Полный текст (1 191 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
((إن الله طيب)) إذا وجدنا مثل هذه الصيغة في كتب السنة، مثلاً في صحيح مسلم ((إن الله طيب)) هل لنا أن نقول: إن الله تعالى طيب؟ أو إن الله طيب؟ أو إن الله -جل وعلا- طيب؟ أم نقول: هذه زيادة لا توجد في الأصل؟ كما أننا إذا سمعنا ذكره ﵊ نصلي عليه، أو نلتزم بما في الأصل؟ وقل مثل هذا في الصحابي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ، هذا في الأصل، فهل لنا أن نقول: ﵁؟ نعم، هذه الأمور ليس مبناها على الرواية، وهي بين دعاء وثناء لا يتقيد فيها بالرواية، فتصلي على النبي ﵊ ولو لم توجد الصلاة في الأصل، وتصف الله بما يليق به ولو لم يوجد في الأصل؛ لأن هذه إما دعاء وإما ثناء، لا مدخل للرواية فيه، وهذا فيما إذا كان الكلام في غير ما تعبد بلفظه، أما ما تعبد بلفظه فليس لك أن تزيد، ما تعبد بلفظه ليس لك أن تزيد فيه، ولو كان ذلك على سبيل الدعاء أو الثناء.
((إن الله تعالى طيب)) (طيب) يطلق ويراد به ما تستلذه النفوس، ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ [(٣) سورة النساء]، ويطلق ويراد به الحلال ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [(١٥٧) سورة الأعراف]، يطلق ويراد به الطاهر ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [(٤٣) سورة النساء] ((إن الله طيب)) على أي الإطلاقات يحمل؟ على الأخير، طاهر، المقدس، المنزه، القدوس.
стр. 142
وبعض الشراح يأخذ من هذا الحديث وما جاء مما يسنده يأخذ أن الطيب اسم من أسماء الله -جل وعلا-، ((إن الله طيب)) كما أخذوا الرفيق، من حديث ((إن الله رفيق يحب الرفق، جميل يحب الجمال)) يأخذون من هذه أسماء، فهل الطيب من الأسماء الحسنى؟ من أسماء الله -جل وعلا- أو هو مجرد خبر عن الله -جل وعلا- ليس باسم من أسمائه؟ على كل حال نص كثير من الشراح على أنه اسم من أسماء الله -جل وعلا-، من هذا الحديث، لكن هل الصيغة جاءت لبيان أنه اسم من أسماء الله أو أنه مجرد خبر عن الله -جل وعلا- كما في حديث: ((إن الله وتر))؟ هل من أسماء الله -جل وعلا- الوتر؟ لو توسعنا في مثل هذا لقلنا كما قال ابن حزم وغيره أن الدهر من أسماء الله -جل وعلا-، فالمسألة خلافية بين أهل العلم ولا شك أن سياقه سياق الخبر، سياق الحديث سياق الخبر، كالوتر، ((إن الله وتر)).
ما يدل عليه نفي القبول:
стр. 143
((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)) القبول جاء في النصوص، وعدم القبول كما هنا (لا يقبل) نفي القبول جاء في بعض النصوص ما يدل على نفي الصحة، وجاء في بعضها ما يدل على نفي الثواب المرتب على العبادة، فمثلاً في حديث: ((لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ)) هذا يراد بنفي القبول نفي الصحة؛ لأن الأدلة دلت على أن الطهارة شرط لصحة الصلاة، وما تخلف شرطه لا يصح؛ لأن الشرط يلزم من عدمه العدم، ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)) كذلك، وجاء إطلاق نفي القبول ويراد به نفي الثواب المرتب على الصحة، على العبادة، تكون العبادة صحيحة، أيش معنى صحيحة؟ مجزئة مسقطة للطلب، بمعنى أنه لا يؤمر بإعادتها، لكن الثواب المرتب عليها لا يستحقه الفاعل ((لا يقبل الله صلاة عبد آبق)) ((لا يقبل الله صلاة من في جوفه خمر)) ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [(٢٧) سورة المائدة] مفهومه أن الله -جل وعلا- لا يتقبل من غير المتقين، غير المتقين الفساق مفهوم الآية أن الله -جل وعلا- لا يتقبل منهم؛ لأن الحصر في القبول للمتقين، مفهومه أن الله -جل وعلا- لا يقبل من غيرهم من الفساق، فإذا قلنا: المراد بنفي القبول هنا الصحة، قلنا: جميع تصرفات الفساق باطلة، إذا صلى وهو مرتكب لذنب، قلنا: لا بد من إعادة، إذا صام وهو مرتكب لذنب، قلنا: لا بد من إعادة، إذا حج وهو مرتكب لذنب لا بد من الإعادة، لأنه ليس من المتقين، العاصي ليس من المتقين، والله -جل وعلا- إنما يتقبل من المتقين.
أهل العلم يقررون أن المراد بنفي القبول هنا نفي الثواب المرتب على الصحة، وإلا فالصحة حاصلة، الصلاة صحيحة، بمعنى أنها مجزئة ومسقطة للطلب، فلا يؤمر بإعادتها.
стр. 144
((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)) وعلى هذا من تصدق بصدقة مما ينتفع به وهو ليس من النوع الطيب، من النوع الرديء، عندك ثلاثة أنواع من التمر، طيب ومتوسط ورديء، لو تصدقت من هذا الرديء، تصدقت صدقة مطلقة نفل، ممن يستسيغه ويأكله تؤجر أو لا ما تؤجر؟ الله -جل وعلا- يقول: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾ [(٢٦٧) سورة البقرة] لا شك أنه في الزكاة الواجبة لا يجزئ الرديء، ولذا أنت لا تقبله وفاء لدينك؛ لأنه رديء إلا أن تتسامح، أما في الصدقة المطلقة تتصدق على فقير بنوع أقل مما تأكله أنت وأولادك، الصدقة تؤجر عليها؛ لأنه ينتفع بها، ولذا لو أن إنساناً اقتنى ثوباً جديداً وتصدق بالثوب القديم يلام أو لا يلام؟ هو رديء بالنسبة للثوب الجديد، وعلى كل حال، الطيب وما يضاده أمور نسبية.
أما الرديء الذي لا ينتفع به البتة لا تجوز الصدقة فيه؛ لأن هذا بحيث لا ينتفع به هذا استخفاف، أما النوع المفضول -وإن سماه الناس ردئياً- إذا كان ينتفع به فالصدقة به يرتب عليها الثواب ما لم تكن الرداءة به تصل إلى حد بحيث لا يستسيغه من تصدق عليه به، ولذا المأمور بإخراجه في الزكاة من أوساط المال، والوسط من المال بالنسبة للأعلى رديء، وبالنسبة لما دونه طيب، فمثل ما ذكرنا الطيب وما يضاده أمور نسبية، ففي النفقة أو في الصدقة المستحبة، الأمر فيه سعة، إذا كان المتصدق به مما ينتفع به.
عندك كتاب مثلاً مستعمل وأثر الاستعمال عليه ظاهر، واقتنيت نسخة نظيفة تدفع هذه النسخة القديمة إلى غيرك، فهو طيب من جهة باعتبار أنه ينتفع به، هو طيب من هذه الحيثية، أما لو كان من النوع الذي لا يمكن أن ينتفع به فليس بطيب، ويصدق عليه حديث ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)).
أمر الله الرسل وأتباعهم بالطيبات:
стр. 145
((وقد أمر الله المؤمنين بما أمر به المرسلين ... )) فالله -جل وعلا- أمر المرسلين ومن أرسل إليهم؛ لأن الحكم واحد المرسلون وأتباعهم كلهم عبيد لله -جل وعلا-، ترد عليهم الأوامر والنواهي، مما لا تدل الأدلة على اختصاص بهم، "فقال -جل وعلا-: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [(٥١) سورة المؤمنون] وأمر المؤمنين بذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [(١٧٢) سورة البقرة] والمراد بالطيبات هنا الحلال، مما يقابل الخبائث، ومن لازم الحل الطهارة، إذ الخبائث والمستخبثات والمستقذرات والأعيان النجسة يحرم أكلها، كما في قوله -جل وعلا-: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [(١٥٧) سورة الأعراف].
الأمور والأعيان الموصوفة بـ (الطيبة والخبيثة):
الأمور والأعيان التي جاء الشرع بتحريمها من أول الأمر واستمر التحريم أمرها واضح، والأمور التي أباحها الشارع واستمرت الإباحة أمرها أيضاً واضح، تلك خبائث وهذه طيبات، لكن الأعيان التي كان مأذوناً بالانتفاع بها ثم حرمت ماذا عنها في وقت الحل؟ وكيف صار أمرها في وقت التحريم؟ الخمر لما كانت حلال ثم حرمت؟ هل كانت خبيثة من الأصل وإباحتها للحاجة ثم حرمت واستمر خبثها، أو أنها كانت طيبة، ثم انقلبت مع النص مع التحريم إلى أن صارت خبيثة؟ وهي أم الخبائث، وجاء ما يدل على خبثها، لكن ماذا عن الحمر الأهلية التي كانت تؤكل في أول الأمر ثم حرمت؟ هل انقلبت أعيانها من طيبات إلى خبائث؟ أو كانت خبيثة أبيحت للحاجة؟ أو هي طيبة ومنعت للحاجة؟ الآن في قوله -جل وعلا-: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [(١٥٧) سورة الأعراف] لو ضربنا مثال بالحمر الأهلية كانت مباحة تؤكل، ثم حرمت، هل نقول: أنها من النوع الطيب، باعتبار ما كان؟ أو هي من النوع الخبيث باعتبار الحال أنها محرمة؟ ماذا نقول؟ أو نقول: كانت طيبة ثم صارت خبيثة، والله -جل وعلا- قادر على أن يجعلها طيبة لما كانت مباحة، ثم تنقلب عينها إلى الخبث بعد أن حرمت؟
стр. 146
وإذا أردنا أن نستطرد فبول ما يؤكل لحمه -لتقريب المسألة قليلاً- بول ما يؤكل لحمه دلت الأدلة الصحيحة على طهارته، هي كانت يؤكل لحمها ثم حرمت، فماذا عن بولها؟ أو تبعاً لعينها؟ مثل هذه الأمور من المسائل التي تشكل على كثير من طلاب العلم، فلا بد من توضيح الأمر.
هاه، يعني لما كانت تؤكل فأبوالها وأرواثها يعني كغيرها مما يؤكل كالإبل والغنم أو كانت أبوالها وأرواثها نجسة كالكلاب لأنها لا تؤكل؟ الآن بعد تحريمها بولها طاهر أو نجس؟ نجس، لا أحد يقول بطهارته، يعني إذا اختلفوا بعرقها ولعابها فلم يختلفوا في بولها، وقال عن روثها: ((إنها ركس)) لما أحضره ابن مسعود ليستنجي به النبي ﵊ قال: ((إنها ركس)) لأنها روثة حمار، هاه يا إخوان ساهموا، هاه يا شيخ.
طالب:. . . . . . . . .
إيه مباحة فهي طاهرة، يعني ما دامت تؤكل فطهارتها من باب أولى؛ لأنه لا يؤكل النجس، ثم انقلبت عينها إلى نجس بعد التحريم، يعني ندور مع النص، وهذا هو الذي يظهر، يعني ندور مع النص.
أسباب القبول والإجابة:
﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [(١٥٧) سورة الأعراف] ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)) هذه المقدمة هي سبب للقبول بمعناه الأصلي، الطيب مقبول، وهو أيضاً سبب للقبول، والمحرم وأكل الحرام مانع من القبول، ولذا جاء في آخر الحديث ذكر الرجل ((يطيل السفر ، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب)) هذه من أسباب القبول.
السفر:
((يطيل السفر)) المسافر له دعوة مستجابة، وإطالته أدعى إلى قبول الدعوة لما يتصف به المسافر من الانكسار، وعدم الاستكبار، والتذلل والخضوع إلى الله -جل وعلا-، فإذا طال هذا السفر، طال السبب صار أدعى إلى القبول.
стр. 147
((أشعث أغبر)) والأشعث الأغبر أقرب إلى الانكسار، بخلاف من يهتم بمظهره؛ لأنه أقرب إلى حال أهل الكبر، يعني ما تجد متكبر وهو مستكين في مظهره، إلا إذا كان فيه شيء من الدخن، لأن بعض الناس يظهر للناس أنه متواضع يلبس الأسمال البالية، ويتماوت في مشيته، وبين جنبيه نفس تنوء بحملها البغال، عنده شيء من الكبر -نسأل الله العافية- لكن في الغالب أن الظاهر يدل على الباطن، ولا يعني أن كل من اعتنى بنفسه وبمظهره بالحد الشرعي أنه متكبر، لا، ولذا لما قالوا: إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه جميلاً، ونعله جميلاً، قال: ((إن الله جميل، يحب الجمال)) فالجمال محبوب لكن يبقى أنه إذا زاد عن حده صار مذموماً، وجاء في عيشه ﵊ ما يدل على أنه يتوسط في أموره، يدهن ويكتحل، لكن لا يبالغ يترجل، لكنه لا يسرف في ذلك، فخير الأمور أوساطها.
نعود إلى الحديث: ((أشعث أغبر)) من طول السفر، وهذا أقرب إلى الضعف والاستكانة والانكسار بين يدي الله -جل وعلا-، لاستشعار الحاجة والفاقة؛ لأنه بعيد عن أهله وعشيرته، بعيد عن أمواله، فهو محتاج، الحاجة عليه ظاهرة، وهذه من دواعي إجابة الدعاء.
رفع اليدين في الدعاء:
((يمد يديه إلى السماء)) ورفع اليدين في الدعاء تواترت به الأحاديث، وألف فيه المؤلفات، والله -جل وعلا- يستحيي أن يرد اليدين إذا رفعهما العبد إليه صفراً، وثبت عن النبي ﵊ أنه رفع يديه، وبالغ في رفعهما حتى يرى بياض إبطيه، وحتى وصل الحد إلى أن تكون ظهورهما إلى السماء، فرفع اليدين مشروع عند الدعاء بالنصوص الثابتة، والدلائل القاطعة، وإن قال بعض السلف: أنه لا يشرع، وقال لمن رآه يرفع يديه: "ثكلتك أمك، من تتناول بهما؟ " من التابعين رأى داعي يرفع يديه قال: "ثكلتك أمك من تتناول بهما؟ " لكن مثل هذا القول يعول عليه مع صحة النصوص؟ أبداً، مثل هذا يضرب به عرض الحائط.
стр. 148
فرفع اليدين من أسباب قبول الدعاء، يا رب يا رب، وجل الأدعية القرآنية بهذه الصيغة، يا رب، ربنا، وفي آخر سورة آل عمران كررت كم؟ خمس مرات؟ هاه ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ ... ﴾ [(١٩٠ - ١٩٤) سورة آل عمران] خمس مرات، واستنبط بعض المفسرين أن من كرر الدعاء بهذه الصيغة خمس مرات يستجاب له، أخذاً من هذه الآيات؛ لأنها عقبت بقوله -جل وعلا-: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم﴾ [(١٩٥) سورة آل عمران] يعني من كرر ربنا خمس مرات يستجاب له، وجاء في خبر لكنه ضعيف تكرارها أربع أو ثلاث، المقصود أن هذه الصيغة من أسباب قبول الدعاء عند أهل العلم، وأكثر الأدعية جاءت بها، رب اغفر لي، رب ارحمني، وهكذا جاءت في نصوص الكتاب والسنة بهذه الصيغة، فهي من دواعي القبول، يا رب، يا رب، هذه الصيغة المكررة ما الذي يمنعه من القبول؟ ما الذي يمنعه من إجابة الدعوة؟
تحري الحلال في المأكل والمشرب والملبس:
стр. 149
أكل الحرام، شرب الحرام، لبس الحرام، التغذية بالحرام، ((ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟! )) استبعاد، كيف يستجاب لمثل هذا؟ الذي يتقلب في الحرام في جميع تصرفاته كيف يستجاب له؟ فصدر الحديث يدل على بذل السبب، سبب القبول وآخر الحديث يدل على أنه لا بد من انتفاء المانع من القبول، ولذا الأسباب وحدها لا تؤتي ثمارها ما لم تكن الموانع منتفية، فلا بد مع توافر الأسباب انتفاء الموانع، فآخر الحديث يشهد لأوله، فالحرص على طيب الكسب وطيب المطعم، وطيب المشرب، وطيب الملبس سبب للقبول، لكن هل يستقل هذا السبب بالقبول، أو لا بد من انتفاء المانع؟
والسبب عند أهل السنة والجماعة جعله الله -جل وعلا- سبباً وجعل فيه تأثير، فالله -جل وعلا- هو المسبب وهو الذي جعل التأثير، ولا يستقل السبب بالتأثير كما تقول المعتزلة: أن السبب يستقل بالتأثير، وليس وجود السبب كعدمه كما تقول الأشعرية، يقولون: أن السبب وجوده مثل عدمه، ولذا يقررون في كتبهم أنه ليس هذا من باب الإلزام، بل صرحوا به، قالوا: أنه يجوز أن يرى الأعمى -وهو في الصين- البقة وهو في الأندلس، صغار البعوض أعمى في الصين في أقصى المشرق، يرى صغار البعوض –البقة- وهي في الأندلس، تراهم يا إخوان أصحاب عقول أصحاب ذكاء، لكن لما بعدوا عن النصوص وخلي بينهم وبين عقولهم أتوا بمثل هذه المضحكات، وإلا أدنى عاقل يقول لك أعمى في الصين يرى بقة في الأندلس؟!
стр. 150
أقول الأسباب لا شك أن لها أثراً جعله الله -جل وعلا- فيها، نضرب مثال في فصل الشتاء في البرد الشديد يلبس الإنسان من الثياب ما يجزم أو يغلب على ظنه أنه يقيه البرد، نعم، قد يصاب بمرض مع وجود هذا السبب، هذا سبب ومحسوس وجعله الله -جل وعلا- سبباً، سبب عادي، لكن قد تترتب عليه آثار وقد تتخلف، هل يقول قائل: أن من يلبس الثياب في الشتاء ويحتاط لنفسه بآلات التدفئة مثل شخص اغتسل بثيابه وبرز إلى الشارع أو إلى البر، هناك فرق أو لا ما فيه فرق في الشتاء؟ فيه فرق كبير، هذا بذل السبب وهذا فرط، والسبب نافع بإذن الله -جل وعلا-، فالله -جل وعلا- جعل في الأسباب تأثيراً، لكنها لا تستقل بالتأثير بدليل أنه قد توجد هذه الأسباب ويصاب الإنسان بما وضعت هذه الأسباب من أجل دفعه.
стр. 151
قد يؤتى الإنسان من شدة حرصه، يعني شخص بذل السبب وما فرط في رعاية صحته، اعتنى بأكله الأكل المناسب لجسمه ولسنه بالقدر المطلوب، الذي يقرر الأطباء أنه في الغالب ينفع ولا يضر، وعلى صلة مستمرة بالأطباء والتحاليل باستمرار أسبوعياً –هذه المسألة واقعة– شخص محتاط لنفسه، ويحلل في كل أسبوع من أجل زاد كذا نقص كذا، هذا بذل السبب، لكن ما الذي حصل بعد كم أسبوع؟ قال له الأطباء: إنك مصاب بسرطان الدم، طيب وين احتياطاتك؟ ووين أسبابك؟ وكم من شخص مفرط .. لكن لا يعني أن الأسباب لا تأثير لها، الأسباب لها تأثير، وقد أمرنا بفعل الأسباب، وترك الأسباب قدح في العقل، والاعتماد عليها قدح في الشرع، لا شك أن الأكل ((أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة)) سبب في استجابة الدعوة، ولا بد من انتفاء الموانع، قد يوجد السبب وينتفي المانع، ويتخلف الأثر، قد يدعو الإنسان مع توافر الأسباب وانتفاء الموانع ولا تستجاب دعوته؟ الأسباب متوافرة والموانع منتفية، ما أجيبت الدعوة؛ لأن الله -جل وعلا- وعده إما أن يجيب دعوته، أو يدفع عنه من الشر أعظم مما دعا به، أو تدخر له هذه الدعوة يوم القيامة أحوج ما يكون إليها، وبعض الناس يقول: الدعاء لا قيمة له، والله -جل وعلا- يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [(٦٠) سورة غافر] بعض من ينتسب إلى التصوف يقول: الدعاء لا قيمة له، فإذا كان الله -جل وعلا- قد قدر لي هذا الشيء لا بد أن يحصل دعوت أو لم أدع، وإذا لم يقدر لي فإنه لن يحصل لي دعوت أو لم أدع، نقول: ومع ذلك ادع، أنت مأمور ببذل ما أمرت به، وليست النتائج بيدك، ولا الإطلاع على ما في اللوح المحفوظ بيدك، أنت مأمور بالدعاء ادع، ولذا لا يطرد هذا المبدأ عندهم، هذا المبدأ لا يطرد عندهم، تقول له: يا أخي ليش تتزوج؟ قال: أريد الولد، قلت له: لا يا أخي لا تتزوج إن كان مكتوب لك أولاد بيجون، وإن كان ما كتب لك أولاد لو تنكح مائة امرأة ما جايك عيال، يقول: لا يا أخي لا بد من بذل الأسباب، طيب وين الأسباب الثانية، نعم، فيضطرب مذهبه في هذا.
стр. 152
على كل حال الله -جل وعلا- كما في الحديث طيب لا يقبل إلا ما كان طيباً، فعلى الإنسان أن يحرص ألا يدخل في جوفه إلا ما يجزم بحله من جهة، وأن يكتسب المال من حله، وأن ينفقه في وجوهه الشرعية؛ فالشخص المخلط الذي لا يحتاط لنفسه في الكسب سواء كان من أهل المعاملات التجارية الذي ترد الشبهات على عقوده وقد يتجاوزها إلى المحرمات وهو مخلط في كسبه، مثل هذا على خطر من هذا الحديث، وقل مثل هذا في الموظف الأجير الذي لا يؤدي الدوام على الوجه المتفق عليه، كثير من الناس تجده من الأخيار ودائماً يلهج بذكر الله وشكره ودعائه والانكسار بين يديه، لكن ما تجاب دعوته، لكن لا يخطر بباله أنه يأكل الحرام، فالأجير إذا فرط بشيء مما اتفق معه عليه، صار مقابل هذا التفريط غير مباح محرم، نعم هناك أمور جرى العرف على التسامح فيها، يعرف المسئولون أن هذه أمور لا بد أن تقع، ولا يحاسبون عليها؛ لأن الإنسان لا بد أن يحصل له ما يحصل لكن لا يكون عادة وديدن إذا حصل له ذلك يبادر في بذل الأسباب التي تعينه على أداء عمله على أكمل وجه.
المال الذي فيه شبهة، ليس بمحرم صريح، وليس بحلال صحيح، بل هو من الأمور التي بين هذه وهذه من المشتبهات، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: إنه يجوز أن تسدد به الديون، لكن لا يؤكل؛ لأن الأكل وإدخال الجوف ما لا يعلم حله أثره على القلب، ثم بالتالي القلب يؤثر على الجوارح فكأن الشيخ -رحمه الله تعالى- في المال الذي فيه شبهة ليس المال المحرم، الذي فيه شبهة يجيز سداد الديون منه، شخص يأخذ من الصدقات والزكوات ويمر به مسكين هل له أن يتصدق عليه، أو نقول: إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً؟ أهل العلم يقولون: الشيء اليسير الذي يرد به المسكين ولا يؤثر في معيشته ومعيشة من يمون لا يحدث خلل فيه، يقولون: للفقير أن يتصدق به، ويرجى له ثوابه -إن شاء الله تعالى-، وممن نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.
стр. 153
إذا أراد أن يحج فعليه كما يقول أهل العلم: أن يتحرى الكسب الطيب، ليكون حجه مبروراً مقبولاً، ويجتنب ما فيه شبهة، فضلاً عن الأمور المحرمة؛ لأن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، لكن هل مثل هذا الكلام يقال لشخص معاملاته ليست على الطريقة الشرعية، إما بغش وخداع وحيل أو ربا أو ما أشبه ذلك من عقود محرمة، ثم بعد ذلك إذا جاء الحج يحرص أن يعقد صفقة صحيحة نظيفة ليحج بها؟ هل له ذلك؟ أو نقول: جل ماله محرم، فالذي يغلب على الظن عدم القبول.
إذا حججت بمال أصله سحت ... فما حججت ولكن حجت العيرُ
فعلى الإنسان أن يحرص على طيب المكسب، وأن يحرص أيضاً على الإنفاق، إنفاق الأموال في وجوهها المشروعة؛ لأن من الناس من يحرص ويحتاط للكسب، لكنه عند الإنفاق يتساهل فلا بد من أخذ المال من حله وإنفاقه في وجهه؛ لأن الشارع نهى عن إضاعة المال ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ﴾ [(٥) سورة النساء] ونهى عن ((قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال)) فالمال محترم في شريعة الإسلام، وحفظه مما جاء الشرع بالتأكيد عليه كحفظ النفس والعرض والدين من الضرورات، ((ومن قتل دون ماله فهو شهيد)).
في درس الأمس أطلنا في الشرح وضاق الوقت. . . . . . . . .
أقول: في درس الأمس استغرقنا في الكلام، وإلا الكلام على مثل هذا الحديث لا ينتهي، والصور كثيرة جداً، والصور المتعلقة بهذا الباب كثيرة لا تنتهي، وبعض الناس يهمه ويستفيد من الأسئلة أكثر من الكلام المرسل، فنأخذ وقت كافي للأسئلة.
الأسئلة:
يقول: حكم الآلات التي تضرب في الأعراس، وما عرف عندنا بالصحفة والدربكة، وما حكم هذه الآلات المرسومة؟
ما أدري والله أيش يعني الدربكة؟ هكذا اسمها؟
طالب: الدُرَبُكة، الدربكة آلة.
الدربكة ما أدري والله إيش هي؟ المقصود أن الذي جاءت النصوص بإباحته هو الدف، الدف في الأعراس هو المباح، وما عدا ذلك يبقى على المنع.
يقول: ما الحكم إذا كان أبي يشتري من رجل سلعة ويبيعها منه بمبلغ يقبضه منه على أن يرد المبلغ مضاعفاً في المستقبل؟ وينفق علينا من المبلغ المقبوض، علماً بأنه لا يمكن توفير دخل لنا غيره، فهل مطعمنا هذا حرام، وماذا علينا فعله؟
стр. 154
يشتري من رجل سلعة، ويبيعها منه بمبلغ يقبضه منه على أن يرد المبلغ مضاعفاً في المستقبل، يعني كأني فهمت من المسألة، يعني هي مسألة العينة، يشتري من رجل سلعة بمبالغ طائلة، بمبالغ أكثر مما تستحقه هذه السلعة ثم يبيعها منه بثمن يقبضه أقل من قيمتها على أن يرد القيمة التي اتفق عليها قبل ذلك مستقبلاً، يعني يبيع عليه السيارة بمبلغ مائة ألف، ثم يبيعها المشتري على من باعها عليه بمبلغ مائة ألف بسبعين بستين ألف نقد هذه هي مسألة العينة، وهي مسألة محرمة عند أهل العلم، وهي حيلة على الربا، كأنه قال: ستين بمائة ألف، والسيارة هي مجرد محلل حريرة، فمثل هذا التصرف لا يجوز.
وإنما له أن يشتري هذه السلعة -هذه السيارة- بما يتفقان عليه، ثم المشتري يبيعها ناجزاً حالاً بثمن أقل على طرف ثالث، وهذه هي مسألة التورق، التي جمهور أهل العلم على جوازها إذا اكتملت شروطها، فعلى كل حال مسألة العينة محرمة، وما يكسب من ورائها حرام.
هذا يطلب الدعاء لإخواننا المظلومين في فلسطين وغيرها.
نسأل الله -جل وعلا- أن يفرج هموهم، وأن يكشف غمومهم، وأن ينتقم من الأعداء، وأن ينتصر لهم.
يقول: كيف اختصر الزبيدي صحيح البخاري، وهل كل ما في البخاري ومسلم صحيح لا شك فيه؟
نعم جميع ما في الصحيحين من الأحاديث الأصول المرفوعة صحيح لا شك فيه، حتى قرر جمع من أهل العلم أنه لو حلف شخص بالطلاق أن جميع ما في الصحيحين صحيح ما حنث، أما اختصار الزبيدي لصحيح البخاري فهو حذف التكرار، وحذف الأسانيد، وحذف الموقوفات، وحذف التراجم، واقتصر على الأحاديث الأصول المرفوعة من غير تكرار ومن غير أسانيد.
يقول: ما حكم التشقير في الحاجبين؟ وما حكم لبس العباءة على الكتف المطرزة؟ وما حكم الاستماع إلى الأناشيد؟
التشقير وتغيير لون الشعر إن كان هذا التغيير إلى السواد فهو لا يجوز؛ لأن النص ((وجنبوه السواد)) يشمل والمحظور في الرجال محظور في النساء، التشقير أيضاً، تشقير الحواجب بلون البشرة، بحيث إذا رآها الرائي قال: إنها نامصة، هذا أيضاً لا يجوز، أما التشقير بغيرهما من الألوان إذا سلم من التشبه بالكفار والفجار فالأمر فيه سعة -إن شاء الله-.
стр. 155
حكم لبس العباءة على الكتف وهي مطرزة، أولاً التطريز من إبداء الزينة، وقد نهيت المرأة المسلمة عن أن تبدي زينتها، ولبس العباءة على الكتف، أفتى أهل العلم بمنعه؛ لأن أقل أحواله التشبه بالرجال، وقد نهيت المرأة عن التشبه بالرجال.
وحكم الاستماع إلى الأناشيد التي يقول: أنها إسلامية، الأناشيد إذا كان لفظها مباح، الشعر كلام، حسنه حسن وقبيحه قبيح، إذا كان لفظه مباحاً، وخلا عن الآلات، وأدي بلحون العرب لا بلحون الأعاجم، يعني سلم من الآلات وأؤدي بلحون العرب، وهو كلام في الأصل مباح لا شيء فيه؛ فالنبي ﵊ أنشد الشعر بين يديه، والحداء معروف عندهم، لكن إن صحبه آلات أو أؤدي بلحون الأعاجم أو بلحون أهل الفسق، بحيث يشبه الغناء، حينئذ لا يجوز، إذا أدخلت عليه المؤثرات التي تؤثر في السامع تأثير الآلات أيضاً لا يجوز.
يقول: هذه ورقة مكتوب فيها يقول: وزعت بكميات كبيرة في أحد المساجد، يقول: رحلة سفر، البطاقة الشخصية، الاسم: الإنسان ابن آدم، الجنسية: من تراب، العنوان: الأرض، بيانات الرحلة، محطة المغادرة: الحياة الدنيا، محطة الوصول: القبر، موعد الحضور: وجاءت سكرة الموت، موعد الإقلاع: ما تدري نفس بأي أرض تموت، العفش المسموح به: متران من قماش أبيض وحنوط، العمل المقدم: من حسنة وسيئة. يقول: لا يسمح باصطحاب أي شيء آخر في الرحلة، ما يسمح بوصوله للمسافر بعد الإقلاع صدقة جارية اغتنم البقاء قبل الرحيل، دعاء الولد الصالح، علم ينتفع به، نرجو الانتباه الرحلة شاقة وموحشة ومخيفة، ما لم يعمل بالشروط التالية: طاعة الأوامر، كثرة ذكر هاذم اللذات، بر الوالدين، اغتنام المواسم، قصر الخطا ... إلخ.
стр. 156
هذه طريقة ومسلك يسلكه بعض الإخوة من الشباب يظنونه مؤثراً، يقيسون ما جاء في النصوص وينظرونه بالمحسوسات، وبعضهم بالرسوم، يفسر آية برسم، يفسر حديث برسوم، أقول: مثل هذه الطريقة وإن رأى بعض الإخوان، وبعض المشايخ التسامح فيها، أنا أقول: هي طريقة محدثة، وإلقاء النصوص على المسلمين لا شك أنها أبلغ في التأثير من مثل هذه التصرفات، هي أبلغ يعني ترسم النار بطريقة مفزعة، لكن مهما بلغ الرسام في رسمها ورسم أهوالها، هل يمكن أن يصل إلى أدنى نسبة من حقيقتها؟ لا يمكن، يرسم القبر، وما فيه، يرسم الجنة وما اشتملت عليه، هذا الكلام لا يسوغ أبداً.
بل النصوص إلقاؤها على عامة الناس، وعلى من يفهمها وتفهيمهم بها ووعظهم بها أبلغ بكثير من هذه الطرق المحدثة، فأنا أقول: مثل هذه الأمور ينبغي ألا تسلك؛ لأنها محدثة ولو كانت خيراً لسبقونا إليها، نعم قد يقول قائل: إن أهل العلم تسامحوا في بعض الأمور تسامحوا في المناظرات، يجعل مناظرة سني وقدري، سني ورافضي، سني وكذا، سني وجهمي، وهم ما فيه مناظرة، الذي وضع المناظرة والأسئلة وأجاب عليها شخص واحد، المقامات مثلاً، كلها لا حقائق لها، نقول: يا أخي مثل هذا الأمور، حتى المناظرات لا حقائق لها، والمقامات التي لا وجود لها، حدث فلان، قال: فلان، هذه هي في أصلها داخلة في حيز الكذب؛ لأنها إخبار عن شيء غير واقع بأنه واقع، هذا ليس بصحيح، لا يطابق الواقع، وكل ما لا يطابق الواقع كذب، تسامح بعض أهل العلم بمثل هذا لأن المصلحة من وجهة نظره راجحة، لكن أقول: علينا أن نقتدي ونهتدي بهدي من سلف، ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)) فمثل هذه الأمور ينبغي ألا تسلك، وإن فعلها من فعلها، وفيما جاءنا عن الله وعن رسوله ﵊ غنية، والله المستعان.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 157
مثل هذا يكتفى بالوارد، لكن أصور النار بما لا يؤدي أدنى أدنى جزء من الغرض المطلوب؟ بعضهم يستدل على جواز التمثيل بقصة الثلاثة، الأعمى والأقرع والأبرص، الذي أرسل لهم الملك يختبرهم، أولاً: هذه مسألة شرعية من الذي أرسل الملك؟ وسألهم ثم تصور بصورهم وتزيا بزيهم؟ هو الله -جل وعلا-، اكتسبت الشرعية من هذه الحيثية، فنحتاج في تصرفاتنا إلى ما يكسبها شرعية.
طالب: التصوير الفوتوغرافي؟
التصوير الفوتوغرافي داخل في التصوير الوارد منعه، تصوير الفيديو، كل هذا داخل في التحريم؛ لأنه تصوير.
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
نفسه، نفس الشيء، الحكم واحد، لأنه هل وقع هذا الأمر أو ما وقع؟ إذن كذب.
يقول: نرى في المساجد توضع ساعات أو دفتر التقويم وعليها دعايات وإعلانات لمؤسسات ومحلات ما حكم ذلك؟ وهل يدخل ذلك في باب البيع في المسجد؟ أفيدونا؟
إن كانت هذه الأمور -هذه الدعايات- واضحة بحيث ترى من بعد فلا شك أن هذه دعاية لتجارة، وهي وسيلة لترويج تجارة، وترويجها ممنوع في المساجد، والوسائل إليها ممنوعة، هذه مسألة.
المسألة الأخرى: إن كانت أمور خفيفة والذي وضعها في المسجد غير صاحب الدعاية، يعني الذي وضعها في المسجد ما قصد الترويج لهذه الدعاية، إنما قصد الانتفاع بهذه المادة، وهو غير صاحب الدعاية، فالأمر في ذلك فيه سعة -إن شاء الله تعالى-.
هذا يسأل يقول: ما حكم من كان أغلب ماله من قروض البنوك الربوية؟ وقد توقف عن أخذ القروض الربوية، ولكن ما لديه من مال هو في الأصل من المعاملات الربوية، التي كان يتعامل بها منذ زمن طويل، وهو ينفق من ماله الكثير في أوجه الخير؟ ألا يطهر المال بعضه بعضاً؟
стр. 158
هذه مسألة -وهي مسألة التائب- التائب من أكل الربا، المنصوص عليه أنه ليس له إلا رأس المال، ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ [(٢٧٩) سورة البقرة] إن تبتم فلكم رؤوس أموالكم، التوبة تجب ما قبلها، تهدم ما كان قبلها، لكن ما المراد برأس المال؟ هل المراد برأس المال وقت الدخول في التجارة في هذه المعاملات في الربا، أو له رأس ماله وقت التوبة؟ المسألة خلافية بين أهل العلم، والأكثر على أن المراد رأس المال وقت الدخول في الربا.
стр. 159
المسألة مفترضة في شخص دخل المعاملات قبل خمسين سنة مثلاً، وكل معاملاته بنوك وربا، ورأس ماله ألف ريال وقت الدخول، بعد خمسين سنة تاب، ورأس ماله المقبوض بيده مليار، وله في ذمم الناس نصف مليار، هل نقول: أن رأس ماله ما دخل به التجارة وهو الألف؟ أو نقول: رأس ماله وقت التوبة هذا المليار ولا يجوز له أن يأخذ فوائد مستقبلية بعد التوبة مما في ذمم الناس؟ المسألة خلافية بين أهل العلم، والأكثر على أن المراد رأس ماله الألف، والمليار لا يجوز أن يأخذ منه شيئاً، ليس له إلا رأس ماله، والقول الآخر والآية محتملة، الآية تحتمل القولين، والقول الآخر أن له رأس ماله الذي بيده وقت التوبة، والتوبة تهدم ما كان قبلها، وكأن هذا هو الموافق لقواعد الشرع والذي يعين على التوبة؛ لأنك لما تقول لهذا التائب مثلاً الذي ملك مليار وتوسع في النعم: ما لك إلا ألف، هذا لا يحتمل أن يقول: بلاش من التوبة؟ ألا يمكن أن يقول: الله -جل وعلا- أرحم منكم؟ كيف يبي يعيش بعد هذه الأموال ويرجع إلى أهله فقير يتكفف الناس؟ ومن عبارات شيخ الإسلام التي يرددها: من المحال في العقل والدين أن الله -جل وعلا- يأمر بكذا ويصرفه عنه، الله -جل وعلا- يرغب في التوبة، ويوجب التوبة، ويحب التائب، ويفرح بتوبة عبده، ثم بعد ذلك يصرفه عنها؟ إذا أراده الله شيئاً وأمر به يسر أسبابه، وأعان عليه، ولا يصرف عنه، وأهل العلم يقررون فيمن أسلم عن سبعين سنة مثلاً الأصل أنه وهو في حال كفره أنه مخاطب بفروع الشريعة، يجب عليه صلاة، تجب عليه زكاة، تجب عليه ... هو مخاطب بالفروع في قول جمهور أهل العلم، لكن إيش معنى مخاطبته بالفروع؟ أنه يعذب عليها إضافة إلى تعذيبه على الإيمان فيما إذا لم يسلم، هذه فائدة الخلاف، لكن إذا أسلم عن سبعين سنة هل يؤمر بقضاء ما تركه حال كفره؟ ما دام مخاطب بها الأصل أن يؤمر بها، لكن أهل العلم يقولون: لا يطالب بقضائها ترغيباً له في الإسلام، وإلا لو يقال له: صل أنت عمرك سبعين الآن كلفت في الخمسة عشر تصلي عليك صلوات خمسة وخمسين سنة عليك صيام خمسة وخمسين سنة، عليك كذا، عليك كذا، فلا يؤمر بقضائها ترغيباً له في الإسلام، والقول الذي أشرنا إليه لا يؤمر
стр. 160
بالتخلص من جميع هذه الأموال ترغيباً له في التوبة، وكنت قررت هذا قديماً، ثم وقفت على ما يؤيده لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-. والآية محتملة، وقول الأكثر -أكثر أهل العلم- على أنه ليس له إلا رأس ماله، يعني شخص من سبعين سنة بدأ في الربا بعشرين ريال، وتاب عن مائتي مليار، وإيش تقول: لمثل هذا؟ لأنه يلزم يتخلص كل شيء بيوته يطلع منها، البيوت التي يسكنها يتخلص منها، ما له إلا عشرين ريال، نقول: الله -جل وعلا- أرحم بهذا من أن يجعله يتكفف الناس، بعد أن كان محسناً على الناس، وينوي الإحسان إليهم، وعلى كل حال يبقى الخلاف والمسألة مسألة شرعية، والنظر في المصالح والمفاسد ومقاصد الشريعة وقواعدها تدل على ما ذكرنا.
من تاب، نفترض أن مغني تاب، أو بغي تاب، وإلا تابت وإلا شيء، من أخذ أموال الناس برضاهم وطيبة من أنفسهم وشخص عنده أموال غصوب، يعرف أصحابها، حقوق يجحدها، الذي يعرف صاحبه وأخذ قهراً عنه، لا بد من شرط التوبة أن يعاد لصاحبه، لكن مغني غنى خمسين سنة وكسب أموال من هذا الغناء ثم تاب؟ هل نقول: أنك ترد هذه الأموال على أربابها؟ مثل هذه يكثر من النوافل، ويكثر من الصدقات، والله -جل وعلا- غفور رحيم، والتوبة تهدم ما كان قبلها.
ففرق بين ما اغتصب، وبين من كسب الأموال من غير وجهها بطوع واختيار أربابها وأصحابها، ولا يعرف أهلها وأصحابها، يعني شخص عمل موظف عند شخص، في حراسة أمر محرم، أو في التعاون على شيء محرم، لا شك أن التوبة لها وقعها في الإسلام، وأنها تهدم ما كان قبلها، طيب شخص اغتصب خروف كبش، فضحى به أضحية مقبولة أو غير مقبولة؟ الجمهور على أنها مردودة، الحنفية إن استمر على غصبها مردودة، لكن قبولها موقوف على إجازة صاحبها، إن غصبها وضحى بها ذهب إليه المضحي، وقال: يا أخي أنا الآن غصبت منك شاة وتبت إلى الله -جل وعلا- وهذه قيمتها؟ الحنفية يقولون: قبولها موقوف على رضا صاحبها، ومسائل وفروع هذا الحديث المتعلقة به لا تكاد تنتهي، هذا الحديث يدخل في جميع أو في كثير من أبواب الدين، لو ذهبنا نسترسل فيما يتناوله هذا الحديث ما انتهى هذا الحديث.
يقول: ما حكم الدخول بالمال إلى دورات المياه؟
стр. 161
إذا كان مودعاً في بوك أو في جيب وإن اشتمل على اسم من أسماء الله -جل وعلا-، إذا كان محفوظاً غير بارز، فالأمر فيه سعة -إن شاء الله تعالى-، إذا لم يخف عليه ووضعه خارج الدورة هذا أحوط.
يقول: هل الدعاء بعد الصلوات المكتوبة مشروع أن يرفع يديه؟
أهل العلم يقررون أن الدعاء -التزام الدعاء- بعد كل مكتوبة برفع اليدين بدعة، لكن إذا حصل هذا أحياناً فلا بأس.
هل رفع اليدين في الدعاء شرط لقبول الدعاء؟
ليس بشرط، لكنه من آداب الدعاء.
أم الإنسان مخير بين الرفع وعدمه؟ وهل من لم يرفع آثم؟
ليس بآثم، إنما من آداب الدعاء أن ترفع اليدان.
يقول: أقيم في بلد غربي ومحارمي لا يعتمد عليهم، أريد أن أسافر إلى مدينة أخرى لضرورة ملحة، فهل يكفيني أن يكون معنا عدد من النساء؟
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
أقيم في بلد غربي ومحارمي لا يعتمد عليهم؟
أيش لون؟ يعني هذه امرأة تقول: أن محرمها كيف لا يعتمد عليه؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم وجوده مثل عدمه، لأي سبب من الأسباب، إما لكونه يقر الخبث أو لكونه عنده من الغفلة ما يجعل وجوده مثل عدمه؛ لأن فائدة المحرم حياطة من جعل محرماً له من أن يعتدى عليها، فالذي فيه الغفلة الشديدة وجوده مثل عدمه.
تقول: لا يعتمد عليهم أريد أن أسافر إلى مدينة أخرى لضرورة ملحة، هل يكفيني أن يكون معنا عدد من النساء؟
لا يكفي، في السفر لا بد من المحرم، وهو الزوج أو من تحرم عليه على التأبيد.
ما حكم صبغ الشعر بالسواد للرجال؟
جاء في الحديث ((غيروه)) الأمر بتغيير الشيب، وفيه: ((وجنبوه السواد)) وهي من أصل الحديث، فالصبغ بالسواد المرجح أنه حرام.
طالب:. . . . . . . . .
الضرورة تقدر بقدرها، يعني الضرورات متفاوتة، لكن أيش قدر الضرورة عندها؟ هي تروح تدرس تفوتها الدراسة؟ نعم مات المحرم في الطريق، لا بد أن تسافر بدون محرم، هذه ضرورة تقدر بقدرها، لكن الناس يتجاوزون في تسمية الضرورة، وإلا الضرورات تبيح المحرمات في الشرع المنصوص عليها، الضرورات تبيح المحرمات المنصوص عليها بالأدلة، بخلاف الحاجات، الحاجات قد تبيح ما تتناوله القواعد العامة، أما الأمور المنصوص عليها بالأدلة لا يبيحها إلا ضرورة.
стр. 162
يقول: هل يجوز إدخال المصحف الصغير إلى دورة المياه؟
لا يجوز بحال، المصحف لا بد من الاهتمام بشأنه، لا بد من تعظيمه؛ لأنه كلام الله -جل وعلا-. أهل العلم يقررون أنه إذا خيف عليه من عدو يمتهنه ويعبث به مثل هذا يتوسعون ويتساهلون في مثل هذا.
يقول: إن بعضهم يقول: إن لبن الحمر الأهلية يستخدم في علاج السعال الديكي، فهل هذا جائز؟
هذا مشتهر ومنتشر ومستفيض على ألسنة العامة، ولعلهم قرروا ذلك بعد اطراد التجربة، لكن يبقى أنه نجس، ((تداووا ولا تتداووا بحرام)) فلا يجوز استعماله.
يقول: أفيدكم بأنني موظف في القطاع العسكري، وهناك مبلغ يصرف للعسكريين مقابل المرابطة؟ ومن أخذ إجازة لا يصرف له هذا المبلغ، وأنا أخذت إجازة وعن طريق الخطأ صرف لي هذا المبلغ، ولا يمكنني إعادته؟
بل لا بد من إعادته، إن أمكن أن يقال للمسؤول: هذا المال وصلنا بطريق الخطأ، هذا هو الأصل، إذا ترتب على ذلك مفسدة، فلا بد من إعادته بأي وسيلة، بأي وسيلة، لا تشعره بأن له فيه منة؛ لأن بعض الناس يقول: أنا عندي هذا المال وصلني بطريق الخطأ ولا يستطيع أن يعيده مواجهة، يقول: هذا المال أريد أن أتبرع به للمصلحة، للجهة هذه فاصرفوه على رأيكم، ما هو بصحيح هذا، يعني عندك مال لزيد من الناس تريد إعادته إليه، سرقت مبلغ من المال من زيد ولو تبي تقول له: سرقت اشتهر أمرك وافتضحت بين الناس، لا بد أن تعيده لكن ما تقول: خذ هذا المال هدية، تجعل لك منة عليه بإرجاعك ماله، لا، تعيده بطريقة مناسبة، لا تشعره بالمنة ولا تعرضك للضرر.
الأسئلة كثيرة جداً، ونسأل الله -جل وعلا-. . . . . . . . .
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 163
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كيف تهنأ بشربة من حوض النبي محمد ﷺ ؟
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فأشكر القائمين على تنظيم هذه الدروس العلمية في هذا الظرف المناسب لهذه الدروس.
التعليق على ما حدث من الإساءة على نبينا محمد ﵊:
وأحب أن أطمئن الأخوة في عموم أقطار الإسلام أن هذه المحنة، وهذه النازلة وهذه الكارثة، التي تمثلت في سب النبي ﵊، والنيل منه، أريد أن أطمئنهم أن هذا خير، وليس بشر، فإذا كان الكلام في عرضه ﵊ جاء قول الله -جل وعلا- فيه في قصة الإفك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [(١١) سورة النور]. إذا كان الكلام في عرضه ﵊، والكلام في العرض أشد من الكلام في الشخص، في خلقه وفي خُلقه وفي جميع ما يتعلق به، الكلام في العرض أشد، ومع ذلك يقول الله -جل وعلا-: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ ومظاهر الخيرية في هذه القضية التي عايشناها ظاهرة جداً، فبيوت المسلمين في غفلةٍ تامة عن معرفة سيرته ﵊، بل كثير من المسلمين لا أبالغ إذا قلت: أنه لا يعرف عن النبي ﷺ إلا مجرد الاسم، فلا يعرفون عن سيرته أكثر مما درسوه في المراحل الأولى من التعليم، شيء لا يفي بحقه، ولا بجزء يسير من حقه ﵊ فلا اهتمام بالسيرة، ولا اهتمام بالشمائل، ولا بالخصائص، ولا بالمعجزات، ولا بدلائل نبوته ﵊ الذي هو أكرم خلق الله على الله.
стр. 164
فمثل هذا الحدث هو شر بلا شك ولا نتمناه ولا نفرح به، لكن إذا وقع تلقيناه بالرضا والتسليم بما قدر الله -جل وعلا-، ونجزم بأن النتائج حميدة والعاقبة للمتقين، المسلمون في جميع أقطار الأرض هبوا لنصرة النبي ﵊، فهذه القضية لامسة أحاسيسهم ومشاعرهم، وباشرت قلوبهم، فهبوا لنصرته ﵊، وبدؤوا يقرؤون في سيرته ﵊، والقراءة وحدها لا تكفي، بل لا بد من تحقيق اتباعه ﵊، وأن لا يعبد الله -جل وعلا- إلا بما شرعه على لسان نبيه ﵊.
فمن هذا المنطلق نطمئن المسلمين في جميع أقطار الأرض أن هذا خير، والعاقبة للمتقين، رأينا وسمعنا ما يثلج الصدور في الداخل وفي الخارج، من المشاريع الجبارة التي اتخذها كثير من المسلمين لنصرته ﵊ والدفاع عنه، والذب عن شخصه ﵊، بقي علينا أن نفهم ونقرأ ونعنى بسيرته وسنته ﵊ لنتمكن من اتباعه حق الاتباع، فمجرد الدعاوى لا تكفي، مجرد العواطف دون عمل لا تكفي، بل لا بد من العمل ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [(٣١) سورة آل عمران] والذي يعصي النبي ﵊ من الذكور أو من الإناث هذا في دعواه لحب النبي ﵊ نظر.
تعصي الإله وأنت تزعم حبه
لو كان حبك صادقاً لأطعته
هذا لعمري في القياس شنيعُ
إن المحب لمن يحب مطيعُ
стр. 165
بعد هذه المقدمة المختصرة عن هذا الموضوع، جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- وفي صحيح مسلم من حديث عمر أن النبي ﵊ كان مع أصحابه، جاء في حديث عمر: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، فسأله عن الإيمان وعن الإسلام وعن الإحسان، وفي النهاية قال النبي ﵊: ((هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم)) فسأله عن الإيمان، فقال له: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره)) فذكر في تفسير الإيمان وفي تعريفه: الأركان الستة التي منها الإيمان باليوم الآخر، فلا يصح إيمان عبدٍ إذا لم يؤمن بالغيب، لم يؤمن باليوم الآخر، فلا بد من الإيمان باليوم الآخر ليصح الإيمان ببقية أركانه.
الإيمان بالحوض:
من الأمور التي يجب الإيمان بها من أمور الآخرة ما جاء في الحوض، حوض النبي ﵊، وهذا أعني الحوض أجمع على ثبوته واعتقاده جميع من يعتد بقوله من أهل الإسلام، أنكره بعض المعتزلة، أو أنكره المعتزلة عموماً؛ لأنهم يقدمون العقول والآراء على ما جاء في النصوص، لكن ثبوت الحوض قطعي، بل هو متواتر على ما سيأتي ذكره في الأحاديث الثابتة فيه.
стр. 166
وجاء أيضاً ذكره في القرآن، إلا أنه ليس بصريح، لكن الصراحة جاءت في الأحاديث القطعية التي تزيد رواتها من صحابة النبي ﵊ على الخمسين، في قول الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [(١ - ٣) سورة الكوثر] وتفسير السورة بكاملها يناسب الظرف الذي نعيش فيه، وإن كان الحظ الأوفر للحوض، ففي قوله -جل وعلا-: ﴿إِنَّا﴾ بضمير الجمع، وضمير الجمع والمتكلم واحد، هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الله -جل وعلا-؛ لكن العرب كما في صحيح البخاري في تفسير إنا أنزلناه، تؤكد فعل الواحد بضمير الجمع، هذا ذكره الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في تفسير سورة إنا أنزلناه، ومثل ذلك قوله -جل وعلا-: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ أعطيناك: نعم أعطاه الله -جل وعلا- الكوثر قبل وقته وبشره به، والنبي ﵊ بينما هو نائم أغفى إغفائه ثم استيقظ متبسماً ﵊ فقال: ((لقد أنزل عليّ الليلة سورة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ فالله -جل وعلا- أعطاه الكوثر، لا يقال: إن الكوثر لا حاجة إليه قبل يوم القيامة، قبل قيام الساعة، قد يقول قائل: وقد قال المعتزلة: أن الجنة والنار ليستا مخلوقتين الآن، وإنما تخلقان عند الاحتياج إليهما بعد قيام الساعة، ولا شك أن هذا ضلال مخالف للقطع من نصوص الكتاب والسنة، ونقول مثل هذا في الحوض لا يتوقف وجوده وتبشير النبي ﵊ به قبل الحاجة إليه؛ لأن الحاجة إليه إنما تكون إذا قام الناس من قبورهم عطشى، المقصود أن التبشير به ووجوده لا يترتب على الحاجة إليه من الشرب منه.
معنى الكوثر:
стр. 167
الإمام ابن جرير الطبري -رحمه الله تعالى- في قوله -جل وعلا-: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ يقول: اختلف أهل التأويل في معنى الكوثر، فقال بعضهم: هو نهر في الجنة أعطاه الله نبيه محمداً ﷺ ، ثم ساق بأسانيده إلى من قال بذلك كابن عمر وابن عباس وعائشة وأنس بن مالك ﵃ ومجاهد وجمع من التابعين، وقال آخرون: عني بالكوثر الخير الكثير، وذكره بأسانيده عن ابن عباس أيضاً وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد، وقال عكرمة الكوثر وهو النبوة والخير الذي أعطاه الله إياه، وقال آخرون: هو حوض أعطيه رسول الله ﷺ في الجنة، وذكره بإسناده عن عطاء ثم رجح الطبري أنه اسم النهر الذي أعطيه رسول الله ﷺ في الجنة وصفه الله بالكثرة -الكوثر مأخوذ من الكثرة- لعظم قدره، ثم ساق بأسانيده إلى أنس بن مالك قال: لما عرج بنبي الله ﷺ – أو كما قال– عرض له نهر حافتاه الياقوت المجوف، أو قال: المجوب، فضرب الملك الذي معه بيده فيه –يعني في النهر– فاستخرج مسكاً، فقال محمد ﵊ للملك الذي معه ما هذا؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك الله.
стр. 168
وفي تفسير الإمام الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-، قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال: أغفى رسول الله ﷺ إغفائه فرفع رأسه متبسماً، إما قال لهم، وإما قالوا له؟ لم ضحكت؟ فقال رسول الله ﷺ : إما أن يكون الرسول ﷺ ابتدرهم بالكلام أو سألوه عن سبب ذلك فقال ﵊: ((إنه نزل عليّ آنفاً سورة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ حتى ختمها، فقال: ((أتدرون ما الكوثر؟ )) قالوا: الله ورسوله أعلم -هذه عادتهم يسلمون ويكلون العلم إلى عالمه، ولا يجتهدون بحضرته ﵊ إلا إذا طلب منهم ذلك- قال: ((هو نهر أعطانيه ربي في الجنة عليه -أو فيه- خير كثير ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يختلج العبد منه، فأقول: يا ربي إنه من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)) وهذا كما هو ملاحظ من ثلاثينات المسند يعني من عوالي ما يرويه الإمام أحمد؛ لأنه يرويه بواسطة ثلاثة من الرواة، وقد روى هذا الحديث مسلم وأبو داود والنسائي من طريق علي بن مسهر ومحمد بن فضيل كلاهما عن المختار عن أنس ولفظ مسلم قال: بينا رسول الله ﷺ بين أظهرنا في المسجد إذ أغفى إغفاءةً ثم رفع رأسه متبسماً قلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: ((لقد أنزلت عليّ آنفاً سورة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ثم قال: ((أتدرون ما الكوثر؟ )) قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: ((فإنه نهر وعدنيه ربي عليه أو فيه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد نجوم السماء فيختلج العبد منهم، فأقول: يا ربّ إنه من أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)) ونهتم لما جاء في الخبر ((ما أحدثوا بعدك)) لنعرف من يهنأ بالشرب من هذا الحوض على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى- ((فإنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)) أو ما أحدث بعدك -هذا المختلج-.
стр. 169
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة عن أنس بن مالك قال: لما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء قال: ((أتيت على نهرٍ حافتاه كقباب اللؤلؤ المجوف فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر)) ثم قال ابن كثير: وقد تواترت، قد تواتر هذا الحديث من طرقٍ تفيد القطع عند كثير ٍمن أئمة الحديث، وكذلك أحاديث الحوض، من الأحاديث المتواترة المقطوع بها أحاديث الحوض.
وفي تفسير الرازي: ووجه التوفيق بين القولين، يعني ما جاء من أنه هو نهر وما جاء من تفسيره بالحوض، يقول: ووجه التوفيق بين القولين يعني النهر والحوض أن يقال: لعل النهر يصب في الحوض، أو لعل الأنهار إنما تسيل من ذلك الحوض، فيكون ذلك الحوض كالمنبع لهذه الأنهار.
وفي تفسير القرطبي المسمى بالجامع لأحكام القرآن: يقول -رحمه الله تعالى-: العرب تسمي كل شيءٍ كثير في العدد والقدر والخطر كوثراً، قال سفيان: قيل لعجوزٍ رجع ابنها من السفر بما آب ابنك؟ قالت: بكوثر، أي بمالٍ كثير، والكوثر من الرجال السيد الكثير الخير، ثم قال: واختلف أهل التأويل في الكوثر الذي أعطيه النبي ﷺ على ستة عشر قولاً.
القول الأول: أنه نهر في الجنة، رواه البخاري عن أنس، ورواه الترمذي أيضاً عنه وعن ابن عمر.
الثاني: أنه حوض النبي ﵊ في الموقف، قاله عطاء.
والقول الثالث: أنها النبوة والكتاب، قاله عكرمة.
والرابع: أنه القرآن، قاله الحسن.
والخامس: أنه الإسلام، حكاه بعضهم.
والسادس: أنه تيسير القرآن - ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [(٤٠) سورة القمر] فلا شك أن هذا التيسير نعمة من الله -جل وعلا- يمتن به على عباده- وتخفيف الشرائع قاله: الحسين بن الفضل.
السابع: هو كثرة الأصحاب والأشياء، قاله أبو بكر بن عياش.
والقول الثامن: أنه الإيثار، قال ابن كيسان.
والقول التاسع: أنه رفعة الذكر، حكاه الماوردي.
والقول العاشر: أنه نور في قلب النبي ﵊ فضله على ما سواه.
والحادي عشر: أنه الشفاعة.
стр. 170
والثاني عشر: أنه معجزات الرب، يعني معجزات النبي ﵊ التي من ربه -جل وعلا-، وهذا القول حكاه الثعلبي.
والثالث عشر: قال هلال بن يساف: هو لا إله إلا الله محمد رسول الله.
والرابع عشر: أنه الفقه في الدين.
والخامس عشر: أنه الصلوات الخمس.
السادس عشر: أنه العظيم من الأمر، قاله ابن إسحاق.
هذه أقوال ستة عشر ذكرت في تفسير الكوثر، استعراضها على وجه السرعة، لكن القرطبي يقول: أصح هذه الأقوال الأول والثاني، يعني أنه نهر في الجنة أو أنه حوض النبي ﵊؛ لأنه هو الثابت عن النبي ﵊.
وسمع أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- قوماً يتذاكرون الحوض، فقال: ما كنت أرى أن أعيش حتى أرى أمثالكم يتمارون في الحوض، لقد تركت عجائز خلفي ما تصلي امرأة منهن إلا سألت الله أن يسقيها من حوض النبي ﷺ ، يوجد من يتمارى في الحوض، ويوجد من ينكر الحوض، ويوجد من يسخر بمن روى هذا الحديث من الصحابة، ففي سنن أبي داود أن أبا برزة الأسلمي دخل على عبيد الله بن زياد فقال له: التفت إلى من حوله فقال: إن محمديكم هذا الدحداح، إن محمديكم يعني نسبه إلى النبي ﵊ كأنه يزدريه ويتنقصه بهذه النسبة، فقال أبو برزة -رضي الله تعالى عنه-: ما كنت أظن أن أزدرى وأنتقص بصحبة محمدٍ ﵊، ولا شك أن هذا من الإحداث، وهذا من التغيير الذي يكون سبباً للحرمان من الشرب من هذا الحوض، نسأل الله السلامة والعافية، ثم قال: حدثني عن الحوض فحدثه بما سيأتي من الحديث -إن شاء الله تعالى-.
стр. 171
يقول سمع أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- قوماً يتذاكرون الحوض، فقلت: ما كنت أرى أن أعيش حتى أرى أمثالكم يتمارون في الحوض، يعني كل واحد منهم يأتي برأيٍ يخترعه من عنده، والأصل في هذه المسائل أنها مسائل تسليم؛ لأنها مما لا يدرك بالرأي، فلا بد من الرضا والتسليم، والمقرر عند أهل العلم أن قدم الإسلام لا تثبت إلا على قنطرة التسليم، ومن أراد أن يعرض الأمور على عقله مما صح به الخبر عن النبي ﵊ لا شك أن عقله يقوده إلى الضلال، فالذي لا يقوده الكتاب والسنة لا شك أن مآله إلى الضلال، وما ذُكر وما عرف عن كثيرٍ من المبتدعة لا شك أن سببه ترك الاعتصام بالكتاب والسنة والاعتماد على الآراء وأقوال الرجال، فحينما تذاكروا الحوض وصار كل واحد يأتي برأيٍ من عنده لا يستند فيه إلى نص، أنكر عليهم أنس -رضي الله تعالى عنه- فقال: ما كنت أرى أن أعيش حتى أرى أمثالكم.
стр. 172
قد يقول قائل: الحديث الذي صح عن النبي ﷺ في السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حسابٍ ولا عذاب، ذكر النبي ﵊ أول الحديث ثم دخل إلى بيته فبات الناس يدوكون: يعني أخذوا يتوقعون، فقال بعضهم: لعلهم الذين صحبوا النبي ﵊، وقال بعضهم: لعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يدركوا الجاهلية، وقال بعضهم: لعلهم ولعلهم، فخرج النبي ﷺ -فأخبرهم عن هؤلاء السبعين أنهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، وما أنكر عليهم قولهم، ما أنكر عليهم اجتهادهم والتماسهم المراد بالسبعين لماذا؟ لأنهم لم يجزموا بهذا القول، بل أتوا بحرف الترجي، لعلّ كذا، لعلّ كذا، فإذا كان الإنسان يبدي ما لديه من رأي بحرف الترجي لا يلام، لكن إذا كانوا في مجلس لا بد أن لا ينصرفوا ولا يتفرقوا إلا عن بينةٍ من أمرهم، لا بد من الوصول إلى الحقيقة قبل التفرق، ولذا جاء النبي ﵊ وهم مجتمعون فأخبرهم بالمراد، وعلى هذا ما ورد من الوعيد في تفسير القرآن بالرأي أو تفسير الحديث بالرأي لا شك أن مثل هذا فيه سعة، إذا قيل: لعل المراد بالآية كذا، لعل المراد كذا، لكن على أن لا يتفرق الجمع وهذا الأمر ليس متروك لعامة الناس الذين لا يفهمون النصوص، بل في مجتمعات طلاب العلم إذا أبدوا مثل هذا التساؤل مصدراً بحرف الترجي ووصلوا إلى الحقيقة قبل التفرق، وصلوا إلى القول الراجح بسؤال من هو أعلم منهم ممن يثقون بعلمه، أو بالرجوع إلى المصادر الموثوقة، فإذا وصلوا إلى الحق فإن ذلك لا يضيرهم -إن شاء الله تعالى- استدلالاً بحديث السبعين الألف، هؤلاء تماروا في الحوض، بعضهم يقول: لعله كذا، لعله كذا، لعله كذا، كما قال المعتزلة عن الميزان أنه معنوي وليس بحقيقي، أو مجازي وليس بحقيقي، على كل حال مثل هذه الأمور الأصل فيها الحقيقة، وما ضلت طوائف من المسلمين إلا بسبب هذه التآويل التي لا تستند إلى شرع، وتفاسير الباطنية من غلاة الصوفية والإسماعيلية والرافضة كلها من هذا النوع، يحورون الأمور المحسوسة التي جاء ذكرها بالنصوص الشرعية إلى أمور معنوية لا حقيقة لها،
стр. 173
وبهذا ضلوا ضلالاً مبيناً، نسأل الله السلامة والعافية، في هذا يقول الشاعر:
يا صاحب الحوض من يدانيك
وأنت حقاً حبيب باريك
يقول القرطبي: وجميع ما قيل بعد ذلك في تفسيره من الأقوال الأخرى قد أعطيه رسول الله ﷺ زيادةً على حوضه ﵊، فالمرجح عند أهل التأويل أنه نهر في الجنة، وبهذا جاء الخبر الصحيح، أو أنه حوض النبي ﵊ الذي يأتي الحديث عنه لاحقاً -إن شاء الله تعالى-.
في تفسير الألوسي المعروف بروح المعاني، هل الحوض قبل الميزان والصراط أو بعده؟ بعض أهل العلم يرى أن الحوض قبل الميزان والصراط، ومنهم من يرى أنه بعدهما، بعد الميزان والصراط، يعني قريباً من باب الجنة، إذا تجاوز الناس الميزان والصراط وقربوا من باب الجنة يوجد الحوض، فمن أهل العلم من يرى أن الحوض قبل الميزان والصراط، ومنهم من يرى أنه بعدهما، قريباً من باب الجنة، حيث يحبس أهل الجنة من أمة النبي ﵊ ليتحللوا من المظالم التي بينهم، وعلى هذا يكون الصراط في الحوض المبدلة، ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ [(٤٨) سورة إبراهيم] وهذا قاله: القرطبي في تذكرته.
стр. 174
من أهل العلم من يرى أن للنبي ﵊ حوضين، حوض قبل الصراط وحوض بعده، ويسمى كل منهما بهذا الاسم على ما حكاه القاضي زكريا يسمى كوثراً، وصحح ﵀ أنه بعد الصراط، وأن الكوثر في الجنة، وأن ماءه ينصب فيه -يعني ينصب في الحوض- ولذا يسمى كوثراً، هو كلامه يقول: قيل له: حوضان، كلام زكريا الأنصاري ﵀، حوض قبل الصراط وحوض بعده، ويسمى كل منهما كوثر، حوض قبل الصراط وحوض بعده يسمى كل منها كوثر، وصحح -رحمه الله تعالى- ذلك، وأن الكوثر في الجنة، وأن ماءه ينصب فيه، ولذا يسمى كوثر، هذا ما نقله الألوسي عن القاضي زكريا الأنصاري، قال: وليس هو من خواصه ﵊ كالنهر السابق بل يكون لسائر الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- يرده مؤمني أممهم، ففي حديث الترمذي ((إن لكل نبيٍ حوضاً، وأنهم يتباهون أيهم أكثر وارداً، وإني أرجو أن أكون أكثرهم وارداً)) وهذا الترمذي قال عنه: حديث حسن غريب، والصواب أنه: ضعيف؛ لأنه مرسل.
يقول الألوسي في تفسيره: رأيت في بعض الكتب أن الكوثر هو النهر الذي ذكره الله -جل وعلا-، وهو الحوض، أن الكوثر هو النهر، وهو الحوض، يقول: وهو على ظهر ملكٍ عظيم، يكون مع النبي ﷺ حيث يكون فيكون في المحشر، إذا يكون ﵊ فيه، يعني أينما يوجد النبي ﵊ يتبعه هذا الملك الذي على ظهره هذا النهر، ولا شك أن في هذا غرابة شديدة، وفيه نكارة، وإن كانت القدرة الإلهية صالحة لمثل هذا، والله تعالى لا يعجزه شيء.
стр. 175
في التذكرة للقرطبي -نذكر مثل هذه الأقوال وإن كان فيها ما فيها عند أهل العلم لكن لاستيعاب الأقوال- يقول: اختلف في الميزان والحوض، أيهما قبل الآخر، فقيل: الميزان قبل، وقيل: الحوض، وقال أبو الحسن القابسي: الصحيح أن الحوض قبل، قلت: القائل القرطبي والمعنى يقتضي ذلك، فإن الناس يخرجون عطاشاً من قبورهم، فيقدم قبل الميزان والصراط والله أعلم، إذا قاموا عطاشاً احتاجوا للشرب، لكن لقائلٍ أن يقول: لماذا لا يكون بعد الصراط والميزان لئلا يشرب منه إلا من يستحقه؟ الذي يستحقه هو من يجاوز الميزان والصراط؟ قال ابن حمدان في عقيدته: يشرب منه المؤمنون قبل دخول الجنة وبعد جواز الصراط، وقال الحافظ بن حجر: ظاهر الأحاديث أن الحوض بجانب الجنة، ينصب فيه الماء من النهر الذي داخلها، فلو كان قبل الصراط لحالت النار بينه وبين الماء الذي يصب من الكوثر فيه، يقول الحافظ ابن حجر ﵀ وهو من أهل الاطلاع الواسع والاستقراء لما ورد في هذه المسألة وفي غيرها من المسائل من الأحاديث النبوية يقول: ظاهر الأحاديث أن الحوض بجانب الجنة، ينصب فيه الماء من النهر الذي داخلها، فلو كان قبل الصراط لحالت النار بينه وبين الماء الذي يصب من الكوثر فيه.
قال: وأما ما أورد عليه من أن جماعة يدفعون عن الحوض بعد أن يروه ويذهب بهم إلى النار، هذا إيراد قوي، يقول: بجانب الجنة، معنى هذا إذا كان بجانب الجنة معنى هذا أنهم تجاوزوا الميزان والصراط، وما بقي إلا دخول الجنة، قال: وأما ما أورد عليه من أن جماعة يدفعون عن الحوض بعد أن يروه ويذهب بهم إلى النار فجوابهم: أنهم يقربون من الحوض بحيث يرونه ويرون الجنة، فيدفعون في النار قبل أن يخلصوا من بقية الصراط، يعني قبل أن يتجاوزوا الصراط، بل هم في أثناءه إذا قربوا من الحوض ورأوه دفعوا.
стр. 176
ولا شك أن لفظ: الورود يدل على القرب الشديد من الحوض، ودفعهم قبل هذا القرب لا شك أنه أقل في النكاية من دفعهم إذا قربوا منه قرباً شديداً، بحيث كانوا على قربٍ منه، فإذا دفع عنه وهم على حافته، أو على مقربةٍ منه، يكون هذا أشد نكايةً لهم، يقول: فجوابه أنهم يقربون بحيث يرونه ويرون الجنة فيدفعون في النار قبل أن يخلصوا من بقية الصراط، قال السيوطي: وقد ورد التصريح في حديثٍ صحيحٍ عند الحاكم وغيره بأن الحوض بعد الصراط، فإن قيل: إذا خلصوا من الموقف دخلوا الجنة فلم يحتاجوا إلى الشراب منه؟ انتهوا من الميزان وانتهوا من الصراط، فما حاجتهم إلى الشرب من الحوض وهم على أبواب الجنة على قربها؟ يقول: فالجواب: بل يحتاجون إلى ذلك؛ لأنهم محبوسون هناك لأجل المظالم، فكان الشرب في موقف القصاص، ويحتمل الجمع بأن يقع الشرب من الحوض قبل الصراط لقومٍ، ويقع تأخيره بعده لآخرين بحسب ما عليهم من الذنوب والأوزار، حتى يهذبوا منها على الصراط، ولعل هذا أقوى، قال الشيخ: مرعي ﵀ في بهجته: وهذا في غاية التحقيق جامع للقولين، وهو دقيق.
نعود إلى كلامه لنفهمه: يقول السيوطي: وقد ورد التصريح في حديث صحيح عند الحاكم وغيره بأن الحوض بعد الصراط، فإن قيل: إذا خلصوا من الموقف دخلوا الجنة فلم يحتاجوا إلى الشراب منه؟ فالجواب: بل يحتاجون إلى ذلك، لأنهم محبوسون هناك لأجل المظالم، فكان الشرب في موقف القصاص، ويحتمل الجمع بأن يقع الشرب من الحوض قبل الصراط لقومٍ، وتأخيره بعده لآخرين بحسب ما عليهم من الذنوب والأوزار، حتى يهذبوا منها على الصراط، ولعل هذا أقوى، وأيده الشيخ مرعي في بهجته، وقال: أنه في غاية التحقيق جامع للقولين، وهو دقيق.
لكن إذ نظرنا في هذا القول وهو أن بعض الناس يشرب من الحوض قبل الصراط، ومنهم من يشرب منه بعد مجاوزة الصراط، فهل يكون موقعه قبل الصراط أو بعده؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم، يعني حوض قبل وبعد؟
стр. 177
الكلام على هل هذا الحوض ممتد؟ وسيأتي في مساحته ما يأتي من التحديد بالنصوص الثابتة عن النبي ﵊، وأن الصراط أقصر منه بحيث يكون طرف الحوض قبل بداية الصراط، طرفه الأول، وطرفه الثاني بعد نهاية الصراط، فيتحمل أن يشرب منه أناس قبل الصراط وأناس بعده، وعلى هذا ينزل كلام السيوطي الذي أيده الشيخ مرعي، لكن هذا حقيقةً لا يهمنا كثيراً، إنما يهمنا ما يجعلنا نشرب من هذا الحوض، يعني كونه قبل الصراط أو بعده، هذا حقيقةً فائدته العملية المسلكية التي تعود إلينا ونستطيع تحقيقها فائدته إلى النظرية أقرب، لكن الذي يهمنا ويعنينا أن نحقق الاتباع، وأن لا نحدث؛ لأن الحدث كما سيأتي في الأحاديث ((ما أحدثوا بعدك)) وما تقدمت الإشارة إليه، هو سبب الذود عن هذا الحوض، أقول: إذا عرفنا هذا، ففي صحيح مسلم والترمذي من حديث أبي ذرٍ الغفاري -رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله ما آنية الحوض؟ قال: ((والذي نفس محمدٍ بيده ... )) كثيراً ما يقسم النبي ﵊ بهذا ((والذي نفسي بيده)) وكثير من شراح الأحاديث، يقولون: ((والذي نفسي بيده)) يعني روحي في تصرفه، ولا شك أن في هذا فرار من إثبات اليد لله -جل وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته كما هو المحقق المقرر عند أهل السنة والجماعة، قال: ((والذي نفسي بيده، لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها، آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه، يشخب فيه ميزابان من الجنة -يعني يسيل في هذا الحوض ميزابان من الجنة- من شرب منه لم يضمأ، عرضه مثل طوله، ما بين عمّان إلى أيلة، وماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل)) وفي الصحيحين عن أنسٍ -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: ((ما بين ناحيتي حوضي كما بين صنعاء والمدينة)) في الحديث الأول يقول: ((ما بين عمّان إلى أيلة)) وفي حديث أنس، في حديث أبي ذر ما بين عمّان وأيلة، وفي حديث أنس -رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﷺ قال: ((ما بين ناحيتي حوضي كما بين صنعاء والمدينة)) وفي رواية: ((ما بين المدينة وعمّان)) وفي أخرى: ((يرى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء)) وفي
стр. 178
رواية أخرى: ((إن قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء اليمن)) الآن أيلة وردت في هذه الرواية، وهي في الصحيحين، ما بين أيلة وصنعاء، وجاء أيضاً: ((ما بين صنعاء والمدينة)) وجاء ((ما بين عمّان إلى أيلة)) ولا شك أن هذه المسافات متفاوتة تفاوتاً كبيرة، وهذه الأحاديث كلها صحيحة، وفي مسلم من حديث جابر بن سمرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ألا إني فرط لكم على الحوض -يعني: متقدم أمامكم على الحوض- وإن بعد ما بين طرفيه كما بين صنعاء وأيلة)) وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه لا يضمأ أبداً)) هذه التحديدات لا شك أنها متفاوتة، فما بين عمّان إلى أيلة أقصر كثير من ما بين أيلة وصنعاء اليمن، وما بين صنعاء والمدينة أقصر، فهذه التحديدات ظن بعضهم أن ما جاء فيها يعد اضطراب، والاضطراب لا شك أنه يضعف الحديث، فالحديث المضطرب من قسم الضعيف، والحديث المضطرب يُعرفه أهل العلم: بأنه الحديث الذي يروى على أوجه مختلفة متساوية، يعني لا بد أن يروى على أكثر من وجه، وأن تكون هذه الأوجه مختلفة، ولا شك أن هذا متحقق في هذا الحديث، يروى على أوجه مختلفة، لكن هل هذه الأحاديث متساوية ليحكم بالاضطراب؟ منها ما في الصحيحين، ومنها ما تفرد به البخاري، ومنها ما تفرد به مسلم، وعلى هذا إذا قلنا: أن بعضها أرجح من بعض لننفي الاضطراب، قلنا: يقدم ما في الصحيحين، هذا إذا تعذر الجمع، أما إذا أمكن الجمع فلا يُلجأ إلى مثل هذا التعليل للأحاديث الثابتة في الصحيح، والجمع ممكن.
стр. 179
يقول القرطبي في التذكرة: ظن بعض الناس أن هذه التحديدات في أحاديث الحوض اضطراب، وليس كذلك، وإنما تحدث النبي ﷺ بحديث الحوض مراتٍ عديدة، وذكر فيها تلك الألفاظ المختلفة، مخاطباً كل طائفةٍ بما كانت تعرف من مسافات مواضعها، فيقول لأهل الشام مثلاً: ما بين أذرح وجرباء، ولأهل اليمن من صنعاء إلى المدينة، وهكذا، وتارةً أخرى يقدر بالزمان، فيقول: مسيرة شهر، والمعنى المقصود أنه حوض كبير متسع الجوانب والزوايا، إذا قدرنا هذا الحوض بالمسافات المختلفة المتفاوتة في هذه الأحاديث، فيمكن الجمع بما قاله القرطبي، بأنه خاطب كل أناس بما يفهمونه، وليس المراد التقدير الدقيق، فيخاطب الشامي فما يناسبه مما يعرفه من البلدان، يخاطب اليمني بما يعرفه من البلدان، يخاطب الحجازي بما يعرفه من البلدان وهكذا، وليس في هذا أدنى اضطراب، وتارةً يقدره بالزمان فيقول: مسيرة شهر، والمعنى المقصود أنه حوض كبير متسع الجوانب والزوايا، أيضاً يمكن أن يجاب عن هذا الاختلاف في تحديد المسافة أن هذه المسافات تختلف من حيث الطول لكنها تتحد من حيث الزمان، وقد تتحد في الزمان وتختلف في الطول، كيف؟ السير يختلف من شخصٍ إلى آخر، ومن وسيلةٍ إلى أخرى، إذا قلنا: بسير الأحمال، الإبل المحملة، هذا حملناه على أطول المسافات، وإذا قلنا: بسير الجواد المضمر حملناه على أقل المسافات، ولا يمنع -وهذا لم أقف عليه لأحد- أن يكون النبي ﵊ أخبر عن الحوض أولاً بأقل المسافات، ثم بعد ذلك زيد فيه زيادةً لشرفه ﵊ إلى أن وصل إلى أكبر المسافات، فصارت مساحته أوسع مما كانت عليه، وهذا يمكن أن يقال في مثل هذا الموضع للجمع والتوفيق بين هذه الأحاديث.
стр. 180
في الصحيحين أيضاً عن أنس -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: ((ليردن عليّ الحوض رجال ممن صاحبني)) وهذا المهم في الموضوع ((ليردن عليّ الحوض رجال ممن صاحبني، حتى إذا رأيتهم ورفعوا إليّ اختلجوا دوني -يعني اقتطعوا دوني- وذودوا وردوا عن الحوض، فلأقولن: أي ربِّ أصيحابي أصيحابي، فليقالن لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)) وفي رواية: ((فأقولن: سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي)) فالإحداث والتبديل أمر خطير، سبب للذود عن هذا الحوض الذي من شرب منه لم يظمأ أبداً.
وفي مسلم أن رسول الله ﷺ قال: ((ترد عليّ أمتي الحوض، وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله)) قالوا: يا نبي الله تعرفنا؟ قال: ((نعم، لكم سيما ليست لأحدٍ غيركم، تردون عليّ غراً محجلين من آثار الوضوء، وليصدن عني طائفة منكم فلا يصلون، فأقول: يا ربِّ هؤلاء من أصحابي، فيجيبني ملك فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟ )) هذا في مسلم، وفي الرواية السابقة قال: ((فلأقولن: أي رب أصيحابي أصيحابي، فليقالن لي -يعني من قبل الملك الذي جاء ذكره في رواية مسلم-: وليصدن عني طائفة منكم فلا يصلون، فأقول: يا رب هؤلاء من أصحابي فيجيبني ملك فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟ )).
следующие страницы →