← Джавами‘

Джавами‘ · id 23349

دروس الشيخ عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ولا شك أن لفظ: الورود يدل على القرب الشديد من الحوض، ودفعهم قبل هذا القرب لا شك أنه أقل في النكاية من دفعهم إذا قربوا منه قرباً شديداً، بحيث كانوا على قربٍ منه، فإذا دفع عنه وهم على حافته، أو على مقربةٍ منه، يكون هذا أشد نكايةً لهم، يقول: فجوابه أنهم يقربون بحيث يرونه ويرون الجنة فيدفعون في النار قبل أن يخلصوا من بقية الصراط، قال السيوطي: وقد ورد التصريح في حديثٍ صحيحٍ عند الحاكم وغيره بأن الحوض بعد الصراط، فإن قيل: إذا خلصوا من الموقف دخلوا الجنة فلم يحتاجوا إلى الشراب منه؟ انتهوا من الميزان وانتهوا من الصراط، فما حاجتهم إلى الشرب من الحوض وهم على أبواب الجنة على قربها؟ يقول: فالجواب: بل يحتاجون إلى ذلك؛ لأنهم محبوسون هناك لأجل المظالم، فكان الشرب في موقف القصاص، ويحتمل الجمع بأن يقع الشرب من الحوض قبل الصراط لقومٍ، ويقع تأخيره بعده لآخرين بحسب ما عليهم من الذنوب والأوزار، حتى يهذبوا منها على الصراط، ولعل هذا أقوى، قال الشيخ: مرعي ﵀ في بهجته: وهذا في غاية التحقيق جامع للقولين، وهو دقيق. نعود إلى كلامه لنفهمه: يقول السيوطي: وقد ورد التصريح في حديث صحيح عند الحاكم وغيره بأن الحوض بعد الصراط، فإن قيل: إذا خلصوا من الموقف دخلوا الجنة فلم يحتاجوا إلى الشراب منه؟ فالجواب: بل يحتاجون إلى ذلك، لأنهم محبوسون هناك لأجل المظالم، فكان الشرب في موقف القصاص، ويحتمل الجمع بأن يقع الشرب من الحوض قبل الصراط لقومٍ، وتأخيره بعده لآخرين بحسب ما عليهم من الذنوب والأوزار، حتى يهذبوا منها على الصراط، ولعل هذا أقوى، وأيده الشيخ مرعي في بهجته، وقال: أنه في غاية التحقيق جامع للقولين، وهو دقيق. لكن إذ نظرنا في هذا القول وهو أن بعض الناس يشرب من الحوض قبل الصراط، ومنهم من يشرب منه بعد مجاوزة الصراط، فهل يكون موقعه قبل الصراط أو بعده؟ طالب:. . . . . . . . . نعم، يعني حوض قبل وبعد؟

стр. 177

الكلام على هل هذا الحوض ممتد؟ وسيأتي في مساحته ما يأتي من التحديد بالنصوص الثابتة عن النبي ﵊، وأن الصراط أقصر منه بحيث يكون طرف الحوض قبل بداية الصراط، طرفه الأول، وطرفه الثاني بعد نهاية الصراط، فيتحمل أن يشرب منه أناس قبل الصراط وأناس بعده، وعلى هذا ينزل كلام السيوطي الذي أيده الشيخ مرعي، لكن هذا حقيقةً لا يهمنا كثيراً، إنما يهمنا ما يجعلنا نشرب من هذا الحوض، يعني كونه قبل الصراط أو بعده، هذا حقيقةً فائدته العملية المسلكية التي تعود إلينا ونستطيع تحقيقها فائدته إلى النظرية أقرب، لكن الذي يهمنا ويعنينا أن نحقق الاتباع، وأن لا نحدث؛ لأن الحدث كما سيأتي في الأحاديث ((ما أحدثوا بعدك)) وما تقدمت الإشارة إليه، هو سبب الذود عن هذا الحوض، أقول: إذا عرفنا هذا، ففي صحيح مسلم والترمذي من حديث أبي ذرٍ الغفاري -رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله ما آنية الحوض؟ قال: ((والذي نفس محمدٍ بيده ... )) كثيراً ما يقسم النبي ﵊ بهذا ((والذي نفسي بيده)) وكثير من شراح الأحاديث، يقولون: ((والذي نفسي بيده)) يعني روحي في تصرفه، ولا شك أن في هذا فرار من إثبات اليد لله -جل وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته كما هو المحقق المقرر عند أهل السنة والجماعة، قال: ((والذي نفسي بيده، لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها، آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه، يشخب فيه ميزابان من الجنة -يعني يسيل في هذا الحوض ميزابان من الجنة- من شرب منه لم يضمأ، عرضه مثل طوله، ما بين عمّان إلى أيلة، وماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل)) وفي الصحيحين عن أنسٍ -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: ((ما بين ناحيتي حوضي كما بين صنعاء والمدينة)) في الحديث الأول يقول: ((ما بين عمّان إلى أيلة)) وفي حديث أنس، في حديث أبي ذر ما بين عمّان وأيلة، وفي حديث أنس -رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﷺ قال: ((ما بين ناحيتي حوضي كما بين صنعاء والمدينة)) وفي رواية: ((ما بين المدينة وعمّان)) وفي أخرى: ((يرى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء)) وفي

стр. 178

رواية أخرى: ((إن قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء اليمن)) الآن أيلة وردت في هذه الرواية، وهي في الصحيحين، ما بين أيلة وصنعاء، وجاء أيضاً: ((ما بين صنعاء والمدينة)) وجاء ((ما بين عمّان إلى أيلة)) ولا شك أن هذه المسافات متفاوتة تفاوتاً كبيرة، وهذه الأحاديث كلها صحيحة، وفي مسلم من حديث جابر بن سمرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ألا إني فرط لكم على الحوض -يعني: متقدم أمامكم على الحوض- وإن بعد ما بين طرفيه كما بين صنعاء وأيلة)) وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه لا يضمأ أبداً)) هذه التحديدات لا شك أنها متفاوتة، فما بين عمّان إلى أيلة أقصر كثير من ما بين أيلة وصنعاء اليمن، وما بين صنعاء والمدينة أقصر، فهذه التحديدات ظن بعضهم أن ما جاء فيها يعد اضطراب، والاضطراب لا شك أنه يضعف الحديث، فالحديث المضطرب من قسم الضعيف، والحديث المضطرب يُعرفه أهل العلم: بأنه الحديث الذي يروى على أوجه مختلفة متساوية، يعني لا بد أن يروى على أكثر من وجه، وأن تكون هذه الأوجه مختلفة، ولا شك أن هذا متحقق في هذا الحديث، يروى على أوجه مختلفة، لكن هل هذه الأحاديث متساوية ليحكم بالاضطراب؟ منها ما في الصحيحين، ومنها ما تفرد به البخاري، ومنها ما تفرد به مسلم، وعلى هذا إذا قلنا: أن بعضها أرجح من بعض لننفي الاضطراب، قلنا: يقدم ما في الصحيحين، هذا إذا تعذر الجمع، أما إذا أمكن الجمع فلا يُلجأ إلى مثل هذا التعليل للأحاديث الثابتة في الصحيح، والجمع ممكن.

стр. 179

يقول القرطبي في التذكرة: ظن بعض الناس أن هذه التحديدات في أحاديث الحوض اضطراب، وليس كذلك، وإنما تحدث النبي ﷺ بحديث الحوض مراتٍ عديدة، وذكر فيها تلك الألفاظ المختلفة، مخاطباً كل طائفةٍ بما كانت تعرف من مسافات مواضعها، فيقول لأهل الشام مثلاً: ما بين أذرح وجرباء، ولأهل اليمن من صنعاء إلى المدينة، وهكذا، وتارةً أخرى يقدر بالزمان، فيقول: مسيرة شهر، والمعنى المقصود أنه حوض كبير متسع الجوانب والزوايا، إذا قدرنا هذا الحوض بالمسافات المختلفة المتفاوتة في هذه الأحاديث، فيمكن الجمع بما قاله القرطبي، بأنه خاطب كل أناس بما يفهمونه، وليس المراد التقدير الدقيق، فيخاطب الشامي فما يناسبه مما يعرفه من البلدان، يخاطب اليمني بما يعرفه من البلدان، يخاطب الحجازي بما يعرفه من البلدان وهكذا، وليس في هذا أدنى اضطراب، وتارةً يقدره بالزمان فيقول: مسيرة شهر، والمعنى المقصود أنه حوض كبير متسع الجوانب والزوايا، أيضاً يمكن أن يجاب عن هذا الاختلاف في تحديد المسافة أن هذه المسافات تختلف من حيث الطول لكنها تتحد من حيث الزمان، وقد تتحد في الزمان وتختلف في الطول، كيف؟ السير يختلف من شخصٍ إلى آخر، ومن وسيلةٍ إلى أخرى، إذا قلنا: بسير الأحمال، الإبل المحملة، هذا حملناه على أطول المسافات، وإذا قلنا: بسير الجواد المضمر حملناه على أقل المسافات، ولا يمنع -وهذا لم أقف عليه لأحد- أن يكون النبي ﵊ أخبر عن الحوض أولاً بأقل المسافات، ثم بعد ذلك زيد فيه زيادةً لشرفه ﵊ إلى أن وصل إلى أكبر المسافات، فصارت مساحته أوسع مما كانت عليه، وهذا يمكن أن يقال في مثل هذا الموضع للجمع والتوفيق بين هذه الأحاديث.

стр. 180

في الصحيحين أيضاً عن أنس -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: ((ليردن عليّ الحوض رجال ممن صاحبني)) وهذا المهم في الموضوع ((ليردن عليّ الحوض رجال ممن صاحبني، حتى إذا رأيتهم ورفعوا إليّ اختلجوا دوني -يعني اقتطعوا دوني- وذودوا وردوا عن الحوض، فلأقولن: أي ربِّ أصيحابي أصيحابي، فليقالن لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)) وفي رواية: ((فأقولن: سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي)) فالإحداث والتبديل أمر خطير، سبب للذود عن هذا الحوض الذي من شرب منه لم يظمأ أبداً. وفي مسلم أن رسول الله ﷺ قال: ((ترد عليّ أمتي الحوض، وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله)) قالوا: يا نبي الله تعرفنا؟ قال: ((نعم، لكم سيما ليست لأحدٍ غيركم، تردون عليّ غراً محجلين من آثار الوضوء، وليصدن عني طائفة منكم فلا يصلون، فأقول: يا ربِّ هؤلاء من أصحابي، فيجيبني ملك فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟ )) هذا في مسلم، وفي الرواية السابقة قال: ((فلأقولن: أي رب أصيحابي أصيحابي، فليقالن لي -يعني من قبل الملك الذي جاء ذكره في رواية مسلم-: وليصدن عني طائفة منكم فلا يصلون، فأقول: يا رب هؤلاء من أصحابي فيجيبني ملك فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟ )).

стр. 181

وفي سنن ابن ماجه عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، ذكر الحديث مطولاً وفيه: ((وأول من يرد عليّ حوضي فقراء المهاجرين، الدنس ثياباً، الشعث رؤوساً، لا ينكحون المنعمات ولا يفتح لهم السدد)) وهذا حديث خرجه ابن ماجه، ورواه أيضاً الترمذي وقال: حديث غريب، وهو قابل للتحسين بطرقه، ولذا الألباني ﵀ قواه، على كل حال أول من يرد الحوض فقراء المهاجرين، ومعروف ما جاء في الفقراء، وأنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام، في بعض الروايات: بمائة عام، وفي بعضها: بأربعين عاماً، وكلها صحيحة، وهذا الاختلاف كسابقه، ليس من الاختلاف الذي يلزم منه الاضطراب، بل هذا التقدير يختلف باختلاف الأغنياء، ويختلف باختلاف الفقراء، فأشد الناس فقراً يدخل قبل أغنى الناس بخمسمائة عام، ومن دونه في الفقر، يدخل قبل من دون ذلك الغني بمائة عام، ومن دونه في الفقر قبل ذلك الثاني من الأغنياء في المرتبة الثانية بأربعين عاماً، وبمثل هذا يوفق بين النصوص التي يرد فيها مثل هذه التقادير. وبعض أهل العلم يسلك مسلك آخر في مثل هذه الأحاديث فيقول: أن العدد لا مفهوم له، وإنما يذكر لمجرد بيان عظم الأمر. وفي التذكرة للقرطبي: قال علماؤنا ﵏: "كل من ارتد عن دين الله، أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله، ولم يأذن به فهو من المطرودين عن الحوض، المبعدين عنه" يقول: كل من ارتد عن دين الله، ونعرف أنه حصل بعد موته ﵊ أنه ارتد من ارتد ممن دخل في الإسلام، وصحب النبي ﵊، لكن لا يعني هذا أن الأمر جرى على أكثر الصحابة أو على خيار الصحابة كما يزعم ضلال المبتدعة، لا شك أنه ارتد من ارتد، ورجع وعاد إلى الإسلام بعد حروب الردة من رجع، لكن يبقى أنه ارتد من ارتد وهؤلاء هم الذين يذادون، أما أصحابه ﵊ الذين خالط الإيمان بشاشة قلوبهم، وآمنوا به ظاهراً وباطناً وصدقوه وصحبوه صحبةً بحيث آثروه على أنفسهم مثل هؤلاء لا يعرف ولا واحد ارتد منهم، وإنما ارتد بعض ممن لم يقر الإيمان في قلبه، وإنما صدق بلسانه أو دخل الإيمان في قلبه ثم خرج منه، والحي لا تؤمن عليه الفتنة.

стр. 182

فعلى هذا يكون الإنسان على حذرٍ شديد من الإحداث والابتداع في الدين؛ لئلا يذاد عن هذا الحوض، ويكون أيضاً على نظرٍ إلى العاقبة، وحسن الخاتمة، وسؤال الله -جل وعلا- في كل لحظة أن يميته مسلماً غير محدثٍ ولا مبدل، ولا زائغٍ عن هذا الدين، يقول: كل من ارتد عن دين الله، أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله، ولم يأذن به الله فهو من المطرودين عن الحوض، المبعدين عنه، يقول: "وأشدهم طرداً من خالف جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم، كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدلون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وتطميس الحق، وقتل أهله، وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر، المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ والبدع والأهواء". يقول القرطبي: هؤلاء هم الذين يذادون عن الحوض، ولا شك أنهم داخلون في الإحداث، كلهم أحدثوا في الدين ما ليس منه، وليحذر المسلم أن يتعبد لله -جل وعلا- بأي عبادةٍ لم يكن عليها دليل، نص لم يسبق لها شرعية من كتاب الله وسنة نبيه ﵊ لئلا يذاد عن الحوض، ومقتضى الإيمان بالنبي ﵊ أن لا يعبد الله -جل وعلا- إلا بما شرع. فعلى الإنسان أن يقتفي الأثر، ويكتفي بما جاء عن الله وعن رسوله، وجاء عن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه-: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم" ولا شك أن الشيطان يزين للناس هذه البدع، ويشرب حبها قلوبهم، فعلى الإنسان أن يعتصم بالكتاب والسنة ولا يزيغ عنهما، ولا يحرف ولا يبدل، ليثبته الله -جل وعلا- في الحياة الدنيا وفي الآخرة. أما الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، وزعموا أن من المحدثات ومن هذه الضلالات، ومن هذا التبديل الذي ارتكبوه وحسنه لهم الشيطان ودعاة البدعة، لا شك أنهم على ضلالٍ مبين، رؤوس البدع بل من أهل العلم المعروفين -مع الأسف- من يقول: إن من البدع ما يمدح، ومنها المستحسن، فيقسم البدع إلى بدعة محمودة وبدعة مذمومة، ولا مانع من أن نستطرد في الحديث عن البدع؛ لأن البدع هي الإحداث الذي جاء التنصيص عليه في حديث الذود عن الحوض، لنعرف من يهنأ بشربةٍ من هذا الحوض بحيث لا يضمأ بعدها أبداً.

стр. 183

تعريف البدعة: أولاً: الابتداع في اللغة: ما عمل على غير مثالٍ سابق، وفي اصطلاح أهل العلم: ما تعبد به مما لم يسبق له شرعية من الكتاب أو من السنة، فمن تعبد بعبادةٍ لم يسبق لها شرعية من كتاب الله -جل وعلا- وسنة نبيه ﵊ فهو مبتدع، والنبي ﵊ أخبر أن أمته ستفترق على ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، فليحرص المسلم كل الحرص أن يكون من هذه الواحدة، من هذه الفرقة الناجية، التي هي على ما كان عليه النبي ﵊ وأصحابه -رضوان الله عليهم-، أما من أحدثوا وغيروا وبدلوا وتنكبوا الطريق، وعدلوا عن الجادة، وحادوا عن الصراط المستقيم فإن هؤلاء قد يفتنون في الدنيا ويفتنون عند الموت ويذادون عن الحوض، نسأل الله السلامة والعافية. تقسيم البدعة: أقول: من أهل العلم من قسّم البدع إلى بدع محمودة وبدع مذمومة، ومنهم من قال: هناك بدع واجبة، وبدع مستحبة، وبدع مباحة، وبدع مكروهة، وبدع محرمة، يعني تبعاً للأحكام الخمسة التكليفية، ويمثلون لهذه البدع، البدع الواجبة قالوا: الرد على الملاحدة، هذه بدعة واجبة، لا بد من الرد، وأيضاً نحن نقول: أن الرد على الملاحدة واجب، فرض كفاية على الأمة، وفرض عين لمن تعيّن عليه بحيث لا يستطيع القيام به غيره، لكن هل هذا بدعة؟ هل هذا ليست له شرعية من الكتاب والسنة؟ نصوص الكتاب تدل عليه، نصوص السنة تدل عليه، القواعد العامة الشرعية المقررة عند أهل العلم تدل عليه، لا يمكن الحفاظ على الدين، والحفاظ على الدين بالواجب لا يمكن إلا بالذود عنه بالرد على من يريد طمسه، من المبتدعة، من الملاحدة والزنادقة، فالرد عليهم مما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فهو داخل تحت الأدلة العامة من نصوص الكتاب والسنة وقواعد الشريعة.

стр. 184

ومثلوا للبدع المستحبة، ببناء المدارس والأربطة، قالوا: هذه بدع ما وجدت على عهد النبي ﵊، لكنها مستحبة، كيف يتعلم الناس في العراء في وقت البرد الشديد أو في وقت الحر الشديد؟ لا بد أن نبني مدارس ونبني فصول وقاعات وما أشبه ذلك؛ ليتمكن الطلاب والطالبات من تلقي العلم والارتياح إليه، نقول: نعم هذه أمور مستحبة ومطلوبة، لكن مع ذلك ليست ببدعة؛ لأن طلب العلم الشرعي مستحب، وجاءت الأدلة المتكاثرة المتظاهرة في الكتاب والسنة على الحث عليه، ولا يتم تحصيله إلا بمثل هذه البنايات من المدارس والأربطة وغيرها، وعلى هذا ما لا يتم المستحب إلا به فهو مستحب، فلا يمكن أن يقال: إن مثل هذا من باب أو من حيز الابتداع.

стр. 185

قالوا: هناك بدع مباحة، مثل التوسع في ألوان الطعام والشراب والمركوبات والملبوسات والمساكن وغيرها، قالوا: هذه مباحات، لكنها بدع؛ لأنها لا توجد على عهد النبي ﵊، نقول: هذه ليست ببدع؛ لأن البدع خاص فيما يتعبد به، أما ما يزاوله الناس في أمورهم الحياتية العادية التي لا يتعبدون بها فالأصل فيها الإباحة، والله -جل وعلا- خلق لنا ما في الأرض جميعاً، فالأصل في مثل هذه الأمور الإباحة ولا يمكن أن يطلق عليها بدعة، القول بأن هناك بدع واجبة، أو بدع مستحبة لا شك أنه مصادمة لقول النبي ﵊: ((وكل بدعةٍ ضلالة)) الرسول ﵊ يقول: كل البدع ضلالة ونحن نقول: بدع واجبة، هذا محادة لرسول الله ﵊، فلا يقال: بمثل هذا القول، بل القول هذا ضعيف، وقد ردّه الشاطبي في الاعتصام، وقوّض دعائمه، وقال: إنه قول مخترع مبتدع، لا يدل عليه دليل من الكتاب ولا من السنة، فالتقسيم مبتدع داخل في قول النبي ﵊: ((كل بدعةٍ ضلالة)) كيف يقول النبي ﵊: ((كل بدعةٍ ضلالة)) ونحن نقول: هناك بدع مستحبة، بدع محمودة، بدع واجبة، أبداً، لا يمكن أن يتصور مثل هذا مع قوله ﵊: ((كل بدعةٍ ضلالة)) يتشبثون -أعني الذين يقسمون هذا التقسيم -بقول عمر -رضي الله تعالى عنه- في صلاة التراويح، النبي ﵊ صلى صلاة التراويح بأصحابه ليلة، فاجتمع إليه فئام من الناس، ثم صلى بهم الثانية، وهم أكثر من العدد السابق، ثم اجتمعوا في الليلة الثالثة حتى غصّ بهم المسجد، فلم يخرج إليهم، خشية أن تفرض عليهم، وهذا من رأفته ورحمته ﵊ بأمته، استمر الأمر على ذلك بقية عهده ﵊، وجميع خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر -رضي الله تعالى عنه-، ثم إن عمر -رضي الله تعالى عنه- لما أمن من فرضية صلاة التراويح بموته ﵊ جمعهم على إمامٍ واحد، ثم خرج في ليلةٍ من الليالي وهم يصلون مجتمعين صافون متراصون كما تصف الملائكة، وهذا مما يحبه الله -جل وعلا- أعجبه هذا الوضع، فقال: "نعمت البدعة"

стр. 186

فإثبات كون صلاة التراويح بدعة، والإخبار عنها بأنها أو وصفها بأنها (نعمت) ونعم حرف مدح، إذاً هذه البدعة ممدوحة ومحمودة، وهذا معوّل من يرى أن في البدع ما يحمد، وأن فيها ما يمدح؛ لأن عمر قال: "نعمت" ونعم حرف مدح، بخلاف بئس الذي هو حرف ذم، أو فعل على الخلاف فيهما هل هما فعلان أو حرفان؟ المقصود أنه يشعر بالمدح، وهذا معوّل من يرى أنه من البدع ما يمدح، شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: هذه بدعة لغوية، البدعة في كلام عمر -رضي الله تعالى عنه-: بدعة لغوية، وليست شرعية، فلا مستمسك فيها لقول من يقسّم البدع، وأما الشاطبي ففي الاعتصام يرى أن بدعة على سبيل المجاز، لا على سبيل الحقيقة، يعني عند من يقول بالمجاز لا إشكال في أن يقول هذا الكلام مجاز؛ لأنه استعمال للفظ في غير ما وضع له، لكن الذي لا يرى المجاز وهو المرجح عند أئمة التحقيق، والذي نصره شيخ الإسلام وابن القيم وجمع غفير من أهل العلم، الذي لا يقول بالمجاز، كيف يقول مجاز؟ أولاً كلام شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في أنها بدعة لغوية، في تقديري أنه غير متجه، لماذا؟ لأن البدعة لغةً: ما عمل على غير مثالٍ سابق، وصلاة التراويح التي جمع عمر -رضي الله تعالى عنه- الناس عليها عملت على مثالٍ سبق في عهد النبي ﵊ صلى بهم الليلة الأولى والثانية ولم يخرج إليهم في الليلة الثالثة، فعملت على مثالٍ سبق على هذه الكيفية، يعني جماعة، فلا يقال: أنها بدعة لغوية؛ لأنها عملت على مثالٍ سبق، وليست بدعة شرعية قطعاً لأنها ثبتت من فعله ﵊، فليست ببدعة.

стр. 187

وبعض الشرّاح ممن عاشوا في بعض البيئات المتأثرة بالمبتدعة قال: وأساء إلى أمير المؤمنين عمر -رضي الله تعالى عنه-، قال: والبدعة قبيحة، ولو كانت من عمر -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-، لكن هل عمر يرى أن هذه بدعة مصادمة لقول الرسول ﷺ : ((كل بدعةٍ ضلالة)) مندرجة في قوله ﵊: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) لا يظن هذا بعمر، وقد شهد له النبي ﵊ بالجنة، وأمرنا بالاقتداء به ((اقتدوا بالذين من بعدي: أبو بكرٍ وعمر)) ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)) ومع هذا يقال ما يقال؟ لا شك أن هذه إساءة إلى عمر، ومن زكّى عمر. وقد وجد من يسيء إلى النبي ﵊ من بعض الشراح الذين يتصدون لشرح سنته من حيث لا يشعرون، قد تصدر الكلمة من غير رويّة، ففي حديث: ((لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة)) قال بعض الشراح في هذا الحصر نظر، هذا الشارح يُنظر في كلام من؟ في كلام النبي ﵊ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، لا شك أن هذه إساءة بالغة.

стр. 188

فليحذر المسلم أن يتكلم بكلامٍ غير موزون، بحيث لا يحسب له حساب؛ لأنه مؤاخذ بما ينطق به، أقول: بعضهم أساء إلى عمر، فقال: مثل هذه المقالة، شيخ الإسلام يرى أن البدعة في كلام عمر هي بدعة لغوية، وقلنا: أنها في الحقيقة ليست ببدعة لغوية فضلاً عن أن تكون شرعية، وليست بمجاز؛ لأنه لا مجاز في النصوص، أو لا مجاز مطلقاً، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والشنقيطي، وجمع من أهل العلم، إذا قلنا: أنها ليست ببدعة لغوية، ولا بدعة شرعية، ولا مجاز، إذاً كيف نتصرف في هذا اللفظ الذي يوحي بأن هذه البدعة ممدوحة ومحمودة؟ نقول: إن إطلاق البدعة على هذه الصلاة التي سبقت شرعيتها من فعله ﵊ من باب المشاكلة، والمجانسة في التعبير، نحن نبسط هذا الكلام لأن فيه من يلبس على الناس، من يلبس على الناس يقول يا أخي عمر -رضي الله تعالى- الخليفة الراشد الذي أمرنا بالاقتداء به والائتساء به في صحيح البخاري يقول عن صلاة التراويح بدعة، ونعمت البدعة، إذاً نحن نبتدع مثلما ابتدع عمر نبتدع بدع محمودة، وبذلك لا نذم ولا نلام، نقول: تذم وتلام، هل أنت مثل عمر؟ هل عمر أراد البدعة التي جاء ذمها من قبل النبي ﵊؟ وقد زكّى النبي ﵊ عمر وشهد له بالجنة؟ شتّان، أنت من يزكيك؟ هل ثبتت تزكيتك بالنص؟ أبداً، هذا ليس لغير من زكاه النبي ﵊، وهذا التعبير من عمر -رضي الله تعالى عنه-، ليس ببدعةٍ لغوية، ولا مجاز، وإنما هو من باب المشاكلة، المشاكلة والمجانسة في التعبير، كأن قائلاً قال: ابتدعت يا عمر، لا سيما من لم يدرك الصلاة مع النبي ﵊، ومنذ أن وجد وهو يصلي بمفرده صلاة التراويح، ثم عمر جمع الناس عليها بعد انقطاع الوحي، ولم يبلغه أن النبي ﷺ جمع، يقول مثل هذا الكلام، ابتدعت يا عمر، ثم يقول عمر -رضي الله تعالى عنه- بعد ذلك: نعمت البدعة، فكأنه قيل له: ابتدعت يا عمر فقال: نعمت البدعة، هذه مجانسة ومشاكلة بالتعبير، ولها أمثلة: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [(٤٠) سورة الشورى] هذا في القرآن، السيئة الأولى جناية لا شك

стр. 189

أنها سيئة، لكن معاقبة الجاني حسنة ليست بسيئة، وأطلق عليها سيئة من باب المشاكلة والمجانسة في التعبير، في لغة العرب جاء قولهم: قالوا اقترح شيئاً نجد لك طبخه ج قلت اطبخوا لي جبةً وقميصا والجبة والقميص إنما يخاطان، ولا يطبخان، لكن لما قيل له: اقترح شيئاً نجد لك طبخه؛ لأنهم توقعوا أنه جائع، فتبيّن أنه لفحه البرد، فيحتاج إلى تدفئة، فبدلاً من أن يأكل قال: اطبخوا لي جبةً وقميصاً، وهل يتصور أنه يريد أن الجبة والقميص توضع في القدر ويوقد عليها النيران لتطبخ؟! أبداً، إنما مراده خيطوا لي جبةً وقميصاً، وأطلق على الخياطة طبخاً من باب المشاكلة والمجانسة في التعبير، نقول: هذا الكلام لئلا يتذرع بمثل هذا الكلام من يتلبس بالبدع ويبرر لتلبسه بها بمثل كلام عمر -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-. الكلام على ثبوت الحوض: في عقيدة السفاريني المسماة (الدرة المضيئة في عقد الفرقة المرضية) يقول -رحمه الله تعالى- في النظم: كذا الصراط ثم حوض المصطفى فيا هنا لمن به نال الشفا في الشرح الذي اسمه (لوامع الأنوار) كما في طبعته الثانية، أما في طبعته الأولى في مطبعة المنار القديمة سموه (لوائح الأنوار) في لوامع الأنوار والشرح لنفس الناظم، قال: ثم اجزم بعد البعث والنشور وأخذ الصحف والمرور بثبوت حوض النبي ﷺ ، فإنه حق ثابت بإجماع أهل الحق، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [(١) سورة الكوثر]. يقول السيوطي في كتابه (البدور السافرة): ورد ذكر الحوض من رواية بضعةٍ وخمسين صحابياً، منهم الخلفاء الأربعة الراشدون، وحفاظ الصحابة المكثرون -رضوان الله عليهم أجمعين- ثم ذكر الأحاديث عنهم واحداً واحداً، فالحوض ثابت بالأحاديث المتواترة، ومعلوم أن منكر القطع عند أهل العلم يكفر -نسأل الله السلامة والعافية- لأن القطع مفيد للعلم، العلم الضروري الذي يجد الإنسان نفسه مضطراً إلى تصديقه. ثم يقول السفاريني في عقيدته: عنه يذاد المفتري كما ورد ومن نحا سبل السلامة لم يرد

стр. 190

عنه: أي عن حوض النبي ﷺ وعن الشرب منه يذاد، أي يطرد ويدفع المفتري، يذاد المفتري من الفرية وهي الكذب، فيقال: افترى افتراءً إذا كذب ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ﴾ [(١٢) سورة الممتحنة] وفي الحديث: ((إن من أفرى الفرى أن يري الرجل عينيه ما لم تريا)) يعني يكذب في الرؤيا. يقول السفاريني في شرحه: "الحاصل أن من الذين يذادون عن الحوض جنس المفترين على الله تعالى، وعلى رسوله ﷺ من المحدثين في الدين من الروافض والخوارج وسائر أصحاب الأهواء والبدع المضلة، وكذلك المسرفون من الظلمة المفرطون في الظلم والجور وطمس الحق، كذلك المتهتكون في ارتكاب المناهي، والمعلنون في اقتراف المعاصي، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك ﵁ قال: أغفى رسول الله ﷺ إغفاءةً، ثم رفع رأسه متبسماً، فقال: ((إنه أنزل عليّ آنفاً سورة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ حتى ختمها، إلى آخر الحديث الذي أوردناه سابقاً، ثم قال: كما ورد ذلك في الأحاديث النبوية مما ذكرنا ومما لم نذكر، يقول: وقد أخرج البخاري ومسلم حديث ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- بلفظ، قال رسول الله ﷺ : ((أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن إلي رجال منكم، إذا هويت إليهم لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي رب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)) المقصود أن السبب في الذود وعدم الشرب من هذا الحوض هو الإحداث في الدين، والإحداث في الدين، كما يكون في الاعتقاد يكون في الأعمال، فمن ابتدع في الدين واخترع شيئاً أدخله وأدرجه في دين الله -جل وعلا- مما ليس منه لا شك أنه داخل في من يحدث فيذاد عن الحوض على ما تقدم.

стр. 191

ثم يقول السفاريني في شرح منظومته: ثم الطرد قد يكون في حالٍ ويقربون بعد المغفرة إن كان التبديل في الأعمال ولم يكن في العقائد، يقول: ثم الطرد قد يكون في حالٍ ويقربون بعد المغفرة، إن كان التبديل في الأعمال ولم يكن في العقائد، قال: وقد يقال: أن أهل الكبائر يردون ويشربون وإذا دخلوا النار بعد ذلك لم يعذبوا بالعطش؛ لأن من شرب من هذا الحوض لم يظمأ بعده أبداً، لم يظمأ بعد هذه الشربة أبداً، كيف حال أهل الكبائر الذين لا يعدون من المبتدعة ولم يحدثوا؟ هؤلاء أهل الكبائر هم الذين يقول عنهم السفاريني، ثم الطرد قد يكون في حالٍ ويقربون بعد المغفرة إن كان التبديل في الأعمال ولم يكن في العقائد، قال: وقد يقال: إن أهل الكبائر يَرِدُون ويشربون لماذا؟ لأنهم لم يحدثوا في الدين، ولم يبتدعون فيه، وقد يقال: إن أهل الكبائر يردون ويشربون، وإذا دخلوا النار بعد ذلك لم يعذبوا بالعطش؛ لأن من شرب لم يظمأ بعد ذلك أبداً، فأهل البدعٍ مطرودون عن حوض النبي ﵊ ومردودون عن الشرب منه. (ومن نحا) أي وأي شخصٍ من هذه الأمة من ذكرٍ أو أنثى نحا أو قصد سُبل، بضم السين المهملة ككتب، جمع سبيل، وهو الطريق، وما وضح منه وجمعه لأن الأصل أن الطريق واحد، الصراط المستقيم واحد، فلماذا جمع؟ وقال: سبل السلامة، ولم يقل: سبيل السلامة؟ هو نظير ما جاء في قول الله تعالى: ﴿سُبُلَ السَّلاَمِ﴾ [(١٦) سورة المائدة] فيجمع السبل، وإن كان السبيل والطريق والصراط واحد، قال: جمعه لأن الطريق الحق واحد باعتبار خصاله وشعبه المتوصل منها إليه ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ﴾ [(١٦) سورة المائدة] الأصل أن السبيل واحد وهو الطريق، وهو الحق، وهو الصراط المستقيم، لكن هذا الطريق وهذا السبيل يوصل إليه -هذا الغاية- وسائل متعددة، فباعتبار الوسائل يجمع فيقال: ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ﴾ يعني هذه الوسائل الموصلة إلى الصراط، والسبيل الصراط المستقيم، السبيل الواحد وهو الحق.

стр. 192

السلامة: يقول من الكلمات الجامعة لخيري الدنيا والآخرة، قال في القاموس: السلامة: البراءة من العيوب، يعني أن من نهج منهج الحق وسلك طريق السنة وسلم من البدعة وكبائر الذنوب فإنه يرد على حوض النبي ﷺ ويشرب منه، ولم يُرَد عن الشرب منه، ولم يطرد عن الورود عليه كما يفهم من الأحاديث التي تقدمت وبالله التوفيق. المقصود أن الابتداع أمره خطير، وشأنه عظيم، فهو مشاركة لله -جل وعلا- في تشريعه، فالذين يبتدعون ويتبعهم هؤلاء المبتدعة على ضلالهم هؤلاء شركاء ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [(٢١) سورة الشورى] فاختراع شيء في الدين وأمر الناس بالعمل بهذا المخترع في الدين وهذا المُبتَدع لا شك أنه شرك في التشريع. فليحرص المسلم ذكراً كان أو أنثى على الاقتداء بالنبي ﵊، وأن لا يعمل عملاً يتقرب به إلى الله -جل وعلا- إلا أن يكون لديه فيه دليل يتمسّك به، وقد جاء عن بعض السلف: إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بأثر فافعل، وفي هذا مبالغة في الاتباع، وتنفير من الابتداع، كما يقول ابن مسعود: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم" يعني الإنسان لو يعمل طول عمره في تحقيق ما خلق من أجله، وهو العبودية لله -جل وعلا- مقتصراً في ذلك على ما جاء عنه في كتابه، وما صح من سنة نبيه ﵊ لما كفاه العمر؛ لأنه ثبت عن النبي ﵊ أحاديث كثيرة جداً، فعلى الإنسان أن يعمل بجميع ما بلغه عن النبي ﵊؛ لأن العمل هو الثمرة المرجوة من العلم، فعلم بلا عمل كشجر بلا ثمر. وبالمقابل إذا جاء الأمر بالعمل يأتي أيضاً التنفير والتحذير عن عملٍ لا علم معه، فلا شك أن العلم قبل القول والعمل، فيكون الإنسان على بصيرةٍ من أمره، فلا يقدم على أمرٍ يتديّن به، ويتقرب به إلى الله -جل وعلا- إلا أن يسبق له شرعية من كتاب الله وسنة نبيه ﵊ ليتحقق له ما وعد من الشرب من هذا الحوض الذي لا يظمأ بعده أبداً، وليهنأ بشربةٍ من حوضه ﵊ ومن يده الشريفة.

стр. 193

في بقية السورة يقول الله -جل وعلا- بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ هذا الكوثر نعمة، بالنسبة له ﵊، ولأمته ممن اقتدى به ﵊، ولم يحد عن سنته ﷺ ، نعمة للنبي ﵊، ولأمته من بعده ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ أمر بالصلاة، والصلاة شكر، ولذا لما قيل له ﵊، وقد قام حتى تفطّرت قدماه، عوتب ﵊ ليخفف عن نفسه؛ لأن الله -جل وعلا- قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لما نوقش عن هذا الأمر قال ﵊: ((أفلا أكون عبداً شكوراً؟! )) فدل على أن الصلاة شكر للمنعم على ما أعطاه وأسداه من هذه النعم الجليلة التي منها الحوض ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ هذا أمر، من أهل العلم من يقول: أن المراد بالصلاة هذه، صلاة العيد، بدليل قوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ فصل لربك: صلاة العيد، وانحر: نسكك أو أضحيتك، فهذا أمر بالصلاة التي هي صلاة العيد، ونحر الهدي والأضاحي، وصلاة العيد لهذا الأمر أوجبها من أوجبها من أهل العلم كالحنفية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- لأنه ثبت الأمر بها في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. وأيضاً النبي ﵊ داوم على صلاة العيد، ولم يذكر عنه أنه تركها وداوم عليها خلفاؤه من بعده -رضوان الله عليهم-، وأمر النساء بالخروج إليها في حديث أم عطية: أمرنا أن نخرج العواتق والحيّض، وذوات الخدور إلى صلاة العيد، فمثل هذه النصوص ترقى وتقوى على وجوب صلاة العيد، وهذا ما يختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.

стр. 194

وأما الأمر بقوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ فالمراد به الأضحية والهدي، فمن الهدي ما يجب، ومنه ما يستحب، وأما الأضحية فقد اختلف فيها أهل العلم، والجمهور على أنها سنة، وليست بواجبة، ومن أهل العلم من أوجبها لهذا الأمر، وهذا الأمر بالصلاة والأضحية هو في عيد الأضحى، وأما قوله -جل وعلا-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [(١٥) سورة الأعلى] هذا في عيد الفطر، تزكى أي دفع زكاة الفطر، ثم صلى صلاة العيد، وتقديم الزكاة، قد أفلح من تزكى، ثم بعد ذلك صلى، دليل على أن زكاة الفطر تؤدى قبل صلاة العيد، وبهذا جاءت النصوص الصحيحة عن النبي ﷺ ، ثم بعد ذلك يصلي صلاة الفطر. وهنا ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ الصلاة قبل النحر، وبهذا جاءت السنة. ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ الشانئ: هو المبغض، يعني من يبغضك يا محمد ويشنؤك هو الأبتر، هو الأقطع، هو الناقص، الممحوق البركة، فالشانئ: هو المبغض كما في قوله -جل وعلا-: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [(٨) سورة المائدة] فالشانئ: هو المبغض فالذي يبغض النبي ﵊ لا شك أنه هو الأبتر، هو الناقص، هو المقطوع، هو الذاهب البركة، لا بركة فيه ولا خير. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. إذا كان في أسئلة أو شيء، إذا كان عند الأخوات أسئلة فليتفضلن. فضيلة الشيخ: هناك سائلة تقول: تقوم بنمص الحاجب إرضاءً لزوجها، هل يمكن أن تهنأ بشربة من حوض رسول الله ﷺ ، إذا كانت تفعل كل هذه الأمور، ولم تفعل هذا الأمر إلا إرضاءً لزوجها؟

стр. 195

أولاً: إرضاء الزوج فيما لا معصية فيه، وما يطلبه بالمعروف واجب، لكن إذا طلب أمراً محرماً فلا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق، فلا يجوز لها أن تطيعه في النمص، وقد جاء منعه والتحذير منه، وقد ثبت اللعن -نسأل الله السلامة والعافية- ومثل هذا لا يجوز أن يطاع فيه الزوج، وهي معرضة نفسها لغضب الله وسخطه بهذه المعصية، فلا يجوز لها أن تطيعه، وعلى كل حال إذا ارتكبت مثل هذا فهي معصية من المعاصي وهي تحت المشيئة إن شاء الله عذبها وإن شاء عفا عنها. وعلى كل حال على المسلم والمسلمة أن يجتنب وليحذر ما نهي عنه، وبهذا تتحقق المتابعة للنبي ﵊ وبها يهنأ بالشربة من هذا الحوض المبارك. فضيلة الشيخ: هناك سائلة تسأل تقول: هل كل من يقع في البدعة لا يرد الحوض؟ وإن كان مقلداً لغيره، أما أن هناك ضابطاً لذلك؟ أولاً: البدع متفاوتة، فمنها البدع المغلظة، ومنها البدع المخففة، منها البدع الكبرى المخرجة من الملة، ومنها البدع الصغرى التي لا تصل إلى حد التفسيق فضلاً عن أن تكون كفراً، على كل حال هذه البدع يجمعها أنها ضلالة، لكنها متفاوتة، كسائر المعاصي، إلا أن شأن ما يتعلق بالاعتقاد أشد مما يتعلق بالأعمال، كما مرّ بنا في كلام السفاريني وغيره، إذا كانت هذه البدعة مكفرة، مخرجة عن الملة فهذا لا إشكال في كونه لا يشرب من هذا الحوض المبارك، إذا كانت البدعة مفسقة، بمعنى أنها بدعة مخالفة ظاهرة لنصٍ صحيحٍ صريح متعلقة بالاعتقاد، فهذا يخشى عليه من أن لا يشرب من الحوض النبوي، وإن كانت غير مكفرة. وأما البدع التي يرتكبها بعض الناس جهلاً، ولم يبلغهم عن حكمها شيء فهؤلاء قد يعذرون بالجهل، أما إذا عرفوا أن هذه البدع مخالفة لهدي النبي ﵊، وأنها محرمة فيخشى عليهم أن يلحقوا بالقسم السابق، فليست البدع على حدٍ سواء، وليس المبتدعة من حيث بلوغ الحجة أو عدم بلوغها على حدٍ سواء. فضيلة الشيخ: هناك سائلة تسأل تقول: قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ هل الذبح لله حين تجدد نعمة، أو دفع نقمة، شكراً لله مشروع؟ أم أن النحر هنا هو الذبح للنسك والعقيقة فقط لا غير؟

стр. 196

الذبح إذا كان المقصود به التقرب لوجه الله -جل وعلا- سواء كان في نسك، في هدي، في أضحية، في عقيقة، في وليمة عرس امتثالاً لقوله ﵊: ((أولم ولو بشاة)) هذا كله يثاب عليه، إكراماً لضيفه ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) إذا امتثل مثل هذا يثاب عليه، لا شك أن إكرام الضيف جاء الأمر به والحث عليه، إذا ذبح لله -جل وعلا- ونسك نسيكة يوزعها على الفقراء والمحتاجين لا شك أنه يثاب عليها، فالنحر أعم من أن يكون أضحية أو هدي أو عقيقة، وإن كان هذه ما ورد فيها النصوص صراحةً، لكن يلحق بها ما يتقرب به إلى الله -جل وعلا- خالصاً لوجهه، ممتثلاً فيه ما جاء عنه وعن نبيه ﵊ فالذي يذبح لضيفه امتثالاً لقوله ﵊: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) لا شك أن هذا مثاب عليها داخل في الأمر بالنحر، أيضاً قوله ﵊ لعبد الرحمن بن عوف: ((أولم ولو بشاة)) من أولم بشاة فذبح شاةً وقدمها لضيوفه في عرسه فإنه يثاب امتثالاً لهذا الأمر. فضيلة الشيخ: هناك سائلة تقول: بالضبط يا شيخ، ما هي الأعمال الصالحة التي تجعلنا نرد على حوض النبي ﷺ ؟ الأعمال الصالحة هي جميع ما جاء عنه ﵊ وأمر به، سواء كان من فعله فيقتدى به، أو كان من قوله فيتمثل أمره، وأيضاً ينظر إلى ما نهى عنه وحذّر منه فيجتنب، وهنا تتحقق التقوى التي هي خير الزاد الموصل إلى دار القرار ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [(١٩٧) سورة البقرة] والتقوى امتثال المأمورات واجتناب المحظورات، هذه حقيقة التقوى، فمن امتثل ما أمر به واجتنب ما نهي عنه فهو المتقي، ومن أجل التقوى شرعت العبادات، الله -جل وعلا- يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [(١٨٣) سورة البقرة] فالثمرة العظمى من الصيام ليست تعذيب النفس بالجوع والعطش، وإنما تحصيل التقوى.

стр. 197

ويقول الله -جل وعلا- بالنسبة للحج: ﴿وَاذْكُرُواْ اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [(٢٠٣) سورة البقرة] فهذه العبادات إنما تفعل ابتغاء مرضات الله -جل وعلا- وتقواه، والتقوى هي وصية الله تعالى للأولين والآخرين من سائل الأمم، فعلى الإنسان أن يتقي الله -جل وعلا- بفعل جميع ما أمر به والكف والانتهاء عن جميع ما نهي عنه، وبهذا يصل؛ لأن التقوى هي الزاد الموصل إلى دار القرار مروراً بهذا الحوض الذي من شرب منه لم يظمأ أبداً. أما بالنسبة لمن يترك الواجبات، ويرتكب ما حرم الله عليه فإن هذا على خطر؛ لأنه لم يحقق الهدف الذي من أجله خلق ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [(٥٦) سورة الذاريات] فالذي يعصي الله -جل وعلا- ولا يأتمر بما أمره به، هذا ما حقق الهدف، بل لا بد من تحقيق ما خلق من أجله، وهو تحقيق العبودية. هناك سائلة تقول: هل من كان بينه وبين أحد خصومه خصومة، واعتذر أحدهم للآخر، لكنه لم يقبل العذر ذلك الشخص، ولم يسامح، هل ممكن يرد على حوض النبي ﷺ ؟ لا شك أن هذه الخصومة إذا تضمنت مظلمة من أحدهما للآخر، أو من كل واحدٍ منهما لصاحبه بحيث تزيد مظلمة أحدهما على الآخر، أما إذا تساوت المظلمتان وتم اقتصاص كل واحدٍ منهما للآخر، فهذه تمحو هذه، لكن يبقى أنه إذا زادت المظلمة من قبل أحدهما على الآخر فإنه لا بد أن يقتص منه لصاحبه، ولا شك أن عدم السماح لمن أتى معتذراً نادماً لا شك أنه حرمان للطرفين، حرمان لهذا الشخص الذي لم يقبل العذر، وما يدري ما عنده الله -جل وعلا- من ثوابٍ له ومحوٍ عن سيئاته بسبب هذا التجاوز، فالله -جل وعلا- خير من تجاوز وعفا، فمن عفا عفي عنه، وأن تعفو أقرب للتقوى، فإذا عفا، عفا الله عنه، وإذا أصر إلا أن يخاصم صاحبه في يوم العرض على الله -جل وعلا- لا شك أنه محروم، حرم نفسه وحرم أخاه.

стр. 198

ولا شك أن هذه معصية من المعاصي قد يؤاخذ بها وإن كان من حقوق العباد، وهي أشد من الحقوق، حقوق الله -جل وعلا- لأنها مبنية على المشاحاة، وقد يرضي الله -جل وعلا- خصمه، فيقوم هذا الرضا بمقابل هذه الخصومة، وهذه المظلمة، ويتجاوز الله -جل وعلا- عن الظالم، وإن كانت حقوق العباد في الجملة مبنية على المشاحاة. هل صحيح -يا شيخ- بأن السادة هم سقاة الناس على الحوض؟ جاء في الخبر ما يدل على أن الحوض في أركانه الأربعة الخلفاء الأربعة، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فمن أبغض أبا بكر لن يشرب من قبل أبي بكر، ولن يشرب من قبل عمر، ولن يشرب من قبل عثمان، ولن يشرب من قبل علي؛ لأن ما بينهم من التواد والاتفاق والتطابق في ما يعبر عنه بوجهات النظر يعني همهم واحد، ودينهم واحد، وقدوتهم واحد، ولا يمكن أن يأتي من يسب أبا بكر ويكون أثيراً عند عمر، البتة، ولا يمكن أن يكون أثيراً عند عثمان ولا علي، فهؤلاء الخلفاء الأربعة هم الذين ورد ما ورد من الخبر في أنهم على زوايا الحوض يذودون الناس الذين يحودون عن الجادة، فلا يمكنونهم من الشرب، وأما غيرهم فلم يرد فيه شيء. التكملة في الجزء الثاني.

стр. 199

بقية أسئلة محاضرة كيف تهنأ بشربة من حوض النبي محمد ﷺ ؟ ٢ أقول: لماذا قال عمر ﵁ وأرضاه- عن صلاة التراويح: "نعمة البدعة" والبدعة ما عمل على غير مثالٍ سابق؟ الجواب: عن هذا السؤال مرّ في كلامنا، وأن شيخ الإسلام قال: إنها بدعة لغوية، والشاطبي قال: مجاز، والذي قررناه أن هذا من باب المشاكلة، والمشاكلة كما تحصل في صريح الكلام، كما أوردنا من الآية والبيت، هذا صريح في مشاكلة اللفظ، لكن هناك من المشاكلة ما يرد في تقدير الكلام، وهذا نص عليه علماء البلاغة، يكون الكلام مقدر، كأن قائلاً قال: ابتدعت يا عمر، أو خشي عمر ﵁ أن يقال له: ابتدعت، فقال: نعمت البدعة، وأسلوب المشاكلة معروف في لغة العرب، وجاءت به النصوص، حتى حمل عليه بعض نصوص الصفات، كالمكر والخديعة والاستهزاء و ((إن الله لا يمل حتى تملوا)) قال بعضهم أن هذا من باب المشاكلة، ولا يمكن أن يضاف الملل وينسب إلى الله -جل وعلا-، فالقول بالمشاكلة معروف ومطروق عند أهل العلم. هناك أخت تسأل: تقول: إذا اعتبرت صلاة التراويح من العمل المفتوح، وليس البدعة، فما رأيك بإقامة الموالد مع العلم أن إقامتها لا تمس العبادات بشيء، وأنت تعلم ما صاحب إقامة هذه الموالد من تكفير الناس؟ أولاً: المولد لم يحدث في القرون المفضلة، وكونه أمر عادي هذا ليس بصحيح؛ لأن من يقيمه يرجو به ثواب الله -جل وعلا- ويتعبد به، ولم يسبق له شرعية من كتابٍ ولا سنة، ما فعله النبي ﵊ ولا فعله خيار الأمة من صحابته الكرام الذين هم أحرص الناس على اتباعه، وما وجد إلا بعد القرون المفضلة، وجد في عهد الفاطميين، وأما قبل ذلك فلم يوجد، فعلى كل حال هو بدعة.

стр. 200

وأما ما قيل من تكفير الناس، هذا لم يقل به أحد، المولد بدعة لكن ليست بدعة مكفرة، اللهم إلا إذا صاحبها غلو بالنبي ﵊ يرفعه عن مرتبة العبودية والرسالة إلى مرتبة الربوبية والألوهية كما حصل من بعض من تصدى لمدحه ﵊ النبي ﵊ أعلم الخلق، وأكمل الخلق، وأشرف الخلق، وأخشى الخلق، وأكرمهم على الله، وأعلمهم وأتقاهم وأكرمهم وأشجعهم، هذا لا ينازع فيه أحد، لكن لا يجوز أن يصرف له شيء من حقوق الرب -جل وعلا-، فهو يقول في ما صح عنه: ((إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو)). وقال: ((لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم)) والقائل ممن ينتسب إليه ويزعم أنه يتقرب بمدحه إلى الله -جل وعلا- يقول: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العممِ إذا كان لا يوجد من يلوذ به، أين الله؟ هذا غلو يرفع النبي ﵊ من مرتبته التي وضعه الله فيها بين العبودية والرسالة إلى مقام الربوبية يقول:

стр. 201

فإن من جودك الدنيا وضرّته ا ... جج ومن علومك علم اللوح والقلمِ ماذا أبقى لله -جل وعلا-؟ إذا كانت الدنيا والآخرة من جود النبي ﵊ فماذا أبقى لله -جل وعلا-؟ ومرتبة النبي ﵊ معروفة ومحفوظة في النفوس، وهو أحب إلى المسلم يجب أن يكون أحب إلى المسلم من نفسه، وجاء في الحديث: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)) وهذا في الصحيحين، وفي البخاري من حديث عمر: لأنت أحبّ الناس إليّ إلا من نفسي، فقال: ((بل ومن نفسك يا عمر)) قال: بل أنت أحبّ الناس إليّ من نفسي، قال: ((الآن يا عمر)) هذا شيء، المحبة والمودة والتعظيم والاحترام والإجلال وإنزاله منزلته التي أنزله الله بها، وجاء في أوصافه أنه الأعلم، الأخشع، الأتقى لله -جل وعلا-، هذا لا يعني أننا نصرف له شيئاً من حقوق الرب -جل وعلا-، فالرب له حقوقه، والرسول ﵊ له حقوقه، ولا شك أن من المسلمين بل كثير من المسلمين بل ممن يقيم هذه الموالد ويدعي حب النبي ﵊ في محبته للنبي ﵊ خلل وتقصير شديد؛ لأن مجرد الدعوة، الكلام دعوة، تحتاج إلى برهان، ما البرهان على صدق هذه الدعوة، الاتباع، فإذا ابتدعنا في الدين ما صدقنا في دعوانا، فلا بد أن نتبع ولا نبتدع. يا شيخ وماذا عن أعياد الميلاد، هل تعتبر من البدع المانعة، من الورود على حوض النبي ﵊ والشرب منه؟ أما أعياد الميلاد المعتبرة عند الكفار، فلا شك أن هذه مشابهة لهم، هذه مشابهة لهم، وأمر كما قرر أهل العلم خطير؛ لأن مشابهتهم في الظاهر تدعو إلى مشابهتهم في الباطن، أما كون الإنسان يضع يوماً يحدده في السنة يعود ويتكرر عليه؛ لأنه ولد فيه هو وهذا أيضاً فيه مشابهة وليس من عمل المسلمين، واتخاذ يوم يعود ويتكرر لا شك أنه عيد، وقد نفى النبي ﵊ أن يوجد عيد للمسلمين إلا الأضحى والفطر فقط. وأما كونه يذاد بسبب كونه اتخذ عيداً لميلاده أو لميلاد أبيه أو أمه فهذه مسألة تحتاج إلى نظر، بحسب ما يحتف بهذا العيد وما يزاول فيه من منكرات، وهو في أصله ممنوع.

стр. 202

هناك سائلة تقول: هل تجمل المرأة مثلاً بصبغ الشعر بالميش أو بالتشقير من البدع؟ الأصل في مثل هذه الأمور الإباحة إلا ما ورد في الشرع منعه، فصبغ الشعر بالسواد لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ قال: ((وجنبوه السواد)) وصبغها بما يشبه البشرة، صبغ الشعر بما يشبه البشرة بحيث يقول من يرى هذه المرأة: أنها نامصة أيضاً لا يجوز، أما صبغها من الأصباغ الأخرى إذا سلم وتجرد عن التشبه بالكفار فلا أرى مانعاً منه -إن شاء الله تعالى-. تقول السائلة: جاء في الحديث بأن سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، منهم الذين لا يكتوون، هل الكوي بجميع الصور يعتبر من الأشياء التي تدخل ضمن هذا الكلام، وهل إنسان لو الآن اتبع من الآن النصيحة ولم يهتم بالاكتواء والتطير، هل ممكن أن يرد على حوض النبي ﷺ ؟ بالنسبة لهذه الأمور الذي جاء فيها أنهم يدخلون الجنة بغير حساب، وجاء في الكي ما يدل على أنه مفضول، ولا يدل على أنه محرم، يعني في قوله: ((ولا يكتوون)) هذه مرتبة عليا كون الإنسان يدخل الجنة بغير حساب، مرتبة عليا، ولا يعني أن من اكتوى يعذب، لا، أو لا يرد الحوض، النبي ﵊ كوى، وكون هذا الشخص لا يسترقي، لا يتطير، ولا يكتوي، لا شك أن هذه درجة كمال، بحيث يستحق دخول الجنة بغير حساب، وهذا إذا حقق جميع الأوامر واجتنب النواهي. وبالنسبة لمن فعل بعض هذه الأمور ثم بلغه الخبر فأقلع عنها، فالمرجو أنه يدخل في هذا الوعد، وفي الصحيح عن عمران بن حصين أنه كان يسلم عليه في مرضه، تسلم عليه الملائكة بكلامٍ يسمع، ويرد ﵈ فاكتوى -رضي الله تعالى عنه- فانقطع التسليم، ثم ندم على ذلك فعاد التسليم فدل على أن من أقلع وندم وعزم على أن لا يعود أنه يرجى له أن يدخل في حديث السبعين -إن شاء الله تعالى-. هناك طلب من الأخوات يطلبن فيه أن تختم المجلس بالدعاء؟

стр. 203

أسأل الله -جل وعلا- أن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته، وأن يرفع شأن المسلمين، وأن ينهض بهم عن هذا الحضيض الذي وصلوه بحيث لم يصلوا إليه في عصرٍ من العصور، وذلك بسبب بعدهم عن دينهم والتزامهم به وتمسكهم به؛ لأنه مما يؤسف له أنه يوجد في مواطن العبادة مخالفات كثيرة، وهذه لا شك أنها فيها نوع محادة؛ لأنه إذا اجتمع الأمر والحظر في وقتٍ واحد، الإنسان مأمور بالصلاة لكنه وهو في هذه الصلاة يرتكب محرم، لا شك أن هذه محادة لذلك الأمر، وهو يطوف أيضاً يرتكب محرم، هذه محادة لهذا الأمر، يوجد من يطوف ويرتكب محرمات، يوجد من يتعرض مثلاً للنساء، ويوجد من النساء من هي متبرجة وهي في هذا المكان الذي هو أقدس البقاع، لا شك مثل هذا محادة لهذه العبادة فيخشى من آثار مثل هذه التصرفات في هذه الأماكن، هذه الأماكن الشريفة يجب تعظيمها وتعظيمها من تقوى القلوب، ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [(٣٢) سورة الحج] فلا بد من تعظيم هذه الأماكن وصيانتها عن هذه المخالفات، تجد امرأة متبرجة متطيبة متعطرة، والمرأة إذا خرجت من بيتها متعطرة لعنتها الملائكة -نسأل الله السلامة والعافية-، وأيضاً جاء في النساء اللواتي يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى، جاء الأمر بلعنهن، فالعنوهن فإنهن ملعونات، فلا بد من التستر عند الخروج وجاء في مدح نساء الأنصار لما نزل الحجاب خرجن كالغربان، لا يرى منهن شيء، فعلى المرأة أن تهتم بهذا الأمر، والمجتمع مجتمع نساء الذي نتحدث فيه فعليهن أن يهتممن بذلك، وأن يبذلن الخير لغيرهن، فمن رأت من النساء متبرجة تبذل لها النصيحة وتقول لها: أن هؤلاء النسوة اللاتي يتسترن في الدنيا لا شك أنهن في الآخرة أفضل وأكرم على الله -جل وعلا- من الحور العين، فبذل النصيحة واجب، وإنكار المنكر واجب، وعلى الإنسان أن يهتم لنفسه، وأن يعتني بها، ويسعى إلى خلاصه، ولا يكون إمعة من الناس، الناس لبسوا فنلبس، الناس ركبوا نركب، ليس بصحيح، على الإنسان أن يسعى لخلاص نفسه.

стр. 204

مما يسأل عنه كثيراً في مثل هذا المجال، وفي مثل هذه المناسبة بالنسبة لعورة المرأة عند المرأة، وجد في المناسبات مع الأسف في المناسبات التي في الأعياد وفي الأفراح، في الأعراس وفي غيرها تجاوز كبير من النسوة في هذا الباب، وعورة المرأة عند المرأة كعورتها عند محارمها، فالذي تبديه وتظهره لأبيها أو لأخيها أو لوالد زوجها أو لولد زوجها أو لعمها أو لخالها تبديه للنسوة، تبديه للنساء، في هذه المواقع، فتبدي لهن ما يخرج غالباً، ولا تبدي لها شيئاً مما لا يخرج، هل تبدي المرأة صدرها وظهرها وأعلى السيقان مثلاً، هل تبديه لأخيها؟ لا يمكن ولا يجوز أن تبديه لأخيها؛ لأنه مثار فتنة، وما دام لا يجوز إبداؤه للأخ فلا يجوز إبداؤه للنساء؛ لأن النساء عطفن على المحارم، في آيتي النور والأحزاب، فلا يجوز للمرأة أن تظهر من العورة أكثر من ذلك. علماً بأن الظرف الذي نعيشه نظراً لوجود هذه الوسائل، وسائل الاتصال، وسائل النقل، وسائل التصوير، يعني حدث بسبب ذلك عظائم الأمور، تأتي المرأة على غرةٍ منها وعلى غير قصدٍ سيء، تأتي متبرجة وقد كشفت عن شيءٍ من محاسنها ثم تصور، ثم بعد ذلك يدبلج عليها أشياء ثم تساوم بها، وقد تعرض في مجالات عامة كالانترنت أو غيرها أو في رسائل جوال أو ما أشبه ذلك ثم تساوم بهذه الصورة. فعلى النساء أن يتقين الله -جل وعلا-، وأن يلتزمن بما أوجب الله عليهن. والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 205

قد أفلح من زكاها الشيخ/ عبد الكريم الخضير الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ففي هذا الليلة المباركة، وفي هذا المكان المبارك نلتقي مع إخوة أعزاء فضلاء، يجمعنا بهم الدين والعلم ونية الخير إن شاء الله تعالى. نسأل الله –جل وعلا- أن لا يحرمنا الأجور المرتبة على مثل هذا الاجتماع. عنوان الدرس في إطار قول الله -جل وعلا-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ الموضوع في غاية الأهمية وجدير بالعناية. يقول الله -جل وعلا- بعد أن أقسم أحد عشر قسماً: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [(١ - ٢) سورة الشمس] إلى أن قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [(٩) سورة الشمس] أحد عشر قسماً، ولله -جل وعلا- أن يقسم بما شاء من مخلوقاته لكن ليس للمخلوق أن يقسم بغير الله -جل وعلا- و ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) لكن الله -جل وعلا- يقسم بما شاء من مخلوقاته بياناً لشأن هذا المقسم به. هذه الأقسام وهذه الأيمان الأحد عشر عقبها -جل وعلا- بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [(٩) سورة الشمس] والضمير يعود على النفس، ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [(٧) سورة الشمس] يعود على النفس فجواب القسم عند جمع من أهل العلم، بل جواب هذه الأقسام الأحد عشر في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾، والعادة أن جواب القسم يقترن باللام، والعادة والمطرد في لغة العرب أن جواب القسم يقترن باللام، وأهل العلم خرجوا هذا على أنه لطول الفصل، طول الفصل أغنى عن وجود هذه اللام، فجواب هذه الأقسام ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ ونازع في هذا بعض أهل العلم، ممن له عناية باللغة، كالزمخشري مثلاً، وهذا ليس له أثر، وهذا ليس لعقيدته في هذا أثر وإلا فهو معتزلي.

стр. 206

أقول: جواب هذه الأقسام في هذه السورة العظيمة التي سمعناها من الإمام وفقه الله، قول الله -جل وعلا-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [(٩) سورة الشمس] عند كثير من المفسرين، وأجابوا عن كون الجواب لم يقترن باللام كما هو الأصل وإلا فالأصل لقد أفلح، قالوا: طول الفصل يغني عن هذه اللام، وخالف الزمخشري فقال: إن قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [(٩) سورة الشمس] ليس هو جواب القسم، وإنما جواب القسم ما يفهم من قول الله -جل وعلا-: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ﴾ [(١٤) سورة الشمس] وحينئذ يكون الجواب: والشمس وضحاها إلى نهاية الأقسام الأحد عشر ليدمدمن الله على أهل مكة بشركهم، كما دمدم على قوم صالح ثمود، والجواب هذا مفهوم من سياق قصة الناقة، وقتل قوم صالح لها، ومعاقبتهم بالدمدمة، لكن أهل العلم يولون التزكية، تزكية النفس عناية فائقة، كما جاء في هذه السورة في قول الله -جل وعلا- ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ [(٩) سورة الشمس] والفلاح هو الظفر والفوز بالخير التام في الدنيا والآخرة، ويقول أهل العلم: إنه لا يوجد كلمة يمكن أن يعبر بها بما يجمع خير الدنيا والآخرة مثل كلمة أفلح والفلاح والمفلح، إذا تقرر هذا فتزكية النفس مطلوبة، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [(٩) سورة الشمس] زكاها يعود الضمير على النفس، وفاعل زكّى من أهل العلم من يرى أنه ضمير يعود إلى الله -جل وعلا-، ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [(٧) سورة الشمس] فالذي سواها هو الله -جل وعلا-، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [(٩) سورة الشمس] الله -جل وعلا-، فعلى هذا يكون المفلح من زكى الله نفسه بهدايته إلى الطريق المستقيم، ومن أهل العلم ولعل هذا هو القول الأكثر أن الضمير يعود على صاحب النفس، فيكون المعنى: قد أفلح من زكى نفسه، من زكى نفسه، كيف يكون الفلاح لمن زكى نفسه والله -جل وعلا- يقول: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [(٣٢) سورة النجم]؟ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [(٩) سورة الشمس] المفلح من زكى نفسه، والله نهى عن تزكية النفس، وأهل العلم يحثون على تزكية النفوس من آية سورة الشمس، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [(٩) سورة الشمس] يحثون على تزكية النفوس، وتكلموا

стр. 207

وأفاضوا، لا سيما مثل ابن القيم وابن رجب وغيرهما من أئمة التحقيق هذا الموضوع في غاية الأهمية عندهم، يحثون على تزكية النفس عملاً بهذه الآية، فماذا عن قول الله -جل وعلا-: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [(٣٢) سورة النجم]، ﴿بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء﴾ [(٤٩) سورة النساء]، لا تزكوا أنفسكم يعني لا تمدحوها، لا تمدحوا أنفسكم؛ لأن التزكية هي الثناء والمدح، ومنه تزكية الرواة والشهود، يعني مدحهم، والثناء عليهم بما يستحقون به قبول شهادتهم، وقبول روايتهم، فالشاهد لا بد له من تزكية، لا بد له من يزكيه ممن يعرفه معرفة باطنة، والراوي لا بد له من يزكيه، يقول أهل العلم: . . . . . . . . . ومن ... زكاه عدلان فعدل مؤتمن وصحح اكتفاؤهم بالواحد ... جرحاً وتعديلاً خلاف الشاهد الشاهد لا بد له من اثنين، لكن هناك من استفاض فضله، ونبغ في الناس ذكره، لا يحتاج إلى تزكية، كما قال الحافظ العراقي ﵀: وصححوا استغناء ذي الشهرة ... عن تزكيةٍ كمالك نجم السنن

стр. 208

يعني هل إذا جاء شاهد مثل مالك، أو راوي في سند من أسانيد الحديث نبحث عنه في كتاب الرجال؟ ماذا قالوا عنه؟ ما نحتاج إلى هذا، الاستفاضة والشهرة تكفي في مثل هذا، لكن من جهلت عدالته الباطنة لا بد له من الخبرة، لا بد من أن يشهد له ذو خبرة، المقصود أن معنى التزكية المنهي عنها هي مدح النفس، ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [(٣٢) سورة النجم] النفس تتشرف وتشرأب إلى المدح، فإن وجد من غيرها فرحت به، وإن لم يوجد بعض الناس لا يصبر، إذا لم يمدح مدح نفسه، وهذا من الضعة بمكان عظيم؛ لأن الناس ينفرون من تزكية النفس، الواحد إذا مدح نفسه نفر الناس عنه، ومع ذلك يقدم بعض الناس بكل صفاقة يمدح نفسه، ويثني عليها، ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [(٣٢) سورة النجم] قد يحتاج الإنسان إلى ذكر بعض محاسنه، لاسيما إذا ظُلم، ابن عمر ﵄ لما وصف بالعي قال: "كيف يكون عيياً من في جوفه كتاب الله؟! " ويحتاجون للمدح أحياناً في مقابلة الذم بغير حق، دفاعاً عن النفس، لا لذات النفس، ولا لحظ النفس، إنما ليقبل ما يصدر عن هذه النفس، لو أن عالماً ذُم على الجميع أن يدافع عنه، يدافع عن عرضه، لكن عليه أيضاً أن يبين ما يبطل هذا الذم، ولو كان في فحواه ما يقتضي المدح، ﴿لاَّ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ [(١٤٨) سورة النساء] فمثل هذا لا يدخل في النهي، بعض الناس يحب أن يمدح ويزكى ويثنى عليه، فإن كانت محبته للثناء عليه بما ليس فيه، وما لم يفعله فهو مذموم قولاً واحداً، ﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ﴾ [(١٨٨) سورة آل عمران] أما إذا مدح إذا كان يحب أن يمدح ويثنى عليه بفعله فهذا محل خلاف بين أهل العلم، فمنهم من يطرد، ويقول: حب الثناء مذموم على كل حال، ومنهم من يفهم من آية آل عمران أنه لا يدخل في الذم، وعلى كل حال مدح النفس، ومحبة الثناء والمدح خدش في الإخلاص، وقد تقضي عليه، ولذا يقول الإمام ابن القيم ﵀ في كتاب الفوائد: "إذا حدثتك نفسك بالإخلاص فاعمد إلى حب المدح والثناء

стр. 209

فاذبحه بسكين يقينك وعلمك أنه لا أحد ينفع مدحه أو يضر ذمه إلا الله -جل وعلا-"، كما قال النبي ﷺ لما قال له الأعرابي: "أعطني يا محمد، فإن مدحي زين، وذمي شين" قال: ((ذاك الله)) ما في هناك أحد ينفع مدحه أو يضر ذمه إلا الله -جل وعلا-، ومع الأسف أنه في حال المسلمين الآن على كافة المستويات الفرح بالمدح من الكبير أو الصغير، من الشريف أو الوضيع، فضلاً عن أن يقال لفلان من الناس: إن الملك ذكرك البارحة وأثنى عليك، أو الوزير الفلاني أو الأمير، يمكن ما ينام بعد هذه المدحة فرحاً، مع أنه جاء في الحديث الصحيح: ((من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي)) من الذي يذكر؟ الله -جل وعلا-، الذي ينفع مدحه ويضر ذمه، ((ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه)) فعليكم بالذكر، اذكروا الله يذكركم، هذا بالنسبة لمدح النفس وتزكيتها المنهي عنه.

стр. 210

نأتي إلى التزكية الممدوحة في قوله -جل وعلا-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [(٩) سورة الشمس] وقلنا: إن الفاعل ضمير يعود إلى الله -جل وعلا- من زكى الله نفسه، أو يعود إلى المخلوق الذي سعى في تزكية نفسه، وبذل الأسباب في تزكية النفس، والتزكية: هي التطهير، التطهير والتنمية والزيادة فيما يقرب إلى الله -جل وعلا- بواسطة العلم النافع والعمل الصالح، بهذا تكون التزكية، اشتراط العلم للتزكية؛ لأن الجاهل قد يجتهد في تزكية نفسه فلا يصيب لجهله، والذي لا يعمل عملاً صالحاً، أو يعمل عملاً غير صالح، هذا لا يستفيد، ولا بد من العلم النافع مع الإخلاص لله -جل وعلا-، والاعتماد كلياً على نصوص الوحيين، فهما السبيل إلى تحصيل العلم النافع، ويتبع ذلك ما يعين على فهم نصوص الوحيين مما كتبه أهل العلم أهل التحقيق من العلماء في فهم الكتاب والسنة، العمل الصالح الذي يتحقق فيه الشرطان: الإخلاص لله -جل وعلا-: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [(٥) سورة البينة] والمتابعة للنبي-﵊، المتابعة للنبي ﵊، فلا تزكية ولا زكاة للنفس إلا عن طريق الرسل، لا يمكن أن يجتهد الإنسان ليوجد سبيل لتزكية نفسه من غير طريق الرسول ﵊، عند بعض الطرقية وبعض الصوفية عندهم طرق يربون بها المريدين، لا يعتمدون فيها على نصوص الكتاب والسنة، فمثلاً شيخ طريقة جاءه مريد وقت صلاة الجمعة، فحان وقت الصلاة ولم يخرجا إلى المسجد، فلما نوقش وعوتب، قال: فقهاؤكم يقولون: إذا خشي الإنسان على ضياع ماله يترك الجمعة والجماعة، وأنا أخشى على ضياع قلب هذا المريد، هل في هذا اتباع للرسول ﵊؟ ومن ترك ثلاث جمع طبع الله على قلبه، وأهل العلم يقولون: إن ترك الجمعة من باب تيسير العسرى، النار نسأل الله العافية، على كل حال لا بد من العلم النافع والعمل الصالح، طيب عوام المسلمين ما نصيبهم من هذه التزكية؟ نصيبهم وفرضهم سؤال أهل العلم، ما الطريقة؟ ما الوسيلة؟ يناقش ويسأل أهل العلم فيدلونه على الطريق، ممن لم يتيسر له طلب العلم بنفسه وشغلته الشواغل، أو لم يتذكر، أو

стр. 211

لم يلتفت إلى العلم إلا بعد كبر سنه، والله -جل وعلا- يقول: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [(٤٣) سورة النحل] تتم التزكية بالعلم النافع، بنصوص الكتاب والسنة، العمل الصالح، بعمل القلب، عمل الجوارح، عمل اللسان، الذي تحققت فيه الشروط، شروط القبول: الإخلاص والمتابعة، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [(٢) سورة الملك] يقول الفضيل بن عياض: "أحسن عملاً: أخلصه وأصوبه" قيل: يا أبا علي ما أخلصه وما أصوبه؟ قال: "إن العمل إذا لم يكن خالصاً لله -جل وعلا- لم يقبل، وإذا لم يكن صواباً على سنة النبي ﵊ لم يقبل"، فهذان الشرطان لا بد منهما في كل عبادة، وعلى رأس هذه العبادات الإيمان بالله -جل وعلا- بشروطه المذكورة في حديث جبريل، لا بد من الإيمان، ولا بد من تحقيق التوحيد، لا بد من تحقيق التوحيد، وتنقية التوحيد من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، لا بد من هذا؛ ليتم الأمن في الدنيا والآخرة؛ ليتحقق الأمن في الدنيا والآخرة، ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [(٥٥) سورة النور]، ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [(٨٢) سورة الأنعام] فلا بد من تحقيق التوحيد وتخليصه وتنقيته من شوائب

стр. 212

الشرك والبدع والمعاصي، وكل ما يخص التوحيد، ولا بد من أن يكون الإيمان كاملاً، أو يقرب من الكمال بقدر الاستطاعة، فيحرص على أن يؤمن بالله -جل وعلا-، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، ويحقق الإيمان من خلال هذه الأركان الستة، ولا يأتي بما يضعف هذا الإيمان، بل يأتي بما يقوي الإيمان في القلب، وهي الأعمال الصالحة، الأعمال الصالحة هي التي تقوي الإيمان بالقلب، وهي التي تزكي النفس، والذي يضعف الإيمان بالقلب لا شك أنه هو المعاصي، وعلى رأسها الشرك، الذي يقضي على الإيمان بالكلية ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [(٦٥) سورة الزمر] مما يقوي الإيمان النظر في آيات الله الكونية والشرعية، النظر في آيات الله الكونية والشرعية، وأيضاً الأعمال الصالحة، وترك المعاصي، ففعل المأمورات، وترك المحظورات مما يقوي الإيمان في القلب، التزكية بالإيمان الخالص لله -جل وعلا- بالتوحيد المحقق على ضوء ما جاء عن الله وعن رسوله ﵊، والبعد عن ما يخدش هذا الإيمان وهذا التوحيد من بدع ومعاصي، التزكية تكون بهذا مع الأعمال الصالحة التي أوجبها الله -جل وعلا- على عباده، كالصلاة التي هي الركن الثاني من أركان الإسلام، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾ [(٤٥) سورة العنكبوت] و ((الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينها إذا اجتنبت الكبائر)) فهذه الصلاة إذا أديت على الوجه المطلوب، وأقيمت على ضوء ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وبهذا يندفع سؤال يلقيه كثير من الناس، يقول نرى الشخص يصلي، يصلي وهو مواظب على الصلاة، لكنه مع ذلك صلاته ما نهته عن فحشاء ولا منكر، يزاول منكرات، ويترك واجبات، نقول: هذه الصلاة ليست هي الصلاة التي يمتثل فيها قوله ﵊: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) وهذه الصلاة إن كفرت نفسها كما قال شيخ الإسلام يكفي؛ لأن من المصلين من يخرج بدون أجر، ومنهم من يخرج بعشر الأجر، ومنهم من يخرج من الأجر بالخمس أو الربع أو النصف، ومنهم من يخرج بأكثر من ذلك، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، لكن العبد لا بد أن

стр. 213

يبذل، لا بد أن يري الله من نفسه خيراً، ويصدق في بذله، وإذا علم الله -جل وعلا- منه صدق النية أعانه، وإلا فكثير من الناس يقول: حاولنا جاهدين أن نخلص في صلاتنا ونستحضر ونخشع، لكن لم نستطع، الإنسان يدخل المسجد ويخرج منه كأنه قد دخل أي مكان فيه اجتماع كقصر أفراح أو مدرسة أو ما أشبه ذلك، لا فرق، ويخرج من صلاته كما دخل، ويرجع إلى ما كان يزاوله قبل صلاته، نقول: هذه الصلاة لا بد فيها من مراجعة النفس، تراجع نفسك ما الخلل الذي تطرق إلى صلاتك، بحيث لم تترتب عليه آثارها؟ قد يقول قائل: صلوات الناس بهذه الكيفية صحيحة وإلا باطلة؟ الله -جل وعلا- يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [(٢٧) سورة المائدة] والذي لا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر يزاول المنكرات، يترك واجبات هذا ليس من المتقين، والحصر في القبول إنما هو من المتقين، فهل يقال: بأن الفساق تجب عليهم إعادة صلواتهم؟ ما قال بهذا أحد من أهل العلم، فصلواتهم صحيحة، لكن القبول المرتب على هذه الصلاة، ونفي القبول بالنسبة للمتقي القبول ونفيه عن غيره؛ لأن الأسلوب أسلوب حصر ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [(٢٧) سورة المائدة] مفهومه أن الفساق لا يتقبل الله منهم، والمراد بهذا نفي الثواب المرتب على هذه العبادة، ليخرج منها بغير شيء، أو بالعشر أو بأقل أو أكثر، فينتبه الإنسان لمثل هذا الأمر، بعض الناس يقول: حاولت هذا شيء نجده من أنفسنا، يحاول الإنسان أن يستحضر، يحاول والشيطان ينازعه في صلاته، فلا يستطيع أن يتغلب على الشيطان؛ لأسباب بدت منه هو، هو زاول أشياء حالت دونه ودون تحقيق هذا الإقبال على الله -جلا وعلا-، تجده يحضر إلى المسجد من مكان فيه شبهة، أو ينظر إلى أمور لا يجوز النظر إليها، أو يتكلم في أشياء لا يجوز الكلام فيها، فعلى الإنسان أن يحفظ نفسه، وهذه من أعظم وسائل التزكية، يحفظ نفسه من فضول الكلام، من فضول النظر، من فضول الأكل، من فضول الخلطة، من إيش؟ من فضول الكلام، ومع الأسف أن وظيفة كثير من الناس الآن القيل والقال، لاسيما بعد وجود هذه الفتن، التي ماجت بالناس وماجوا بها، تجد مجالسهم معمورة بقال فلان وذكر

стр. 214

فلان، وحلل فلان، والإذاعة الفلانية قالت كذا، والقناة قالت كذا، فضول، هذا إذا سلم من المحرم، تجده فاكهته الكلام في الناس، فلان كذا وفلان كذا وفلان قصير وفلان طويل فلان أسمر فلان أبيض، ويقدح في فلان وعلان لأدنى مناسبة، وتجد لسانه على كتفه كما يقال، يقع في كافة الناس، أخيارهم وغير الأخيار، وتجد مثل هذا النوع -وهذا أمر مجرب- الذي وظيفته القيل والقال لا يستطيع أن يملك لسانه في المواطن التي جاء الحث فيها على حفظ اللسان، وتجده لا يطيق الجلوس مع الأخيار الذين يحفظون أنفسهم من القيل والقال، تجد أثقل مجلس عنده شخص فيه عنده تحري بحيث يحسب حسابه لو تكلم في شخص قال له هذا الشخص المتحري: اتق الله ترى هذه غيبة، والغيبة محرمة، هذه ثقيلة على النفس، فتجده يكره الأخيار من أجل هذا، وينبسط لمن على شاكلته ممن وظيفته القيل والقال، والرسول ﵊ يقول: ((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) الحج أربعة أيام، يعني في وقتها ما يزيد عن أربعة أيام، ومع ذلك لا يستطيع من هذا ديدنه أن يحفظ نفسه هذه الأيام الأربعة، ما يستطيع ولا يوفق؛ لأنه ما تعرف على الله في الرخاء، أيام الرخاء ما تعرف على الله ليعرف في الشدة، وتجد من هذا شأنه وهذا ديدنه ترد عليه المواسم العشر الأواخر من رمضان، وعشر ذي الحجة، ويوم عرفة، والمواسم الفاضلة التي تضاعف فيها الأجور، ويريد أن يحفظ نفسه، ويجتمع قلبه على كتاب الله -جل وعلا- مثلاً، ثم بعد ذلك لا يستطيع، لا يستطيع، يفتح المصحف تجده يترك مصالحه في بلده ويأتي إلى أقدس البقاع، ويجلس من صلاة العصر إلى غروب الشمس ينتظر الإفطار في المسجد الحرام، وبيده المصحف ثم بعد ذلك ينظر في المصحف دقيقتين، ثلاث، خمس، ثم يلتفت يميناً وشمالاً عله أن يجد أحد قادم ولا رايح ولا غادي ممن يعرفه ليتحدث معه كما كان ذلك ديدنه في حال الرخاء، التفت يميناً وشمالاً ثم بعد ذلك فتح المصحف ثانية وهكذا، فإن لم يجد أحد ذهب هو يبحث عن الناس، فمثل هذا لا يعان على اغتنام هذه الأوقات، وإذا قيل له: إن السلف يختمون كل ليلة في العشر الأواخر، قال: هذا خيال، ما يمكن، مستحيل، كيف؟ لأنه يقيس

стр. 215

الناس على نفسه، فعلينا أن نحرص على حسم هذه المادة، وألا نتكلم إلا بعد محاسبة للنفس، هل هذه الكلمة أو هذا الكلام ينفعني يوم القيامة حين ألقى الله -جل وعلا- أو يضرني؟ إن كان ينفع فأقدم، وإن كان يضر فأحجم، وإن كان لا هذا ولا هذا، فمن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، ويدخل في الكلام الكتابة، يعني بعض الناس مغرم بالكتابة، ويكتب كثير، فلا تكتب إلا ما ينفعك يوم القيامة. فلا تكتب بكفك غير شيءٍ ... يسرك في القيامة أن تراه
следующие страницы →