣٥)، "المغني" (٣/ ٤٢)، "الشرح الممتع" (٦/ ٣٥٣).
مسألة: هل يجوز للمريض أن يصوم في رمضان كفارة، أو نذرًا أو نحوه ؟
الذي قطع به الجمهور، وهو قول أحمد، والشافعي، ومالك، وأبي حنيفة
стр. 145
وغيرهم أنه لا يجوز له ذلك؛ لأن الفطر أبيح له رخصة وتخفيفًا، فإذا لم يرد التخفيف عن نفسه، لزمه أن يأتي بالأصل؛ فإن نوى صومًا غير رمضان لم يصح صومه، لا عن رمضان ولا عمَّا نواه.
انظر: "المجموع" (٦/ ٢٦٣)، "المغني" (٣/ ١٤).
ثانيًا من خاف الهلاك من الجوع والعطش
قال النووي ﵀: قال أصحابنا وغيرهم: من غلبه الجوع والعطش، وخاف الهلاك؛ لزمه الفطر، وإن كان صحيحًا مقيمًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩]، ويلزمه القضاء كالمريض.
انظر: "المجموع" (٦/ ٢٥٨)، "الإنصاف" (٣/ ٢٥٨)، "المحلى" (٧٥٥).
ثالثًا المُسافر
إفطار المسافر:
يجوز للمسافر في الجملة الفطر بالكتاب، والسنة، والإجماع.
أما من الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥].
стр. 146
وأما من السنة: فأحاديث كثيرة منها: حديث جابر في مسلم (١١١٧)، وأنس ﵄، في "الصحيحين" (١)، ومعناهما متقارب: كنا نسافر مع النبي ﷺ فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم.
وحديث حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁، أنه قال: يا رسول الله، إني أجد فيَّ قوة على الصيام في السفر. فقال رسول الله ﷺ : «هي رخصة من الله؛ فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه»، أخرجه مسلم.
وجاءت الرخصة في ذلك أيضًا من حديث ابن عباس، وأبي سعيد، وعائشة، وأبي الدرداء وغيرهم ﵃، وكلها في "الصحيح". (٢)
وأما الإجماع: فقد نقل النووي، وابن قدامة الإجماع على ذلك في الجملة.
انظر: "المغني" (٣/ ١٢)، "المجموع" (٦/ ٢٦١)، "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢٠٩).
مسألة: هل تشمل الرخصة سفر المعصية أم لا ؟
ذهب مالك، والشافعي، وأحمد إلى أن الرخصة لا تشمل سفر المعصية.
وذهب أبو حنيفة، وأبو سليمان داود الظاهري إلى أنها تشمل سفر المعصية، ورجح ذلك ابن حزم، ثم قال: وبرهان صحة قولنا قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فَعَمَّ تعالى الأسفار كلها، ولم يخص
стр. 147
سفرًا من سفر ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤].اهـ
وهذا القول هو الراجح، والله أعلم.
انظر: "المجموع" (٦/ ٢٦١)، "المحلى" (٧٦٢).
مسألة: مقدار السفر الذي يفطر فيه ؟
ذهب مالك، والشافعي، وأحمد إلى أنه مسافة يومين قاصدين بسير الإبل والأقدام، وهو ستة عشر فرسخًا كما بين مكة، وَعُسفان.
وذهب أبو حنيفة إلى تحديده بمسافة ثلاثة أيام.
وذهب طائفة من السلف والخلف إلى عدم التحديد، وقالوا: يفطر، ويقصر فيما سُمِّيَ سفرًا، ولو كان أقل من يومين، وقواه شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: فإنه قد ثبت أن النبي ﷺ كان يصلي بعرفة، ومزدلفة، ومِنى بالناس يقصر الصلاة وخلفه أهل مكة يصلون بصلاته، ولم يأمر أحدًا منهم بالإتمام. اهـ
وقد رجح هذا القول ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد".
انظر: "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢١١ - ٢١٢)، "المحلى" (٧٦٢)، "زاد المعاد" (٢/ ٥٥).
مسألة: هل يجوز للمسافر الصوم في سفره ؟
ذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز للمسافر الصوم في السفر، وهو قول بعض أهل
стр. 148
الظاهر كداود، وابن حزم، وحكي هذا المذهب عن أبي هريرة، (١) وابن عمر، (٢) والنَّخعي، والزهري.
واستدلوا بما يلي:
١) حديث: «صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر». (٣)
٢) قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].
٣) قوله ﷺ : «ليس من البِرِّ الصيام في السفر». (٤))
٤) قوله ﷺ : للذين صاموا: «أولئك العصاة».
وذهب جمهور العلماء، والأئمة الأربعة إلى جواز الصيام في السفر، واستدلوا بأحاديث كثيرة منها: حديث أنس، وجابر، وأبي سعيد ﵃، وكلها في "الصحيح" (٥)، والمعنى متقارب: كنا نسافر مع رسول الله ﷺ ، فمنَّا الصائم، ومنَّا
стр. 149
المفطِر، فلا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم.
وحديث حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁، في "صحيح مسلم"، أن النبي ﷺ قال: «هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه».
وأجابوا عن أدلة المذهب الأول بما يلي:
١) أما حديث: «صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر»، فالصحيح فيه أنه من قول عبدالرحمن بن عوف وليس مرفوعًا، رجح ذلك أبو زُرعة كما في "العلل" لابن أبي حاتم (١/ ٢٣٩)، والدارقطني في "العلل" (٤/ ٣٨٣)، وأشار إليه النسائي.
قال البيهقي ﵀ في "الكبرى" (٤/ ٢٨٣): وروي مرفوعًا وإسناده ضعيف. اهـ
قلتُ: والموقوف على عبدالرحمن بن عوف لا يصح أيضًا؛ فإنه من رواية ولده أبي سلمة عنه، وقد نص أئمة العلل على أنه لم يسمع منه.
٢) قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].
معناها: أو على سفر، فأراد الفطر فله الفطر، وعليه عدة من أيام أخر، وقلنا ذلك؛ جمعًا بين الآية وبين الأحاديث.
٣) حديث: «ليس من البر الصيام في السفر»، هذا الحديث قد خرج على حالة
стр. 150
يقصر عليها، وهي أن النبي ﷺ مر برجل قد غشي عليه من الصوم ثم ظلل عليه، فقال: «ما شأنه؟» قالوا: صائم، قال: «ليس من البر الصيام في السفر»، فيحمل هذا الحديث على من كان الصوم يشق عليه، أو يؤدي به إلى ترك ما هو أولى من الصوم من وجوه القُرَب.
قال ابن دقيق العيد ﵀: والمانعون في السفر يقولون: إن اللفظ عام والعبرة بعمومه لا بخصوص السبب.
قال: وينبغي أن يتنبه للفرق بين دلالة السبب، والسياق، والقرائن على تخصيص العام، وعلى مراد المتكلم، وبين مجرد ورود العام على سبب؛ فإنَّ بين العامين فرقًا واضحًا، ومن أجراهما مجرى واحد لم يصب. اهـ
قال الصنعاني ﵀: أما حديث «ليس من البر الصيام في السفر»، فإنما قاله ﷺ فيمن شق عليه الصيام، نعم يتم الاستدلال بتحريم الصوم في السفر على من شق عليه. اهـ
٤) قول النبي ﷺ للذين صاموا: «أولئك العصاة»، فعنه جوابان:
الأول: أنه كان قد شق عليهم، كما ورد في نفس الحديث، وقد أخرجه مسلم عن جابر ﵁، فيختص المنع بمن شق عليه كما تقدم في كلام الصنعاني.
الثاني: وهو المعتمد أن النبي ﷺ أمرهم بالفطر عزيمة كما جاء في "صحيح مسلم» من حديث أبي سعيد الخدري ﵀، قال: فنزلنا منزلًا، فقال ﷺ : «إنكم مصبحو عدوكم؛ والفطر أقوى لكم؛ فافطروا»، فكانت عزمة، فأفطرنا، ثم
стр. 151
لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك في السفر.
٥) قول ابن عباس ﵄: إن الفطر عزيمة. محمولٌ على من شقَّ عليه الصيام، ويدل على ذلك أنه قال كما في الصحيحين: قد صام رسول الله ﷺ في السفر، وأفطر؛ فمن شاء صام، ومن شاء أفطر.
وقول الجمهور هو الراجح، والله أعلم.
انظر: "الفتح" (١٩٤٦)، "المجموع" (٦/ ٢٦٤)، "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢١١)، "المحلى" (٧٦٢)، "سبل السلام" (٤/ ١٤١ - ١٤٢)، حاشية "كتاب الصيام" (١/ ٢٤٢ - ٢٤٣)، "التمهيد" (٧/ ٢٣٢).
مسألة: أيهما أفضل للمسافر: الصوم أم الفطر ؟
ذهب الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق إلى أن الفطر أفضل، واستدلوا بما يلي:
١) قوله ﷺ : «ليس من البر الصيام في السفر». (١))
٢) قوله ﷺ : «عليكم برخصة الله التي رخص لكم». (٢)
٣) قوله ﷺ : «إن الله يحب أن تُؤْتَى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته». (٣)
٤) حديث حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁، في "صحيح مسلم" (١١٢١)، أن رسول الله ﷺ قال: «هي رخصة من الله، فمن أخذها فحسن ومن أحب أن
стр. 152
يصوم فلا جناح عليه».
٥) قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقد رجح هذا القول ابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية.
وذهب عمر بن عبدالعزيز، ورجحه ابن المنذر إلى أن أفضلهما أيسرهما، واستدلوا بالآية الأخيرة التي استدل بها أهل القول الأول.
وذهب الجمهور، ومنهم مالك، والشافعي إلى أن الصوم أفضل لمن قوي عليه ولم يشق عليه.
واستدلوا بما يلي:
١) حديث أبي الدرداء ﵁ في "الصحيحين" (١)، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حَرٍّ شديد في شهر رمضان، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ ، وعبد الله بن رواحة.
٢) حديث أبي سعيد ﵁ في "صحيح مسلم" (١١١٦)(٩٦): فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم. يرون أن من وجد قوة فصام؛ فإن ذلك حسن. وأنَّ من وجد ضعفًا فأفطر؛ فإن ذلك حسن.
٣) قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، والآية الأخرى ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة:٤٨].
стр. 153
٤) أنه أسرع في إبراء الذمة، وصومه مع الناس أسهل على المكلف.
وأجاب الجمهور عن أدلة المتقدمين بأنها محمولة على من اشتد عليه الصوم، ويتضرر به، وكذلك من ظن به الأعراض عن قبول الرخصة، وكذلك من خاف على نفسه العُجْب، أو الرياء إذا صام في السفر، وقول عمر بن عبدالعزيز المتقدم راجعٌ إلى قول الجمهور.
وقد ذهب بعضهم إلى أن المسافر يستوي في حقه الصيام والفطر، والراجح والله أعلم هو قول الجمهور، وقد رجحه النووي، والحافظ ابن حجر رحمة الله عليهما.
انظر: "الفتح" (١٩٤٦)، "سبل السلام" (٤/ ١٤٢ - ١٤٣)، "الإنصاف" (٣/ ٢٥٩)، "الشرح الممتع" (٦/ ٣٥٥ - ٣٥٦) "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢١٣ - ٢١٤)، "المجموع" (٦/ ٢٦٥ - ٢٦٦).
مسألة: لو أصبح في أثناء سفره صائمًا، ثم أراد أن يفطر في نهاره من غير عذر، فهل له ذلك ؟
الذي نص عليه الشافعية، والحنابلة، وغيرهم أن له أن يفطر، واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄، في "الصحيحين" (١)، أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ الكَدْيد أفطر، فأفطر الناس، وبنحوه حديث جابر ﵁، في "صحيح مسلم".
وذهب مالك إلى أنه لا يجوز له الفطر، وإذا أفطر فعليه القضاء والكفارة؛ لأنه
стр. 154
كان مخيرًا بين الصيام والفطر، فلما اختار الصوم صار من أهله، وعنه رواية: أن عليه القضاء فقط، واختارها أكثر أصحابه.
والراجح القول الأول، وهو ترجيح النووي، وابن قدامة.
انظر: "المجموع" (٦/ ٢٦١)، "المغني" (٣/ ١٣ - ١٤)، "الإنصاف" (٣/ ٢٦٠)، "التمهيد" (٧/ ٢٢٢ - ٢٢٧).
مسألة: إذا سافر المقيم، فهل له الفطر في ذلك اليوم ؟
ولها أربعة أحوال:
الحال الأولى: أن يبدأ السفر بالليل ويفارق عمران البلد قبل الفجر.
قال النووي ﵀: له الفطر بلا خلاف.
وقال ابن قدامة ﵀: له الفطر في قول عامة أهل العلم.
وقال عَبْيدة السَّلماني، وأبو مجلز، وسويد بن غَفَلة: لا يفطر من سافر بعد دخول الشهر؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥].
والصحيح أن له الفطر؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].
الحال الثانية: أن يسافر بعد طلوع الفجر، فمذهب الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، أنه ليس له الفطر في ذلك اليوم، وهو رواية عن أحمد؛ وذلك لأن الصوم عبادة تختلف في السفر والحضر، فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة.
стр. 155
قالوا: وإذا أفطر فليس عليه إلا القضاء، وخالف بعض أصحاب مالك، فأوجبوا الكفارة، وَردَّ عليهم ابن عبدالبر.
وذهب أحمد في رواية، وهو قول إسحاق، وداود، وابن المنذر إلى أن له الفطر، واستدل لهم بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، فالآية عامة.
وقالوا: السفر معنى لو وجد ليلًا فاستمر في النهار؛ لأباح له الفطر، فإذا وجد في أثنائه أباحه كالمرض، وهذا القول هو الراجح.
قال ابن قدامة ﵀: وهو أصح؛ للخبر، ولأن الصوم يفارق الصلاة؛ فإنَّ الصلاة يلزم إتمامها بنيتة بخلاف الصوم. اهـ
الحال الثالثة: أن ينوي الصيام من الليل، ثم يسافر ولا يعلم: أسافر قبل الفجر أم بعده؟ فعلى القول الذي اخترناه في الحال التي قبل هذه، فلا إشكال أنه يجوز له الفطر.
وعلى القول الثاني -مذهب الشافعي ومن معه-: أنه لا يجوز له الفطر، فقد قطع الصيمري، والماوردي، وصاحب "البيان"، وغيرهم أنه ليس له الفطر؛ لأنه يشك في مبيح الفطر، ولا يباح بالشك.
والراجح هو الجواز، والله أعلم.
الحال الرابعة: أن يسافر من بعد الفجر، ولم يكن نوى الصيام.
стр. 156
قال النووي ﵀: فهذا ليس بصائم؛ لإخلاله بالنية من الليل؛ فعليه قضاؤه، ويلزمه الإمساك هذا اليوم؛ لأن حرمته قد ثبتت بطلوع الفجر وهو حاضر، وهكذا ذكر الصيمري، والماوردي، وصاحب "البيان"، وهو ظاهرٌ، ويجيء فيه قول المزني والوجه الموافق له - يعني أن له أن يفطر-، والله أعلم. اهـ
انظر: "المجموع" (٦/ ٢٦١ - ٢٦٢)، "المغني" (٣/ ١٢ - ١٤)، "الإنصاف" (٣/ ٢٦٠)، "التمهيد" (٧/ ٢٢٦).
مسألة: إذا سافر المقيم فمتى يباح له الفطر ؟
ذهب الشافعية، والحنابلة، والمالكية إلى أنه يفطر عند أن يُخلِّف بيوت قريته، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وهذا شاهد، ولا يوصف بكونه مسافرًا حتى يخرج من البلد، ومهما كان في البلد؛ فله أحكام الحاضرين، ولذلك لا يقصر الصلاة.
وذهب الحسن البصري، وهو قول إسحاق، وروي عن عطاء إلى أن له أن يفطر ولو من بيته إذا كان قد عزم على السفر وتهيأ له.
واستدلوا بما أخرجه الترمذي من طريق محمد بن كعب، قال: أتيت أنس بن مالك وقد رُحِّلت راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكله، فقلت له: سُنَّة؟ قال: سنة. ثم ركب.
أخرجه الترمذي (٧٩٩)، والدارقطني (٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨) وإسناده ظاهره الصحة، وقد صححه الإمام الوادعي ﵀ في "الجامع الصحيح"، ورجح هذا
стр. 157
القول؛ لدلالة الحديث على ذلك، وتكون هذه الحال مخصوصة من عموم الآية، والله أعلم.
ثم رأيت ابن أبي حاتم قد ذكر في "العلل" (١/ ٢٣٩) أن الدراوردي رواه عن زيد بن أسلم، عن محمد بن المنكدر عن محمد بن كعب به، وفيه: فقلنا: أسنة؟ قال: ليس بسنة. ثم قال: قال أبي: حديث الدراوردي أصح، وعلى هذا: القول الأول هو الراجح، والله أعلم.
انظر: "المغني" (٣/ ١٣)، "التمهيد" (٧/ ٢٢٧).
مسألة: إذا قدم المسافر وهو مفطر، فهل يلزمه إمساك بقية يومه ؟
في المسألة قولان:
الأول: أنه لا يلزمه، وهو قول مالك، والشافعي وأصحابهما، وهو قول أحمد في رواية، وداود، حتى قال مالك، والشافعي: ولو قدم مسافر في هذه الحال، فوجد امرأته قد طَهُرت في ذلك اليوم جاز له وطؤها. وقال الشافعي: أحب لهما أن يستترا بالأكل والجماع؛ خوف التُّهمة.
الثاني: أنه يلزمه الإمساك، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والحسن بن حَيٍّ، وعبيد الله بن الحسن، وأحمد في رواية، وعليها أكثر أصحابه.
واحتج لهم الطحاوي ﵀ بأن قال: لم يختلفوا أن من غمَّ عليه هلال رمضان فأكل ثم علم أنه يمسك عما يمسك عنه الصائم. اهـ
стр. 158
والراجح هو القول الأول.
وأما ما ذكره الطحاوي فلا يخفى أن بين الصورتين اختلافًا، فالمسافر له الفطر، والحاضر الجاهل بدخول الشهر ليس جهله برافع عنه الواجب عليه إذا علمه؛ لزوال جهله بذلك.
انظر: "التمهيد" (٧/ ١٢٩ - ١٣٠)، "المجموع" (٦/ ٢٦٢)، "زاد المعاد" (٢/ ٥٦)، "الاستذكار" (١٠/ ٩١)، "الإنصاف" (٣/ ٢٥٥ - ٢٥٦).
مسألة: لو قدم المسافر وهو صائم، فهل له أن يفطر وقد أقام ؟
فيه وجهان عند الشافعية:
الأول: نعم يجوز له ذلك، قال به ابن أبي هريرة ﵁، ونقله الماوردي عن نصه في حرملة.
الثاني: أنه لا يجوز، وعليه جمهور الشافعية، وهو الأصح عند أبي الطيب، وهو قول أبي إسحاق الشيرازي.
والقول الثاني هو الراجح، وهو مقتضى قول الجمهور؛ لأنه قد أصبح مقيمًا، وزالت عنه رخص السفر.
انظر: "المجموع" (٦/ ٢٦٢).
مسألة: هل يجوز للمقيم الذي يريد أن يسافر في الغد أن يبيت الفطر ؟
قال ابن عبد البر ﵀: واتفق الفقهاء في المسافر في رمضان أنه لا يجوز له أن
стр. 159
يبيت الفطر؛ لأن المسافر لا يكون مسافرا بالنية، وإنما يكون مسافرا بالعمل والنهوض في سفره، وليست النية في السفر كالنية في الإقامة؛ لأن المسافر إذا نوى الإقامة كان مقيما في الحين؛ لأن الإقامة لا تفتقر إلى عمل. اهـ
انظر: "التمهيد" (٧/ ٢٢٥)، "الاستذكار" (١٠/ ٨٩)، "تفسير القرطبي" (٢/ ٢٧٨).
مسألة: إذا أقام المسافر في بلدة، فهل يلزمه الإمساك أم له أن يفطر ؟
قال الإمام النووي ﵀: لو نوى المسافر الإقامة ببلد بحيث تنقطع رُخَصه فطريقان.
ثم ذكر أن الأصح عند الشافعية وجهان، وأن الأصح من الوجهين أنه يحرم الفطر، وهو الذي رجحه الشيرازي، والقاضي أبو الطيب، ورجحه كذلك الفوراني، وجماعة من الخراسانيين، وجعلوه وجهًا واحدًا.
قلتُ: قوله (بحيث تنقطع رخصه) يخرج ما إذا عزم على الإقامة أربعة أيام فما دون كما هو معلوم من مذهب الشافعية، وهو قول الحنابلة وغيرهم أيضًا.
وهذا هو الراجح والله أعلم، أنه إن عزم على الإقامة أكثر من أربعة أيام فليس له أن يترخص بالفطر؛ لأنه يعتبر مقيمًا، وقد رجح هذا الشيخ ابن باز ﵀.
وقال ابن حزم ﵀: ومن أقام من قبل الفجر ولم يسافر إلا بعد غروب الشمس في سفره، فعليه إذا نوى الإقامة المذكورة أن ينوي الصوم، ولابد، سواء كان في جهادٍ، أو عمرةٍ، أو غير ذلك؛ لأنه إنما ألزم الفطر إذا كان على سفر، وهذا مقيم؛ فإن أفطر عامدًا فقد أخطأ إن كان جاهلاً متأولًا، وعصى إن كان عالمًا. اهـ
стр. 160
والصواب هو القول الأول.
انظر: "المجموع" (٦/ ٢٦٢)، "المحلى" (٧٦٣)، "فتاوى رمضان" (١/ ٣١٦ - ٣١٧).
مسألة: هل يجوز للمسافر أن يصوم في رمضان قضاءً، أو نذرًا، أو كفارةً، أو تطوعًا ؟
الذي عليه الجمهور وهو مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد، أنه لا يجوز له ذلك؛ لأن الفطر أبيح رخصة وتخفيفًا، فإذا لم يرد التخفيف عن نفسه لزمه الأصل؛ فإن نوى صومًا غير رمضان لم يصح صومه لا عن رمضان ولا عما نواه.
وذهب أبو حنيفة إلى الجواز إذا كان الصوم واجبًا كالكفارة والنذر، وهذا القول ليس عليه دليل.
والراجح القول الأول، والله أعلم.
انظر: "المجموع" (٦/ ٢٦٣)، "المغني" (٣/ ١٤).
مسألة: إذا خرج الرجل مسافرًا فأفطر، ثم عاقه عائق فرجع، فما الحكم ؟
عليه القضاء، وليس عليه الكفارة.
قال ابن عبد البر ﵀: وقد أجمعوا أنه لو مشى في سفره حتى تغيب بيوت القرية، والمصر، فنزل فأكل، ثم عاقه عائق عن النهوض في ذلك السفر؛ لم تلزمه كفارة. اهـ
انظر "الاستذكار" (١٠/ ٩٠).
стр. 161
مسألة: هل الملَاّح له حكم المسافر ؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وكذلك الملاح الذي له مكان في البر يسكنه. اهـ يعني حكمه حكم المسافر.
قال: فأما من كان معه في السفينة امرأته وجميع مصالحه، ولا يزال مسافرًا؛ فهذا لا يقصر ولا يفطر. اهـ انظر: "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢١٣).
مسألة: أهل البادية ؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأهل البادية كأعراب العرب، والأكراد، والترك وغيرهم الذين يشتون في مكان ويصيفون في مكان، إذا كانوا في حال ظَعْنِهم من المشتى إلى المصيف، ومن المصيف إلى المشتى؛ فإنهم يقصرون، وأما إذا نزلوا بمشتاهم ومصيفهم، لم يفطروا ولم يقصروا وإن كانوا يتبعون المراعي، والله أعلم. اهـ
انظر: "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢١٣).
رابعًا العاجز عن الصيام
الشيخ الكبير والعجوز اللذان لا يطيقان الصوم، نقل غير واحد الإجماع على أن لهما الفطر كابن المنذر، وابن عبد البر، والقرطبي، والنووي.
انظر: "المجموع" (٦/ ٢٥٨ - ٢٥٩)، "الاستذكار" (١٠/ ٢١٣)، "تفسير القرطبي" (٢/ ٢٨٩).
стр. 162
مسألة: ماذا يلزمهما إذا أفطرا ؟
في المسألة قولان:
القول الأول: أنه يلزمهما الفدية، وهو قول الجمهور، ومنهم الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، وذهب إليه من الصحابة: أنس، وابن عباس، وقيس بن السائب، وأبو هريرة ﵃، (١) ومن بعدهم من التابعين: عكرمة، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وقتادة، وسعيد بن جبير، وغيرهم.
واستدلوا بما يلي:
١) قراءة ابن عباس ﵄: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ بمعنى: يتكلفون صومه، قالوا: والآية في القراءة المشهورة: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ معناها: (يطيقونه بمشقة)، فيتفق معنى القراءتين.
٢) قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤].
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: وجه الدلالة من الآية أن الله تعالى جعل الفدية
стр. 163
عَدِيلاً للصوم لمن قدر عليه، فإذا لم يقدر بقي عديله، وهو الفدية، وهذا في الحقيقة يدل على غور فقهه -يعني ابن عباس ﵄- وإلا فالإنسان إذا قرأ الآية فليس فيها تعرض لمن لا يطيق، بل فيها لمن يطيق، هذا وجه الدلالة، فصار العاجز عجزًا لا يرجى زواله، الواجب عليه الإطعام عن كل يوم مسكينًا. اهـ
قلتُ: يريد الشيخ ﵀ أن ظاهر الآية أن المستطيع للصوم كان مخيرًا بين الإطعام والصوم ثم نسخت، وليس فيها تعرض لمن لا يطيق الصوم، والأمر كما قال ﵀.
فقد ثبت في "الصحيحين" (١) من حديث سلمة بن الأكوع ﵁، قال: لما نزلت ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها.
قلتُ: يعني قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، كما جاء مصرحًا في رواية في "صحيح مسلم"، وقد صح عن ابن عمر ﵄، أيضًا القول بنسخ الآية كما في "صحيح البخاري" (٤٥٠٦).
٣) أن هذا عمل بعض الصحابة كأنس، وابن عباس، وأبي هريرة، وقيس بن السائب ﵃، وقد قال ابن حزم ﵀: ولا يُعرف لهم من الصحابة مخالف.
وقد رجح هذا القول ابن قدامة، والنووي، وشيخ الإسلام، وابن القيم، وابن كثير، وهو ترجيح الشيخ الألباني، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ
стр. 164
الوادعي رحمة الله عليهم.
القول الثاني: أنه لا يلزمهما الفدية، وهو قول مالك والثوري وأبي ثور، ومن التابعين القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله ومكحول الدمشقي، وربيعة بن عبدالرحمن وسعيد بن عبدالعزيز، وهو أحد قولي الشافعي ورجحه ابن المنذر وابن عبد البر وابن حزم رحمة الله عليهم أجمعين.
قال ابن حزم ﵀: والشيخ، والعجوز اللذان لا يطيقان الصوم؛ فالصوم لا يلزمهما، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وإذا لم يلزمهما الصوم فالكفارة لا تلزمهما؛ لأن الله تعالى لم يلزمهما إياها، ولا رسوله ﷺ ، والأموال محرمة إلا بنص أو إجماع. اهـ
قال ابن عبد البر ﵀: والصحيح بالنظر -والله أعلم- قول من قال: إن الفدية غير واجبة على من لا يطيق الصيام؛ لأن الله تعالى لم يوجب الصيام على من لا يطيقه؛ لأنه لم يوجب فرضًا إلا على من أطاقه، والعاجز عن الصوم كالعاجز عن القيام في الصلاة، وكالأعمى العاجز عن النظر لا يكلفه، وأما الفدية فلم تجب بكتاب مجمع على تأويله، ولا سنة يفقهها من تجب الحجة بفقهه، ولا إجماع في ذلك عن الصحابة، ولا عمن بعدهم، والفرائض لا تجب إلا من هذه الوجوه، والذمة بريئة. اهـ
стр. 165
وأجابوا عن الجمهور بما يلي:
١) قراءة ابن عباس ﵄: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَه﴾ شاذَّة (١)، خلاف القراءة المتواترة.
قال ابن عبد البر ﵀: قوله تعالى: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ هو الثابت بين لَوْحي المصحف المجمع عليه، وهي القراءة الصحيحة التي يقطع بصحتها ويقطع الفرد بمجيئها. اهـ
وقولهم: إن قوله تعالى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، معناها: (يطيقونه بمشقة)، لا يستقيم مع ما تقدم في حديث سلمة بن الأكوع ﵁ في "الصحيحين"؛ فإن ظاهره العموم في إباحة الفطر على من وجد المشقة أو لم يجدها، وأيضًا فإن محل النزاع في العاجز الذي لا يطيق الصيام؛ ولذلك فقد رجح ابن المنذر أن الآية منسوخة، وأنها لم تتناول الشيخ الكبير العاجز.
قال ﵀: لو كانت في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام لم يناسب أن يقال له: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٤].انتهى من "الفتح".
٢) وأما وجه الدلالة التي ذكرها ابن عثيمين ﵀، ففيه إشكال من حيث إن الله أوجب على المطيق الفدية أو الصوم، وَفُهِمَ من الآية أن الذي لا يطيقه ليس عليه فدية ولا صوم، ويؤيده قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
стр. 166
وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فلما نسخها الله بالآية التي بعدها، وأوجب على المطيق الصوم؟ فمن أين لنا أن نوجب على غير المطيق أن يأتي بما يعادل الصوم، وهو الفدية مع كون الصوم نفسه لا يجب عليه؟!!
٣) أجابوا عن ما ورد عن الصحابة في ذلك أن الحجة بإجماعهم لا باجتهاد بعض أفرادهم، ومنهم من قال: هي محمولة على أنهم أطعموا استحبابًا، والمعتبر في الجواب عندهم الأول.
والقول الثاني هو الأقرب والأرجح فيما يظهر لنا، والله أعلم.
تنبيه:
المراد بـ (الذي لا يطيق) هو العاجز عن الصيام مطلقًا، أو يطيق الصيام لكن بمشقة شديدة تلحقه الضرر. انظر معنى ذلك في "مجموع الفتاوى" (١٤/ ١٠٣).
وانظر: "المجموع" (٦/ ٢٥٨)، "المحلى" (٧٧٠)، "تفسير القرطبي" (٢/ ٢٨٨)، "الاستذكار" (١٠/ ٢١٢ - ٢٢٠)، "الفتح" (٤٥٠٦)، "الشرح الممتع" (٦/ ٣٣٣ - ٣٣٤)، "تفسير ابن كثير" [آية:١٨٤] من سورة البقرة.
مسألة: مقدار الفدية ؟
اختلفوا في تقديرها على أقوال:
الأول: أنها مدٌّ من طعامٍ كل يوم، سواءٌ في طعام البر، أو التمر، أو الشعير، أو غيرها من أقوات البلد، وهذا قول الشافعي، وطاوس، وسعيد بن جبير، والأوزاعي.
стр. 167
الثاني: يجب لكل يوم صاع من تمر، أو نصف صاع حنطة، وهو قول أبي حنيفة.
الثالث: مد حنطة، أو مدان من شعير، أو تمر، وهو قول أحمد.
الرابع: ليس فيه حد محدود.
قال الشوكاني ﵀: وليس في المرفوع ما يدل على التقدير. اهـ
قال أبو عبد الله عفا الله عنه: ويؤيد ما قاله الشوكاني ﵀ ما جاء عن أنس بن مالك ﵁، أنه كان ضعف قبل موته بعام أو عامين، فأطعم الخبز واللحم. علقه البخاري في "صحيحه" [باب (٢٥) من التفسير]، ووصله البيهقي (٤/ ٢٧١)، وغيره، وهو صحيح.
انظر: "المجموع" (٦/ ٢٥٩)، "نيل الأوطار" (٤/ ٢٣٢)، "تفسير القرطبي" (٢/ ٢٨٩) "المحلى" (٧٤٦).
مسألة: إذا أوجبنا الفدية على الشيخ الكبير العاجز والمريض الميئوس من بُرْئه وكان معسرًا، فهل تلزمه إذا أيسر، أم تسقط عنه ؟
قال النووي ﵀: فيه قولان كالكفارة، والأصح في الكفارة بقاؤها في ذمته إلى اليسار؛ لأنها في مقابلة جناية فهي كجزاء الصيد، وينبغي أن يكون الأصح هنا أنها تسقط ولا تلزمه إذا أيسر كالفطرة؛ لأنه عاجز أثناء التكليف بالفدية، وليست في مقابل جناية ونحوها. اهـ قلت: وهو قول الحنفية، والحنابلة.
انظر: "المجموع" (٦/ ٢٥٩)، "الموسوعة الفقهية الكويتية" (٣٢/ ٦٧).
مسألة: إذا تكلف العاجز عن الصيام، فقدر على الصوم، فهل يلزمه
стр. 168
الفدية؟
قال النووي ﵀: واتفقوا على أنه لو تكلف الصوم وصام فلا فدية، والعجوز كالشيخ في جميع هذا، وهو إجماع. اهـ، انظر: "المجموع" (٦/ ٢٥٨).
مسألة: إذا أفطر الشيخ العاجز عن الصيام، ثم قدر على الصوم، فهل يلزمه القضاء ؟
قال النووي ﵀: فيه وجهان حكاهما الدارمي. اهـ
وقال البغوي ﵀ -ونقله القاضي حسين-: إنه لا يلزمه؛ لأنه لم يكن مخاطبًا بالصوم، بل بالفدية.
قال: ثم اختار البغوي لنفسه أنه إذا قدر على القضاء قبل أن يفدي لزمه الصوم، وإن قدر بعد الفدية فلا يلزمه. اهـ
قلت: وهذا الذي اختاره البغوي، هو قول الحنابلة.
والذي يظهر والله أعلم أنه يلزمه؛ لكون العجز كان لعارض فأشبه المرض، وهذا قول الحنفية، والمالكية، وبعض الحنابلة.
انظر: "المجموع" (٦/ ٢٥٩)، "حاشية ابن عابدين" (١/ ٢٥٩)، "منح الجليل شرح مختصر خليل" (٢/ ١٢٠)، "الفقه على المذاهب الأربعة".
стр. 169
خامسًا الحامل والمُرضِع
مسألة: الحامل إذا خافت على جنينها، والمرضع على ولدها، أو خافتا على أنفسهما ؟
في المسألة أقوال:
الأول: أنهما تفطران وتطعمان عن كل يوم مسكينًا، وهو قول ابن عباس، (١) وابن عمر، (٢) وعكرمة، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد، وهو قول إسحاق بن راهويه.
واستدلوا بالآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، وقد تقدم الكلام على الآية في مسألة الشيخ العاجز.
الثاني: أنهما تفطران وتقضيان، ولا فدية، وهو قول الحسن، والنخعي، وعطاء، والزهري، والضحاك، والأوزاعي، وربيعة، والثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، والليث، والطبري، وأبي ثور، وأبي عبيد، وهو قول مالك في المرضع، وأحد قولي الشافعي في الحامل.
واستدلوا بحديث أنس بن مالك الكَعْبي عند أصحاب "السنن"، أن النبي ﷺ قال: «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى، والمرضع الصوم» (٣)، وقد صححه شيخنا في "الجامع الصحيح"، وقالوا: هو فطرٌ
стр. 170
أُبيح لعذر طارئ؛ فلا تجب به كفارة كالمريض.
وهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح شيخنا مقبل الوادعي، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين.
الثالث: إن خافتا على أنفسهما لا غير، أو على أنفسهما وولديهما؛ أفطرتا وقضتا، ولا فدية عليهما، وإن خافتا على ولديهما لا على أنفسهما؛ أفطرتا وقضتا وعليهما الفدية، وهو قول الشافعي، وأحمد، وروي ذلك عن مجاهد.
الرابع: الحامل تفطر وتقضي ولا فدية، والمرضع تفطر وتقضي وتفدي، وهو قول مالك، والليث، ورجحه ابن عبد البر.
الخامس: لا قضاء عليهما ولا إطعام، وهو قول ابن حزم ﵀، واستدلوا بحديث أنس ﵁ المتقدم، وأُجيب بأن المراد وضع الأداء لا وضع القضاء؛ بدليل أن المسافر عليه أيام أخر كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].
والراجح هو القول الثاني كما تقدم، والله أعلم.
انظر: "المجموع" (٦/ ٢٦٨ - ٢٦٩)، "المغني" (٣/ ٣٧)، "المحلى" (٧٧٠)، "الاستذكار" (١٠/ ٢٢١ - ٢٢٤)، "الشرح الممتع" (٦/ ٣٥٩ - ٣٦٢).
* المرضع المُسْتأجرة هل لها نفس الحكم؟
الذي قطع به النووي وصوبه وصححه أن لها نفس الحكم، وقطع به القاضي
стр. 171
حسين في "فتاويه" خلافًا للغزالي، واستدل صاحب "التتمة" بالقياس على السفر؛ فإنه يستوي فيه من سافر لغرض نفسه، أو لغرض غيره بأجرة أو غيرها.
انظر: "المجموع" (٦/ ٢٦٨).
سادسًا الحائض والنفساء
قال النووي ﵀: لا يصح صوم الحائض والنفساء، ولا يجب عليهما، ويحرم عليهما، ويجب قضاؤه، وهذا مُجمع عليه. اهـ
وقد نقل الإجماع أيضًا ابن حزم، وابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، ويدل على ذلك حديث عائشة ﵂ أنها قالت في الحائض: كنا نُؤْمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة. متفق عليه، واللفظ لمسلم. (١)
انظر: "المجموع" (٦/ ٢٥٦)، "المغني" (٣/ ٣٤)، شرح "كتاب الصيام" (١/ ٢٤٤)، "المحلى" (٧٣٦).
مسألة: إذا انقطع الدم عن المرأة أثناء النهار فهل يلزمها الإمساك ؟
في المسألة قولان:
الأول: أنه لا يلزمها، وهو قول الجمهور، ومالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، وهذا هو الصحيح؛ لعدم وجود دليل على إيجاب الإمساك عليها.
الثاني: أنه يلزمها الإمساك، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي،
стр. 172
والحسن بن صالح، ولا دليل على هذا القول.
انظر: "المجموع" (٦/ ٢٥٧)، "المغني" (٣/ ٣٤).
سابعًا المجنون
قال النووي ﵀: المجنون لا يلزمه الصوم في الحال بالإجماع؛ للحديث وللإجماع، وإذا أفاق لا يلزمه قضاء ما فاته في الجنون، سواءٌ قل أو كثر، وسواء أفاق بعد رمضان أو في أثنائه، وهذا قول الجمهور.
قلتُ: أما الحديث الذي أشار إليه النووي فهو قوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة: ... ، وعن المجنون حتى يفيق». (١)
وقال مالك ﵀: يقضي وإن مضى عليه سنون. وعن أحمد مثله، وهو قول الشافعي في القديم؛ لأنه معنى يزيل العقل، فلم يمنع وجوب الصوم كالإغماء.
وقال أبو حنيفة ﵀: إن جُنَّ جميع الشهر فلا قضاء عليه، وإن أفاق في أثنائه قضى ما مضى؛ لأن الجنون لا ينافي الصوم، بدليل ما لو جن في أثناء الصوم لم يفسد، فإذا وجد في بعض الشهر وجب القضاء كالإغماء.
والراجح هو قول الجمهور، والله أعلم.
стр. 173
انظر: "المغني" (٣/ ٤٦)، "المجموع" (٦/ ٢٥٤).
ثامنًا الصبي
قال الإمام النووي ﵀ في "المجموع" (٦/ ٢٥٣): لا يجب صوم رمضان على الصبي، ولا يجب عليه قضاء ما فات قبل البلوغ بلا خلاف. اهـ
قلتُ: ويدل عليه حديث علي، وعائشة ﵄، أن النبي ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يُفِيق». (١)
مسألة: إذا أفاق المجنون، أو بلغ الصبي، أو أسلم كافر أثناء اليوم، فهل يلزمه الإمساك ؟
في المسألة قولان:
الأول: أنه يلزمهم الإمساك بقية اليوم، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح، والعنبري، وقاسوا ذلك على من علم بالهلال أثناء النهار.
الثاني: أنه لا يلزمهم الإمساك، وهو قول مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، وهو ترجيح ابن حزم في غير المجنون؛ وذلك لأنه أبيح له فطر أول النهار باطنًا وظاهرًا، فإذا أفطر كان له أن يستديمه إلى آخر النهار كما لو دام العذر.
وانفرد أحمد عن المذاهب الثلاثة بوجوب القضاء عليه.
стр. 174
ورجح شيخ الإسلام أنه يلزمهم الإمساك، ولا قضاء عليهم.
وأجيب عن القول الأول بأن قياسهم على من علم بالهلال أثناء النهار فيه نظر؛ فقد أجاب ابن حزم بأن هذا يجب عليه الإمساك من أول النهار، وأما الكافر والصبي فإنه لا يجب عليه ذلك، بل يباح له الفطر.
انظر: "المغني" (٣/ ٣٤)، "الإنصاف" (٣/ ٢٥٤)، "المجموع" (٦/ ٢٥٦)، "المحلى" (٧٥٤، ٧٦٠)، "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ١٠٩).
تاسعًا المجاهد في سبيل الله
قال الحافظ ابن القيم ﵀: فلو اتفق مثل هذا - يعني لقاء العدو- في الحَضَر وكان في الفطر قوة لهم على لقاء العدو فهل لهم الفطر؟ فيه قولان، أصحهما دَلِيلًا: أن لهم ذلك، وهو اختيار ابن تيمية، وبه أفتى العساكر الإسلامية لما لقوا العدو بظاهر دمشق، ولا ريب أن الفطر لذلك أولى من الفطر لمجرد السفر، بل إباحة الفطر للمسافر تنبيه على إباحته في هذه الحالة؛ فإنها أحق بجوازه؛ لأن القوة هناك تختص بالمسافر، والقوة هنا له وللمسلمين، ولأن مشقة الجهاد أعظم من مشقة السفر، ولأن المصلحة الحاصلة بالفطر للمجاهد أعظم من المصلحة بفطر المسافر، ولأن الله تعالى قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]، والفطر عند اللقاء من أعظم أسباب القوة، والنبي ﷺ قد فسر القوة بالرمي، وهو لا يتم ولا يحصل به مقصوده إلا بما يقوي ويعين عليه من الفطر والغذاء؛ ولأن النبي ﷺ -
стр. 175
قال للصحابة لَمَّا دنوا من عدوهم: «إنكم قد دنوتم من عدوكم؛ والفطر أقوى لكم»، وكانت رخصة، ثم نزلوا منزلا آخر فقال: «إنكم مصبحوا عدوكم؛ والفطر أقوى لكم؛ فأفطروا» (١)، فكانت عزمة، فأفطروا، فعلل بدنوهم من عدوهم، واحتياجهم إلى القوة التي يلقون بها العدو، وهذا سبب آخر غير السفر، والسفر مستقل بنفسه ولم يذكره في تعليله، ولا أشار إليه؛ فالتعليل به اعتبارٌ لما ألغاه الشارع في هذا الفطر الخاص، وإلغاء وصف القوة التي يقاوم بها العدو، واعتبار السفر المجرد إلغاء لما اعتبره الشارع وعلل به. انتهى من "زاد المعاد" (٢/ ٥٣ - ٥٤).
стр. 176
فَصْل فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِقَضَاءِ رَمَضَانَ
مسألة: من تعمد فطر يوم من رمضان، فهل عليه قضاؤه ؟
ذهب الجمهور، والأئمة الأربعة إلى أنه يجب عليه قضاؤه؛ لأن الصوم كان عليه في الذمة فلا تبرأ إلا بأدائه.
وقال ابن قدامة ﵀ في "المغني": فعليه القضاء، لا نعلم في ذلك خلافًا. اهـ
فإذا أراد نفي الخلاف في المذهب فذاك، وإلا فالواقع وجود الخلاف، فقد خالف عبد الله بن مسعود، (١) وأبو هريرة، (٢) فقالا: لا يجزئه قضاؤه، وإن صام الدهر، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب. (٣)
وذكره ابن حزم عن أبي بكر ﵁، بسند فيه انقطاع (٤)، ورجح ذلك ابن حزم، واستثنى القيء تعمدًا؛ لحديث: «ومن استقاء فعليه القضاء»، وقد تقدم ما فيه، ثم شيخنا ﵀، وهذا هو الراجح؛ لأن الله أوجب صيام أيام
стр. 177
محدودة فمن لم يفعل ما أمره الله فيكون قد تعدى حدود الله، وليس هناك دليل يدل على أنه إذا صام يومًا بدلًا منه أنه يجزئه.
وقد جاء حديث يدل على ذلك، ولكنه ضعيف، وهو ما أخرجه الأربعة (١) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «من أفطر يومًا من غير عذر لم يجزئه صيام الدهر»، وفيه ثلاث علل:
١) فيه أبو المطوِّس، وهو مجهول الحال.
٢) فيه اضطراب، على حبيب بن أبي ثابت.
٣) وأبو أبي المطوس، مجهول، ولا يُدرى أسمع من أبي هريرة ﵁، أم لا، والعلة الأخيرة على مذهب البخاري.
وأما قول من قال: (الصوم في الذمة فلا تبرأ منه إلا بأدائه).
فالرد عليه: أن الله قد حدَّ حدًّا لأدائه، فمن لم يؤده في الوقت الذي أمر الله أن يؤدى فيه فقد فرط وعصى، ولا دليل يدل على أنه يمكنه استدراكه بعد خروج الوقت الذي حده الله تعالى له.
وقد جاء عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن أنه قال: يلزمه أن يصوم اثني عشر يومًا. وقال سعيد بن المسيب ﵀: يلزمه صوم ثلاثين يومًا. ولا دليل على ما ذهبا إليه.
انظر: "المجموع" (٦/ ٣٢٩)، "المغني" (٣/ ٢٢)، "المحلى" (٧٣٥) "الفتح" (١٩٣٥).
стр. 178
مسألة: هل يلزم المجامع في نهار رمضان قضاء ذلك اليوم مع الكفارة ؟
في المسألة قولان:
الأول: أنه يلزمه، وهو قول الجمهور.
واستدلوا بقول النبي ﷺ للمجامع في نهار رمضان: «صم يومًا، واستغفر الله»، رواه أبو دود (١)؛ ولأنه لم تبرأ ذمته منه؛ لكونه أفسده بالجماع.
الثاني: أنه لا يلزمه، ولا يقدر على قضائه، وهو أحد قولي الشافعي، وهو قول ابن حزم؛ لأن الرجل قد أفسد صومه متعمدًا، فمن أين لنا الدليل أنه يمكنه أن يتدارك ذلك بصيام بعد خروج الوقت، والحد الذي حده الله لهذه العبادة؟!.
وهذا هو الراجح، وهو ترجيح والدنا وشيخنا مقبل الوادعي ﵀، وأجابوا عن حديث: «صم يومًا» بعدم صحته، فقد رواه بهذه الزيادة عن الزهري أبو أويس، وعبد الجبار بن عمر، وهشام بن سعد، وكلهم ضعفاء.
وقد خالفوا في ذكر هذه الزيادة جمعًا كبيرًا من أصحاب الزهري، تقدم من كلام الحافظ أنه يقارب ثلاثين نفسًا أو أكثر، فتعتبر هذه الزيادة شاذة أو منكرة.
وقد جاء أيضًا من مراسيل سعيد بن المسيب (٢)، والمرسل لا يحتج به، فما في "الصحيحين" هو المقدم، وعليه الاعتماد، وهو يدل على عدم القضاء عليه؛ لأن النبي ﷺ لم يأمره بالقضاء.
стр. 179
انظر: "الفتح" (١٩٣٦)، "المغني" (٣/ ٢٥)، "المحلى" (٤/ ٣٠٨ - ٣٠٩) (٧٣٥)، "المجموع" (٦/ ٣٣١).
مسألة: هل يلزم التتابع في قضاء رمضان ؟
في المسألة قولان:
الأول: أنه يلزمه التتابع، نقله ابن المنذر وغيره عن عائشة (١) وعلي (٢) ﵄، وهو قول ابن حزم ﵀، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، ثم قال: وَتُجزئه متفرقة؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].
الثاني: أنه لا يلزمه التتابع، وهو قول الجمهور، ومن الصحابة عبد الله بن عباس ﵄، (٣)، وأبو هريرة، وأنس (٤)، ومن التابعين سعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].
وهذا القول هو ترجيح الإمام البخاري في "صحيحه"، وهو الراجح إن شاء الله، ورجحه أيضًا شيخنا مقبل الوادعي، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: ولا يختلف المجيزون للتفريق أن التتابع أولى. اهـ
стр. 180
انظر: "الفتح" (١٩٥٠)، "المحلى" (٧٦٨)، "تفسير القرطبي" (٢/ ٢٨٢)، "الشرح الممتع" (٦/ ٤٤٩)، "المجموع" (٦/ ٣٦٧).
مسألة: هل يلزم القضاء فورًا، أم له أن يؤخره ؟
ذهب بعض أهل الظاهر إلى وجوبه من ثاني شوال، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣].
وذهب الجمهور إلى جواز تأخيره بشرط أن يقضي قبل دخول رمضان من قابل، واستدلوا بحديث عائشة ﵂، قالت: كان يكون عليَّ الصوم من رمضان فلا أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان. (١)، وفي مصنف ابن أبي شيبة (٣/ ٩٦) عنها بإسنادٍ حسنٍ أنها قالت: ما من السنة يوم أحب إلى أن أصومه من يوم عرفة. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].
وأما كونه يقضي قبل دخول رمضان الآخر، فقد قال الحافظ ابن حجر ﵀: ويؤخذ من حرصها يعني عائشة ﵂ على ذلك في شعبان أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان آخر.
وقد سبق إلى نحو ذلك ابن قدامة، وزاد فقال: ولأن الصوم عبادة متكررة، فلم يجز تأخير الأولى عن الثانية كالصلوات الخمس المفروضة.
انظر: "الفتح" (١٩٧٠)، "المحلى" (٧٦٧)، "تفسير القرطبي" (٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣)، "المغني" (٣/ ٤٠)، "المجموع" (٦/ ٣٦٤)، "شرح السنة" (٣/ ٥٠٥ - ٥٠٦).