← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 231

إتحاف الأنام بأحكام ومسائل الصيام

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (327 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

شرط الخروج فكأنه نذر القدر الذي أقامه. الثاني: أنه لا يصح الشرط، وهو قول مالك، والأوزاعي، وأبي مِجْلز، ورواية عن أحمد. وقد رجح الشيخ ابن عثيمين ﵀ القول الأول، واستدل له بحديث بضاعة بنت الزبير أنها كانت تريد الحج وهي شاكية، فقال رسول الله ﷺ : «حجي واشترطي أنَّ: محلي حيث حبستني» (١)، قال: فيؤخذ من هذا أن الإنسان إذا دخل في عبادة واشترط شيئًا لا ينافي فلا بأس. اهـ قلتُ: الذي يظهر والله أعلم أن هذا الشرط ينافي الاعتكاف؛ لأن الاعتكافَ حبسُ النفسِ ولزومها في المسجد، والأمر هنا ليس كذلك، فعلى هذا: فالراجح والله أعلم هو القول الثاني، وبالله التوفيق. انظر: "المغني" (٣/ ٧٠ - ٧١)، "الفتح" (٢٠٢٩)، "الشرح الممتع" (٦/ ٥٢٣ - ٥٢٥)، "الاستذكار" (١٠/ ٢٨٥). مسألة: إذا شرط الوطء في اعتكافه، أو البيع للتجارة، أو الكسب بالصناعة ؟ قال ابن قدامة ﵀: لا يجوز؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فاشتراطُ ذلك اشتراطٌ لمعصية الله تعالى،

стр. 247

والصناعة في المسجد مَنْهِيٌّ عنها في غير الاعتكاف، ففي الاعتكاف أولى، وسائر ما ذكرناه يشبه ذلك، ولا حاجة إليه؛ فإنِ احْتاج إليه فلا يعتكف؛ لأن ترك الاعتكاف أولى من فعل المنهي عنه. اهـ انظر: "المغني" (٣/ ٧٠ - ٧١). تنبيه: لو أن شخصًا اعتكف، فباع أو اشترى؛ فإنه يأثم، لكن ليس هناك دليلٌ على إبطال اعتكافه. مسألة: إذا وطئ في حال اعتكافه ؟ يفسد اعتكافه بإجماع أهل العلم، نقل الإجماعَ غيرُ واحد كابن المنذر، وابن قدامة، والقرطبي، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧]. ونقل ابن المنذر ﵀ الإجماع على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع، وهذا الإجماع لم يصح، كما في "زاد المسير" (١/ ١٩٣) لا بن الجوزي ﵀. انظر: "الفتح" (٢٠٢٥)، "المغني" (٣/ ٧٢)، "تفسير القرطبي" (٢/ ٣٣٢)، "الاستذكار" (١٠/ ٣١٦). مسألة: المباشرة للمعتكف ؟ أما إذا كانت لغير شهوة: فالذي عليه أكثر أهل العلم هو الجواز، وقطع به أكثر

стр. 248

الحنابلة، والشافعية، والمالكية؛ لحديث عائشة ﵂ في "الصحيحين" (١)، أنها كانت تُرجِّل النبي ﷺ وهو معتكف. وأما قول ابن عبد البر ﵀ في "التمهيد" (٧/ ٣٢٨): أجمع العلماء أن المعتكف لا يباشر، ولا يُقبِّل. اهـ فهو محمول على المباشرة بشهوة؛ فإن كانت المباشرة بشهوة، وتلذذ فقد جزم أكثر الحنابلة بالتحريم، وكذا جزم به الشافعية، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧]. قال الحافظ ابن كثير ﵀: ثم المراد بالمباشرة إنما هو الجماع ودواعيه من تقبيل، ومعانقة، ونحو ذلك، فأما معاطاة الشيء ونحوه فلا بأس به، فقد ثبت في "الصحيحين" (٢) عن عائشة ... ، ثم ذكر حديثها في ترجيلها لرسول الله ﷺ . انظر: "المغني" (٣/ ٧٣)، "الإنصاف" (٣/ ٣٤٤). مسألة: فإذا باشر دون الفرج هل يفسد اعتكافه ؟ فيه ثلاثة أقوال: الأول: أنه يفسد، سواء أنزل أم لم ينزل، وهو قول مالك، والشافعي في أحد أقواله. الثاني: أنه يفسد إذا أنزل، وإذا لم ينزل لم يفسد، وهو قول أحمد، وأبي حنيفة، ورواية عن الشافعي، ورجحه ابن قدامة.

стр. 249

الثالث: أنه لا يفسد، سواء أنزل أم لم ينزل، وهو قول عطاء، والمزني، وذكره عن الشافعي، وهو احتمال عند بعض الحنابلة. والراجح والله أعلم هو القول الثاني. انظر: "المغني" (٣/ ٧٣)، "الإنصاف" (٣/ ٣٤٤)، "تفسير القرطبي" (٢/ ٣٣٢). مسألة: من وطئ أهله في اعتكافه ناسيًا ؟ قال ابن عبد البر ﵀: كلٌّ على أصله، فمن يقضي بفساد الصوم بالوطء ناسيًا فالاعتكاف كذلك عنده فاسد، ومن لم يفسد الصوم بالوطء ناسيًا لم يفسد بذلك الاعتكاف. اهـ انظر: "الاستذكار" (١٠/ ٣١٨). وانظر: (مسألة المجامع ناسيًا في أثناء صومه) , وقد تقدمت. مسألة: إذا خرج من المسجد لغير حاجة ؟ ذهب أحمد، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي إلى أنه يبطل اعتكافه وإن قَلَّ. وذهب أبو يوسف، ومحمد بن الحسن إلى أنه لا يفسد حتى يكون أكثر من نصف يوم؛ لأن اليسير مَعفُوٌّ عنه؛ بدليل أن النبي ﷺ جاءته صفية وهو معتكف، ثم قام معها ليقلبها (١)، وأُجيب عن ذلك بمنع عدم وجود الحاجة؛ فإنه ﷺ خشي عليها؛ لكونه ليلًا. والراجح: هو القول الأول، والله أعلم. انظر: "المغني" (٣/ ٦٩ - ٧٠).

стр. 250

مسألة: من اعتكف العشر الأواخر فمن متى يبدأ اعتكافه ؟ في المسألة قولان: الأول: أنه يعتكف من بعد صلاة الصبح من اليوم الحادي والعشرين، وهو قول الأوزاعي، والليث، والثوري، واستدلوا بحديث عائشة ﵂ الذي في "الصحيحين" (١)، أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر صلى الفجر ثم دخل معتكفه. الثاني: أنه يبدأ من غروب شمس اليوم العشرين، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وطائفة من أهل العلم؛ لأن العشر تبدأ من غروب الشمس؛ ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ في "الصحيحين" (٢)، أن النبي ﷺ اعتكف العشر الأوسط في رمضان يلتمس ليلة القدر، ثم بانت له أنها في العشر الأواخر، فقال: «من اعتكف معي فليبت في معتكفه». وهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح شيخنا الإمام مقبل الوادعي ﵀، وأما عن حديث عائشة ﵂ فأولوه بأنه دخل من أول الليل، ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد صلاة الصبح، أو أنها أرادت أنه يدخل مكانه الذي أعده لاعتكافه عقيب صلاة الفجر في سائر أيام العشر، ولا يتأخر في مصلاه كثيرًا، والله أعلم. انظر: "الفتح" (٢٠٣٣)، "المغني" (٣/ ٨٠ - ٨١).

стр. 251

مسألة: هل يبيت ليلة العيد في معتكفه إذا اعتكف العشر الأواخر ؟ استحب أحمد، ومالك ذلك، وقال الشافعي، والأوزاعي: يخرج إذا غابت الشمس؛ لأن العشر تزول بزوال الشهر، والشهر ينقضي بغروب الشمس. وهذا هو الراجح، ولا دليل على الاستحباب، والله أعلم. انظر: "تفسير القرطبي" (٢/ ٣٣٦). مسألة: ماذا يُكْره على المعتكف في اعتكافه ؟ قال الحافظ ﵀ في "الفتح" (٢٠٢٨): والجمهور على أنه لا يكره فيه إلا ما يكره في المسجد يعني في اعتكافه وعن مالك تكره فيه الصنائع، والحرف حتى طلب العلم. اهـ مسألة: النذر بإتيان المساجد الثلاثة للاعتكاف، أو الصلاة ؟ قال شيخ الإسلام ﵀: ولكن لو نذر ذلك هل يجب بالنذر؟ فيه قولان: أحدهما: أنه لا يجب بالنذر إلا إتيان المسجد الحرام خاصة، وهذا أحد قولي الشافعي، وهو مذهب أبي حنيفة وبناه على أصله في أنه لا يجب بالنذر إلا ما كان من جنسه واجبًا بالشرع. والقول الثاني: وهو مذهب مالك، وأحمد وغيرهما أنه يجب إتيان المساجد الثلاثة بالنذر، لكن إن أتى الفاضل أغناه عن إتيان المفضول، فإذا نذر إتيان مسجد المدينة ومسجد إيلياء أغناه إتيان المسجد الحرام، وإن نذر إتيان مسجد إيلياء أغناه إتيان أحد مسجدي الحرمين؛ وذلك أنه قد ثبت في "الصحيح" عن النبي ﷺ أنه قال:

стр. 252

«من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه»، وهذا يعم كل طاعة، سواء كان جنسها واجبًا أو لم يكن، وإتيان الأفضل إجراء للحديث الوارد في ذلك. انتهى من "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص ٤٣٢). قال أبو عبد الله غفر الله له: يعني بالحديث الوارد في ذلك ما أخرجه أبو داود (٣٣٠٥)، وأحمد (٣/ ٣٦٣) من حديث جابر بن عبد الله ﵄، أن رجلًا قام يوم الفتح، فقال: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال: «صَلِّ هاهنا»، فسأله؟ فقال: «صَلِّ هاهنا» فسأله؟ فقال: «فشأنك إذن». وقد صححه شيخنا ﵀ في "الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين" (٤/ ٤٧١)، وبوب على مقتضى الحديث بما أسلفناه في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. مسألة: السفر إلى غيرها من المساجد ؟ قال ابن عبدالهادي ﵀: ولو سافر من بلد إلى بلد مثل أن يسافر إلى دمشق من مصر لأجل مسجدها أو بالعكس، أو يسافر إلى مسجد قُبَاء من بلد بعيد؛ لم يكن هذا مشروعًا باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، ولو نذر ذلك لم يَفِ بنذره باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، إلا خلافًا شاذًّا عن الليث بن سعد في المساجد، وقاله ابن مسلمة من أصحاب مالك في مسجد قباء فقط. اهـ انظر: "الصارم المنكي" (ص:٣٢ - ٣٣).

стр. 253

فَصْل فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ مسألة: سبب تسميتها بليلة القدر ؟ ذكروا أسبابًا كثيرة منها: لأن الله يُقدِّر فيها ما يشاء من أمره إلى مثلها من السنة القابلة، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤]. ومنها: أنها إنما سميت بذلك؛ لعظمها، وقدرها، وشرفها، من قولهم: (لفلانٍ قدرٌ)، أي: شرف، ومنزلة. وقيل: سميت بذلك؛ لأن للطاعات فيها قدرًا عظيمًا، وثوابًا جزيلًا. وهناك أقوال أخرى، انظر: "تفسير الطبري" سورة القدر، "الفتح" (٢٠١٤). مسألة: هل ليلة القدر باقية أم رفعت ؟ الصحيح الذي عليه الأدلة المتكاثرة أنها باقية، وأما ما جاء في "البخاري" (٤٩)، من حديث عبادة بن الصامت ﵁، وفي "مسلم" (١١٦٧) (٢١٧)، من حديث أبي سعيد ﵁، ومن حديث الفلتان بن عاصم ﵁ عند البزار، أن النبي ﷺ خرج يخبرهم بليلة القدر، فرأى رجلين يختصمان فحجز بينهما، وقال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر، فَتَلَاحى فلان وفلان فَرُفِعت»، فالمراد رفع تعيينها، وقد وجد خلاف شاذٌ لا يعبأ به. فقد قال الإمام النووي ﵀: وهذا القول الذي اخترعه هؤلاء الشاذون

стр. 254

غلط ظاهر وغباوة بيِّنة؛ لأن آخر الحديث يرد عليهم؛ لأنه ﷺ قال: «فَرُفِعَت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة» ولو كان المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها. اهـ انظر: "المجموع" (٦/ ٤٠٢) ط/الإرشاد، "الشرح الممتع" (٦/ ٤٩١)، "الفتح" (٢٠٢٣). مسألة: متى ليلة القدر ؟ اختلف في تعيين ليلة القدر على أقوال كثيرة، وأورد الحافظ ﵀ في "الفتح" أكثر من أربعين قولاً. قال الشيخ عبد الله البسَّام ﵀: ويمكن تصنيف هذه الأقوال إلى أربع فئات: الأولى: مرفوضة، كالقول بإنكارها في أصلها، أو القول برفعها. الثانية: ضعيفة، كالقول بأنها ليلة النصف من شعبان، ويدل على ضعف هذا القول قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقوله ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١]، الثالثة: مرجوحة، كالقول بأنها في رمضان في غير العشر الأواخر منه. الرابعة: وهي الراجحة، وهي كونها في العشر الأخيرة من شهر رمضان، وأرجاها أوتارها، وأرجى الأوتار ليلة سبع وعشرين، وأرجى الأوتار جملة السبع الأواخر، وهذا القول هو الذي يجمع بين الأدلة كلها، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «التمسوها في العشر الأواخر» (١)، فشمل الليالي الوتر منها، والشفع.

стр. 255

وقلنا: إن اليالي الوتر أرجى؛ لقوله ﷺ : «التمسوها في الوتر من العشر الأواخر». (١) وقلنا: إن ليلة سبع وعشرين أرجى؛ لحديث معاوية بن أبي سفيان ﵄، عند أبي داود (١٣٨٦) بإسناد صحيح، أن النبي ﷺ قال في ليلة القدر: «هي ليلة سبع وعشرين»، ولكن هذا الحديث الراجح وقفه، رجح ذلك الدارقطني في "العلل" (٧/ ٦٥)، ثم الحافظ في "بلوغ المرام" (٦٨٨)، ثم شيخنا ﵀ في "أحاديث معلة ظاهرها الصحة" (٣٨٨). وقد كان أُبيُّ بن كعب ﵁ يحلف أنها ليلة سبع وعشرين كما في "صحيح مسلم" (٧٦٢)، وجاء عن ابن عباسٍ ﵄ عند أحمد (٢١٤٩)، أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني يشق عليَّ القيام، فمرني بليلة لعل الله يوفقني بليلة القدر، فقال: «عليك بالسابعة». والذي جعلنا لا نعينها في ليلة سبع وعشرين أنه قد ثبت في "الصحيحين" (٢) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أنها وقعت ليلة إحدى وعشرين، وفي "صحيح مسلم" (١١٦٨)، عن عبد الله بن أنيس أنها وقعت في ثلاث وعشرين. أما كون أرجى الليالي جُمْلَة السبع الأخيرة؛ فلحديث عبد الله بن عمر ﵄،

стр. 256

في "الصحيحين" (١)، أن أُنَاسًا من أصحاب النبي ﷺ أُرُوْا ليلة القدر في السبع الأواخر، فقال رسول الله ﷺ : «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان منكم متحريها؛ فليتحرها في السبع الأواخر». وكذلك ما رواه مسلم في "صحيحه" (١١٦٥) (٢٠٩)، عن عبد الله بن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: «التمسوها في العشر الأواخر، فمن ضعف، أو عجز فلا يُغْلبنَّ عن السبع البواقي». قال الحافظ ابن حجر ﵀ -بعد أن ذكر أقوالاً في المسألة-: وأرجحها كلها أنها في الوتر من العشر الأخيرة، وأنها تنتقل كما يفهم من أحاديث الباب، وأَرْجَاها أوتار العشر، وأرجى أوتار العشر عند الشافعية ليلة إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين على ما في حديث أبي سعيد، وعبد الله بن أُنَيْس، وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين، وقد تقدمت أدلة ذلك. اهـ انظر: "الفتح" (٢٠٢٠)، "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢٨٤)، "توضيح الأحكام" (٣/ ٢٤٧). مسألة: هل ينال الإنسان أجر ليلة القدر إذا قامها وإن لم يعلم بها ؟ فيها قولان: الأول: أنه يختص بمن علم بها. قال الحافظ ﵀: وهو قول الأكثر، ويدل له ما وقع عند مسلم (٧٦٠) (١٧٦) من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: «من يقم ليلة القدر فيوافقها».

стр. 257

قال الحافظ: وهو الذي يترجح في نظري، ولا أنكر حصول الثواب الجزيل لمن قام لابتغاء ليلة القدر وإن لم يعلم بها، ولو لم توفق له. الثاني: أنه يناله الأجر الموعود، وإن لم يعلم بها، وهو قول الطبري، والمهلب، وابن العربي، وجماعة، وهو الراجح، ورجح ذلك الإمام ابن عثيمين ﵀، وقال: وأما قول بعض العلماء أنه لا ينال أجرها إلا من شعر بها فقول ضعيف جدًّا؛ لأن النبي ﷺ قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، ولم يقل (عالمًا بها)؛ ولو كان العلم شرطًا في حصول الثواب لَبيَّنه النبي ﷺ .اهـ وأما استدلالهم بقوله ﷺ : «من يقم ليلة القدر فيوافقها»، فمعناه في نفس الأمر، وإن لم يعلم هو ذلك. انظر: "الفتح" (٢٠٢٢)، "السبل" (٤/ ١٩٢)، "الشرح الممتع" (٦/ ٤٩٧). مسألة: علامات ليلة القدر ؟ ١) ليلة سمحاء، لا حارة ولا باردة: جاء ذلك من حديث جابر ﵁، عند ابن خزيمة (٢١٩٠)، وابن حبان (٣٦٨٨) (١)، ومن حديث عُبادة بن الصامت ﵁، عند أحمد (٢)، ومن حديث ابن عباس ﵄، عند ابن خزيمة (٢١٩٢)، والبزار، (٣) والحديث يرتقي إلى

стр. 258

الحسن بمجموع هذه الشواهد. ٢) نزول المطر: جاء ذلك في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في "الصحيحين" (١)، ومن حديث عبد الله بن أُنيس ﵁ في "صحيح مسلم" (١١٦٨). ٣) طلوع الشمس في صبيحة تلك الليلة لا شُعَاع لها: لما أخرجه مسلم (٧٦٢)، عن أُبيِّ بن كعب ﵁، أنه حدث عن رسول الله ﷺ : «أن الشمس تطلع من ذلك اليوم لا شعاع لها»، وله شاهد من حديث ابن مسعود، ومن حديث عُبادة بن الصامت ﵄، وكلاهما عند أحمد. (٢) انظر: "تحقيق المسند" (٢٢٧٦٥) (٣٨٥٧)، "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان" (٨/ ٤٤٤ - ٤٤٥)، "الشرح الممتع" (٦/ ٤٩٨ - ٤٩٩). تمت كتابته بحمد الله ليلة الاثنين الموافق ٨/ شعبان / ١٤٢٣ هـ وتمت مراجعته وتنقيحه والزيادة عليه يوم الاثنين الموافق ٢٩/جمادى الأولى / ١٤٢٤ هـ والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

стр. 259

مَسَائِلُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَحْكَامِ صَدَقَةِ الفِطْرِ مسألة: حكم صدقة الفطر . عن ابن عمر ﵄ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ: عَلَى العَبْدِ، وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ، وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ، وَالكَبِيرِ، مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ، وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد (١٦٠٩) وَابْنُ مَاجَهْ (١٨٢٧)، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. دلَّ هذان الحديثان على وجوب زكاة الفطر. قال ابن المنذر ﵀: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ صدقةَ الفطر فرضٌ. وقال إسحاق: هو كالإجماع من أهل العلم. وقال ابن قدامة: وزعم ابن عبد البر أنَّ بعض المتأخرين من أصحاب مالك، وداود يقولون: هي سنة متأكدة. قلتُ: وزعم ابن حزم أنه أيضًا مذهب مالك، والصواب قول الجمهور. انظر: "المغني" (٤/ ٢٨٢)، "المجموع" (٦/ ١٤٠)، "المحلى" (٧٠٤).

стр. 260

مسألة: على من تجب زكاة الفطر ؟ قال ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٤/ ٢٨٣): زَكَاةُ الْفِطْرِ تَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، مَعَ الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَالذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ، فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَامَّةً، وَتَجِبُ عَلَى الْيَتِيمِ، وَيُخْرِجُ عَنْهُ وَلِيُّهُ مِنْ مَالِهِ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي هَذَا، إلَّا مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ، قَالَ: لَيْسَ فِي مَالِ الصَّغِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ صَدَقَةٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ: صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ صَامَ مِنْ الْأَحْرَارِ، وَعَلَى الرَّقِيقِ. اهـ ثم استدل ابن قدامة ﵀ بحديث ابن عمر المتقدم على وجوبها في مال اليتيم، وهو الصحيح. مسألة: هل تجب زكاة الفطر على الكافر ؟ قال ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٤/ ٢٨٣): وَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا فِي الْحُرِّ الْبَالِغِ، وَقَالَ إمَامُنَا، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَيْضًا، وَلَا عَلَى الصَّغِيرِ. وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، أَنَّ عَلَى السَّيِّدِ الْمُسْلِمِ أَنْ يُخْرِجَ الْفِطْرَةَ عَنْ عَبْدِهِ الذِّمِّيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُخْرِجُ عَنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ إذَا ارْتَدَّ. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «صَدَقَةُ الفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، ذَكَرٍ وَأُنْثَى، يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ، حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، أو صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعير».اهـ

стр. 261

قلتُ: الحديث أخرجه الدارقطني (٢/ ١٥٠) عن ابن عباس ﵄، وفيه: سلام الطويل، قال الدارقطني: متروك، ولم يسنده غيره. قال ابن قدامة ﵀: وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «مِنْ الْمُسْلِمِينَ».اهـ ثم ذكر حديث ابن عباس المتقدم. قلتُ: وزيادة: «من المسلمين» زيادة صحيحة متفق عليها، والراجح في المسألة هو قول الجمهور، والله أعلم. وانظر: "المجموع" (٦/ ١٤٠). مسألة: هل تجب على العبد المسلم زكاة الفطر ؟ قال النووي ﵀ في "المجموع" (٦/ ١٤٠): تجب فطرة العبد على سيده، وبه قال جميع العلماء إلا داود فأوجبها على العبد، قال: ويلزم السيد تمكينه من الكسب لأدائها؛ لحديث ابن عمر: «عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ»، وقال الجمهور: «على» بمعنى (عن). اهـ قلتُ: واستدل الجمهور على وجوبها على السيد بحديث أبي هريرة ﵁ في مسلم (٩٨٢) أن النبي ﷺ قال: «ليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر». وقول الجمهور هو الصواب، وهو ترجيح ابن حزم. انظر: "المحلى" (٧٠٥).

стр. 262

مسألة: إذا كان العبد مسلمًا وسيده كافرًا ؟ حُكيَ عن أحمد أنَّ على الكافر إخراج صدقة الفطر عنه، واختاره بعض الحنابلة، وهو وجهٌ عند الشافعية. وذهب أكثر أهل العلم إلى عدم الوجوب، حتى قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنْ لا صدقة على الذِّمِّي في عبده المسلم؛ لقوله ﷺ : «مِنَ المُسْلِمِينَ». وهذا هو الصواب، والله أعلم. انظر: "المغني" (٤/ ٢٨٤)، "المجموع" (٦/ ١٤٠). مسألة: هل يجب على السيد الفطرة على عبيد التجارة ؟ ذهب أكثر أهل العلم إلى أن عليه أن يُخرِجَ عنهم زكاة الفطر؛ لعموم الحديث، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق. وذهب أبو حنيفة، والثوري إلى أنه ليس فيهم زكاة، وهو قول عطاء، والنخعي. والصواب القول الأول. انظر: "المغني" (٤/ ٣٠٣)، "المجموع" (٦/ ١٤٠). مسألة: إذا كان العبد غائبًا فهل على السيد زكاة ؟ قال الإمام ابن المنذر ﵀ كما في "المغني" (٤/ ٣٠٤): أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْ الرَّقِيقِ، غَائِبِهِمْ وَحَاضِرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُمْ، فَوَجَبَتْ فِطْرَتُهُمْ عَلَيْهِ كَالْحَاضِرِينَ. وَمِمَّنْ أَوْجَبَ فِطْرَةَ الْآبِقِ: الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَوْجَبَهَا الزُّهْرِيُّ إذَا عُلِمَ مَكَانُهُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ إنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ،

стр. 263

وَمَالِكٌ إنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ قَرِيبَةً، وَلَمْ يُوجِبْهَا عَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، فَلَا تَجِبُ فِطْرَتُهُ كَالْمَرْأَةِ النَّاشِزِ. اهـ قال ابن قدامة ﵀: وَلَنَا أَنَّهُ مَالٌ لَهُ، فَوَجَبَتْ زَكَاتُهُ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ، كَمَالِ التِّجَارَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى يَدِهِ كَزَكَاةِ الدَّيْنِ وَالمَغْصُوبِ. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: عليه أن يُخْرِجَ عنه زكاة الفطر؛ إلا إنْ يئس من رجوعه، والله أعلم. مسألة: إذا كان العبد، أو العبيد في ملك أكثر من سيد ؟ قال النووي ﵀ في "المجموع" (٦/ ١٤١): لو كان بينهما عبدٌ، أو عبيد كثيرون مشتركون مناصفة؛ وجب عن كل عبد صاع يلزم كل واحد من الشريكين نصفه، هذا مذهبنا، وبه قال مالكٌ، وعبد الملك الماجشون، وإسحاق، وأبو ثور، ومحمد بن الحسن، وابن المنذر، وقال الحسن البصري، وعكرمة، والثوري، وأبو حنيفة، وأبو يوسف: لا شيء على واحد منهما؛ لأنه ليس عليه لأحد منهما ولاية تامة، وعن أحمد روايتان (إحداهما) كمذهبنا، (والثانية) على كل واحد صاع عن نصيبه من كل عبد. اهـ قلتُ: الراجح ما ذهب إليه الأكثر من أنهم يشتركون في الزكاة كُلًّا بقدر نصيبه، وأحمد قد قيل إنه رجع عن الرواية الثانية. انظر: "المغني" (٤/ ٣١٢).

стр. 264

مسألة: إذا كان الرجل نصفه عبدٌ ونصفه حرٌّ ؟ قال النووي ﵀ في "المجموع" (٦/ ١٤١): مذهبنا وجوب صاع، عليه نصفُه، وعلى مالك نصفِه نصفُه، وقال أبو حنيفة: عليه نصف صاع، ولا شيء على سيده. وقال مالك: على سيده نصف صاعٍ، ولا شيء على العبد. وقال أبو يوسف، ومحمد: عليه صاعٌ، ولا شيء على سيده. وقال عبد الملك الماجشون: على سيده صاعٌ، ولا شيء على العبد. اهـ قلتُ: ومذهب الحنابلة كمذهب الشافعية وهو الصحيح؛ لأنه ليس بعبدٍ كاملٍ، ولا حُرٍّ كامل؛ فتجب عليهما؛ لدخولهما تحت قوله: «ذكر أو أنثى، صغير أو كبير»، ومذهب الظاهرية كمذهب أبي يوسف، ومحمد. انظر: "المغني" (٤/ ٣٠٣)، "المحلى" (٧٠٧). مسألة: هل فطرة المتزوجة على زوجها، أم على نفسها ؟ ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ الفطرة على زوجها، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، واستدلوا بحديث ابن عمر الذي تقدم في الباب، وقالوا: «على» بمعنى (عن) بدليل أنَّ العبد والطفل الذي لا يملك يُخْرِج عنهما السيد والوالد، ولأنه تجب عليه النفقة؛ فوجبت عليه أيضًا الفطرة. وذهب أبو حنيفة، والثوري، وابن المنذر إلى أنه لا تجب عليه فطرة امرأته، بل فطرتها على نفسها، وهو قول الظاهرية، واستدلوا بقوله: «على كل ذكر وأنثى». قلتُ: قول الجمهور قريب، واختاره شيخ الإسلام ﵀، وقد رجَّح الإمام

стр. 265

ابن عثيمين ﵀ القول الثاني. انظر: "المغني" (٤/ ٣٠٢)، "المجموع" (٦/ ١١٨)، "المحلى" (٧٠٩)، "الشرح الممتع" (٦/ ١٥٥)، "مجموع الفتاوى" (٢٣/ ٣١١). مسألة: من تبرع بمؤنة إنسان، فهل تلزمه فطرته ؟ ذهب أحمد إلى أنه تلزمه فطرته، واختاره كثير من أصحابه. قال ابن قدامة ﵀: واختار أبو الخطاب أنه لا تلزمه فطرته؛ لأنه لا تلزمه مؤنته، فلم تلزمه فطرته، وهذا قول أكثر أهل العلم، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، وكلام أحمد في هذا محمول على الاستحباب، لا على الإيجاب ... انتهى المراد. قلتُ: الصواب قول الجمهور، والله أعلم. انظر: "المغني" (٤/ ٣٠٦). مسألة: ما ضابط اليسار الذي تجب به زكاة الفطر ؟ قال ابن المنذر ﵀: أجمعوا على أنَّ من لا شيء له؛ فلا فطرة عليه. قلتُ: واختلفوا في ضابط اليسار الذي تجب به زكاة الفطر على قولين: الأول: أن يملك فاضلًا عن قوته وقوت من يلزمه نفقته ليلة العيد ويومه، وهو قول عطاء، والشعبي، وابن سيرين، وأبي العالية، والزهري، ومالك، والشافعي، وابن المبارك، وأحمد، وأبي ثور. الثاني: أن يملك نصابًا من الذهب، والفضة، أو ما يعادلهما زائدًا عن مسكنه، وأثاثه الذي لابد له منه، وهو قول أبي حنيفة. قال العبدري: ولا يُحفظ هذا عن

стр. 266

أحد غير أبي حنيفة. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب القول الأول؛ لحديث: «وابدأ بمن تعول» متفق عليه عن أبي هريرة، وحكيم بن حزام ﵄، وحديث: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت» أخرجه أحمد (٦٤٩٥) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وهو حديث صحيح. انظر: "المغني" (٤/ ٣٠٧)، "المجموع" (٦/ ١١٣). مسألة: هل تجب زكاة الفطر عن الجنين ؟ قال ابن قدامة ﵀: الْمَذْهَبُ أَنَّ الْفِطْرَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الْجنِينِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ لَا يُوجِبُونَ عَلَى الرَّجُلِ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ الْجنِينِ فِي بَطْنِ أُمَّهُ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ، تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ وَبِهِ وَيَرِثُ؛ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْأَخْبَارِ. اهـ قلتُ: وهذه الرواية عن أحمد بالوجوب قال بها ابن حزم الظاهري؛ لأنه يدخل في قوله: «كل صغير»، والذي يظهر -والله أعلم- أنَّ الجنين لا يدخل في ذلك؛ لأنه لم يتحقق خروجه حيًّا بعدُ، فكيف يوجب عليه، ولأنه لم تثبت له أحكام الدنيا إلا في الإرث والوصية بشرط أن يخرج حيًّا، والله أعلم. انظر: "المحلى" (٧٠٤). مسألة: المكاتب هل يُخْرِج عن نفسه، أم يُخْرِج عنه السيد ؟ فيها أقوال:

стр. 267

الأول: أنه يُخْرِج عن نفسه، وهو مذهب أحمد، وهو قول الحسن. الثاني: أنها تجب على سيده، وهو قول عطاء، وميمون بن مهران، ومالك، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لأنَّ المكاتب ما زال عبدًا حتى يتخلص من الكتابة. الثالث: لا تجب على المكاتب ولا على السيد، وهو قول الشافعية في الأصح عندهم، وهو قول أصحاب الرأي. قلتُ: والقول الثاني هو الصحيح، وهو اختيار ابن حزم ﵀، ويدل عليه حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «المكاتب عبدٌ ما بقي عليه من مكاتبته درهم»، أخرجه أبو داود (٣٩٢٦)، وهو حديث حسن. انظر: "المغني" (٤/ ٣١١)، "المجموع" (٦/ ١٤١)، "المحلى" (٧٠٧). مسألة: ما هي الأصناف التي يخرج منها زكاة الفطر ؟ عن ابن عمر ﵄ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ: عَلَى العَبْدِ، وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ، وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ، وَالكَبِيرِ، مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: «كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ»، فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ، قَالَ: «أُرَى مُدًّا مِنْ هَذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وفي هذه المسألة أقوال:

стр. 268

القول الأول: التمر، والزبيب، وكل ما يُقتات ويدخر من الحبوب، بشرط أن يكون من قوت البلد، وهو مذهب الشافعية، والمالكية، وقال بهذا القول بعض الحنابلة دون اشتراط، وعند الشافعية قول بشرطية أن يكون قوت نفسه لا قوت البلد. القول الثاني: التمر، والزبيب، والبر، والشعير، والأَقِط، وهذا هو ظاهر مذهب الحنابلة، وعند أكثرهم لا يجوز العدول عن هذه الأصناف مع القدرة عليها، سواء كان المعدول إليه قوت البلد أو لم يكن. القول الثالث: أنه يتخير بين البر والدقيق، والسويق، والزبيب، والتمر، والشعير، والقيمة بالمال، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه. القول الرابع: أنه لا يجزئ إلا الشعير، والتمر، وهو قول ابن حزم الظاهري، واستدل بحديث ابن عمر الذي تقدم، وأما حديث أبي سعيد فأجاب عنه بأنه مضطربٌ وموقوفٌ. قلتُ: والراجح من هذه الأقوال هو القول الأول؛ لحديث أبي سعيد: «صاعًا من طعامٍ»، وهذا القول نصره شيخ الإسلام، وعزاه للجمهور. قال شيخ الإسلام ﵀ -بعد أن عزا هذا القول لأكثر العلماء-: وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الصَّدَقَاتِ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى وَجْهِ الْمُسَاوَاةِ لِلْفُقَرَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة:٨٩]، وَالنَّبِيُّ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ قُوتَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا

стр. 269

لَيْسَ قُوتَهُمْ، بَلْ يَقْتَاتُونَ غَيْرَهُ؛ لَمْ يُكَلِّفْهُمْ أَنْ يُخْرِجُوا مِمَّا لَا يَقْتَاتُونَهُ، كَمَا لَمْ يَأْمُرْ اللهُ بِذَلِكَ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ مِنْ جِنْسِ الْكَفَّارَاتِ هَذِهِ مُعَلَّقَةٌ بِالْبَدَنِ، وَهَذِهِ مُعَلَّقَةٌ بِالْبَدَنِ، بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْمَالِ؛ فَإِنَّهَا تَجِبُ بِسَبَبِ الْمَالِ مِنْ جِنْسِ مَا أَعْطَاهُ اللهُ. اهـ قلتُ: وإذا أخرج مما ذكر في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ المذكور قريبًا، ولم يكن من قوت البلد؛ فلا نتجاسر على الحكم بعدم صحة صدقته، ولكنا نأمره بأن يخرج من قوت بلده. انظر: "المغني" (٤/ ٢٩٢)، "المجموع" (٦/ ١٣٠)، "المحلى" (٧٠٤)، "شرح النسائي" (٢٢/ ٢٩٦). مسألة: هل يجزئ الأقط (اللبن المجفف) ؟ دلَّ حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الذي تقدم أنه يجزئ، وهو رواية عن أحمد أخذ بها جماعة من أصحابه، وقال بذلك بعض الشافعية. والرواية الثانية عن أحمد أنَّ الأَقِط لا يجزئ إذا كان قادرًا على غيره من الأصناف الأخرى، وكذلك يجزئ أهل البادية إذا كان قوتهم. وذهب مالك، والشافعي في أحد قوليه إلى أنه يجزئ إذا كان من غالب القوت، والقول الثاني عن الشافعي أنه لا يجزئ. وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ الأقط تعتبر فيه القيمة، ولا يجزئ أن يأخذه أقطًا. قال أبو عبد الله غفر الله له: الأقط يجزئ مطلقًا؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁،

стр. 270

والله أعلم. انظر: "المغني" (٤/ ٢٨٩)، "المجموع" (٦/ ١٣٠)، "شرح النسائي" (٢٢/ ٣٠٧). مسألة: هل يجزئ الدقيق في صدقة الفطر ؟ ذهب أحمد، وأصحاب الرأي إلى أنه يجزئ، واستدلوا بزيادة في حديث أبي سعيد: «أو صاعًا من دقيق»، أخرجها النسائي، ولأنَّ الدقيق أجزاء الحب بحتًا يمكن كيله وادِّخاره؛ فجاز إخراجه. وذهب مالك، والشافعي إلى أنه لا يجزئ؛ لأنه لم يذكر في حديث أبي سعيد. والصواب -والله أعلم- هو القول الأول؛ للمعنى الذي ذكروه، وأما زيادة: «أو صاعًا من دقيق» عند النسائي؛ فهي زيادة شاذَّة، والوهم فيها من ابن عيينة كما بين ذلك أبو داود في سننه، ولكنه يُخرج بالوزن لا بالكيل؛ لأنَّ الدقيق يريع إذا طحن. قاله شيخ الإسلام ﵀. انظر: "المغني" (٤/ ٢٩٤)، "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٦٩)، "شرح النسائي" (٢٢/ ٣٠٢). مسألة: هل تجزئ القيمة بالدراهم ؟ ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجزئ إخراج القيمة في زكاة الفطر، وهو مذهب أحمد، ومالك، والشافعي، والظاهرية، وقال الثوري، وأبو حنيفة: يجوز. ورُوي عن الحسن، وعمر بن عبد العزيز. والصواب ما ذهب إليه الجمهور؛ لحديث ابن عمر، وأبي سعيد اللَّذَيْنِ تقدما في أول الباب، وقد استدل المخالف بأثر معاذ بن جبل ﵁ أنه قال لأهل اليمن:

стр. 271

ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير؛ فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة. أخرجه يحيى بن آدم في "الخراج" (٥٢٥)، من طريق طاوس، عن معاذ ﵁، وهو منقطع؛ فإن طاوسًا لم يلق معاذًا ﵁. انظر: "المغني" (٤/ ٢٩٦)، "المجموع" (٦/ ١٤٤)، "المحلى" (٧٠٤). مسألة: ما هو القدر الذي يجب إخراجه في صدقة الفطر ؟ ذكر أهل العلم أنه يخرج صاعًا للأحاديث المتقدمة؛ إلا أنهم اختلفوا في البر، فقال طائفة من أهل العلم: يخرج نصف صاع، وألحق أبو حنيفة الزبيب بالبر، فقال: يجب فيه نصف صاع أيضًا. وفي رواية عنه: يجب فيه صاع. والقائلون بأنَّ البر فيه نصف صاع فقط، هم: سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، وسالم، وغيرهم، وهو مذهب أهل الكوفة، والأوزاعي، والليث، والثوري. ونقل هذا القول عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وجابر، وابن عباس، وابن الزبير، وأبي هريرة، ومعاوية، وأسماء ﵃. وقد رُوي في هذا القول أحاديث: منها: حديث أسماء بنت أبي بكر عند أحمد (٦/ ٣٤٦ - )، والطحاوي (٢/ ٤٣)، قالت: كُنَّا نؤدي زكاة الفطر على عهد رسول الله ﷺ مُدَّيْن من قمح. وله إسنادان: إسناد فيه ابن لهيعة، والراوي عنه ابن المبارك، وإسناد آخر فيه يحيى

стр. 272

بن أيوب الغافقي. ثم وجدت له إسنادًا ثالثًا عند الطحاوي (٢/ ٤٣) من طريق محمد بن عُزَيز، حدثنا سلامة، وهو ابن روح الأيلي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء به. وهذه متابعة ليحيى بن أيوب؛ لأنه رواه عن هشام كذلك. ثم رأيت وكيع بن الجراح قد خالفهم جميعًا، وهو ثقة حافظ؛ فرواه عن هشام ابن عروة، عن فاطمة عن أسماء موقوفًا عليها. أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١٧٢)، وتابعه محاضر بن المورع عند ابن زنجويه (٢٣٧٨). قلتُ: رواية وكيع أرجح، والراجح في الحديث الوقف على أسماء ﵂. ومنها: حديث ثعلبة بن أبي صُعير عن أبيه، وفيه: «صاع من قمح بين كل اثنين» أخرجه أبو داود برقم (١٦١٩)، والرَّاجح أنه مرسل من مراسيل الزهري، رجَّح ذلك أحمد كما في المغني (٤/ ٢٨٧)، ورجح الدارقطني أنه من رواية الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلًا كما في "العلل" (١١٩٥). ومنها: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أخرجه الترمذي (٦٧٤)، والدارقطني (٢/ ١٤٢)، وهو من طريق: ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، قال البخاري: لم يسمع منه. وقد رواه عبد الرزاق كما في "نصب الراية" (٢/ ٤٢١) عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، قال: بلغني أنَّ النبي ﷺ ، وهذا معضلٌ. ومنها: حديث ابن عباس عند أبي داود (١٦٢٢)، والنسائي (٣/ ١٩٠)، وهو من طريق: الحسن عنه، ولم يسمع منه.

стр. 273

وأخرج الطحاوي (٢/ ٤٦) بأسانيده عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبدالرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، والقاسم، وسالم، أنَّ النبي ﷺ أمر في صدقة الفطر بِمُدَّيْنِ من حنطة. وفي أحد أسانيده أبو زرعة وهب الله بن راشد، وفي الإسناد الآخر: يحيى بن أيوب، وله أوهام، وفي الإسناد الثالث ابن لهيعة. وأما القائلون بهذا من الصحابة المتقدمين فبعضها لا يثبت. فأثر أبي بكر ﵁ منقطع؛ فإنه من طريق سعيد بن المسيب عنه. ولم يدركه. وله طريق أخرى عند الطحاوي (٢/ ٤٦) من طريق أبي قلابة، قال: أخبرني من دفع إلى أبي بكر الصديق ﵁ صاع بر بين اثنين. وهو ضعيف؛ في إسناده رجل مبهم. وقد خالف أبو سعيد الخدري كما في البخاري (١٥٠٨)، ومسلم (٩٨٥)، فقال: فلم نزل نخرجه -يعني: صاعًا- حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان ﵁ حاجا، أو معتمرا فكلم الناس على المنبر، فكان فيما كلم به الناس أن قال: «إني أرى أن مدين من سمراء الشام، تعدل صاعا من تمر» فأخذ الناس بذلك قال أبو سعيد: «فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه، أبدا ما عشت». وهذا النقل من أبي سعيد يقتضي أن أبا بكر ﵁، والخلفاء بعده كانوا يأخذون منه كغيره صاعًا، والله أعلم. وأثر عمر ﵁، له عند الطحاوي طريقان: أحدهما: فيه حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف مدلس، وفيه عبد الله بن نافع

стр. 274

العدوي، وهو متروك. والثاني: من طريق ثعلبة بن أبي صُعير، عن عمر، وهي طريق ضعيفة مضطربة. وما تقدم من نقل أبي سعيد الخدري ﵁، عن عمر ﵁ أصح وأثبت. وأما أثر عثمان ﵁؛ فقد أخرجه الطحاوي (٢/ ٤٦) من طريق حماد بن زيد، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، قال: خطبنا عثمان بن عفان فقال في خطبته: «أدوا زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، عن كل صغير وكبير، حر ومملوك، ذكر وأنثى». وهذا إسنادٌ ظاهره الصحة، ولكن له علة قادحة فيه: فقد أخرج الأثر ابن أبي شيبة (٣/ ١٧٠) من طريق عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عثمان ﵁ .. فذكره، بدون ذكر: أبي الأشعث. وأخرجه ابن زنجويه (١٩٣٩) من طريق ابن المبارك، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عثمان ﵁، به. قلتُ: فابن المبارك والثقفي رويا الحديث؛ فجعلاه بدون ذكر أبي الأشعث، وعليه فهو منقطع؛ لأن أبا قلابة لم يدرك عثمان ﵁. وأما أثر علي ﵁؛ فقد أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وفي إسناده عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وهو ضعيف.

стр. 275

وأما أثر ابن مسعود ﵁؛ فقد أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وهو من طريق عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو متروك. وأما أثر ابن عباس؛ فقد أخرجه ابن أبي شيبة، وفي إسناده حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، ومدلس، وقد ثبت عن ابن عباس بالإسناد الصحيح القول بأن فيه صاعًا كما سيأتي إن شاء الله. وأما أثر جابر بن عبد الله ﵄؛ فقد أخرجه عبد الرزاق بإسناد حسن. وأما أثر ابن الزبير ﵄ فقد أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة بإسناد صحيح. وأما أثر أبي هريرة ﵁؛ فقد أخرجه عبد الرزاق، وإسناده صحيح. وأما أثر معاوية، وأسماء ﵄؛ فهو ثابت عنهم كما تقدم. وأما القائلون بأنَّ البر يجب فيه صاع، فهم: مالك، والشافعي، وأحمد، وأكثر المتأخرين، وصحَّ عن أبي سعيد الخدري ﵁ إنكار القول بنصف صاع، وثبت عن ابن عباس بإسناد حسن عند النسائي في "الكبرى" (٢٣٠٠) أنه قال: صاع من بر، أو صاع من تمر، أو صاع من شعير، أو صاع من سلت. واستدلوا بحديث: «صاع من طعام»، وبالقياس على الأصناف الأخرى. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح في المسألة أنه يجب فيه صاع؛ لعدم ثبوت الأحاديث المرفوعة في الأمر بنصف صاع، ولعدم ثبوت ذلك عن الخلفاء

стр. 276

الراشدين ﵃. وقد اختلف الصحابة في المسألة، وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ المتقدم الذي في الصحيحين يدل على أن الخلفاء الراشدين كانوا يأخذون في زكاة الفطر في البر صاعًا كاملًا، وهذا هو الذي تبين لي في المسألة بعد أن كنا نقول بنصف صاع؛ اعتمادًا على الأحاديث المتقدمة، فلما تبين لنا ضعفها رجعنا إلى القول بوجوب الصاع، والله أعلم بالصواب. انظر: "المغني" (٤/ ٢٨٥)، "المجموع" (٦/ ١٤٢)، "المحلى" (٧٠٤)، "شرح معاني الآثار" (٤/ ٢٨٥)، "تمام المنة" (ص ٣٨٦)، "نصب الراية" (٢/ ٤١٧)، "مصنف عبد الرزاق" (٣/ ٣١١)، "ابن أبي شيبة" (٣/ ١٧٠). مسألة: إذا زاد الإنسان عن القدر الواجب، ونواه نافلة ؟ سئل شيخ الإسلام ﵀ عن ذلك كما في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٧٠) فقال: يَجُوزُ بِلَا كَرَاهِيَةٍ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، كَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا، وَإِنَّمَا تُنْقَلُ كَرَاهِيَتُهُ عَنْ مَالِكٌ، وَأَمَّا النَّقْصُ عَنْ الْوَاجِبِ فَلَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. اهـ قلت: ويجب عليه أن ينوي بالزيادة نافلة، ولا ينويها من الفرض، وبالله التوفيق. مسألة: كم يساوي الصاع بالكيلو جرام ؟ قال الإمام النووي ﵀ في "روضة الطالبين" (٢/ ٣٠١): الْوَاجِبُ فِي الْفِطْرَةِ صَاعٌ مِنْ أَيِّ جِنْسٍ أَخْرَجَهُ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ

стр. 277

بِالْبَغْدَادِيِّ، وَهِيَ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ وَثَلَاثَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا وَثُلُثُ دِرْهَمٍ. قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ -يَعْنِي بِهِ الرَّافِعِيَّ- عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ: رِطْلُ بَغْدَادَ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَهُوَ الْأَرْجَحُ، وَبِهِ الْفَتْوَى. فَعَلَى هَذَا الصَّاعُ: سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ وَخَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ: الْأَصْلُ فِيهِ الْكَيْلُ، وَإِنَّمَا قَدَّرَهُ الْعُلَمَاءُ بِالْوَزْنِ اسْتِظْهَارًا. قُلْتُ: قَدْ يَسْتَشْكِلُ ضَبْطُ الصَّاعِ بِالْأَرْطَالِ، فَإِنَّ الصَّاعَ الْمُخْرَجَ بِهِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ، وَيَخْتَلِفُ قَدْرُهُ وَزْنًا بِاخْتِلَافِ جِنْسِ مَا يَخْرُجُ، كَالذُّرَةِ وَالْحِمَّصِ وَغَيْرِهِمَا، وَفِيهِ كَلَامٌ طَوِيلٌ، وَمُخْتَصَرِهُ: أَنَّ الصَّوَابَ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَبُو الْفَرَجِ الدَّارِمِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا، أَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْكَيْلِ، دُونَ الْوَزْنِ، وَأَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يُخْرَجَ بِصَاعٍ مُعَايَرٍ بِالصَّاعِ الَّذِي كَانَ يُخْرَجُ بِهِ فِي عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَلِكَ الصَّاعُ مَوْجُودٌ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْهُ، وَجَبَ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ قَدْرٍ يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ عَنْهُ. وَعَلَى هَذَا، فَالتَّقْدِيرُ بِخَمْسَةِ أَرْطَالٍ وَثُلُثٍ تَقْرِيبًا. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: الصَّاعُ: أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ بِكَفَّيْ رَجُلٍ مُعْتَدِلِ الْكَفَّيْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ قال الإمام ابن قدامة ﵀ في "المغني" (المسألة/٦٠): قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ أَعْلَمُهُ فِي أَنَّ الْفَرَقَ ثَلَاثَةُ آصُعٍ، وَالْفَرَقُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا، فَثَبَتَ أَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ.

стр. 278

وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ الصَّاعِ؟ فَقَالُوا: خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلْثٌ. فَطَالَبَهُمْ بِالْحُجَّةِ فَقَالُوا: غَدًا. فَجَاءَ مِنْ الْغَدِ سَبْعُونَ شَيْخًا، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ آخِذٌ صَاعًا تَحْتَ رِدَائِهِ، فَقَالَ: صَاعِي وَرِثْته عَنْ أَبِي، وَوَرِثَهُ أَبِي عَنْ جَدِّي، حَتَّى انْتَهَوْا بِهِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ . فَرَجَعَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ قَوْلِهِ. وَهَذَا إسْنَادٌ مُتَوَاتِرٌ يُفِيدُ الْقَطْعَ. اهـ والقصة المذكورة رواها البيهقي في "الكبرى" (٧٧٢٠) بإسناد صحيح. قال الإمام ابن قدامة ﵀ في "المغني" (المسألة/٤٤١): وَالْمَكِيلَاتُ تَخْتَلِفُ فِي الْوَزْنِ، فَمِنْهَا الثَّقِيلُ، كَالْحِنْطَةِ وَالْعَدَسِ. وَمِنْهَا الْخَفِيفُ، كَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ، وَمِنْهَا الْمُتَوَسِّطِ. وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ مِنْ الْحِنْطَةِ وَرَوَى جَمَاعَةٌ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: الصَّاعُ وَزَنْتُهُ فَوَجَدْته خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثَيْ رِطْلٍ حِنْطَةً. وَقَالَ حَنْبَلٌ قَالَ: أَحْمَدُ أَخَذْت الصَّاعَ مِنْ أَبِي النَّضْرِ، وَقَالَ أَبُو النَّضِرِ: أَخَذْته مِنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ. وَقَالَ: هَذَا صَاعُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي يُعْرَفُ بِالْمَدِينَةِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، فَأَخَذْنَا الْعَدَسَ، فَعَيَّرْنَا بِهِ، وَهُوَ أَصْلَحُ مَا يُكَالُ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَجَافَى عَنْ مَوَاضِعِهِ، فَكِلْنَا بِهِ وَوَزَنَّاهُ، فَإِذَا هُوَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ. وَهَذَا أَصَحُّ مَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ، وَمَا بُيِّنَ لَنَا مِنْ صَاعِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ عَلَى أَنَّ مُدَّ النَّبِيِّ ﷺ رِطْلٌ وَثُلُثٌ قَمْحًا مِنْ أَوْسَطِ الْقَمْحِ، فَمَتَى بَلَغَ الْقَمْحُ أَلْفًا وَسِتَّمِائَةِ رِطْلٍ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ.

стр. 279

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ قَدَّرُوا الصَّاعَ بِالثَّقِيلِ، فَأَمَّا الْخَفِيفُ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ، إذَا قَارَبَ هَذَا وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ. وَمَتَى شَكَّ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِكْيَالٌ يُقَدِّرُ بِهِ، فَالِاحْتِيَاطُ الْإِخْرَاجُ، وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ فَلَا حَرَجَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَلَا تَجِبُ بِالشَّكِّ. قال الإمام ابن باز ﵀ كما في "فتاوى نور على الدرب" (١٥/ ٢٧٨) الصاع النبوي أربع حفنات باليدين المعتدلتين، الحاصل أنه بالحفنات أضبط، حفنات باليدين المعتدلتين المملوءتين، هذا صاع النبي ﵊، وهو بالرطل خمسة أرطال وثلث، بالرطل العراقي، والرطل تسعون مثقالاً، والرطل والثلث يعني مائة وعشرين مثقالاً، فالمعنى أنه أربعمائة وثمانون مثقالاً، الصاع النبوي، لكن باليدين أضبط من الوزن، كونه باليدين المعتدلتين المملوءتين كما بيّن أهل اللغة. قال الإمام العثيمين ﵀ كما في "مجموع فتاواه" (١٨/ ٢٧٤) إن مقدار الفطرة صاع بالصاع النبوي الذي يساوي وزنه بالمثاقيل أربعمائة وثمانين مثقالاً من البر الجيد، ووزن المثقال أربعة غرامات وربع، وبذلك يكون وزن الفطرة ألفي غرام وأربعين غراماً، وقد قيس الأرز فوجد أنه يساوي ألفي غرام ومائة غرام. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: العبرة بالصاع النبوي، وهو يساوي أربعة أمداد بكفي الرجل المعتدل الخِلْقَة. وأما تقديره بالوزن؛ فلا ينضبطُ لكل الأطعمة وزنٌ معين، وأما تقديره بخمسة أرطال وثلث، فهذا باعتبار الماء، أو البر، أو العدس،

стр. 280

وما شابهها. وليست كل الأطعمة متساوية بالوزن؛ فبعضها حجمها كبير، وهي خفيفة الوزن، كالشعير، وبعض أنواع الأرز. وعَلى هذا فضبط الوزن بالنسبة للبر، أو العدس هو ما تقدم يساوي خمسة أرطال وثلثًا، ويساوي سِتّمِائَةِ دِرْهَمٍ وَخَمْسَةً وَثَمَانينَ وَخَمْسَة أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ. على ما قرره الإمام النووي. والدرهم يساوي (٢.٩٧٥ جم) فالصاع هو مجموع ضرب (٦٨٥.٧٢) في وزن الدرهم المتقدم، ويساوي تقريبًا (٢ كيلو، و ٤٠ جم). ومثل ذلك لو اعتبرنا مثقال الذهب، فالصاع هو مجموع ضرب (٤٨٠) في وزن (المثقال) بالجرامات، وهو (٤.٢٥) ويساوي (٢ كيلو، و ٤٠ جم). فمن أراد معرفة أوزان الأطعمة الأخرى؛ فليأخذ مكيالا يسع (٢ كيلو، و ٤٠ جم)، بدون زيادة أو نقص، ثم يستخدم نفس المكيال للصنف الآخر من الأطعمة، وحينئذٍ يعرف وزن كل نوع. والذي نراه أن من اعتمد على أربعة أمدادٍ بكفي رجل معتدل، فقد أدَّى ما عليه، ومن زاد، ونوى بالزيادة إن حصلت نافلة فهو أحوط، والله أعلم. اهـ مسألة: وقت وجوب إخراج صدقة الفطر . قال النووي ﵀ في "شرح المهذب" (٦/ ١٤١ - ١٤٢): تجب الفطرة

стр. 281

بغروب الشمس ليلة عيد الفطر على الصحيح عندنا، وبه قال الثوري، وأحمد، وإسحاق، وقال أبو حنيفة: بطلوع الفجر يوم الفطر. وبه قال صاحباه، وأبو ثور، وداود، وعن مالك روايتان كالمذهبين، وقال بعض المالكية: بطلوع الشمس يوم الفطر. اهـ واستدل القائلون بأنها تجب بغروب الشمس بحديث ابن عباس ﵄ المتقدم «طُهْرَة للصائمِ مِنَ اللغْوِ والرَّفَثِ»، ولأنها تضاف إلى الفطر، فكانت واجبة به. واستدل الآخرون بحديث ابن عمر في الصحيح «وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تؤدَّى قَبلَ خُروجِ النَّاسِ إِلى الصَّلاة». والصحيح القول الأول، والله أعلم. وحديث ابن عمر ﵄ لا يعارض دليل أهل القول الأول، وبالله التوفيق. فائدة: ينبني على الخلاف المتقدم بعض المسائل كما لو أسلم إنسان بعد غروب الشمس، أو وُلِدَ له ولَدٌ؛ فعلى القول الأول لا تجب عليه زكاة الفطر، ذكر ذلك بعض الشافعية، والصحيح أنه لا تلازم، وتجب عليهم زكاة الفطر؛ لأنهم أدركوا وقت الوجوب. وعلى القول الثاني تجب بلا إشكال، وكذا لو أسلم قبل الغروب؛ وجبت عليه الزكاة، ومن مات بعد غروب الشمس؛ وجبت عليه الزكاة على القول الأول دون القول الثاني. انظر: "المغني" (٤/ ٢٩٨)، "المحلى" (٧١٨).

стр. 282

مسألة: حكم تأديتها يوم العيد بعد الصلاة . ذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّ الأفضل أن يؤديها قبل صلاة العيد، وإنْ أدَّاها بعد الصلاة من نفس اليوم أجزأته، ولا إثم عليه. وذهب داود الظاهري، وابن حزم إلى أنه يأثم إذا لم يؤدِّها قبل صلاة العيد، وهذا هو الصواب؛ لحديث ابن عمر في "الصحيحين"، أن النبي ﷺ «أمر أن تُؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة»، ولحديث ابن عباس ﵄ الذي تقدم وفيه «فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ»، والله أعلم، وقد صحح هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀. انظر: "المغني" (٤/ ٢٩٨)، "المحلى" (٧١٨)، "المجموع" (٦/ ١٤٢)، "الشرح الممتع" (٦/ ١٧١)، "الموسوعة الكويتية" (٢٣/ ٣٤١). مسألة: تأخيرها عن يوم العيد . ذهب أكثر أهل العلم إلى تحريم ذلك، وذكر الشوكاني ﵀ في "النيل" أنَّ ابن رسلان ادَّعَى الإجماع على ذلك، والواقع وجود الخلاف، فقد حكى ابن المنذر عن النخعي، وابن سيرين الرخصة في ذلك. وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد. قلتُ: والصواب قول الجمهور؛ للأحاديث المتقدمة في المسألة السابقة، والله أعلم. انظر: "المغني" (٤/ ٢٩٨)، "المجموع" (٦/ ١٤٢)، "الموسوعة الكويتية" (٢٣/ ٣٤١). مسألة: هل تسقط عنه زكاة الفطر، أم يخرجها بعد الصلاة وإن لم

стр. 283

تجزئه؟ ذهب إلى الأول داود، والحسن بن زياد، وذهب إلى الثاني الجمهور، وهو أقرب؛ لأنه حق من حقوق الفقراء، فيجب عليه إخراجه، واختاره ابن حزم. قال ابن حزم ﵀ في "المحلَّى" (٦/ ١٤٣): فمن لم يؤدها حتى خرج وقتها؛ فقد وجبت في ذمته، وماله لمن هي له، فهي دين لهم وحقٌّ من حقوقهم قد وجب إخراجها من ماله، وحرم عليه إمساكها في ماله؛ فوجب عليه أداؤها أبدًا، وبالله تعالى التوفيق، ويسقط في ذلك حقهم، ويبقى حق الله تعالى في تضييعه الوقت، لا يقدر على جبره إلا بالاستغفار والندامة، وبالله تعالى نتأيد. اهـ انظر: "المغني" (٤/ ٢٩٨)، "المجموع" (٦/ ١٤٢)، "الموسوعة الكويتية" (٢٣/ ٣٤١). مسألة: تقديم زكاة الفطر قبل وقتها . في المسألة أقوال: القول الأول: يجوز تقديمها قبل العيد بيومين، ولا يجوز أكثر من ذلك، وهو مذهب أحمد، ومالك. القول الثاني: يجوز تقديمها من بعد نصف شهر رمضان، وهو قول بعض الحنابلة. القول الثالث: يجوز تقديمها من بداية شهر رمضان، وهذا قول الشافعي، وأصحابه. القول الرابع: يجوز تقديمها من أول الحول، وهذا قول أبي حنيفة.

стр. 284

القول الخامس: لا يجوز تقديمها عن وقتها، وهو مذهب الظاهرية. قال أبو عبد الله غفر الله له: أما حُجَّةُ من جَوَّزَ قبل العيد بيوم ويومين؛ فحديث ابن عمر ﵄ في "صحيح البخاري" (١٥١١)، قال نافع: وكان ابن عمر ﵄ يعطيها للذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم، أو يومين. وفي "الموطأ" (١/ ٢٨٥) عن نافع عن ابن عمر ﵄ أنه كان يبعث زكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاث. وأخذ بزيادة الثلاث بعض المالكية. وأما حجة من أجاز تقديمها من نصف الشهر؛ فقياسًا على تقديم أذان الفجر، والدفع من المزدلفة بعد نصف الليل، وأما حجة من أجاز تعجيلها من أول الشهر؛ فلأنَّ الصوم من أسبابها كما في حديث ابن عباس. وأما حجة من أجازها من أول الحول؛ فقياسًا على زكاة المال. وأما حجة من منع؛ فلأنها عبادة مؤقتة، ولا تجب على الإنسان حتى يأتي وقتها. قلتُ: والمنع من إخراجها قبل وقتها هو الصواب؛ إلا إذا احتيج إلى ذلك؛ لبعد الفقراء عنه فلا بأس بتقديم اليوم واليومين. وأما إخراج الصحابة قبل العيد بيوم أو يومين، فكانت تخرج لجمعها لا للفقراء كما ذكر ذلك البخاري، فإذا أُخرِجت للجمع فلا بأس كما فعل الصحابة، والله أعلم. انظر: "المغني" (٤/ ٣٠٠)، "المجموع" (٦/ ١٤٢)، "الفتح" (١٥١١) "المحلى" (٧١٨).

стр. 285

فَصْل فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ العِيدَينِ مسألة: معنى قول النبي ﵊: الفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون: رَوَى التِّرمِذِيُّ (٦٩٧) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ. اختلف العلماء في معنى الحديث على أقوال ذكرها الشوكاني ﵀ في "نيل الأوطار" (٢/ ٦١٤)، وأحسن تلك الأقوال، هو قول الخطابي ﵀ حيث قال: إنَّ الْخَطَأَ مَرْفُوعٌ عَنْ النَّاسِ فِيمَا كَانَ سَبِيلُهُ الِاجْتِهَادَ، فَلَوْ أَنَّ قَوْمًا اجْتَهَدُوا فَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ إلَّا بَعْدَ الثَّلَاثِينَ؛ فَلَمْ يُفْطِرُوا حَتَّى اسْتَوْفَوا الْعَدَدَ، ثُمَّ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الشَّهْرَ كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ؛ فَإِنَّ صَوْمَهُمْ وَفِطْرَهُمْ مَاضٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ مِنْ وِزْرٍ أَوْ عَيْبٍ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَجِّ إذَا أَخْطَؤا يَوْمَ عَرَفَةَ؛ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إعَادَةٌ. اهـ ثم نقل الشوكاني ﵀ عن الجمهور أنهم فسروا الحديث بمثل ما ذكر الخطابي. مسألة: استحباب الأكل يوم الفطر قبل الخروج إلى الصلاة: في "صحيح البخاري" (٩٥٣) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ». وفي رواية معلقة: «وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا»، وَوَصَلَهَا أحمدُ
следующие страницы →