Полный текст (1 191 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
لم يلتفت إلى العلم إلا بعد كبر سنه، والله -جل وعلا- يقول: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [(٤٣) سورة النحل] تتم التزكية بالعلم النافع، بنصوص الكتاب والسنة، العمل الصالح، بعمل القلب، عمل الجوارح، عمل اللسان، الذي تحققت فيه الشروط، شروط القبول: الإخلاص والمتابعة، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [(٢) سورة الملك] يقول الفضيل بن عياض: "أحسن عملاً: أخلصه وأصوبه" قيل: يا أبا علي ما أخلصه وما أصوبه؟ قال: "إن العمل إذا لم يكن خالصاً لله -جل وعلا- لم يقبل، وإذا لم يكن صواباً على سنة النبي ﵊ لم يقبل"، فهذان الشرطان لا بد منهما في كل عبادة، وعلى رأس هذه العبادات الإيمان بالله -جل وعلا- بشروطه المذكورة في حديث جبريل، لا بد من الإيمان، ولا بد من تحقيق التوحيد، لا بد من تحقيق التوحيد، وتنقية التوحيد من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، لا بد من هذا؛ ليتم الأمن في الدنيا والآخرة؛ ليتحقق الأمن في الدنيا والآخرة، ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [(٥٥) سورة النور]، ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [(٨٢) سورة الأنعام] فلا بد من تحقيق التوحيد وتخليصه وتنقيته من شوائب
стр. 212
الشرك والبدع والمعاصي، وكل ما يخص التوحيد، ولا بد من أن يكون الإيمان كاملاً، أو يقرب من الكمال بقدر الاستطاعة، فيحرص على أن يؤمن بالله -جل وعلا-، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، ويحقق الإيمان من خلال هذه الأركان الستة، ولا يأتي بما يضعف هذا الإيمان، بل يأتي بما يقوي الإيمان في القلب، وهي الأعمال الصالحة، الأعمال الصالحة هي التي تقوي الإيمان بالقلب، وهي التي تزكي النفس، والذي يضعف الإيمان بالقلب لا شك أنه هو المعاصي، وعلى رأسها الشرك، الذي يقضي على الإيمان بالكلية ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [(٦٥) سورة الزمر] مما يقوي الإيمان النظر في آيات الله الكونية والشرعية، النظر في آيات الله الكونية والشرعية، وأيضاً الأعمال الصالحة، وترك المعاصي، ففعل المأمورات، وترك المحظورات مما يقوي الإيمان في القلب، التزكية بالإيمان الخالص لله -جل وعلا- بالتوحيد المحقق على ضوء ما جاء عن الله وعن رسوله ﵊، والبعد عن ما يخدش هذا الإيمان وهذا التوحيد من بدع ومعاصي، التزكية تكون بهذا مع الأعمال الصالحة التي أوجبها الله -جل وعلا- على عباده، كالصلاة التي هي الركن الثاني من أركان الإسلام، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾ [(٤٥) سورة العنكبوت] و ((الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينها إذا اجتنبت الكبائر)) فهذه الصلاة إذا أديت على الوجه المطلوب، وأقيمت على ضوء ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وبهذا يندفع سؤال يلقيه كثير من الناس، يقول نرى الشخص يصلي، يصلي وهو مواظب على الصلاة، لكنه مع ذلك صلاته ما نهته عن فحشاء ولا منكر، يزاول منكرات، ويترك واجبات، نقول: هذه الصلاة ليست هي الصلاة التي يمتثل فيها قوله ﵊: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) وهذه الصلاة إن كفرت نفسها كما قال شيخ الإسلام يكفي؛ لأن من المصلين من يخرج بدون أجر، ومنهم من يخرج بعشر الأجر، ومنهم من يخرج من الأجر بالخمس أو الربع أو النصف، ومنهم من يخرج بأكثر من ذلك، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، لكن العبد لا بد أن
стр. 213
يبذل، لا بد أن يري الله من نفسه خيراً، ويصدق في بذله، وإذا علم الله -جل وعلا- منه صدق النية أعانه، وإلا فكثير من الناس يقول: حاولنا جاهدين أن نخلص في صلاتنا ونستحضر ونخشع، لكن لم نستطع، الإنسان يدخل المسجد ويخرج منه كأنه قد دخل أي مكان فيه اجتماع كقصر أفراح أو مدرسة أو ما أشبه ذلك، لا فرق، ويخرج من صلاته كما دخل، ويرجع إلى ما كان يزاوله قبل صلاته، نقول: هذه الصلاة لا بد فيها من مراجعة النفس، تراجع نفسك ما الخلل الذي تطرق إلى صلاتك، بحيث لم تترتب عليه آثارها؟ قد يقول قائل: صلوات الناس بهذه الكيفية صحيحة وإلا باطلة؟ الله -جل وعلا- يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [(٢٧) سورة المائدة] والذي لا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر يزاول المنكرات، يترك واجبات هذا ليس من المتقين، والحصر في القبول إنما هو من المتقين، فهل يقال: بأن الفساق تجب عليهم إعادة صلواتهم؟ ما قال بهذا أحد من أهل العلم، فصلواتهم صحيحة، لكن القبول المرتب على هذه الصلاة، ونفي القبول بالنسبة للمتقي القبول ونفيه عن غيره؛ لأن الأسلوب أسلوب حصر ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [(٢٧) سورة المائدة] مفهومه أن الفساق لا يتقبل الله منهم، والمراد بهذا نفي الثواب المرتب على هذه العبادة، ليخرج منها بغير شيء، أو بالعشر أو بأقل أو أكثر، فينتبه الإنسان لمثل هذا الأمر، بعض الناس يقول: حاولت هذا شيء نجده من أنفسنا، يحاول الإنسان أن يستحضر، يحاول والشيطان ينازعه في صلاته، فلا يستطيع أن يتغلب على الشيطان؛ لأسباب بدت منه هو، هو زاول أشياء حالت دونه ودون تحقيق هذا الإقبال على الله -جلا وعلا-، تجده يحضر إلى المسجد من مكان فيه شبهة، أو ينظر إلى أمور لا يجوز النظر إليها، أو يتكلم في أشياء لا يجوز الكلام فيها، فعلى الإنسان أن يحفظ نفسه، وهذه من أعظم وسائل التزكية، يحفظ نفسه من فضول الكلام، من فضول النظر، من فضول الأكل، من فضول الخلطة، من إيش؟ من فضول الكلام، ومع الأسف أن وظيفة كثير من الناس الآن القيل والقال، لاسيما بعد وجود هذه الفتن، التي ماجت بالناس وماجوا بها، تجد مجالسهم معمورة بقال فلان وذكر
стр. 214
فلان، وحلل فلان، والإذاعة الفلانية قالت كذا، والقناة قالت كذا، فضول، هذا إذا سلم من المحرم، تجده فاكهته الكلام في الناس، فلان كذا وفلان كذا وفلان قصير وفلان طويل فلان أسمر فلان أبيض، ويقدح في فلان وعلان لأدنى مناسبة، وتجد لسانه على كتفه كما يقال، يقع في كافة الناس، أخيارهم وغير الأخيار، وتجد مثل هذا النوع -وهذا أمر مجرب- الذي وظيفته القيل والقال لا يستطيع أن يملك لسانه في المواطن التي جاء الحث فيها على حفظ اللسان، وتجده لا يطيق الجلوس مع الأخيار الذين يحفظون أنفسهم من القيل والقال، تجد أثقل مجلس عنده شخص فيه عنده تحري بحيث يحسب حسابه لو تكلم في شخص قال له هذا الشخص المتحري: اتق الله ترى هذه غيبة، والغيبة محرمة، هذه ثقيلة على النفس، فتجده يكره الأخيار من أجل هذا، وينبسط لمن على شاكلته ممن وظيفته القيل والقال، والرسول ﵊ يقول: ((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) الحج أربعة أيام، يعني في وقتها ما يزيد عن أربعة أيام، ومع ذلك لا يستطيع من هذا ديدنه أن يحفظ نفسه هذه الأيام الأربعة، ما يستطيع ولا يوفق؛ لأنه ما تعرف على الله في الرخاء، أيام الرخاء ما تعرف على الله ليعرف في الشدة، وتجد من هذا شأنه وهذا ديدنه ترد عليه المواسم العشر الأواخر من رمضان، وعشر ذي الحجة، ويوم عرفة، والمواسم الفاضلة التي تضاعف فيها الأجور، ويريد أن يحفظ نفسه، ويجتمع قلبه على كتاب الله -جل وعلا- مثلاً، ثم بعد ذلك لا يستطيع، لا يستطيع، يفتح المصحف تجده يترك مصالحه في بلده ويأتي إلى أقدس البقاع، ويجلس من صلاة العصر إلى غروب الشمس ينتظر الإفطار في المسجد الحرام، وبيده المصحف ثم بعد ذلك ينظر في المصحف دقيقتين، ثلاث، خمس، ثم يلتفت يميناً وشمالاً عله أن يجد أحد قادم ولا رايح ولا غادي ممن يعرفه ليتحدث معه كما كان ذلك ديدنه في حال الرخاء، التفت يميناً وشمالاً ثم بعد ذلك فتح المصحف ثانية وهكذا، فإن لم يجد أحد ذهب هو يبحث عن الناس، فمثل هذا لا يعان على اغتنام هذه الأوقات، وإذا قيل له: إن السلف يختمون كل ليلة في العشر الأواخر، قال: هذا خيال، ما يمكن، مستحيل، كيف؟ لأنه يقيس
стр. 215
الناس على نفسه، فعلينا أن نحرص على حسم هذه المادة، وألا نتكلم إلا بعد محاسبة للنفس، هل هذه الكلمة أو هذا الكلام ينفعني يوم القيامة حين ألقى الله -جل وعلا- أو يضرني؟ إن كان ينفع فأقدم، وإن كان يضر فأحجم، وإن كان لا هذا ولا هذا، فمن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، ويدخل في الكلام الكتابة، يعني بعض الناس مغرم بالكتابة، ويكتب كثير، فلا تكتب إلا ما ينفعك يوم القيامة.
فلا تكتب بكفك غير شيءٍ ... يسرك في القيامة أن تراه
стр. 216
فهذه فضول الكلام لا بد من حسمها، فضول النظر، النظر والبصر نعمة من نعم الله -جلا وعلا- لا يعرفها إلا من فقدها، نعمة، لكنها إذا استغلت بما لا يرضي الله -جل وعلا- صارت نقمة، صارت نقمة، وهذه النعم لا بد من شكرها، واستعمالها فيما يرضي الله -جل وعلا-، عنده بصر يستعمله في قراءة القرآن، يستعمله في قراءة العلم، يستعمله في مصالحه في دنياه، التي يتخذ منها طريقاً وسبيلاً إلى الجنة، لكن إن استعمله فيما حرم الله عليهم كالنظر إلى ما لا يجوز النظر إليه، سواء كان ذلك نظراً مباشراً، أو بواسطة آلات أو قنوات، أو صور أو مجلات، أو ما أشبه ذلك، كل هذا كل هذا يحرم عليه النظر فيه، فهذه النعمة انقلبت بالنسبة له نقمة، نسأل الله العافية، وأيضاً السمع من أعظم النعم من نعم المولى -جل وعلا- على الإنسان، بل فضله جمهور أهل العلم على البصر، فإذا كان السمع بهذه المثابة فلا بد أن يؤدى شكر هذه النعمة، فلا يصنع فيه إلا ما يرضي الله -جل وعلا-، والحذر الحذر من سماع ما يحرم سماعه، والآن الأبواب مفتوحة لرؤية وسماع ما يحرم إلى الشرك الأكبر، دخل في بيوت الناس وعامتهم، قنوات السحر الآن تشاهد في بيوت عوام المسلمين، وتسمع، والله المستعان، شر مستطير لا بد من أن يقف المسلم منه وقفة حازمة، ويقي نفسه، ومن ولاه الله عليه ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [(٦) سورة التحريم] لا بد من هذا، ثم إذا تيسر له أن يتعدى هذا النفع خارج بيته إلى جاره إلى أخيه إلى قريبه إلى الأمة بكاملها فلا يحرم نفسه؛ لأن هذا الغزو خطير جداً، يعني عاش الناس مدة، سنوات، وقد غزو في قعر بيوتهم بالشهوات، القنوات الماجنة غزت بلاد المسلمين بالشهوات، ثم بعد ذلك بالشبهات التي تزلزل العقائد، ثم بعد ذلك بالشرك الأكبر، نسأل الله السلامة والعافية، كيف يزكي نفسه من أتاح الفرصة لمن ولاه الله عليه بمشاهدة هذه الأمور، والنفس تنازع مادام هذا موجود فالصراع قوي، وشخص سكن في شقة في بلد ما فيها القنوات كلها فأراد أن ينظر إلى الأخبار بحث عن المجد ما استطاع أن يصل إليها، فوجد في أخبار الجزيرة فإذا التي تلقي الأخبار امرأة، جاء
стр. 217
بالشرشف -الغطاء غطاء النوم- وغطا به الآلة؛ لئلا يرى المرأة، هذا أول مرة، المرة الثانية نازعته نفسه إلى أن كشف الغطاء، فمن العصمة أن لا يقدر الإنسان على هذه الأمور، من العصمة أن يحسم الإنسان مادة هذه الأمور بالكلية، ويستغني بما ينفعه، أما أن يجعل هذه الأمور في متناول يده ويد من ولاه الله عليه ممن لا يدرك المصلحة، كثير من النساء لا يدركن المصلحة، كثير من البنين والبنات لا يدركون المصلحة من المفسدة، ثم بعد ذلك يلوم القناة، أو يلوم من تسبب في هذا، هو أنت المتسبب.
ألقاه في اليم مكتوفاً ثم قال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء
شاب أو شابة، مراهق أو مراهقة تترك لهم هذه الفرصة، ولا حسيب ولا رقيب، ثم تقول: والله أريد صلاحهم، ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [(٧٤) سورة الفرقان] كيف يجاب مثل هذا الدعاء وأنت تركت لهم أسباب ووسائل الفساد، ويسرتها لهم؟ كيف يقول الولد: ﴿رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [(٢٤) سورة الإسراء] وأنت تركت لهم أسباب ووسائل الفساد ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ كيف ربيتهم أنت؟ إن ربيتهم على الخير والفضل، وحب الخير وأهله، والعلم النافع والعمل الصالح أبشر؛ لأنك ربيتهم على مراد الله -جل وعلا-، لكن إن ربيتهم على خلاف ذلك فلا تتوقع هذه النتيجة، إلا برحمة أرحم الراحمين.
стр. 218
المقصود أن فضول الكلام، وفضول النظر، وفضول السمع، وفضول الحواس كلها التي لا تنفع في يوم القيامة على مريد التزكية للنفس أن يحسم مادتها، طيب إذا منع الإنسان من فضول الكلام فما البديل؟ يصمت؟ يعني يتكلم بما ينفع جملة جملتين ويصمت؟ لا الباب مفتوح، اللسان له وظائف، ((اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأهله)) ولك بكل حرف عشر حسنات، يقول الرسول ﵊: ((لا أقول: (ألم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)) والختمة الواحدة لا تكلف الإنسان، ما يحتاج إلى حمل أثقال، ولا جلوس في شمس، ولا في مكان مخوف ولا شيء، في روضة المسجد يستند على مثل هذا بعد صلاة الصبح لمدة ساعة، ويقرأ القرآن في سبع، كما قال الرسول لابن عمرو: ((اقرأ القرآن في سبع ولا تزد)) إلى أن تنتشر الشمس، وبهذا يحصل في كل أسبوع على ثلاثة ملايين حسنة، ولا خوف من مؤشر ولا غيره، هذه الثلاثة ملايين مضبوطة ومحفوظة في سجل لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، اللهم إلا إذا أنت تسببت في تضييعه هذا شيء يعود إليك، فالمفلس من يأتي بأعمال أمثال الجبال من صلاة وصيام وحج وزكاة وبر واجتهاد، ثم بعد ذلك يأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا، وأخذ مال هذا، فهذا يأخذ من حسناته، وهذا من حسناته، ختمة لفلان، وختمة لفلان، وهكذا، وفي الغالب أن من ينشغل بهذه المنكرات لا يوفق لقراءة القرآن، لاسيما على الوجه المأمور به، فما تودعه في سجلك وصحائف أعمالك مضبوط، ولا خوف عليه، لا من لص، ولا من هامور يلعب بالسلوك، ما فيه، مضبوط، متقن، يعني إذا كان الناس في أموالهم يتذرعون بأنه ضحك عليهم، هذه الأجور مضبوطة، ما أحد يتصرف فيها، ولا يتحكم، ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [(٤٩) سورة الكهف] حاضر تقلب الصفحات ووجهك مشرق، نسأل الله من فضله، المقصود أن قراءة القرآن من تزكية النفس، والذي يفعل ما أمر به من قراءة القرآن على الوجه المأمور به بالتدبر والترتيل، لا شك أن هذا من أعظم وسائل تقوية الإيمان، كما قال شيخ الإسلام بن تيمية ﵀: "قراءة القرآن على الوجه المأمور به تورث القلب من الإيمان والعلم واليقين والطمأنينة ما لا يدركه
стр. 219
شيء، أو لا يحصل بشيء آخر البتة، ولا يدركه إلا من جربه وعاناه"، ويقول ابن القيم ﵀:
فتدبر القرآن إن رمت الهدى ... فالعلم تحت تدبر القرآنِ
أيضاً الذكر ((لا يزال لسانك رطباً بذكر الله)) جالس في أي مكان كان، أثقل ما على الناس الانتظار، جلست تنتظر في مكان ما، في مستوصف، وإلا في بيتك تنتظر زميل لك، وإلا أحداً بيطرق الباب عليك، تأخر، تضيق بك الدنيا ذرعاً، الناس جبلوا على هذا، لكن من استغل وقته بذكر الله، وأنس بالله -جل وعلا- ما يضيق صدره، يتمنى أن لو تأخر الدور؛ لأنه لو قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر الباقيات الصالحات، غراس الجنة، كما جاء في الحديث الصحيح أن إبراهيم ﵇ قال: ((يا محمد أقرئ أمتك السلام، وأخبرهم أن الجنة قيعان، وغراسها التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير)) أمور أمور لا تكلف الإنسان شيئاً، سبحان الله وبحمده مائة مرة تقال في دقيقة ونصف ((من قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر)) والحديث متفق عليه، لا أحد يقول: والله ثواب عظيم على أمر يسير، لا، فضل الله يؤتيه من يشاء، والله يضاعف لمن يشاء، إلى سبعمائة ضعف، يعني قد يقول الإنسان: هذه أمور لا يتخيلها عقل، لكن فضل الله أعظم، قالوا: إذاً نكثر! قال: ((الله أكثر)) يعني إذا كان آخر من يدخل الجنة، يعني يخرج من النار ويدخل الجنة، فيقال له: تمنّ، تضيق به الأماني، فيقال له: أتريد ملك أعظم ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: إي يا رب، فيقال: لك مثله ومثله ومثله إلى عشرة أمثاله، هذا آخر من يدخل الجنة، يخرج من النار ويدخل الجنة، فكيف بالسابقين المسارعين إلى الخيرات، لكن على الإنسان أن يعمل وأن يبذل، وأن يكون على الجادة؛ لأن العمل لا يرفع إذا حاد عن الجادة يميناً وشمالاً، لا بد من المتابعة للرسول ﵊، ولا بد من الإخلاص لله -جل وعلا-، والعلم بغير هذين الشرطين باطل، لا قيمة له.
стр. 220
فضول الأكل أيضاً عائق عن الطريق الموصل إلى الجنة، من العوائق؛ لأن الإنسان إذا أكل كثيراً نام كثيراً، وأصيب بالبطنة، ولا شك أن البطنة تورث كما قال أهل العلم عدم الفطنة، يكسل ويخمل ويتبلد وتجتمع وتتراكم الدهون في مجاريه وعلى قلبه، مثل هذا يصعب عليه أن يشمر لطاعة الله ، فإذا أكل كثيراً نام عن قيام الليل، وقد ينام عن صلاة الصبح، وقد يصاب بأمراض تعوقه عن الأعمال الصالحة، وقد يدفعه نهمه إلى أن يطلب الطعام من غير حله، وكل هذه الأمور لا شك أنها عائق عن تزكية النفس.
стр. 221
فضول الخلطة الإنسان لا بد له من أن يجتمع بغيره، لا بد أن يجتمع بغيره؛ لأنه كما قال ابن القيم وابن خلدون وغيرهما: "الإنسان مدني بالطبع، وحاجته بيد غيره" قد تكون حاجته بيد غيره، وحاجة غيره بيده، فيحتاج إلى أن يجتمع بفلان وفلان، فهذه الخلطة يحرص الإنسان بقدر الإمكان على تقليلها إلا بقدر الحاجة، وما أوتي كثير من طلبة العلم إلا من قبل هذه الخلطة، تجده إذا صلى العشاء ينظر من بيجينا؟ من بنروح له؟ فقط ما له هم إلا هذا، ثم ينتظر فلان أو يذهب إلى فلان وتذهب عليه الساعات الطوال، ويسهرون الليل كله فإذا حاول مع نفسه وجاهد نفسه للوتر قد يغلبها فيوتر بشيء يسير، لا يحضر فيه قلب، وقد تغلبه، وهذا سببه الخلطة، والخلطة هي سبب القيل والقال، فليقلل الإنسان الخلطة، ومسألة الخلطة والعزلة مسألة اهتم بها أهل العلم، وألفوا فيها الكتب، من خير ما ألف (العزلة) لأبي سليمان الخطابي، من علماء القرن الرابع (٣٨٨) تقريباً توفي، ذكر فيها النصوص التي تحث على العزلة ((يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال يفر بدينه من الفتن))، وجاء أيضاً الأمر بالخلطة، والتحذير من ترك الجمع والجماعات، والحث على نفع الناس، ولذا الإنسان في هذا الباب إما أن يكون مؤثراً في غيره غير متأثر، أو العكس، فإن كان ممن يؤثر في الناس ولا يتأثر بما عندهم من مخالفات فهذا يتعين في حقه الخلطة، وإن كان ممن يتأثر بما عند الناس من مخالفات ولا يستطيع أن يؤثر فيهم خيراً، فإن مثل هذا يتعين في حقه العزلة، وعلى نصوص العزلة يتنزل حال مثل هذا، بعض الناس يؤثر ويتأثر، ينفع فلان وينتفع به فلان، وعنده شيء من البذل والنفع المتعدي، ومع ذلك قابل للتأثير، يتأثر، نقول: هذا بحسب ما يغلب عليه من طبعه، مع مجاهدة نفسه بعدم التأثر، مثل هذا إذا غلب على ظنه التأثير وتأثره يسير فإنه يجاهد هذا اليسير، ويخالط الناس، أما إذا كان تأثره كثير وتأثيره أقل فمثل هذا العزلة علاجه؛ لأن درء المفاسد عند أهل العلم مقدم على جلب المصالح، وألزم ما على الإنسان وأهم وأولى ما يعنى به الإنسان إصلاح نفسه؛ لأن بعض الناس يكون مثل السراج يضيء للناس، لكنه يحرق نفسه، فإصلاح النفس
стр. 222
أولى من إصلاح الغير، والله المستعان.
ذكرنا أن من أعظم وسائل تحصيل التزكية للنفس الإيمان الخالص لله -جل وعلا-، والتوحيد المحقق المخلص عن شوائب الشرك والبدع والمعاصي، ثم بعد ذلك ذكرنا الصلاة، وما يترتب عليها من تزكية النفس، والنهي عن الفحشاء والمنكر، والزكاة أيضاً التي نص فيها على التزكية، واسمها مأخوذ منها زكاة المال، ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [(١٠٣) سورة التوبة]، وكذلك الصيام الذي غايته التقوى، تحقيق التقوى، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [(١٨٣) سورة البقرة] فإذا كانت الزكاة تزكي الإنسان في نفسه وعمله وماله، فإن الصيام محقق للتقوى، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ والتقوى فعل الأوامر، واجتناب النواهي، ويرد هنا السؤال الذي ورد بالنسبة للصلاة، يصلي الإنسان ولا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر، وقلنا: إن الصلاة هذه فيها خلل، والصيام الذي لا يورث التقوى لا شك أن فيه خللاً، لم يكن على مراد الله ومراد رسوله ﵊ من الصيام وإلا فالوعد ممن لا يخلف الميعاد، بل أهل العلم يقولون: لعل من الله واجبة، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فالصيام مورث للتقوى بلا محالة، لكن أي صيام يورث التقوى؟ ينهى صاحبه عن ارتكاب المحظور وترك المأمور؟ الصيام الذي حفظ عما يخدشه، ((الصوم جنة)) في رواية: ((ما لم يخدشها)) فالذي لا يحفظ صيامه عن قول الزور، فإن هذا الصيام لا شك أنه لا تترتب عليه آثاره، وكذلك مثل قول الزور ارتكاب المحرمات أثناء الصيام، فمثل هذا الصيام لا يورث التقوى، ومع ذلك لا يؤمر بإعادته، الصوم صحيح عند أهل العلم مسقط للطلب، لكن الآثار المترتبة عليه لا توجد، ويعاقب على ما أرتكبه حال صيامه من محرم أعظم مما يعاقب عليه حال فطره.
стр. 223
الحج ((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) وهو أيضاً مشترط فيه التقوى ﴿وَاذْكُرُواْ اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [(٢٠٣) سورة البقرة] القيد لمن تعجل أو لمن تأخر؟ نعم للأمرين؛ لأن بعض الناس قد يفهم من الآية أنها مدح للتأخر؛ لاقتران التأخر بالتقوى نقول: لا، هذا قيد لمن تعجل، وهو أيضاً قيد لمن تأخر، ومعنى الآية كما قال ابن رجب وغيره، هو معنى قوله: ((رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ يعني ارتفع عنه الإثم شريطة أن يكون قد اتقى، ومن تأخر فلا إثم عليه ارتفع عنه الإثم، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه شريطة أن يكون قد اتقى، وأما ترجيح وتفضيل التأخر على التعجل فيؤخذ من فعل النبي ﵊، أنه تأخر ما تعجل، وأما بالنسبة للآية فالتقوى قيد لمن تعجل ولمن تأخر، فلا بد من التقوى، لماذا؟ لتكون الآثار المرتبة والمترتبة على هذه الأعمال الصالحة محققة، هذه وعود من الله -جل وعلا- في كتابه، ما يقال: ينظر في أسانيدها هل هي صحيحة أو ضعيفة؟ لا، هذا ثابت بالدليل القطعي، بكلام الله -جل وعلا-، في الصيام ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [(١٨٣) سورة البقرة] وفي الحج: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ [(٢٠٣) سورة البقرة] فلا بد من التقوى وبالتقوى تتم تزكية النفس، فالرابط بين التقوى والتزكية قول، فلا يمكن أن تتم تقوى من غير تزكية أو تزكية من غير تقوى، فهما متلازمان، بهذا ننتهي من المحاضرة، وإن كان الكلام في التزكية كثير جداً، وأهل العلم لاسيما ابن القيم وابن رجب أولوا هذا الموضوع عناية فائقة، ويمكن أن يطرق من وجوه عديدة، وبأساليب كثيرة، لكن هذا ما سمح به الوقت، والأسئلة كثيرة جداً، يمكن تحتاج إلى محاضرات، بل لقاءات، لكن نأتي منها بالشيء اليسير، ويرجع الباقي.
إذا قيل للشخص: إنه سلفي هل تعبير هذا تزكية؟ أو تعتبر هذه تزكية؟ أرجو توضيح هذه المسألة؟
стр. 224
إذا قيل: إنه سلفي من قبل من يعتد بقوله من أهل العلم فهذه تزكية له، لكن إن قالها عن نفسه ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [(٣٢) سورة النجم] اللهم إلا إذا كان مقتدياً بسلف هذه الأمة، ويريد أن يبرز هذا المذهب، ويحث إليه، كما قالوا في الأثري: فلان بن فلان الأثري، انتسب إلى الأثر جماعة من أهل العلم.
يقول راجي ربه المقتدري ... عبد الرحيم بن الحسين الأثري
طالب:. . . . . . . . .
لكن هو في بلد يقل فيه السلفية أو يكثر فيه السلفية؟ أو الأصل فيه السلفية؟
طالب:. . . . . . . . .
على كل حال مثل هذه الأمور تقدر بقدرها، والإنسان ينظر إلى ما وقر في قلبه، إن كان يترفع بذلك على غيره فتزكية للنفس.
هذا سؤال فيه إشكال حول .. ، هذا يسأل عن صوت المرأة هل هو عورة؟ وإذا كان كذلك فما حكم ردها على الهاتف؟
أولاً: المنهي عنه بالنسبة للمرأة هو الخضوع بالقول ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [(٣٢) سورة الأحزاب] الخضوع بالقول لا يجوز بحال، وإذا كان صوت المرأة وجد هكذا، خلق هكذا فيه شيء من الخضوع، فمنعه من أجل الفتنة المترتبة عليه، وإلا إذا تكلمت المرأة من غير خضوع، وصوتها لا يورث فتنة في قلب محدثها فالمرجح أنه ليس بعورة، وإن كان من أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين يرى أنه عورة؛ لأنه مؤثر في الرجال ولا محالة، ويستدلون على ذلك بأمور، منها: أنها لا تجهر في صلاتها، ولا تجهر في تلبيتها، وإذا نابها شيء في الصلاة صفقت ولا تسبح، المقصود أن هذا القول معروف عند أهل العلم، فخير ما للمرأة ألا تتعرض للرجال لا بكلام ولا بغيره، وهذا أحفظ لها ولهم، لكن إن احتاجت إلى ذلك ولا يوجد من يقضي حاجتها إلا هي فالأصل -إن شاء الله- الجواز، مع أمن فتنة.
إرادة الإنسان بعملٍ صالح الدنيا والثناء والمال مثل التدريس في المدارس للمواد الدينية والإمامة؟
هذه الأمور أعني تعليم العلم الشرعي من أمور الآخرة المحضة، لا يجوز فيها التشريك، لا بد أن يبذل لله -جل وعلا-، وكونه يأخذ من بيت المال ما يعينه على تحقيق الهدف الذي من أجله خلق، وهو تحقيق العبودية لله -جل وعلا- هذا لا يضره.
стр. 225
يقول: ما حكم نظر النساء، العلماء، مثل، نظر النساء، العلماء، القنوات، مثل الناس، في المسجد، كأن هذا يقول: رتب الكلمات التالية، ما فيها شيء يربطها؟
على كل حال السؤال كأنه واضح، يعني نظر المرأة لصورة الرجل؛ لأنه يوجد من يشوش في هذه المسألة، المرأة مأمورة بغض البصر كالرجل تماماً، فإذا كان لا يجوز للرجل أن ينظر ويحدد في امرأة بعينها، فكذلك لا يجوز لامرأة أن تنظر إلى رجل بعينه، وعليها أن تغض البصر كما أمر الرجل بأن يغض البصر، وغض البصر من وسائل التزكية، من أعظم وسائل التزكية، ومن أعظم وسائل حفظ القلب، لا من الرجال ولا من النساء، ونص على التزكية في مسألة غض البصر، والله المستعان.
يقول: هل ما ورد عن بعض الصحابة والسلف من الختم في ليلتين أو ليلة مخالف للسنة؟
стр. 226
أولاً: ثبت عن عثمان ﵁ أنه يقرأ القرآن في ليلة، يعني في ركعة، قراءة القرآن أقل تقدير لها ست ساعات يعني بالتجربة، ست ساعات، ورأينا من يبكي وهو يقرأ بهذه السرعة، فالمسألة مسألة مران، لكن أقل من هذا مستحيل، لا يأتينا من يقول: إنه يقرأ القرآن في ساعة أو في لحظة، كما يدعى الآن وسابقاً، يعني هذا الكلام مأثور من قديم مثل هذا، ولا يمكن أنه يخطر على بال إنسان أن يقرأ القرآن ولا تصفح ولا فتح صفحات، يعني القسطلاني في شرح البخاري ذكر عن شيخ من الشيوخ، وأثنى عليه أنه قرأ القرآن في سبع، كيف في سبع؟ أو في سبعة؟ قرأ القرآن في سبعة، في أسبوع، قرأ القرآن في أسبوع هذا اللفظ، اللي يقول: قرأ القرآن في أسبوع قلنا: طيب هذا أمر الرسول ﵊ لعبد الله بن عمر، قال: وقيل: في شوط، عرفنا أن الأسبوع سبعة أشواط، يمكن هذه وإلا ما يمكن؟ مستحيل، وقيل: في شوط، هذا مستحيل، وهذا عبث لكلام الله -جل وعلا-، مع أنه لا يمكن تصوره، ولا يدخل في عقل، وهو أيضاً محاولة مثل هذا الأمر عبث، وجاء الأمر لعبد الله: ((اقرأ القرآن في سبع ولا تزد)) لأن هذا أقرب إلى أن تكون القراءة على الوجه المأمور به، بالتدبر والترتيل، وجاء أيضاً: ((لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث)) طيب عثمان يقرأ في ليلة، وثبت عن كثير من الصحابة ليلة أو ليلتين، من السلف والتابعين والأئمة كثير هذا، أقول: لعل ما أثر عنهم استغلالاً للمواسم، لا يكون ديدن ولا عادة، لكن استغلال المواسم كالعشر الأواخر يعني إذا كان النبي ﷺ يحيي ليله، يحيي الليل، وإحياء الليل يكون بالقراءة، بالذكر، بالصلاة،. . . . . . . . .، لكن ظروف الناس تختلف، ما يقال لشخص متفرغ للعبادة وللتلاوة: لا تقرأ القرآن إلا في سبع، والشخص المشغول بالأعمال الكثيرة والدوام والدروس ونفع الناس وقضاء حوائجهم يقال له: اقرأ القرآن في سبع، فهذا يختلف عن هذا، وقول الرسول ﵊ لعبد الله بن عمرو: ((ولا تزد)) هذا من باب الشفقة عليه، من باب الشفقة عليه، وإذا نهي الإنسان من شيء شفقة عليه فأهل العلم يقولون: الأمر يعود إليه، فإذا كان لا يتأثر به
стр. 227
ولا يضره هذا الأمر إليه، ولذلك زاد عبد الله بن عمرو، صار يقرأ في ثلاث، على كل حال هذه مسألة مسألة يختلف فيها بين أهل العلم، فمنهم من يقول: إن الأمر على ما جاء عن الصحابة، ومن أكثر فالله أكثر، ورتبت الأجور على الحروف، فقراءة الحروف تثبت بمثل هذه السرعة، أجر الحروف المرتب، الأجر المرتب على الحروف يثبت، ولو كانت القراءة هذاً، أما الأجور العظيمة التي ((من قرأ القرآن وهو ماهر فيه مع السفرة الكرام البررة)) لا بد أن يقرأ على الوجه المأمور به، وأهل العلم بينهم خلاف أيهما أكثر أجراً من يقرأ القرآن على الوجه المأمور به بحيث يختم في الأسبوع مرة، أو يقرأ القرآن بالسرعة ويختم في الأسبوع سبع مرات، يعني المسألة مفترضة في شخص يقول: أنا أجلس في المسجد ساعة، بعد صلاة الصبح، فهل الأفضل أن أقرأ جزء واحد بالتدبر والترتيل، أو أقرأ خمسة؟ لأن الخمسة مجربة في الساعة، أيهما أفضل؟ الجمهور على أنه يقرأ جزءاً واحداً على الوجه المأمور به أفضل من أن يقرأ خمسة، وعند الشافعية قول معروف أنه كلما أكثر من الحروف فهو أفضل، ولو أخل بالتدبر والترتيل، وعلى كل حال قول الجمهور هو المورث للعلم النافع، والإيمان الخالص، واليقين والطمأنينة كما قال شيخ الإسلام.
ابن القيم يقول: إن من يسرع في قراءته، ويكثر من الختم بالنسبة لمن يتدبر ويرتل ويقل من الختم كمن أهدى عشر درر، وذاك أهدى درة واحدة، الذي يسرع وختم عشر مرات هذا أهدى عشر درر، وذاك أهدى درة واحدة، لكن افترض أن العشر قيمة كل واحدة ألف، لكن قيمة الواحدة في مقابل العشر مائة ألف، صار أيهما أفضل؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 228
نعم الذي يتدبر ويرتل أفضل بكثير، وقراءة الهذ وإن كان يرجى ما رتب فيها من أجر، وفيها خير ونفع عظيم للإنسان، لكنها ليست بشيء مقارنة بقراءة الانتفاع بالقرآن، والإنسان على ما تعود، الذي تعود السرعة لا يستطيع أن يترك السرعة، مثل السرعة بالسيارة، الذي عود نفسه على السرعة ما يستطيع، فإذا مر بآية تأمر بالتدبر قصر قليلاً؛ يعني الآيات الأربع، آيات التدبر الأربع إذا مر بها قصر قليلاً، ثم نسيها فرجع إلى ما كان عليه، وهذا نظير من جبل على السرعة في القيادة، إذا رأى حادث قصر قليلاً، ثم بعد ذلك عشرة كيلو ينساه، يرجع إلى ما كان عليه، فعلى الإنسان أن يعود نفسه على التدبر والترتيل، لكن شخص من عشر أو عشرين سنة عود نفسه على أنه يختم في كل ثلاث، أو في كل سبع بسرعة بالهذ، وأراد أن يعود إلى الطريقة الثانية الأمثل والأفضل فهل نقول: إنه بدلاً من أن يختم في الشهر أربع مرات يختم واحدة، أو بدل أن يختم عشر يختم أربع أفضل له؟ أو يستمر على طريقته؟ لأن الرسول ﵊ إذا عمل عملاً أثبته، والتقليل من الختم رجوع بعض الشيء، رجوع في الكم، وإن لم يكن رجوعاً في الكيف، والعبرة في الكيف؛ لأن بعض الناس يجد في نفسه أن يقلل بعد أن اعتمد طريقاً واستمر عليه سنين، الرسول ﵊ إذا عمل عملاً أثبته، وجاء في الحديث الصحيح في البخاري وغيره ((مه اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا)) هل نقول: إن الذي رجع من الختم عشر مرات في الشهر إلى مرة أو مرتين، نقول: هذا مل؟ أو نقول: إنه بدلاً من الكم نرجع إلى الكيف والكيف أفضل؟ لأن هذا لا بد أن يوجد في نفس الحريص، صاحب التحري يؤثر فيه مثل هذا؛ لأن النبي ﵊ إذا عمل عملاً أثبته وهذا رجع، عمل عملاً وأثبته مدة طويلة ثم نكص عنه، ورجع، والرجوع والنكوص عند أهل العلم مذموم بلا شك، لكن يبقى أنه بدلاً من العناية بالكم تكون العناية بالكيف، والكيف أهم.
يقول: هل التزكية التي تقدم عند بعض الوظائف أو المعاهد داخلة في النهي؟
стр. 229
يعني هذا صارت نظام، نظام في الجهات الرسمية حينما تريد عمل من الأعمال، هات تزكيات من أهل العلم، فيذهب لفلان وفلان وفلان من أجل أن يزكوه ويمدحوه ويثنوا عليه، هل هذا من المنهي عنه؟ لأنه قد يوجد من يتورع عن مثل هذا ويفوز بالأعمال المهمة، والتمكين من الدراسة، الدراسة العالية لا بد فيها من التزكيات، هل نقول: إن هذا صاحب التحري وصاحب الورع والتثبت الذي لا يريد التزكية المنهي عنها هل نقول له: عليك أن تكف عن مثل هذا، وإن فاز بها غيرك؟ أو نقول لمثل هذا: أمر مطلوب شرعاً في مواصلة العلم والتعليم، مطلوب شرعاً، وما لا يتم إلا به فحكمه حكمه، لا شك أن هذه من المضايق؛ لأن الإنسان وهو يسعى جاهداً إلى مثل هذا في باله شيء أو أشياء، وفيها الراجح وفيها المرجوح، نعم إن رجح في ذهنه التمكين من التعليم؛ لأن التعليم العالي يحتاج إلى شهادات، فإن رجح في ذهنه التمكين من التعليم وأنه لا يتمكن إلا بهذه الشهادة المتطلبة لهذه التزكيات، فهذه أمور مغتفرة في سبيل الهدف النبيل هذا الذي يرمي إليه، وإن كان جال في ذهنه أشياء، أنه كلما أخذ من شهادة زاد راتبه مثلاً، مع تمكينه من التعليم ومع أمور تحتف بذلك فليكف؛ لأن ما عند الله لا ينال بسخطه، هذا العلم مما عند الله، وما يبتغى به وجه الله، لا ينال بمثل هذه الأمور، ومع الأسف أنها صارت مشكلة الآن، وإلا لو أن التزكية مطلوبة؛ لأن بعض الناس مجاهيل ما يدرى عنهم، ما يدرى عن حقيقتهم، فلا بد من تزكيتهم، لكن المعروف طلب التزكية منه غير وجيه.
يقول: هل يشترط احتساب النية في نفقة الرجل على أهله حتى يكتب له الأجر؟
النية لا بد منها ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) فلا بد من النية، وكم من أجور عظيمة تفوت كثير من الناس لغفلتهم، وعزوف النية عن أذهانهم، تجده في نهاية كل شهر يذهب إلى المحلات التجارية والمواد الغذائية، ويجلب المصروف لزوجته وأولاده وبناته، وهو لا يستحضر شيئاً، مع أن الرسول ﵊ قال: أنه يؤجر على كل شيء، حتى ما يضعه في في امرأته، يحتسب الأجر من الله -جل وعلا-، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 230
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
العبادة في زمن الفتن
الشيخ عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد:
ففي هذا اللقاء المبارك الذي رتبه الإخوة -جزاهم الله خيراً- في هذا الظرف الذي تعيشه الأمة مع الاضطراب الحاصل لدى كثير من طلاب العلم، كثيرٌ منهم ضاقت بهم الأرض ذرعاً، وظنوا أن الخير قد انقطع، والأمر على خلاف ذلك، وديننا -ولله الحمد- دين الخلود والبقاء إلى قيام الساعة، مضمون له البقاء إلى قيام الساعة، وأبواب الخير مفتوحة ومشرعة، وسنة المدافعة باقية إلى قيام الساعة، وما يغلق باب في وجه مسلم إلا ويفتح الله له أبواب وآفاق من أعمال الخير التي توصله إلى مرضات الله .
الفتن التي تعيشها الأمة والتي أخبر بها النبي ﵊ وأنه يوشك أن تظل فتن كقطع الليل المظلم، يوشك أن تظلنا فتن كما أخبر النبي ﵊ كقطع الليل المظلم، وقال ﵊ في الحديث المخرج في البخاري وغيره: ((يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمٌ يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن)).
وقال ﵊ كما في الحديث المخرج في السنن والمسند أنه في آخر الزمان أيام تسمى أيام الصبر، والقابض فيها على دينه كالقابض على الجمر، وأجر العامل فيها كأجر خمسين رجل، قالوا: منهم يا رسول الله أو منا، قال: منكم.
هذه مع كونها تخبر عن واقعٍ مُرّ إلا أنها تشرح صدر المسلم للعمل والمدافعة أجر خمسين من الصحابة في آخر الزمان عند فساد الناس، أجر خمسين من الصحابة هذا ليس بالسهل ولا بالهين، ويأتي ذكره، والمراد به - إن شاء الله تعالى -.
فالفتن التي نتحدث عنها، بل قبل ذلك في العنوان العبادة، العبادة في زمن الفتنة، أو في زمان الفتن.
الله -جل وعلا- قد خلق الثقلين الجن والإنس لتحقيق هذا الأمر الذي هو العبادة والعبودية، كما قال الله -جل وعلا-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [(٥٦) سورة الذاريات]، فالعبادة هي الهدف من خلق الجن والإنس.
стр. 231
يقول الحافظ ابن كثير ﵀ وتعالى-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [(٥٦) سورة الذاريات]، أي: إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي، لا لاحتياجي إليهم، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: ليقروا بعبادتي طوعاً أو كرهاً، وهذا اختيار ابن جرير، وقال ابن جريج: إلا ليعرفون، وقال الربيع بن أنس: ﴿إلا ليعبدون﴾ أي: إلا للعبادة.
والمراد بالعبادة كما قال شيخ الإسلام: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة".
فتشمل جميع أبواب الدين، فالإنسان يتعبد إلى الله -جل وعلا- بتوحيده، والإخلاص له، ويتعبد له بالإيمان به بشروطه، يتعبد لله -جل وعلا- بالصلاة، فرضها ونفلها، يتعبد للمولى -جل وعلا- بالزكاة، والصدقات، يتعبد له بالصيام الذي هو سرٌ بين العبد وبين ربه، ويتعبد لله -جل وعلا- بزيارة بيته الحرام، وبالجهاد في سبيله وإعلاء كلمته، ويتعبد له في معاملاته، في المعاملات وإن كانت من أجل الكسب الذي ظاهره المادة المحضة، إلا أنه في الوقت نفسه بإمكان المسلم أن يجعله عبادة لله -جل وعلا-، إذا نوى به أن يتقوى به على ما يقربه إلى الله -جل وعلا- يتعبد إلى الله ويتقرب إليه بتناول الملذات والشهوات كالنكاح الذي شرعه الله -جل وعلا- وأخبر أنه يؤجر عليه، "أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ " قال: ((نعم، أرأيتم لو وضعها في حرام أيكون عليه وزر؟ )) قالوا: نعم، فيأتي شهوته ويكون له أجر، هذا من فضل الله -جل وعلا-.
يتعبد لله -جل وعلا- بجميع أبواب الدين، فالعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله -جل وعلا- ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
стр. 232
وتنوع هذه العبادات من محاسن هذا الدين، فتجد بعض الناس يسهل عليه التقرب إلى الله -جل وعلا- بمائة ركعة بمائتين ركعة بثلاثمائة ركعة في اليوم الواحد، وهذا مأثور عن بعض من تقدم من السلف، لكن يشق عليه أن يتصدق بدرهم، فتح له هذا الباب ليلزمه، ومع ذلك يجاهد نفسه في الأبواب الأخرى، وبعض الناس مستعد أن يتصدق أن يتخلص من نصف ماله ولا يستطيع ولا تطاوعه نفسه أن يصلي ركعتين، ومن الناس من ديدنه قراءة القرآن وتشق عليه سجدة التلاوة؛ لأن الصلاة شاقة عليه، هذا تنوع للعبادات, وكل باب من الأبواب هذه مرضية لله -جل وعلا- ومع ذلك يلزم هذا الباب الذي يُسر له ولا يهمل الأبواب الأخرى، يجاهد نفسه على أن يأطرها على محبة هذه الأبواب الأخرى، يكفيه أنها ترضي الله -جل وعلا- وأنها ترفعه عند المولى ، ترتب عليها الثواب، فمن أهم العبادات الصلاة، فالإنسان عليه أن يكثر منها، فالصلاة خيرٌ مستكثر منه، والنبي -عليه والصلاة والسلام- لما سأله الصحابة مرافقته في الجنة، قال: ((أعني على نفسك بكثرة السجود)) الكثرة هذه مطلوبة على أن الكمية ليست هدف لذاتها، بل لا بد من الكيفية ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) ليس معنى هذا أن الإنسان يصلي في الساعة بعدد دقائقها من الركعات، ويغفل عن الكيفية، بل لا بد من أن يجمع بين كثرة السجود وبين الكيفية المأثورة عن النبي ﵊ وقل مثل هذا في سائر العبادات، يقرأ القرآن ويكون ديدنه قراءة القرآن، لكن على وجه مأمور به، على الوجه المأمور به من الترتيل والتدبر، ليزداد بذلك من الهدى واليقين والطمأنينة وشرح الصدر وزيادة الإيمان, فعلى الإنسان أن يلزم هذه العبادات.
والفتن جمع فتنة، يقول الراغب: أصل الفَتْنِ إدخال الذهب في النار، لتظهر جودته من رداءته، ويستعمل في إدخال الإنسان النار، ويطلق على العذاب، يستعمل في إدخال الإنسان النار ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [(١٠) سورة البروج]، بأن أدخلوهم في النار، هذه فتنة.
стр. 233
ويطلق على العذاب، كقوله -جل وعلا-: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [(١٤) سورة الذاريات]، وعلى ما يحصل عند العذاب، كقوله -جل وعلا-: ﴿أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ [(٤٩) سورة التوبة]، وعلى الاختبار، كقوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [(٤٠) سورة طه]، وفيما يدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء، وفي الشدة أظهر معنىً وأكثر استعمالاً، قال -جل وعلا-: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [(٣٥) سورة الأنبياء]، ومنه قوله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [(٧٣) سورة الإسراء]، أي يوقعونك ببلية وشدة في صرفك عن العمل بما أوحي إليك.
وقال أيضاً -الراغب-: الفتنة تكون من الأفعال الصادرة من الله -جل وعلا- ومن العبد كالبلية والمصيبة، والقتل والعذاب والمعصية وغيرها من المكروهات.
فالإنسان قد يكون بنفسه موجداً للفتنة يفتتن بها ويفتن بها غيره، كما أنها تكون من الله -جل وعلا- فإن كانت من الله فهي على وجه الحكمة، وإن كانت من الإنسان بغير أمر الله فهي مذمومة، فقد ذم الله -جل وعلا- الإنسان بإيقاع الفتنة كما في قوله -جل وعلا-: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [(١٩١) سورة البقرة]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [(١٠) سورة البروج]، وقوله: ﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [(١٦٢) سورة الصافات]، وقوله: ﴿بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [(٦) سورة القلم]، وكقوله: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ﴾ [(٤٩) سورة المائدة].
وقال غيره: أصل الفتنة الاختبار، ثم استعملت فيما أخرجته المحنة والاختبار إلى مكروه، ثم أطلقت على كل مكروه، أو آيلٍ إليه كالكفر والإثم والتحريض والفضيحة والفجور وغير ذلك.
الفتنة لا شك أنها تطلق على أمور متفاوتة، فمنها الشرك الذي هو في الحقيقة أعظم من القتل وأشد من القتل، إلى أن تصل إلى فتنة الرجل في أهله وماله وجاره، والنبي ﵊ كما في الحديث المتفق عليه قال في الخميصة: ((كادت أن تفتنني عن صلاتي)) والمراد بالفتنة هنا: الانشغال بها، وكذلك الفتنة في المال والولد الانشغال بهم عما هو أهم، كل هذا فتنة.
стр. 234
وبعض الناس يعتب على من يستعيذ بالله من الفتن، يقول معناه: أنك تستعيذ بالله من أهلك ومالك وولدك، يقول: لا تستعيذ بالله من الفتن، معناه أنك تريد أن تتجرد من هذه الأمور.
لكن الفتن إذا أطلقت واستعيذ بالله منها، فالمراد بها ما يضر في الدين. أما الفتن التي لا تضر فهي أمرها يسير، بل طلبها الشارع كفتنة المال والولد، الله -جل وعلا- يقول بالنسبة للمال: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [(٧٧) سورة القصص]، فهو مطلوب أصلها لإقامة العبودية، لإقامة الهدف التي من أجله خلق، وأيضاً أمرنا بالتكاثر والتناسل، وأمر النبي ﵊ بذلك ((فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة)) مكاثرٌ بكم الأمم يوم القيامة، فنحن مأمورون بكسب المال من وجهه، لكن لا يكون هدفاً. لا يكون هدفاً في هذه الحياة بحيث يكون محياه ومماته لهذا المال، يضحي بكل شيء من أجل المال، كما رأينا وسمعنا في هذه السنين المتأخرة بعدما فتحت علينا الدنيا.
المقصود أن هذه الفتنة أعني فتنة المال وإن كان أصلها مطلوباً ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [(٧٧) سورة القصص]، إنما طلب لتحقيق الهدف الذي من أجله خلق وهو العبودية لله -جل وعلا- إذ لا تقوم الحياة إلا بالمال.
وأيضاً طلب الولد، لبقاء النوع والجنس الإنساني ليعبد الرب -جل وعلا- إلى قيام الساعة، ولو أن كل واحد من المسلمين عزف عن الزواج خشية أن يبتلى بالأولاد ويبتلى بالأهل لخالف سنة النبي ﵊ سنن المرسلين.
يقول الله -جل وعلا-: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [(٢٥) سورة الأنفال]. يقول القرطبي: قال ابن عباس ﵄: أمر الله أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم؛ فيعمهم العذاب؛ لأن الله -جل وعلا- يقول: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [(٢٥) سورة الأنفال].
كيف نتقي هذه الفتنة؟ كيف نتقي هذه الفتنة؟
стр. 235
نتقيها بالحيلولة بين الظالم وظلمه، فإذا حلنا بين الظالم وظلمه فإننا حينئذ جعلنا بيننا وبين هذه الفتنة وقاية.
وكذلك تأول فيها الزبير بن العوام فإنه قال يوم الجمل وكانت سنة ٣٦هـ: ما علمت أنا أردنا بهذه الآية إلا اليوم، وما كنت أظنها إلا من خوطب ذلك الوقت. وكذلك تأول الحسن والبصري والسدي وغيرهم.
وفي صحيح مسلم عن زينب بنت جحش أنها سألت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم، إذا كثر الخبث)) يعني جاء قول الله -جل وعلا-: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ [(٣٣) سورة الأنفال]، فهل الأمر يسري على غيره ﵊ من صالحي هذه الأمة؟ يعني لا يهلكون وفيهم الصالحون؟ كما ضمن الله -جل وعلا- أن لا يعذب هذه الأمة مع وجود نبيها ﵊.
وجود الصالحين لا شك أنه سببٌ من أسباب دفع البلاء ودفع الفتن؛ بنسبة إرثهم من النبوة من النبي ﵊ -أعني هؤلاء الصالحين- بقدر إرثهم من النبوة علماً وعملاً يدفع بهم من الفتن بقدر ذلك، ولذلك نجد أنه حينما وجد الصالحون من العلماء والعباد والدعاة الأخيار كانت الفتن مدفوعة إلى حدٍ ما؛ بسبب مدافعتهم لها، وبسبب علمهم وعملهم، وبسبب دعواتهم الصالحة.
ونحن ننظر أنه كلما انتقصت هذه الأمة بعلمائها العاملين تزداد فيها الفتن، بل إن كثيراً من الناس يرجع وجود هذه الفتن وتتابع هذه الفتن بموت فلان أو علان من الناس، نقول لا يا أخي الدين باقي ومحفوظ، لكن لا شك وجود مثل هذا العالم العامل المدافع الذاب عن دين الله لا شك أنه سبب من أسباب تأجيل وتأخير الفتن، لكن ليس هو كل شيء، فالدين ليس بمربوط بأشخاص، وأمة محمد ﵊ لا يدرى أوله خيرٌ أم آخره.
في صحيح مسلم عن زينب بنت جحش أنها سألت رسول الله ﷺ فقالت: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم، إذا كثر الخبث)) وفي صحيح الترمذي، جامع الترمذي -بعضهم يطلق عليه الصحيح، كما أنه بعضهم يطلق على بقية السنن الصحاح ويلحقها بالصحيح ويقول الصحاح الستة، لكن لا شك أن هذا تساهل، ولذا يقول الحفاظ العراقي:
стр. 236
ومن عليها أطلق الصحيحا
فقد أتى تساهلاً صريحا
ج
يعني من أطلق الصحيح على الكتب الأربعة من السنن تبعاً للصحيحين لا شك أنه تساهل في الصحيح، والحسن والضعيف- يقول: وفي صحيح الترمذي: ((أن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعذابٍ من عنده)).
لكن الأخذ على يد الظالم بحسب القدرة بحسب القدرة وبالوسائل المحققة للمصلحة التي لا يترتب عليها مفسدة، لا بد من مراعاة القواعد العامة في النصيحة وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالنصيحة إذا ترتب عليها معاندة وإصرار من المنصوح وخروجه عن جلباب الحياء، وزيادته في الشر من أجل أنه نصح من قبل فلان أو علان لا بد أن يدرس الأمر بعناية.
وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا خشي أن يترتب عليه منكر أعظم منه فلا شك أن درء المفاسد مقدم على جمع المصالح، ومع ذلك لا بد من الإنكار بالمراتب الثابتة عن النبي ﵊ ((من رأى منكم منكراً فليغره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه)) لكن لا بد من التغيير، وأقل المراتب التغيير بالقلب.
وفي صحيح البخاري والترمذي، عن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ قال: ((مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قومٍ استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها -استهموا يعني بالقرعة، أنت مكانك فوق وأنت مكانك تحت وهكذا بالقرعة- فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم -فرأوا أن من فوقهم تضايقوا منهم من كثرة المرور عليهم- فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً -بحيث لا نحتاج إلى نمر على من فوقنا- ولم نؤذِ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً)) هذا المثل النبوي مطابق غاية المطابقة لواقع الأمة في هذه السفينة التي تتلاطم الأمواج من حولها، تدفعها يميناً وشمالاً، وأحياناً إلى الأمام وأحياناً إلى الخلف، فإن ترك المفسد يعبث لا شك أنهم يهلكون جميعاً، وإن أخذ على يده وأطر على الحق نجا ونجوا جميعاً، فهذا مثل مطابق.
стр. 237
في هذا الحديث تعذيب العامة بذنوب الخاصة، وفيه استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنهم إذا -كما تقدم في حديث مسلم- ((إذا ترك الظالم لم يأخذوا على يد الظالم أوشك الله أن يعمهم بعذاب من عنده)). يقول القرطبي: قال علماؤنا فالفتنة إذا عملت هلك الكل، وذلك عند ظهور المعاصي وانتشار المنكر، وعدم التغيير. وإذا لم تغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم، يعني لا يستطيعون التغيير باليد ولا باللسان أنكروا بالقلب، لكن هل يسوغ لهم أن يبقوا مع هؤلاء العصاة؟ يقول: وإذا لم تغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها.
وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا من الأمم، كما في قصة السبت حين هجروا العاصين، وقالوا لا نساكنكم، وبهذا قال السلف ﵃ روى ابن وهب عن مالك أنه قال: "تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهاراً ولا يستقر فيها".
أما إذا استخفى العاصي المذنب بجريمته فهذا لا يضر غير نفسه، الإشكال فيما إذا ظهر المنكر وأعلن ولم يوجد من يدافع، أو من يدفع هذا المنكر، فحينئذ يوشك أن يعمهم الله بعذابٍ من عنده.
الهجرة عند أهل العلم منها الواجب، وهي باقية إلى قيام الساعة، فالواجب منها الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، فالإقامة في بلاد الكفر لا تجوز حرام إلا لعاجز، إلا المستضعف المستثنى، الذي لا يستطيع حيلة، ولم تذكر الحيلة بشيء من النصوص بالإقرار والجواز إلا في هذا الموضع؛ لأن ضرر البقاء بين أظهر المشركين ضررٌ محض، كثير من المسلمين الذين يعيشون في بلاد الكفار الضرر عليههم في أديانهم وعلى ناشئتهم أظهر، الذين يربون في بلاد الكفر وفي مدارس الكفر ضرر عظيم،
وقد برئ المعصوم من كل مسلمٍ ... يقيم بدار الكفر غير مصارمِ لا بد أن يهاجر إلا إذا عجز حينئذٍ يعذر، هذه الهجرة الواجبة.
وأما الهجرة المستحبة فالهجرة إلى البلد الذي فيه الأخيار أكثر وأظهر من بلاد المسلمين، ويتمكن فيه من طلب العلم من أهله، أهل العلم والعمل والإخلاص والتحقيق لعقيدة التوحيد، الهجرة إلى مثل هذا البلد مستحبة، على أن لا تخلى البلدان الأخرى ممن يدافع.
стр. 238
ولذا يقول ابن وهب يروي عن مالك ﵀ أنه قال: "تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهاراً ولا يستقر فيها".
وروى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أنزل الله بقومٍ عذاباً أصاب العذابُ من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم)).
فهذا يدل على أن الهلاك العام منه ما يكون طهرة للمؤمنين، ومنه ما يكون نقمةً للفاسقين، يعني إذا وجد المنكر أنكره قوم وسكت آخرون، يعني وجد من يفعل المنكر، أنكره قوم وسكت آخرون، هؤلاء ثلاث فرق، ثم إذا حلت العقوبة ﴿أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [(١٦٥) سورة الأعراف]، فالظلمة هم الذين فعلوا المنكر، وأنجينا الذين ينهون، الذين ينهون ينجون، سواءً نجوا بأبدانهم أو لم ينجو المقصود أنهم مآلهم إلى النجاة، سواءً كان في الدنيا أو في الآخرة، وأما الذين ظلموا الذين فعلوا هذا المنكر أخذناهم بعذابٍ بئيس.
الفرقة الثالثة: هل يدخلون في الذين ظلموا؛ لأنهم لم ينكروا، فهم ظالمون لأنفسهم بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو يقال أنهم سكتوا فسكت عنهم، كما يقول بعض المفسرين.
الذي يظهر -وأعني من لا ينكر المنكر حتى بقلبه- أنهم مع الظالمين، أخذوا بعذاب بئيس مثلهم. هذا منكر عظيم ترك إنكار المنكر.
ولذا لعن بنو إسرائيل لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ بأي شيء ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [(٧٨ - ٧٩) سورة المائدة].
стр. 239
قد يقول قائل: الله -جل وعلا- يقول: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [(١٦٤) سورة الأنعام]، ويقول -جل وعلا-: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [(٣٨) سورة المدثر]، ويقول -جل وعلا-: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [(٢٨٦) سورة البقرة]، وهذا يوجب أن لا يؤخذ أحد بذنب أحد، وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب، ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [(١٦٤) سورة الأنعام]، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [(٣٨) سورة المدثر]، يعني لا بما كسب غيره، ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [(٢٨٦) سورة البقرة]، يقول هذا القائل: هذا يوجب أن لا يؤخذ أحد بذنب أحد، وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب.
فالجواب: أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن يغيره، فإذا سكتوا عليه فكلهم عاصٍ، هذا بفعله وهذا برضاه, وقد جعل الله في حكمه وحكمته الراضي بمنزلة العامل، فانتظم في العقوبة, قاله ابن العربي.
الحكم واحد هذا بفعله وهذا برضاه، هذا باقترافه وبما كسبت يده وبوزره الذي ارتكبه، وهذا بتركه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو أيضاً منكر.
يقول الله -جل وعلا-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [(٦٣) سورة النور]، قال ابن عباس: "الفتنة هنا: القتل" وقال عطاء: "الزلازل والأهوال" وقال جعفر بن محمد: "سلطان جائر يسلط عليهم" وقيل: "الطبع على القلوب بشؤم مخالفة الرسول ﵊".
стр. 240
وكلها داخلة في مدلول الآية، قد يقتل من يقتل، ويصاب بالزلازل والأهوال من يصاب، وقد تكون هذه المعاصي وهذه المخالفات لله ولرسوله سببٌ في تولي سلطان جائر عليهم يسلط عليهم يسومهم سوء العذاب، وشواهد الأحوال لا تحتاج إلى تسميات، يعني انظر في الواقع اليوم تجد هذه الأمور موجودة. وقيل: "الطبع على القلوب بشؤم مخالفة الرسول ﷺ وهذا أشد، الطبع على القلوب، بعض الناس يرى أنه من أفضل الناس، وأنه على الجادة، وهو لا يدري أنه مطبوعٌ على قلبه، نسأل الله السلامة والعافية. وبعضهم يرى أنه على الصراط وهو ممسوخ وهو لا يشعر، قد باع دينه وهو لا يعلم، نسأل الله السلامة والعافية. وأهل العلم يقررون أن مسخ القلوب أعظم من مسخ الأبدان.
ابن القيم في إغاثة اللهفان ذكر أنه في آخر الزمان يمشي الاثنان إلى المعصية، هما في طريقهما إلى معصية فيمسخ أحدهما خنزيراً وينظر إليه صاحبه مع ذلك ما النتيجة؟ يرجع ويقول: الحمد لله على السلامة، يرجع إلى بيته ويتوب، لا، يمضي إلى معصيته، هذا مسخ بدن وهذا مسخ قلب، نسأل الله السلامة والعافية.
إذا عرفنا السبب في وجود هذه الفتن وهي المخالفة لأوامر الله وأوامر رسوله ﵊ وسكوت الناس عن إنكار هذه المخالفات، وعدم مدافعتهم لهذه المنكرات، ولا شك أن ما يصيب الناس فبما كسبت أيديهم ويعفو عن كثير، ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [(٤١) سورة الروم]، فالفساد كله بسبب المعاصي.
إذا عرفنا سبب الفتنة وهي مخالفة أمر الله وأمر رسوله ﵊ والتواطؤ على ذلك، التواطؤ على ترك إنكار المنكر على ما تقدم، فشو المنكرات بغير نكير، هذا هو سبب لعن بني إسرائيل، أعني تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال -جل وعلا-: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا .... ﴾ [(٧٨) سورة المائدة]، إلى أن قال: ﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [(٧٩) سورة المائدة].
стр. 241
أقول: إذا كان هذا هو السبب، وقبل ذلك شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يخفى عن العامة فضلاً عن المتعلمين، وهو خصيصة هذه الأمة، وهو سبب رفعتها، وهو سبب خيريتها ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ [(١١٠) سورة آل عمران]، يعني قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قدم على الإيمان بالله مع أنه لا يصح أمر ولا نهي إلا بعد الإيمان، قدم لماذا؟ لأنه هو خصيصة هذه الأمة، الأمم السابقة يؤمنون بالله، أعني أتباع الأنبياء يؤمنون بالله، لكن لماذا فضلنا عليهم؟ لأننا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ولذلك قدم على الإيمان بالله الذي يشترك فيه الجميع، فقدمت هذه الخصيصة للاهتمام بشأنها والعناية بها، وإلا فجميع أتباع الأنبياء يؤمنون بالله، فما لنا مزية عليهم، فإذا تركنا هذه الخصلة ما صرنا خير أمةٍ أخرجت للناس، صرنا مثل الأمم.
روى أبو داود والترمذي عن أبي أمامة الشعباني، قال: سألت أبا ثعلبة الخشني ﵁ قال: قلت: يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [(١٠٥) سورة المائدة] قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً، سألتُ عنها رسول الله ﷺ فقال: ((ائتمروا بالمعروف وانتهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم شحاً مطاعاً وهوىً متبعاً ودنياً مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأيٍ برأيه فعليك بنفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام تدعى أيام الصبر، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم)) وهذا حديث جيد. زاد أبو داود في حديثه: (قيل يا رسول الله: أجر خمسين رجلاً منا أو منهم؟ قال: ((بل أجر خمسين رجلاً منكم)).
إذا نظرنا إلى الحديث: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر مقرر، شعيرة من شعائر الدين، حتى عده بعضهم من أركان الإسلام، ولا يمكن أن تقوم أمور المسلمين إلا به.
стр. 242
يقول: حتى -هذه الغاية-: ((إذا رأيتم شحاً مطاعاً)) تجد الشح بين الناس، والناس تابعون لهذا الشح، لا يخالفونه، فيمنعون الواجبات، ويبخلون بها. ((فإذا رأيتم شحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً)) كل ما لاح له شهوة أتبعها هواه، ولم يرتدع عنها ولا يزدجر عنها، ولو زجر بنصوص الكتاب والسنة. ((وهوىً متبعاً، ودنياً مؤثرة)) نعم، هذا موجود، كثيرٌ من الناس آثر الدنيا على الآخرة، وتعلق قلبه بها، ولم يعقل من دينه شيء، يصلي ببدنه فقط، يعني إذا سمع شخص وهو ساجد يشير بأصبعه ثم في النهاية يجهر يقول آمين، هذا ماذا عقل من صلاته؟ وهو ساجد يقول آمين! لا شك أن هذا سببه تعلق القلوب بالدنيا، والعزوف عن الآخرة، والغفلة عن الهدف الذي من أجله خلق.
يقول: إذا رأيت ذلك ((ودنياً مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأيٍ برأيه)) بالنسبة لعامة الناس كونهم يصرون على ما يقررونه من أحاديثهم في مجالسهم هذا ليس بغريب؛ لأنهم عوام، لكن طلاب علم، تجده إذا نوقش في مسألة علمية أو أبدي أدنى ملاحظة في كلامه صار كأن الدنيا انهدمت فوق رأسه لا يطيق شيئاً من ذلك، لا يريد أن يقال له لو قلت كذا لكان كذا، أو ما رأيك لو كانت المسألة كذا، ما يتحمل ولو بالأسلوب المناسب، نعم يوجد من ينتقد بعض طلاب العلم وبعض العلماء بأساليب غير مقبولة البتة، لكن مع ذلك كلٌ له ما يخصه من خطاب، فالذي يلاحظ على أهل العلم ينبغي أن تكون الملاحظة بأدب، وأن تلقى بأسلوب محبب، بحيث يتأثر السامع، وأيضاً بالمقابل الطرف الثاني لا يعجب برأيه، فليس بالمعصوم، فإذا قيل له: لو أن كذا لكان كذا، وما رأيك بكذا ولو أنه ... ، يعني تطرح الإشكال أو الملاحظة على سبيل الاستفهام، يعني يستفهم منه استفهاماً، وإلا هذا حقيقة أمرٌ مقلق، ونسمع من الردود شيء تقشعر منه الأبدان، ونجد الثقل في إبداء الملاحظات هذا موجود، نسأل الله السلامة والعافية، عندنا وعند غيرنا من طلاب العلم؛ لأن المقاصد مدخولة، يعني أين نحن من قول الشافعي: "والله لا يهمني أن يكون الحق على لساني أو على لسان خصمي" المقصود أن الحق يبين.
стр. 243
أين أهل الخصومات؟ من رجلين بينهما خصومة في عهدٍ قريب، بينهما خصومة يقول: لا داعي أن نذهب أنا وأنت ونعطل مصالحنا إلى المحكمة، أنت تعرف القضية واشرحها للشيخ، واللي يقول لك هو الحكم. فذهب إلى القاضي وشرح له القضية، وقال: الحق لخصمك وانتهى، قال: الحق لك، شرح له الشيخ وانتهى الإشكال.
وشخص في هذه الأيام لما حكم عليه بقضية، قيل له: إن أردت الاعتراض قدم للتمييز، هذه اللائحة، اكتب ما شئت، فانكب على الماصة يبكي، أنا أعترض على حكم الله، والله -جل وعلا- يقول: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [(٦٥) سورة النساء]، أنا أعترض؟ فبكى.
يعني الأمة ما زال فيها خير، لكن الكلام على الكثير الغالب، الكثير الغالب نجد الردود ونجد بعض الكلمات التي لا يحتمل سماعها. نعم، هذه قد تكون طبيعة البشر مجبولين على هذا، لكن ينبغي أن تكون الطبائع مسيسة ومأطورة بأوامر الشرع، ف في الحديث يقول: ((وهوىً متبع، ودنياً مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع عنك العوام، فإن من وراءكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم)) وهذا حديثٌ حسن، زاد أبو داود في حديثه: قيل يا رسول الله: أجر خمسين رجلاً منا أو منهم؟ قال: ((بل أجر خمسين رجلاً منكم)) يعني من الصحابة.
وفي البخاري عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: ((يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمٌ يتبع بها شعب الجبال، ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن)) وهذا ما يعرف عند أهل العلم بالعزلة.
لكن متى تكون العزلة؟ العزلة تكون راجحة بالنسبة لشخصٍ يخشى على نفسه أن يتأثر، ومع ذلك لا يستطيع أن يؤثر في غيره، مثل هذا يقال له اعتزل، ويكون خير مالك غنم تتبع بها شعب الجبال، لكن مِن عالم يستطيع أن يدافع بعلمه، بحلمه، بحكمته، يستطيع أن يؤثر في الناس، يستطيع أن يدفع بعض الشرور، يدفع بعض الشرور، يخفف، يقلل من بعض الشرور، هذا الخلطة أفضل له.
стр. 244
روى مسلم والترمذي من حديث معقل بن يسار ﵁ أن النبي ﵊ قال: ((العبادة في الهرج كهجرة إليَّ)).
يقول النووي في شرح مسلم: "قوله ﵊: ((العبادة في الهرج كهجرة إلي)) المراد بالهرج هنا: الفتنة، واختلاط أمور الناس، وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها".
في الحديث السابق: ((للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم)) يعني من الصحابة رضوان الله عليهم، قد يشكل هذا على بعض الناس، ويقول: أنه قد يأتي في آخر الزمان من هو أفضل من الصحابة؛ لأننا إذا نظرنا إلى بعض أعمال الناس في الزمن المتأخر وجدناه كثير جداً ومتنوع، تجده ثري مثلاً، وصاحب صلاة، وذكر وتلاوة وصيام وبذل أموال، مدة طويلة تزيد مثلاً على نصف قرن، وأجره مثل أجرين خمسين من الصحابة، إذن أجوره لا يحاط بها، كثيرة جداً، فهل يتصور أن مثل هذا أفضل من أقل الصحابة شأناًً، وليس فيهم قليل الشأن، بل كل واحد منهم شأنه عظيم أعني الصحابة رضوان الله عليهم؟
لا .. أجر خمسين في العمل نفسه، أما شرف الصحبة وأجر الصحبة فلن يناله أحد، أي كائناً من كان، ولا عمر بن عبد العزيز، الخليفة الراشد المعروف.
ولما سئل من سئل عن معاوية بن أبي سفيان وعمر بن عبد العزيز أيهما أفضل؟ قال: غبارٌ في أنف معاوية مع رسول الله ﷺ خيرٌ من عمر بن عبد العزيز.
стр. 245
فالصحبة شرفٌ لا يناله أحد إلا من اتصف به ممن رأى النبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك، فدع عنك مسألة الصحبة، وأجرها، هذا أمرٌ لا يدركه أحد ممن توفي النبي ﵊ قبل أن يراه، بعد ذلك الأعمال متفاوتة، نعم، أعمال في وقت أفضل منها نفسها في وقتٍ آخر، تتصدق بألف ريال في وقت الناس فيه ليسو بحاجة ماسة، ليس أجره كمن تصدق بدرهم وقع موقعاً عظيماً في نفس المتصدق عليه، أنقذه من هلكة، تتفاوت، والناس عند فساد الزمان تمسكهم بالدين شأنه عظيم؛ لأنهم لا يجدون من يعينهم، وأما في عهد النبي ﵊ فبعضهم يعين بعضاً يشجع بعضهم بعضاً، ومع ذلكم شرف الصحبة لا يناله أحد ممن لم ير النبي ﵊ مؤمناً به؛ لأن هذا قد يشكل، مقرر عند أهل العلم أن الصحابة أفضل ممن جاء بعدهم.
وروى مسلم والترمذي من حديث معقل بن يسار ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((العبادة في الهرج كهجرة إليَّ)).
يقول النووي في شرح مسلم: "قوله ﵊: ((العبادة في الهرج كهجرة إلي)) المراد بالهرج هنا الفتنة، واختلاط أمور الناس، وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها ويشتغلون عنها ولا يتفرغ لها إلا الأفراد".
صحيح، يعني مر بنا ظروف فيها شدة على بعض بلاد المسلمين وحروب وقتل بالجملة، هذه فتنة، وهرج وقتل، تجد كثير من الناس من المسلمين انشغل بهذه الفتنة، يتابعها ليلاً ونهاراً على سائر الوسائل، المقروءة والمسموعة والمرئية، وشغل بها فكره، وانشغل بها عن عبادة ربه، مَن مِن الناس -حتى من طلاب العلم- يقول رأيت الناس انشغلوا بهذه الأمور فأنصرف إلى قراءة القرآن، أشغل نفسي بدل قراءة الصحف التي ينفق عليها كثيرٌ من الناس وقت طويل أقرأ القرآن بدلها؟ وبدلاً من أن أستمع إلى آلة فيها الأخبار سواءً كانت مسموعة أو مرئية أصلي بقدر الوقت الذي يستمع فيه الناس ويرون، ما ينصرف إلى هذه الأعمال إلا رجل موفق. ((العبادة في الهرج كهجرة إلي)) فلا يتفرغ لها إلا الأفراد.
стр. 246
من من الناس يوم انشغل الناس بالأسهم في الأيام الماضية طلوعاً ونزولاً، انشغلوا بها شغلاً مذهلاً من من الناس من انصرف إلى عبادة ربه، في هذه الظرف الذي انشغلوا فيه.
في إكمال المعْلِم للقاضي عياض قوله: ((العبادة في الهرج كهجرة إلي)) أي في احتدام الفتنة واختلاط أمر الناس، فيحمل أنه في آخر الزمان الذي أنذر به في الحديث بقوله: ((ويكثر الهرج)) ويحتمل أنه عمومٌ في كل وقتٍ وفضل الانعزال حينئذٍ لعبادة الله ".
أما كونه مخصوص في آخر الزمان فالحديث لا يدل عليه؛ لأن هذا التفضيل مربوط بوجود السبب الذي هو: الهرج، القتل، الفتنة، فكلما وجد الوصف الذي علق به هذا الفضل يوجد الفضل، فكلما وجدت فتنة ينصرف الإنسان إلى عبادة ربه، هذا إذا كان لا يستطيع أن يكون مؤثراً في هذه الفتنة، في إزالتها في تخفيفها، وإلا لو كان له أثر في إزالتها وتخفيفها كانت أفضل من العبادة الخاصة؛ لأن المقرر عند أهل العلم أن العبادات المتعدية أفضل من اللازمة.
ويقول القرطبي في المفهم: "قوله: ((العبادة في الهرج كهجرة إلي)) قد تقدم أن الهرج الاختلاط والارتباك ويراد بها الفتن والقتل، واختلاط الناس بعضهم في بعض، فالمتمسك بالعبادة في ذلك الوقت والمنقطع إليها المعتزل عن الناس أجره كأجر المهاجر إلى النبي ﷺ ؛ لأنه يناسبه من حيث أن المهاجر قد فر بدينه عمن يصده عنه" يعني هذا وقت النبي ﵊ فر بدينه من قومه وعشيرته الذين يحاولون أن يصدوه عن دينه ويصرفوه عنه، من حيث أن المهاجر يعني إلى النبي ﵊ قد فر بدينه عمن يصده عنه إلى الاعتصام بالنبي ﷺ وكذلك هذا المنقطع للعبادة قد فرَّ من الناس بدينه إلى الاعتصام بعبادة ربه، فهو على التحقيق قد هاجر إلى ربه، وفر من جميع خلقه.
стр. 247
لا شك أن المخرج من هذه الفتن إنما هو بالاعتصام بكتاب الله وسنة نبيه ﵊، بعبادة الله -جل وعلا- على نورٍ من الله، لا على جهل، وابتداع، يعني بعض الناس يسمع بالعبادة وفضل العبادة ويضرب في كل بابٍ منها بنصيب، ثم بعد ذلك يكون عمله هباء؛ لأنه يعبد الله على غير ما أراده الله -جل وعلا-، ومن غير اتباع لنبيه ﵊.
يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى- في نونيته: فصلٌ فيما أعده الله تعالى من الإحسان للمتمسكين بكتابه وسنة رسوله ﷺ عند فساد الزمان، يقول ﵀:
هذا وللمتمسكين بسنة الـ ... مختار عند فساد ذي الأزمانِ
أجرٌ عظيم ليس يقدر قدره ... إلا الذي أعطاه للإنسانِ
فروى أبو داود في سنن له ... ورواه أيضاً أحمد الشيباني
أثراً تضمن أجر خمسين امرئ ... من صحب أحمد خيرة الرحمنِ
إسناده حسنٌ ومصداق له ... في مسلم فافهمه فهم بيانِ
إن العبادة وقت هرج هجرة ... حقاً إليَّ وذاك ذو برهانِ إذا عرفنا هذا، إذا عرفنا الفتن وأسباب الفتن، والمخرج من الفتن، وفضل العبادة في وقت الفتن، نعرف أن العبادة المطلوبة في وقت الفتن إما لازمة يعني قاصرٌ نفعها على المتعبد أو متعدية، والمقرر عند أهل العلم أن المتعدي في الجملة أفضل من القاصر، لكن ليس على إطلاقه، ليس هذا على إطلاقه، ليس معنى هذا أن تعطل العبادات القاصرة، ولذلك شرع في بعض الأوقات العبادات القاصرة دون المتعدية، فالاعتكاف إنما هو للعبادات القاصرة، وليس للعبادات المتعدية، ولذا تعليم العلم الذي هو من أفضل الأعمال، بل من أفضل ما يتطوع به لا يشرع في وقت الاعتكاف، إنما يشرع الذكر التلاوة الصلاة مع الصيام، يكثر الإنسان من هذه الأمور في وقت الاعتكاف وهي قاصرة.
стр. 248
أيضاً الركن الثاني من أركان الإسلام، وهو مقدمٌ على الثالث والثاني قاصر وهو الصلاة، والثالث متعدٍ وهو الزكاة، فليست هذه القاعدة على إطلاقها، وإن كان أهل العلم يطلقونها، إذا عرفنا هذا من الناس من لا يستطيع النفع المتعدي، ليس لديه القدرة في التأثير على الناس، نقول لمثل هذا أقلل بمطلوب الإمكان من الاختلاط بالناس، واقتصر على ما أوجب الله عليك من صلة وبر وزيارة في الله مما يستحب لك ذلك، وجاءت النصوص بطلبه، وافعل ما أمرت به من حقوق المسلم على المسلم، واتجه إلى العبادات الخاصة، أكثر من الصيام، أكثر من الصلاة النوافل، أكثر من تلاوة القرآن، لا يزال لسانك رطباً بذكر الله، مُر بالمعروف وانه عن المنكر حسب استطاعتك، ولا تختلط بالناس، ولا توغل في الخلطة بحيث تتأثر من الناس، هذا الذي لا يستطيع التأثير في الناس.
أما من يستطيع التأثير في الناس بأن يغشى محافلهم، ومجالسهم ومجتمعاتهم ونواديهم، يغشى هذه الأماكن للإنكار، وللأمر بالمعروف ولتنبيه الناس، وتوجيههم وتعليمهم الخير، لا شك أن مثل هذا أفضل بالنسبة لهم, وهذا خلاصة ما يقال في الخلطة والعزلة.
لو قرأنا في كتب أهل العلم منذ سنين، الخطابي المتوفى سنة ٣٨٨هـ يفضل العزلة في وقته.
الكرماني وهو في القرن الثامن والعيني وهو بعده يقولون: والمتعين في هذه الأزمان العزلة، لاستحالة خلو المحافل من المنكرات، هذا قبل كم؟ قبل سبعمائة سنة، هذا كلام يقال، فكيف بأزماننا؟!
لكن يبقى أن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم ويسعى في نفعهم وتوجيههم، وسنة المدافعة أمرٌ مقرر في الشرع، يعني الإنسان لو تركت هذه الأعمال وتركت هذه الأمور، كلها للناس الذين لا خير فيهم لا شك أن هذا ضرر محض على الدين وأهله، فلا بد من المزاحمة ولا بد من المدافعة، ومع ذلك لا بد أيضاً من الحكمة والرفق واللين في هذه المزاحمة وفي هذه المدافعة، والرفق عموماً لا يدخل في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه.
стр. 249
على كل حال هذا هو القول الفصل في العزلة والخلطة، ونحن نرى من الناس من اعتزل، مع أنه بالإمكان أن ينفع، وينتفع به، يعني من أهل العلم لو خصص من وقته اقتطع من وقته جزءاً لإقراء الناس وتعليمهم العلم لانتفع به خلق مع الوقت، ومن الناس من يخالط وهو مسكين يتأثر، كل يومٍ في نقص ولا يستطيع أن يؤثر في أحد، ومع ذلك علينا أن ننظر إلى هذا الأمر بجد، وكل إنسان يعرف من نفسه ما جبل عليه، وما أوتي من مواهب، فإن كان لديه استطاعة وقدرة في خلطة الناس، ومحاولة الإصلاح والتغيير والتأثير عليهم، مثل هذا لا شك أنه في جهاد، وهذا أفضل من العزلة, أما من لا يستطيع ذلك فالعزلة في حقه مفضلة، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين.
شكر الله لفضيلة شيخنا الدكتور العلامة: عبد الكريم بن عبد الله الخضير على هذا البيان، ونسأل الله أن يجعل ذلك في ميزان حسناته، وأن يعصمنا وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
يقول السائل: ما هو توجيهكم للذين فتنوا بالمال، خاصة بعد ظهور المساهمات وما فيها من أمور مشتبهة أو محرمة؟
أقول: هؤلاء الذين آثروا الدنيا على الآخرة، ولا شك أن الدنيا ضرة، ضرة بالنسبة للآخرة، والإيغال فيها مؤثر فيما يقرب إلى الله -جل وعلا- فإن آثر دنياه أضر بآخرته، وإن آثر آخرته لا شك أنه يتضرر في دنياه، لكن قد يوفق لعملٍ لا يحتاج منه إلى جهد، إذا التفت إلى آخرته، والمتاجرة مع ربه، ومن يؤثر هذه الدنيا ويكسب فيها من الحطام ما يكسب، واليوم يكسب وغداً يخسر، وإذا كسب كسب عشرة بالمائة عشرين بالمائة، وهو في أمور الآخرة الحسنة بعشر أمثالها، ألف بالمائة، من يتخيل هذا، يعني في أسبوع وهو مرتاح بعد صلاة الصبح إلى أن تتشرق الشمس يقرأ القرآن ويحصل على ثلاثة ملايين حسنة، على أقل تقدير، إلى أضعاف كثيرة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ومثل هذا العمل لا يعوقه عن شيء من أمور دينه ولا دنياه، فإذا انتشرت الشمس صلى ما كتب له ركعتين أو أربع أو ست أو ثمان، يرجع بوافر الأجر والثواب من الله -جل وعلا-.
стр. 250
أما من انصرفوا إلى أمور الدنيا وهذا لوحظ وظهر أثره على أبدان الناس، وعقولهم، فضلاً على أديانهم، أما تأثيرها على الأديان مرّ بنا وبغيرنا أيضاً من طلاب العلم ممن كان يلازم الدروس وأموره بالنسبة للدنيا ماشية ما عنده مشكلة، ثم بعد ذلك انقطع بالكلية عن التعلم, ولازم العلماء عشرات السنين ثم بعد ذلك في سنة أو سنتين رجع شبه العامي.
следующие страницы →