قال ابن رجب: ورد التبشير عَلَى ذَلِكَ ـــــ أي المشي إلى المساجد فِي الظلم ــــ بالنور التام يوم القيامة من وجوه متعددة من أجودها حَدِيْث بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِي. (١)
وقال الزيلعي: رُوِيَ هذا الحديث من حَدِيث بُرَيْدَة بن الْحصيب، وأنس، وسهل بن سعد، وأبو الدَّرْدَاء وَابْن عَبَّاس، وابْن عمر، وزيد بن حَارِثَة، وَأبو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَأبو أُمَامَة، وعَائِشَة، وَأبو سعيد الْخُدْرِيّ، وحَارِثَة بن وهب الْخُزَاعِي ﵃ أَجْمَعِين. (٢)
وقال السيوطي: حَدِيثُ: بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. من الأحاديث المتواترة. (٣)
قلت: وقد ثبت عند البخاري في "صحيحه" من حديث أَنَسُ بْنُ مَالِك ﵁: أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، وَمَعَهُمَا مِثْلُ المِصْبَاحَيْنِ يُضِيئَانِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ. (٤)
قال ابن حجر في "الفتح": كذا هو في الأصل بلا ترجمة وكأنه بيض له فاستمر كذلك وأما قول ابن رشيد: إن مثل ذلك إذا وقع للبخاري كان كالفصل من الباب فهو حسن حيث يكون بينه وبين الباب الذي قبله مناسبة بخلاف مثل هذا الموضع، وأما وجه تعلقه بأبواب المساجد فمن جهة أن الرجلين تأخرا مع النبي ﷺ في المسجد في تلك الليلة المظلمة لانتظار صلاة العشاء معه فعلى هذا كان يليق أن يترجم له فضل المشي إلى المسجد في الليلة المظلمة ويلمح بحديث بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة وقد أخرجه أبو داود وغيره من حديث بريدة وظهر شاهده في حديث الباب لإكرام الله تعالى هذين الصحابيين بهذا النور الظاهر وادخر لهما يوم القيامة ما هو أعظم وأتم من ذلك إن شاء الله تعالى، والرجلين المذكورين هما: أسيد بن حضير، وعباد بن بشر. (٥)
قلت: وعلي هذا فيرتقي الحديث بشواهده من الضعيف إلي الحسن لغيره، والله أعلم.
رابعاً: النظر في كلام المُصَنْف:
стр. 912
قال الطبراني: لَمْ يَرْوِ هَذا الْحَدِيث عَنِ الْأَغَرِّ إِلَّا إِبْرَاهِيمُ بْنُ قُدَامَةَ، تَفَرَّدَ بِه: عَتِيقٌ. (١)
قلت: والأمر كما قال عليه من الله الرحمة والرضوان.
خامساً: التعليق علي الحديث:
قال المناوي ﵀: بشر: خطاب عام لم يرد به معين. المشائين: بالهمز والمد أي من تكرر منه المشي إلى إقامة الجماعة. في الظُلم: بضم الظاء وفتح اللام جمع ظلمة بسكونها ظلمة الليل. إلى المساجد: القريبة أو البعيدة. بالنور التام: أي من جميع جوانبهم فإنهم يختلفون في النور بقدر عملهم. يوم القيامة: أي على الصراط والمراد المنابر التي من نور لما قاسوا مشقة ملازمة المشي في ظلمة الليل إلى الطاعة جوزوا بنور يضيء لهم يوم القيامة وهو النور المضمون لكل مشاء إلى الجماعة في الظلم وإن كان منهم من يمشي في ضوء مصباحه لأنه ماش في ظلمة الليل متكلف زيادة مؤونة الزيت أو الشمع فله ثواب ذلك مع نور مشيه كالحاج إذا زادت مؤونته لبعد المشقة فله ثوابها مع ثواب الحج وقيل إنما قيد النور بالتمام لأن أصل النور يعطى لكل من تلفظ بالشهادتين من مؤمن أو منافق لظاهر حرمة الكلمة ثم يقطع نور المنافقين فيقولون: ربنا أتمم لنا نورنا. وقال الطيبي: تقييده بيوم القيامة تلميح إلى قصة المؤمنين وقولهم فيه: ربنا أتمم لنا نورنا. ففيه إيذان أن من انتهز هذه الفرصة وهي المشي إليها في الظلم في الدنيا كان مع النبيين والصديقين في الأخرى وحسن أولئك رفيقا. (٢)
стр. 913
[١٩٤/ ٨٤٤]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: نا عَتِيقُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا جَاءَهُمُ الْمَطَرُ، فَسَالَتِ الْمَيَازِيبُ قَالَ: «لَا مَحْلَ عَلَيْكُمُ الْعَامَ»، أَيِ: الْجَدْبُ. *لَمْ يَرْوِ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ عَنِ الْأَغَرِّ إِلَّا إِبْرَاهِيمُ بْنُ قُدَامَةَ، تَفَرَّدَ [بِهَا] (١): عَتِيقٌ.
أولاً: تخريج الحديث:
أخرجه البزار في "مسنده" (١٥/ ٦٥ رقم ٨٢٩٠)، وابن اخي ميمي الدقاق في "فوائده" (١/ ١٦٧ رقم ٣٣٤)، والثعلبي في "تفسيره" ــــ الكشف والبيان عن تفسير القرآن ــــ تفسير سورة "ق" (٩/ ٩٥)، مِن طُرق عَن عَتِيق بْن يَعْقُوب، عَن إِبْرَاهِيم بْن قُدَامَة به بنحوه. وفي رواية الدقاق: كان إِذَا أصابَهم المطرُ بالمدينة.
ثانياً: دراسة الإسناد:
١) أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١١٦).
٢) عَتِيقُ بْنُ يَعْقُوبَ الزُّبَيْرِيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٥٠).
٣) إِبْرَاهِيمُ بْنُ قُدَامَة الْجُمَحِيُّ: "مجهول الحال" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٩٢).
٤) سَلْمَانُ الأَغَرُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٩٢).
٥) أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: "صحابي" سبقت ترجمته في حديث رقم (٨).
ثالثاً: الحكم علي إسناد الحديث:
الحديث بإسناد الطبراني "إسناده ضعيف" فيه: إِبْرَاهِيم بْن قُدَامَة الْجُمَحِيُّ: "مجهول الحال".
قال البزار: هذا الحديث لا نعلم رواه، عَن أبي عَبد الله الأغر إلاَّ إبراهيم بن قدامة ولم يتابع عليه، ولا يروي عَن أبي هُرَيرة مِنْ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ إلاَّ مِنْ هَذَا الوجه وإبراهيم بن قدامة إذا تفرد بحديث لم يكن حجة لأنه ليس بالمشهور، وَإن كان من أهل المدينة. (٢)
رابعاً: النظر في كلام المُصَنِف:
قال الطبراني: لَمْ يَرْوِ هَذِهِ الحَدِيث عَنِ الْأَغَرِّ إِلَّا إِبْرَاهِيمُ بْنُ قُدَامَةَ، تَفَرَّدَ بِه: عَتِيقٌ.
قلت: والأمر في ذلك كما قال عليه من الله الرحمة والرضوان.
خامساً: شرح الغريب:
قوله ﷺ : فَسَالَتِ الْمَيَازِيبُ:
قال ابن منظور: وزب: وَزَبَ الشيءُ، يَزِبُ وزُوباً إِذا سالَ. الْجَوْهَرِيُّ: المِيزابُ المِثْعَبُ، فَارِسِيٌّ مُعَرَّب؛ قَالَ: وَقَدْ عُرِّبَ بِالْهَمْزِ، وَرُبَّمَا لَمْ يُهْمَزْ، وَالْجَمْعُ مآزِيبُ إِذا هَمزت، ومَيازيبُ إِذا لَمْ تَهْمِزْ. (٣)
стр. 914
وقال الزبيدي: وزب: وَزَبَ الماءُ، يَزِبُ وُزُوباً: إِذا سالَ، ومنهُ المِيزَابُ، أَو هُوَ فارِسِيٌّ معرَّب. وَفِي الصَّحاح: المِئزابُ: المِثعَبُ، فارسيٌّ مُعَرَّب، أَي: مُرَكَّبٌ من ميزْ و آبْ، ومَعْنَاهُ: بَلِ الماءَ، فَعرَّبُوه بالهَمْزَة، وَلِهَذَا جَمَعُوه مآزِيب، ورُبَّمَا لم يُهْمَزْ، فَيكون جمعُه موازِيبَ. وَفِي الصَّحاح: مَيازِيبُ، بالياءِ، وبالواو هُوَ القِياس، لِزَوال العِلَّة، كَمَا قالُوا: مَواعِيدُ ومَوازِينُ. وَفِي التَّوْشِيح: هُوَ مَا يسيلُ منهُ الماءُ مِن مَوضع عالٍ. (١)
وفي "المعجم الوسيط": المزراب: الْمِيزَاب وَهُوَ أنبوبة من الْحَدِيد وَنَحْوه تركب فِي جَانب الْبَيْت من أَعْلَاهُ لينصرف مِنْهَا مَاء الْمَطَر المتجمع. (٢)
وفي "معجم لغة الفقهاء": المِيزاب: بكسر الميم لفظ معرب جمع ميازيب وموازيب، قناة أو أنبوب من معدن أو غيره يسيل به الماء من السطح ونحوه إلى الارض. (٣)
стр. 915
[١٩٥/ ٨٤٥]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُؤَمَّلٍ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْصِنٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ». قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالْمُقَصِّرِينَ. فَقَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالْمُقَصِّرِينَ. قَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الرَّابِعَةِ: «وَالْمُقَصِّرِينَ». *لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ إِلَّا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ.
أولاً: تخريج الحديث:
هذا الحديث مداره علي سَعِيد بْن سُلَيْمَان، واختلف عنه من وجهين:
الوجه الأول: سَعِيد، عَنْ ابْنِ المُؤَمَّل، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْصِن، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
أخرجه الطبراني في "الأوسط" ــــ رواية الباب ـــــ عَن أَحْمَد بْن يَحْيَى الْحُلْوَانِي، عَن سَعِيد به.
الوجه الثاني: سَعِيد بْن سُلَيْمَان، عَن عَبْد اللَّهِ بْن الْمُؤَمَّلِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٥/ ١٩٤ رقم ٥٠٥٧)، وفي "المعجم الكبير" (١١/ ٢٠١ رقم ١١٤٩٢)، عَن مُحَمَّد بْن النَّضْرِ الْأَزْدِي، عَن سَعِيد بْن سُلَيْمَان به بنحوه.
ثانياً: دراسة الإسناد:
أولاً: دراسة إسناد الوجه الأول: ــــ رواية الباب ــــ.
١) أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١١٦).
٢) سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبِّيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٢٦).
٣) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ بن وهب الله القرشي الْمَخْزُومِيُّ المَكِّيٌّ، ويقال المَدَنِيُّ. (١)
روي عَنْ: عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَيْصِن، وابن جريج، وعمرو بن شعيب، وآخرين.
روي عَنْه: سَعِيد بْن سُلَيْمَان، والشافعي، والثوري، وآخرون.
أقوال أهل العلم فيه: قَال ابْن سعد، وابن نمير: ثقة. وَقَال ابْن مَعِين: ليس به بأس. وَقَال مرة: صالح الحديث.
وَقَال ابْن مَعِين مرة، والنسائي، وابن طاهر، والدارقطني، وابن حجر: ضعيف. وَقَال ابْن عَدِيّ: عَامَّة مَا يرويه الضعف عليه بين. وقال العقيلي: لَا يُتَابَعُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ حَدِيثِه. وَقَال أَبُو زُرْعَة، وأبو حاتم: لَيْسَ بقوي. وقال أَحْمَد: ليس بذاك. وَقَال مرة: أحاديثه مناكير. وَقَال أَبُو دَاوُدَ: منكر الحديث. وقال ابن حبان:
стр. 916
قليل الحديث منكر الرواية لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد. وحاصله أنه "ضعيف الحديث". (١)
٤) عَبْدُ الرَّحْمَن بْنُ مُحَيْصِنٍ القُرَشِيُّ السَهْمِيُّ أَبُو حفص المَكِيُّ، قارئ أهل مكة. (٢)
روي عَنْ: عطاء بْن أَبي رباح، ومحمد بْن قَيْس بْن مخرمة، وأبي سلمة بن سفيان، وآخرين.
روي عَنْه: عَبْد اللَّه بْن الْمُؤَمَّل الْمَخْزُومِي، والثوري، وابْن عُيَيْنَة، وآخرون.
أقوال أهل العلم فيه: قال الذهبي، وابن الجزري: ثقة، وزاد الذهبي: احتج به مسلم. وذكره ابن حبان، وابن خلفون فِي الثقات. وقال ابن حبان في المشاهير: كان ثبتاً. وقال الذهبي مرة: ما علمت به بأساً في الحديث. وقال ابن حجر: مقبول. وحاصله أنه" صدوق حسن الحديث". (٣)
٥) عَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاحٍ: "ثقة يرسل" سبقت ترجمته في حديث رقم (٦٧).
٦) عَبْد اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بن عم النَبِي: ﷺ "صحابي" سبقت ترجمته في حديث رقم (٦٤).
ثانياً: دراسة إسناد الوجه الثاني: "إسناد الطبراني في الأوسط، والكبير ".
١) مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْر الأزْدي: قال عبد الله بن أحمد، ومحمد بن عبدوس: ثقة لا بأس به. (٤)
٢) سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبِّيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٢٦).
٣) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ الْمَخْزُومِيُّ: "ضعيف الحديث". سبقت ترجمته في إسناد الوجه الأول.
٤) عَطَاءٍ بنُ أَبِي رَبَاحٍ: "ثقة يرسل" سبقت ترجمته في حديث رقم (٦٧).
٥) عَبْد اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بن عم النَبِي ﷺ : "صحابي" سبقت ترجمته في حديث رقم (٦٤).
ثالثاً: النظر في الخلاف والترجيح:
يتبين لنا مما سبق أنَّ هذا الحديث مداره علي سَعِيد بْن سُلَيْمَان، واختلف عنه من وجهين:
стр. 917
الوجه الأول: سَعِيد بْن سُلَيْمَان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُؤَمَّل، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بْن مُحَيْصِن، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. ورواه عَن سَعِيد بْن سُلَيْمَان بهذا الوجه: أَحْمَد بْن يَحْيَى الْحُلْوَانِي: وهو ثقة.
الوجه الثاني: سَعِيد بْن سُلَيْمَان، عَن عَبْد اللَّه بْن الْمُؤَمَّل، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس.
ورواه عَن سَعِيد بْن سُلَيْمَان بهذا الوجه: مُحَمَّد بْن النَّضْرِ الْأَزْدِي: وهو ثقة.
وعلي هذا فالذي يظهر مما سبق والله أعلم أنَّ الاضطراب فيه من عَبْد اللَّه بْن الْمُؤَمَّل وهو ضعيف، وقد صح الإسناد إليه بالوجهين.
رابعاً: الحكم علي إسناد الحديث:
الحديث بإسناد الطبراني ــــ الوجه الأول ــــ "إسناده ضعيف" فيه: عَبْد اللَّه بْن الْمُؤَمَّلِ الْمَخْزُومِي: ضعيف الحديث. وكذلك الحديث بالوجه الثاني إسناده ضعيف أيضاً وذلك لأجل ابْن الْمُؤَمَّلِ فمدار الحديث عليه.
قلت: وللحديث متابعات صحيحة عَن ابن عباس: فعن مُحَمَّد بْن إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ: «يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ» قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ» قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ» قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَالْمُقَصِّرِينَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ الْمُحَلِّقِينَ؟ لِمَ ظَاهَرْتَ لَهُمْ بِالتَّرَحُّمِ؟ قَالَ: «إِنَّهُمْ لَمْ يَشُكُّوا. (١)
قلت: فيه ابْن إِسْحَاقَ وقد صرح بالتحديث في كثير من الروايات وعلي ذلك فقد زالت شبهة تدليسه.
قلت: وللحديث شواهد أيضاً في الصحيحين: فعَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ» قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ» قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «وَالمُقَصِّرِينَ»، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ: «رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ» مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، قَالَ، وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، وَقَالَ فِي الرَّابِعَةِ: «وَالمُقَصِّرِينَ» وهذا لفظ البخاري. (٢)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلِلْمُقَصِّرِينَ؟، قَالَ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلِلْمُقَصِّرِينَ؟، قَالَ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ
стр. 918
اللهِ، وَلِلْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: «وَلِلْمُقَصِّرِينَ». (١)
وعلي هذا فالحديث يرتقي بمتابعاته وشواهده من الضعيف إلي الحسن لغيره، والله أعلم.
خامساً: النظر في كلام المُصَنِف:
قال الطبراني: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ إِلَّا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ.
قلت: والأمر كما قال عليه من الله الرحمة والرضوان.
سادساً: التعليق علي الحديث:
قال النووي ﵀: وهذه الأحاديث فيها التصريح بجواز الاقتصار على أحد الأمرين إن شاء اقتصر على الحلق وإن شاء على التقصير وتصريح بتفضيل الحلق، وقد أجمع العلماء على أن الحلق أفضل من التقصير وعلى أن التقصير يجزي إلا ما حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري أنه كان يقول يلزمه الحلق في أول حجة ولا يجزئه التقصير وهذا إن صح عنه مردود بالنصوص وإجماع من قبله ومذهبنا المشهور أن الحلق أو التقصير نسك من مناسك الحج والعمرة وركن من أركانهما لا يحصل واحد منهما إلا به وبهذا قال العلماء كافة وللشافعي قول شاذ ضعيف أنه استباحة محظور كالطيب واللباس وليس بنسك والصواب الأول. وأجمعوا أن الأفضل حلق جميعه أو تقصير جميعه ويستحب أن لا ينقص في التقصير عن قدر الأنملة من أطراف الشعر فإن قصر دونها جاز لحصول اسم التقصير والمشروع في حق النساء التقصير ويكره لهن الحلق فلو حلقن حصل النسك ويقوم مقام الحلق والتقصير النتف والإحراق والقص وغير ذلك من أنواع إزالة الشعر. واتفق العلماء على أن الأفضل في الحلق والتقصير أن يكون بعد رمي جمرة العقبة وبعد ذبح الهدي إن كان معه وقبل طواف الإفاضة وسواء كان قارناً أو مفرداً. (٢)
وقال ابن حجر ﵀: اختلف المتكلمون على هذا الحديث في الوقت الذي قال فيه رسول الله ﷺ ذلك ـــــ أي هل قال ذلك في الحديبية، أم في حجة الوداع، ثم ذكر ابن حجر الخلاف في ذلك ـــــ ثم قال: قال عياض كان في الموضعين ولذا قال ابن دقيق أنه الأقرب قلت ــــ ابن حجر ــــ بل هو المتعين لتظاهر الروايات بذلك في الموضعين إلا أن السبب في الموضعين مختلف فالذي في الحديبية كان بسبب توقف من توقف من الصحابة عن الإحلال لما دخل عليهم من الحزن لكونهم منعوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك فخالفهم ﷺ النبي وصالح قريشاً على أن يرجع من العام المقبل فلما أمرهم النبي ﷺ بالإحلال توقفوا فأشارت أم سلمة أن يحل هو ﷺ قبلهم ففعل فتبعوه فحلق بعضهم وقصر بعض وكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر ممن اقتصر على التقصير وقد وقع التصريح بهذا السبب في حديث ابن عباس عند ابن ماجه وغيره ففي آخره أنهم قالوا يا رسول الله ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالرحمة قال لأنهم لم يَشُكُوا. وأما السبب في تكرير الدعاء للمحلقين في حجة الوداع فقال الخطابي: إن عادة العرب أنها
стр. 919
كانت تحب توفير الشعر والتزين به وكان الحلق فيهم قليلاً وربما كانوا يرونه من الشهرة ومن زي الأعاجم فلذلك كرهوا الحلق واقتصروا على التقصير.
ثم قال ابن حجر: وأما قول النووي تبعاً لغيره بأن المقصر يبقي على نفسه الشعر الذي هو زينة والحاج مأمور بترك الزينة بل هو أشعث أغبر ففيه نظر لأن الحلق إنما يقع بعد انقضاء زمن الأمر بالتقشف فإنه يحل له عقبه كل شيء إلا النساء في الحج خاصة. (١)
стр. 920
[١٩٦/ ٨٤٦]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَوَلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ».
*لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ.
أولاً: تخريج الحديث:
هذا الحديث مداره علي أَبِي هُرَيْرَة، واختلف عنه من وجهين:
الوجه الأول: عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قال له: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَوَلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ.
ورواه عَن أَبِي هُرَيْرَةَ بهذا الوجه: عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي ذُبَاب.
قلت: لم أقف عليه من هذا الوجه إلا عند الطبراني في "الأوسط" ــــ رواية الباب ــــ.
الوجه الثاني: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قال لعَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْف: أَوَلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ.
ورواه عَن أَبِي هُرَيْرَةَ بهذا الوجه: عُرْوَة بْن الزُّبَيْر.
قلت: ولم أقف عليه من هذا الوجه إلا عند الطبراني في "الأوسط" (٦/ ٥٥ رقم ٥٧٧٦)، من طريق عُرْوَة بْن الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ خَضَبَ بِالصُّفْرَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا هَذَا الْخِضَابُ، أَعْرَسْتَ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «أَوْلَمْتَ؟» قَالَ: لَا، فَرَمَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَقَالَ: «أَوَلِمْ، وَلَوْ بِشَاةٍ. لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ إِلَّا عَبْد الرَّحْمَن الْمُلَيْكِي، وَلَا رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَّا فِرْدَوْسٌ، تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ.
ثانياً: دراسة الإسناد:
أولاً: دراسة إسناد الوجه الأول: "إسناد الطبراني" ــــ رواية الباب ــــ.
١) أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١١٦).
٢) سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبِّيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٢٦).
٣) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ الْمَخْزُومِيُّ: "ضعيف الحديث" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٩٥).
٤) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن الْحَارِثِ بن سعد بْنِ أَبِي ذُبَابٍ الدُوسِيُّ المَدَنِيُّ.
روي عَنْ: سَعْد بْن أَبِي ذُبَاب، وعثمان بن عفان.
روي عَنْه: ابناه عَبد الله والحارث بْنا عَبْد الرحمن.
أقوال أهل العلم فيه: ذكره ابن حبان في الثقات. وقال أحْمد: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وحاصله أنه "يُحسن حديثه" والله أعلم. (١)
٥) أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: "صحابي" سبقت ترجمته في حديث رقم (٨).
ثانياً: دراسة إسناد الوجه الثاني: "إسناد الطبراني في الأوسط ".
стр. 921
١) مُحَمَّد بْن عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِي المعروف بمطين: قال ابن أبو حاتم: صدوق. (١)
٢) محمد بن العلاء بن كُريب الهمداني، أَبو كُرَيْب الكوفي: قال ابن حجر: ثقة حافظ. (٢)
٣) فِرْدَوْس بْن الْأَشْعَرِي: قال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات. (٣)
٤) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بن عبيد الله بْنِ أَبِي مُلَيْكَة التيمي: قال ابن حجر: ضعيف. (٤)
٥) الزُّهْرِيُّ: "ثقة حافظ اشتهر بالتدليس والإرسال، لكن قبل الأئمة قوله عن". تقدم في حديث رقم (١٦).
٦) عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ القُرَشِيُّ: "ثقة يرسل" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٥).
٧) أَبُو هُرَيْرَة ﵁: "صحابي" سبقت ترجمته في حديث رقم (٨).
ثالثاً: النظر في الخلاف والترجيح:
يتبين لنا مما سبق أنَّ هذا الحديث مداره علي أَبِي هُرَيْرَة، واختلف عنه من وجهين:
الوجه الأول: عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قال له: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَوَلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ.
ورواه عَن أَبِي هُرَيْرَةَ بهذا الوجه: عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي ذُبَاب. وعَبْد الرَّحْمَن هذا لا بأس به كما قال أحمد.
الوجه الثاني: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قال لعَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْف: أَوَلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ.
ورواه عَن أَبِي هُرَيْرَةَ بهذا الوجه: عُرْوَة بْن الزُّبَيْر. وهو ثقة.
وعلي هذا يتبين لنا أن الوجه الأقرب إلي الصواب هو الوجه الثاني وذلك لما يلي:
١) رواية الأوثق والأحفظ: فلا شك أنَّ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر أحفظ وأوثق من عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي ذُبَاب.
٢) المتابعات: فالحديث بالوجه الثاني له متابعة في الصحيحين سيأتي ذكرها في الحكم علي إسناد الحديث.
رابعاً: الحكم علي إسناد الحديث:
الحديث بإسناد الطبراني ــــ الوجه الأول المرجوح ــــ "إسناده شاذ" فيه: عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي ذُبَاب: لا بأس به وخالف الثقة. وفيه أيضاً: عَبْد اللَّهِ بْن الْمُؤَمَّلِ الْمَخْزُومِيُّ: ضعيف الحديث.
وأما الحديث بالوجه الثاني ــــ الراجح ــــ "إسناده ضعيف" فيه: فِرْدَوْس بْن الْأَشْعَرِي: قال أبو حاتم: شيخ. وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بن عبيد الله بْنِ أَبِي مُلَيْكَة التيمي: قال ابن حجر: ضعيف.
قلت: وللحديث من وجهه الراجح متابعة في الصحيحين وغيرهما: من حديث أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ، قَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ». (٥)
стр. 922
وعلي هذا فيرتقي الحديث من وجهه الراجح من الضعيف إلي الحسن لغيره، والله أعلم.
خامساً: النظر في كلام المُصَنِف:
قال الطبراني: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ.
قلت: والأمر في ذلك كما قال عليه من الله الرحمة والرضوان.
سادساً: التعليق علي الحديث:
قال النووي ﵀: قوله ﷺ : أولم ولو بشاة دليل على أنه يستحب للموسر أن لا ينقص عن شاة ونقل القاضي الإجماع على أنه لا حد لقدرها المجزئ بل بأي شيء أولم من الطعام حصلت الوليمة وقد ذكر مسلم بعد هذا وفي وليمة عرس صفية أنها كانت بغير لحم وفي وليمة زينب أشبعنا خبزاً ولحماً وكل هذا جائز تحصل به الوليمة لكن يستحب أن تكون على قدر حال الزوج قال القاضي: واختلف السلف في تكرارها أكثر من يومين فكرهته طائفة ولم تكرهه طائفة قال واستحب أصحاب مالك للموسر كونها أسبوعاً. (١)
وقال ابن حجر ﵀: قال ابن بطال: قوله الوليمة حق أي ليست بباطل بل يندب إليها وهي سنة فضيلة وليس المراد بالحق الوجوب ثم قال ولا أعلم أحداً أوجبها كذا قال وغفل عن رواية في مذهبه بوجوبها نقلها القرطبي وقال إن مشهور المذهب أنها مندوبة وابن التين عن أحمد لكن الذي في المغني أنها سنة بل وافق ابن بطال في نفي الخلاف بين أهل العلم في ذلك قال وقال بعض الشافعية هي واجبة لأن النبي ﷺ أمر بها عبد الرحمن بن عوف ولأن الإجابة إليها واجبة فكانت واجبة وأجاب بأنه طعام لسرور حادث فأشبه سائر الأطعمة والأمر محمول على الاستحباب بدليل ما ذكرناه ولكونه أمره بشاة وهي غير واجبة اتفاقاً. (٢)
стр. 923
[١٩٧/ ٨٤٧]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ قَالَ: نا حُمَيْدٌ مَوْلَى عَفْرَاءَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ (١)، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو ذَرٍّ، فَأَخَذَ بِحَلْقَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ، فَنَادَى بِصَوْتِهِ الْأَعْلَى، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، إِلَّا بِمَكَّةَ، إِلَّا بِمَكَّةَ».
*لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعِيدٍ إِلَّا حُمَيْدٌ مَوْلَى عَفْرَاءَ، وَهُوَ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ الْأَعْرَجُ، تَفَرَّدَ بِهِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ الْمَخْزُومِيُّ.
أولاً: تخريج الحديث:
هذا الحديث مداره علي عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ، واختلف عنه من وجهين:
الوجه الأول: ابْن الْمُؤَمَّلِ، عن حُمَيْد مَوْلَى عَفْرَاء، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعد، عَنْ مُجَاهِد، عن أَبي ذَرٍّ.
أ - تخريج الوجه الأول: رواه عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ بهذا الوجه: سَعِيد بْن سُلَيْمَانَ الواسطي، ومُحَمَّد بْن إِدْرِيسَ الشَّافِعِي، وسَعِيد بْن سَالِم الْقِدَاحُ، ومَعْن بْن عِيسَى.
أما طريق سَعِيد بْن سُلَيْمَان: أخرجه الطبراني في "الأوسط" ــــ رواية الباب ـــــ، والبيهقي في "السنن الكبري" ك/ الصلاة ب/ ذِكْرِ الْبَيَانِ أَنَّ هَذَا النَّهْيَ ـــــ أي النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ ـــــ مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ الْأَمْكِنَةِ دُونَ بَعْضٍ (٢/ ٦٤٧ رقم ٤١٠٥).
وأما طريق مُحَمَّد بْن إِدْرِيسَ الشَّافِعِي: أخرجه الدارقطني في "سننه" ك/ الصلاة ب/ جَوَازِ النَّافِلَةِ عِنْدَ الْبَيْتِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ (٢/ ٣٠١ رقم ١٥٧١)، والبيهقي في "معرفة السنن والآثار" (٣/ ٤٣٣ رقم ٥٢٠٧) ك/ الصلاة ب/ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ ـــــ أي النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ ـــــ يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْأَمْكِنَةِ دُونَ بَعْضٍ، وفي ك/ المناسك ب/ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ (٧/ ٢٤٥ رقم ٩٩٤٩)، وفي "السنن الكبري" ك/ الصلاة ب/ ذِكْرِ الْبَيَانِ أَنَّ هَذَا النَّهْيَ ـــــ أي النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ ـــــ مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ الْأَمْكِنَةِ دُونَ بَعْضٍ (٢/ ٦٤٧ رقم ٤١٠٥)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٩/ ١٥٩).
وأما طريق سَعِيد بْن سَالِم الْقِدَاح من أصح الأوجه عنه: (٢) أخرجه الفاكهي في "أخبار مكة" (١/ ٢٥٦ رقم ٤٩١)، والدارقطني في "سننه" ك/ الحج ب/ الطواف بالبيت والصلاة فيه في أي وقت من الليل والنهار (٣/ ٣٠٩ رقم ٢٦٣٦)، وابن الجوزي في "التحقيق في مسائل الخلاف" ك/ الصلاة مَسْأَلَة/ يُكْرَهُ التَّنَفُّلُ فِي
стр. 924
أَوْقَاتِ النَّهْيِ بِمَسْجِدِ مَكَّةَ كَغَيْرِهِ إِلَّا رَكْعَتَيِ الطّواف (٣/ ١١٣ رقم ٧٠٥).
وأما طريق مَعْن بْن عِيسَى: أخرجه الفاكهي في "أخبار مكة" (١/ ٢٥٦ رقم ٤٩٢)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٩/ ١٥٩).
ب - متابعات للوجه الأول: وقد تابع عَبْد الله بْن الْمُؤَمَّلِ عن حُمَيْد علي هذا الوجه: إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان.
أخرجه البيهقي في "السنن الكبري" ك/ الصلاة ب/ ذِكْرِ الْبَيَانِ أَنَّ هَذَا النَّهْي مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ الْأَمْكِنَةِ دُونَ بَعْضٍ (٢/ ٦٤٨ رقم ٤١٠٦)، عَن إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ، عَن حُمَيْد مَوْلَى عَفْرَاءَ به.
الوجه الثاني: عَبْد الله بْن الْمُؤَمَّلِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ.
ورواه عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ بهذا الوجه: يَزِيد بن هارون.
أخرجه أحمد في "مسنده" (٣٥/ ٣٦٥ رقم ٢١٤٦٢).
ثانياً: دراسة الإسناد:
أولاً: دراسة إسناد الوجه الأول: "إسناد الطبراني" ـــ رواية الباب ـــ.
١) أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١١٦).
٢) سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبِّيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٢٦).
٣) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ الْمَخْزُومِيُّ: "ضعيف الحديث" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٩٥).
٤) حُمَيدُ بْنُ قَيْسٍ، أَبُو صَفْوَانَ الْمَكِّيُّ الأَعْرَجُ الْمُقْرِئُ، مَوْلَى عَفْرَاءَ، وقيل: مَوْلَى بني أسد. (١)
روي عَنْ: قَيْس بْن سَعد، ومجاهد، والزُّهْرِي، وعطاء بْن أَبي رباح، وآخرين.
روي عَنْه: عَبْد اللَّه بْن الْمُؤَمَّل، ومالك، والثوري، وابْن عُيَيْنَة، وآخرون.
أقوال أهل العلم فيه: قال ابن سعد، والبخاري، ومالك، وأحمد، والعجلي، وابن معين، وأبو زرعة الرازي،
стр. 925
وأبو زرعة الدمشقي، وأبو داود، وابن خراش، ويعقوب بن سفيان، والذهبي، والنووي: ثقة، وزاد ابن معين: ثبت، وزاد ابن خراش: صدوق. وذكره ابن حبان، وابن شاهين في الثقات. وقال في المشاهير: كان متيقظاً. روى له الجماعة.
وقال أبو حاتم، والنسائي، وابن عدي، وابن حجر: ليس به بأس، وزاد ابنُ عَدِي: وإِنَّما يؤتى ما يقع في حديثه من الإنكار من جهة من يروي عنه وقد روى عنه مالك وناهيك به صدقاً إذا روى عنه مثل مالك فإن أحمد ويحيى قالا لا نبالي أن لا نسأل عَمَّن روى عنه مالك.
وقال أحمد مرة، والبيهقي: ليس بقوي. وقال ابن عبد البر: ضعيف. وحاصله أنه "ثقة". (١)
٥) قَيْسُ بْنُ سَعْد المَكِيُّ، أَبُو عَبْد اللَّهِ الحَبَشِيُّ، (٢) مولى نافع بْن عَلْقَمَة، ويُقال: مولى أم عَلْقَمَة.
روي عَنْ: مجاهد، وطاووس بْن كيسان، وعطاء بْن أَبي رباح، وعَمْرو بْن دينار، وآخرين.
روي عَنْه: جرير بْن حازم، وحماد بْن زَيْد، وحماد بْن سلمة، وآخرون.
أقوال أهل العلم فيه: قال أحمد، وابن سعد، والعجلي، وأبو زرعة، ويعقوب بن شيبة، وأبو داود، وابن حجر: ثقة. وقال النووي: اتفقوا على توثيقه. وذكره ابن حبان في الثقات. وَقَال ابْن مَعِين: ليس به بأس. وقال العلائي: ذكره ابن المديني فيمن لم يلق أحداً من الصحابة. وحاصله أنه "ثقة". (٣)
٦) … مُجَاهِدُ بْنُ جَبْر المَكِيُّ: "ثقة يرسل". سبقت ترجمته في حديث رقم (٣٤).
٧) جُنْدُبُ بنُ جُنَادَةَ بنِ سُفْيَانَ بنِ عُبَيْدِ بنِ حَرَامِ بنِ غِفَارَ، أَبُو ذَر الْغِفَارِيُّ. (٤)(٥)
стр. 926
روي عَنْ: النَّبِي ﷺ ، ومعاوية بْن أَبي سفيان.
روي عَنْه: ابن عباس، وأنس بن مالك، وابن عمر، وآخرون.
كان ﵁ أحد السابقين الأولين، من نجباء أصحاب محمد ﷺ ، وكان يتعبد قبل مبعث النبي ﷺ ثلاث سنين يقوم من الليل مصلياً، حتى إذ كان من آخر الليل سقط كأنه خرقة، ثم أسلم بمكة في أول الدعوة، هو رابع الإسلام، وقيل: كان خامس خمسة في الإسلام، وأول من حيا النبي ﷺ بتحية الإسلام، بايع النبي ﷺ ألا تأخذه في الله لومة لائم، لم تقل الغبراء، ولم تظل الخضراء على ذي لهجة أصدق منه، لم يتلوث بشيء من فضول الدنيا حتى فارقها، وثبت على العهد الذي بايع عليه الرسول ﷺ . (١)
ثانياً: دراسة إسناد الوجه الثاني: "إسناد أحمد في مسنده ".
١) يَزِيدُ بن هارون بن زاذان السُّلميُّ أبو خالد الواسطي: قال ابن حجر: ثقة متقن عابد. (٢)
٢) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ الْمَخْزُومِيُّ: "ضعيف الحديث" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٩٥).
٣) قَيْسُ بْنُ سَعْد المَكِيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في إسناد الوجه الأول.
٤) مُجَاهِدُ بْنُ جبر المَكِيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (٣٤).
٥) أَبُو ذَر الْغِفَارِيُّ ﵁: "صحابي" سبقت ترجمته في إسناد الوجه الأول.
ثالثاً: النظر في الخلاف والترجيح:
مما سبق يتبين لنا أنَّ هذا الحديث مداره علي عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ، واختلف عنه من وجهين:
الوجه الأول: ابْن الْمُؤَمَّل، عن حُمَيْد مَوْلَى عَفْرَاء، عَنْ قَيْس بْن سَعد، عَنْ مُجَاهِد، عن أَبي ذَرٍّ.
ورواه عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ بهذا الوجه: سَعِيد بْن سُلَيْمَان الواسطي: ثقة. ومُحَمَّد بْن إِدْرِيسَ الشَّافِعِي قال فيه المزي: إمام عصره وفريد دهره. (٣) وسَعِيد بْن سَالِم الْقِدَاح: قال فيه ابن حجر: صدوق يهم. (٤) ومَعْن بْن عِيسَى صاحب مالك: قال فيه ابن حجر: ثقة ثبت. (٥)
وتابع عَبْد الله بْن الْمُؤَمَّلِ علي هذا الوجه: إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان: قال فيه ابن حجر: ثقة يُغرب (٦)
стр. 927
الوجه الثاني: عَبْد الله بْن الْمُؤَمَّلِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ.
ورواه عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ بهذا الوجه: يَزِيد بن هارون.
وعلي هذا فالذي يظهر مما سبق والله أعلم أن الوجه الأول هو الوجه الراجح وذلك لما يلي:
١) رواية الأكثر عدداً: فقد رواه بهذا الوجه جماعة من الرواة وهذا بخلاف الوجه الثاني.
٢) رواية الأحفظ: فقد رواه بالوجه الأول ثقات حفاظ كالشافعي، ومعن بن عيسي.
٣) المتابعات: فقد تابع عَبْد الله بْن الْمُؤَمَّل علي الوجه الأول: إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان.
رابعاً: الحكم علي إسناد الحديث:
الحديث بإسناد الطبراني ـــ الوجه الأول الراجح ـــ "إسناده ضعيف".
قلت: وقد ذكر العلماء في ضعف هذا الحديث أربع علل وهي كالآتي:
العلة الأولي: ضعف عَبْد اللَّه بْن الْمُؤَمَّلِ. العلة الثانية: ضعف حُمَيْد مَوْلَى عَفْرَاء. العلة الثالثة: الاختلاف الحاصل في إسناده. العلة الرابعة: الانقطاع الحاصل بين مجاهد، وأبي ذر.
أما جواب العلة الأولي: وهي ضعف ابْن الْمُؤَمَّلِ: قلت: وهو ضعيفُ قطعاً لكن تابعه علي الوجه الأول الراجح ــــــ رواية الطبراني ـــــ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان وهو ثقة لكن الطريق إليه ضعيف. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا الحَدِيث يعد فِي أَفْرَاد عبد الله بن المؤمل، وهو ضَعِيف إِلَّا أَن ابن طهْمَان قد تَابعه فِي ذَلِك عَن حميد وَأقَام إِسْنَاده.
وأما جواب العلة الثانية: وهي ضعف حُمَيْد مَوْلَى عَفْرَاء: قلت: حُميد ثقة ولم يضعفه إلا البيهقي، وابن عبد البر، وأحمد في رواية، وفي رواية أخري عنه أنه ثقة. وقد بينت في ترجمته أن حُمَيْد مَوْلَى عَفْرَاء هو حُمَيْد بن قيس الأعرج وأنه ثقة روي له الجماعة. قال ابن الملقن: وقد طُعْن فِي حميد مولَى عفراء، وحميد أخرج لَهُ الشَّيْخَان وَبَاقِي الْكتب السِّتَّة.
وأما جواب العلة الثالثة: وهي الاختلاف الحاصل في إسناده: قلت: قد اختلف في إسناده لكن ظهر لنا الوجه الراجح من هذا الاختلاف وعليه فيكون هذا الوجه الراجح هو الطريق الصحيح لهذا الحديث دون بقية الأوجه وذلك بغض النظر عن صحة أو ضعف هذا الوجه الراجح، وتبين لنا أن الوجه الراجح هو رواية الطبراني والتي هي رواية الباب.
وأما جواب العلة الرابعة: وهي الانقطاع الحاصل بين مجاهد، وأبي ذر: قلت: وهذه العلة ثابتة فقال ابن الملقن: نَص عَلَى ذَلِك الْحفاظ: قَالَ أَبُو حَاتِم، والبيهقي، والمنذري، وابن عبد البر: لَمْ يَسْمَعْ مُجَاهِدٌ مِنْ أَبِي ذَرٍّ. وقال ابن خزيمة: أَنَا أَشُكُّ فِي سَمَاعِ مُجَاهِدٍ مِنْ أَبِي ذَرٍّ. وَقَالَ الْبَيْهَقِي مرة: هَذَا الْخَبَر مُنْقَطع وَفِي ثُبُوته نظر، وَمُجاهد لَا يثبت لَهُ سَماع من أبي ذَر. وقَال أيضاً: قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ جَاءَنَا أَبُو ذَرٍّ أَيْ جَاءَ بَلَدَنَا، قَال ابن دقيق العيد: مِمَّا يُؤَيّد هَذَا أَن ابْن عدي رَوَى هَذَا الحَدِيث فِي «كَامِله» من حَدِيث اليسع بن طَلْحَة الْقرشِي قَالَ: سَمِعت مُجَاهدًا يَقُول: بلغنَا أَن أَبَا ذَر قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ أَخذ بحلقتي الْكَعْبَة يَقُول ثَلَاثًا: لَا صَلَاة بعد الْعَصْر إِلَّا بِمَكَّة. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: اليسع بن طَلْحَة قد ضَعَّفُوهُ، والْحَدِيث
стр. 928
مُنْقَطع، مُجَاهِد لم يدْرك أَبَا ذَر بِحَال. (١)
قلت: وعلي هذا فهذه العلل لا تؤثر في صحة الحديث عدا علة الانقطاع فهي آفة هذا الحديث.
قلت: لكن للحديث شواهد يصح بها:
فيشهد لجزئه الأول: وهو قوله ﷺ : "لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ".
أحاديث في الصحيحين عَن ابن عباس، وابن عمر، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وعقبة بن عامر:
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ. (٢)
وعَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ. (٣)
وعَنْ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ قال: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: «حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ». (٤)
ويشهد لجزئه الثاني: وهو قوله ﷺ : "إِلَّا بِمَكَّةَ، إِلَّا بِمَكَّة" حديث جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَم:
فعَن سُفْيَان بن عيينة، عَن أَبي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَابَاهُ يُحَدِّثُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدَ الْمُطَّلِبِ أَوْ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ إِنْ وُلِّيتُمْ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ شَيْئًا فَلَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ». (٥)
стр. 929
قال الترمذي: وَفِي البَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي ذَرٍّ. وحَدِيثُ جُبَيْرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وقال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، ووافقه الذهبي.
وقال البيهقي: حَدِيثُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ مُرْسَلٌ، وَهُوَ مَعَ مُرْسَلِ عَطَاءٍ يَتَأَكَّدُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَوْصُولِ الَّذِي أَقَامَ إِسْنَادُهُ سُفْيَان بن عيينة، وَهُوَ حَافِظٌ حَجَّةٌ، وَالَّذِينَ خَالَفُوهُ دُونَهُ فِي الْحِفْظِ وَالْمَعْرِفَةِ. (١) قلت: يقصد البيهقي بذلك حديث جُبير بن مطعم فقد رُوي عَن عطاء مُرسلاً، وأقام إسناده سُفْيَان بن عيينة.
وقال ابن عبد البر: هذا الحديث ـــــ رواية الباب ــــــ وإن لم يكن بالقوي لضعف حُميد مولى عفراء ولأن مجاهداً لم يسمع من أبي ذر ففي حديث جبير بن مطعم ما يقويه مع قول جمهور علماء المسلمين به. (٢)
وعلي هذا فيرتقي الحديث بمتابعاته وشواهده من الضعيف إلي الحسن لغيره، والله أعلم.
خامساً: النظر في كلام المُصَنِف:
قال الطبراني ﵀: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعِيدٍ إِلَّا حُمَيْدٌ مَوْلَى عَفْرَاءَ، وَهُوَ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ الْأَعْرَجُ، تَفَرَّدَ بِهِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ الْمَخْزُومِيُّ.
قلت: والأمر في ذلك كما قال عليه من الله الرحمة والرضوان لكن ذلك من حيث الوجه الأول الراجح ـــــــ رواية الباب ـــــ. وقد رواه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ مباشرة عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعد وذلك بإسقاط: حُمَيْد مَوْلَى عَفْرَاء لكن ذلك من حيث الوجه الثاني المرجوح، والله أعلم.
سادساً: التعليق علي الحديث:
قال الترمذي ﵀: وفي الباب عن علي، وابن مسعود، وأبي سعيد، وعقبة بن عامر، وأبي هريرة، وابن عمر، وسمرة بن جندب، وعبد الله بن عمرو، ومعاذ ابن عفراء، وسلمة بن الأكوع، وزيد بن ثابت، وعائشة، وكعب بن مرة، وأبي أمامة، وعمرو بن عبسة، ويعلى بن أمية، ومعاوية. وهو قول أكثر الفقهاء من أصحاب النبي ﷺ ، ومن بعدهم أنهم: كرهوا الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وأما الصلوات الفوائت فلا بأس أن تقضى بعد العصر وبعد الصبح. والذي اجتمع عليه أكثر أهل العلم على كراهية الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، إلا ما
стр. 930
استثني من ذلك، مثل الصلاة بمكة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس بعد الطواف فقد روي عن النبي ﷺ رخصة في ذلك. وقد قال به قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، ومن بعدهم وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقد كره قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، ومن بعدهم الصلاة بمكة أيضا بعد العصر، وبعد الصبح. وبه يقول الثوري، ومالك بن أنس، وبعض أهل الكوفة. (١)
وقال النووي ﵀: في أحاديث الباب نهيه ﷺ عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد طلوعها حتى ترتفع وعند استوائها حتى تزول وعند اصفرارها حتى تغرب وأجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في هذه الأوقات واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها واختلفوا في النوافل التي لها سبب كصلاة تحية المسجد وسجود التلاوة والشكر وصلاة العيد والكسوف وفي صلاة الجنازة وقضاء الفوائت ومذهب الشافعي وطائفة جواز ذلك كله بلا كراهة ومذهب أبي حنيفة وآخرين أنه داخل في النهي لعموم الأحاديث، واحتج الشافعي وموافقوه بأنه ثبت أن النبي ﷺ قضى سنة الظهر بعد العصر وهذا صريح في قضاء السنة الفائتة فالحاضرة أولى والفريضة المقضية أولى وكذا الجنازة. (٢)
стр. 931
[١٩٨/ ٨٤٨]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَيِّدِ الْعِلْمَ» قُلْتُ: وَمَا تَقْيِيدُهُ؟ قَالَ: «الْكِتَابُ».
*لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَطَاءٍ إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ.
أولاً: تخريج الحديث:
هذا الحديث مداره علي عَبْد اللَّهِ بْن الْمُؤَمَّل، واختلف عنه من وجوه:
الوجه الأول: ابْن الْمُؤَمَّل. رواه عنه: سَعِيد بْن سُلَيْمَان، واختلف علي سعيد من طريقين:
الطريق الأول: سَعِيد، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.
أخرجه الطبراني في "الأوسط" ــــ رواية الباب ــــــ.
الطريق الثاني: سَعِيد، عَنْ ابْنِ الْمُؤَمَّلِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَمْرٍو.
ورواه عَن سَعِيد بْن سُلَيْمَانَ بهذا الوجه: أَحْمَد بْن يَحْيَى الْحُلْوَانِي، ومُحَمَّد بْن النَّضْرِ الْأَزْدِي، ومُحَمَّد بْن شَاذَان الْجَوْهَرِي، وصَالِح بْن مُحَمَّد بْن حَبِيب، ومُحَمَّد بْن نَصْر الصَّائِغ، وحَنْبَل بْن إِسْحَاق، ومُحَمَّد بْن سِنْجَر، وأَحْمَد بْن زُهَيْر، ومُحَمَّد بْن بِشْرِ بْنِ مَطَر.
أما طريق أَحْمَد بْن يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ: أخرجه الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (١/ ٣٦٤ رقم ٣١٥)، والخطيب في "تقييد العلم" ب/ ذِكْرِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابَةِ (١/ ٦٨).
وأما طريق مُحَمَّد بْن النَّضْرِ الْأَزْدِيُّ: أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٥/ ١٩٤ رقم ٥٠٥٦)، وفي "المعجم الكبير" (١٣/ ٤٦٦ رقم ١٤٣٣٠)،
وأما طريق مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ الْجَوْهَرِيُّ، وصَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ: أخرجه الحاكم في "المستدرك" ك/ العلم (١/ ١٨٨ رقم ٣٦٢).
وأما طريق مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الصَّائِغُ: أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٣٢١).
وأما طريق حَنْبَل بْن إِسْحَاقَ: أخرجه البيهقي في "المدخل" ب/ مَنْ رَخَّصَ فِي كِتَابَةِ الْعِلْمِ وَأَحْسِبُهُ حِينَ أَمِنَ مِنِ اخْتِلَاطِهِ بِكِتَابِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ (١/ ٤١٧ رقم ٧٦٣)، والخطيب في "تقييد العلم" ب/ ذِكْرِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابَةِ (١/ ٦٩).
وأما طريق مُحَمَّدُ بْنُ سِنْجَر: أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" ب/ ذِكْرِ الرُّخْصَةِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ (١/ ٣١٧ رقم ٤١٢).
وأما طريق أَحْمَد بْن زُهَيْر: أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" ب/ ذِكْرِ الرُّخْصَةِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ (١/ ٣١٩ رقم ٤١٣).
وأما طريق مُحَمَّد بْن بِشْر بْن مطر: أخرجه الخطيب في "تقييد العلم" ب/ قوله ﷺ قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابَةِ (١/ ٦٨)، وعبد الغني المقدسي في "نهاية المراد من كلام خير العباد" (٢/ ١١٥ رقم ١٠٨)، وأبو طاهر السلفي في "العلم" (١/ ١٥ رقم ١٠٨)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١/ ٨٧ رقم ٩٦).
стр. 932
الوجه الثاني: عَبْد اللَّه بْن الْمُؤَمِّل، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ.
ورواه عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْمُؤَمِّل بهذا الوجه: مَعْن بْن عِيسَى.
أخرجه الخطيب في "تقييد العلم" ب/ ذِكْرِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابَةِ (١/ ٦٩، ٧٥)، وابن عساكر في "تاريخه" (٥٦/ ٢٨١). وقد تابع ابْن الْمُؤَمِّل علي هذا الوجه: ابْن أَبِي ذِئْب: أخرجه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١/ ٨٧ رقم ٩٧). قلت: لكن الراوي عَن ابْن أَبِي ذِئْب وهو إِسْمَاعِيل بْن يَحْيَى الشيباني: متهم بالكذب كما قال ابن حجر. (١)
الوجه الثالث: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمِّلِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.
ورواه عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْمُؤَمِّل بهذا الوجه: سُرَيْج بْن النُّعْمَان.
أخرجه الخطيب في "تقييد العلم" ب/ قوله ﷺ : قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابَةِ (١/ ٦٨)، وفي "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (١/ ٢٢٨ رقم ٤٣٩)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١/ ٨٦ رقم ٩٥).
ثانياً: دراسة الإسناد:
أولاً: دراسة إسناد الطريق الأول من الوجه الأول: "إسناد الطبراني" ــــ رواية الباب ـــــ.
١) أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١١٦).
٢) سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبِّيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٢٦).
٣) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ الْمَخْزُومِيُّ: "ضعيف الحديث" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٩٥).
٤) عَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاحٍ: "ثقة يرسل" سبقت ترجمته في حديث رقم (٦٧).
٥) عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرِو بنِ العَاصِ: "صحابي" سبقت ترجمته في حديث رقم (٩٦).
ثانياً: دراسة إسناد الطريق الثاني من الوجه الأول: "إسناد الطبراني في الأوسط والكبير ".
١) مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ الأزْدي: قال عبد الله بن أحمد، ومحمد بن عبدوس: ثقة لا بأس به. (٢)
٢) سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبِّيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٢٦).
٣) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ الْمَخْزُومِيُّ: "ضعيف الحديث" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٩٥).
٤) ابْنِ جُرَيْجٍ: "ثقة يرسل ويُدلس فلابد من تصريحه بالسماع" سبقت ترجمته في حديث رقم (٤٥).
٥) عَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاحٍ: "ثقة يرسل" سبقت ترجمته في حديث رقم (٦٧).
٦) عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرِو بنِ العَاصِ: "صحابي" سبقت ترجمته في حديث رقم (٩٦).
ثالثاً: دراسة إسناد الوجه الثاني: "إسناد الخطيب في تقييد العلم ".
١) أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ: قال الخطيب: كتبنا عنه وكان صدوقاً. (٣)
стр. 933
٢) أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ الْوَرَّاق: قال البرقاني: ثقة. وقال الخطيب: حدث قديماً، وكان أمره مستقيماً، وكانت كتبه ضاعت. وقال أبو القاسم الأزهري: كان حافظاً إلا أنه لين في الرواية. (١)
٣) يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ: قَال الدارقطني، والخليلي، والذهبي: ثقة، وزاد الدارقطني: ثبت حافظ. (٢)
٤) مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْأَدَمِيُّ: قال ابن حجر: ثقة عابد. (٣)
٥) مَعْنُ بْنُ عِيسَى صاحب مالك: قال فيه ابن حجر: ثقة ثبت. (٤)
٦) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ الْمَخْزُومِيُّ: "ضعيف الحديث" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٩٥).
٧) عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: "ثقة" وأما نسخته عن أبيه عن جده فهي متصلة حسنة الإسناد. قال الذهبي: لسنا ممن نعد نسخة عمرو، عن أبيه، عن جده من أقسام الصحيح الذي لا نزاع فيه من أجل الوجادة، ومن أجل أن فيها مناكير فينبغي أن يتأمل حديثه، ويتحايد ما جاء منه منكراً، ويروى ما عدا ذلك في السنن والأحكام محسنين لإسناده. سبقت ترجمته في حديث رقم (١٧٤).
٨) شُعَيْبُ بن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرو: "صدوق ثبت سماعه من جده عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرِو" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٧٤).
٩) عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرِو بنِ العَاصِ ﵁: "صحابي" سبقت ترجمته في حديث رقم (٩٦).
رابعاً: دراسة إسناد الوجه الثالث: "إسناد الخطيب في "تقييد العلم ".
١) أَبُو الْفَتْحِ هِلَالُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَفَّارُ: قال الخطيب، والذهبي: صدوق. (٥)
٢) إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ: قال الدارقطني: ثقة. (٦)
٣) أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ: قال الذهبي: ثقة مأمون. (٧)
٤) مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ: قال ابن خزيمة: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: بلغنا أنه ثقة صدوق. (٨)
٥) عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ بن حاتم الدُّورِيُّ: قال ابن حجر: ثقة حافظ. (٩)
٦) سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ الجوهري: قال ابن حجر: ثقة يهم قليلاً. (١٠)
стр. 934
٧) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ الْمَخْزُومِيُّ: "ضعيف الحديث" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٩٥).
٨) … عَبْدُ اللهِ بنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: "ثقة يرسل" سبقت ترجمته حديث رقم (١٧٨).
٩) عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرِو بنِ العَاص ﵁: "صحابي" سبقت ترجمته في حديث رقم (٩٦).
ثالثاً: النظر في الخلاف والترجيح:
يتبين لنا مما سبق أنَّ هذا الحديث مداره علي عَبْد اللَّهِ بْن الْمُؤَمَّل، واختلف عنه من وجوه:
الوجه الأول: عَبْد اللَّه بْن الْمُؤَمَّلِ، ورواه عنه: سَعِيد بْن سُلَيْمَان، واختلف علي سعيد من طريقين:
الطريق الأول: سَعِيد بْن سُلَيْمَان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.
ورواه عَن سَعِيد بْن سُلَيْمَانَ بهذا الوجه: أَحْمَد بْن يَحْيَى الْحُلْوَانِي.
الطريق الثاني: سَعِيد بْن سُلَيْمَان، عَنْ ابْنِ الْمُؤَمَّلِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَمْرٍو.
ورواه عَن سَعِيد بْن سُلَيْمَانَ بهذا الوجه جماعة من الرواة كما سبق ذكرهم في التخريج.
الوجه الثاني: عَبْد اللَّه بْن الْمُؤَمِّلِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ.
ورواه عَن عَبْد اللَّه بْن الْمُؤَمِّلِ بهذا الوجه: مَعْن بْن عِيسَى، وقد تابع ابْن الْمُؤَمِّلِ علي هذا الوجه: ابْن أَبِي ذِئْبٍ، لكن الراوي عَن ابْن أَبِي ذِئْبٍ وهو إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى الشيباني: متهم بالكذب.
الوجه الثالث: عَبْد اللَّهِ بْن الْمُؤَمِّل، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.
ورواه عَن عَبْد اللَّه بْن الْمُؤَمِّلِ بهذا الوجه: سُرَيْج بْن النُّعْمَان.
والذي يظهر مما سبق أنَّ الحديث مداره علي عَبْد اللَّهِ بْن الْمُؤَمِّل وهو ضعيف وقد اضطرب فيه.
رابعاً: الحكم علي إسناد الحديث:
الحديث بإسناد الطبراني "إسناده ضعيف" فيه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ: ضعيف الحديث وانفرد به.
وكذلك الحديث بالأوجه الأخري ضعيف فمدار الحديث علي عَبْد اللَّهِ بْن الْمُؤَمَّل واضطرب فيه.
قلت: وقد ثبت في الصحيحين ما يدل علي إذن النبي ﷺ في كتابة العلم:
فعن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ قَامَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ»، فَقَالَ العَبَّاسُ: إِلَّا الإِذْخِرَ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِلَّا الإِذْخِرَ» فَقَامَ أَبُو شَاهٍ - رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ - فَقَالَ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ»، قُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هَذِهِ الخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . (١)
стр. 935
وعَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ. (١)
خامساً: النظر في كلام المُصَنِف:
قال الطبراني ﵀: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَطَاءٍ إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ.
قلت: الأمر فيه كما قال عليه من الله الرحمة والرضوان.
стр. 936
[١٩٩/ ٨٤٩]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ قَالَ: نا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ».
*لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ.
أولاً: تخريج الحديث:
هذا الحديث مداره علي سَعِيد بْن سُلَيْمَان، واختلف عنه من وجهين:
الوجه الأول: سَعِيد بْن سُلَيْمَان، عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْمُؤَمَّل، عَن أَبي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِر.
أ - تخريج الوجه الأول: رواه عَن سَعِيد بْن سُلَيْمَانَ بهذا الوجه: أَحْمَد بْن يَحْيَى الْحُلْوَانِي، وأَحْمَد بْن عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بن جابر البربهاري، ومحمد بْنُ أَيُّوبَ البجلي، ومحمد بن سليمان الْبَاغَنْدِي، وَأَحْمَد بْن حَاتِمٍ الْمَرْوَزِي.
أما طريق أَحْمَد بْن يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ: أخرجه الطبراني في "الأوسط" ـــــ رواية الباب ـــــ.
وأما طريق أَحْمَد بْن عَلِيِّ بْن الْحَسَن البربهاري: أخرجه أبو علي بن شاذان في "الثامن من أجزائه" (١/ ١١٩ رقم ١١٨).
وأما طريق محمد بْن أَيُّوبَ البجلي: أخرجه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (٢/ ٣٠٣).
وأما طريق الْبَاغَنْدِي، وَأَحْمَد بْن حَاتِم الْمَرْوَزِيّ: أخرجه البيهقي في "السنن الكبري" ك/ الحج ب/ سِقَايَةِ الْحَاجِّ وَالشُّرْبِ مِنْهَا وَمِنْ مَاءِ زَمْزَمَ (٥/ ٢٤١ رقم ٩٦٦٠).
ب - متابعات للوجه الأول: فقد تابع سَعِيد، عَن ابْنِ الْمُؤَمَّل علي هذا الوجه: سَعِيد بْن زَكَرِيَّا، وزَيْد بْن الْحُبَابِ، وعَلِيّ بْن ثَابِت، وعَبْد اللهِ بْن الْوَلِيدِ، ومُحَمَّد بْن حُبَيْبَ مَوْلَى آلِ بَاذَان، والْوَلِيد بْن مُسْلِم، وخَالِد بْن نِزَارٍ، ومعن بن عيسى، ومُحَمَّد بْن سِنَانٍ الْعَوَقِيُّ، والثوري، وابن المبارك. كلهم عَن ابْنِ الْمُؤَمَّلِ، عَن أَبي الزُّبَيْرِ به بمثله.
أما متابعة سَعِيد بْن زَكَرِيَّا: أخرجها ابن أبي شيبة في "مصنفه" ك/ الحج ب/ في فضل زمزم (٥/ ٣٨٤ رقم ١٤٣٢٣)، وفي ك/ الطب ب/ مَنْ كَانَ يَقُولُ: مَاءُ زَمْزَمَ فِيهِ شِفَاءٌ (٨/ ٧٣ رقم ٢٤٠٧٢)، وأبو الفضل الزهري في "حديثه" (١/ ٥٧٨ رقم ٦٢٨).
وأما متابعة زَيْد بْن الْحُبَابِ: أخرجها ابن أبي شيبة في "مصنفه" ك/ الحج ب/ في فضل زمزم (٥/ ٣٨٤ رقم ١٤٣٢٣)، وفي ك/ الطب ب/ مَنْ كَانَ يَقُولُ: مَاءُ زَمْزَمَ فِيهِ شِفَاءٌ (٨/ ٧٣ رقم ٢٤٠٧٢)، والفاكهي في "أخبار مكة" ب/ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ زَمْزَمَ وَتَفْسِيرِهِ (٢/ ٢٧ رقم ١٠٧٦)، وأبو الفضل الزهري في "حديثه" (١/ ٥٧٨ رقم ٦٢٨).
وأما متابعة عَلِي بْن ثَابِتٍ: أخرجها أحمد في "مسنده" (٢٣/ ١٤٠ رقم ١٤٨٤٩).
وأما متابعة عَبْد الله بْن الْوَلِيدِ: أخرجها أحمد في "مسنده" (٢٣/ ٢٤٤ رقم ١٤٩٩٦).
وأما متابعة مُحَمَّد بْن حُبَيْبَ مَوْلَى آلِ بَاذَان: أخرجها الفاكهي في "أخبار مكة" ب/ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ
стр. 937
زَمْزَمَ وَتَفْسِيرِهِ (٢/ ٢٧ رقم ١٠٧٦).
وأما متابعة الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم: أخرجها ابن ماجة في "سننه" ك/ أبواب المناسك ب/ الشُّرْبِ مِنْ زَمْزَمَ (٤/ ٢٤٩ رقم ٣٠٦٢).
وأما متابعة خَالِدُ بْنُ نِزَار: أخرجها الطبراني في "الأوسط" (٩/ ٢٦ رقم ٩٠٢٧).
وأما متابعة معن بن عيسى: أخرجها ابن عدي في "الكامل" (٥/ ٢٢١).
وأما متابعة مُحَمَّد بْن سِنَان الْعَوَقِي: أخرجها أبو نعيم الأصبهاني في "تاريخ أصبهان" (٢/ ٣٨).
وأما متابعة سُفْيَانَ الثوري: أخرجها الخطيب في "تاريخ بغداد" (٤/ ٢٩٥).
وأما متابعة عبد الله بن المبارك من أصح الأوجه عنه: (١) أخرجها ابن المقرئ في "معجمه" (١/ ١٣٢ رقم ٣٨٢)، ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٢/ ٤٣٦)،
ت - متابعات أيضاً للوجه الأول: فقد تابع عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّل، عَن أَبي الزُّبَيْرِ: حَمْزَة الزَّيَّات، وإِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ:
أما متابعة حَمْزَة الزَّيَّات: أخرجها ابن عدي في "الكامل" (٥/ ٢٢٣)، والطبراني في "الأوسط" (٤/ ١٣٩ رقم ٣٨١٥).
وأما متابعة إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان: أخرجها البيهقي في "السنن الكبري" ك/ الحج ب/ الرُّخْصَةِ فِي الْخُرُوجِ بِمَاءِ زَمْزَم (٥/ ٣٣١ رقم ٩٩٨٧).
الوجه الثاني: سَعِيد، عَن ابْن الْمُؤَمَّل، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَمْرٍو.
ورواه عَن سَعِيد بْن سُلَيْمَانَ بهذا الوجه: أَبُو عَلِي الحسن بن سهل بْن سِخْتَوَيْه البغدادي.
أخرجه البيهقي في "السنن الصغير" ك/ المناسك ب/ دُخُولِ الْكَعْبَةِ وَالصَّلَاةِ فِيهَا (٢/ ٢٠٣ رقم ١٧٤٣)، وفي "شعب الإيمان" ب/ في المناسك: فَضْلُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (٣/ ٤٨١ رقم ٤١٢٧).
ثانياً: دراسة الإسناد:
стр. 938
أولاً: دراسة إسناد الوجه الأول: "إسناد الطبراني ـــ رواية الباب ـــ.
١) أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١١٦).
٢) سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبِّيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٢٦).
٣) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ الْمَخْزُومِيُّ: "ضعيف الحديث" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٩٥).
٤) أَبو الزُّبَيْر المَكِّيُّ: "ثقة يُدلس، فلا يقبل ما رواه بالعنعنة إلا إذا صرح فيه بالسماع أو كان من رواية الليث بن سعد عنه" سبقت ترجمته في حديث رقم (٢٩).
٥) جَابِرُ بنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ: "صحابي" سبقت ترجمته في حديث رقم (٢١).
ثانياً: دراسة إسناد الوجه الثاني: "إسناد البيهقي في السنن الصغير، وشعب الإيمان ".
١) عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ أَبُو الحسن: قال الخطيب: ثقة. (١)
٢) أَحْمَدُ بن عبيد بْن إِسْمَاعِيل أَبُو الْحَسَن الصفار: قال الخطيب: ثقة ثبت. (٢)
٣) الْحَسَن بن سهل بْنُ سِخْتَوَيْهِ أَبُو عَلِيّ المقرئ: قال الخطيب: سمع سعيد بن سُلَيْمَان. ذكره أَبُو أَحْمَد مُحَمَّد بن مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاق الْحَافِظ النيسابوري فِي كتاب الأسماء والكني. قلت: وذكره الذهبي أيضاً في الكنى. وحاصله أنه "مجهول". (٣)
٤) سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبِّيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٢٦).
٥) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ الْمَخْزُومِيُّ: "ضعيف الحديث" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٩٥).
٦) ابْنِ جُرَيْجٍ: "ثقة يرسل ويُدلس فلا يُقبل ما راوه بالعنعنة إلا إذا صرح فيه بالسماع" سبقت ترجمته في حديث رقم (٤٥).
٧) عَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاحٍ: "ثقة يرسل" سبقت ترجمته في حديث رقم (٦٧).
٨) عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرِو بنِ العَاصِ: "صحابي" سبقت ترجمته في حديث رقم (٩٦).
ثالثاً: النظر في الخلاف والترجيح:
يتبين لنا مما سبق أنَّ هذا الحديث مداره علي سَعِيد بْن سُلَيْمَان، واختلف عنه من وجهين:
الوجه الأول: سَعِيد بْن سُلَيْمَان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّل، عَن أَبي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِر.
ورواه عَن سَعِيد بْن سُلَيْمَان بهذا الوجه: أَحْمَد بْن يَحْيَى الْحُلْوَانِي، وأَحْمَد بْن عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بن جابر البربهاري، ومحمد بْنُ أَيُّوب البجلي، ومحمد بن سليمان الْبَاغَنْدِي، وَأَحْمَد بْن حَاتِم الْمَرْوَزِي. وقد تابع سَعِيد، عَن ابْنِ الْمُؤَمَّل علي هذا الوجه: سَعِيد بْن زَكَرِيَّا، وزَيْد بْن الْحُبَاب، وعَلِي بْن ثَابِت، وعَبْد الله بْن الْوَلِيدِ، ومُحَمَّد بْن حُبَيْبَ مَوْلَى آلِ بَاذَان، والْوَلِيد بْن مُسْلِم، وخَالِد بْن نِزَار، ومعن بن عيسى، ومُحَمَّد بْن سِنَان
стр. 939
الْعَوَقِي، والثوري، وابن المبارك. وقد توبع عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّل أيضاً، عَن أَبي الزُّبَيْرِ فتابعه: حَمْزَة الزَّيَّات، وإِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان.
الوجه الثاني: سَعِيد بْن سُلَيْمَان، عَن ابْنِ الْمُؤَمَّلِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَمْرٍو.
ورواه عَن سَعِيد بْن سُلَيْمَانَ بهذا الوجه: أَبُو عَلِيِّ الحسن بن سهل بْن سِخْتَوَيْهِ البغدادي، وهو مجهول.
وعلي هذ فالذي يظهر مما سبق والله أعلم أن الوجه الأول هو الوجه الراجح وذلك لما يلي:
١) رواية الأكثر عدداً: فقد رواه بالوجه الأول جماعة من الرواة وهذا بخلاف الوجه الثاني.
٢) رواية الأحفظ: فقد رواه بالوجه الأول جماعة من الثقات، وهذا بخلاف الوجه الثاني فراويه مجهول.
٣) المتابعات: فقد تابع سَعِيد، عَن ابْنِ الْمُؤَمَّل علي الوجه الأول كثرة من الرواة، وتوبع عَبْد اللَّهِ بْن الْمُؤَمَّل، عَن أَبي الزُّبَيْرِ أيضاً.
رابعاً: الحكم علي إسناد الحديث:
الحديث بإسناد الطبراني ــــ الوجه الأول الراجح ــــ إسناده ضعيف: فيه علتان:
العلة الأولي: ضعف عَبْد اللَّه بْن الْمُؤَمَّل.
العلة الثانية: عنعنة أَبي الزُّبَيْرِ، عَن جابر.
- قلت: أما جواب العلة الأولي وهي ضعف عَبْد اللَّه بْن الْمُؤَمَّلِ:
فقد تابعه: حَمْزَة الزَّيَّات، وإِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان.
أما حَمْزَة الزَّيَّات: فقال فيه ابن حجر: صدوق ربما وهم. (١) قلت: والإسناد إلي حمزة "حسن" لأجل: عبد الرحمن بن المغيرة القرشي: قال فيه ابن حجر: صدوق. (٢)
وأما إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان: فقال فيه ابن حجر: ثقة يُغرب (٣) قلت والإسناد إليه رجاله ثقات عدا:
أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَد بْن إِسْحَاقَ بْنِ شَيْبَانَ أبو محمد الهَرَوي الْبَغْدَادِيُّ الضّرير: قال الذهبي: سَمِعَ مِنْ مُعاذ بن نجدة عمّ والدته، وعلي بن محمد الْجكَّاني، رَوَى عَنْهُ: إسحاق بن إبراهيم القراب، وأحمد بن عبد الرحمن الشيرازي، وأبو عثمان سعيد بن العباس القرشي، وأبو الفضل بن أبي عصمة، ويحيى بن إبراهيم بن محمَّد بن يحيى بن سختويه، وعمر بن عبد العزيز بن عمر بن قتادة. قال الذهبي: وهو من كبار شيوخ القراب. قلت: والقراب هذا قال فيه الذهبي: الحافظ الإمام محدث خراسان، له المصنفات الكبيرة الدالة على حفظه وسعة علمه. وكان ممن يرجع إليه في العلل، والجرح والتعديل. (٤)
стр. 940
وفيه أيضاً: مُعَاذُ بْنُ نَجْدَةَ الهروي قال فيه الذهبي: صالح الحال قد تُكلم فيه. (١)
- وأما جواب العلة الثانية وهي عنعنة أَبي الزُّبَيْرِ، عَن جابر.
قلت: فقد صرح أَبو الزُّبَيْرِ بالتحديث عَن جابر عند ابن ماجة، والبيهقي.
أما رواية ابن ماجه فقد أخرجها في "سننه" قال: حدثنا هِشَام بْن عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ: إنَّهُ سَمِعَ أَبَا الزُّبَيْرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ......
قلت: وفيها الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ يدلس تدليس التسوية ولم يصرح بالسماع من عَبْد اللَّهِ بْن الْمُؤَمَّلِ.
وأما رواية البيهقي فقد أخرجها في "السنن الكبري" بسنده عَن إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان، ثنا أَبُو الزُّبَيْرِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ فَتَحَدَّثْنَا فَحَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَقَامَ فَصَلَّى بِنَا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ تَلَبَّبَ بِهِ وَرِدَاؤُهُ مَوْضُوعٌ ثُمَّ أُتِيَ بِمَاءٍ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فَشَرِبَ ثُمَّ شَرِبَ فَقَالُوا: مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مَاءُ زَمْزَمَ، وَقَالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ. قلت: وهذه هي متابعة إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان التي بينا ما فيها قبل ذلك.
قال ابن الملقن: أَعَلَّهُ ابْن الْقطَّان بِأبي الزبير عَن جَابر، وَقَالَ: تَدْلِيس أبي الزبير مَعْلُوم. قلت ــــ أي ابن الملقن ـــــ: قد صرّح بِالتَّحْدِيثِ فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه وَكَذَا الْبَيْهَقِيّ فِي بَاب الرُّخْصَة فِي الْخُرُوج بِمَاء زَمْزَم. (٢)
قلت: وله شاهد صحيح عن مجاهد قوله: (٣) فعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: زَمْزَمُ لِمَا شُرِبَتْ لَهُ، إِنْ شَرِبْتَهُ تُرِيدُ الشِّفَاءَ شَفَاكَ اللَّهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ تُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ ظَمَأَكَ قَطَعَهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ تُرِيدُ أَنْ تُشْبِعُكَ أَشْبَعَتْكَ هِيَ هَزْمَةُ جِبْرِيلَ، وَسُقْيَا اللَّهِ إِسْمَاعِيلَ». (٤) وعَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، أَنَّ مُجَاهِدًا كَانَ يَقُولُ: هِيَ لِمَا شُرِبَتْ لَهُ يَقُولُ: تَنْفَعُ لِمَا شُرِبَتْ لَهُ. (٥)
قلت: وقد ثبت في صحيح مسلم بسنده عَن حُمَيْد بْن هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَرَجْنَا مِنْ قَوْمِنَا غِفَارٍ، وَكَانُوا يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَخِي أُنَيْسٌ وَأُمُّنَا وفيه: .......... ثُمَّ قَالَ لِي
стр. 941
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَتَى كُنْتَ هَاهُنَا؟» قَالَ قُلْتُ قَدْ كُنْتُ هَاهُنَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ، قَالَ: «فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ؟» قَالَ قُلْتُ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ، قال: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ». قلت: وزاد الطيالسي في مسنده، وغيره: «وَشِفَاءُ سُقْمٍ». (١) وأخرج الطبراني في الأوسط" (٤/ ١٧٩ رقم ٣٩١٢) بسند حسن عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خَيْرُ مَاءٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَاءُ زَمْزَمَ، فِيهِ طَعَامٌ مِنَ الطُّعْمِ، وَشِفَاءٌ مِنَ السَّقَمِ.
وعلي هذا فيرتقي الحديث بمجموع طرقه من الضعيف إلي الحسن لغيره، والله أعلم.
أحكام العلماء علي الحديث:
قال أبو بكر الدينوري: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، عَن مُحَمَّد بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَن الْحُمَيْدِيُّ؛ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فَحَدَّثَنَا بِحَدِيثِ زَمْزَمَ: أَنَّهُ لِمَا شُرِبَ لَه، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمَجْلِسِ ثُمَّ عَادَ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! أَلَيْسَ الْحَدِيثُ صَحِيحًا الَّذِي حَدَّثْتَنَا بِهِ فِي زَمْزَمَ أَنَّهُ لِمَا شُرِبَ لَهُ؟ فَقَال سُفْيَانُ: نَعَمْ. فَقَالَ الرَّجُلُ: فَإِنِّي قَدْ شَرِبْتُ الْآنَ دَلْوًا مِنْ زَمْزَمَ عَلَى أنك تحدثني بمئة حَدِيثٍ. فَقَالَ سُفْيَانُ: اقْعُدْ. فحدثه بمئة حَدِيثٍ. (٢)
وقال المنذري: إِسْنَاده حسن. (٣) وقال ابن القيم: الحديثُ حسن، وقد صححه بعضهم، وجعله بعضهم موضوعاً، وكلا القولين فيه مجازفة. وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أموراً عجيبة، واستشفيت به من عدة أمراض، فبرأت بإذن الله، وشاهدت من يتغذى به الأيام ذوات العدد قريباً من نصف الشهر أو أكثر ولا يجد جوعاً، ويطوف مع الناس كأحدهم، وأخبرني أنه ربما بقي عليه أربعين يوماً، وكان له قوة يجامع بها أهله، ويصوم ويطوف مراراً. (٤) وقال السبكي: سئل ابن خزيمة: من أين أُتيت العلم؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : ماء زمزم لما شرب له، وإني لما شربت ماء زمزم سألت الله علماً نافعاً. (٥) وقال الزركشي: إسناده جيد. (٦) وقال ابن الصلاح: صحح الحافظ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي حديث جابر مرفوعاً: ماء زمزم لما شرب له. (٧) قلت: لكن صححه الدمياطي من طريق ابن المبارك، عن ابن أبي الموال، عن ابن المنكدر، عن جابر وهذا الطريق قال فيه ابن حجر: شاذ، والمحفوظ عن ابن المبارك عن ابن المؤمل كما ذكرناه قبل ذلك، قلت: وضعفه النووي أيضاً من طريق ابن المنكدر.
وقال ابن الهمام: واعلم أن الذي نحتاج إليه الحكم بصحة المتن عن رسول الله ﷺ ، ولا علينا كونه من
стр. 942
خصوص طريق بعينه. وهنا أمور تدل عليه: منها أن مثله لا مجال للرأي فيه فوجب كونه سماعاً، وكذا إن قلنا العبرة في تعارض الوصل والوقف والإرسال للواصل بعد كونه ثقة لا للأحفظ ولا غيره، مع أنه قد صح تصحيح نفس ابن عيينة له في ضمن حكاية حكاها أبو بكر الدينوري. فبجميع ما ذكرنا لا يشك بعد في صحة هذا الحديث سواء كان على اعتباره موصولاً من حديث ابن عباس ﵁، أو حكماً بصحة المرسل لمجيئه من وجه آخر، أو حكماً بأنه عن النبي ﷺ بسبب أنه مما لا يدرك بالرأي. وأعني بالمرسل ذلك الموقوف على مجاهد بناء على أنه إذا كان لا مجال للرأي فيه بمنزلة قول مجاهد قال رسول الله ﷺ . وأيضاً فإن الحديث معروف عن عبد الله بن المؤمل، عن أبي الزبير، عن جابر. فقد ثبت حسنه من هذا الطريق، فإذا انضم إليه ما قدمناه حكم بصحته. (١) وقال ابن حجر: ومرتبة هذا الحديث عند الحفاظ باجتماع هذه الطرق يصلح للاحتجاج به علي ما عرف من قواعد أئمة الحديث. (٢) وقال السخاوي: حديث مجاهد، عن ابن عباس: رواه الحميدي، وابن أبي عمر وغيرهما من الحفاظ كسعيد بن منصور عن ابن عيينة بدون ابن عباس فهو مرسل، وإن لم يصرح فيه أكثرهم بالرفع لكن مثله لا يقال بالرأي، وأحسن من هذا كله عند شيخنا ـــــ أي ابن حجر ــــ ما أخرجه الفاكهي من رواية ابن إسحاق حدثني يحيى بن عباد عن عبد اللَّه بن الزبير عن أبيه قال: لما حج معاوية فحججنا معه، فلما طاف بالبيت صلى عند المقام ركعتين، ثم مر بزمزم وهو خارج إلى الصفا فقال: انزع لي منها دلو يا غلام، قال: فنزع له منه دلوا فأتى به فشرب وصب على وجهه ورأسه وهو يقول: زمزم شفاء، وهي لما شرب له، بل قال شيخنا: إنه حسن مع كونه موقوفاً، وأفرد فيه جزءاً، واستشهد له في موضع آخر بحديث أبي ذر رفعه: إنها طعام طعم وشفاء سقم، وأصله في مسلم وهذا اللفظ عند الطيالسي قال ــــ أي ابن حجر ــــ ومرتبة هذا الحديث أنه باجتماع هذه الطرق يصلح للاحتجاج به، وقد جربه جماعة من الكبار فذكروا أنه صح، بل صححه من المتقدمين ابن عيينة، ومن المتأخرين الدمياطي في جزء جمعه فيه، والمنذري، وضعفه النووي. (٣)(٤) قلت: لكن ضعفه النووي من طريق ابن المبارك، عن ابن أبي الموال، عن ابن المنكدر، عن جابر. وقال السيوطي: أخرجه ابن ماجه من حديث جابر بسند جيد والخطيب في التاريخ بسند صححه الدمياطي، وصححه أيضاً المنقري، وضعفه النووي، وحسنه ابن حجر لوروده من طرق عن جابر. (٥) وقال السيوطي أيضاً: أخْرُج هَذَا الحَدِيث الْحَاكِم، وَصَححهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب، وَابْن حبَان وَمن الْمُتَقَدِّمين ابن عُيَيْنَة وَمن الْمُتَأَخِّرين الْحَافِظ ابن حجر واشتهر عَن الشَّافِعِي أنه شربه للرمي فَكَانَ يُصِيب من كل عشرَة تِسْعَة، وأفردت فضائلها بالتأليف كَذَا ذكره شَيخنَا عَابِد السندي فِي حَاشِيَة الدّرّ إنْجَاح مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ هَذَا الحَدِيث مَشْهُور على الْأَلْسِنَة كثيراً وَاخْتلف الْحفاظ فِيهِ فَمنهمْ
стр. 943
من صَححهُ وَمِنْهُم من حسنه وَمِنْهُم من ضعفه وَالْمُعْتَمد الأول. (١) وقال أبو عبد الله القادري الحسيني الفاسي: صحيح وقال ذلك القسطلاني أيضاً. (٢) وقال المناوي: هذا الحديث فيه خلاف طويل وتأليفات مفردة قال ابن القيم: والحق أنه حسن وجَزْم البعض بصحته والبعض بوضعه مجازفة. وقال ابن حجر: غريب حسن بشواهده. (٣) قلت: ولابن حجر جزء قد أفرده في تخريج حديث "ماء زمزم لما شُرب له" فمن رام المزيد فليراجعه مشكوراً.
وأما الحديث بالوجه الثاني ــــ المرجوح ــــ فإسناده منكر وذلك لمخالفة الضعيف وتفرده.
خامساً: النظر في كلام المُصَنِف:
قال الطبراني ﵀: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ.
قلت: وقال البيهقي أيضاً: تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ. (٤)
قلت: وليس كما قالا عليهما من الله الرحمة والرضوان فلم يتفرد به عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ عَن أَبِي الزُّبَيْرِ. بل تابعه حَمْزَة الزَّيَّات، وإِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان كما بينت قبل ذلك.
قلت: قال ابن التركماني، وابن الملقن: لم ينفرد به عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ بل تابعه إبراهيم بن طهمان عن أبى الزبير كذا أورده البيهقي نفسه فيما بعد في باب الرخصة في الخروج بماء زمزم. (٥)
سادساً: التعليق علي الحديث:
قال الحكيم الترمذي ﵀: زمزم سقيا الله وغياثه لولد خَلِيله إِسْمَاعِيل ﵉ فَبَقيَ غياثاً لمن بعده فِي كل نائبة إِن شربت لمَرض شفيت، وَإِن شربت لغم فرج عَنْك، وَإِن شربت لحَاجَة استعنت، وَإِن شربت لنائبة صلحت لِأَن أَصله من الرَّحْمَة بدا غياثاً فلأي شَيْء شربه الْمُؤمن وجد غوث ذَلِك الْأَمر. (٦)
وقال النووي ﵀: روينا عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَاءُ زمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ" وهذا مما عَمِلَ العلماءُ والأخيارُ به، فشربُوه لمطالبَ لهم جليلةٍ فنالوها. قال العلماء: فيُستحبّ لمن شربَه للمغفرة، أو للشفاء من مرضٍ ونحو ذلك أن يقول عند شربه: اللَّهُمَّ إنَّهُ بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: "ماءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ" اللَّهُمَّ وإني أشْرَبُهُ لِتَغْفِرَ لي وَلِتَفْعَلَ بي كَذَا وكَذَا، فاغْفِرْ لي أوِ افْعَلْ، أو: اللَّهُمَّ إني أشْرَبُهُ مُسْتَشْفِياً بِهِ فَاشْفِني، ونحو هذا، والله أعلم. (٧)
стр. 944
[٢٠٠/ ٨٥٠]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: نا عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْخُلُقُ الْحَسَنُ يُذِيبُ [الْخَطَايَا] (١) كَمَا يُذِيبُ الْمَاءُ الْجليدَ، وَالْخُلُقُ السَّوْءُ يُفْسِدُ الْعَمَلَ كَمَا يُفْسِدُ الْخَلُّ الْعَسَلَ.
أولاً: تخريج الحديث:
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٠/ ٣٨٨ رقم ١٠٧٧٧) والآجُرِّيُّ في "أخلاق القرآن" (١/ ١٧٢)، (١/ ١٧٨) (٢)، والخطيب في "المتفق والمفترق" (٣/ ١٥٩٤ رقم ١٠٤٨)، عَن أَحْمَد بْن يَحْيَى الْحُلْوَانِي، عَن سَعِيد بْن سُلَيْمَان.
وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٤١٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" ب/ في حسن الخلق (٦/ ٢٤٧ رقم ٨٠٣٦)، عَن شَيْبَان بن فروخ الحبطي.
كلاهما: سَعِيد بْن سُلَيْمَانَ، وشيبان بن فروخ، عَنْ عِيسَى بْنِ مَيْمُون به بنحوه وعند بعضهم بلفظ: حُسْنُ الْخُلُقِ يُذِيبُ الْخَطَايَا كَمَا تُذِيبُ الشَّمْسُ الْجَلِيد.
ثانياً: دراسة الإسناد:
١) أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١١٦).
٢) سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبِّيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٢٦).
٣) عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ المدني المعروف بالواسطي، مولى القاسم بْن مُحَمَّد: "متروك الحديث" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٣٦).
٤) مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ (٣)، أَبُو حَمْزَةَ، وقَيل: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ. (٤)(٥)
стр. 945
روي عَنْ: عَبد الله بْن عباس، وأنس بن مالك، وجابر بْن عَبد اللَّهِ، وآخرين.
روي عَنْه: مُحَمَّد بْن كَعْبٍ الْقُرَظِي، وعَمْرو بن دينار، ومحمد بْن المنكدر، وآخرون.
أقوال أهل العلم فيه: قال ابْن سعد، والعجلي، وابن المديني، وأَبُو زُرْعَة، والنسائي، والذهبي، وابن حجر: ثقة، وزاد ابن سعد: كان عالماً، كثير الحديث، ورعاً، وزاد الذهبي: حجة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان من أفاضل أهل المدينة علماً وفقهاً. روى لِهِ الجماعة.
وقد وُصف بالإرسال: فأرسل عن علي، والعباس، وابن مسعود، وأبو ذر، وأبي الدرداء، وعمرو بن العاص ﵃. قال ابن حجر: يقال أن الجميع مرسل. وقال أبو داود: سمع من علي، وابن معاوية، وابن مسعود وهذا هو الصحيح. وقال أيضاً: سمع من عمرو وأبي ذر على الصحيح. وحاصله أنه "ثقة يُرسل" قال الذهبي: يرسل كثيراً، ويروي عمن لم يلقهم. (١)
٥) عَبْد اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بن عم النَبِي ﷺ : "صحابي" سبقت ترجمته في حديث رقم (٦٤).
ثالثاً: الحكم علي إسناد الحديث:
الحديث بإسناد الطبراني "إسناده ضعيف جداً" فيه: عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ الواسطي: متروك الحديث.
قال الهيثمي: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ، وَفِيهِ عِيسَى بن مَيْمُونٍ الْمَدَنِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ. (٢)
قلت: وللحديث شواهد لكنها شديدة الضعف:
- فعن دَاوُد بْن مُحَبَّر، عَن سُكَيْن بْن أَبِي سِرَاج، عَن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَار، عَن ابْن عُمَرَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : سُوءُ الْخُلُقٍ يُفْسِدُ الْعَمَلَ كَمَا يُفْسِدُ الْخَلُّ الْعَسَلَ. (٣)
قلت: فيه: دَاوُد بْن المُحَبَّرٍ: قال فيه ابن حجر: متروك، وأكثر كتاب العقل الذي صنفه موضوعات. (٤) وسُكَيْن بْن أَبِي سِرَاج: قال ابن حبان: شيخ يروي الموضوعات عن الأثبات والملزقات عن الثقات. وقال أبو نعيم: روى عَن عبد الله بن دِينَار بمناكير وموضوعات، وقال: الذهبي: واهٍ. (٥)
- وعن مُخَيْمَر بن سعيد المنيجي، عَن رَوْح بْن عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَن خُلَيْد بْن دَعْلَجٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ،
стр. 946
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الْخُلُقَ الْحَسَنَ يُذِيبُ الْخَطِيئَةَ، كَمَا تُذِيبُ الشَّمْسُ الْجَلِيدَ، وَإِنَّ الْخُلُقَ السَّيِّئَ لَيُفْسِدُ الْعَمَلَ كَمَا يُفْسِدُ الْخَلُّ الْعَسَل. (١)
قلت: وفيه: مُخَيْمَر: مجهول الحال. وروح بن عبد الواحد الحراني: قال أبو حاتم: ليس بالمتقن روى أحاديث متناقضة. (٢) وخُلَيْد بْن دَعْلَجٍ السدوسي: قال أَحْمَد، وابن حجر: ضعيف، وَقَال ابْن مَعِين: ليس بشيءٍ. وَقَال النَّسَائي: ليس بثقة. وذكره الدَّارَقُطنِيّ فِي جَمَاعَةٍ من المتروكين. (٣)
- وعن مُحَمَّد بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّرَّاجُ، عَن مُحَمَّد بْن مُصَفَّى، عَن بَقِيَّة بْن الْوَلِيدِ، حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا إِذْ قَالَ: إِنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ لَيُذِيبُ الْخَطِيئَةَ كَمَا تُذِيبُ الشَّمْسُ الْجَلِيدَ. (٤)
قلت: فيه: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّرَّاجُ: مجهول الحال. وبقية بن الوليد: يدلس تدليس التسوية وقال ابن معين: إذا كنى الرجل، ولم يسم اسم الرجل، فليس يساوي شيئاً. (٥) قلت: وقد كناه هنا، إضافة إلي أنه لم يصرح بالتحديث في نهاية الإسناد. ومسلم بن علي الخُشَني أبو سعيد البلاطي: قال ابن حجر: متروك. (٦) وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ: مجهول الحال.
- وعَن النَّضْر بْن مَعْبَدٍ الْجَرْمِيُّ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ يُذِيبُ الْخَطِيئَةَ، كَمَا تُذِيبُ الشَّمْسُ الْجَلِيدَ، وَإِنَّ سُوءَ الْخُلُقِ يُفْسِدُ الْعَمَلَ كَمَا يُفْسِدُ الصَّبْرُ الْعَسَلَ". (٧)
قلت: النَّضْرُ بْنُ مَعْبَدٍ أَبُو قَحْذَمٍ: قَال ابن معين: لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقال العقيلي: أبُو قَحْذَم عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَلَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ. (٨) وقال النسائي: ليس بثقة. (٩) وقال البيهقي: تَفَرَّدَ بِهِ النَّضْرُ بْنُ مَعْبَدٍ أَبُو قَحْذمٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وعلي ذلك فهذه الشواهد ضعيفة جداً لا تصلح للتقوية والاعتبار، فالحديث ضعيف جداً.
قلت: لكن ثبت في فضل حسن الخلق أحاديث صحيحة منها:
- عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ
стр. 947
خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ». (١) قال الترمذي: وَفِي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ، وَأُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيح.
- وعَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ أَكْثَرَ مَا يُدْخِلُ مِنَ النَّاسِ النَّارَ الْأَجْوَفَانِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْأَجْوَفَانِ؟ قَالَ: "الْفَرْجُ وَالْفَمُ"، قَالَ: أَتَدْرُونَ أَكْثَرَ مَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ؟ تَقْوَى اللهِ، وَحُسْنُ الْخُلُق. (٢) قلت: إسناده حسن.
قلت: وقد ورد بالمعني ما يدل علي أن سَّوْءَ الْخُلُق يُفْسِد الْعَمَل:
- فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا، وَصِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: "هِيَ فِي النَّارِ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، وَصَلَاتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: "هِيَ فِي الْجَنَّةِ". (٣) قلت: إسناده صحيح.
رابعاً: النظر في كلام المُصَنِف:
قال الطبراني ﵀: لَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ: عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ. (٤)
قلت: والأمر كما قال عليه من الله الرحمة والرضوان.
قال البيهقي: تَفَرَّدَ بِهِ عِيسَى بْنُ مَيْمُون، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَكَانَ ضَعِيف. (٥)
خامساً: التعليق علي الحديث:
قال ابن حبان: الواجب على العاقل أن يتحبب إلى الناس بلزوم حسن الخلق وترك سوء الخلق لأن الخلق الحسن يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد وإن الخلق السيء ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل وقد تكون في الرجل أخلاق كثيرة صالحة كلها وخلق سيء فيفسد الخلق السيء الأخلاق الصالحة كلها وأنشدني البغدادي خالق الناس بخلق حسن … لا تكن كلبا على الناس يَهِر
والقَهُم منك ببشر ثم صن … عنهم عرضك عَن كل قذر. (٦)
стр. 948
[٢٠١/ ٨٥١]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: نا عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ، يَذْكُرُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا ذِئْبَانِ ضَارِيَانِ بَاتَا فِي غَنَمٍ، بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حُبِّ ابْنِ آدَمَ الشَّرَفِ وَالْمَالِ».
*لَا يُرْوَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِمَا: عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ.
أولاً: تخريج الحديث:
هذا الحديث مداره علي مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِي، واختلف عنه من وجهين:
الوجه الأول: مُحَمَّد بْن كَعْبٍ الْقُرَظِي، عَن عَبْد اللَّهِ بْنِ عَبَّاس موصولاً.
ورواه عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْبٍ الْقُرَظِي بهذا الوجه: عِيسَى بْن مَيْمُون.
أخرجه الطبراني في "الأوسط" ــــ رواية الباب ــــ، وفي "المعجم الكبير" (١٠/ ٣٨٨ رقم ١٠٧٧٨)، عَن أَحْمَد بْن يَحْيَى الْحُلْوَانِي، عَن سَعِيد بْن سُلَيْمَان.
والطبراني في "المعجم الكبير" (١٠/ ٣٨٨ رقم ١٠٧٧٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ٢١٩)، عَن آدَم بْن أَبِي إِيَاس. كلاهما: سَعِيد بْن سُلَيْمَان، وآدَم بْن أَبِي إِيَاس، عَن عِيسَى، عَن الْقُرَظِي به بنحوه.
الوجه الثاني: عَن مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِي مُرسلاً.
أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" ب/ في الزهد وقصر الأمل (٧/ ٢٦٩ رقم ١٠٢٧٣)، عَن عَمْرُو بْن أَبِي عَمْرو، عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِي، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ تَفَرَّقَتْ مِنْ رَاعِيَهَا، أَحَدُهُمَا فِي أَوَّلِهَا وَالْآخَرُ فِي آخِرِهَا أَشَدَّ فِيهَا فَسَادًا مِنْ حُبِّ الشَّرَفِ وَالْغِنَى.
ثانياً: دراسة الإسناد:
أولاً: دراسة إسناد الوجه الأول: "إسناد الطبراني ــــ رواية الباب ــــ.
١) أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١١٦).
٢) سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبِّيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٢٦).
٣) عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ المدني: "متروك الحديث" سبقت ترجمته حديث رقم (١٣٦).
٤) مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: "ثقة لكنه يُرسل" سبقت ترجمته في حديث رقم (٨٥٠).
٥) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ بن عم النَبِي ﷺ : "صحابي" سبقت ترجمته في حديث رقم (٦٤).
ثانياً: دراسة إسناد الوجه الثاني: "إسناد البيهقي في الشعب ".
١) محمد بْن الحسين بْن موسى، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلَمِيُّ: قال الذهبي: الإمام، الحافظ، المحدث، شيخ خراسان، وكبير الصوفية له سؤالات للدارقطني عن أحوال المشايخ الرواة سؤال عارف. وقال مرة: ما هو بالقوي في الحديث، وفي الجملة ففي تصانيفه أحاديث وحكايات موضوعة، وفي حقائق تفسيره أشياء لا تسوغ أصلاً، عدها بعض الأئمة من زندقة الباطنية، وقال مرة: تكلموا فيه، وليس بعمدة، وفي القلب مما يتفرد به.
стр. 949
وقال محمد بن يوسف القطان: غير ثقة. (١)
٢) أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنِ الْحَسَنِ الْكَارِزِيُّ: قال ابن طاهر: صَحِيح السماع مَقْبُول فِي الرِّوَايَة. (٢)
٣) مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصَّائِغُ: قال الدارقطني: ثقة. وقال الذهبي: كان محدث مكة في وقته، مع الصدق والمعرفة. (٣)
٤) سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: قال ابن حجر: ثقة مصنف وكان لا يرجع عما في كتابه لشدة وثوقه به. (٤)
٥) يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نزيل الإسكندرية حليف بني زهرة: قال ابن حجر: ثقة. (٥)
٦) عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو ميسرة مولي المطلب أبو عثمان: قال ابن حجر: ثقة ربما وهم. (٦)
٧) مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: "ثقة لكنه يُرسل" سبقت ترجمته في حديث رقم (٨٥٠).
ثالثاً: النظر في الخلاف والترجيح:
يتبين لنا مما سبق أنَّ هذا الحديث مداره علي مُحَمَّد بْن كَعْبٍ الْقُرَظِي، واختلف عنه من وجهين:
الوجه الأول: مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، عَن عَبْد اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ موصولاً.
ورواه عَن مُحَمَّد بْن كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ بهذا الوجه: عِيسَى بْن مَيْمُون: وهو متروك الحديث.
الوجه الثاني: مُحَمَّد بْن كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ مُرسلاً.
ورواه عَن مُحَمَّد بْن كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ بهذا الوجه: عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو: وهو ثقة.
وعلي هذا فالذي يظهر مما سبق أن الوجه الثاني ــــ المرسل ــــ هو الوجه الراجح وذلك لرواية الأحفظ: فرَاوِيَة الوجه الثاني أحفظ وأوثق من رَاوِيَة الوجه الأول. فرَاوِيَة الوجه الأول متروك الحديث كما سبق بيانه.
رابعاً: الحكم علي إسناد الحديث:
الحديث بإسناد الطبراني ــــ الوجه الأول المرجوح ــــ "إسناده منكر" فيه: عِيسَى بْن مَيْمُون: متروك الحديث مع تفرده ومخالفته لما رواه الثقة.
وأما الحديث بالوجه الثاني ــــ الراجح ــــ فهو مرسل إسناده حسن. قال البيهقي: هَذَا مُرْسَلٌ جَيِّد. (٧)
قلت وللحديث شواهد من أمثلها:
- حديث كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَال: مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ
стр. 950
الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ. (١) قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقال البغوي: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
- وعَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ أَبِي مُرَّةَ، مَوْلَى عَقِيلٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَا ذِئْبَانِ ضَارِيَانِ جَائِعَانِ فِي غَنَمٍ، تَفَرَّقَتْ أَحَدُهُمَا فِي أَوَّلِهَا وَالْآخَرُ فِي آخِرِهَا، بِأَسْرَعَ فِيهَا فَسَادًا مِنِ امْرِئٍ إِلَى دِينِهِ يَبْغِي شَرَفَ الدُّنْيَا وَمَالَهَا. (٢)
قلت: إسناده حسن لأجل: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِب: فهو حسن الحديث. (٣)
وعلي هذا فالحديث من وجهه المرسل ـــ الراجح ــــ يرتقي بشواهده من الضعيف إلي الحسن لغيره.
خامساً: النظر في كلام المُصَنِف:
قال الطبراني ﵀: لَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ: عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ.
قلت: والأمر في ذلك كما قال عليه من الله الرحمة والرضوان. فقد تفرد عِيسَى بْن مَيْمُون برواية هذا الحديث عَن مُحَمَّد بْن كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ موصولاً. ورواه عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، عَن مُحَمَّد بْن كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ مُرسلاً.
قال أبو نعيم: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَمْ نَكْتُبْهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. (٤)
سادساً: التعليق علي الحديث:
سبق التعليق عليه في حديث رقم (١٢٢/ ٧٧٢).