فَصْل فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِقَضَاءِ رَمَضَانَ
مسألة: من تعمد فطر يوم من رمضان، فهل عليه قضاؤه ؟
ذهب الجمهور، والأئمة الأربعة إلى أنه يجب عليه قضاؤه؛ لأن الصوم كان عليه في الذمة فلا تبرأ إلا بأدائه.
وقال ابن قدامة ﵀ في "المغني": فعليه القضاء، لا نعلم في ذلك خلافًا. اهـ
فإذا أراد نفي الخلاف في المذهب فذاك، وإلا فالواقع وجود الخلاف، فقد خالف عبد الله بن مسعود، (١) وأبو هريرة، (٢) فقالا: لا يجزئه قضاؤه، وإن صام الدهر، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب. (٣)
وذكره ابن حزم عن أبي بكر ﵁، بسند فيه انقطاع (٤)، ورجح ذلك ابن حزم، واستثنى القيء تعمدًا؛ لحديث: «ومن استقاء فعليه القضاء»، وقد تقدم ما فيه، ثم شيخنا ﵀، وهذا هو الراجح؛ لأن الله أوجب صيام أيام
стр. 177
محدودة فمن لم يفعل ما أمره الله فيكون قد تعدى حدود الله، وليس هناك دليل يدل على أنه إذا صام يومًا بدلًا منه أنه يجزئه.
وقد جاء حديث يدل على ذلك، ولكنه ضعيف، وهو ما أخرجه الأربعة (١) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «من أفطر يومًا من غير عذر لم يجزئه صيام الدهر»، وفيه ثلاث علل:
١) فيه أبو المطوِّس، وهو مجهول الحال.
٢) فيه اضطراب، على حبيب بن أبي ثابت.
٣) وأبو أبي المطوس، مجهول، ولا يُدرى أسمع من أبي هريرة ﵁، أم لا، والعلة الأخيرة على مذهب البخاري.
وأما قول من قال: (الصوم في الذمة فلا تبرأ منه إلا بأدائه).
فالرد عليه: أن الله قد حدَّ حدًّا لأدائه، فمن لم يؤده في الوقت الذي أمر الله أن يؤدى فيه فقد فرط وعصى، ولا دليل يدل على أنه يمكنه استدراكه بعد خروج الوقت الذي حده الله تعالى له.
وقد جاء عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن أنه قال: يلزمه أن يصوم اثني عشر يومًا. وقال سعيد بن المسيب ﵀: يلزمه صوم ثلاثين يومًا. ولا دليل على ما ذهبا إليه.
انظر: "المجموع" (٦/ ٣٢٩)، "المغني" (٣/ ٢٢)، "المحلى" (٧٣٥) "الفتح" (١٩٣٥).
стр. 178
مسألة: هل يلزم المجامع في نهار رمضان قضاء ذلك اليوم مع الكفارة ؟
في المسألة قولان:
الأول: أنه يلزمه، وهو قول الجمهور.
واستدلوا بقول النبي ﷺ للمجامع في نهار رمضان: «صم يومًا، واستغفر الله»، رواه أبو دود (١)؛ ولأنه لم تبرأ ذمته منه؛ لكونه أفسده بالجماع.
الثاني: أنه لا يلزمه، ولا يقدر على قضائه، وهو أحد قولي الشافعي، وهو قول ابن حزم؛ لأن الرجل قد أفسد صومه متعمدًا، فمن أين لنا الدليل أنه يمكنه أن يتدارك ذلك بصيام بعد خروج الوقت، والحد الذي حده الله لهذه العبادة؟!.
وهذا هو الراجح، وهو ترجيح والدنا وشيخنا مقبل الوادعي ﵀، وأجابوا عن حديث: «صم يومًا» بعدم صحته، فقد رواه بهذه الزيادة عن الزهري أبو أويس، وعبد الجبار بن عمر، وهشام بن سعد، وكلهم ضعفاء.
وقد خالفوا في ذكر هذه الزيادة جمعًا كبيرًا من أصحاب الزهري، تقدم من كلام الحافظ أنه يقارب ثلاثين نفسًا أو أكثر، فتعتبر هذه الزيادة شاذة أو منكرة.
وقد جاء أيضًا من مراسيل سعيد بن المسيب (٢)، والمرسل لا يحتج به، فما في "الصحيحين" هو المقدم، وعليه الاعتماد، وهو يدل على عدم القضاء عليه؛ لأن النبي ﷺ لم يأمره بالقضاء.
стр. 179
انظر: "الفتح" (١٩٣٦)، "المغني" (٣/ ٢٥)، "المحلى" (٤/ ٣٠٨ - ٣٠٩) (٧٣٥)، "المجموع" (٦/ ٣٣١).
مسألة: هل يلزم التتابع في قضاء رمضان ؟
في المسألة قولان:
الأول: أنه يلزمه التتابع، نقله ابن المنذر وغيره عن عائشة (١) وعلي (٢) ﵄، وهو قول ابن حزم ﵀، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، ثم قال: وَتُجزئه متفرقة؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].
الثاني: أنه لا يلزمه التتابع، وهو قول الجمهور، ومن الصحابة عبد الله بن عباس ﵄، (٣)، وأبو هريرة، وأنس (٤)، ومن التابعين سعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].
وهذا القول هو ترجيح الإمام البخاري في "صحيحه"، وهو الراجح إن شاء الله، ورجحه أيضًا شيخنا مقبل الوادعي، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: ولا يختلف المجيزون للتفريق أن التتابع أولى. اهـ
стр. 180
انظر: "الفتح" (١٩٥٠)، "المحلى" (٧٦٨)، "تفسير القرطبي" (٢/ ٢٨٢)، "الشرح الممتع" (٦/ ٤٤٩)، "المجموع" (٦/ ٣٦٧).
مسألة: هل يلزم القضاء فورًا، أم له أن يؤخره ؟
ذهب بعض أهل الظاهر إلى وجوبه من ثاني شوال، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣].
وذهب الجمهور إلى جواز تأخيره بشرط أن يقضي قبل دخول رمضان من قابل، واستدلوا بحديث عائشة ﵂، قالت: كان يكون عليَّ الصوم من رمضان فلا أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان. (١)، وفي مصنف ابن أبي شيبة (٣/ ٩٦) عنها بإسنادٍ حسنٍ أنها قالت: ما من السنة يوم أحب إلى أن أصومه من يوم عرفة. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].
وأما كونه يقضي قبل دخول رمضان الآخر، فقد قال الحافظ ابن حجر ﵀: ويؤخذ من حرصها يعني عائشة ﵂ على ذلك في شعبان أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان آخر.
وقد سبق إلى نحو ذلك ابن قدامة، وزاد فقال: ولأن الصوم عبادة متكررة، فلم يجز تأخير الأولى عن الثانية كالصلوات الخمس المفروضة.
انظر: "الفتح" (١٩٧٠)، "المحلى" (٧٦٧)، "تفسير القرطبي" (٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣)، "المغني" (٣/ ٤٠)، "المجموع" (٦/ ٣٦٤)، "شرح السنة" (٣/ ٥٠٥ - ٥٠٦).
стр. 181
مسألة: إذا أخَّر القضاء بغير عذر حتى دخل رمضان ؟
في المسألة أقوال:
الأول: أنه يلزمه بعد صيام رمضان أن يقضي ما عليه، ويُطعِم عن كل يوم مسكينًا، وهو قول الجمهور، وقال به من الصحابة أبو هريرة، (١) وابن عباس، (٢) وعمر (٣) ﵃، ونقل الطحاوي (٤) عن يحيى بن أَكْثم قال: وجدته عن ستة من الصحابة، ولا أعلم لهم فيه مخالفًا.
الثاني: أنه يقضي ولا فدية عليه، وهو قول الحسن، والنَّخعي، وأصحاب الرأي، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ورجحه البخاري فقال: ولم يذكر الله تعالى الإطعام، إنما قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
وهناك قول ثالث: أن عليه أن يطعم ولا قضاء عليه، قال به سعيد بن جبير، وقتادة، وهذا مخالف للآية السابقة.
والراجح هو القول الثاني، وهو ترجيح ابن حزم، والشوكاني، والوادعي، وابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين.
انظر: "شرح السنة" (٣/ ٥٠٦ - ٥٠٧)، "المجموع" (٦/ ٣٦٤)، "المغني" (٣/ ٤٠)، "الفتح" (١٩٥٠)، "تفسير القرطبي" (٢/ ٢٨٣)، "المحلى" (٧٦٧).
стр. 182
مسألة: إذا أخر قضاء رمضان بعذر حتى دخل رمضان آخر ؟
في المسألة قولان:
الأول: أن عليه القضاء فقط ولا إطعام عليه، حكاه ابن المنذر عن طاوس، والحسن، والنَّخعي، وحماد بن أبي سليمان، والأوزاعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وداود، والمزني.
الثاني: قال ابن المنذر: وقال ابن عباس، (١) وابن عمر، (٢) وسعيد بن جبير، وقتادة: يصوم رمضان الحاضر عن الحاضر، ويفدي عن الغائب، ولا قضاء عليه.
والراجح: القول الأول؛ لقول الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، انظر: "المجموع" (٦/ ٣٦٦).
مسألة: هل يجوز لمن عليه صوم أن يتطوع ؟
فيها أقوال:
الأول: أنه يجوز له ذلك ما لم يَضِق الوقت، وقالوا: ما دام الوقت موسعًا فإنه يجوز له أن يتنفل. وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وعزاه الحافظ ابن رجب في "الفتح" (٥٩٧) إلى الجمهور.
الثاني: يجوز مع الكراهة إلا ما يتأكد استحبابه، فيجوز بلا كراهة، وهو قول المالكية.
стр. 183
الثالث: إن كان الإفطار في رمضان لعذر؛ جاز، وإلا فلا يجوز، وهو قول الشافعية؛ لأنهم يرون أن القضاء على التراخي في حالة العذر، وأما عند عدمه فالأصح عندهم أنه على الفور.
والقول الأول هو الراجح، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين ﵀.
انظر: "المغني" (٣/ ٤٠ - ٤١)، "الشرح الممتع" (٦/ ٤٤٧ - ٤٤٨) مع الحاشية، "المجموع" (٦/ ٣٦٥)، "مواهب الجليل" (٣/ ٣٣٣)، "رد المحتار" (٣/ ٤٠٥).
مسألة: من مات وعليه صوم، فهل يُقضى عنه ؟
في المسألة أقوال:
الأول: أنه لا يصام عنه ويطعم عنه إذا أوصى بذلك، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي في الجديد.
واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، وبقوله ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ... » فذكرها، رواه مسلم (١٦٣١)، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
الثاني: أنه لا يصام عنه إلا النذر، وهو قول أحمد، والليث، وإسحاق، وأبي عبيد، وقالوا في حديث عائشة ﵂ المتفق عليه، أن النبي ﷺ قال: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه». (١)
стр. 184
قالوا: هذا العموم محمول على حديث ابن عباس ﵄، في "الصحيحين" (١)، أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: «أرأيت لو كان على أمك دين أكنتِ قَاضيةً عنها؟» قالت: نعم، قال: «فَدَيْن الله أحق أن يقضى».
قالوا: فيكون الصوم عنه في النذر خاصة، وأما رمضان فيطعم عنه.
الثالث: أنه يصوم عنه أيَّ صوم، سواء كان نذرًا، أو قضاءً، أو كفارةً، وهذا الذي عليه أهل الحديث، وأبو ثور، والأوزاعي وجماعة، وهو قول طاوس، والحسن، والزهري، وقتادة، والشافعي في القديم، واستدلوا بعموم حديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه».
وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي رجحه البيهقي، وابن حزم، ثم الحافظ ابن حجر، ثم الصنعاني، وهو ترجيح شيخنا الإمام مقبل بن هادي الوادعي، والعلامة محمد بن صالح العثيمين رحمة الله عليهم.
وقد أجاب المالكية عن حديث عائشة ﵂ وما شابهه بأنه ليس عليه عمل أهل المدينة.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: إن سلمت هذه الدعوى فما بمثل هذا ترد الأحاديث الصحيحة.
وأجاب عنه الحنفية بقولهم: إنه صح عن عائشة، وابن عباس القول بالإطعام،
стр. 185
قالوا: فلما أفتوا بخلاف ما رووا دل ذلك على أن العمل على خلاف ما روياه.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: والراجح أن المعتبر ما رواه لا ما رآه؛ لاحتمال أن يخالف ذلك لاجتهاد ومستنده فيه لم يتحقق. اهـ
قلتُ: ويحتمل أيضًا أن يكون نسيَ.
وقال ابن حزم ﵀: ولعل الذي روي عن عائشة فيه الإطعام كان لم يصح حتى مات؛ فلا صوم عليه. اهـ
قلتُ: وأما استدلال الحنفية، والمالكية بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، فقد قال ابن حزم ﵀: أما قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ فحق إلا أن الذي أنزل هذا هو الذي قال لرسول الله ﷺ : ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٥]، وهو الذي قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، فصح أنه ليس للإنسان إلا ما سعى وما حكم الله تعالى، أو رسوله ﷺ أن له من سعي غيره عنه، والصوم عنه من جملة ذلك. اهـ
وأما حديث: «انقطع عمله»، فالحديث ليس فيه إلا انقطاع عمل الميت فقط، وليس فيه انقطاع عمل غيره عنه أصلًا.
وأما ما استدل به أهل القول الثاني، فقد قال الحافظ ابن حجر ﵀: وليس بينهما تعارض حتى يجمع بينهما، فحديث ابن عباس صورة مستقلة سأل عنها من وقعت له، وأما حديث عائشة فهو تقرير قاعدة عامة، وقد وقعت الإشارة في حديث
стр. 186
ابن عباس إلى نحو هذا العموم حيث قيل في آخره: «فَدَيْن الله أحق أن يقضى».اهـ
انظر: "الفتح" (١٩٥٢)، "المحلى" (٧٧٥)، "السبل" (٢/ ٣٣٦)، "الشرح الممتع" (٦/ ٤٥٦)، "الكبرى للبيهقي" (٤/ ٢٥٦).
تنبيه:
ما تقدم من الخلاف في المسألة هو فيما إذا تمكن من قضائه فمات ولم يقض، وأما إذا لم يتمكن من قضائه حتى مات فقد نقل غير واحد الإجماع أنه لا يصام عنه، وأما الإطعام فالجمهور، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة أنه لا شيء عليه.
قال العبدري: وهو قول العلماء كافة؛ إلا طاوسًا، وقتادة فقالا: يجب أن يطعم عنه لكل يوم مسكينًا؛ لأنه عاجز فأشبه الشيخ الهَرِم.
والصحيح القول الأول؛ لقوله ﷺ : «وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (١)، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].
انظر: "المجموع" (٦/ ٣٧٢)، "شرح السنة" (٣/ ٥١١).
مسألة: من هو الولي ؟
قال الحافظ ابن حجر ﵀: قيل: كل قريب. وقيل: الوارث خاصة. وقيل: عصبته. والأول أرجح، والثاني قريب، ويرد الثالث قصة المرأة التي سألت عن نذر أمها. اهـ انظر: "الفتح" (١٩٥٢).
стр. 187
مسألة: هل الصوم واجب على الولي ؟
ذهب ابن حزم إلى وجوبه على الولي، واستدل بقوله ﷺ : «من مات وعليه صوم صام عنه وليه» (١)؛ فإن هذا خبر بمعنى الأمر، والتقدير: فليصم.
وذهب الجمهور إلى أن هذا الأمر ليس للوجوب، وبالغ إمام الحرمين فادعى الإجماع على ذلك.
قال الحافظ ﵀: وفيه نظر؛ لأن بعض أهل الظاهر قد خالف فأوجبه، فلعله لم يَعتدَّ بخلافهم على قاعدته. اهـ
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: صَرَفَه عن الوجوب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤/الإسراء:١٥/فاطر:٨]، ولو قلنا بوجوب القضاء عن الميت لزم من عدم قضائه أن تحمل وازرة وزر أخرى، وهذا خلاف القرآن.
انظر: "الفتح" (١٩٥٢)، "المحلى" (٧٧٥)، "الشرح الممتع" (٦/ ٤٥٤).
مسألة: هل يختص ذلك بالولي، أم يجوز أن ينوب الأجنبي ؟
فيه قولان:
الأول: أنه يختص بالولي؛ لأن الأصل عدم النيابة في العبادة البدنية إلا ما ورد فيه الدليل فيقتصر عليه، ورجح هذا القول الحافظ ﵀.
الثاني: أنه لا يختص بالولي، وذكر الولي في الحديث؛ لكونه الغالب، وهو ظاهر
стр. 188
اختيار البخاري ﵀، وبه جزم أبو الطيب الطبري، وقواه بتشبيهه ﷺ ذلك بالدين، والدين لا يختص بالقريب.
قلت: والقول بعدم اختصاصه بالولي، هو مقتضى قول الجمهور؛ فإن منهم من أجاز النيابة بالعبادات البدنية، كالحنابلة والحنفية.
والقول الثاني هو الراجح.
انظر: "الفتح" (١٩٥٢)، "السبل" (٢/ ٣٣٧) ط: دار الكتاب العربي.
مسألة: هل يجوز لو كان على الميت ثلاثون يومًا مثلاً أن يصوم عنه ثلاثون رجلاً يومًا واحدًا ؟
قال الحافظ ابن حجر ﵀: قال النووي في "شرح المهذب": هذه المسألة لم أر فيها نقلًا في المذهب، وقياس المذهب الإجزاء. قلت: لكن الجواز مقيد بصوم لم يجب فيه التتابع؛ لفقد التتابع في الصورة المذكورة. اهـ
والذي قرره الحافظ ﵀ هو الذي رجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀، وقد قال بأصل المسألة الحسن البصري ﵀، علقه عنه البخاري ﵀، ووصله الدارقطني ﵀، وهو ثابت عنه.
انظر: "الفتح" (١٩٥٢)، "المجموع" (٦/ ٣٧١)، "الشرح الممتع" (٦/ ٤٥٧)
стр. 189
فَصْل فِيْمَا يَتَعَلَّق بِمَسَائِلَ وَأَحْكَامِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ
مسألة: استحباب التطوع لله بالصيام:
جاء في "الصحيحين" (١) عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «الصيام جُنَّة»، وفي "مسند أحمد" (٤/ ٢٢)، عن عثمان بن أبي العاص ﵁، أن النبي ﷺ قال: «الصيام جنة من النار كجنة أحدكم من القتال»، وصححه الإمام الوادعي ﵀ في "الجامع الصحيح".
وفي "الصحيحين" (٢) عن سهل بن سعد ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة باباً يقال له الريان، يدخل منه الصائمون، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون فيدخلون، فإذا دخلوا أُغلق فلم يدخل منه أحد».
وفي "الصحيحين" (٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله إلا باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا».
وقوله: «في سبيل الله»، فيه قولان:
الأول: أن المراد به الصوم في الجهاد، وهو قول ابن الجوزي، وابن دقيق العيد،
стр. 190
والنووي، والصنعاني.
الثاني: أن المراد به في طاعة الله، فالمراد من صام قاصدًا وجه الله، وهو قول القرطبي، لكن القول الأول محمول على من لا يتضرر به، ولا يفوت به حقًّا، ولا يختل به قتال ولا غيره من مهمات الغزو.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ أن الحديث أعم من ذلك فيشمل القولين، ذكره الحافظ احتمالًا، وهو أقرب، والله أعلم.
انظر: "الفتح" (٢٨٤٠)، "السبل" (٤/ ١٥٩)، "شرح مسلم" (٨/ ٣٣).
مسألة: صوم المرأة تطوعًا ؟
ذهب الجمهور إلى تحريم الصوم عليها بغير إذن زوجها غير الفريضة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ في "الصحيحين" (١)، أن النبي ﷺ قال: «لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه»، وهذا لفظ البخاري، وزاد أبو داود: «غير رمضان». (٢)
قال النووي ﵀ في "المجموع": وقال بعض أصحابنا: يكره. والصحيح الأول. اهـ
وما صححه النووي هو الصحيح؛ لدلالة الحديث عليه، وهو الذي جزم به الصنعاني في "السبل".
стр. 191
انظر: "الفتح" (٥١٩٥)، "السبل" (٤/ ١٦٤)، "المجموع" (٦/ ٣٩٢).
مسألة: فإذا صامت هل يصح صومها ؟
قال النووي ﵀: فإن صامت بغير إذن زوجها صحَّ باتفاق أصحابنا، وإن كان الصوم حرامًا؛ لأن التحريم لمعنى آخر لا لمعنى يعود إلى نفس الصوم، وأما عن ثواب صيامها، فقال العمراني: أمر قبوله إلى الله.
وقال النووي ﵀: مقتضى المذهب عدم الثواب، وما قاله العمراني أولى، والله أعلم. اهـ
قلتُ: وهو المختار عندي، وبالله التوفيق.
انظر: "الفتح" (٥١٩٥)، "المجموع" (٦/ ٣٩٢).
مسألة: وهل يجوز لها أن تصوم إذا كان مسافرًا ؟
قال الحافظ ابن حجر ﵀: لو كان مسافرًا فمفهوم الحديث في تقييده بـ «شاهد» يقتضي جواز التطوع لها إذا كان زوجها مسافرًا، فلو صامت وقدم في أثناء صومها؛ فله إفساد صومها ذلك من غير كراهة، وفي معنى الغيبة أن يكون مريضًا بحيث لا يستطيع الجماع. اهـ
انظر: "الفتح" (٥١٩٥)، "المجموع" (٦/ ٣٩٢).
تنبيه:
يلحق بصوم رمضام في كون المرأة لا يجب عليها استئذان زوجها صوم الفرض
стр. 192
من نذرٍ، أو قضاءٍ إذا ضاق وقته. انظر: "الفتح" (٥١٩٥).
مسألة: هل يجوز للمتطوع أن يفطر إذا شاء ؟
في المسألة قولان:
الأول: جواز الفطر، وهو قول الجمهور من أهل العلم، وقال به من الصحابة عمر، وعلي، (١) وأبو الدرداء، (٢) وابن عمر، (٣) وابن عباس، (٤) وجابر بن عبد الله ﵃ (٥)، وهو مذهب أحمد، وإسحاق، والشافعي.
واستدلوا بما يلي:
١ - حديث عائشة ﵂ في "صحيح مسلم" (١١٥٤)، أن النبي ﷺ دخل عليها في يوم فقال: «هل من طعام؟» قالت: لا. قال: «فإني إذًا صائم»، قالت: ثم أتانا في يوم آخر فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حَيْس. فقال: «أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا»، فأكل.
٢ - حديث أبي جُحَيفة في "البخاري" (١٩٦٨)، أن سلمان زار أبا الدرداء، ثم أفطر أبو الدرداء فأكل مع سلمان.
стр. 193
٣ - حديث أبي هريرة ﵁ عند ابن أبي شيبة (٣/ ١٥)، وأحمد (٢/ ٣٣٦)، والنسائي (٤/ ١٧٧)، وغيره، قال: أتي النبي ﷺ بطعام وهو بِمَرِّ الظَّهران، فقال لأبي بكر وعمر ﵄: «ادنوا فكلا»، قالا: إنَّا صائمان. فقال رسول الله ﷺ : «ارحلوا لصاحبيكم، اعملوا لصاحبيكم، ادنوا فكلا»، وهو حديث يصححه الإمام الألباني ﵀.
ثم رأيت النسائي ﵀ قد أعله بالإرسال كما في "الكبرى" (٢٥٧٢)(٢٥٧٥)، ورجح أنه من مراسيل أبي سلمة.
الثاني: أنه يلزمه الإتمام، وهو قول أبي حنيفة، وقول مالك أيضًا، ولكنه قيده بما إذا لم يكن له عذر.
واستدلوا:
١ - بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣].
٢ - بقوله ﷺ للأعرابي: «وصيام رمضان»، قال هل عليَّ غيره؟، قال: «لا، إلا أن تَطَّوَّع» (١)، فقالوا: الاستثناء متصل، والمعنى: إلا أن تتطوع فيلزمك صومه.
والراجح هو القول الأول.
وأما عن أدلة القول الثاني:
الآية: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣].
стр. 194
قال ابن عبد البر ﵀: ومن احتج بهذه الآية فهو جاهل بأقوال أهل العلم؛ فإن الأكثر على أن المراد بذلك النهي عن الرياء؛ كأنه قال: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء، بل أَخْلصوها لله.
وقال آخرون: لا تبطلوا أعمالكم بارتكاب الكبائر. ولو كان المراد بذلك النهي عن إبطال ما لم يفرضه الله عليه، ولا أوجبه على نفسه بنذرٍ أو غيره؛ لامتنع عليه الإفطار إلا بما يبيح الفطر من الصوم الواجب، وهم لا يقولون بذلك.
٢ - الحديث: «إلا أن تَطَّوع»، الصحيح أن الاستثناء منقطع، والمعنى: لكن لك أن تتطوع؛ جمعًا بين الأحاديث.
انظر: "المجموع" (٦/ ٣٩٤)، "المحلى" (٧٧٣)، "الفتح" (١٩٦٨).
مسألة: من صام تطوعًا فأفطر، فهل عليه قضاؤه ؟
ذهب الجمهور إلى استحباب قضائه بيوم آخر، وقد روى عبدالرزاق (١) عن ابن عباس ﵄، أنه ضرب لذلك مثلًا كمن ذهب بمال ليتصدق به، ثم رجع ولم يتصدق به، أو تصدق ببعضه وأمسك بعضه.
وذهب أبو حنيفة إلى وجوب القضاء عليه، سواء كان لعذر أو غير عذر.
وذهب مالك إلى وجوب القضاء إذا كان لغير عذر.
والصحيح قول الجمهور؛ لعدم ورود دليل يوجب عليه القضاء، وإنما قالوا باستحباب القضاء؛ لأنه من أعمال البر.
стр. 195
انظر: "الفتح" (١٩٦٨)، "المجموع" (٦/ ٣٩٦).
مسألة: صيام ست من شوال ؟
ذهب أكثر أهل العلم إلى الاستحباب، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وهو الصحيح؛ لدلالة حديث أبي أيوب ﵁ في "صحيح مسلم" (١١٦٤)، أن النبي ﷺ قال: «من صام رمضان، ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر».
وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى كراهة صومها، قال مالك: لأنه ما رأى أحدًا من أهل العلم يصومها. ولئلا يظن وجوبها، وما ذكره مالك ﵀ ليس بحجة في ترك الحديث والعمل به، وقد اعتذر له ابن عبد البر بأنه لم يبلغه الحديث.
انظر: "المغني" (٣/ ٥٦)، "المجموع" (٦/ ٣٧٩)، "سبل السلام" (٤/ ١٥٦ - ١٥٧).
فائدة:
قال الصنعاني ﵀: وإنما شبهها بصيام الدهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها فرمضان بعشرة أشهر، وسِتَّ من شوال بشهرين. اهـ انظر: "السبل" (٤/ ١٥٧).
مسألة: هل يشترط في الست من شوال أن تكون متتابعة ؟
لا يشترط في هذه الستِّ أن تكون متتابعة، ولا أن تكون في أول الشهر، بل من صامها متفرقة أو أخَّرها فقد صدق عليه أنه صام ستًّا من شوال، وبهذا صرح الشافعية، والحنابلة وغيرهم، وأفتى به الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ مقبل رحمة الله عليهم أجمعين.
стр. 196
انظر: "المغني" (٣/ ٥٦ - ٥٧)، "شرح المهذب" (٦/ ٣٧٩).
مسألة: هل يلزم أن تكون الست من شوال بعد قضاء رمضان ؟
تقدم أن النبي ﷺ قال في الحديث: «من صام رمضان، ثم أتبعه ستًّا من شوال»، ففي قوله: «ثم أتبعه» دلالة على أن استحباب صيام هذه الأيام إنما هو لمن صام رمضان وأكمل صومه، وقد أفتى بذلك الإمام ابن باز ﵀، والعلامة ابن عثيمين ﵀ أيضًا.
ثم رأيت الحافظ ابن رجب ﵀ قد صرَّح بذلك أيضًا كما في "لطائف المعارف" (ص ٣٩٧ - ٣٩٨).
ولكن يظهر أنَّ من احتاج إلى تقديم صوم ست؛ لشُغلٍ، أو ضيق وقتٍ أنَّ ذلك يجزئه، والله أعلم.
انظر: "الشرح الممتع" (٦/ ٤٦٨) "فتاوى رمضان" (٢/ ٦٩٨).
مسألة: صيام يوم عرفة ؟
جاء في "صحيح مسلم" (١١٦٢)(١٩٧)، من حديث أبي قتادة ﵁، أن النبي ﷺ سئل عن صوم يوم عرفة؟ فقال: «يُكفِّر السنة الماضية والباقية».
وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة على استحباب صوم يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة.
قال عبد الله البسَّام وفقه الله: صوم يوم عرفة هو أفضل صيام التطوع بإجماع
стр. 197
العلماء. انظر: "توضيح الأحكام" (٣/ ٢٠١).
قال الصنعاني ﵀ في "السبل": وقد استشكل تكفير ما لم يقع وهو ذنب السنة الآتية، وأجيب بأن المراد أن يوفق فيها لعدم الإتيان بذنب، وسماه تكفيرًا بمناسبة الماضية، أو أنه إن أوقع فيها ذنبًا وُفِّق للإتيان بما يكفره.
انظر: "سبل السلام" (٢/ ٣٣٩) ط: دار الكتاب العربي.
مسألة: ما حكم صيام عرفة لمن كان بعرفة ؟
في المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: التحريم وهو قول يحيى بن سعيد الأنصاري، ورجحه الصنعاني، واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة. أخرجه أحمد (٢/ ٣٠٤)، وأبو داود (٢٤٤٠)، والنسائي في "الكبرى" (٢/ ١٥٥)، وابن ماجه (١٧٣٢)، لكنه ضعيف؛ فإنه من طريق: مَهدي العبدي الهَجَري، عن عكرمة، عن أبي هريرة به، ومهدي الهجري مجهول الحال.
قال العقيلي: لا يتابع عليه، وقد روي عنه ﷺ بأسانيد جِياد أنه لم يصم يوم عرفة بها، ولا يصح عنه النهي عن صيامه. اهـ
الثاني: استحباب فطره، وهو قول الجمهور، واستدلوا بحديث ميمونة بنت الحارث، وأم الفضل بنت الحارث، وكلاهما في "الصحيحين" (١)، أن النبي ﷺ شرب من لبن يوم عرفة بعرفة، وهذا هو الراجح، والله أعلم.
стр. 198
الثالث: استحباب صومه، وقد كان ابن الزبير، وأسامة بن زيد، وعائشة ﵃، (١) يصومونه، وكان ذلك يعجب الحسن، ويحكيه عن عثمان، ونقله ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه، وهو القول القديم للشافعي، وحكاه الخطابي عن أحمد، واختاره الآجرِّي، وقيد بعض هؤلاء الاستحباب بما إذا لم يضعفه عن الوقوف والدعاء، واستدلوا بعموم حديث: «يكفر السنة الماضية والباقية».
وأما حديث ميمونة، وأم الفضل، فقد قال الحافظ ابن حجر ﵀: واستدل بهذين الحديثين على استحباب الفطر يوم عرفة بعرفة، وفيه نظر؛ لأن فعله المُجرِّد لا يدل على نفي الاستحباب؛ إذ قد يترك الشيءَ المستحب لبيان الجواز، ويكون في حقه أفضل؛ لمصلحة التبيلغ.
انظر: "الفتح" (١٩٨٩)، "المجموع" (٦/ ٣٤٩ - ٣٥٠) ط: مكتبة الإرشاد، "الإنصاف" (٣/ ٣١٠)، "المحلى" (٧٩٣).
مسألة: صيام عاشوراء ؟
جاء في "صحيح مسلم" (١١٦٢)(١٩٧) عن أبي قتادة ﵁، أن النبي ﷺ سئل عن صيام يوم عاشوراء؟ فقال: «يكفر السنة الماضية».
قال النووي ﵀ في "شرح مسلم" (٨/ ٤): اتفق العلماء على أن صوم عاشوراء سُنَّة. اهـ
стр. 199
وقد اختُلف في تعيين يوم عاشوراء:
فذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أن عاشوراء هو اليوم العاشر من محرم.
وقد قيل: إنه اليوم التاسع، وقالوا: إنه مذهب ابن عباس، واستدلوا على ذلك بما في "صحيح مسلم" (١١٣٣): أن الحكم بن الأعرج سأل ابن عباس عن صيام عاشوراء فقال: إذا رأيت هلال محرم فَاعْدُد، وأصبح يوم التاسع صائمًا.
قلت: هكذا كان رسول الله ﷺ يصومه؟ قال: نعم.
والظاهر أن ابن عباس ﵄ إنما أراد بصيام التاسع مخالفة اليهود لا أنه هو اليوم التاسع بدليل ما جاء عنه أيضًا في "صحيح مسلم" (١١٣٤)، أن رسول الله ﷺ حين صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى. فقال رسول الله ﷺ : «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع»، فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ .
ويؤيده ما ثبت عند سعيد بن منصور، بإسناد صحيح كما في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم" (١/ ٢٥٠، ٤١٥)، عن ابن عباس ﵄، أنه قال: صوموا التاسع والعاشر؛ خالفوا اليهود، ثم وجدته عند عبدالرزاق (٧٨٣٩)، والبيهقي (٤/ ٢٨٧)، بإسناد صحيح أيضًا.
انظر: "شرح مسلم" (٨/ ١١ - ١٢)، "الفتح" (٢٠٠٧)، "تفسير القرطبي" (١/ ٣٩١).
стр. 200
مسألة: الجمع بين التاسع والعاشر ؟
ويستفاد من حديث ابن عباس ﵄ المتقدم في المسألة السابقة استحباب صيام التاسع مع العاشر؛ مخالفة لليهود، وقد استحبه جمهور العلماء، ومنهم: الشافعي، وأحمد رحمة الله عليهما.
انظر: "شرح مسلم" (٨/ ١٢ - ١٣)، "توضيح الأحكام" (٣/ ٢٠١).
مسألة: هل يُصام العاشر والحادي عشر ؟
أخرج أحمد في "مسنده" (٢١٥٤)، وسعيد بن منصور في "سننه" كما في "اقتضاء الصراط المستقيم" (١/ ٤١٦ - ٤١٧)، من طريق: ابن أبي ليلى، عن داود ابن علي، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، صوموا قبله يومًا، وبعده يومًا».
وهذا إسنادٌ ضعيف؛ لضعف ابن أبي ليلى، وداود بن علي.
وقد استحب الحنفية، والشافعية صوم الحادي عشر؛ إن لم يصم التاسع، بل نص الشافعي، وبعض المالكية على استحباب صوم الثلاثة الأيام.
قال أبو عبد الله: الحديث ضعيف، وعليه فالذي يُستحبُّ صومه مع العاشر هو اليوم التاسع، ويؤيد ذلك أنَّ النبي ﷺ لما أُخْبِر بصوم اليهود لم يقل (سأصوم غدًا الحادي عشر)، وإنما قال: «لئن بقيت إلى قابل؛ لأصومن التاسع».
ولكن إذا أشكل وقت دخول الشهر؛ صام الإنسان ثلاثة أيام كما أفتى بذلك ابن سيرين، والإمام أحمد رحمهما الله.
стр. 201
انظر "الاقتضاء" (١/ ٤١٧)، "الموسوعة الفقهية" (٢٨/ ٩٠)، "مواهب الجليل" (٣/ ٣١٤).
مسألة: هل كان صوم عاشوراء فرضًا أم مستحبًّا فقط ؟
فيه قولان:
الأول: أنه كان مستحبًّا فقط، وهو قول الجمهور، واستدلوا بحديث معاوية ﵁ في "الصحيحين" (١)، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه؛ فمن شاء صام، ومن شاء أفطر».
الثاني: أنه كان فرضًا، ثم نسخ بافتراض صوم رمضان، وهو قول أحمد، والحنفية، ووجه عند الشافعية، وترجيح جماعة من المحققين كابن حزم، والشوكاني، وقبله الحافظ ابن حجر وغيرهم ﵏.
واستدلوا بما يلي:
١) حديث عائشة ﵂، قالت: كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه، فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض شهر رمضان قال: «من شاء صامه، ومن شاء تركه». (٢)
٢) حديث أبي موسى الأشعري ﵁، في "الصحيحين"، أن النبي ﷺ
стр. 202
قال: «صوموه أنتم». (١)
٣) حديث سلمة بن الأكوع ﵁، والرُّبيِّع بنت مُعوِّذ ﵂، في "الصحيحين"، أن النبي ﷺ قال: «من كان أكل فليتمَّ بقية يومه، ومن كان لم يأكل فليتم صومه». (٢)
وأما حديث معاوية ﵁: «ولم يكتب الله عليكم صيامه».
فقال ابن قُدامة ﵀: هو محمول على أنه أراد ليس هو مكتوبًا عليكم الآن، ويؤيده أن معاوية أسلم متأخرًا.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبًا؛ لثبوت الأمر بصيامه، ثم تأكد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العامِّ، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات ألَّا يُرْضعن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود ﵁ الثابت في "مسلم" (٣): فلما فرض شهر رمضان ترك عاشوراء. مع العلم بأنه ما ترك استحبابه، بل هو باق، فدل على أن المتروك وجوبه. اهـ
والقول الثاني هو الراجح، والله أعلم.
انظر: "المغني" (٣/ ٥٧)، "الفتح" (٢٠٠٧)، "شرح مسلم" (٤/ ٨).
стр. 203
مسألة: الحكمة من الأمر بصيام عاشوراء:
في "الصحيحين" (١) عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قدم المدينة فوجَدَ اليهود صيامًا يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله ﷺ : «ما هذا اليوم الذي تصومونه؟»، فقالوا: هذا يوم عظيم نجَّى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه، فقال رسول الله ﷺ : «فنحن أحق وأولى بموسى منكم»، فصامه رسول الله وأمر بصيامه. انظر: "شرح مسلم" (٨/ ٩).
تنبيه:
تقدم في الحديث «يكفر السنة الماضية»: ظاهر الحديث أن صوم يوم عاشوراء يكفر الصغائر والكبائر، والجمهور على أنه لا يكفر الكبائر؛ فإن صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء ليسا بأفضل من صيام رمضان، وليسا بأفضل من الصلوات الخمس.
وقد قال النبي ﷺ : «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»، رواه مسلم (٢٣٣)، عن أبي هريرة ﵁.
وقول الجمهور هو الراجح.
انظر: "المجموع" (٦/ ٣٨٣)، "توضيح الأحكام" (٣/ ٢٠١).
مسألة: صوم الاثنين والخميس ؟
جاء في "صحيح مسلم" (١١٦٢)(١٩٧)، عن أبي قتادة ﵁، أن النبي
стр. 204
- ﷺ سُئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: «ذلك يوم ولدت فيه، وبعثت فيه، وأُنْزل عليَّ فيه».
وقد جاء عند الترمذي (٧٤٧) من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «تُعْرض الأعمال يوم الاثنين والخميس؛ فأحب أن يعرض عملي، وأنا صائم».
وله شاهد من حديث أسامة بن زيد ﵄، عند أبي داود (٢٤٣٦)، والنسائي (١/ ٣٢٢)، وأحمد (٥/ ٢٠١)، وابن خزيمة (٢١١٩)، من طرق عنه، وفي أسانيدها ضعفٌ، وبمجموعهما حسَّنه الإمام الألباني ﵀ في "الإرواء" (٩٤٨، ٩٤٩)، وهو كما يقول ﵀.
وجاء من حديث عائشة ﵂ عند الترمذي، أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يتحرى صوم يوم الاثنين والخميس، وصححه الإمام الوادعي ﵀ في "الصحيح المسند" (١٥٧٠)
ففي هذا الأحاديث دلالة ظاهرة على استحباب صوم الاثنين والخميس، وعلى ذلك عامة أهل العلم. انظر: "المجموع" (٦/ ٣٨٦)، "الموسوعة الفقهية" (٢٨/ ٩٤).
مسألة: صيام ثلاثة أيام من كل شهر ؟
يُستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ لما جاء في "الصحيحين" عن أبي هريرة، و"مسلم" عن أبي الدرداء ﵄، أنهما قالا: أوصانا رسول الله ﷺ بثلاث: بركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وألَّا أنام حتى أوتر. (١)
стр. 205
وصح عند أحمد (٢/ ٢٦)، من حديث أبي هريرة ﵁، أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «صوم شهر الصبر، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدَّهر».
وأخرج أحمد أيضًا (٥/ ٣٤) نحوه من حديث قُرَّة بن إياس، وصحح كليهما شيخنا الإمام الوادعي ﵀ في "الجامع الصحيح" (٢/ ٤٣٩) ويدخل في فضيلة الأحاديث المتقدمة من صام من أول الشهر، أو وسطه، أو آخره.
ويدل على ذلك ما أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" (١١٦٠)، عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام لا يبالي من أي أيام الشهر صام.
ولكن الأفضل والأولى أن تكون في أيام البيض؛ لحديث أبي ذر ﵁ عند الترمذي (٧٦١)، والنسائي (٤/ ٢٢٢)، أنه قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام: ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر. وفيه ضعف؛ إلا أن له شواهد من حديث قتادة بن مِلْحان، وأبي هريرة، وجرير بن عبد الله، وبمجموعها يرتقي الحديث إلى الصحة، كما بينته في "تحقيق بلوغ المرام" برقم (٦٦٦).
قال الصنعاني ﵀: ولا معارضة بين هذه الأحاديث؛ فإنها كلها دالة على ندبية صوم كل ما ورد، وكلٌّ من الرواة حكى ما اطَّلع عليه، إلا أن ما أمر به، وحث عليه، ووصى به أولى وأفضل، وأما فعله ﷺ فلعله كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك، وقد عين الشارع أيام البيض. اهـ
стр. 206
وقول الصنعاني ﵀: وقد عين الشارع أيام البيض.
يعني: أنها الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، وهذا هو الصحيح في تعيينها كما في حديث أبي ذر ﵁، وبه قطع الجمهور، وهناك وجه عند الشافعية أنها الثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر.
قال النووي ﵀: وهذا شاذ ضعيف يرده الحديث السابق في تفسيرها، وقول أهل اللغة أيضًا. اهـ
مسألة: سبب تسميتها أيام البيض:
قال ابن قتيبة ﵀، والجمهور: لأنها تبيض بطلوع القمر من أولها إلى آخرها. وقيل غير ذلك. انظر: "السبل" (٤/ ١٦٢ - ١٦٣)، "المجموع" (٦/ ٣٨٥).
مسألة: صيام يومٍ، وإفطار يوم ؟
جاء في "الصحيحين" (١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن النبي ﷺ قال: «أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا!».
وفي رواية: «لا صيام أفضل من صيام داود!».
وقد أجمع العلماء على استحباب صيام يوم وإفطار يوم، واختلفوا هل هو أفضل الصيام أو إن صوم الدهر أفضل؟
стр. 207
والراجح الأول؛ لدلالة الحديث عليه. وسيأتي إن شاء الله حكم صوم الدهر.
مسألة: الصوم في شعبان ؟
جاء في "الصحيحين" (١) عن عائشة ﵂، أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صيامًا في شعبان. متفق عليه، واللفظ لمسلم.
ففي هذا الحديث دلالة على استحباب الإكثار من الصوم في شعبان، ولم يصح حديث في الحكمة من الإكثار في شعبان دون غيره؛ فيحتمل أن تكون الحكمة في ذلك تعظيمًا لشهر رمضان وصومه، وجعل الصيام فيه كالراتبة قبل الفريضة في الصلاة.
ولعل من الحكمة في ذلك التمرن، والاستعداد لصيام رمضان، فلا يأتي والنفس لم تَعْتد الصيام، وقال بعضهم: الحكمة أن شهر شعبان يغفل عنه الناس؛ لوقوعه بين شهرين عظيمين رجب ورمضان.
قال الصنعاني ﵀: ويحتمل أن يصومه؛ لهذه الحكم كلها. اهـ
انظر: "الفتح" (١٩٧٠)، "السبل" (٤/ ١٦٠ - ١٦١)، "التوضيح" (٣/ ٢٠٧).
مسألة: الصيام في محرم ؟
ويستحب الصيام في شهر محرم؛ لما رواه مسلم في "صحيحه" (١١٦٣)، عن
стр. 208
أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل»، وقد استشكل ذلك مع كون النبي ﷺ إنما أكثر الصوم في شعبان، ولم يكثره في محرم.
وقد أجاب النووي ﵀ عن ذلك: باحتمال أن يكون ما علم بذلك إلا في آخر عمره، قال: ولعله كانت تعرض فيه أعذار تمنعه من إكثار الصوم فيه كسفرٍ، ومرض، ونحوه. اهـ
انظر: "المجموع" (٦/ ٣٨٧)، "الفتح" (١٩٧٠).
مسألة: صيام التسعة الأيام الأُوَل من ذي الحجة ؟
ومن الأيام التي يستحب صيامها أيام العشر الأُوَل من ذي الحجة إلا يوم العيد فيحرم؛ لحديث ابن عباس ﵄، في "البخاري" (٩٦٩)، أن النبي ﷺ قال: «ما العمل في أيام أفضل من العمل في هذه» يعني العشر، قالوا: ولا الجهاد؟ قال: «ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء».
قال الحافظ ﵀: واستدل به على فضل صيام عشر ذي الحجة؛ لاندراج الصوم في العمل، واستشكل بتحريم الصوم يوم العيد، وأجيب بأنه محمول على الغالب. اهـ
ويشكل على ذلك ما أخرجه مسلم (١١٧٦)، من حديث عائشة ﵂، قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا في العشر قط.
لكن قال النووي ﵀: يتأول قولها (لم يصم العشر): أنه لم يصمه لعارض
стр. 209
مرض، أو سفر، أو غيرهما، أو أنها لم تره صائمًا فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر. اهـ
قال الحافظ ابن حجر ﵀: ولاحتمال أن يكون ذلك؛ لكونه كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله؛ خشية أن يفرض على أمته، كما في "الصحيحين" (١) من حديث عائشة ﵂.
انظر: "الفتح" (٩٦٩)، "شرح مسلم" (٨/ ٧١ - ٧٢).
стр. 210
فَصْل فِيْمَا يَتَعَلَّقُ بِالأَيَّامِ الْمَنْهِيِّ عَنْ صِيَامِهَا
مسألة: صيام العيدين ؟
أجمع العلماء على تحريم صومهما كما نقله غير واحد كابن المنذر، والنووي، والحافظ ابن حجر وغيرهم.
ومستند الإجماع: حديث: نهى رسول الله ﷺ عن صوم يوم النحر، ويوم الفطر. أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وعمر، وانفرد به مسلم عن عائشة ﵃. (١)
انظر: "الإجماع" لابن المنذر (١٥٤)، "المجموع" (٦/ ٤٤٠)، "الفتح" (١٩٩٠)، "التمهيد" (٧/ ٢٧٧).
مسألة: هل يصح الصوم إذا صام يوم العيد ؟
ذهب عامة العلماء إلى أن صومه فاسد لا يصح؛ لكون النهي راجعًا إلى ذات الصوم، وخالف أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، فقالا: يصح مع الإثم.
والراجح قول الجمهور، ورجحه الشوكاني، والصنعاني.
انظر: "الفتح" (١٩٩٠)، "المُفْهم" (٣/ ١٩٧)، "النيل" (٤/ ٢٦٢)، "سبل السلام" (٤/ ١٦٤).
стр. 211
مسألة: لو نذر أن يصوم مثلاً يوم الاثنين، فوافق يوم العيد ؟
نقل النووي، وابن عبد البر الإجماع على أنه لا يجوز له صوم يوم العيد.
واختلفوا هل عليه قضاء ذلك اليوم أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه لا يلزمه قضاؤه.
وهو أحد قولي الشافعية، ورواية عن مالك، وهو قول زُفَر وجماعة، ورجحه ابن عبد البر، وهو الراجح إن شاء الله؛ لعدم وجود دليل يدل على وجوب القضاء.
الثاني: أنه يقضيه إلا أن ينوي ألَّا يقضيه، وهو قول الأوزاعي، ورواية عن مالك.
الثالث: أنه يلزمه القضاء، وهو قول أبي حنيفة، والأوزاعي، وآخرُ قولي الشافعي.
انظر: "نيل الأوطار" (٤/ ٢٦٢)، "الاستذكار" (١٠/ ١٤٣ - ١٤٤)، "الفتح" (١٩٩٠).
مسألة: أيام التشريق ؟
هي الأيام التي بعد يوم النحر، وقد اختلف في كونها يومين أو ثلاثة، والراجح أنها ثلاثة، ويدل على ذلك ما أخرجه البخاري (١٩٩٧)، عن عائشة، وابن عمر ﵃، قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يُصَمن إلا لمن لم يجد الهدي.
قال الحافظ ﵀: واستدل بهذا الحديث على أن أيام التشريق ثلاثة غير يوم الأضحى؛ لأن يوم العيد لا يصام بالاتفاق، وصيام أيام التشريق هي المُخْتلف في جوازها، والمستدل بالجواز أخذه من عموم الآية كما تقدم، فاقتضى ذلك أنها ثلاثة؛
стр. 212
لأنه القدر الذي تضمنته الآية، والله أعلم.
قلتُ: يريد قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦].
قال: وسبب تسميتها أيام التشريق؛ لأن لحوم الأضاحي تُشَرَّق، أي: تنشر في الشمس، وقيل غير ذلك.
مسألة: حكم صيام أيام التشريق ؟
فيه ثلاثة أقوال:
الأول: الجواز مطلقًا، حكاه ابن المنذر وغيره عن الزبير بن العوام، وأبي طلحة.
وقال القرطبي في "المفهم": وقال بجوازها بعض السلف، وكأنهم لم يبلغهم النهي عن صيامها.
الثاني: المنع مطلقًا، ذكره ابن المنذر، عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃، وهو قول الشافعي في الجديد، وعليه أكثر أصحابه، وهو قول أبي حنيفة، ورجحه ابن حزم، وابن المنذر، وقال به من التابعين: الحسن، وعطاء، وعبيد بن عمير.
واستدلوا بما يلي:
١ - حديث نُبَيشة ﵁ في "صحيح مسلم" (١١٤١): أن النبي ﷺ قال: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله».
وجاء معناه من حديث كعب بن مالك ﵁ في "مسلم" (١١٤٢)، ومن
стр. 213
حديث أبي هريرة ﵁ عند ابن ماجه (١٧١٩)، ومن حديث بشر بن سُحَيم عند النسائي (٨/ ١٠٤)، وابن ماجه (١٧٢٠)، وغيرهما، ومن حديث عقبة بن عامر ﵁ عند أحمد (٤/ ١٥٢)، وأبي داود (٢٤١٩)، والترمذي (٧٧٣)، وثلاثتها في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين".
٢ - حديث عمرو بن العاص ﵄، عند أبي داود (٢٤١٨)، قال: هذه الأيام التي كان رسول الله ﷺ يأمرنا بإفطارها وينهانا عن صيامها.
يعني أيام التشريق، وصححه شيخنا في "الجامع الصحيح".
الثالث: جواز صومهن للمتمتع إذا لم يجد الهدي دون غيره، وهو قول ابن عمر، وعائشة ﵃، وصح عن ابن عباس أنه كان يصومها كما في مصنف ابن أبي شيبة (٤/ ٩٤)، وذهب إليه مالك، والشافعي في القديم، وهو مذهب الحنابلة، واستدلوا على الجواز للمتمتع بعموم الآية ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦]؛ فإن عموم هذه الآية تشمل أيام التشريق؛ لأنها من أيام الحج.
وقد عارض هذا العموم عموم الحديث المتقدم: «كان يأمرنا بإفطارها وينهانا عن صيامها»؛ فإنها عامة في الحاج وغيره؛ فوجب ترجيح أحد العمومين، وتخصيص الآخر بالعام الراجح.
وقد رجح الصنعاني ﵀ عموم الحديث، فقال: لكونه مقصودًا بالدلالة على أنها ليست محلاًّ للصوم، وأن ذاتها باعتبار ما هي مؤهلة له كأنها منافية للصوم. اهـ
والذي يظهر لي والله أعلم هو ترجيح عموم الآية؛ لأنه قد جاء عند
стр. 214
البخاري (١٩٩٧)، عن عبد الله بن عمر، وعائشة ﵃، أنهما قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يُصَمن إلا لمن لم يجد الهدي.
وقولهما: (لم يرخص) يحتمل أنهما أرادا لم يرخص رسول الله ﷺ ، وعلى هذا فلا إشكال، ويحتمل أنهما فهماه من الآية المتقدمة -وهو الأقرب- وعلى هذا ففهمهما لذلك من القرائن في ترجيح عموم الآية.
ومما يدل على ذلك أن الصوم إنما يجب على المتمتع عند عدم وجود الهدي، والهدي إنما يلزمه يوم النحر، فلو أن إنسانًا ظن أنه سيجد هديًا يوم النحر، فلم يجد أو فقد ماله يوم النحر؛ فإنه ليس له سبيل إلا أن يصوم أيام التشريق، وقد أشار إلى نحو ما ذكرته ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٢/ ٢٥٠).
وعلى هذا: فالصحيح من الأقوال هو القول الثالث، ويخصص عموم الحديث؛ لأنه مرجوح بعموم الآية؛ لأنه راجح فيكون صيام أيام التشريق محرمًا؛ لدلالة الحديث إلا على المتمتع الذي لم يجد الهدي؛ لعموم الآية، والله أعلم.
انظر: "الفتح" (١٩٩٦)، "نيل الأوطار" (٤/ ٢٦٣)، "سبل السلام" (٤/ ١٦٦)، "المجموع" (٦/ ٤٤٣)، "المُفْهم" (٣/ ١٩٩)، "تفسير القرطبي" (٢/ ٤٠٠ - ٤٠١)، "المحلى" (٨٠٢).
مسألة: إفراد يوم الجمعة بالصوم ؟
فيه ثلاثة أقوال:
الأول: التحريم.
стр. 215
نقله أبو الطيب الطبري عن أحمد، وابن المنذر، وبعض الشافعية، ونقل ابن المنذر، وابن حزم منع صومه عن علي (١)، وأبي هريرة (٢)، وسلمان (٣)، وأبي ذر (٤) ﵃.
قال ابن حزم ﵀: لا نعلم لهم مخالفًا من الصحابة. اهـ
وهو الذي رجحه الصنعاني، والشوكاني، وهو الراجح، ويدل عليه حديث أبي هريرة ﵁، في "الصحيحين" (٥)، أن النبي ﷺ قال: «لا يصومن أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده».
وكذلك حديث جُوَيرية ﵂ في "البخاري" (١٩٨٦)، أن النبي ﷺ دخل عليها في يوم جمعة وهي صائمة، فقال لها: «أصمت أمس؟» قالت: لا. قال: «أتصومين غدًا؟» قالت: لا، قال: «فأفطري»، والأصل في الأمر الوجوب.
الثاني: الكراهة، وهو قول الجمهور، واستدلوا بالأدلة المتقدمة.
الثالث: الاستحباب، وهو قول مالك.
قال الداودي: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث، ولو بلغه لم يخالفه، وهو قول أبي حنيفة. اهـ