Полный текст (1 191 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
يقول: توجد اليوم برامج وفتاوى في التلفزيون والمذياع يومياً، وفي كل يوم مفتي وشيخ يجيب على الأسئلة، ونجد الاختلاف في الفتاوى في الأمور الفرعية، والمسائل غير مسائل الأصول مما يحدث لدى الناس خلاف في هذه الفروع، وكل أحد يقول: سمعت الشيخ يقول كذا، فما هو الحل في نظرك؟
الحل أن ينظر من قبل ولاة الأمر، ومن ولوا أمر الفتوى والمسئولية عنها أن يحدوا من هذه الاختلافات، وأن لا يوقعوا عامة المسلمين في بلبلة وإشكالات وحيرة، نعم يحدوا من هذه ويقللوا ممن يفتي الناس بقدر الإمكان، وأن لا يولى مثل هذا الأمر إلا الكفء.
يقول: هل يجوز التصوير للذكرى والتصوير للمناظر؟
المناظر التي ليست بذات أرواح لا بأس بها، ما لا روح فيه يجوز تصويره، وذوات الأرواح لا يجوز تصويرها بأي وسيلة كانت، سواءً كانت باليد أو بالكاميرا بالتصوير الشمسي له ظل كله داخل في النصوص.
يقول: هل يجوز الدف والطرب للرجال والنساء؟
في الأعراس يستعمله النساء وهو خلاف الأصل؛ لأن الأصل المنع، فيستعمل بقدر الحاجة.
يقول: هل يجوز التفرج على لعب الكرة في التلفاز؟ وهل يجوز الصيد للأكل؟
الصيد للأكل جائز بالإجماع، لا خلاف فيه بين أهل العلم، إنما الممنوع الصيد للعبث، يعني لغير مأكلة، لغير الأكل، هذا لا يجوز.
هل يجوز التفرج على لعب الكرة في التلفاز؟
على كل حال الأمور، إذا كان يواكب هذه الكرة أمور أخرى من كشف عورات وإلا حصول شحناء وبغضاء بين المشاهدين هذا يشجع كذا وهذا يشجع كذا، ثم يصير بينهم من الخلاف ما يوغر صدورهم، أو يكونوا سبباً في شغل عن واجب أو ما أشبه ذلك يمنع من هذه الحيثية، والله المستعان، والمسلم ينبغي أن يربأ بنفسه من أن يضيع وقته، ويهدر عمره العمر هو الأنفاس هو الساعات والدقائق التي يعيشها يفني عمره فيما لا ينفع.
يقول: نخبة الفكر لابن حجر هل تسمى نخبة الفِكْر أو نخبة الفِكَر؟
الفكَر، جمع فكرة.
طالب:. . . . . . . . .
نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
طيب قلنا: نجرب -إن شاء الله-، طيب، طيب.
يقول: ما حكم العمل برواية ابن عمر ورواية عائشة ﵄ بالنسبة للسنة الراتبة التي مع فرض الظهر؟
стр. 107
يعني هل يقصد أنها التي مع فرض الظهر هل هي أربع أو اثنتين؟ لأنه جاء في السنن الرواتب أنها عشر ركعات، وجاء ثنتا عشرة ركعة، فالزيادة مقبولة لعل النبي ﵊ أخبر أولاً بالعشر ثم زيد في ذلك، فسنة راتبة الظهر أربع قبلها وركعتان بعدها.
يقول: كم عدد الأحاديث الثابتة عن النبي ﵊ إن أمكن ذلك؟
الأحاديث أهل العلم يطلقون الأعداد ويريدون التكرار والطرق والروايات فتبلغ الأحاديث مئات الألوف، ويعتبرون أقوال الصحابة أيضاً من الأحاديث، ولذا لما قال الحافظ العراقي:
وفيه ما فيه لقول الجعفي ... أحفظ منه عُشر ألف ألفِ
لأن البخاري يقول: أحفظ من الصحيح مائة ألف ومن غير الصحيح مائتي ألف.
وفيه ما فيه لقول الجعفي ... أحفظ منه عُشر ألف ألفِ
يقول العراقي:
وعله أراد بالتكرارِ ... لها وموقوف وفي البخاري
أربعة الآلاف والمكررُ ... فوق ثلاثة ألوفاً ذكروا
стр. 108
الأعداد لا يمكن عدها على التحديد، ولم يعنَ بذلك أهل العلم من المتقدمين، وليس من شأنهم عدد الأعداد بدقة، ولذا تجدونهم عدهم للكتب أو ذكرهم لأعداد الأحاديث في الكتب بون شاسع، يعني حينما يقال: المسند فيه أربعين ألف حديث، ويعد بالتحديد يطلع ثلاثين ألف عشرة آلاف شيء يعني العلماء ما يولون مثل هذه الأمور عنايتهم، يعني مسلم قيل: ثمانية آلاف حديث، وقيل: اثنا عشر ألف حديث، يعني هذا لا يعنى به أهل العلم بقدر ما يعنون بالحفظ، يعني بدل ما يمسك المسند ويعد واحد اثنين ثلاثة أربعة خمسة، عشرين ألف، ثلاثين ألف أربعين، يحفظ مائة حديث، فليس هذا من اهتمامهم وعنايتهم، إنما بالتقريب هم يقولون، يعني عدد كبير عشرة ألاف عشرين ألف ما في فرق عندهم، بخلاف عناية المتأخرين، تجد المتأخرين يعنون بهذه الأمور، يرقمون وينظمون ويرتبون لكن إذا جئت إلى العلم الحقيقي ما وجدت شيء، يعني شخص من أهل اليمن أشكل عليه القراءة في تفسير الجلالين هل يقرأ في تفسير الجلالين بطهارة وإلا بدون طهارة؟ سأل قيل له: الحكم للغالب، يعني هل التفسير أكثر أو القرآن أكثر؟ فعد حروف التفسير وعد حروف القرآن، فيقول: إلى سورة المزمل العدد واحد، من المدثر إلى آخر القرآن زاد التفسير قليلاً انحلت عنده المشكلة، لكن هل سلف الأمة يفعلون مثل هذا؟ أو الحريص على وقته يعد حروف؟ لا، لا ما يعد حروف.
على كل حال في برنامج اسمه: جامع السنة فيه أحاديث مكررة كثيراً تبلغ خمسمائة وثلاثة وعشرين ألف حديث، نصف مليون، لكن مثل ما قلنا، بالتكرار، مثل ما يحفظ الإمام أحمد سبعمائة ألف، ويحفظ أبو داود ستمائة ألف، ويحفظ فلان ... إلى آخره.
السلام عليكم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
هل يجوز لبس الكعب العالي للنساء؟
أول من اتخذ الكعب العالي امرأة بغي من بني إسرائيل، نعم أول من اتخذ الكعب العالي امرأة بغي من بني إسرائيل، وكانت تمشي بصحبة بغي أخرى أطول منها، فكان الناس يزدرونها فاتخذت الكعب العالي، وعاد المرأة المسلمة تقرر.
هناك كتاب اسمه: دفاع عن أبي هريرة فما رأيكم؟
هو الدفاع عن أبي هريرة أكثر من كتاب، أكثر من كتاب ألفت في الدفاع عن أبي هريرة وهي طيبة.
стр. 109
يقول: كثرة السؤال هذا في وقت التشريع أو لنا كذلك؟
نعم من أهل العلم من حمل النهي عن كثرة السؤال، ولا تسألوا عن أشياء، أن هذا في وقت التشريع حيث ينزل التشديد، أما الآن أمن من التشديد خلاص استقرت الشريعة، فهذا قول لبعض أهل العلم، وعلى كل حال التعنيت والتعجيز والتعالي والترفع ممنوع على كل حال.
يقول: أقسط سيارات وبعض المال عندي، وبعضه عند الناس أستعمله على الأقساط لعدة سنوات كيف الزكاة في هذا المال؟
عليك أن تحاسب نفسك، وكل ما حال عليه الحول من الأموال تخرج زكاته، وينصح مثل هذا الذي لا يستطيع، إذا كان لا يستطيع أن يحاسب نفسه بدقة، ويجعل محاسب عنده، أو يفرغ نفسه في كل شهر ليحاسب نفسه في هذا الشهر، أن يجعل له شهر في السنة؛ وليكن رمضان مثلاً يزكي في جميع ما عنده، يزكي فيه جميع ما عنده ولو لم يحل عليه الحول رفقاً به، وتسهيلاً على نفسه، وتعجيل الزكاة جائز.
يقول: أنا أحاول طلب العلم ولكني في هذا المكان لا أجد شيخاً يساعدني فأعتمد على الكتب، ولكن كثيراً ما ينتابني الكسل والملل، فأرجو منك نصيحتي، وماذا أعمل؟ وما هي الكتب التي أبدأ بها في كل علم؟
الرحلة لطلب العلم معروفة، سنة قديمة، رحل الصحابة -رضوان الله عليهم-، رحل بعضهم الشهر الكامل من أجل حديث واحد، والبلاد المقدسة بجواركم، وفيها من أهل العلم من يستحق الرحلة، فلو رحل طالب العلم يطلب العلم هناك ما هو بكثير، والأمور متيسرة ولله الحمد، الإنترنت ينقل الدروس، دروس الكبار من أهل العلم، والتسجيلات تسجل الشروح، تسجل الدروس، يستفاد منها.
يقول: وما هي الكتب التي أبدأ بها في كل علم؟
هناك أشرطة سجلت في هذا الشأن، وكيف يبني طالب العلم مكتبته؟ يجيب على هذا.
طالب:. . . . . . . . .
هو إذا كان ما له أثر في العمل وخشي الضرر البالغ على نفسه يتوب.
طالب:. . . . . . . . .
هذا الذي سأل من الإنترنت الذي كذب في التقديم للوظيفة وأنه وصف نفسه بأوصاف لا تنطبق عليه، ثم توظف بسبب هذا الكذب ثم بعد ذلك أتقن العمل، وجدد في العمل، ومهر في العمل.
أقول: أولاً: الكذب بينه وبين ربه يتوب إلى الله -جل وعلا-، ويندم على ذلك، ويستأذن صاحب الشركة.
стр. 110
لكن هو يقول: لا أستطيع أن أستأذن فهل أترك العمل؟
على كل حال هذا الأمر أنت تقدر مصلحتك فإن كان تركه ما يضرك كثيراً، أو تركك للعمل يتضرر العمل بسبب تكره، فبقاؤك خير -إن شاء الله-، وتب إلى الله -جل وعلا-، وزد وضاعف من الجهد في العمل، ولعل الله -جل وعلا- أن يتجاوز عنك.
يقول: ما هي الكتب التي أبدأ بها في كل علم؟
هناك خمسة أشرطة اسمها: (كيف يبني طالب العلم مكتبته؟ ) يجيب على هذا السؤال.
وهل الأفضل السفر إلى الرياض لملاقاة أهل العلم هناك للاستفادة منهم؟
نعم أهل الرياض فيه الكبار من أهل العلم جلهم في الرياض ولله الحمد، فإن سافر فطيب، وإن سافر إلى مكة فيها من تقوم به الحاجة -إن شاء الله تعالى-.
نحن مجموعة ولدينا صندوق تعاوني الغرض منه القرض للمجموعة فقط فهل في ذلك زكاة؟
نعم فيه الزكاة.
يقول: أردت السفر فصليت في بلدي الظهر تماماً يعني أربع، وبعد العصر قصراً ثم انطلقت، يعني ما خرج من البلد حتى صلى العصر قصراً.
ما دام في بلده لا يجوز له أن يقصر ولا يجمع، إنما تبدأ الرخصة إذا فارق البلد، واتصف بالوصف الذي علق عليه الترخص، وعليك أن تعيد صلاة العصر.
يقول: كفارة قتل النفس بغير قصد مثل حادث سيارة، رجل يقود سيارة مع خط عام فدخل عليه شاب بسيارة مسرعاً فدخل الخط العام واصطدم مع هذا الشخص على جانب السيارة، وتوفي الشخص المخطئ، فهل على الشخص الأول كفارة أم حسب الخط؟
على كل حال إذا كان لا يد له في الحادث، وإنما المباشر هو الذي توفي، فلا شيء عليه، لكن إذا كان هناك أدنى تسبب منه بحيث يمكنه تلافي الحادث ولم يتلافاه عليه أن يكفر.
أسئلة مكررة.
يقول: في بعض الأحيان وبعد تسليم الإمام في الصلاة لازدحام الصفوف يتقدم بعضنا ويعطي ظهره لمن هو بجواره من المصلين، وكذلك في حلقات الذكر هل هذا من التدبر المنهي عنه؟ ثم ما هو التدبر المنهي عنه؟
стр. 111
مو بتدبر، التدبر مأمور به، المنهي عنه التدابر، التدابر، بأن يولي كل شخص أخاه المسلم ظهره بسبب ما في قلبه؛ لأن التدابر تصرفات الأبدان، الباعث عليها ما تشمله وما تحتويه القلوب من النفرة والبغضاء والكره، يدبر هذا ويدبر هذا، والمطلوب من المسلمين التآلف والتحاب والتوادد، فهذا هو الممنوع، أما لحاجة المكان ضيق والصفوف متراصة سلموا تقدم واحد يبي ينفس على إخوانه، إخوانه يفرحون بمثل هذا.
يوجد نوع من البيع والشراء في بعض السلع ومثلاً لذلك المكيفات يقوم أصحابه المحلات بشرائها ثم بيعها بالتقسيط على أحد المشترين ثم يقوم المشتري ببيعها على أحد المتاجرين دون نقلها من المكان الذي اشتريت منه، ومن ثم يبيعها هذا المتاجر إما على صاحب المحل السابق أو غيره أفتونا مأجورين؟
الأصل أن يقبضها المشتري قبل أن يبيعها قبضاً شرعياً معتبراً، وقد نهى أن تبتاع السلع قبل أن يحوزها التجار إلى رحالهم.
هل يستحب الدعاء عند شرب ماء زمزم؟
جاء في الحديث الذي صححه بعض أهل العلم: ((ماء زمزم لما شرب له)) فأنت إذا شربت من ماء زمزم تقصد بذلك تدعو الله -جل وعلا- بما تحب، أن يكون مثلاً كما قال بعضهم لظمأ يوم النشور، لعلم نافع، وعمل صالح، أو لحفظ القرآن أو لكذا، أو لأكون مثل فلان فعله كثير من أهل العلم.
يقول: سجود التلاوة في الصلاة هل فيه تكبير أم لا؟
نعم سجود التلاوة، سجود التلاوة في الصلاة يشمله حديث: "كان يكبر مع كل خفض ورفع".
هل يجوز أن يقول الرجل لأخيه: أنا أحسدك على كذا وكذا وهو يريد الغبطة؟ أم يقول: أنا أغبطك؟
على كل حال إذا كان لا يتمنى زوال ما عند أخيه فهو الغبطة، وجاء النص بتسميته حسد، يقول: أنا أحسدك حسداً لا أتمنى زواله، المقصود أنه جاءت تسميته بالحسد ((لا حسد إلا في اثنتين)) وهي الغبطة، ولو قال: أنا أغبطك بمعناه أنه يبين له حقيقة الأمر لئلا يفهم المقول له أن هذا شرير وحاسد، ويخشى من عينه، وما أشبه ذلك فأفضل، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 112
شرح حديث: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد روى الإمام البخاري ومسلم -رحمهما الله تعالى- من طريق أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره)).
هذا الحديث المتفق عليه ربط هذه الأعمال بالإيمان، بالإيمان بالله الذي لا يصح أي عمل بدونه، الإيمان بالله شرط لقبول الأعمال، ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ﴾ [(٥٤) سورة التوبة] فالكافر لا يقبل منه أي عمل، فلا بد أن يكون العامل مؤمناً ليقبل عمله.
وربط أيضاً بالإيمان باليوم الآخر الذي هو ركن من أركان الإيمان بالله، ركن من أركان الإيمان، فلا يصح إيمان إلا باجتماع أركانه الستة، ومنها الإيمان باليوم الآخر، والتنصيص على الإيمان باليوم الآخر، التنصيص على الإيمان باليوم الآخر، مع إمكان الاكتفاء بالإيمان بالله -جل وعلا- الذي يتطلب الإيمان باليوم الآخر، التنصيص عليه ليستشعر الإنسان اليوم الآخر الذي فيه الحساب والجزاء على هذه الأعمال وغيرها، ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر)) وهذا خاص بالمؤمنين، هم الذين يمتثلون مثل هذه الأوامر، ولا يعني أن الكافر غير مخاطب بفروع الشريعة كما يقول الجمهور، بل الكافر مخاطب بفروع الشريعة، وإن كانت صحتها متوقفة على الإيمان بالله ، فلو عمل عملاً حال كفره لا يقبل، وإذا أسلم لا يؤمر بقضائه، إذن كيف يخاطب بالفروع وهو لا يقبل منه حال كفره ولا يطالب به إذا أسلم يطالب بقضائه؟
стр. 113
يقول أهل العلم: الذين يقولون بخطاب الكافر بفروع الشريعة مثل هذه الأمور وغيرها، وهذا قول أكثر أهل العلم، يقولون: إنه يحاسب عليها يوم القيامة، هو كافر لا يقبل منه أي عمل، لكن في يوم القيامة يضاف في عذابه على الكفر بالله -جل وعلا- يضاف إليه عدم العمل بالفروع، والمسألة معروفة عند أهل العلم، هذا قول الجمهور.
стр. 114
((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)) مفهوم الحديث أن الذي لا يقول خيراً ولا يصمت إنما يقول شراً أو يصمت عن الخير لا عن الشر مفهوم الحديث أنه لا يؤمن بالله واليوم الآخر، لكن هل هذا المفهوم مراد؟ الذي لا يصمت عن قول الشر، أو يصمت عن قول الخير، هل مفهوم هذا أنه لا يؤمن بالله واليوم الآخر؟ هذا الحديث خرج مخرج الزجر، يعني كما يقول الوالد لولده: إن كنت ابني فافعل كذا، إن كنت ابني احفظ القرآن، يعني هل يفهم من كلامه أنه إذا لم يحفظ القرآن يتبرأ منه ولا يرضى بانتسابه إليه؟ لا أبداً، إنما يقصد منه الحث على هذا العمل، فالمقصود من هذا الحديث الحث على هذه الأعمال، ومنهم من يقول: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر)) الإيمان الكامل ((فليقل خيراً أو ليصمت)) ولا يراد منه نفي حقيقة الإيمان عن من لا يقول خيراً أو يصمت عن الشر، بدليل الإجماع، إجماع أهل العلم على أن من قال شراً لا يصل إلى حد الكفر فإنه لا يخرج به عن مسمى الإيمان، وإن فسق بقوله الباطل ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً)) فليقل خيراً، والقول يشمل ما ينطق به اللسان، ما ينطق به اللسان مما يتعدى نفعه إلى الغير ومما يقتصر نفعه على صاحبه، فمن قول الخير المتعدي نفعه تعليم الناس الخير، وتوجيه الناس، ونصح الناس، وأمر الناس بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، هذا من قول الخير المتعدي نفعه إلى الغير، يعلم الناس، يوجه الناس، يدعو الناس، يرشد الناس، ينصح الناس، يأمر الناس بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، هذه أمور يتعدى نفعها إلى الغير وهي مما يقال باللسان، وأما ما يقال باللسان ويدخل تحت قول الخير ما نفعه قاصر على صاحبه، يعني ظاهراً وإن كان هذا القول القاصر والنفع القاصر يعين على النفع المتعدي، ومن ذلكم قراءة القرآن، كثرة الذكر، وجاء في الحث على جميع ذلك ما جاء، جاء ما جاء من النصوص في تعليم الناس الخير، وجاء أيضاً مما يحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو السبب في كون هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، هذه الشعيرة العظيمة ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده)) وهذا مقرون بالاستطاعة ((فإن لم يستطع فبلسانه)) وهذا هو
стр. 115
الشاهد من الحديث لما نحن فيه، يغير المنكَر بلسانه، وهذا داخل في قول الخير، يأمر الناس بالمعروف، وجد أناس يتساهلون في الواجبات أو يرتكبون بعض المحرمات يأمرهم بالمعروف، يأمرهم بأداء هذه الواجبات، وينهاهم ويحذرهم عن ارتكاب المحرمات، هذا من أعظم القول الذي يدخل في هذا الحديث دخولاً أولياً.
تعليم الناس الخير –العلم- على الجادة المعروفة عند أهل العلم من أبوابه وطرقه مع العناية بالأهم فالأهم، مما يدخل في الحديث دخولاً أولياً، ((فليقل خيراً)) وهذا من الخير، نصح الناس والدين النصيحة، وتوجيههم وإرشادهم، دعوتهم، دلالتهم على الهدى، ((من دل على هدى فله مثل أجر فاعله)) هذا من قول الخير.
تلاوة القرآن جاء فيها ما جاء، وهي من قول الخير، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، وجاء في الحث عليه ما يجعل المسلم يعنى بكتاب الله -جل وعلا- ((من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات، لا أقول: آلم حرف، بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)) القرآن شأنه عظيم، هو كلام الله، ((وخيركم من تعلم القرآن وعلمه)) فليكن ديدن المسلم وهِجِيراه العناية بكتاب الله ، يقرأه على الوجه المأمور به بالتدبر والترتيل ليل نهار، وليجعل له حزباً لا يفرط فيه سفراً ولا حضراً.
كيف يسمع المسلم الوعد على مجرد تلاوة القرآن ويفرط ويضيع أوقاته دون نظر في كتاب الله ؟! فعلى المسلم أن يعنى به، ويعنى بما يعين على فهمه.
стр. 116
أيضاً الذكر لا يزال لسان المسلم رطباً بذكر الله ، وهو قول بمعنى أنه يلفظ به باللسان فيدخل دخولاً أولياً في هذا الحديث، وجاء في الحث على الأذكار ما يؤكد أن من تساهل فيها محروم، الأذكار لا تكلف شيئاً ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ﴾ [(١٩٠ - ١٩١) سورة آل عمران] على سائر الأحوال يذكرون الله، و ((سبق المفردون)) قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: ((الذاكرين الله كثيراً والذاكرات))، والذكر لا يكلف شيء، وهو من قول الخير الداخل في هذا الحديث، من قول الخير الداخل في هذا الحديث، والنبي ﵊ يكثر من الأذكار، وحث على اغتنام الأوقات بالأذكار، فسبحان الله وبحمده مائة مرة من قالها حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر، سبحان الله وبحمده مائة مرة في دقيقة ونصف، والنبي ﵊ يستغفر كثيراً، يستغفر في اليوم مائة مرة، وجاء عنه أنه كان يستغفر في المجلس أكثر من سبعين مرة، ونحن أولى؛ لأنه معصوم، والاستغفار جدير وخليق وحري بالمفرطين، فالاستغفار طلب مغفرة الذنوب من الله -جل وعلا-، فإذا كان النبي ﵊ الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يكثر من الاستغفار، وجاء في سيد الاستغفار ما جاء، فعلينا أن نعنى بهذا الباب، وهذا يدخل دخولاً أولياً في قول الخير ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً)).
стр. 117
إذا كان لا يستطيع محروم من قول الخير ((أو ليصمت)) والصمت هو السكوت مع إمكان الكلام، الصمت هو السكوت مع إمكان الكلام، وأما السكوت مع عدم إمكان الكلام فإن كان دائماً فهو خرس، وإن كان مؤقتاً فهو عيّ كما يقول العلماء، ليسكت، فإذا كان لا يستطيع أن يقول الخير فعليه بالبدل وهو السكوت، أقل الأحوال أن يسكت عن قول الشر، ولا شك أن قول الخير أكمل من السكوت والحال هنا في مثل هذا الحديث تحتاج إلى مزيد عناية من المسلم، فالإنسان إذا أراد أن يتكلم يتأمل قبل أن يتكلم، هل هذا الكلام يفيده في أخراه أو لا يفيده، ما الذي يدفعه إلى هذا الكلام، ما الذي يجنيه ويستفيده من هذا الكلام؟ وهل هذا الكلام الذي يتكلم به خالص لوجه الله أو مشوب؟ ثم بعد ذلكم إذا شرع في الكلام يحرص على أن يكون له لا عليه من بدايته إلى نهايته، فقد يريد الإنسان أن يتكلم ويشرع في الكلام مريداً بذلك وجه الله ، ثم لا يلبث أن يدخل عليه الشيطان بما يفسد عبادته التي أشرنا إليها سابقاً من تعليم وتوجيه ونصح وإرشاد وأمر بمعروف ونهي عن منكر، والكلام الذي لا يتعدى نفعه صاحبه.
стр. 118
قد يبدأ في بداية الأمر مخلص لله -جل وعلا-، لاحظ مخالفات عند بعض الناس وقام يتكلم بين أيديهم، منبهاً على هذه المخالفات ثم يدخل عليه الشيطان، ويجعله يرائي الناس بكلامه، ويستحسن استحسانهم، ويؤثر فيه مدحهم، هذا يدخل عليه الشيطان، إن طرده فإنه لا يؤثر في قصده، وإن استرسل معه إلى النهاية فهذا على خطر من حبوط عمله، فعلى الإنسان أن يعنى بلسانه، وآفات اللسان كثيرة، وخطره عظيم، وشره مستطير، ((من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة)) شطر كلمة ما هي بكلمة كاملة، ما يقول اقتل، لو يقول: (اق) جاء الوعيد الشديد في بعض الروايات: ((لم يرح رائحة الجنة)) نسأل الله العافية، والكلام أثره على حسب ما يترتب عليه فيعظم جرمه بقدر الأثر المترتب عليه، وجاء تحريم بعض الآفات والتنصيص عليها كالكذب مثلاً الكذب شأنه عظيم، وخطره جسيم، قول الزور، شهادة الزور، هذه لها آثارها، والغيبة، النميمة، البهت، التشبع تشبع الإنسان بما لم يعطَ، يعني دعنا من كونه يضر الناس بلسانه، يكذب عليهم، ويشهد شهادة زور، يبهتهم يغتابهم يمشي بالنميمة بينهم، مجرد التشبع، تشبع الإنسان بما لم يعط، وإظهاره نفسه بغير حقيقته بأن يدعي دعاوى لا تضر الآخرين، وجاء فيه الحديث الصحيح المتشبع بما لم يعطَ كلابس ثوبي زور، والكذب شأنه عظيم، وأعظمه الكذب على الله ورسوله.
من صور الكذب بل من أشنع صور الكذب الكذب على الله بتحريم الحلال وتحليل الحرام ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [(١١٦) سورة النحل] فإذا نظرنا إلى هذا الباب –أعني باب الفتوى بغير علم- دخل دخولاً أولياً في الكذب، وليستحضر من يجرؤ على مثل هذا قول الله -جل وعلا-: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ [(٦٠) سورة الزمر] هذا الكذب على الله -جل وعلا- ثم الكذب على رسوله، وجاء فيه الحديث المتواتر: ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)).
стр. 119
قول الزور وشهادة الزور ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثة: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين)) ثم قال: ((ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور)) وهذا من الكذب، ضرب من الكذب، لكن شأنه عظيم؛ لأنه يترتب عليه اقتطاع حق مسلم ((ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور)) فما زال ﵊ يكررها حتى تمنى الصحابة سكوته، هذا من قول الشر، فعندنا قول خير، ومنه المتعدي ومنه القاصر، ومنه قول الشر، ومنه السكوت عن الشر، والصمت الذي جاء الأمر به في هذا الحديث، فليقل، فليصمت، أو ليصمت، وليكرم، هذه اللام لام الأمر، فقول الخير مأمور به، الصمت عن الشر مأمور به، يقابل هذين قول الشر والصمت عن الخير، ما جاء في الحديث ممدوح، يؤمن بالله واليوم الآخر، لكن ما يقابل ما جاء في الحديث من قول الشر عندنا قول الخير مأمور به، فليقل خيراً، الصمت مأمور به، والمراد به الصمت عما يضاد قول الخير، وهو قول الشر، يقابل هذين والقسمة رباعية قول الشر والصمت عن الخير، وذكرنا أن مفهوم الحديث وإن كان المفهوم غير مراد أن الذي يقول الشر أو يصمت عن الخير، مفهوم الحديث يدل على أنه لا يؤمن بالله واليوم الآخر، فإما أن يحمل على الإيمان الكامل كما قررنا، أو يقال: إن المراد به الحث على هذه الخصال والعناية بشأنها،، وبهذا الحديث يستدل أهل السنة والجماعة على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل، والقول عمل اللسان، وليصمت ترك، والترك عمل عند أهل العلم، يفيده قول الصحابي:
لئن قعدنا والنبي يعملُ ... فذاك منا العمل المضللُ
بعض الناس لا يحسب حساب للسانه، فتجده في المجالس لا يسكت، في كلام أحسن أحواله أنه مباح في البداية، ثم يسترسل فيدخل في المكروه، ثم لا يلبث أن يدخل في الحرام، من كان ديدنه الكلام ((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)) فكون الإنسان يتخذ هذا مهنة يتصدر المجالس بالقيل والقال، والنبي ﵊ نهى عن قيل وقال.
стр. 120
وكأن أمر اللسان خفيف عند من لا يعرف شأنه، ولذا قال معاذ بن جبل ﵁: وإنما لمؤاخذون بكلامنا؟ قال: ((ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس على وجوههم أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم)) أحياناً يحصل موقف يحتار الإنسان هل يتكلم أو يصمت؟ هل يرجح الكلام أو يرجح الصمت؟ إذا كان الأمر يتجاذبه أمران، أمر يقتضي الكلام وأمر يقتضي السكوت، لو رشح شخص لوظيفة ما ثم جاء يستشيرك والدين النصيحة، هل تنصحه بالإقدام وأن يقبل هذه الوظيفة أو تنصحه بتركها أو تسكت؟ إذا تعارض عندك الأمران بغير مرجح تسكت؛ لأنك عند التعارض لا تستطيع أن تقول ما هو خير؛ لأنه خفي عليك الخير في هذه المسألة فتلجأ إلى السكوت، لكن إذا ترجح عندك أن قبوله لهذه الوظيفة فيه نفع للأمة فتنصحه بقبولها، وإذا كان ترجح عندك أن تركه لهذه الوظيفة وتعيين غيره أفضل للأمة فتنصحه بتركها، والمستشار مؤتمن.
كثيراً ما يبدأ الإنسان بأمر في أوله خير، أو يتظاهر بالخير، يتكلم في زيد من الناس يقول: سمعت فلان يفتي بكذا، يعني فتوى خطأ، أو زلة من عالم، تجده في أول الأمر يتظاهر بمظهر المشفق على هذا الشخص الذي أفتى والحريص على مصلحة الأمة، ثم لا يلبث أن يسترسل، وينال من الشخص بحيث لا يخرج من المسألة كفافاً.
فعلى الإنسان أن يهتم للسانه، والنبي ﵊ يقول: ((من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة)) لكن من يستطيع أن يضمن اللسان في الظروف التي نعيشها الآن، وقد ابتلي الناس بالقيل والقال والقنوات ووسائل الإعلام، ولا تكاد تجد إنسان ساكت، هذا نسأل الله العافية أمر يحتاج إلى مزيد عناية.
((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)) قد يكون الشيء في جملته ليس بخير شر، غيبة مثلاً، والغيبة ذكرك المرء بما يكره، لكن يعارض هذه المفسدة مصلحة كبرى، يعارض هذه المفسدة التي هي الغيبة ذكرك أخاك بما يكره مصلحة أعظم منها.
стр. 121
جاء شخص يستشيرك في شخص خطب ابنته، فكونك تتكلم فيه بما يكره، أنت تعرف عنه أنه متهاون بالصلاة، ويزاول بعض المحرمات، ذكرك أخاك بهذا لا شك أنه يكرهه، وإذا لم يترتب عليه مصلحة فالأصل التحريم، لكن من باب النصيحة واغتفار المفسدة في مثل هذه الصورة، يبين ما فيه من عيب بقدر الحاجة، فإذا كان القصد النصح للمستشير تغتفر المفسدة.
مثلاً ولي الأمر أراد أن يعين شخص في أمر من أمور المسلمين المهمة، وعرف عن هذا الشخص أنه لا يحسن هذا الأمر، أو يريد أن يستغل هذا الأمر استغلال لا ينفع الأمة، فمن باب النصيحة وإن كان الأصل أن الكلام في هذا الشخص وعرضه مصون، لكن يبقى أن المصالح متفاوتة، وبعض المفاسد تغتفر في سبيل تحصيل المصالح الكبرى، فيشار على ولي الأمر أن مثل هذا الشخص لا يصلح لهذه الوظيفة، إن اكتفى بهذا بها ونعمت لا تجوز الزيادة على هذا، لكن إن لم يكتفِ وطلب الاستفصال يبين له بقدر الحاجة، ولا يكون الهدف تجريح الشخص نفسه، إنما يكون الهدف تخليص الأمة من هذا الشخص الذي يريد أن يستغل مثل هذا المنصب استغلالاً سيئاً، وبعض الناس يلتبس عليه مثل هذا.
فالموضوع في غاية الخطورة، وأعراض المسلمين حفرة من حفر النار -كما قال ابن دقيق العيد- وقف على شفيرها العلماء والحكام.
стр. 122
العلماء يتكلمون في الناس وهم بحاجة إلى الكلام في الناس، القاضي لا بد أن يحضر لديه الشهود، ويعدلون ويجرحون، هذا فيه هذا لا بد منه، العلماء بحاجة إلى تعديل الرواة وجرحهم، بل هذا أمر واجب، العالم عليه أن يقول: فلان كذاب، فلان متهم بالكذب، فلان فاسق، هذا لا بد منه، من أجل إيش؟ أن تقبل روايته أو ترد، والقضاة بحاجة إلى مثل هذا لكي يقبلوا شهادة هؤلاء الشهود أو يردوها، فمثل هذا الكلام مستثنى لا يدخل فيما حرم من أعراض المسلمين، ويبقى أن الكلام في الأعراض الأصل فيه المنع، وجوازه على خلاف الأصل فيقتصر منه على قدر الحاجة ﴿لاَّ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ [(١٤٨) سورة النساء] و ((مطل الغني ظلم، يبيح عرضه وعقوبته)) يعني إذا كان لك دين على زيد من الناس فجئت له فقال: غداً إن شاء الله، جئت من الغد قال: يوم الجمعة، جئت يوم الجمعة قال: آخر الشهر، جئت آخر الشهر، قال: والله جاء رمضان، إلى متى؟ هذا مطل، وهو لي الواجد وهذا ظالم أباح الشرع عرضه وعقوبته.
أما بالنسبة للعقوبة يعزره ولي الأمر إذا رفع أمره، وأما بالنسبة لعرضه فأباح منه الشرع قدر الحاجة، لك أن تقول: والله فلان ظلمني، فلان مطلني، لكن لا تقول: الفاعل التارك اللي ... ، تزيد على قدر الحاجة، وهذا كله داخل في الجملة الأولى من الحديث: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)).
стр. 123
والناس بأمس الحاجة إلى هذه الجملة؛ لأن الغيبة والكلام في الأعراض والتفكه في أعراض المسلمين صار ديدن لكثير من الناس، ولو قيل: إنه قل أن تسلم منه المحافل، محافل المسلمين واجتماعاتهم قل أن تسلم من هذا، ولا شك أن ما بين العباد من حقوق لا تقبل الغفران؛ لأن هذا من السجل الذي لا يغفر، حقوق العباد مبنية على المشاحة، والمسلم قد يأتي بأعمال أمثال الجبال من صلاة وصيام وحج وجهاد وغيرها، ثم يكون يوم القيامة مفلساً ((أتدرون من المفلس؟ )) قالوا: المفلس من لا درهم له ولا متاع، قال: ((لا، المفلس من يأتي بأعمال)) وفي رواية: ((أمثال الجبال)) ثم ذكر منها ما ذكر، يقول: ((يأتي وقد ظلم هذا، وشتم هذا، وأكل مال هذا، وقذف هذا، وتكلم في عرض هذا، يأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته)) وبعدين إذا انتهت حسناته أخذ من سيئاتهم فوضعت عليه، فكب في النار، وهو في الأصل أنه جاء بأعمال أمثال الجبال، فعلى الإنسان أن يحرص على اكتساب الحسنات، ثم بعد ذلك يحرص على المحافظة على هذه الحسنات، لا يحرص على اكتساب الحسنات ثم يفرق ويوزع هذه الحسنات فيكون مفلساً يوم القيامة.
((ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره)) وفي رواية: ((فلا يؤذي جاره)) ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم)) والجملة الثالثة ((فليكرم ضيفه)) وفي هذا أمر بالكرم، والكرم خصلة ممدوحة، يقابله البخل، وأعظم منه الشح، وكلاهما مذموم ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [(٩) سورة الحشر] الشح يقابل الكرم، والبخل أيضاً يقابله، فالكرم خصلة ممدوحة وما يقابله مذموم.
والإكرام يكون للجار كما في هذا الحديث ويكون للضيف ((فليكرم جاره)) وجاء في حق الجار والعناية بشأنه والاهتمام به ما جاء من النصوص، وفي الصحيح: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)) فالجار شأنه عظيم في الشرع، وجاء في حقه: ((والله لا يؤمن، والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه)) يعني غوائله وشروره.
стр. 124
والزنا بحليلة الجار جاء ما يدل على أنه أعظم من الزنا بعشر نسوة من غير الجيران، فالجار له شأن عظيم، على جاره أن يؤدي هذا الحق ويكرم جاره، والجار جاء تحديده بأربعين بيتاً من كل جهة، ومعروف أن البيوت صغيرة كانت الغرف يسمونها بيوت، الغرفة بمنافعها تسمى بيت، لكن لو أردنا أن نعد أربعين بيت من بيوتنا الموجودة الآن، أربعين من القصور الموجودة الآن من كل جهة، معناه أهل البلد كلهم جيران، وهو كذلك يعني لا يسلم صاحب بيت من جار، لكن الذي في أطرف البلد جار ... ، في أول الشارع جار لآخر من في الشارع لأنه متمم للأربعين؟ على كل حال المسألة عرفية، وعلى الأقرب فالأقرب يعظم الحق، ولذا جاء التأكيد على حق الجار الذي بابه بجوار بابه؛ لأنه يرى من الخيرات التي تدخل في هذا البيت وتستشرف نفسه إليها فهو أولى الناس بهذه الخيرات، فإكرامه أولى من إكرام الجار الذي هو أبعد منه.
والجيران ثلاثة: جار له ثلاثة حقوق، وجار له حقان، وجار له حق واحد.
فالجار الذي له ثلاثة الحقوق هو الجار في المسكن القريب في النسب الموافق في الدين، فله حق الجوار وحق القرابة، وحق الدين، أخوة الدين.
الجار الذي له حقان: الجار المسلم البعيد في النسب، له حق الجوار وحق الإسلام.
والجار الذي له حق واحد: هو الجار غير المسلم، ليس له إلا حق الجوار، فلا يجوز أن يناله الجار بأذى، بل العكس، عليه أن ينفعه بما ينفعه في أمر دينه، وهذا بالدرجة الأولى مما يجب الاهتمام به، وفي أمر دنياه ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ﴾ [(٨) سورة الممتحنة] الجار يبر، القريب ولو كان كافراً يبر ما لم يقاتل في الدين.
стр. 125
الجار له حقوق ومن أعظم حقوقه: إسداء النصيحة له، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وتوجيهه وتسديده، وإعانته على حوائجه، فضلاً عن كف الأذى عنه، فعلى الجار أن ينصح جاره، إذا لحظ عليه شيء، تقصير في باب من الأبواب في أمر من أمور الدين عليه أن يبين له، تفوته صلاة الجماعة يبين له، يتساهل في أداء الصلاة في شأن بعض المحرمات على الجار أن يمحض جاره النصيحة، وهذا من أعظم الحقوق؛ لأن تخليصه مما يضره في الآخرة من أعظم الأمور، وجاء في بعض الآثار أن الجار يتعلق برقبة جاره يوم القيامة، ويقول: إنه رآه على معصية ولم ينهه، والارتباط بين الجيران موجود، وأحياناً يكون في بيت الجيران ما لا ترضاه أنت لجارك فضلاً عن أهلك، بعض الناس مع وجود هذه الحقوق يريد أن يوصل الثقة، ويقوي هذه الثقة، لكن المقرر في الشرع أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، عليك أن تزور جارك، وأهلك يزورون جيرانهم، لكن إذا لم يكن هناك منكر ومفسدة فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإذا كان عنده شيء لا ترضاه لنفسك ولا لولدك لا يجوز لك أن تترك ولدك يزور هذا الجار الذي أنت حريص على تربية ولدك وجارك متساهل في هذا الباب، فعليك أن تنتبه لهذا، وإذا كانت الدعوة لوليمة العرس إجابتها واجبة عند أهل العلم فهم يشترطون أن لا يكون ثم منكر لا يمكن إزالته، نعم إذا كان هناك منكر وبالزيارة يزول هذا مقصد وهدف، تكرر عليه الزيارة حتى يزول، لكن إذا كان ميئوس من إزالته فإن مثل هذا لا تجوز زيارته، ويقتصر من صلته ونفعه على ما يحقق المصلحة ولا يترتب عليه مفسدة.
فالجار له حق وله شأن، وجاء في حقه من النصوص ما سمعنا بعضه، لكن يبقى أن الدين هو رأس المال، لا يخدش دينك بسبب صلتك لجارك، ولا لصلتك لقريبك، ولا ... ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [(١٥) سورة لقمان] ولو كان أبوك أو أمك، نعم إذا أمروك بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والمقرر في الشرع أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
стр. 126
يوجد الآن قطيعة بين كثير من الناس بهذا السبب، مع الأسف الشديد أنه يوجد قطيعة بدون مبرر، بين الأقارب وبين الجيران، قطيعة بين الأقارب وبين الجيران بدون مبرر، يعني كلاهما على قلب رجل واحد، كلاهما على مستوى واحد من المحافظة والتدين، ومع ذلك هذا لا يدعو هذا، وهذا لا يدعو هذا، لماذا؟ هذا مما ابتلي به الناس اليوم، كثير من الناس يقول: والله ودي أتمنى أن أخي وأولاده يزوروننا أو إخوانه من الأب من الأم أو جيرانه يتمنى زيارته لكن مشكلة، عنده أولاد يعبثون بالأثاث وعنده ... ؛ لأن مسألة العناية بالمظاهر صارت على حساب الصلات.
يعني بعض البيوت التي تسرح الفرشات بالاستشوار، هذا في يوم من الأيام يبي يدعو أخاه أو جاره مع أطفالهم وبزرانهم يفسدون عليه هذا الأثاث، هذا يصعب عليه كثيراً، ووجدت القطيعة بهذا السبب، يعني صعب أنك تبي تدعو أخاك العزيز عليك أو جارك أو كذا وتجلسه أو أطفاله بملحق وإلا بارتداد وإلا بشيء، وصعب عليك أيضاً تدخل هؤلاء الأطفال في البيت يلعبون بالأثاث والتحف والمفروشات وكذا، فهذا له آثاره السلبية التي أوجدت قطيعة بين الأقارب والجيران، ومثل هذا ليس بمبرر للقطيعة إطلاقاً، هذا ليس بمبرر.
بعض الناس يتجاوز هذه ويقول: الصلة موجودة، وندعو الأقارب، وندعو الجيران، لكن باستراحة، ما لازم يخربون علينا، ويفسدون علينا، هذا يحقق بعض المصلحة، لكن أيضاً كونك تربأ بجارك أو بأخيك عن دخول بيتك هذه بعد مشكلة، فينبغي للمسلم، بل على المسلم أن يتجاوز مثل هذه الأمور يجعل تحقيق مراد الشرع فوق ما يريده هو، فوق ما يريده هو، ولذا العناية بهذه المظاهر من آثارها ما سمعتم، وهي في أصلها أيضاً سرف، ممنوعة من الأصل، كثير منها ممنوع؛ لأنه يدخل في باب السرف، وإذا أدى إلى هذه الحقيقة المرة ازداد سوءاً على سوء، فالجار له حق، والقريب له حق، والمسلم له حق، وإذا اجتمعت الحقوق صارت له ثلاثة حقوق.
стр. 127
العناية بالجار لتسود المودة والألفة والأخوة بين المسلمين، وجاء في الحديث: ((لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)) يعني أقل الأحوال أن تكون مع جارك السلام عليكم، كيف حالك يا أبو فلان، وبعض الناس لا يتنزل لمثل هذه الأمور، وقد يقذف الشيطان في قلبه أنك إنسان لك منزلة، ولك مكانة، وسنك وعلمك خلي الحق لك يا أخي، كيف تتنازل أنت لتقول: يا فلان وتدعو فلان وتذهب إلى فلان لا يا أخي إن جاءوك وإلا الحق لك؟! لا شك أن هذا من تلبيس الشيطان، وفي الحديث الصحيح يقول: ((خيرهما الذي يبدأ بالسلام)) وعلى الكبير .. ، نعم الحق له، يعني إذا التقى الكبير مع الصغير الصغير يسلم على الكبير، لكن افترض أن الصغير ما سلم ألا يسلم الكبير ليدخل في حديث: ((خيرهما الذي يبدأ بالسلام))؟ ولد مع أبيه مر الولد ما سلم عليه يسلم الأب ويش المانع؟ عم مع ابن أخيه وهكذا، ينبغي للإنسان أن يكون مبادراً، والنبي ﵊ يبادر الصبيان فيسلم عليهم، ومع الأسف أن الناس كلهم ينظرون إلى بعض العمال نظرة استحقار؛ لأن العامل تجده جالس، ثم يمر هذا فيقول العامل: السلام عليكم، يقول: شوف ها المسكين ذا يسلم وهو قاعد، نعم، خليه يسلم ويش صار؟ يعني صحيح أنك أنت أولى منه بالسلام لكن تركت الأولوية خله يأخذ الأجر، يعني ليس معنى هذا أن الكبير يسقط عنه السلام، أو الجالس أو الراكب أو ما أشبه ذلك، لا، نعم فصحيح أن هذا يكون أولى بالسلام، الصغير أولى بالسلام بالبداءة من الكبير، لكن إذا بدأ الكبير صار خير الاثنين، وبعض الناس يرفع رأسه ويقول: أنا الحق لي، ومتى ما سلم ردينا وإلا بهواه.
يا أخي الصلة مطلوبة من الطرفين، وهذا يكثر بين الأقارب، يقول: والله أنا عمه أنا الحق له أنا بمثال أبوه، عم الرجل صنو أبيه صحيح هذا صحيح، لكن لا صار محروم ما تصير أنت المبادر؟! فالمبادرة من المسلم مطلوبة، فليظفر المسلم بهذا الأجر.
стр. 128
إكرام الضيف أيضاً من أعمال الإيمان ومن خصاله، ولذا جاء في هذا الحديث: ((ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) فليكرم: اللام لام الأمر، والأصل في الأمر الوجوب، فيجب إكرام الضيف على خلاف بين أهل العلم إذا كان الضيف في بلد فيه فنادق وفيه مطاعم، يعني ليس بمضطر إليك، هل يصل إلى حد الوجوب بحيث يأثم لو لم يكرمه؟ وخلافاً بينهم هل الضيف يشمل المسلم والكافر أو هذا خاص بين المسلمين؟ المسألة خلافية بين أهل العلم، منهم من يرى أن هذا خاص بين المسلمين بدليل أن النفقة الواجبة لا تلزم للقريب الكافر فضلاً عن الإطعام الذي هو في أصله مستحب.
الإكرام للضيف إنما هو جائزته، اليوم الأول، اليوم الأول ضيافته واجبة، ضيافة الضيف في اليوم الأول واجبة، وفي اليوم الثاني والثالث مستحبة، فإكرامه ثلاثة أيام مطلوب، داخل في هذا الحديث الوجوب، كما جاء في بعض النصوص لليلة الأولى، ثم بعد ذلك الثانية والثالثة على سبيل الاستحباب، وما عدا ذلك فهو فضل، ما عدا ما بعد الثلاثة الأيام فهو فضل.
وإكرام الضيف خصلة محمودة بلا شك، والكرم من الخصال التي جاء الحث عليها والتنفير والتحذير من ضدها من البخل والشح.
стр. 129
لكن الكرم له حدود، جميع الخصال التي جاء الحث عليها له حدود، الشجاعة ممدوحة، الحلم ممدوح، الكرم ممدوح، غير ذلك من الخصال لها طرفان، الكرم إذا زاد عن حده دخل في حيز المنع، في الإسراف والتبذير، ولذا جاء التوسط في قوله -جل وعلا-: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ [(٢٩) سورة الإسراء] نعم على الإنسان أن يتوسط في أموره فإذا جاءه ضيف يقدره بقدره، وقد أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، بعض الضيوف يكفيه الشيء اليسير، وبعض الضيوف منزلته كبيرة يقدر بقدرها، على أن لا يدخل ذلك في حيز التبذير والإسراف، وبعض الناس من أجل أن يقال، وهذا مع الأسف سائد كثير، يتكلف للواحد ما يكفي المائة، هذا موجود من أجل إيش يا أخي؟ نعم ضيفك عزيز وفاضل وله منزلة ومكانة، لكن يبقى أنه يقدر بقدره، وكما يقول الناس: الآن يتعارفون على أنه من الألفة عدم الكلفة، وأيضاً ليس القدر ما يوضع على الموائد، ليس هذا هو القدر، إنما القدر الذي يكون في القلوب من المودة والمحبة والتقدير والاحترام، وإنزال الناس منازلهم، يعني يذكر أشياء يظنها أو يخيل لبعض الناس أنها من الكرم وهي ليست من الكرم، ومظاهر السرف في هذه الأيام التي وسع الله فيها على المسلمين ظاهرة، والإسراف كفر للنعمة، وكثير مما يقدم في الولائم يكون من نصيب النفايات والأزبال، وهذا مؤذن بخطر عظيم أن ترفع هذه النعمة ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [(٧) سورة إبراهيم] وليس هذا من شكر النعمة، وشخص كبير في السن، وقف على زبالة فإذا فيها الطعام كامل، بوادي بذبائحها مكبوبة في الزبالة، فجلس يبكي بجوارها، جلس يبكي بجوارها، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أنا بنفسي لا أروي عن أحد، أنا بنفسي بدون واسطة لا أروي عن أحد، شهدت هذا المشهد بفلسطين، ونزلت في الزبالة وأكلت منه حتى شبعت، وانظروا العاقبة، نسأل الله -جل وعلا- أن يحسن للجميع العاقبة.
стр. 130
أقول: نكتفي بما سمعنا في شرح الحديث، ونستغل هذا الوقت للإجابة على الأسئلة إذا كان هناك أسئلة متعلقة في الحديث فهي أولى، وبعض الناس يستفيد من السؤال والجواب أكثر مما يستفيده من الكلام المرسل، يستفيد من السؤال والجواب أكثر وله أصل، جبريل ﵇ لما أراد أن يعلم الناس الدين جاء بطريقة السؤال والجواب للنبي ﵊.
هذا السائل يقول: أنا موظف وفي بعض الأحيان يتكلم الموظفون عما يشاهد في التلفاز والبعض يكرر الأغاني، فما توجيهكم لي ولهؤلاء الموظفين؟
على كل حال الغناء محرم، وإذا صحبه آلات بأن كان لفظه ممنوع، وصحبه آلة لا شك في تحريمه، لكن إذا كرره المكرر من غير آلة، ولفظه ليس فيه محظور، نعم فيه التشبه بهؤلاء الفساق، الذين يعانون هذه المهنة الرديئة، لكن يبقى أنه ليس داخل في الغناء نفسه، هذا لم يغنِ، كرره تكريراً لفظه مباح ولم يصحبه آلة، وأداه بلحنه هو من غير تشبه بلحون الأعاجم، بطرائقهم المعروفة، ولا بلحون أهل الفسق، يبقى أنه .. لكنه ما يكرر مثل هذا الكلام إلا مع إعجابه بالمتكلم، فيخشى عليه من هذه الحيثية.
فمثل هؤلاء ينصحون بعدم تكرير مثل هذا، وأن يوجهوا إلى ذكر الله -جل وعلا- واللهج بحمده وشكره، ويوجهون إلى قراءة القرآن وما ينفعهم، والله المستعان.
يقول: ما رأيكم في المرأة أو الرجل الذي يرفض الزواج بحجة أنه سبب للانقطاع عن طلب العلم وعن الدعوة فتجد الرجل يرفض التفكير بالزواج أو الفتاة ترفض ولو من شاب صالح بسبب أنه سبب لمن سبقوه من الرجال والنساء الذين تزوجوا فانقطعوا عن طلب العلم والدعوة فما توجيهكم؟
стр. 131
هذه الدعوة لا شك أنها من تلبيس إبليس، من تلبيس الشيطان وإلا فالزواج من سنن المرسلين، والنبي ﵊ يقول: الزواج من سنتي ((فمن رغب عن سنتي فليس مني)) وهو ﵊ ينام ويقوم، ويأكل اللحم، ويتزوج النساء، يقول: ((فمن رغب عن سنتي فليس مني)) والزواج لا سيما مع الاهتمام به من الطرفين، من أن يسعى الزوج للبحث عن المرأة الصالحة ((فاظفر بذات الدين تربت يداك)) والمرأة كذلك تبحث عن الزوج الصالح، وكل منهما يعين الآخر على العلم والعمل، وهذه طريقة مجربة، وإذا كان طالب العلم عنده من الرغبة في العلم، ويستحضر ما جاء في العلم وفي طلب العلم من النصوص التي تحث عليه فلن يعوقه عنه عائق، لا زواج ولا غيره، وواحد من شيوخ شيوخنا أنا ما أدركته لكن ينقلون عنه أنه ليلة زواجه، ليلة الدخلة بالمرأة، دخل بها في تلك الليلة، وقبل أن يقربها تذكر آية أشكلت عليه فنزل إلى مكتبته ومن تفسير إلى آخر إلى أذان الصبح إلى أن أذن الفجر ليلة العرس.
стр. 132
العلم إذا خالط القلب وامتزج باللحم والدم لا يعوق عنه عائق، لكن الذي يريد أن يتعلل بأدنى شيء هذا يبي ينصرف سواءً بزوجة أو بدون زوجة، وواحد من الإخوان معروف موجود الآن تزوج امرأة وهو من طلاب العلم، وهي ليست .. ، هي متعلمة لكن ليس لها نظر في العلم الشرعي، فصار يلح عليها إلا تقرأ تقرأ، ثم أحياناً تقسو عليه وتقول له: دايم علم علم دين دين ويش الكلام هذا؟ وهي من بيت صالح، يعني من بيت علم وفضل، لكن ما لبث مع الوقت، يعني خلال شهرين أو ثلاثة حتى احتاج إلى ما يكفها عن الانغماس والانهماك في العلم، فالعلم إذا حببه الله إلى الشخص بعد النظر في النصوص الذي تحث عليه وترغب فيه، لا شك أنه متعة، وأنا أعرف كثير من طلاب العلم إذا ذكرت له الرحلات في أوقات الربيع وأوقات مواسم الخيرات والأمطار فربيعه في مكتبته، هذا موجود، و ((منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب مال)) فإذا وصل الإنسان إلى هذا الحد لن يعوقه عنه عائق لا زوجة ولا غير زوجة، والنساء شقائق الرجال، وجد منهن، يوجد الآن هل يتصور واحد منا أنه توجد امرأة تقرأ فتح الباري ثلاث مرات؟ كبار المشايخ ما قرؤوه ولا مرة، نعم، امرأة الآن لم تصل إلى الثلاثين من عمرها قرأت فتح الباري ثلاث مرات، يعني هذا موجود ولله الحمد، يعني لا نيأس، وإذا بحثت المرأة عن شخص يعينها على العلم، وبحث طالب العلم على امرأة تعينه على طلب العلم لا شك أنها تتم النعمة، وإلا فالعزوبة من أعظم الصوارف عن طلب العلم.
هب أن هذا طالب علم من درس إلى درس، ومن كتاب إلى كتاب، لكن ذهنه مشغول.
يقول: هل كل مجلس يجلس فيه أو يجلس فيه قوم لم يذكروا الله فيه أو الصلاة على النبي ﵊ إذا انفضوا عنه كأنما انفضوا عن جيفة حمار حتى لو كان مجلسهم من الكلام المباح؟
стр. 133
جاء الخبر بهذا ((وما من قوم يجلسون مجلساً لا يذكرون اسم الله إلا كان عليهم ترة يوم القيامة)) يعني حسرة وندامة، والحسرات تتفاوت، حسرة مرتكب المحرم ما هي مثل حسرة من شغله المباح عن المستحب، وليست مثل حسرة من شغله المستحب عن الواجب، المقصود أنه ما من شخص إلا سيندم، ما من ميت إلا سيندم، وندامة كل شخص بحسبه، حتى العابد الزاهد المقبل على ربه سيندم، لماذا؟ لأنه ما استغل الوقت الأربعة والعشرين ساعة كلها فيما يرضي الله -جل وعلا-، فرط في بعض الأوقات، فيندم على تفريطه بهذا، وإن كان على خير عظيم، فضلاً عمن شغل وقته فيما لا يرضي الله -جل وعلا-.
هذا من الانترنت يقول: هل يجوز أن يتسمى الرجل باسم مستعار في الانترنت باسم رسول الحب أو رسول الهوى؟
رسول إيش معنى رسول؟ يعني هل أرسله الحب؟ يعني الحب أرسله؟ ويش معنى أرسله؟ إذا كان المعنى الأعم بمعنى أنه هو الذي بعثه على متابعة حب العلم، حب العلم بعثه وأرسله إلى تتبع مواطنه في هذه الآلة له وجه، لكن يبقى أن كلمة رسول التوسع فيها غير مرضي، رسول الهوى إيش الهوى هذا؟ إيش معنى رسول الهوى؟ يعني رسول الحب حب الشيء لا سيما إذا كان حبه للعلم أرسله وبعثه على تتبع مواطنه في هذه الآلة لا بأس، أما أن يقول: إنه يتسمى باسم غير اسمه هذا داخل في حيز الكذب.
يقول: هل صوت المرأة عورة إذا كان صوت هذه المرأة ناعم بطبيعتها بحيث لا تميعه هل يجوز لها أن تتكلم بحضرة الرجال أو تلقي السلام فقط أو السكوت؟
أولاً: المسألة مرتبطة بالفتنة، صوت المرأة في الأصل إذا سلم من الخضوع فليس بعورة، هذا الأصل فيه، لكن إذا صحبه الخضوع حرم ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [(٣٢) سورة الأحزاب] إذا كان من الأصل صوتها فاتن تمنع للفتنة، تمنع من أجل الفتنة، والسكوت حينئذٍ في حقها أفضل، وأهل العلم يؤكدون على أن المرأة لا تبدأ الرجال بالسلام.
يقول: ما صحت حديث: ((رحم الله امرئ صلى قبل العصر أربعاً))؟
هذا الحديث حسن، وينبغي الاهتمام بهذه الأربع.
стр. 134
هذه امرأة حامل ولديها بنت وعمرها سنة وأربعة أشهر ولا تزال ترضعها فهل يضر بالمولود الجديد؟ وهل يخاف من ضرر بالمولود مع تغير الهرمونات؟
على كل حال النبي ﵊ أراد أن ينهى عن الغيلة، ينهى عن الغيلة، وهي: إرضاع الحامل، يقول: فإذا فارس والروم يغولون ولا يضرهم، أراد أن ينهى فانتهى عن النهي وكف عن هذا النهي لأنه رأى فارس والروم لا يضرهم مثل هذا، وبعض الناس يشكل عليه معنى هذا الحديث، حتى بعض السفهاء كتب في الصحف أن الرسول ﵊ يتأثر في تشريعه بالحضارات الأخرى، يعني تأثر بفارس والروم فعدل عن النهي الذي هو تشريع في الأصل، نقول: لا يا أخي لا تأثر ولا شيء، رسالة النبي ﵊ عالمية، ودعوته عامة، فكون الأمر يضر بقوم مع أن الأكثر لا يتضرر به، يعني الرسول ﵊ كما هو رسول للعرب رسول لفارس، رسول للروم، رسول للشرق، رسول للغرب، رسول لجميع من على وجه الأرض، رسول للثقلين، فإذا كان ما يراد النهي عنه ...
طالب:. . . . . . . . .
اصبر اصبر.
فإذا كان ما يراد النهي عنه الغالب فيه الضرر ينهى عنه، نعم يوجد من يتضرر ببعض الأمور وغيره لا يتضرر بها، يعني يوجد بعض الناس يتضرر ببعض الأشياء، وشرائح كبيرة من الناس لا تتضرر هل مثل هذا يقتضي المنع؟ النبي ﵊ تصور أن الأمم كلها تتضرر بهذا فأراد أن ينهى، فوجد أن الذين يتضررون هم طائفة من العرب، يعني قد يكون لجوهم تأثير، قد يكون لتربتهم تأثير، قد يكون لطبيعتهم وطبائع أجسامهم تأثير، مدخل لهذا التأثير، لكن بقية الأمم لا تتضرر، والرسالة عالمية للأمم كلها، فتأثر بعض الناس بالشيء لا يؤثر على الحكم العام، بدليل أن بعض الناس يتضرر من التمر مثلاً، نقول: التمر حرام؟ نعم؟ ما يستطيع أن ... ، بعض الناس يتضرر من شرب اللبن نقول: اللبن حرام؟ لا، لا أبداً.
стр. 135
يبقى أن الحكم حكم كلي أغلبي، كونه يتضرر به بعض الناس لا يلتفت إليه، من يتضرر يمنع منه، فالتي ولدها يتضرر من الغيلة بمعنى أنها ترضعه وهي حامل فيتضرر تكف عن الرضاع، لا ترضعه، ويبقى أن الحكم العام النبي ﵊ ما منع فهو مباح لمن؟ لمن لا يتضرر، يبقى أن التمر مباح بالإجماع، لكن الذي يتضرر بأكله يمنع منه، الذي يتضرر من اللبن يمنع منه لأنه يتضرر؛ لأن الضرر ممنوع شرعاً، وكل ما يضر بالإنسان لا يجوز له تناوله، فهذه المرأة إذا رأت أن ولدها يتضرر من رضاعها تمتنع من رضاعه، وإذا كان لا يتأثر وهذا موجود حتى على ... ، في بلدنا من النساء من ترضع وهي حامل ما يتضرر، فلنفهم ما السبب الذي جعل النبي ﵊ يعدل عن منع الغيلة، نفهمه جيداً؛ لأن بعض السفهاء الآن صاروا يتطاولون على الشرع، ويكتبون ويبحثون عن أمور متشابهة، يتشبثون بها للطعن في شريعتنا، يقول: نعم الرسول تأثر بحضارة فارس الروم وأراد أن ينهى فرآهم ما يغولون، يعني ويش؟ كيف تأثر يعني؟ حقيقة الأمر أن رسالة النبي ﵊ كما هي للعرب هي لفارس والروم والصين والبربر وغيرهم، جميع من على وجه الأرض من جن وإنس، إلى الثقلين أرسل، فكون طائفة من الناس تضرر والغالب ما يتضررون لا يقتضي أن ينهى، فلما عرف أن أكثر الناس لا يتضرر لا ينهى؛ لأن الحكم للغالب، ويبقى أن من يتضرر من شيء يمنع منه، ولو وكان مباح إجماعاً يمنع منه، يعني إذا كان شخص يتضرر من تمرة واحدة نقول: ما يجوز لك تذوق التمر، إذا كان قال له الطبيب: تأكل ثلاثة، نقول: الرابعة لا تجوز، إذا كان سامح له الطبيب أكل سبع مثلاً، يقال: الثامنة تضرك يا أخي، وما يضر لا يجوز أكله، يبقى أن كل إنسان بحسبه.
فهذه المرأة إن كان ولدها يتضرر كما هي عادة بعض نساء العرب، النساء العربيات في جزيرة العرب بعض النساء يتضرر ولدها فعليها أن تمتنع، والتي لا يتضرر ولدها لا تمتنع.
هذه من أمريكا تقول: بعد الأحداث أصبحت زيارة الأخوات في الله والجارات فيها شك كثير - ما أدري والله إيش هذا الشك؟ - فما هو الضابط في الزيارة بين الأخوات في الله؟
стр. 136
الأصل الصلة، لكن إذا كان يترتب على هذه الصلة ضرر على الواصل أو الموصول، على الزائر أو على المزور فيرتكب أخف الضررين بترك هذه الصلة.
يقول من مصر: هل تأثم الفتاة إذا قررت عدم الزواج؟
عثمان بن مضعون استأذن النبي ﵊ بالتبتل يعني ترك الزواج، فلم يأذن له، وعلى كل حال الزواج يختلف حكمه من شخص إلى شخص، فبعض الناس يجب عليهم الزواج، ويأثمون بتركه، وهي ما إذا غلب على ظن الواحد منهم أنه إذا لم يتزوج وقع في محرم في فاحشة، مثل هذا يحرم عليه أن يترك الزواج، وبعض الناس يندب في حقه، وبعض الناس من باب المباح، وبعضهم إلى بقية الأحكام التكليفية الخمسة ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج)) اللام لام الأمر.
يقول: نود نصيحة لتارك الصلاة خاصة صلاة الفجر، وكذلك نصيحة لبعض الأئمة المتساهلين مع تارك الصلاة؟
صلاة الفجر جاء الترغيب فيها أكثر من غيرها، فجاءت مع صلاة العصر ((من صلى البردين دخل الجنة)) ولما قرر النبي ﵊ الرؤية، رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وأن منهم من يراه في الغداة والعشي، حث على صلاتين، صلاة الصبح وصلاة العصر، وبهما تنال هذه المنزلة، وأثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الصبح؛ لأنهما تقعان في الظلام، وهما لا يصلون إلا لمراءاة الناس، فإذا شابه المرء المنافقين في هذه الخصلة يخشى من أن يطبع على قلبه فيكون منافقاً خالصاً، فعلى المسلم أن يعنى بهذه الصلاة.
وأما بالنسبة للإمام فعليه مسئولية تجاه المأمومين فهو مؤتمن على هذه البقعة، وله الكلمة عليهم، وصلاتهم بيده، والإقامة بأمره، فعليه تبعه أكثر من غيره، مع أن كل من علم بحاله عليه أن ينكر عليه.
يقول: الذين حضروا هذه الجلسة غالبهم طلاب علم، أما الذين يتكلمون فيما لا يعنيهم وأصحاب الصفات التي لا يحبها الله ورسوله في مجالسهم وبيوتهم لم يحضروا، فما هو الحل في رأيك؟ وما هو واجبنا حيال ذلك؟
стр. 137
على كل حال على الإنسان أن يوصل، أن يوصل الخير، ويعلم الناس الخير، ويحذرهم من الشر على أوسع نطاق، ولو كتبت هذه الأمور في مطويات، ووزعت على البيوت، ووضع عليها جوائز بحيث يحفز الناس على قراءتها، بحيث يسمعها من يحضر ومن لا يحضر، يكون هذا هو الأصل.
يقول: أنا امرأة أشاهد صور الرجال في الشاشات والمجلات، وأشعر أني أنظر نظرة إعجاب فهل أنا آثمة؟ وهل من توجيه لي ولأخواتي اللاتي ينظرن لهؤلاء الرجال حتى نترك هذه المشاهدات لهؤلاء الرجال؟
أولاً: المرأة مأمورة بغض البصر كالرجل سواءً، فلا يجوز للرجل أن يكرر النظر في المرأة الأجنبية، كما أنها لا يجوز لها أن تنظر إلى الرجال الأجانب سواءً كانوا على الطبيعة أو على الشاشات أو في المجلات أو غيرها، لا يجوز لها أن تنظر، بل أمرت بغض البصر ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [(٣١) سورة النور] والنظر بريد، وهو سهم مسموم من سهام إبليس، المرأة قد تكون من الخيرات الحريصات على الخير، وتسمع لهذا الشيخ كلام، ثم تنصرف عن هذا الكلام إلى الإعجاب بشكله ومنظره، ثم يدخل يقر الخبث في قلبها، ويصيبها المرض وهي تطمع في هذا الرجل، ثم الأمور متيسرة التليفونات موجودة والجوالات ووجد من بعض الصالحات من تقول لبعض المشايخ: أنا أحبك في الله، ثم تسترسل في أمور ورسائل جوال، وعليها شوي شوي حتى يوقعهم الشيطان فيما لا تحمد عقباه، ولا يوجد معصوم من هذه الفتنة، وفتنة النساء على الرجال شر مستطير، كما أن النساء يفتن بالرجال، فعلى المرأة أن تتقي الله -جل وعلا- في نفسها، وعلى الرجل أيضاً أن يبذل من ذلك ما يجب عليه، فعليه أن يغض البصر، وإذا خشي ريبة من امرأة تخاطبه أو تكلمه ولو كانت مستفتية؛ لأنه يظهر من بعض النساء هداهن الله تأتي على صيغة سؤال، على طريقة سؤال، ثم تقول تسترسل يعني مرة ثانية وثالثة، وأنها إذا كانت تحب شخص في الله هل تخبره، وبعد ذلك يدخل الشيطان بينهم، وكم من فريسة وقعت في مثل هذا، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 138
على كل حال إذا وصل الأمر إلى هذا الحد لا يجوز النظر إلى ... البتة، ولو كان في أصل النظر من أجل مصلحة تحصيل فائدة أو محاضرة أو فتوى أو ما أشبه ذلك، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
يقول: في حديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ((وذلك أضعف الإيمان)) هل يعني ذلك أن من لم ينكر المنكر بقلبه تنتفي عنه صفة الإيمان؟
هذا قرره أهل العلم، وأنه جاء في بعض الروايات: ((وليس وراء ذلك من الإيمان شيء)) يعني الذي لا ينكر المنكر بقلبه نسأل الله السلامة والعافية على خطير عظيم.
كيف السبيل إلى المحافظة على الحسنات التي يعملها الإنسان؟
على الإنسان أن يحفظ جوارحه يحرص على كسب الحسنات فالعمر قصير، يحرص على كسب الحسنات، ثم بعد ذلك يحافظ على هذه الحسنات، فيحفظ جوارحه، لا يعتدي على أحد، لا يتكلم في أحد، لا ينم في أحد، لا يكذب على أحد، لا يشهد على أحد شهادة زور ولا غيره، المقصود أنه يحفظ لسانه، ويحفظ جوارحه، و ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) وأهل العلم يقولون: إن النبي ﵊ قال: ((من لسانه)) ولم يقل: من قوله، ليكون الأمر أعم بحيث لو أخرج لسانه مستهزئاً مستهتراً دخل في الحديث، ويده مفرد مضاف يعم التعدي باليد القليل والكثير.
أظن الوقت انتهى وقت الإقامة؟ نكتفي بهذا، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 139
شرح حديث: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
فإن طلب العلم لا يخفى فضله على أحد منكم، وما أعد الله -جل وعلا- لمن سلك طريقاً يلتمس هذا العلم، وما أعده من منازل للعلماء، مما تضافرت عليه نصوص الكتاب والسنة، مما لا نحتاج إلى بيانه وذكره.
من أهم ما يُعنى به طالب العلم ما يتعلق بالأصل الأصيل، والحبل المتين كتاب الله -جل وعلا-، علينا جميعاً أن نعنى بكتاب الله -جل وعلا- وأن نهتم به، وأن نتعلمه، ونقرأه على الوجه المأمور به، وأن نتدارسه، وأن نعلمه الناس، وأن نعمل بما اشتمل عليه.
ثم بعد ذلك العناية بسنة رسول الله ﷺ ، بادئين بالمختصرات على الجادة المعروفة عند أهل العلم، بدءاً بالأربعين الأحاديث الجوامع الكلية من جوامع كلمه ﵊ التي منها هذه الأحاديث التي نشرحها، ومنها حديث اليوم.
هذه الأحاديث جوامع وقواعد كلية أحسن النووي -رحمه الله تعالى- باختيارها وانتقائها، وإن كان الحديث الذي دعاه إلى جمعها ضعيفاً، ((من حفظ على أمتي أربعين حديثاً ... )) هذا اتفق الحفاظ على ضعفه، وقد بين النووي ذلك في مقدمة الأربعين، فالداعي لجمعها هذا الحديث -وإن كان ضعيفاً- إلا أن عامة أهل العلم يعملون به في مثل هذا الباب، وقد نقل النووي الاتفاق على ذلك في مقدمة الأربعين، ونوزع في نقل هذا الاتفاق، وعلى كل حال أحسن ﵀ بانتقائها وجمعها، فهي أحاديث كلية اعتمدها أهل العلم أن يُبدأ في حفظها كدرجة أولى ولبنة أولى للبناء العلمي المتين.
стр. 140
وقد عني بها أهل العلم فلا يحصى كم من شرح هذه الأربعين بدءاً من مؤلفها إلى يومنا هذا وهي تشرح، منها هذه الأحاديث التي أودعها النووي في كتابه حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وقد أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال -جل وعلا-: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [(٥١) سورة المؤمنون] وقال -جل وعلا-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [(١٧٢) سورة البقرة] ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟! )) هذا الحديث مخرج في صحيح مسلم، وجامع أبي عيسى الترمذي، ومسند أحمد وغيرها من دواوين الإسلام، فهو معروف لا إشكال في صحته، ولم يخرجه البخاري -رحمه الله تعالى-؛ لأنه ليس على شرطه؛ فراويه فضيل بن مرزوق ليس من شرط البخاري، وهو غير ابن مرزوق الذي نص عليه الحافظ العراقي في ألفيته، ذاك عمرو بن مرزوق، لأنه يقول:
وفي البخاري احتجاجاً عكرمة ... مع ابن مرزوق وغير ترجمة
فالفضيل بن مرزوق هذا ليس من شرط البخاري، ولذا لم يخرجه في صحيحه، وهو صحيح، لا كلام لأحد فيه.
معنى: (أن الله طيب):
стр. 141
((إن الله طيب)) إذا وجدنا مثل هذه الصيغة في كتب السنة، مثلاً في صحيح مسلم ((إن الله طيب)) هل لنا أن نقول: إن الله تعالى طيب؟ أو إن الله طيب؟ أو إن الله -جل وعلا- طيب؟ أم نقول: هذه زيادة لا توجد في الأصل؟ كما أننا إذا سمعنا ذكره ﵊ نصلي عليه، أو نلتزم بما في الأصل؟ وقل مثل هذا في الصحابي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ، هذا في الأصل، فهل لنا أن نقول: ﵁؟ نعم، هذه الأمور ليس مبناها على الرواية، وهي بين دعاء وثناء لا يتقيد فيها بالرواية، فتصلي على النبي ﵊ ولو لم توجد الصلاة في الأصل، وتصف الله بما يليق به ولو لم يوجد في الأصل؛ لأن هذه إما دعاء وإما ثناء، لا مدخل للرواية فيه، وهذا فيما إذا كان الكلام في غير ما تعبد بلفظه، أما ما تعبد بلفظه فليس لك أن تزيد، ما تعبد بلفظه ليس لك أن تزيد فيه، ولو كان ذلك على سبيل الدعاء أو الثناء.
((إن الله تعالى طيب)) (طيب) يطلق ويراد به ما تستلذه النفوس، ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ [(٣) سورة النساء]، ويطلق ويراد به الحلال ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [(١٥٧) سورة الأعراف]، يطلق ويراد به الطاهر ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [(٤٣) سورة النساء] ((إن الله طيب)) على أي الإطلاقات يحمل؟ على الأخير، طاهر، المقدس، المنزه، القدوس.
стр. 142
وبعض الشراح يأخذ من هذا الحديث وما جاء مما يسنده يأخذ أن الطيب اسم من أسماء الله -جل وعلا-، ((إن الله طيب)) كما أخذوا الرفيق، من حديث ((إن الله رفيق يحب الرفق، جميل يحب الجمال)) يأخذون من هذه أسماء، فهل الطيب من الأسماء الحسنى؟ من أسماء الله -جل وعلا- أو هو مجرد خبر عن الله -جل وعلا- ليس باسم من أسمائه؟ على كل حال نص كثير من الشراح على أنه اسم من أسماء الله -جل وعلا-، من هذا الحديث، لكن هل الصيغة جاءت لبيان أنه اسم من أسماء الله أو أنه مجرد خبر عن الله -جل وعلا- كما في حديث: ((إن الله وتر))؟ هل من أسماء الله -جل وعلا- الوتر؟ لو توسعنا في مثل هذا لقلنا كما قال ابن حزم وغيره أن الدهر من أسماء الله -جل وعلا-، فالمسألة خلافية بين أهل العلم ولا شك أن سياقه سياق الخبر، سياق الحديث سياق الخبر، كالوتر، ((إن الله وتر)).
ما يدل عليه نفي القبول:
стр. 143
((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)) القبول جاء في النصوص، وعدم القبول كما هنا (لا يقبل) نفي القبول جاء في بعض النصوص ما يدل على نفي الصحة، وجاء في بعضها ما يدل على نفي الثواب المرتب على العبادة، فمثلاً في حديث: ((لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ)) هذا يراد بنفي القبول نفي الصحة؛ لأن الأدلة دلت على أن الطهارة شرط لصحة الصلاة، وما تخلف شرطه لا يصح؛ لأن الشرط يلزم من عدمه العدم، ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)) كذلك، وجاء إطلاق نفي القبول ويراد به نفي الثواب المرتب على الصحة، على العبادة، تكون العبادة صحيحة، أيش معنى صحيحة؟ مجزئة مسقطة للطلب، بمعنى أنه لا يؤمر بإعادتها، لكن الثواب المرتب عليها لا يستحقه الفاعل ((لا يقبل الله صلاة عبد آبق)) ((لا يقبل الله صلاة من في جوفه خمر)) ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [(٢٧) سورة المائدة] مفهومه أن الله -جل وعلا- لا يتقبل من غير المتقين، غير المتقين الفساق مفهوم الآية أن الله -جل وعلا- لا يتقبل منهم؛ لأن الحصر في القبول للمتقين، مفهومه أن الله -جل وعلا- لا يقبل من غيرهم من الفساق، فإذا قلنا: المراد بنفي القبول هنا الصحة، قلنا: جميع تصرفات الفساق باطلة، إذا صلى وهو مرتكب لذنب، قلنا: لا بد من إعادة، إذا صام وهو مرتكب لذنب، قلنا: لا بد من إعادة، إذا حج وهو مرتكب لذنب لا بد من الإعادة، لأنه ليس من المتقين، العاصي ليس من المتقين، والله -جل وعلا- إنما يتقبل من المتقين.
أهل العلم يقررون أن المراد بنفي القبول هنا نفي الثواب المرتب على الصحة، وإلا فالصحة حاصلة، الصلاة صحيحة، بمعنى أنها مجزئة ومسقطة للطلب، فلا يؤمر بإعادتها.
стр. 144
((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)) وعلى هذا من تصدق بصدقة مما ينتفع به وهو ليس من النوع الطيب، من النوع الرديء، عندك ثلاثة أنواع من التمر، طيب ومتوسط ورديء، لو تصدقت من هذا الرديء، تصدقت صدقة مطلقة نفل، ممن يستسيغه ويأكله تؤجر أو لا ما تؤجر؟ الله -جل وعلا- يقول: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾ [(٢٦٧) سورة البقرة] لا شك أنه في الزكاة الواجبة لا يجزئ الرديء، ولذا أنت لا تقبله وفاء لدينك؛ لأنه رديء إلا أن تتسامح، أما في الصدقة المطلقة تتصدق على فقير بنوع أقل مما تأكله أنت وأولادك، الصدقة تؤجر عليها؛ لأنه ينتفع بها، ولذا لو أن إنساناً اقتنى ثوباً جديداً وتصدق بالثوب القديم يلام أو لا يلام؟ هو رديء بالنسبة للثوب الجديد، وعلى كل حال، الطيب وما يضاده أمور نسبية.
أما الرديء الذي لا ينتفع به البتة لا تجوز الصدقة فيه؛ لأن هذا بحيث لا ينتفع به هذا استخفاف، أما النوع المفضول -وإن سماه الناس ردئياً- إذا كان ينتفع به فالصدقة به يرتب عليها الثواب ما لم تكن الرداءة به تصل إلى حد بحيث لا يستسيغه من تصدق عليه به، ولذا المأمور بإخراجه في الزكاة من أوساط المال، والوسط من المال بالنسبة للأعلى رديء، وبالنسبة لما دونه طيب، فمثل ما ذكرنا الطيب وما يضاده أمور نسبية، ففي النفقة أو في الصدقة المستحبة، الأمر فيه سعة، إذا كان المتصدق به مما ينتفع به.
عندك كتاب مثلاً مستعمل وأثر الاستعمال عليه ظاهر، واقتنيت نسخة نظيفة تدفع هذه النسخة القديمة إلى غيرك، فهو طيب من جهة باعتبار أنه ينتفع به، هو طيب من هذه الحيثية، أما لو كان من النوع الذي لا يمكن أن ينتفع به فليس بطيب، ويصدق عليه حديث ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)).
أمر الله الرسل وأتباعهم بالطيبات:
стр. 145
((وقد أمر الله المؤمنين بما أمر به المرسلين ... )) فالله -جل وعلا- أمر المرسلين ومن أرسل إليهم؛ لأن الحكم واحد المرسلون وأتباعهم كلهم عبيد لله -جل وعلا-، ترد عليهم الأوامر والنواهي، مما لا تدل الأدلة على اختصاص بهم، "فقال -جل وعلا-: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [(٥١) سورة المؤمنون] وأمر المؤمنين بذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [(١٧٢) سورة البقرة] والمراد بالطيبات هنا الحلال، مما يقابل الخبائث، ومن لازم الحل الطهارة، إذ الخبائث والمستخبثات والمستقذرات والأعيان النجسة يحرم أكلها، كما في قوله -جل وعلا-: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [(١٥٧) سورة الأعراف].
الأمور والأعيان الموصوفة بـ (الطيبة والخبيثة):
الأمور والأعيان التي جاء الشرع بتحريمها من أول الأمر واستمر التحريم أمرها واضح، والأمور التي أباحها الشارع واستمرت الإباحة أمرها أيضاً واضح، تلك خبائث وهذه طيبات، لكن الأعيان التي كان مأذوناً بالانتفاع بها ثم حرمت ماذا عنها في وقت الحل؟ وكيف صار أمرها في وقت التحريم؟ الخمر لما كانت حلال ثم حرمت؟ هل كانت خبيثة من الأصل وإباحتها للحاجة ثم حرمت واستمر خبثها، أو أنها كانت طيبة، ثم انقلبت مع النص مع التحريم إلى أن صارت خبيثة؟ وهي أم الخبائث، وجاء ما يدل على خبثها، لكن ماذا عن الحمر الأهلية التي كانت تؤكل في أول الأمر ثم حرمت؟ هل انقلبت أعيانها من طيبات إلى خبائث؟ أو كانت خبيثة أبيحت للحاجة؟ أو هي طيبة ومنعت للحاجة؟ الآن في قوله -جل وعلا-: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [(١٥٧) سورة الأعراف] لو ضربنا مثال بالحمر الأهلية كانت مباحة تؤكل، ثم حرمت، هل نقول: أنها من النوع الطيب، باعتبار ما كان؟ أو هي من النوع الخبيث باعتبار الحال أنها محرمة؟ ماذا نقول؟ أو نقول: كانت طيبة ثم صارت خبيثة، والله -جل وعلا- قادر على أن يجعلها طيبة لما كانت مباحة، ثم تنقلب عينها إلى الخبث بعد أن حرمت؟
следующие страницы →