مسألة: لو نذر أن يصوم مثلاً يوم الاثنين، فوافق يوم العيد ؟
نقل النووي، وابن عبد البر الإجماع على أنه لا يجوز له صوم يوم العيد.
واختلفوا هل عليه قضاء ذلك اليوم أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه لا يلزمه قضاؤه.
وهو أحد قولي الشافعية، ورواية عن مالك، وهو قول زُفَر وجماعة، ورجحه ابن عبد البر، وهو الراجح إن شاء الله؛ لعدم وجود دليل يدل على وجوب القضاء.
الثاني: أنه يقضيه إلا أن ينوي ألَّا يقضيه، وهو قول الأوزاعي، ورواية عن مالك.
الثالث: أنه يلزمه القضاء، وهو قول أبي حنيفة، والأوزاعي، وآخرُ قولي الشافعي.
انظر: "نيل الأوطار" (٤/ ٢٦٢)، "الاستذكار" (١٠/ ١٤٣ - ١٤٤)، "الفتح" (١٩٩٠).
مسألة: أيام التشريق ؟
هي الأيام التي بعد يوم النحر، وقد اختلف في كونها يومين أو ثلاثة، والراجح أنها ثلاثة، ويدل على ذلك ما أخرجه البخاري (١٩٩٧)، عن عائشة، وابن عمر ﵃، قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يُصَمن إلا لمن لم يجد الهدي.
قال الحافظ ﵀: واستدل بهذا الحديث على أن أيام التشريق ثلاثة غير يوم الأضحى؛ لأن يوم العيد لا يصام بالاتفاق، وصيام أيام التشريق هي المُخْتلف في جوازها، والمستدل بالجواز أخذه من عموم الآية كما تقدم، فاقتضى ذلك أنها ثلاثة؛
стр. 212
لأنه القدر الذي تضمنته الآية، والله أعلم.
قلتُ: يريد قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦].
قال: وسبب تسميتها أيام التشريق؛ لأن لحوم الأضاحي تُشَرَّق، أي: تنشر في الشمس، وقيل غير ذلك.
مسألة: حكم صيام أيام التشريق ؟
فيه ثلاثة أقوال:
الأول: الجواز مطلقًا، حكاه ابن المنذر وغيره عن الزبير بن العوام، وأبي طلحة.
وقال القرطبي في "المفهم": وقال بجوازها بعض السلف، وكأنهم لم يبلغهم النهي عن صيامها.
الثاني: المنع مطلقًا، ذكره ابن المنذر، عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃، وهو قول الشافعي في الجديد، وعليه أكثر أصحابه، وهو قول أبي حنيفة، ورجحه ابن حزم، وابن المنذر، وقال به من التابعين: الحسن، وعطاء، وعبيد بن عمير.
واستدلوا بما يلي:
١ - حديث نُبَيشة ﵁ في "صحيح مسلم" (١١٤١): أن النبي ﷺ قال: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله».
وجاء معناه من حديث كعب بن مالك ﵁ في "مسلم" (١١٤٢)، ومن
стр. 213
حديث أبي هريرة ﵁ عند ابن ماجه (١٧١٩)، ومن حديث بشر بن سُحَيم عند النسائي (٨/ ١٠٤)، وابن ماجه (١٧٢٠)، وغيرهما، ومن حديث عقبة بن عامر ﵁ عند أحمد (٤/ ١٥٢)، وأبي داود (٢٤١٩)، والترمذي (٧٧٣)، وثلاثتها في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين".
٢ - حديث عمرو بن العاص ﵄، عند أبي داود (٢٤١٨)، قال: هذه الأيام التي كان رسول الله ﷺ يأمرنا بإفطارها وينهانا عن صيامها.
يعني أيام التشريق، وصححه شيخنا في "الجامع الصحيح".
الثالث: جواز صومهن للمتمتع إذا لم يجد الهدي دون غيره، وهو قول ابن عمر، وعائشة ﵃، وصح عن ابن عباس أنه كان يصومها كما في مصنف ابن أبي شيبة (٤/ ٩٤)، وذهب إليه مالك، والشافعي في القديم، وهو مذهب الحنابلة، واستدلوا على الجواز للمتمتع بعموم الآية ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦]؛ فإن عموم هذه الآية تشمل أيام التشريق؛ لأنها من أيام الحج.
وقد عارض هذا العموم عموم الحديث المتقدم: «كان يأمرنا بإفطارها وينهانا عن صيامها»؛ فإنها عامة في الحاج وغيره؛ فوجب ترجيح أحد العمومين، وتخصيص الآخر بالعام الراجح.
وقد رجح الصنعاني ﵀ عموم الحديث، فقال: لكونه مقصودًا بالدلالة على أنها ليست محلاًّ للصوم، وأن ذاتها باعتبار ما هي مؤهلة له كأنها منافية للصوم. اهـ
والذي يظهر لي والله أعلم هو ترجيح عموم الآية؛ لأنه قد جاء عند
стр. 214
البخاري (١٩٩٧)، عن عبد الله بن عمر، وعائشة ﵃، أنهما قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يُصَمن إلا لمن لم يجد الهدي.
وقولهما: (لم يرخص) يحتمل أنهما أرادا لم يرخص رسول الله ﷺ ، وعلى هذا فلا إشكال، ويحتمل أنهما فهماه من الآية المتقدمة -وهو الأقرب- وعلى هذا ففهمهما لذلك من القرائن في ترجيح عموم الآية.
ومما يدل على ذلك أن الصوم إنما يجب على المتمتع عند عدم وجود الهدي، والهدي إنما يلزمه يوم النحر، فلو أن إنسانًا ظن أنه سيجد هديًا يوم النحر، فلم يجد أو فقد ماله يوم النحر؛ فإنه ليس له سبيل إلا أن يصوم أيام التشريق، وقد أشار إلى نحو ما ذكرته ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٢/ ٢٥٠).
وعلى هذا: فالصحيح من الأقوال هو القول الثالث، ويخصص عموم الحديث؛ لأنه مرجوح بعموم الآية؛ لأنه راجح فيكون صيام أيام التشريق محرمًا؛ لدلالة الحديث إلا على المتمتع الذي لم يجد الهدي؛ لعموم الآية، والله أعلم.
انظر: "الفتح" (١٩٩٦)، "نيل الأوطار" (٤/ ٢٦٣)، "سبل السلام" (٤/ ١٦٦)، "المجموع" (٦/ ٤٤٣)، "المُفْهم" (٣/ ١٩٩)، "تفسير القرطبي" (٢/ ٤٠٠ - ٤٠١)، "المحلى" (٨٠٢).
مسألة: إفراد يوم الجمعة بالصوم ؟
فيه ثلاثة أقوال:
الأول: التحريم.
стр. 215
نقله أبو الطيب الطبري عن أحمد، وابن المنذر، وبعض الشافعية، ونقل ابن المنذر، وابن حزم منع صومه عن علي (١)، وأبي هريرة (٢)، وسلمان (٣)، وأبي ذر (٤) ﵃.
قال ابن حزم ﵀: لا نعلم لهم مخالفًا من الصحابة. اهـ
وهو الذي رجحه الصنعاني، والشوكاني، وهو الراجح، ويدل عليه حديث أبي هريرة ﵁، في "الصحيحين" (٥)، أن النبي ﷺ قال: «لا يصومن أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده».
وكذلك حديث جُوَيرية ﵂ في "البخاري" (١٩٨٦)، أن النبي ﷺ دخل عليها في يوم جمعة وهي صائمة، فقال لها: «أصمت أمس؟» قالت: لا. قال: «أتصومين غدًا؟» قالت: لا، قال: «فأفطري»، والأصل في الأمر الوجوب.
الثاني: الكراهة، وهو قول الجمهور، واستدلوا بالأدلة المتقدمة.
الثالث: الاستحباب، وهو قول مالك.
قال الداودي: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث، ولو بلغه لم يخالفه، وهو قول أبي حنيفة. اهـ
стр. 216
انظر: "الفتح" (١٩٨٦)، "السبل" (٤/ ١٧٠)، "المفهم" (٣/ ٢٠١)، "المحلى" (٧٩٥).
مسألة: إفراد يوم السبت بالصوم ؟
أخرج أحمد، وأصحاب "السنن" من حديث الصَّماء بنت بُسْر ﵂، أن النبي ﷺ قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم؛ فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب أو عود شجر فليمضغها». (١)
وقد حكم النسائي على هذا الحديث بالاضطراب، ولكن قد دفع هذا الاضطراب الدارقطني (٢)، وصححه عبد الحق الإشبيلي.
وقد جمع الإمام الألباني ﵀ طرق هذا الحديث، وتكلم عليه بتوسع في "الإرواء" رقم (٩٦٠)، وقد رجح ﵀ تصحيح الحديث، وهو كما يقول إن شاء الله. وانظر طرقه في "تحقيق المسند" (٢٩/ ٢٣٠ - ٢٣٣).
والاضطراب يشترط فيه تكافؤ الطرق والأمر هنا ليس كذلك.
وهذا الحديث يدل على كراهية إفراد السبت بالصوم، وهو الذي عليه الحنابلة، والشافعية، ومال إليه ابن القيم.
وقد ذهب بعضهم إلى عدم كراهية إفراده بالصوم (٣)، واستدلوا بحديث أم سلمة ﵂ عند النسائي في "الكبرى" (٢٧٧٥)، وابن خزيمة (٢١٦٧)، أن
стр. 217
رسول الله ﷺ كان أكثر ما يصوم من الأيام يوم السبت ويوم الأحد، وكان يقول: «إنهما يوما عيد للمشركين، وأنا أريد أن أخالفهم».
وبحديث جُوَيرية ﵂، أن رسول الله ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: «أصمت أمس؟»، قالت: لا قال: «أتريدين أن تصومي غدًا؟» قالت: لا قال: «فأفطري»، رواه البخاري (١٩٨٦).
وقد أجيب عن حديث أم سلمة ﵂ بضعفه؛ ففي سنده: محمد بن عمر، وهو مجهول حال، وقد ضعفه الإمام الألباني ﵀ في "الضعيفة" (١٠٩٩).
وقد قال النووي ﵀: وأما الأحاديث الباقية التي ذكرناها في صيام السبت، فكلها واردة في صومه مع الجمعة والأحد، فلا مخالفة فيها؛ لما قاله أصحابنا من كراهة إفراد يوم السبت. اهـ
قال الترمذي ﵀: ومعنى النهي أن يختصه الرجل بالصيام؛ لأن اليهود يعظمونه. اهـ
وقال البيهقي ﵀ (٤/ ٣٠٣): وكأنه أراد بالنهي تخصيصه بالصوم على طريق التعظيم.
وكذا قال الطحاوي في "شرح المعاني" (٢/ ٨٠).
وأقول: إن وجد من قال بالتحريم فالقول به أولى؛ لأنه هو الأصل في النهي، ولا نعلم صارفًا للنهي من التحريم إلى الكراهة، والله أعلم.
انظر: "المجموع" (٦/ ٣٩٢) ط/مكتبة الإرشاد، "الإنصاف" (٣/ ٣١٣)، "زاد المعاد" (٢/ ٧٩).
стр. 218
مسألة: استقبال رمضان بيوم، أو يومين ؟
جاء في "الصحيحين" (١)، عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا رجلاً كان يصوم صومًا فليصمه».
فذهب أكثر أهل العلم إلى الكراهة حتى قال الترمذي ﵀: العمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان. اهـ
وقوله: (لمعنى رمضان) تقييد للنهي بأنه مشروط؛ لكون الصوم احتياطًا لا لو كان صومًا مطلقًا كالنفل المطلق والنذر ونحوه، وقد ارتضى هذا القيد الحافظ ﵀ في "الفتح".
لكن قال الإمام الصنعاني ﵀: ولا يخفى أن بعد هذا التقييد يلزم منه جواز تقدم رمضان بأي صوم كان، وهو خلاف الظاهر من النهي؛ فإنه عام لم يستثن منه إلا صوم من اعتاد صوم أيام معلومة، ووافق آخر يوم من شعبان، ولو أراد رسول الله ﷺ الصوم المقيد بما ذكر؛ لقال: (إلا متنفلًا)، أو نحو هذا من اللفظ.
وقال الإمام الشوكاني ﵀ -بعد أن نقل التقييد المتقدم-: وهو خلاف ظاهر حديث النهي؛ لأنه لم يستثن منه إلا من كانت له عادة. اهـ
وقد ذهب قوم إلى التحريم، عزاه إليهم الصنعاني في "السبل".
وذكر الحافظ في "الفتح" أنه قول الروياني، واستحسن ذلك الصنعاني في "السبل"، وصرح الشوكاني في "الدراري" بالتحريم.
стр. 219
وهذا القول هو الراجح إن شاء الله.
وقد أوردوا على هذا القول حديث عمران بن الحصين ﵁، أن النبي ﷺ قال لرجل: «هل صمت من سَرَر هذا الشهر شيئًا؟»، وفي رواية: «من سَرَر شعبان؟» قال: لا. قال: «فإذا أفطرت فصم يومين مكانه». (١)
والسرر عند أكثر أهل اللغة يراد به آخر الشهر، سميت بذلك؛ لاستسرار القمر فيها، وهي ليلة ثمان وعشرين، وتسع وعشرين، وثلاثين.
وقد أجيب عن هذا الحديث بأجوبة منها:
أن السُّرَر -بضم السين- جمع سرة، وسرة الشيء وسطه، ويؤيده أنه قد جاءت رواية في مسلم «سُرَّة»، ويؤيده أيضًا الندب إلى صيام أيام البيض، وهي وسط الشهر.
وأجاب بعضهم: بأن النهي إنما هو لمن قصد التحري لأجل رمضان، وأما من لم يقصد ذلك فلا يتناوله النهي، وقد تقدم ما في هذا الجواب.
قال القرطبي ﵀ في "المُفْهم": ويرتفع ما يتوهم من المعارضة بأن يحمل النهي على من لم تكن له عادة بصوم شيء من شعبان؛ فيصومه لأجل رمضان، وأما من كانت له عادة أن يصوم فليستمر على عادته، وقد جاء هذا أيضًا في بقية الخبر؛ فإنه قال: «إلا أن يكون أحدكم يصوم صومًا فليصمه».
وقد أجاب بهذا الجواب المازري، وتبعه القاضي عياض، وارتضاه النووي
стр. 220
والشوكاني ﵏.
انظر: "الفتح" (١٩١٤)، "النيل" (٤/ ٢٦٠ - ٢٦١)، "السبل" (٤/ ١٠٤ - ١٠٥)، "المفهم" (٣/ ٢٣٤)، "شرح مسلم" (٨/ ٥٤).
مسألة: الحكمة من النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين ؟
قيل: للتَّقوِّي بالفطر لرمضان؛ ليدخل فيه بقوة ونشاط.
قال الحافظ ﵀: وفيه نظر؛ لأن مقتضى الحديث أنه لو تقدمه بصوم ثلاثة أيام أو أربعة أيام جاز. اهـ
وقيل: لأن الحكم معلق بالرؤية، فمن تقدمه بيوم أو يومين؛ فقد حاول الطعن في ذلك الحكم.
واعتمد الحافظ هذا القول، ولم يذكر الصنعاني غيره في "سبل السلام"، وهذا القول إنما يصلح بناء على أن النهي عن تَقدُّم رمضان بصوم يوم أو يومين إنما هو إذا كان احتياطًا لأجل رمضان، وقد تقدم ما فيه.
وقيل: الحكمة من ذلك هي خشية اختلاط النفل بالفرض.
قال القرطبي ﵀ في "المفْهِم": هذا النهي لما يخاف من الزيادة في شهر رمضان. اهـ
وهذا القول هو الراجح، وهو الذي جزم به شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
انظر: "الفتح" (١٩١٤)، "النيل" (٤/ ٢٦١)، "المفهم" (٣/ ١٤٦).
стр. 221
مسألة: حكم الصيام تطوعًا بعد النصف من شعبان ؟
قال الصنعاني ﵀: واختلف العلماء في ذلك، فذهب كثير من الشافعية إلى التحريم؛ لهذا النهي. وقيل: إنه يكره؛ إلا قبل رمضان بيوم أو يومين فيحرم. وقيل: لا يكره. وقيل: إنه مندوب. انتهى المراد من كلامه.
وقوله: (لهذا النهي) يريد حديث أبي هريرة ﵁ عند أحمد، وأصحاب "السنن"، أن النبي ﷺ قال: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» (١)، وهذا الحديث من طريق العلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ﵁، وقد أنكر عليه هذا الحديث، أنكره عبدالرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو زُرْعة، والخليلي.
وعلى هذا فالصحيح أن الصيام بعد النصف من شعبان مندوب؛ لحديث عائشة ﵂، في "الصحيحين" (٢)، قالت: وما رأيت رسول الله ﷺ في شهر أكثر منه صيامًا من شعبان.
وحديث أم سلمة ﵂ عند أبي داود (٢٣٣٦) وغيره، أن النبي ﷺ كان لا يصوم من السنة شهرًا تامًا إلا شعبان يصله برمضان.
والمراد أنه كان يصوم معظمه؛ جمعًا بينه، وبين حديث عائشة الذي تقدم.
وقد جاء في رواية عند مسلم: كان يصوم شعبان إلا قليلًا.
стр. 222
وقد نقل الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقول: صام الشهر كله، ويقال: قام فلان ليلته أجمع، ولعله قد تَعشَّى واشتغل ببعض أمره.
قال الترمذي ﵀: كأن ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك. اهـ
انظر: "السبل" (٤/ ١٧٢ - ١٧٣)، "توضيح الأحكام" (٣/ ٢١٧)، "لطائف المعارف" (ص ٢٦٠).
مسألة: صيام يوم الشك ؟
ذهب الجمهور إلى أن يوم الشك هو ليلة الثلاثين من شعبان إذا حال دون رؤية الهلال ما يمنع الرؤية من سحاب، أو غيم، أو دخان، أو نحو ذلك، وهو رواية غير مشهورة عن أحمد، وذهبوا إلى تحريم صومه؛ لحديث عمار ﵁، قال: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ . أخرجه أبو داود (٢٣٣٤)، والترمذي (٦٨٦)، والنسائي (٤/ ١٥٣)، وابن ماجه (١٦٤٥)، وهو حديث حسن.
واستدلوا أيضًا بحديث: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته؛ فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين». (١)
وقد رَجَّحَ كون يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون الرؤية حائل: شيخُ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن عبدالهادي، والحافظ، والصنعاني، والشوكاني، وغيرهم من أهل العلم.
قال ابن الجوزي ﵀ في "التحقيق": ولأحمد في هذه المسألة وهي ما إذا
стр. 223
حال دون مطلع الهلال غيم، أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان ثلاثة أقوال: أحدها: يجب صومه على أنه من رمضان. وثانيها: لا يجوز فرضًا ولا نفلاً مطلقًا، بل قضاءً، وكفارة، ونذرًا، ونفلاً وافق عادة. ثالثها: المرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفطر. اهـ المراد
والمشهور عن أحمد القول الأول، واستدل عليه بقوله ﷺ : «فَاقْدُروا له».
قالوا: وذلك بمعنى: (ضَيِّقوا عليه) مثل قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧]، وقوله ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد:٢٦]، فالتضييق لا يكون إلا بأن يحسب له أقل زمان يطلع فيه، وهو طلوعه ليلة الثلاثين.
قالوا: ويؤيد ذلك فعل ابن عمر، وعائشة، وأسماء بنت أبي بكر (١) وغيرهم ﵃، فقد صح عنهم أنهم كانوا يصومون هذا اليوم.
والجواب عن استدلالهم:
أما عن قوله ﷺ : «فاقدروا له»، فقد قال الحافظ ابن حجر ﵀: أي انظروا في أول الشهر، واحسبوا تمام الثلاثين. اهـ
وقال ابن القيم ﵀: فإن القدر هو الحساب المقدر، والمراد به الإكمال كما قال: «فأكملوا العدة».اهـ
والمراد بالإكمال إكمال عدة الشهر الذي غُمَّ.
стр. 224
ويؤيد ما قاله الحافظان رواية مسلم: «فاقدروا له ثلاثين»، وكذا فإنه قد جاءت أحاديث كثيرة فيها الأمر بإكمال العدة ثلاثين من قوله ﷺ ومن فعله، وقد ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح كتاب الصيام من "العمدة" (١/ ٧٨ - ٨٩).
وأما استدلالهم بأفعال الصحابة المذكورين فالعبرة بما رووا لا بما رأوا، وقد جاء عن غيرهم خلافهم، كعمار، وابن مسعود، وأنس وغيرهم ﵃ بأسانيد ثابتة عنهم. (١)
قال الشوكاني ﵀: والحاصل أن الصحابة مختلفون في ذلك، وليس قول بعضهم بحجة على أحد، والحق ما جاءنا عن الشارع. اهـ
وقال الصنعاني ﵀: واختلف الصحابة في ذلك، منهم من قال بجواز صومه، ومنهم من منع منه وَعدَّه عصيانًا لأبي القاسم، والأدلة مع المحرمين. اهـ
ومع ذلك فقد جاء عن ابن عمر ﵄، بسند حسن عند ابن أبي شيبة (٣/ ٧١) أنه قال: لو صمت السنة كلها؛ لأفطرت اليوم الذي يشك فيه. وكذلك جاء عن غيره من الصحابة ﵃، ممن قالوا بالصومِ المنعُ من الصوم.
قال الحافظ ﵀ -في الجمع بين أثري ابن عمر ﵄-: فالجمع بينهما أنه في الصورة التي أوجب فيها الصوم لا يسمى يوم شك -يعني عند ابن عمر- وهذا هو المشهور عن أحمد أنه خص يوم الشك بما إذا تقاعد الناس عن رؤية الهلال، أو
стр. 225
شهد برؤيته من لا يقبل الحاكم شهادته، فأما إذا حال دون منظره شيء، فلا يسمى شكًّا. اهـ
وقد حمل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أفعال الصحابة في ذلك كما حمله الحافظ ابن حجر ﵀ كما في "شرح الصيام" (١/ ١٠٥)، ثم ذكر ﵀ جوابًا آخر (١/ ١٢٦)، وهو: أن تحمل الآثار في الصوم على الجواز والاستحباب، وتحمل أحاديث الفطر على عدم الوجوب، ويكون التغليظ فيهما على من يجزم بأنه من رمضان ويعتقد وجوب صومه كوجوب صوم الذي يليه حتى يلحق برمضان ما لم يتيقن أنه منه.
ثم قال: والقياس يقتضي صحة هذا القول؛ فإن إيجاب ما لم يتيقن وجوبه خلاف القياس، وكراهة التحري، والاحتياط في العبادات خلاف القياس أيضًا. اهـ
وارتضى هذا الجواب ابن القيم ﵀ في "الزاد".
قال أبو عبد الله ﵀: الذي يظهر -والله أعلم- هو تحريم صيام يوم الشك حتى وإن كان للاحتياط والتحري، وحتى إذا لم يعتقد وجوبه؛ لما تقدم من الأدلة، وأما فعل هؤلاء الصحابة ﵃، فقد عارضهم غيرُهم من الصحابة ﵃، فوجب الرجوع إلى الأدلة كما تقدم في كلام الصنعاني، والشوكاني، والله أعلم.
انظر: "فتح الباري" (١٩١١)، "سبل السلام" (٤/ ١٠٦)، "توضيح الأحكام" ٣/ ١٣٥ - ١٤٠)، و"زاد المعاد" (٢/ ٤١ - ٤٦)، "نيل الأوطار" (٤/ ١٩٣)، "شرح الصيام" من "العمدة" (١/ ٧٥ -
стр. 226
١٢٦)، "التمهيد" (٧/ ١٤٨).
مسألة: صيام الدهر ؟
في المسألة أقوال:
الأول: أنه يكره صيام الدهر، وهو مذهب إسحاق، وأهل الظاهر، وهو رواية عن أحمد، ورجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم.
واستدلوا بما يلي:
١) قوله ﷺ : «لا صام من صام الأبد» (١)، وقوله: «لا صام ولا أفطر». (٢)
قال ابن العربي المالكي ﵀ قوله: «لا صام من صام الأبد» إن كان معناه الدعاء فيا ويح من أصابه دعاء النبي ﷺ ! وإن كان معناه الخبر فيا ويح من أخبر عنه النبي ﷺ أنه لم يصم! وإذا لم يصم شرعًا لم يُكْتب له الثواب. اهـ
٢) قوله ﷺ : «أحب الصيام إلى الله صيام داود!»، وقوله: «لا أفضل من صيام داود!». (٣)
قال ابن القيم ﵀: فإنه إذا لم يكن مكروهًا؛ لزم أحد ثلاثة أمور ممتنعة: أن يكون أحب إلى الله من صيام يوم وإفطار يوم، وهذا مردود بالحديث الصحيح، وذكر الحديث المتقدم وإما أن يكون مساويًا له في الفضل وهو ممتنع
стр. 227
أيضًا. وإما أن يكون مباحًا متساوي الطرفين لا استحباب فيه ولا كراهة، وهذا ممتنع؛ إذ ليس هذا شأن العبادات، بل إما أن تكون راجحة أو مرجوحة، والله أعلم. اهـ
الثاني: أنه يستحب صوم الدهر لمن قدر عليه، ولم يفوت حقًّا، ولا يصوم ما حرم الله عليه من الأيام، وهو قول الجمهور من أهل العلم.
واستدلوا بما يلي:
١) قوله ﷺ : «من صام رمضان، ثم أتبعه ستًّا من شوال فكأنما صام الدهر». (١)
٢) قوله ﷺ : «صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر وإفطاره». (٢)
فهذان الحديثان يدلان على فضيلة صوم الدهر؛ لأن المُشبَّه به أفضل.
٣) حديث حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁، قال: يا رسول الله، إني أَسْرد الصوم. رواه مسلم (١١٢١)(١٠٧).
٤ - أنه قد جاء عن عمر، (٣) وعثمان، (٤) وأبي طلحة (٥)، أنهم كانوا يصومون كل يوم.
الثالث: جواز صيام الدهر، وهو قول ابن المنذر وطائفة.
الرابع: التحريم، وهو قول ابن حزم، والصنعاني، واستدلوا بنفس أدلة المذهب
стр. 228
الأول وزادوا:
١ - حديث أبي موسى ﵁، عند أحمد (٤/ ٤١٤)، والنسائي كما في "التحفة" (٦/ ٤٢٢ - )، وابن خزيمة، وابن حبان مرفوعًا: «من صام الدهر ضُيِّقت عليه جهنم»، وعقد بيده.
٢ - روى ابن أبي شيبة (٣/ ٧٩) بإسناد صحيح عن أبي عمرو الشيباني قال: بلغَ عمرَ ﵁ أن رجلاً يصوم الدهر، فأتاه فَعَلاه بالدِّرَّة، وجعل يقول: كل يا دهري.
قال ابن حزم ﵀: فصحَّ أن تحريم صوم الدهر كان من مذهبه، ولو كان عنده مباحًا لما ضرب فيه ولا أمر بالفطر. اهـ
والراجح والله أعلم هو القول الأول؛ لدلالة قوله ﷺ : «لا صام ولا أفطر»، وقد أجاب الجمهور على هذا بأنه محمول على من صام الدهر حقيقة؛ فإنه يدخل فيه ما حرم صومه كالعيدين.
لكن قال ابن القيم ﵀: وليس مراده من هذا من صام الأيام المحرمة؛ فإنه ذكر ذلك جوابًا لمن قال: أرأيت من صام الدهر؟ ولا يقال في جواب من فعل المحرم: لا صام ولا أفطر؛ فإن هذا يؤذِن بأنه سواء فطره وصومه لا يثاب ولا يعاقب، وليس كذلك من فعل ما حرم عليه من الصيام، فليس هذا جوابًا مطابقًا للسؤال عن المحرم من الصوم. اهـ
стр. 229
وأما الرد على أدلة الجمهور:
٢،١) قال ابن القيم ﵀: نفس هذا التشبيه في الأمر المقدر لا يقتضي جوازه فضلاً عن استحبابه، وإنما يقتضي التشبيه به في ثوابه لو كان مستحبًّا، والدليل عليه من نفس الحديث؛ فإنه جعل صيام ثلاثة أيام من كل شهر بمنزلة صيام الدهر؛ إذ الحسنة بعشر أمثالها، وهذا يقتضي أن يحصل لهم ثواب من صام ثلاثمائة وستين يومًا، ومعلوم أن هذا حرام قطعًا، فعلم أن المراد به حصول هذا الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يومًا. اهـ
٣) قال الحافظ ابن حجر ﵀: تعقب بأن سؤال حمزة إنما كان عن الصوم في السفر لا عن صوم الدهر، ولا يلزم من سرد الصومِ صومُ الدهر، وقد قال أسامة بن زيد ﵄: كان النبي ﷺ يسرد الصوم، فيقال: لا يفطر. أخرجه أحمد (١)، ومن المعلوم أن النبي ﷺ لم يكن يصوم الدهر فلا يلزم من ذكر السرد صيام الدهر. اهـ
٤) والذي جاء عن عمر، وعائشة ﵄، إنما هو السرد، والسرد هو المتابعة، ولا يلزم منه صيام الدهر، وأما أثر عثمان ﵁، ففيه ضعفٌ كما تقدم، وأما أثر أبي طلحة ﵁، فهو صحيح عنه، لكن قد صح عنه أنه كان يأكل البرد وهو صائم.
قال ابن حزم ﵀: فصومه الدهر ليس بحجة؛ ولئن كان صومه الدهر حجة؛ فإن أكله البرد في صيامه حجة. اهـ
стр. 230
وأما الرد عن أدلة القول الرابع:
حديث أبي موسى ﵁: أحسن ما يقال فيه هو ما قاله الحافظ ابن حجر ﵀، حيث قال: والأولى إجراء الحديث على ظاهره وحمله على من فوت حقًّا واجبًا بذلك؛ فإنه يتوجه إليه الوعيد. اهـ
قال أبو عبد الله عفا الله عنه: وقد يحمل أيضًا على من صام الدهر مع أيام العيد؛ لأنه هو الأصل في إطلاق الدهر؛ ولأن هذا الحديث يدل على أنه يأثم، وقوله ﷺ «لا صام ولا أفطر» يُشْعِرُ بأنه لم يأثم ولا يثاب، ثم تبين لي أن حديث أبي موسى ﵁ الراجح وقفه عليه، ورفعه شاذ غير محفوظ. انظر: "تحقيق المسند" (٣٢/ ٤٨٤).
والموقوف ليس بحجة، وإنما الحجة في المرفوع والله أعلم، وأما ما صح عن عمر ﵁ من ضرب الرجل؛ فمحمول على أنه رأى ذلك الرجل قد أضر بنفسه، أو رأى المصلحة بضربه مع كراهيته فقط.
فقد جاء عن عمر ﵁ في "مسلم" (٣١)، أنه ضرب أبا هريرة ﵁ لما أمره النبي ﷺ أن يبشر الناس بأنه من قال: لا إله إلا الله مستيقنًا من قلبه فله الجنة؛ لكونه رأى المصلحة بعدم ذلك، والله أعلم.
وقد رجح القول بالكراهة الشوكاني ﵀ في "الدراري"، وصديق بن حسن في "الروضة الندية"، والشيخ الألباني في "تمام المنة".
انظر: "الفتح" (١٩٧٧)، "زاد المعاد" (٢/ ٨٠ - ٨٣)، "السبل" (٤/ ١٧٩)، "المحلى"
стр. 231
(٧٩٠)، "تمام المنة" (٤٠٩).
مسألة: حكم الوصال في الصيام ؟
الوصال: هو أن يستمر الرجل على صيامه يومين أو أكثر دون أن يأكل شيئًا.
واختلفوا في حكمه على أقوال:
الأول: جواز ذلك لمن لم يَشُقَّ عليه، وقد جاء ذلك عن عبد الله بن الزبير ﵄، (١) بأسانيد صحيحة أنه كان يواصل، فربما واصل خمسة عشر يومًا، وربما سبعة أيام وهكذا.
وذهب إليه أيضًا أختُ أبي سعيد الخدري ﵁، (٢) ومن التابعين: عبدالرحمن بن أبي نُعْم، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وإبراهيم التيمي، وأبو الجوزاء.
وحجة أهل هذا القول: أن النبي ﷺ واصل بهم بعد أن نهاهم، فعلم أنه أراد الرحمة بهم والتخفيف عنهم كما ذكرت عائشة ﵂.
الثاني: التحريم، وهو مذهب الجمهور، ونص عليه الشافعي في "الأم"، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وصرح به ابن حزم، وصححه ابن العربي، وصرح به الشوكاني في "الدراري"، وصديق في "الروضة".
стр. 232
واستدلوا:
١) بنهي رسول الله ﷺ عن الوصال، كما ثبت في "الصحيحين" (١) عن أنس، وابن عمر، وعائشة، وأبي هريرة ﵃.
٢) قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: «لو تأخر الهلال لزدتكم»، كالمُنكِّل بهم حين أبو ا أن ينتهوا.
٣) قوله ﷺ في حديث أنس ﵁: «أما والله، لو تماد لي الشهر لواصلت وصالًا يدع المتعمقون تعمقهم»، فسماهم «متعمقين»، وقد قال رسول الله ﷺ : «هلك المتنطعون» قالها ثلاثًا، رواه مسلم (٢٦٧٠) عن ابن مسعود ﵁.
٤) قالوا: وقد ذكر في الحديث ما يدل على أن الوصال من خصائصه، فقال: «إني لست كهيئتكم»، ولو كان مباحًا لهم؛ لم يكن من خصائصه.
٥) ما أخرجه أحمد (٥/ ٢٢٥)، والطبراني (١٢٣١)، وغيرهما بإسناد صحيح، أن ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة، فمنعني بشير، وقال: إن النبي ﷺ نهى عن هذا، وقال: «يفعل ذلك النصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله تعالى، وأتموا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فأفطروا».
الثالث: الكراهة، وهو مذهب الحنابلة، ورجحه الحافظ ﵀ في "الفتح"، والشوكاني ﵀ في "النيل".
стр. 233
واستدلوا:
١) بأن النبي ﷺ واصل بأصحابه؛ فدل ذلك على الجواز مع الكراهة؛ جمعًا بين الأدلة.
٢) ما أخرجه أبو داود (٢٣٧٤)، وغيره من طريق: عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن رجل من الصحابة قال: نهى النبي ﷺ عن الحجامة، والمواصلة، ولم يحرمهما؛ إبقاء على أصحابه.
٣) ما رواه البزار كما في "الكشف" (١٠٢٤)، والطبراني (٧٠١١)(٧٠١٢) من حديث سَمُرة ﵁، قال: نهى النبي ﷺ عن الوصال، وليس بالعزيمة.
٤) إقدام الصحابة على الوصال بعد النهي؛ فدل على أنهم فهموا أن النهي للتنزيه لا للتحريم، وإلا لما أقدموا عليه.
والصحيح والله أعلم هو المذهب الثاني، أعني قول الجمهور؛ للأدلة التي ذكروها، وقد رجح ذلك الإمام ابن عثيمين ﵀.
وأما الرد على أدلة المذهب الثالث، والأول:
١) أما عن مواصلة النبي ﷺ بأصحابه فلم يكن تقريرًا لهم كيف، وقد نهاهم، ولكن تقريعًا وتنكيلًا، فاحتمل منهم الوصال بعد نهيه لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم؛ لأنهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النهي.
وليس إقراره لهم على الوصال لهذه المصلحة الراجحة بأعظم من إقرار الأعرابي
стр. 234
على البول في المسجد لمصلحة التأليف؛ ولئلا ينفر عن الإسلام، ولا بأعظم من إقراره المسيء في صلاته على الصلاة التي أخبرهم النبي ﷺ أنها ليست بصلاة لمصلحة تعليمه وقبوله بعد الفراغ؛ فإنه أبلغ في التعليم والتعلم. انتهى من "زاد المعاد" بتصرف يسير.
٢) أما ما أخرجه أبو داود، فإسناده صحيح، وقد صرح عبدالرحمن بالتحديث من هذا الصحابي، ولكن قوله: (ولم يحرمهما) إنما هو فهم من هذا الصحابي كما فهم ذلك عبد الله بن الزبير ﵄، ولم يَعْنِ هذا الصحابي أن النبي ﷺ قال لهم: ليس بحرام.
وأما حديث سَمرة فضعيف، وقد ضعفه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣/ ١٥٨)، وسبب ضعفه هو جعفر بن سعد بن سمرة وهو ضعيف، وسليمان بن سمرة بن جندب وهو مجهول.
وأما ما فهمه هؤلاء الصحابة فليس بحجة علينا، بل الأمر كما قال أبو محمد بن حزم يجعلنا نعلم أنه لا حجة في قول أحد غير الله ورسوله ﷺ ؛ ومع هذا فإن كبار الصحابة لم يواصلوا كأبي بكر، وعمر وغيرهما ﵃، ممن هو أسبق إلى فعل الخيرات ممن واصل، والله أعلم.
انظر: "المغني" (٣/ ٥٥)، "الفتح" (١٩٦٤)، "زاد المعاد" (٢/ ٣٥ - ٣٧)، "المحلى" (٧٩٧)، "نيل الأوطار" (٤/ ٢١٨)، "الشرح الممتع" (٦/ ٤٤٣)، "شرح الصيام" (١/ ٥٣٧)، "المجموع" (٦/ ٣٥٨)، "سبل السلام" (٤/ ١٢٣ - ١٢٤)، "توضيح الأحكام" (٣/ ١٦١).
стр. 235
مسألة: معنى قوله ﵊: «يطعمني ربي ويسقين»:
فيه ثلاثة أقوال:
الأول: أنه على حقيقته، وأنه ﷺ كان يُؤْتَى بطعام وشراب من عند الله؛ كرامة له في ليالي صيامه.
وَتُعُقِّبَ بأنه لو أكل حقيقة لم يبق وصال، وكذلك فقد قال النبي ﷺ في حديث أنس ﵁: «إني أظل يطعمني ربي ويسقيني» (١)، ولا يقال: (ظَلَّ) إلا في النهار، فلو كان الأكل والشرب حقيقة؛ لم يكن صائمًا.
الثاني: قول الجمهور: (إنه مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوة فكأنه قال: يعطيني قوة الآكل والشارب).
الثالث: قال ابن القيم ﵀: المراد ما يغذيه الله من معارفه، وما يفيضه على قلبه من لذة مناجاته، وقرة عينه بقربه، وتنعمه بحبه، والشوق إليه، وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء القلوب؛ حتى يغني عن غذاء الأجسام برهة من الزمن كما قيل:
لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد
لها بوجهك نور يستضاء به ... ومن حديثك في أعقابها حادي. اهـ
انظر: "الفتح" (١٩٦٦)، "السبل" (٤/ ١٢٤ - ١٢٥)، "المجموع" (٦/ ٣٥٨)، "زاد المعاد" (٢/ ٣٢).
стр. 236
مسألة: الوصال إلى السحر ؟
ذهب أحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وابن خزيمة، وجماعة من المالكية إلى جواز الوصال إلى السحر؛ لحديث أبي سعيد ﵁ عند البخاري (١٩٦٣)، أن النبي ﷺ قال: «فأيكم أراد أن يواصل؛ فليواصل إلى السحر».
واستدل من منع بقوله ﷺ : «إذا أدبر النهار من هاهنا، وأقبل الليل من هاهنا فقد أفطر الصائم» (١)؛ إذ لم يجعل الليل محلاًّ لسوى الفطر؛ فالصوم فيه مخالفة لوضعه كيوم الفطر.
والجواب عن ذلك هو:
ما قاله الإمام الصنعاني ﵀ في "سبل السلام" قال بعد أن ذكر الحديث الذي استدل به المخالف: فإنه لا ينافي الوصال؛ لأن المراد بـ (أفطر) دخل في وقت الإفطار، لا أنه صار مفطرًا حقيقة كما قيل؛ لأنه لو صار مفطرًا حقيقة لما ورد الحث على تعجيل الإفطار، ولا النهي عن الوصال، ولا استقام الإذن بالوصال إلى السحر. اهـ
قال الإمام الشوكاني ﵀: فإن كان اسم الوصال إنما يصدق على إمساك جميع الليل فلا معارضة بين الأحاديث، وإن كان يصدق على أعم من ذلك فيبني العام على الخاص، ويكون المحرم ما زاد على الإمساك إلى ذلك الوقت. اهـ والراجح: هو المذهب الأول، وهو الجواز، وقد رجح ذلك الإمام ابن القيم ﵀. انظر: "الفتح" (١٩٦٤)، "النيل" (٤/ ٢١٨ - ٢١٩)، "السبل" (٤/ ١٢٥)، "الزاد" (٢/ ٣٨).
стр. 237
كِتَابُ الاعْتِكَافِ
مسألة: تعريف الاعتكاف:
لغةً: لزوم الشيء، وحبس النفس عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢].
وشرعًا: المقام في المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة؛ تعبدًا لله. انظر: "الفتح" (٢٠٢٥).
مسألة: حكم الاعتكاف:
مشروعٌ، ومستحبٌ بالكتاب، والسنة، والإجماع، ولا يجب إلا بنذر بالإجماع.
أما من الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧].
وأما من السنة: فمنه حديث عائشة، وابن عمر، وأبي سعيد ﵃، وكلها في "الصحيحين" (١)، أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان.
والأحاديث الدالة على مشروعية الاعتكاف كثيرة.
وأما الإجماع: فقد نقل غير واحد الإجماع على أنه سنة، وأنه لا يجب إلا بالنذر
стр. 238
كابن المنذر، وابن قدامة، والنووي وغيرهم.
انظر: "المجموع" (٦/ ٤٠٧) ط: الإرشاد، "المغني" (٣/ ٦٣).
مسألة: هل يلزم إتمام الاعتكاف إذا شرع فيه، أم له الخروج منه إذا شاء ؟
ذهب الشافعي، وأحمد إلى أنه لا يلزمه، وله الخروج إذا شاء؛ لعدم وجود دليل على إلزامه بالإتمام، وقد ثبت في "الصحيحين" (١)، أن النبي ﷺ أراد أن يعتكف فأمر بِخَبِائه فضرب، فاستأذنته عائشة، فأذن لها، فضربت خباءها، ثم استأذنته حفصة، ثم زينب ﵅، فلما صلى رسول الله ﷺ الفجر نظر فإذا الأَخْبية، فقال: «آلبر تردن؟!»، فأمر بخبائه فَقُوِّض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في العشر الأُوَل من شوال.
وذهب مالك إلى أنه يلزمه بالنية مع الدخول فيه؛ فإن قطعه لزمه قضاؤه، وادعى ابن عبد البر الإجماع على ذلك، وليس بصحيح كما بيَّن ذلك ابن قدامة، وأما قضاء النبي ﷺ فإنما فعله تطوعًا؛ لأنه كان إذا عمل عملاً أثبته، ويدل على أن القضاء ليس بواجب: أنه لم يأمر نساءه بقضائه، والقول الأول هو الراجح، والله أعلم.
انظر: "المغني" (٣/ ٦٣ - ٦٤).
مسألة: هل يشترط في الاعتكاف الصوم ؟
فيه قولان:
الأول: وجوب الصوم مع الاعتكاف، وهو قول مالك، والليث، وأبي حنيفة،
стр. 239
والثوري، ورواية عن أحمد، واستدلوا بحديث عائشة ﵂، عند أبي داود أنها قالت: السُّنَّة على المعتكف ألَّا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد له منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود (٢٤٧٣)، من طريق: عبدالرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، وقد أعله الإمام أبو داود بالوقف، فقال: غيرُ عبدالرحمن لا يقولُ فيه (من السنة)، وأعله الدارقطني، ثم البيهقي بالإدراج.
واستدلوا أيضًا بحديث ابن عمر ﵄، عند أبي داود (٢٤٧٤)، أن عمر ﵁ جعل على نفسه في الجاهلية أن يعتكف، فقال النبي ﷺ : «اعتكف وَصُمْ»، وهذا الحديث ضعيف، فقد تفرد به عبد الله بن بُدَيل عن عمرو بن دينار وهو ضعيف؛ ومع ذلك فقد خالف ما في "الصحيحين"؛ فإنه ليس فيهما الأمر بالصوم.
الثاني: أنه لا يلزمه الصوم إلا أن يوجبه على نفسه في نذره، وهذا مذهب الشافعي، وإسحاق، والمشهور عن أحمد، وصح هذا عن ابن عباس ﵄ كما في "سنن الدارقطني" (٢/ ١٩٩)، ورُوي مرفوعًا ولا يصح رفعه، وروي ذلك عن علي، وابن مسعود ﵄ (١)، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبدالعزيز.
стр. 240
واستدلوا بحديث عمر ﵁ في "الصحيحين" (١)، أنه قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال النبي ﷺ : «أوْفِ بنذرك»، والليل ليس بظرف للصوم؛ ولو كان الصوم شرطًا لما صح اعتكافه.
وقد أجيب: بأنه جاءت رواية عند مسلم بلفظ: «يومًا»، وهذا التعقب لا يفسد الاستدلال، بل يقال: لم يأمره النبي ﷺ بالصوم، ولو كان شرطًا لأمره به.
واستدلوا أيضًا باعتكاف النبي ﷺ العشر الأُوَل من شوال كما في "الصحيحين" عن عائشة ﵂، وقالوا: إيجابُ الصومِ حكمٌ لا يثبت إلا بالشرع، ولم يصح فيه نص ولا إجماع.
والقول الثاني هو الراجح.
انظر: "المغني" (٣/ ٦٤)، "الفتح" (٢٠٣٢)، "شرح مسلم" (٨/ ٦٧).
مسألة: هل يشترط للاعتكاف أن يكون في المسجد ؟
أما بالنسبة للرجل فقد قال ابن قدامة ﵀: ولا يصح الاعتكاف في غير مسجد إذا كان المعتكف رجلًا، لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافًا، والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧]؛ فلو صح الاعتكاف في غيرها لم يختص تحريم المباشرة فيها؛ فإن المباشرة محرمة في الاعتكاف مطلقا. اهـ
وقد نقل ابن عبد البر ﵀ الإجماع على ذلك، وكذلك القرطبي ﵀ في
стр. 241
"تفسيره"، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
ولا يصح الإجماع، فقد وجد خلافٌ شاذٌّ لا يُلْتَفتُ إليه كما في "الفتح"، وقد اختلفوا في هذا المسجد:
فذهب بعضهم إلى اختصاص الاعتكاف في المساجد الثلاثة، وهو قول حذيفة ﵁، وخصَّهُ عطاءُ بمسجد مكة والمدينة، وابن المسيب بمسجد المدينة، وذهب الجمهور إلى عمومه في كل مسجد إلا من تلزمه الجمعة، فاستحب له الشافعي في المسجد الجامع، وشرطه مالك؛ لأن الاعتكاف عنده ينقطع بالجمعة.
وذهب الحسن، وحماد، والزُّهريُّ، وهو أحد قولي مالك إلى أنه لا اعتكاف إلا في مسجد تُقام فيه الجمعة.
وذهب أبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور إلى اختصاصه في المساجد التي تقام فيها الصلوات.
وهذا القول هو الراجح؛ لأنه إن اعتكف في مسجد لا تقام فيه الجماعة؛ فإنه إما أن يترك الجماعة ويبقى في المسجد وهذا لا يجوز، وإما أن يخرج كثيرًا، والخروج الكثير ينافي الاعتكاف، وهو مع ذلك يستطيع التحرز منه.
وأما حديث: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» فقد أخرجه الإسماعيلي في "معجمه" (٣٣٦)، والبيهقي (٤/ ٣١٦)، والطحاوي (٤/ ٢٠)، والطبراني (٩٥١١)، والفاكهي (٢/ ١٤٩)، من حديث حذيفة ﵁، وقد اختلف في رفعه ووقفه، والصحيح أنه موقوف على حذيفة ﵁، وعلى فرض صِحَّةِ
стр. 242
رَفْعهِ؛ فقد حمله بعضُ أهل العلم على نفي الأفضلية والكمال.
مسألة: وأما الاعتكاف بالنسبة للمرأة:
ذهب أبو حنيفة، والثوري إلى أن لها أن تعتكف في مسجد بيتها، وهو قولٌ للشافعي قديم.
والصحيح ما ذهب إليه أحمد، والشافعي من أنه لا يصح إلا في المسجد؛ لعموم الآية: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾؛ ولأن أزواج النبي ﷺ اسْتَأذنه في الاعتكاف في المسجد فأذن لهن ثم منعهن؛ ولو لم يكن المسجد شرطًا ما وقع ما ذكر من الإذن والمنع، ولاكتفى لهن بالاعتكاف في مساجد بيوتهن.
انظر: "المغني" (٣/ ٦٧)، "الفتح" (٢٠٢٥)(٢٠٣٣)، "تفسير القرطبي" (٢/ ٣٣٣)، "المجموع" (٦/ ٤١٠) ط: الإرشاد.
تنبيه:
لا يشترط أن تعتكف المرأة في مسجد جماعة، بل يجزئها في كل المساجد؛ لأن الجماعة غير واجبة عليها، وبذلك جزم أحمد، والشافعي. انظر: "المغني" (٣/ ٦٧).
مسألة: أقل الاعتكاف:
فيه قولان:
الأول: لا حدَّ لأقله، وهو قولُ الشافعي، وداود، ورواية عن أحمد، واختاره ابن المنذر، وابن العربي، فيصح أن يعتكف ولو ساعة، وهو رواية عن أبي حنيفة.
стр. 243
الثاني: أن أقل الاعتكاف يوم وليلة، وهو قول مالك، وأبي حنيفة في المشهور عنه.
والراجح القول الأول؛ لأن الاعتكاف في اللغة يقع على القليل والكثير، ولم يَحدَّه الشارع بشيء يخصه، فيبقى على أصله.
انظر: "المجموع" (٦/ ٤٢٠) ط/الإرشاد، "تفسير القرطبي" (٢/ ٣٣٣).
مسألة: هل يصح الاعتكاف في رَحَبة المسجد ؟
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في "الفتح" (٧١٦٥): الرَّحَبَةُ بفتح الراء والحاء المهملة بعدها موحدة، هي: بناءٌ يكون أمام باب المسجد غير منفصل عنه، هذه رحبة المسجد، ووقع فيها الاختلاف، والراجح أن لها حكم المسجد، فيصح فيها الاعتكاف، وكل ما يشترط له المسجد؛ فإن كانت الرحبة منفصلة فليس لها حكم المسجد. اهـ
قلتُ: وقد جزم الشافعي بصحة الاعتكاف فيها، نقله عنه النووي ﵀ في "شرح المهذب" (٦/ ٥٠٧)، وهو ظاهرُ اختيار البخاري في [كتاب الأحكام]، حيث بوَّب فقال: [باب من قضى ولاعن في المسجد]، ثم قال تحت هذا الباب: وكان الحسن، وزُرارة بن أبي أوفى يقضيان في الرَّحبة خارجًا من المسجد.
قال ابن المنير ﵀ كما في "الفتح" (٧١٦٥): لرحبة المسجد حكم المسجد إلا إن كانت منفصلة عنه. انتهى المراد.
وقال العيني ﵀ في "عمدة القاري" (٢٤/ ٢٤٥): وهي الساحة، والمكان المتسع أمام باب المسجد غير منفصل عنها، وحكمها حكم المسجد، فيصح فيها
стр. 244
الاعتكاف في الأصح بخلاف ما إذا كانت منفصلة. اهـ
مسألة: خروج المعتكف لغائط، أو بول ؟
أجمع أهل العلم على أن للمعتكف الخروج للغائط والبول، نقل الإجماع غير واحد كابن المنذر، وابن قدامة وغيرهما.
انظر: "المغني" (٣/ ٦٨)، "سبل السلام" (٤/ ١٨٦)، "الفتح" (٢٠٢٩).
مسألة: الخروج لغير الغائط والبول ؟
قال ابن قدامة ﵀: وفي معناه الحاجة إلى المأكول والمشروب إذا لم يكن له من يأتيه به، فله الخروج إليه إذا احتاج إليه، وإن بغته القيء فله أن يخرج ليتقيأ خارج المسجد، وكل ما لابد له منه ولا يمكن فعله في المسجد فله الخروج إليه، ولا يفسد اعتكافه، وهو عليه ما لم يُطِلْ، وكذلك له الخروج إلى كل ما أوجبه الله تعالى عليه، مثل من يعتكف في مسجدٍ لا جمعةَ فيه فيحتاج إلى خروجه ليصلي الجمعة، فله الخروج إليها، ولا يبطل اعتكافه. اهـ
انظر: "المغني" (٣/ ٦٨).
مسألة: الخروج لعيادة المريض، وتشييع الجنازة ؟
في المسألة حالتان:
إحداهما: إذا لم يشترط ذلك عند دخوله في الاعتكاف، ففيه قولان:
الأول: أنه ليس له الخروج إلى ذلك، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة،
стр. 245
ورواية عن أحمد، وهو قول عطاء، وعروة، ومجاهد، والزهري.
واستدلوا بقول عائشة ﵂: السُّنَّةُ على المعتكف ألَّا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة. أخرجه أبو داود، وقد تقدم بيانه وأنه معلول، ويُغني عنه ما ثبت عنها في "الصحيحين"، أنها كانت تعتكف، فإذا خرجت رجعت بعد قضاء حاجتها حتى كانت تقول: فَأَمُرُّ بالبيت والمريض فيه، فلا أسأل عنه إلا وأنا مَارَّة. (١)
الثاني: أن له الخروج لذلك، وهو قول سعيد بن جُبير، والنَّخعي، والحسن، ورُوي عن علي ﵁ (٢)، وهو رواية عن أحمد، وقال به الثوري.
والراجح: هو القول الأول؛ لأن هذا ليس بواجب، فليس له ترك الاعتكاف من أجله كالمشي مع أخيه في حاجة يقضيها له.
تنبيه:
إن تعينت عليه صلاة الجنازة وأمكنه فعلها في المسجد فليس له الخروج إليها؛ فإنْ لم يمكن ذلك؛ فله الخروج إليها، وإن تعين عليه دفن الميت، أو تغسيله؛ جاز أن يخرج له؛ لأن هذا واجبٌ متعين، فيقدم على الاعتكاف كصلاة الجمعة.
الثانية: إذا اشترط ذلك عند دخوله في الاعتكاف، ففيه قولان:
الأول: أن له الخروج إذا شرط ذلك، وهو قول الشافعي، والثوري، وإسحاق، ورواية عن أحمد رجحها ابن قدامة؛ وذلك لأن الاعتكاف لا يختص بقدر، فإذا
стр. 246
شرط الخروج فكأنه نذر القدر الذي أقامه.
الثاني: أنه لا يصح الشرط، وهو قول مالك، والأوزاعي، وأبي مِجْلز، ورواية عن أحمد.
وقد رجح الشيخ ابن عثيمين ﵀ القول الأول، واستدل له بحديث بضاعة بنت الزبير أنها كانت تريد الحج وهي شاكية، فقال رسول الله ﷺ : «حجي واشترطي أنَّ: محلي حيث حبستني» (١)، قال: فيؤخذ من هذا أن الإنسان إذا دخل في عبادة واشترط شيئًا لا ينافي فلا بأس. اهـ
قلتُ: الذي يظهر والله أعلم أن هذا الشرط ينافي الاعتكاف؛ لأن الاعتكافَ حبسُ النفسِ ولزومها في المسجد، والأمر هنا ليس كذلك، فعلى هذا: فالراجح والله أعلم هو القول الثاني، وبالله التوفيق.
انظر: "المغني" (٣/ ٧٠ - ٧١)، "الفتح" (٢٠٢٩)، "الشرح الممتع" (٦/ ٥٢٣ - ٥٢٥)، "الاستذكار" (١٠/ ٢٨٥).
مسألة: إذا شرط الوطء في اعتكافه، أو البيع للتجارة، أو الكسب بالصناعة ؟
قال ابن قدامة ﵀: لا يجوز؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فاشتراطُ ذلك اشتراطٌ لمعصية الله تعالى،
стр. 247
والصناعة في المسجد مَنْهِيٌّ عنها في غير الاعتكاف، ففي الاعتكاف أولى، وسائر ما ذكرناه يشبه ذلك، ولا حاجة إليه؛ فإنِ احْتاج إليه فلا يعتكف؛ لأن ترك الاعتكاف أولى من فعل المنهي عنه. اهـ
انظر: "المغني" (٣/ ٧٠ - ٧١).
تنبيه:
لو أن شخصًا اعتكف، فباع أو اشترى؛ فإنه يأثم، لكن ليس هناك دليلٌ على إبطال اعتكافه.
مسألة: إذا وطئ في حال اعتكافه ؟
يفسد اعتكافه بإجماع أهل العلم، نقل الإجماعَ غيرُ واحد كابن المنذر، وابن قدامة، والقرطبي، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧].
ونقل ابن المنذر ﵀ الإجماع على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع، وهذا الإجماع لم يصح، كما في "زاد المسير" (١/ ١٩٣) لا بن الجوزي ﵀.
انظر: "الفتح" (٢٠٢٥)، "المغني" (٣/ ٧٢)، "تفسير القرطبي" (٢/ ٣٣٢)، "الاستذكار" (١٠/ ٣١٦).
مسألة: المباشرة للمعتكف ؟
أما إذا كانت لغير شهوة: فالذي عليه أكثر أهل العلم هو الجواز، وقطع به أكثر
стр. 248
الحنابلة، والشافعية، والمالكية؛ لحديث عائشة ﵂ في "الصحيحين" (١)، أنها كانت تُرجِّل النبي ﷺ وهو معتكف.
وأما قول ابن عبد البر ﵀ في "التمهيد" (٧/ ٣٢٨): أجمع العلماء أن المعتكف لا يباشر، ولا يُقبِّل. اهـ
فهو محمول على المباشرة بشهوة؛ فإن كانت المباشرة بشهوة، وتلذذ فقد جزم أكثر الحنابلة بالتحريم، وكذا جزم به الشافعية، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧].
قال الحافظ ابن كثير ﵀: ثم المراد بالمباشرة إنما هو الجماع ودواعيه من تقبيل، ومعانقة، ونحو ذلك، فأما معاطاة الشيء ونحوه فلا بأس به، فقد ثبت في "الصحيحين" (٢) عن عائشة ... ، ثم ذكر حديثها في ترجيلها لرسول الله ﷺ .
انظر: "المغني" (٣/ ٧٣)، "الإنصاف" (٣/ ٣٤٤).
مسألة: فإذا باشر دون الفرج هل يفسد اعتكافه ؟
فيه ثلاثة أقوال:
الأول: أنه يفسد، سواء أنزل أم لم ينزل، وهو قول مالك، والشافعي في أحد أقواله.
الثاني: أنه يفسد إذا أنزل، وإذا لم ينزل لم يفسد، وهو قول أحمد، وأبي حنيفة، ورواية عن الشافعي، ورجحه ابن قدامة.
стр. 249
الثالث: أنه لا يفسد، سواء أنزل أم لم ينزل، وهو قول عطاء، والمزني، وذكره عن الشافعي، وهو احتمال عند بعض الحنابلة.
والراجح والله أعلم هو القول الثاني.
انظر: "المغني" (٣/ ٧٣)، "الإنصاف" (٣/ ٣٤٤)، "تفسير القرطبي" (٢/ ٣٣٢).
مسألة: من وطئ أهله في اعتكافه ناسيًا ؟
قال ابن عبد البر ﵀: كلٌّ على أصله، فمن يقضي بفساد الصوم بالوطء ناسيًا فالاعتكاف كذلك عنده فاسد، ومن لم يفسد الصوم بالوطء ناسيًا لم يفسد بذلك الاعتكاف. اهـ
انظر: "الاستذكار" (١٠/ ٣١٨). وانظر: (مسألة المجامع ناسيًا في أثناء صومه) , وقد تقدمت.
مسألة: إذا خرج من المسجد لغير حاجة ؟
ذهب أحمد، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي إلى أنه يبطل اعتكافه وإن قَلَّ.
وذهب أبو يوسف، ومحمد بن الحسن إلى أنه لا يفسد حتى يكون أكثر من نصف يوم؛ لأن اليسير مَعفُوٌّ عنه؛ بدليل أن النبي ﷺ جاءته صفية وهو معتكف، ثم قام معها ليقلبها (١)، وأُجيب عن ذلك بمنع عدم وجود الحاجة؛ فإنه ﷺ خشي عليها؛ لكونه ليلًا.
والراجح: هو القول الأول، والله أعلم. انظر: "المغني" (٣/ ٦٩ - ٧٠).
стр. 250
مسألة: من اعتكف العشر الأواخر فمن متى يبدأ اعتكافه ؟
في المسألة قولان:
الأول: أنه يعتكف من بعد صلاة الصبح من اليوم الحادي والعشرين، وهو قول الأوزاعي، والليث، والثوري، واستدلوا بحديث عائشة ﵂ الذي في "الصحيحين" (١)، أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر صلى الفجر ثم دخل معتكفه.
الثاني: أنه يبدأ من غروب شمس اليوم العشرين، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وطائفة من أهل العلم؛ لأن العشر تبدأ من غروب الشمس؛ ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ في "الصحيحين" (٢)، أن النبي ﷺ اعتكف العشر الأوسط في رمضان يلتمس ليلة القدر، ثم بانت له أنها في العشر الأواخر، فقال: «من اعتكف معي فليبت في معتكفه».
وهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح شيخنا الإمام مقبل الوادعي ﵀، وأما عن حديث عائشة ﵂ فأولوه بأنه دخل من أول الليل، ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد صلاة الصبح، أو أنها أرادت أنه يدخل مكانه الذي أعده لاعتكافه عقيب صلاة الفجر في سائر أيام العشر، ولا يتأخر في مصلاه كثيرًا، والله أعلم.
انظر: "الفتح" (٢٠٣٣)، "المغني" (٣/ ٨٠ - ٨١).