Полный текст (1 191 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
من من الناس يوم انشغل الناس بالأسهم في الأيام الماضية طلوعاً ونزولاً، انشغلوا بها شغلاً مذهلاً من من الناس من انصرف إلى عبادة ربه، في هذه الظرف الذي انشغلوا فيه.
في إكمال المعْلِم للقاضي عياض قوله: ((العبادة في الهرج كهجرة إلي)) أي في احتدام الفتنة واختلاط أمر الناس، فيحمل أنه في آخر الزمان الذي أنذر به في الحديث بقوله: ((ويكثر الهرج)) ويحتمل أنه عمومٌ في كل وقتٍ وفضل الانعزال حينئذٍ لعبادة الله ".
أما كونه مخصوص في آخر الزمان فالحديث لا يدل عليه؛ لأن هذا التفضيل مربوط بوجود السبب الذي هو: الهرج، القتل، الفتنة، فكلما وجد الوصف الذي علق به هذا الفضل يوجد الفضل، فكلما وجدت فتنة ينصرف الإنسان إلى عبادة ربه، هذا إذا كان لا يستطيع أن يكون مؤثراً في هذه الفتنة، في إزالتها في تخفيفها، وإلا لو كان له أثر في إزالتها وتخفيفها كانت أفضل من العبادة الخاصة؛ لأن المقرر عند أهل العلم أن العبادات المتعدية أفضل من اللازمة.
ويقول القرطبي في المفهم: "قوله: ((العبادة في الهرج كهجرة إلي)) قد تقدم أن الهرج الاختلاط والارتباك ويراد بها الفتن والقتل، واختلاط الناس بعضهم في بعض، فالمتمسك بالعبادة في ذلك الوقت والمنقطع إليها المعتزل عن الناس أجره كأجر المهاجر إلى النبي ﷺ ؛ لأنه يناسبه من حيث أن المهاجر قد فر بدينه عمن يصده عنه" يعني هذا وقت النبي ﵊ فر بدينه من قومه وعشيرته الذين يحاولون أن يصدوه عن دينه ويصرفوه عنه، من حيث أن المهاجر يعني إلى النبي ﵊ قد فر بدينه عمن يصده عنه إلى الاعتصام بالنبي ﷺ وكذلك هذا المنقطع للعبادة قد فرَّ من الناس بدينه إلى الاعتصام بعبادة ربه، فهو على التحقيق قد هاجر إلى ربه، وفر من جميع خلقه.
стр. 247
لا شك أن المخرج من هذه الفتن إنما هو بالاعتصام بكتاب الله وسنة نبيه ﵊، بعبادة الله -جل وعلا- على نورٍ من الله، لا على جهل، وابتداع، يعني بعض الناس يسمع بالعبادة وفضل العبادة ويضرب في كل بابٍ منها بنصيب، ثم بعد ذلك يكون عمله هباء؛ لأنه يعبد الله على غير ما أراده الله -جل وعلا-، ومن غير اتباع لنبيه ﵊.
يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى- في نونيته: فصلٌ فيما أعده الله تعالى من الإحسان للمتمسكين بكتابه وسنة رسوله ﷺ عند فساد الزمان، يقول ﵀:
هذا وللمتمسكين بسنة الـ ... مختار عند فساد ذي الأزمانِ
أجرٌ عظيم ليس يقدر قدره ... إلا الذي أعطاه للإنسانِ
فروى أبو داود في سنن له ... ورواه أيضاً أحمد الشيباني
أثراً تضمن أجر خمسين امرئ ... من صحب أحمد خيرة الرحمنِ
إسناده حسنٌ ومصداق له ... في مسلم فافهمه فهم بيانِ
إن العبادة وقت هرج هجرة ... حقاً إليَّ وذاك ذو برهانِ إذا عرفنا هذا، إذا عرفنا الفتن وأسباب الفتن، والمخرج من الفتن، وفضل العبادة في وقت الفتن، نعرف أن العبادة المطلوبة في وقت الفتن إما لازمة يعني قاصرٌ نفعها على المتعبد أو متعدية، والمقرر عند أهل العلم أن المتعدي في الجملة أفضل من القاصر، لكن ليس على إطلاقه، ليس هذا على إطلاقه، ليس معنى هذا أن تعطل العبادات القاصرة، ولذلك شرع في بعض الأوقات العبادات القاصرة دون المتعدية، فالاعتكاف إنما هو للعبادات القاصرة، وليس للعبادات المتعدية، ولذا تعليم العلم الذي هو من أفضل الأعمال، بل من أفضل ما يتطوع به لا يشرع في وقت الاعتكاف، إنما يشرع الذكر التلاوة الصلاة مع الصيام، يكثر الإنسان من هذه الأمور في وقت الاعتكاف وهي قاصرة.
стр. 248
أيضاً الركن الثاني من أركان الإسلام، وهو مقدمٌ على الثالث والثاني قاصر وهو الصلاة، والثالث متعدٍ وهو الزكاة، فليست هذه القاعدة على إطلاقها، وإن كان أهل العلم يطلقونها، إذا عرفنا هذا من الناس من لا يستطيع النفع المتعدي، ليس لديه القدرة في التأثير على الناس، نقول لمثل هذا أقلل بمطلوب الإمكان من الاختلاط بالناس، واقتصر على ما أوجب الله عليك من صلة وبر وزيارة في الله مما يستحب لك ذلك، وجاءت النصوص بطلبه، وافعل ما أمرت به من حقوق المسلم على المسلم، واتجه إلى العبادات الخاصة، أكثر من الصيام، أكثر من الصلاة النوافل، أكثر من تلاوة القرآن، لا يزال لسانك رطباً بذكر الله، مُر بالمعروف وانه عن المنكر حسب استطاعتك، ولا تختلط بالناس، ولا توغل في الخلطة بحيث تتأثر من الناس، هذا الذي لا يستطيع التأثير في الناس.
أما من يستطيع التأثير في الناس بأن يغشى محافلهم، ومجالسهم ومجتمعاتهم ونواديهم، يغشى هذه الأماكن للإنكار، وللأمر بالمعروف ولتنبيه الناس، وتوجيههم وتعليمهم الخير، لا شك أن مثل هذا أفضل بالنسبة لهم, وهذا خلاصة ما يقال في الخلطة والعزلة.
لو قرأنا في كتب أهل العلم منذ سنين، الخطابي المتوفى سنة ٣٨٨هـ يفضل العزلة في وقته.
الكرماني وهو في القرن الثامن والعيني وهو بعده يقولون: والمتعين في هذه الأزمان العزلة، لاستحالة خلو المحافل من المنكرات، هذا قبل كم؟ قبل سبعمائة سنة، هذا كلام يقال، فكيف بأزماننا؟!
لكن يبقى أن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم ويسعى في نفعهم وتوجيههم، وسنة المدافعة أمرٌ مقرر في الشرع، يعني الإنسان لو تركت هذه الأعمال وتركت هذه الأمور، كلها للناس الذين لا خير فيهم لا شك أن هذا ضرر محض على الدين وأهله، فلا بد من المزاحمة ولا بد من المدافعة، ومع ذلك لا بد أيضاً من الحكمة والرفق واللين في هذه المزاحمة وفي هذه المدافعة، والرفق عموماً لا يدخل في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه.
стр. 249
على كل حال هذا هو القول الفصل في العزلة والخلطة، ونحن نرى من الناس من اعتزل، مع أنه بالإمكان أن ينفع، وينتفع به، يعني من أهل العلم لو خصص من وقته اقتطع من وقته جزءاً لإقراء الناس وتعليمهم العلم لانتفع به خلق مع الوقت، ومن الناس من يخالط وهو مسكين يتأثر، كل يومٍ في نقص ولا يستطيع أن يؤثر في أحد، ومع ذلك علينا أن ننظر إلى هذا الأمر بجد، وكل إنسان يعرف من نفسه ما جبل عليه، وما أوتي من مواهب، فإن كان لديه استطاعة وقدرة في خلطة الناس، ومحاولة الإصلاح والتغيير والتأثير عليهم، مثل هذا لا شك أنه في جهاد، وهذا أفضل من العزلة, أما من لا يستطيع ذلك فالعزلة في حقه مفضلة، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين.
شكر الله لفضيلة شيخنا الدكتور العلامة: عبد الكريم بن عبد الله الخضير على هذا البيان، ونسأل الله أن يجعل ذلك في ميزان حسناته، وأن يعصمنا وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
يقول السائل: ما هو توجيهكم للذين فتنوا بالمال، خاصة بعد ظهور المساهمات وما فيها من أمور مشتبهة أو محرمة؟
أقول: هؤلاء الذين آثروا الدنيا على الآخرة، ولا شك أن الدنيا ضرة، ضرة بالنسبة للآخرة، والإيغال فيها مؤثر فيما يقرب إلى الله -جل وعلا- فإن آثر دنياه أضر بآخرته، وإن آثر آخرته لا شك أنه يتضرر في دنياه، لكن قد يوفق لعملٍ لا يحتاج منه إلى جهد، إذا التفت إلى آخرته، والمتاجرة مع ربه، ومن يؤثر هذه الدنيا ويكسب فيها من الحطام ما يكسب، واليوم يكسب وغداً يخسر، وإذا كسب كسب عشرة بالمائة عشرين بالمائة، وهو في أمور الآخرة الحسنة بعشر أمثالها، ألف بالمائة، من يتخيل هذا، يعني في أسبوع وهو مرتاح بعد صلاة الصبح إلى أن تتشرق الشمس يقرأ القرآن ويحصل على ثلاثة ملايين حسنة، على أقل تقدير، إلى أضعاف كثيرة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ومثل هذا العمل لا يعوقه عن شيء من أمور دينه ولا دنياه، فإذا انتشرت الشمس صلى ما كتب له ركعتين أو أربع أو ست أو ثمان، يرجع بوافر الأجر والثواب من الله -جل وعلا-.
стр. 250
أما من انصرفوا إلى أمور الدنيا وهذا لوحظ وظهر أثره على أبدان الناس، وعقولهم، فضلاً على أديانهم، أما تأثيرها على الأديان مرّ بنا وبغيرنا أيضاً من طلاب العلم ممن كان يلازم الدروس وأموره بالنسبة للدنيا ماشية ما عنده مشكلة، ثم بعد ذلك انقطع بالكلية عن التعلم, ولازم العلماء عشرات السنين ثم بعد ذلك في سنة أو سنتين رجع شبه العامي.
стр. 251
يا أخي أنت حفظت القرآن وتعبت عليه وفي سنتين أو ثلاث تنسى القرآن، أي كارثة مثل هذه الكارثة، ولو سيقت لك الدنيا بحذافيرها، والدنيا إذا علمنا حقيقة هذه الدنيا وأنها ملعونة ملعونٌ ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعرفنا أن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة فكيف نؤثر الأدنى على الأعلى، يعرف حقيقة الدنيا مثل سعيد بن المسيب ابن الخليفة يخطب ابنته، والوسيط يقول له: جاءتك الدنيا بحذافيرها، هذا ولد الخليفة يخطب بنتك، جاءتك الدنيا بحذافيرها، وسعيد بن المسيب من العلماء الراسخين، هو أفضل التابعين عند الإمام أحمد، وإن كان القول المرجح أن أفضل التابعين أويس بالنص الصحيح. أما من جهة العلم فلا شك أن سعيد أعلم من أويس، لكن يبقى أنه أفضل التابعين عند الإمام أحمد وله وجه تفضيله، وإن كان الحديث الصحيح يرجح أويساً القرني، لما قيل له: جاءتك الدنيا بحذافيرها، ماذا كان الرد؟ الرد قال: إذا كانت الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، فماذا ترى يقص لي من هذا الجناح، الخليفة برأسه كيف يقص لي من هذا الجناح، ومع ذلك يزوج هذه البنت المرأة الصالحة العابدة العالمة يزوجها أفقر واحد من طلابه، من لا يجد المهر، ويجهزها له ويزفها إليه و. . . . . . . . .، هذا الذي يعرف حقيقة الدنيا، أما إذا لاحت لنا الدنيا، لوحت لنا بجناحٍ مظلم نتبعها ونترك الآخرة، بعض طلاب العلم نسوا القرآن، منهم من صلى صلاة الظهر وجهر بالقراءة وأمنوا خلفه هذه حياة؟!! نسأل الله السلامة والعافية، فالأمر خطير، يعني هذا بالنسبة للأثر على الدين، الأثر على الدنيا قطعت الأرحام، ترك الآباء والأمهات ما يزارون من أجل هذه الأسهم، حصل الخلل في العقول، مات بعض الناس، جلطات، منهم من جُن، هذه أمور حقيقة تعطي دروس ولكن مع الأسف أنهم لو ردوا لعادوا، لو ارتفعت هذه الأسهم رجعوا ثانية، وليس بأعجب ممن لو أدخلوا النار وخرجوا منها لردوا لعادوا كما أخبر الله -جل وعلا- وإلا قبل سنتين تعرفون الكارثة اللي حصلت، كارثة يعني أدخل المستشفيات بسببها عدد كبير، صار كثير من المستشفيات لا تقبل لكثرة من أصيبوا قبل سنتين، ثم بعد ذلك عادوا، وهذه الكارثة أعظم منها ولو ردوا لعادوا،
стр. 252
والله المستعان، فعلى الإنسان أن يقتصد في أمر دنياه، ويكفيه منها البلغة، ولا يعني أنه يعيش يتكفف الناس يسأل الناس من أموالهم، لا. الله -جل وعلا- يقول: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [(٧٧) سورة القصص]، لكن لا تعكس المسألة، تستغرق في أمور دنياك، ثم يقال لك لا تنسَ نصيبك من الآخرة، فالتوازن لا بد منه في حياة المسلم، والله المستعان.
يقول السائل: بعض الناس يتعبد لله بالصلاة وقراءة القرآن وغيرها من الأعمال الصالحة، ولكنه قد يشاهد التلفاز والصور المحرمة، فما توجيهكم لهؤلاء أحسن الله إليكم؟
هذا المتعبد لله -جل وعلا- الذي يرجو ثواب الله، عليه أن يحافظ على ما اكتسبه من أجور، ولا يكون مفلساً يوم القيامة، يأتي بهذه الأجور وبالمقابل يأتي بأوزار، والمسألة مسألة ميزان، له كفتان، كفة حسنات وكفة سيئات، ولا شك أن السيئات على حساب الحسنات، فمن عمل العمل الصالح يرجو ثوابه عليه أن يحافظ عليه، ولا يكون مفلساً يوم القيامة، يأتي بأعمال أمثال الجبال ثم بعد ذلك تذهب هباءً منثوراً، يظلم الناس ويأكل أموالهم ويشتم الناس، ويرتكب محرمات، ثم بعد ذلك عند المقاصة لا يجد شيئاً، فعلى المسلم الذي يتعب على هذه الحسنات أن يسعى على دوامها وثباتها.
يقول السائل: هل من لا يدع أهله يكملون الدراسة بسبب ما يوجد في بعض الثانويات والكليات من الفتن، هل في ذلك طيف من الصحة، أحسن الله إليكم؟
стр. 253
العلم الشرعي مطلوب من النساء كما هو مطلوب من الرجال، وأعني بذلك العلم الشرعي المأمور به في النصوص الشرعية المورث لخشية الله -جل وعلا- وما لا تقوم الدنيا إلا به من العلوم الأخرى، هذا كله مطلوب، لكن يبقى أن الأصل بالنسبة للمرأة القرار في البيت، يقول الله جل وعلا: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [(٣٣) سورة الأحزاب]، فإذا تعارض مثل هذا مع هذا ترجع إلى الأصل، إذا كان هناك معارضة، أما إذا أمكن التوفيق بأن أدت عملها الأصلي في بيتها، وخدمت زوجها، وواصلت دراستها، ومع ذلك حافظت على نفسها؛ لأن الخروج من البيت وكثرة الخروج له ضريبة، فإذا حافظت على حشمتها وخرجت بزيٍ لا تفتن ولا تفتن بواسطته، واستعملت أيضاً خروجها في طريقها وفي مدرستها إذا رأت ملاحظة لإحدى زميلاتها أسدت إليها نصيحة، وصارت داعية خير في هذا المحفل الذي يجمع جمع من الطالبات، إذا انضم إلى ذلك دعوة إلى الله -جل وعلا- وتوجيه، وإنكار لمنكر، وأمر بمعروف، هذا لا شك أنه خير، فالمنع منه غير متجه، أما إذا خلا من ذلك كله، ورأى النقص في حياة هذه الزوجة، سواء كان فيما يتعلق في بيتها أو في دينها أو في عملها أو في تربية أولادها، لا شك المنع له وجه.
هذا سائل يقول: فضيلة الشيخ أحسن الله إليكم، هلا وجهتمونا كيف نعود الناشئة على العبادة؟
أولاً تعويد الناشئة على العبادة يكون بالقدوة الصالحة، ولذا شرع أو شرعت النوافل في البيت، وأفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة، ليقتدى به، يقتدي به هؤلاء الناشئة مع أمرهم بها، واقتدائهم به في فعلها، فإذا أراد أن يصلي قال: انتبه إلى هذه الصلاة وصلِّ معي كما صلى ابن عباس مع النبي ﵊ قبل أن يكلف، فأداره النبي ﵊ من شماله إلى يمينه، فوجهه بالقول والفعل، فبالقدوة الصالحة والأمر بلطف ورفق وتوجيه مقبول لا شك أنهم يحبون بواسطة ذلك العبادة وينشأون عليها.
стр. 254
وينشأ ناشئ الفتيان منا ... على ما كان عوده أبوه فإن كان أبوه عوده على العبادة عوده على الصلاة عوده على الصيام، أعطاه أحياناً بعض الأموال اليسيرة من فئة الريال مثلاً وقال إذا رأيت فقير تصدق عليه، أو قال: أهدِ أو أعطِ إخوانك من هذه الريالات أو العكس، كل هذا مطلوب وهذا فيه تمرين للناشئة. بخلاف ما إذا عودهم على خلاف ذلك، فإنما ينشأون على ما عودوا.
سائل يقول: كيف نجمع بين نصيحة النبي ﷺ لأحد أصحابه لما سأل عن آخر الزمان بأن عليه بخاصة نفسه، وبين إنكار المنكر؟
الجمع بين هذه النصوص بما تقدم من هذه تتنزل على أحوال، فمن كان حاله مثل ما ذكرنا سابقاً من أنه بصدد أن يتأثر بهذه المنكرات ولا يؤثر عليه بخاصة نفسه، أما إذا كان يستطيع التأثير في غيره وهو لا يتأثر بشرور الناس مثل هذا عليه أن يزاول الأمر والنهي. والناس كل واحد منهم له مواهبه وله خصائصه، فمن الناس من يطيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويبذل فيه جل وقته، وهذا مشاهد، بينما لو تقول له: اجلس في هذا المكان واقرأ جزء من القرآن كأنما حملته جبل، لا يستطيع الجلوس؛ لأنه نشأ على العمل الميداني، وبعض الناس بالعكس مستعد أن يجلس من صلاة الفجر إلى الساعة العاشرة يجلس خمس ساعات متواصلة ست ساعات، يقرأ القرآن ولا تقول له قم: اذهب إلى المستشفى نزور أخونا فلان، قال والله الآن أنا مشغول أنا ما أستطيع، وهذا مشاهد مجرب عند الناس، لا شك أن لهم ميول، واحد يميل كذا، وأحد يميل إلى كذا، والأمة بمجموعها متكاملة.
سائل يقول: ما هو الأولى في زمن الفتن، الالتفاف حول العلماء والتحصن بالعلم، أم الدعوة إلى الله ، وأنا أحب القرآن وسماعه، ولكن كيف أتدبره، أفدنا أحسن الله إليك؟
стр. 255
لا شك أن الالتفاف بأهل العلم، أهل العلم والعمل، وأهل الخبرة والدراية الذين يدركون من الأمور ما لا يدركه غيرهم، نظراً لطول أعمارهم بمعاناة هذه الأمور واكتسابهم الخبرات لا شك أن هذا مهم، فلا يصدر إلا عن توجيههم مع ملازمتهم بالعلم، ومدارسة العلم مع زملائه وأقرانه، مع مزاولته للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع أبواب الخير الأخرى، فيستطيع أن يقرأ القرآن، ويستطيع أن يصلي، ويستطيع أن يخصص وقت يصلي فيه في المسجد الذي تصلى فيه على الجنائز، ويتبع الجنائز، ويزور المرضى، وهذا كله بالمقدور، ولكن المسألة توفيق من الله -جل وعلا- فالله -جل وعلا- إذا رأى من الإنسان خيراً أعانه عليه، فيعينه على هذا الخير.
وأما بالنسبة لقراءة القرآن كثيرٌ من الناس تعلم القراءة، هذّاً بسرعة، هذا يصعب عليه أن يتدبر، لكن عليه أن يأطر نفسه على التدبر، التدبر يكون بقراءة القرآن على الوجه المأمور به، يعني يرتل القرآن ولا يسرع، ومع ذلك يكون بيده قلم يدون الألفاظ التي تشكل عليه، ويراجع فيها كتب الغريب، فإذا انتهى من القرآن على هذه الطريقة الآن لا يشكل عليه اللفظ، قد يشكل عليه معنى من المعاني، يراجع فيه كتب التفاسير الموثوقة حتى تنحل لديه هذا الإشكالات، ثم بعد ذلك يقرأ القرآن بدون إشكالات، ويتدبر، وفي كل مرة يعرض فيها القرآن يتكشف له من العلوم ما لم يكن عنده من قبل، والهدى كله في تدبر القرآن.
стр. 256
أسئلة محاضرة: العبادة في زمن الفتن
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. وبعد:
ولعلنا نبدأ عرض الأسئلة، وما تبقى من هذه الأسئلة المهمة.
فأبدأ بسؤال لإحدى المواقع، هذه سائلة تقول: فضيلة الشيخ أحسن الله إليكم، أريد معرفة الحكم بأن أكلم الشيوخ عن طريق النت بالكتابة والكلام فيما يتعلق بأمور الجامعة، فهل مثل هذا جائز أو لا؟
الواضح من السؤال أن هذه طالبة في الجامعة، تخاطب الشيوخ والأساتذة المدرسين من خلال الشبكة، فتسألهم ويجيبونها، إذا كان هذا في العلم المحض، وليس فيه خروج عن هذا العلم بأدب العلم، وليس هناك نوايا أخرى غير العلم وقصد العلم، وإذا وجد من أي طرف من الأطراف غير ذلك يقطع الاتصال، فهذا لا بأس به إن شاء الله تعالى.
وهذه الآلة الشبكة لا شك أنها مشتملة على شرورٍ عظيمة، لكن فيها خير، وفيها نفع، وانتشر العلم بواسطتها، والأسئلة ترد إلى المشايخ من الشرق والغرب في آن واحد وفي درسٍ واحد، يردنا من أكثر من عشرين دولة أسئلة، فلا شك أنها خير، فإذا استعملت من هذا الوجه للخير وفي الخير من غير أن يعتري هذا الغير دخن وإلا أمر غير مقبول في الشريعة فهذا استعمال طيب إن شاء الله تعالى.
أحسن الله إليك فضيلة الشيخ، سائلٌ يقول: كيف نعرف أنه قد جاء الزمان الذي يكون العامل فيه بأجر خمسين من الصحابة؟
إذا لم يجد الإنسان ما يعينه على هذه العبادة، بل وجد من يصرفه عنها، وجاهد نفسه لأداء هذا العمل، ولا يجد أدنى عون لا من قريب ولا من بعيد، ولا من أهل ولا من صديق ولا من جار ما يعينه على هذه العبادة، ثم وجد نفسه تحتاجه إلى جهاد، فجاهد نفسه ثبت له الأجر إن شاء الله تعالى.
أحسن الله إليك، سائلٌ يقول: أرجو من فضيلتكم أن تبينوا لنا شيئاً من فتح آخر الزمان، كما بينه النبي ﷺ لأصحابه لما سألوه عن الصلاة في وقت خروج الدجال؟
стр. 257
السؤال هذا ما هو محدد، السؤال ما هو محدد، ففقه آخر الزمان متعلق بجميع أبواب الدين، فما أدري ماذا يقصد. أما السؤال عن الصلاة في يوم مقداره سنة، هذا لا شك أنه يقدر لها، لا يكتفى بخمس صلوات كما قال النبي ﵊ لكن ماذا عن الصيام ماذا عن الزكاة ماذا عن إذا خرج الإنسان بماله ولم يجد من يقبله ماذا يصنع، هل يسقط الفرض، أو لا بد من أدائه إلى الأصناف الثمانية؟ هذه الأمور تطول، تحتاج إلى استعراض جميع أبواب الدين.
أحسن الله إليك، سائلٌ يقول: ذكرتم في المحاضرة أن الهجرة من بلاد الكفر التي استشرى فيها الفساد والمنكر، والسؤال: ما الحكم في الهجرة من بلاد الإسلام إذا استشرى فيها الفساد، ولم يغير، هل تكون واجبة أيضاً؟ وهل هناك حديثٌ معناه: ((لا هجرة بعد الفتح))؟
نعم الحديث ((لا هجرة بعد الفتح)) صحيح، لكنه مخرجٌ عند أهل العلم أنه لا هجرة من مكة بعد فتحها؛ لأنها صارت دار إسلام، ومنهم من يحمله على أنه لا هجرة بعد الفتح أفضل من الهجرة قبل الفتح، أو فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح، فالتخريج سهل، لكن يبقى أنه إذا وجدت المنكرات في بلد وهو لا يد له في تغيير هذا المنكر، ولا يستطيع أن ينزوي في حيٍ بحيث لا يطلع على هذه المنكرات التي لا يستطيع تغييرها، فإن مثل هذا مرغبٌ في هجرته إلى بلدٍ هو أخف منه في المنكرات، ومشاهدة المنكر لا تجوز إلا بنية تغييرها، على كل حال لو أن الإنسان اقتصر في بلده الذي شاعت فيه المنكرات من بيته إلى مسجده الذي يخلو عن المنكرات، حينئذٍ يكون حلس بيته وجليس كتبه وأهله، يربيهم وينشئهم على الخير، ولا يغشى المحافل التي فيها المنكرات التي لا يستطيع تغييرها.
أحسن الله إليك، سائلٌ يقول: الحديث الشريف: ((العبادة في الفتن كهجرة إلي)) هل هو في الصحيحين أم لا؟
هذا الحديث في مسلم، عند مسلم والترمذي, مخرجٌ في صحيح مسلم.
أحسن الله إليك، سائلٌ يقول: هل يصح التفضيل بين المشايخ، وهل هي من الفتن؟
стр. 258
التفضيل لا شك أن على رؤوس الناس الأنبياء، وجاء من قوله ﵊: ((لا تفضلوا بين الأنبياء، ولا تفضلوني على يونس بن متى))، وجاء قول الله -جل وعلا-: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [(٢٥٣) سورة البقرة] فالمفاضلة بينهم هي صريح القرآن، والنهي عن ذلك أنه إذا قصد به ازدراء المفضول والتنقص منه، إذا حمل ذلك التفضيل على التنقص من المفضول يمنع، وقل مثل هذا في أهل العلم، لا شك أن نقول فلان أفضل من فلان وأعلم من فلان فيما يظهر لنا، والسرائر إلى الله -جل وعلا-، لكن الاستفاضة في مثل هذا لا شك أنها كافية عند المسلمين، فبإمكانهم أن يقولوا فلان أعلم من فلان، أو إذا أراد أن يطلب العلم على فلان. . . . . . . . . أن يقول فلان أنفع لك من فلان، هذا لا يمنع إذا لم يصل الأمر بالشخص إلى أن يزدري المفضول أو يتكلم فيه، ولو بما فيه.
ويقول: هل يقيِّم التلميذ شيخه؟
التلميذ لا يستطيع أن يقيم شيخه إلا إذا لزمه مدة طويلة، ووجده بعد هذه المدة أن فائدته منه أقل من إفادته من غيره في أقصر من مدته، فحينئذ يتبع الأنفع له، ومع ذلك لا يجزم بأن حكمه هو الصائب؛ لأنه قد يقيم من زاوية، ومن زوايا أخرى يكون هذا الشيخ أفضل الذي فضله عليه، وعلى كل حال طالب العلم المتمكن المميز يستطيع أن يفاضل بين العلماء لا سيما بالنسبة إلى انتفاعه هو؛ لأنه قد ينتفع من عالم وغيره ينتفع من غيره، ولا شك أن العلماء مدارس، فبعض الناس تناسبه هذه المدرسة، وبعض الناس تناسبه تلك المدرسة، فمثلاً إذا نظرنا إلى علماء هذا الزمان وجدنا مثلاً منهم من يهتم بالرواية والتصحيح والتضعيف للأخبار، كالشيخ الألباني ﵀ وبعض الناس يميل إلى هذا الجانب، فيجد انتفاعه بالشيخ الألباني أكثر من انتفاعه بالشيخ مثلاً ابن عثيمين الذي اهتمامه وعنايته بالدراية أكثر، الرواية من علوم الاستنباط، وبعض طلاب العلم يجعل الشيخ ابن عثيمين أفضل بمراحل من الألباني مثلاً؛ لأن هذا ميوله فقهية، فاستفاد من الشيخ ابن عثيمين أكثر من فائدته من تخاريج الألباني وتصانيفه والعكس.
стр. 259
لكن الله -جل وعلا- جمع بين الأمرين على الشيخ ابن باز ﵀ فعنايته بالرواية والدراية على حد سواء، والله المستعان. وهذا من باب التمثيل وإلا فشيوخنا كلهم فيهم خير وبركة ويعنون بالعلم من جميع أبوابه ولله الحمد.
أحسن الله إليك، سائل يقول: كثر الحديث في الآونة الأخيرة، وتطاول الكلام عن هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك من قبل كتاب بعض الصحف، وأصبحوا يلمزون أعضاء الهيئات ويهاجمونهم ويفتعلون القصص عليهم، ما رأي فضيلتكم في ذلك، وما هو دور المسلم في الرد على هؤلاء الصحفيين الذي زاغت قلوبهم وأقلامهم؟
أما من يقع في رجال الحسبة؛ لأنهم قاموا بهذه الشعيرة فعلى خطرٍ عظيم نسأل الله العافية؛ لأنه ناتجٌ عن كرهٍ لهذه الشعيرة لا لذواتهم، فالذي يكره ما أنزل الله أو بعض ما أنزل على محمد ﵊ من الشعائر كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا شك أن هذا خطر، وهذا من سيما المنافقين نسأل الله السلامة والعافية.
أما من يكره زيداً من الناس ولو كان من أهل الحسبة لمشاحة دنيوية فيما بينه وبينه فمثل هذا يكون كالشخص العادي، لكن أذية الآمرين بالمعروف ورجال الحسبة بدءاً من الكلام في أعراضهم، والتفكه فيهم بمجالسهم، إلى أن يصل الأمر إلى حد القتل، فهو مقرونٌ بأذية الأنبياء الذين يأمرون بالقسط من الناس، هذا مقرونٌ بقتل الأنبياء، فالأمر شأنه عظيم، والكلام فيهم أعظم من الكلام في غيرهم؛ لأن الكلام في الإنسان المجرد عن الصفات الشرعية أمره أخف، وإن كانت غيبة المسلم حرام، والوقوع في عرضه من الكبائر، لكن يبقى أنه إذا تكلم فيه بحسب ما يحمله أو يدعو إليه من علمٍ أو أمرٍ بمعروف ونهي عن منكر فمثل هذا شأنه عظيم، وعلى طالب العلم وعلى مريد النجاة أن يسعى بجهده أن يدافع عن هذه الثلة وهذه الفئة ليدخل في زمرتهم؛ ليكون محباً لهم، فيكون في الآخرة مع من أحب، وهذا أقل ما يقدم لهم الدفاع عنهم.
أحسن الله إليك فضيلة الشيخ، سائلٌ يقول: ما أثر الثناء على أهل البدع والطعن في أهل السنة في زمن الفتن؟
стр. 260
لا شك أن الثناء يغرر بالناس، الثناء يغرر بالناس, والقدح ينفر الناس، فكونك تغرر بالناس في مدح من لا يستحق المدح هذا لا شك أنه غش، وكونك تنفر الناس عمن ينفع الناس لا شك أن هذا قطع طريق، يعني عالم نفع الله به وعلى الجادة، ثم تقول فلان لا يؤخذ العلم عنه، هذا قطع طريق، على طلاب العلم أن يستفيدوا من هذا العالم، وتغريرك بالثناء الكاذب بمن لا يستحق الثناء هذا لا شك أنه غش، وأهل العلم يقررون في شرح حديث: ((الدين النصيحة)) ومن الغش لولي الأمر غره بالثناء الكاذب، فلا يجوز أن يغر أحد بالثناء الكاذب.
نعم، بعض الناس قد يجتهد في الثناء عليه ليصل إلى مصلحة أعظم، وهذه يسلكها بعض العلماء الذين عاصرناهم من أهل العلم والعمل وأهل الجهاد والدعوة، يمدحون ولي الأمر؛ لأنه بهذا المدح ينفتح قلبه، وينشرح لأمور هي من أعمال الخير، ينشرح لها أكثر مما لو يحصل هذا المدح، وعلى كل حال الأمور بمقاصدها، فغر المبتدع، وغر الناس به لا شك أنه غش، بل من أعظم أنواع الغش، فإذا حرم الغش في الدرهم والدينار فلئن يحرم في أديان الناس من باب أولى، فكونه يمدح فلان من المبتدعة لا سيما في الجانب الذي فيه البدعة، لكن لو مدح يجيد علم النحو مثلاً وهو من الأشاعرة يمدح في هذا الباب وينبه على ما فيه من بدعة هذا ما يمنع إن شاء الله تعالى، في شيوخ أئمة الإسلام في العلوم الأخرى لا أعني في علم قال الله وقال رسوله في شيوخهم من هو فيه شوب بدعة، وقد روى الأئمة وعلى رأسهم البخاري ومسلم عمن فيه شوب بدعة، لكن فيما لا يؤيد بدعته مع بيان بدعته، والتحذير منه في هذا الباب، فنفرق بين إذا كان العلم لا يوجد إلا عنده يؤخذ منه هذا العلم لكن مع بيان الواقع، أما أن يمدح بإطلاق, يمدح بما فيه من خير ولا يذكر بما فيه من بدعة لا شك أن هذا تغرير؛ لأنه قد يؤخذ عنه ما عنده من بدعة، يغتر من يسمع هذا المدح ثم يأخذ عنه كل شيء، مما في ذلك بعض ما يعتقده ويدعو إليه من بدعة، والله المستعان.
أحسن الله إليك، سائلٌ يقول: أبين للناس الخير فإذا عملوا ذلك صاروا أحسن مني، فيأتي في قلبي الندم، فما النصيحة؟
стр. 261
لو أدركت حقيقة الأجر المرتب على فعلك ما ندمت؛ لأن من دلّ على هدى فله مثل أجر فاعله، فهذا الذي صار خيراً منك أعماله لك مثل أجرها، فلا تندم، ومع ذلك سابق وسارع وكن خيراً منه.
أحسن الله إليك، سائل يقول: ما دور شباب الإسلام ناحية ولاة الأمور في كثرة الفتن التي ظهرت بين المسلمين من القتل وسب العلماء، وكذلك سب حكام الدولة السعودية؟
على كل حال مثل هذا الأمر ذكرناه في هذه المحاضرة أشرنا إليه، أن على الإنسان أن يحفظ ما اكتسب، والغيبة محرمة، فإذا وقع في أهل العلم، وزهد الناس فيهم، إلى أين يذهب الناس، هذا حال بين الناس وبين الإفادة من أهل العلم، وإذا وقع في الحكام الذين هم ما زالوا في دائرة الإسلام، أو المصلحة في الانضواء تحت لوائهم بدلاً من الفرقة والشتات والقتل والتدمير والتفجير، واختلاف الكلمة، والفساد الذريع لا شك أن هذا القدح يسهم في نشوء مثل هذه الفتن، والله المستعان.
أحسن الله إليك، سائل يقول: ما هي الكتب التي ينطلق منها طالب العلم المبتدئ في علم العقيدة؟
هذه الكتب في سائر العلوم بيناها في مناسبات كثيرة وفيها أشرطة مسجلة في العلوم كلها، لكن ما دام السؤال محدد في العقيدة نشير بإشارة سريعة إلى أن طالب العلم عليه أن يبدأ بمؤلفات الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-، بدءاً من الأصول الثلاثة والقواعد الأربعة، وكشف الشبهات، وكتاب التوحيد، وغيرها من كتبه، فهي خير ما ينشأ عليه طالب العلم في هذا الباب.
هنا سؤال من دولة الإمارات يقول: فضيلة الشيخ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل يجزئني إذا رأيت معصية أن أعطي للشخص متناً أو مطويةً تتحدث عن معصيته ولم أتحدث عن المعصية مشافهة، أو شريطاً أو شيئاً من هذا، فهل يجزئ هذا، حفظكم الله؟
стр. 262
مسألة الإنكار والبيان كلها علاج، وبعض الناس يحتمل الكلام مواجهة، وينشرح صدره لقبول الحديث من المتحدث، فمثل هذا يبين له بلطف ورفق ولين أن ما يرتكبه منكر، وبعض الناس تراه من تصرفاته ومن قسمات وجهه أنك مجرد ما تتكلم يثور عليك ولا يقبل منك شيء، فمثل هذا تقول له: يا أخي تفضل هذه إن شاء الله إنها تنفعك، فإذا أخذها وهدأ مثلاً، وقرأها في بيته واستفاد منها لا شك أن هذا أسلوب من الأساليب النافعة إن شاء الله تعالى.
وهذا سائلٌ يقول: ما حكم شراء الصحف والمجلات التي كثرت فيها الصور، وهل يجوز إدخالها إلى المنزل وهل تمنع دخول الملائكة أم لا؟
لا شك أن التصوير واقتناء الصور أمرٌ محرم، داخلٌ في النصوص التي فيها التشديد على المصورين، وهذه الصحف والمجلات لا تخلو من أخبار، طالب العلم قد يكون بحاجة إليها أحياناً، والاطلاع على أحوال من حوله قد يحتاج إليه، لكن لا يصرف إليه جهده وجل وقته، كما يفعل بعض الناس، بعض الناس من أن يخرج من دوامه أو دراسته تكون معه الصحف والمجلات كلما صدر، بلغته وبغير لغته، من بلده ومن غير بلده، ثم لا يزال بها من صفحة إلى صفحة إلى أخرى إلى قدوم النوم، هذا خاب وخسر إذا كان هذه تجارته وهذه بضاعته، فعلى كل حال شراء هذه الصحف إن كان من قصد الاطلاع على هذه الأخبار التي هو بحاجة إليها، فبقدر ما يحتاجه يقتني، ثم بعد ذلك يتلفها ولا يدخلها في منزله؛ لأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلبٌ ولا صورة.
وهذا سائلٌ يقول: ما حكم وضع جهاز الجوال على تنبيه فيه قراءات أو تلاوات؟
إذا أدى ذلك إلى امتهان القرآن، وسماع القرآن من غير استماع، فإن هذا لا شك أنه إزراء بالقرآن وامتهان له، القرآن إنما أنزل ليقرأ ويتدبر، ويتعبد بتلاوته، ويعمل بأحكامه، ويتخلق بآدابه، فالقرآن منهج ودستور حياة، ليس لهذا الأمر، فلا يجعل فيه بدلاً من النغمات، ولا يعلق في الجدران؛ لأن هذا خلاف ما أنزل من أجله، المقصود أن مثل هذه التلاوات لا تنبغي بل هي خلاف الأولى.
стр. 263
وهذا سائلٌ يقول: فضيلة الشيخ أنا أعيش في بلاد الكفر، وقد أخذت جنسيتهم، وأعمل فيها منذ زمنٍ بعيد، وأنا أستطيع أن أظهر شعائر العبادة، ولكن هل يلزمني الهجرة من تلك البلاد؟
على كل حال إذا كنت تستطيع الهجرة إلى بلدٍ تأمنُ فيه على نفسك وعلى ولدك وتأمن فيها على دينك أولاً وقبل كل شيء وأديان من ائتمنك الله عليهم، إذا كنت تستطيع الهجرة إلى البلاد الموصوفة بهذا الوصف تعين عليك، أما إذا كنت مستضعفاً لا تستطيع حيلة، ولا تهتدي سبيلاً إلى ذلك فأنت معذور. أما كون الإنسان يقول أنه يستطيع أن يظهر الشعائر، بمعنى أنهم يصلون في صالة أو شقة أو في شيء من هذا، ومع ذلك هم يرون المنكرات، ويطالعونها ويستمرونها، ونشأوا فيها، ولا ينكرونها ولا يستطيعون، فمثل هذا لا يكفي، لا يكفي أبداً.
وهذا سؤال من أسئلة الحضور يقول: إذا كان مديري في العمل لا يصلي فكيف أتعامل معه؟ وهل هذه فتنة؟ وهل أسلم عليه؟
إذا كان لا يصلي بالكلية، تعرف أنه لا يصلي بالكلية، لا في بيته ولا في المسجد ولا في العمل وتارك للصلاة، فهذا المرجح أنه كافر، نسأل الله العافية، والتعامل معه كسائر الكفار لا يبدأ بالسلام، ومع ذلك الهجر إن أمكن هو المتعين، وإذا لم يمكن أو لم يترتب عليه مصلحة، فالصلة التي لا تدخل القلب، يعني صلة بلسان أو شبهه، ولو أدى ذلك إلى بذل شيء من المال له، ويرغب فيه بالإسلام، ويكون من أساليب الدعوة إلى الله -جل وعلا- ويكون هذا أنفع له من الهجر، لا شك أن هذا الهجر -كما يقرر أهل العلم علاج- إن كان أنفع فهو المتعين، وإلا فالصلة.
وهذا من أسئلة الإخوة في المواقع، يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، من حافظ على الصلوات الخمس وأتبعها بالنوافل وحافظ على أذكار الصباح والمساء، هل يدخل في جنس المتعبدين، أم أن وصف التعبد مخصوص بصفات لا بد من توفرها؟
стр. 264
على كل حال التعبد أمرٌ نسبي، فالذي يؤدي الواجبات ويترك المحرمات لا شك أنه على خيرٍ عظيم، والأعرابي الذي جاء يقول للنبي ﵊: أن رسولك يقول: إن الله قد افترض علينا خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: آلله أمرك بهذا؟ قال: ((نعم)) فقال: والله لا أزيد عليها ولا أنقص، ثم في النهاية بعد أن ذكر شرائع الدين، قال: ((أفلح إن صدق)).
فهذا لا شك أنه مفلح، لكن إن زاد من أمور العبادة -والجنة درجات- وهذه العبادات أعني القدر الزائد على الواجبات المسلم بحاجة ماسة إليه؛ لأنه لا يضمن أن يأتي بالواجبات على وجهها، لا بد أن يؤديها ولو في بعض الأحيان على وجه فيه شيء من النقص، بعض الناس يقول إنه صلى في المسجد وحافظ على الصلاة، لكن صلاة لم يخرج منها إلا بنصف أجرها، بثلث أجرها، بربع أجرها بعشر أجرها، هذه الصلاة لا شك أنها تحتاج إلى كثرة في النوافل لتسدد هذا النقص، يعني صلاة ناقصة، وبعض الناس يغتر بقوله ﵊: ((الصلوات الخمس إلى الصلوات كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر)) يقول: أنا ما شاء الله أصلي الصلوات الخمس في المسجد، ومع هذا تكفر, الصلاة التي لا يخرج صاحبها إلا بعشر أجرها يقول شيخ الإسلام: إن كفرت نفسها يكفي، أما كونها تكفر غيرها فلا.
فالمقصود بالصلوات التي تؤدى على الوجه المطلوب ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) فعلى الإنسان أن يكثر من النوافل علها أن تسد هذه الخروم وهذه الخروق التي في الفرائض، فالإنسان إذا حوسب على صلاته، ورؤي ما فيها من النقص، قيل: انظروا هل لعبدي من تطوع، فإذا وجد تطوع كمل به النقص، والله المستعان.
وهذا أسئلة من الأخوات، تقول السائلة: ما حكم قراءة المرأة في بعض البرامج العلمية، وتحسين صوتها بقراءة القرآن في البرنامج التعليمي؟
стр. 265
قراءة المرأة وتحسين الصوت إذا كانت بحيث يسمعها الرجال لا تجوز؛ لأن تحسين الصوت لا يسلم من خضوع، والله -جل وعلا- يقول: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [(٣٢) سورة الأحزاب] أما تحسين الصوت في مجتمع وفي محيط نسائي فهو مطلوب، وقد أمرنا بتزيين الصوت، بتحسين الصوت بالقرآن، وأمرنا بالتغني بالقرآن، لكن بحيث لا يسمعه الرجال، وأما صوت المرأة في الجملة إذا كان صوتها الطبيعي بحيث لا يورث فتنة في قلوب الرجال فلا بأس به، لكن يبقى أن قراءة القرآن بالتحزن بالخشوع بتزيين الصوت بتحسينه لا شك أنه يقع من قلب الرجل موقعه، والله المستعان.
فضيلة الشيخ هذا السائل يقول: ما حكم إذا رأيت من هو مقصر في الطاعات، ومرتكب لبعض المعاصي الظاهرة، كحلق اللحية أو الإسبال، هل يجب علي الإنكار عليه؟
هذا منكر، والنبي ﵊ يقول: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده)) لكن أهل العلم يقولون: إذا عمت البلوى بمنكر من المنكرات بحيث يكون تغييره حائلاً دون الإنسان وبين تحقيق مصالحه أو عائقاً لهم عن تحقيقها، أو يجلب عليه مفاسد إذا كثر، إذا دخل محفل من محافل الناس، وجد الغالب منهم حالق للحيته ومسبل، إذا أنكر على هذا ثم على هذا انتهى عليه الوقت، ولما يحصل ما ذهب من أجله فمثل هذا ينكر بقدر استطاعه، ولا يلزمه أن ينكر كل أحد.
سائلٌ يقول: هل يقدم الزواج على طلب العلم؟
стр. 266
الزواج لا شك أنه سنة المصطفى ﵊ ولا تعارض بينه وبين طلب العلم، بل هو خير معين وميسر لطلب العلم، لا سيما إذا كانت الزوجة لها رغبة في العلم، وفيها تدين ذات دين، فلا شك أنها تعينه وتيسير له أسبابه أسباب طلب العلم، ولو لم يكن في ذلك إلا الراحة النفسية، الشاب قبل الزواج لا شك أنه مشتت، وأحياناً يريد أن يحفظ ثم بعد ذلك لا يستطيع؛ لأنه مشتت، قلبه هنا وهناك، لا سيما إذا كانت رغبته في الزواج شديدة، مثل هذا لا يستطيع أن يطلب العلم إلا إذا تزوج، نعم الزواج له ضريبة، وفيه أيضاً شيئ مما يعوق، لا يعني أنه معين من كل وجه، نعم، الزوجة لها مطالب ولها حقوق ولها واجبات ولها أيضاً متطلباتها التي أحياناً لا تكون بيد الزوج، فيحتاج إلى أن ينشغل بها، وعلى كل حال الانشغال بالزوجة وهي سنة من سنن المرسلين، وهي سنة النبي ﵊ ومن رغب عنها فليس منه ﵊ مثل هذا خير ما يعين على طلب العلم وتحصيله، ولا إشكال إن شاء الله تعالى في أن يتزوج الإنسان، وهذا مجرب، مجرب، يعني إنسان إذا هيئت له جميع الأسباب، نظفت ثيابه وجهز طعامه وحتى كتبه رتبت، يعني هذا خير معين لطالب العلم، فالزواج لا شك أنه خير من العزوبة.
سائلٌ يقول: كيف يزيل الشخص الإعجاب بالنفس عند عمل العبادة؟
الإعجاب لا شك أنه آفة من الآفات في سبيل المتعلم والمتعبد، الشيخ حافظ الحكمي ﵀ يقول:
والعجب فاحذره إن العجب مجترفٌ ... أعمال صاحبه في سيله العرم فأنت إذا نظرت إلى من هو فوقك عرفت حقيقة نفسك، وإذا نظرت إلى ما لله جل علا- عليك من نعم ازدريت نفسك وازدريت عملك، وإذا فكرت في حقيقة ذاتك، ومآلك ازدريت ما تعمل، وعلى كل حال على الإنسان أن ينظر في أمور العبادات إلى من فوقه؛ لئلا يعجب بعمله، بينما هو مأمور في أمور الدنيا أن ينظر إلى من هو دونه؛ لأنه أحرى أن لا يزدري نعمة الله عليه.
стр. 267
سائلٌ يقول: نحن طلابٌ في كلية الشريعة، فأرجو منكم يا شيخ النصح لنا وخاصة أنه يوجد منا تقصير في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهل تنصحنا بعد التخرج بالالتحاق بالهيئات لمعاونة إخواننا والاستفادة لنا ولهم؟
أقول: ما دمتم في مرحلة الطلب فليكن الغالب من همكم التعلم، والعمل بالعلم، فالعمل خير معين على التحصيل وتثبيت المعلومات، ومع ذلك لا تنسَ الأبواب الأخرى، إذا مررت بصاحب منكر أنكر عليه، إذا رأيت شخصاً يحتاج إلى إسداء نصيحة أو أمر بمعروف ابذل له النصيحة وامنحه النصيحة، فمثل هذا لا يعوقك، وعليك أيضاً أن تعطي من نفسك، ثم إذا تخرجت إذا التحقت بأي مرفقٍ ينفع الله فيك وكنت أميل إليه، إن كنت ترى أنك تنفع فيه أكثر من المجالات الأخرى فاتجه إليه، وأما العمل في الحسبة لا شك أنه من أفضل الأعمال، وهو سبب حفظ هذه الأمة، وبه يدفع الله جل وعلا الشرور, وفي على لسان المعاصرين يقولون: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام الأمان، هذا من أساليب المحدثين، وكلامهم صحيح؛ لأنه مع عدمه تقع الكوارث فيما مرَّ بنا من الأحاديث.
سائل يقول: هل يكاثر النبي ﷺ الأمم بالفسقة وتاركي الصلاة؟
стр. 268
الرسول ﵊ يكاثر بأمته، والمراد بالأمة أمة الإجابة، فمن خرج عن دائرة الإسلام لا يكاثر به، وأما من كان في دائرة الإسلام فيكاثر به، وإن حصل له ما حصل من عقوبة على بعض ما ارتكبه من منكرات، والمنكرات التي عمت الآن مع الأسف الشديد توجد في مواطن العبادة، وإن كان بعضهم ينازع يقول هذه، وهذا منكر وليس بمنكر، يعني هذه النغمات التي نسمعها حتى في المطاف، نسمع والناس يصلون يسمعونها، هذه النغمات قد ينازع مثلاً من ينكر عليه، فيقول هذه ليست بموسيقى هذا مجرد تنبيه، وهو موجود عند الناس كلهم، وهناك موسيقى يتفق على أنها موسيقى لا نجعلها، لكن مثل هذه النغمات أقول: الحكم فيها جرس الدواب، جرس الدواب ممنوع بالنص الصحيح الصريح ((لا تصحبنا رفقة فيها جرس، ولا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس)) فللنظر إلى هذه النغمات ونقارنها بجرس الدواب، كلٌ يعرف كيف نغمة جرس الدواب، وإلي ما يعرف يروح يسمع يا أخي، فتكون هي الحكم، فما كان مثلها في الإطراب أو فوقها فهو ممنوع، وما كان دونها ففيه مندوحة إن شاء الله تعالى، لأن بعض الناس إذا نوقش عن هذا، يقول: هذه ليست موسيقى، يقول: أنت سامع أغنية فيها مثل هذا، هذه ليست موسيقى، نقول: الحكم في مثل هذا والظاهر الذي جاء فيه النص؛ لأن مثل هذه الأمور يعني يتنازع فيها تقول موسيقى ويقول ما هي موسيقى، ثم بعد ذلك من الحكم، تقول له الحكم الشيخ الفلاني، يقول الشيخ الفلاني هو يعرف الموسيقى علشان نحتكم إليه؟ فنقول الحكم في هذا ما جاء النص فيه وهو جرس الدواب، فإن كانت هذه الموسيقى مثل جرس الدواب في الإطراب أو فوقه فهي في حيِّز المنع، وإن كان دونه في الإطراب ففيها مندوحة، لا إشكال إن شاء الله تعالى.
سائل يقول: ما هو أرجح أقوال أئمة الحديث في مسألة زيادة الثقة؟
стр. 269
زيادة الثقة بالنسبة للقواعد المتبعة المطردة عند المتأخرين يختلفون فيها، منهم من يقول: تقبل الزيادة مطلقاً؛ لأن هذه الزيادة خفيت على غيره، كونها خفيت عليه، ومن حفظها حجة على من لم يحفظ، والزيادة كما يطلقون من الثقة مقبولة، فهي مقبولة مطلقاً، القول الثاني: أنها مردودة مطلقاً؛ لأن القدر المتفق عليه في الحديث دون الزيادة، وهذه الزيادة مشكوكٌ فيها، والأصل الاحتياط للرواية فلا تقبل هذه الزيادة، ومنهم من يقول: الحكم للأحفظ، ومنهم من يقول: الحكم للأكثر، هذه قواعد مطردة موجودة في كلام العلماء، لكن يبقى أننا لو نظرنا إلى أحكام الأئمة على هذه الزيادات وفي حكمها الاختلاف في الوصل والإرسال والوقف والرفع، لا شك أننا إذا قارنا بين أقوال الأئمة لوجدنا أنه لا قاعدة لهم مطردة في ذلك، فتجد الإمام أحمد يقبل هذه الزيادة ويرد تلك الزيادة، ويقبل الوصل من هذا ويقبل الإرسال من ذاك، ويقبل الوقف في هذا الحديث، ويقبل الرفع في حديث آخر، ليست لديهم قواعد مطردة، وإنما يحكمون على الأحاديث بجملتها، أو بأبعاضها وجملها من زيادات وغيرها بالقرائن، فالتي ترجحه القرائن يحكمون به، ولذلك قد تجد الحديث فيه زيادة، يقبلها أحمد ويردها البخاري، ويقبله أحمد موقوف ويقبله البخاري مرفوع، ويقبله ابن معين موصول ويحكم عليه أبو حاتم بأنه مرسل، وهكذا. فلا تجد قاعدة مطردة، وإنما الحكم عند الأئمة المتقدمين للقرائن، لكن متى يستطيع طالب العلم أن يحاكي المتقدمين في معرفة القرائن، إذا صافهم وساواهم في المحفوظ؛ لأن العلم علم حفظ يحتاج إلى حفظ يحكم بجميع ما جاء في الباب على بعضه، فإذا رأى أن هذا الخبر بالنسبة لمرويات فلان يشبه أن يكون محفوظاً قبله، وإذا كان بعد عرضه على مروياته ومرويات غيره يشبه أن يكون غير محفوظ، ولو كان هو من أحفظ الناس رده، وإذا نظرنا إلى حديث: ((لا نكاح إلا بولي)) حكم البخاري بوصله، مع أن من أرسله كالجبل شعبة وسفيان، لكن هناك قرائن لا يدركها آحاد المتعلمين، يعني من أراد شيء أو نموذج لهذه القرائن فليقرأ ما كتبه الترمذي حول هذا الحديث، هو يعرف أن المسألة فيها دقة وشفوف لا تتهيأ لكثير من المتعلمين، قد يفني
стр. 270
الإنسان عمره في التخريج ودراسة الأسانيد وجمع الطرق، ومع ذلك ما شم رائحة لهذه القرائن؛ لأن المسألة تحتاج إلى استيعاب لأحاديث الباب، ودون ذلك خرط القتاد، فأين المتعلم في أزماننا بل قبلنا بقرون ممن يحفظ سبعمائة ألف حديث، ستمائة ألف حديث إلى مائة ألف حديث من يحفظ هذا القدر؟ لا شك أن من يحفظ مثل هذه الأعداد الهائلة، وقد أوتي نفساً حديثياً لا شك أنه يحكم بالقرائن، ويوفق ويسدد بإذن الله.
هذا السؤال يقول: فضيلة الشيخ ما حكم الدراسة في الجامعات المختلطة، ولا يوجد غيرها في بلدي؟
الدراسة في هذه الأماكن التي يجتمع فيها الرجال والنساء لا شك أن الاختلاط محرم، وطلب العلم مما يتقرب به إلى الله -جل وعلا- وما عند الله لا ينال بسخطه، فلا تجوز الدراسة في هذه المدارس التي يحصل فيها الاختلاط.
سؤال يقول: صدرت من بعض الجهات العلمية ترك مقاطعة بعض المنتجات، وقد اختلفت مع غيري في ذلك؟
стр. 271
المقاطعة لا شك أنها إذا كان لها أثر وإنكاء في العدو العادي الظالم البادئ بالظلم لا شك أنها تكتسب الشرعية من هذه الحيثية، فإذا كان فيها نكاية لهم لا شك أنها شرعية وليس بأيدينا غير هذا الأسلوب، ومع ذلك قد يقول قائل: أننا قاطعنا أناس ليس هم أهل المعصية؟ نقول متى يؤطر مثل هذا على ترك هذه الأذية إلا بواسطة قومه، قومهم هم الذين يضغطون عليه، ومعروفٌ أن الذي ينقض العهد واحد، ما يلزم أن تكون كل الأمة المعاهدة تنقض العهد، فيعاقبون من أجل واحد، لماذا؟ لأنهم لم يأخذوا على يده، فالرسول ﵊ حينما قال لأهل خيبر. . . . . . . . . قاتلهم، وإن كانوا هم في الأصل معاهدين، لكنهم نقضوا عهدهم بإخفاء الذهب الذي يحوزه حيي بن أخطب وكان مسك ثور، يعني جلد ثور مملوء ذهب، لما أخفوه عن النبي ﵊ وهل يتصور أن جميع أهل خيبر أخفوه؟ على كل حال مثل هذا إذا كان فيه نكاية لهذا العدو البادي الظالم، ولا يوجد وسيلة غيرها فهي تكتسب الشرعية من هذه الحيثية، من أجل أن يضغط هؤلاء الذين تضرروا على قومهم، وإلا قومهم لن يحسبوا لنا ألف حساب؛ لأننا في نظرهم أمةً مستضعفة، فلن يحسبوا لنا أي حساب، ولا ظلمناهم، إحنا ما ظلمناهم حينما قاطعناهم، ولا اعتدينا عليهم، المقصود أن مثل هذا أولاً لا يترتب عليه ظلم لغيره، يعني كوني أنا أشتري من فلان أو من فلان أو من الشركة الفلانية أو من الشركة الفلانية، أو من البلد الفلاني أنا حر، لكن كونه يعتدى على نبينا ﵊ من قبلهم، ونذهب بطوعنا واختيارنا ونشتري من بضائعهم! أبداً، يعني لو قدرنا أن صاحب بقالة –مثلاً- أو بقالتين أمام بيتك، هما سواء، هذه بقالة كذا، وهذه بقالة كذا، بين والدك أو أخيك أو ابنك سوء تفاهم مع أحدهما وتركت الشراء منه وذهبت تشتري من الثاني أحد يلومك، يمكن أن تلام على هذا؟! أنت ظلمته، أنت اعتديت عليه، أنت أتلتف ماله، أنت نلت عرضه؟ أبداً، فكوني أختار هذا؛ لأنه ما آذاني، هذه الأمة الدنماركية آذتنا، بلا شك، والذي لا يغضب ولا يغار على عرض نبيه ﵊ هذا في إيمانه بالنبي ﵊ خلل بلا شك، فكوننا
стр. 272
نختار الشراء من هذا البلد دون ذلك البلد لا يعني أننا ظلمناهم بوجهٍ من الوجوه، فلنا الخيار ولا أحد يلزمنا بالشراء، من هؤلاء أو من هؤلاء، والمثل ظاهر، يعني البقالتين كلهم مسلمون، لكن حصل خلاف بيني وبين هذا، أو حصل بين أخي وبين هذا خلاف أنا أشتري من الثاني أيش المانع، ما في ما يمنع ولا يترتب على ذلك أدنى ضرر للآخر.
أحسن الله إليك، من باب التوضيح يقول: عن ترك مقاطعة بعض المنتجات الشركات التي أبدت اعتذاراً؟
الشركات التي أبدت اعتذارها، وعملت ما يمكن عمله في إزالة هذا المنكر، وهذا العدوان لا شك أنهم من باب مكافئة المحسن يقال لهم: أحسنت، ولا يقاطعون، لكن أنه مجرد اعتذروا يبقى النظر راجع إلى من يقرر النظر في المصالح والمفاسد العامة والخاصة، فهؤلاء كونهم اعتذروا وجروا على الاعتذار مع أن دولتهم رفضت الاعتذار لا شك أن مقاطعتهم لها حظ من النظر باعتبارهم جزء من هذا البلد، جزء مؤثر، وأيضاً ترك المقاطعة لو وجه، لتحذو بقية الشركات حذوها، ولا سيما إذا عرفنا أن هذا الاعتذار مصحوب بعمل لإزالة هذا المنكر.
سائل يقول: صليت المغرب في هذا المسجد، وعلمت بالمحاضرة بعد الصلاة، السؤال إذا خرجت ولم أحضر المحاضرة هل يدخل ذلك في حديث: (الثلاثة الذين أعرض أحدهم عن حلقة العلم فأعرض الله عنه)؟
إذا صلى إنسان في مسجد وهو في طريقه، عنده مشوار وأقيمت الصلاة وهو بجوار مسجد ووقف وصلى، ثم علم أن هناك درس علمي، هل نقول أن هذا إذا انصرف (إن آوى آواه الله، وإن استحيا استحيا الله منه وجلس، وإن انصرف انصرف الله عنه)؟ لا شك أن الناس لهم ظروفهم بلا شك، وكل الإنسان يقدر ظروفه، فإذا كانت حاجة تفوت في طريقه إلى زيارة مريض، والزيارة تنتهي، إذا كانت هناك مصلحة تفوت، فالذي يفوت لا شك أنه يقدم، أما إذا لم يكن هناك مصلحة تفوت، وإنما هو مجرد رغبة وزهد في الخير فمثل هذا دخوله في الحديث ظاهر.
سائلٌ يقول: في شهر رمضان وأثناء النهار أحسست بتعبٍ شديد، فقلت لنفسي لو زاد التعب أفطر، وبعد وقت زاد علي التعب، ولكني لم أفطر، وأكملت صيامي فهل صيامي صحيح أم لا؟
стр. 273
العلماء يقولون من نوى الإفطار أفطر، لكن ما معنى نية الإفطار؟ نية الإفطار العزم عليه، لكن إن تردد في النية، قال: إن حصل كذا أو حصل كذا، وهذا عنده على حدٍ سواء، ما يدري ما الذي يترجح عليه فهو باقٍ على صيامه.
شخص ابتلي بفتنة النظر فكيف يدافع هذه الفتنة؟
أقول: هذه الفتنة لا شك أنها شأنها لا سيما بالنسبة لطالب العلم عظيم، وهي من الحجب التي تحجب القلب عن الفهم الصحيح للعلم الشرعي، وقد يعاقب بنسيان بعض ما حفظه من علم، وقد يعسر عليه حفظ ما يحتاجه، فعليه أن يدرك هذا، وأنه مأمورٌ بغض البصر، وأن من ترك النظر يورث في قلبه إيمان ويقين وطمأنينة يجدها أو يحس بها ولذة، لا شك عوضاً عن هذه النظرة المحرمة، فعليه أن يتصور هذا، ويجاهد نفسه على غض البصر امتثالاً لقول الله -جل وعلا-: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [(٣٠) سورة النور].
стр. 274
فتن كقطع الليل المظلم
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فلا يخفى على أحد ما تعيشه الأمة من فتن، وما تمر به من أحداث، أطلت عليها منذ سنوات، وجعلت كثيراً من الناس من عامتهم، بل من طلبة العلم فيهم، من يصاب بشيء من الحيرة والدهشة والتردد والتذبذب، مما جعل بعض الأخوة يرتلون ويُنزلون محاضرات ودورات،. . . . . . . . . والذي يغشى مجالس الناس من العامة والخاصة يعرف قدر هذا الموضوع، فإن مجالسهم امتلأت بالقيل والقال، والتحليلات المبنية على أقوال فارغة لا تستند إلى نص من كتاب ولا سنة، تجد مصادر الناس في تقديم هذه الأمور وتقريرها وسائل الإعلام المختلفة، فمنهم من يقول: سمعت في الإذاعة الفلانية، ومنهم من يقول: سمعت المحلل الفلاني، في القناة الفلانية، ومنهم من يقول: قرأت في الصحيفة أو في جريدة كذا، وقلّ من يتصدى لهذا الأمر من أهل العلم الذين يعول عليه في تقويم هذه الأمور.
والمعول أولاً وأخراً في مثل هذه الأحوال على النصوص التي فيها المخرج من هذه الفتن.
عقدت دورات في شرح كتب الفتن، وهي موجودة ومتداولة من كتب السنة، وتولاها جمع من أهل العلم والفضل، ونفعت نفعاً عظيماً، وسرت في الناس ونورتهم وبصرتهم، ومن الجهود المباركة في هذا الباب مثل هذه المحاضرة التي عنوانها: " فتنٌ كقطع الليل المظلم".
стр. 275
وهذا العنوان جزء من حديث صحيح مخرج في صحيح مسلم، ومسند الإمام أحمد، وجامع الإمام أبي عيسى الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((بادروا، بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، ((بادروا، بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً)) هذا الأمر ومثل هذا الحديث يجعل الإنسان في خوف ووجل؛ لأن العواقب والخواتم أمرها بيد الله -جل وعلا-، فعلى المسلم أن يلهج دائماً بسؤال الله -جل وعلا- بحسن الخاتمة، والثبات على الدين، وأن يكون ديدنه ومعوله على كتاب الله وسنة رسوله ﵊.
شخصٌ يُسأل عن ظاهرة وجدت في هذا العام، وهي شدة البرد، يعني نزلت الدرجة عن الصفر في كثير من مناطق المملكة، فيُسأل في وسيلة إعلام، وما رأيك، وما السبب؟ السبب لو قرأنا قول الله -جل وعلا-: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [سورة الروم: ٤١]، بما كسبت أيدي الناس، ظهر الفساد، الكلام صحيح إلى هذا الحد، لكن كيف يفهم الآية، كيف فهم هذه الآية؟ قال: إن من الإفساد في الأرض انتزاع خيراتها، ومن ذلك استنزاف البترول، بطريقة غير معقولة، الذي هو يولد الدفء للأرض، هل هذا فهم مبني على أساس علمي شرعي؟ أبداً، هذا كلام من يهرف بما لا يعرف، وقد يكون له مآرب أو مقاصد من خلال هذا الكلام، الله أعلم، لكن هذا الكلام باطل، نعم الذنوب والمعاصي هي السبب بما كسبت أيدي الناس، ولولا أن الله -جل وعلا- يعفو عن كثير، لما ترك على ظهرها من دابة؛ لأن المعاصي والذنوب كثرت وعمت وطمت وشملت كافة المستويات وجميع الطبقات.
стр. 276
وفي حديث زينب في الصحيح في البخاري يقول النبي ﵊: ((ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج هكذا ... )) إلى أن قالت: أنهلِك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم إذا كثر الخبث)) الذي ينظر إلى البقاع بما فيها من بلاد المسلمين كثر فيها الخبث، كثر فيها الخبث، يعني لا ينكر أن هناك علماء ودعاة وقضاة وفضلاء يوجد الحمد لله الخير في أمة محمد إلى قيام الساعة، لكن لا ننكر أيضاً أن الخبث كثر، وأن السنن الإلهية لا تتغير ولا تتبدل.
نعود إلى الحديث الذي عنوان الدرس قطعة منه.
هذا الحديث كما ذكرنا مخرج في صحيح الإمام مسلم، ومسند الإمام أحمد، وجامع الإمام الترمذي، فما معناه؟
معنى ((بادروا)): أي سابقوا وسارعوا، وجاء الأمر بالمسابقة والمسارعة في كتاب الله -جل وعلا-، ﴿سَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [سورة آل عمران: ١٣٣]، سابقوا المقصود أن هذا الأمر جاء في نصوص الكتاب والسنة، والمبادرة المفاعلة، والمسابقة كذلك، والمسارعة، فتفيد أن الإنسان يسعى لسبق غيره في هذا الشأن؛ لأن صيغة المفاعلة عند أهل العلم تقتضي أكثر من طرف، يحرص الإنسان أن يسبق غيره، ولا يعني هذا أنه إذا سبق من قبل أحد أشد، من قبل أحد هو أشد حرصاً منه، أنه يكون في نفسه عليه شيء، أو يتمنى أن لا يسبق، عليه أن يحرص على هذه المبادرة، وعلى هذا السبق، وأن يتمنى للناس كلهم أن يكونوا على هذا المستوى؛ لأن بعض الناس يستشكل، يستشكل هذا الأمر، المسابقة، والمسارعة، والمبادرة، يعني والمنافسة، مع أنه جاء النهي عن المنافسة، المنافسة في أمور الدنيا، أما المنافسة في أمور الآخرة فهي مطلوبة من المسارعة والمسابقة، لكن كون الصيغة تقتضي أكثر من طرف قد يََفهم منها بعض الناس أنه يسعى لتحقيق المبادرة والمسارعة والمسابقة، ومن لازمه أن يتمنى أن لا يُسبق، من لازم ذلك أن يتمنى ألا يسبق، فإذا سبق من لازم ذلك أن يكون في نفسه شيء على هذا السابق، لا، لا يلزم ذلك، بل تتمنى للمسلمين وتحب لهم ما تحب لنفسك، لكن مع ذلك تسعى في إصلاح نفسك قبل غيرك، ثم بعد ذلك تسعى إلى إصلاح غيرك الأقرب فالأقرب.
стр. 277
((بالأعمال)): أي الاشتغال بالأعمال الصالحة، بادروا سابقوا بالأعمال المراد بها الأعمال الصالحة، الموصلة إلى مرضاة الله -جل وعلا-، الدافعة لما يكون سبباً لغضبه، ومقته وأخذه، لأن الله -جل وعلا- يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته، يأخذه أخذ عزيز مقتدر.
((فتناً)): أي وقوع فتن، والفتن جمع فتنة، يقول الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن: أصل الفَتْن، أصل الفَتْن إدخال الذهب في النار، إدخال الذهب في النار لتظهر جودته، إذا عرض على النار فإن كان جيداً ظهرت جودته بزوال ما عليه مما يغطيه من أوساخ، وإن كان رديئاً ظهرت رداءته، فهذا هو المحك وهذا هو الاختبار للذهب، والفتن لا شك أنها محك، يختبر فيها الرجال، تختبر فيها سائر الأعمال، كثير من الناس يتحدث عن اليقين والصبر والاحتساب، وتجده يتكلم في هذا الموضوع، ويستحضر النصوص، ويؤثر في السامع، لكن إذا جاء المحك وحصل له ما يقتضي الصبر أو يقتضي اليقين، تجده صفر، صفر أي تجد الإنسان حينما يذهب ليعزي أحد عنده استعداد يصبرهم، عنده نصوص، وعنده استحضار، لكن إذا حصل له شيء من المصائب لا سيما ما يتعلق بالولد، هذا المحك، هذا المحك، وإلا كثير من الناس قد يتحمل مصيبة الوالد، مصيبة الوالدة، مصيبة القريب والبعيد، لكن مصيبة الولد الذي هو، الذي جبل على حبه حباً جبلياً، ولذلك لم يرد في النصوص من بر الأولاد والعناية بهم مثل ما ورد في بر الوالدين؛ لأن الوالدين محبتهما الجبلية، محبتهما شرعية، يجب على الولد أن يحبهما وأن يبرهما، لكن الجبلة في الغالب تكون للولد، وهو مجبنة مبخلة، تجد الإنسان قبل أن يأتيه الأولاد عنده استعداد أن يضحي بنفسه وبماله، لكن إذا جاء الولد يضيعون الأولاد، هؤلاء الصبية من لهم؟ لهم الذي خلقهم وتكفل بهم كما تكفل بك.
стр. 278
((فتناً)): يعني وقوع فتن والفتنة كما قال الراغب أصل الفَتْن إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته، ويستعمل في إدخال الإنسان النار، ويستعمل في إدخال الإنسان النار، ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [سورة البروج: ١٠]، أي أدخلوهم في النار، في قصة أصحاب الأخدود، ويطلق أيضاً على العذاب ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [سورة الذاريات: ١٤]، كما أنه يطلق على ما يحصل عنه العذاب يعني سبب العذاب، كقوله تعالى: ﴿أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ [سورة التوبة: ٤٩]، ﴿أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ [سورة التوبة: ٤٩]، ﴿ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي﴾ [سورة التوبة: ٤٩]، يعني ذهابي إلى الغزو، إلى غزو بني الأصفر سبب لفتنتي فهو يقول: ﴿ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي﴾ وهذا يحتاج إلى وقفة؛ لأن بعض الناس يتذرع بمثل هذا الكلام ويترك بسببه ما أوجب الله عليه، نعم في المندوبات في المستحبات لك أن تنظر في الأرباح والخسائر، لكن ما أوجب الله عليك ليس فيه مثنوية، وذلك لما اعتذر بأنه إذا رأى بنات بني الأصفر لا يصبر وقد تعين عليه الجهاد ما عذر، وذُمَّ، لكن لو أراد أن يذهب إلى مكان لطلب علم أو عمرة مستحبة مثلاً، أو حج نفل، ويقول: إذا رأيت النساء لا أستطيع وقد أفتن، النفل أمر سهل، وعلى الإنسان أن يوازن بين الأرباح والخسائر، لكن في الفرض هل يمكن أن يقول: لا أستطيع أن أؤدي فريضة الإسلام، الحج، ركن من أركان الإسلام، يقول: أخشى أن أفتن؟ لا، مثل ترك هذا للجهاد، ﴿أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ [سورة التوبة: ٤٩]، لكن إذا أراد أن يعتمر مثلاً وقال: فيه والله، الحرم المسجد أشرف البقاع فيه من النساء المتبرجات ما لا أستطيع الصبر ولا أملك نفسي عن إرسال النظر أو عن بعض الخطرات، التي تخطر علي، نقول: انظر في أرباحك وخسائرك، كثير من الناس يذهب بحثاً عن الأجر ثم يعود مأزوراً، هنا انظر في سبب الفتنة، وانظر في الأرباح والخسائر مع أنك مأمور بجلب المصالح ودرء المفاسد، يعني جاهد نفسك، واذهب إلى حيث المصالح هناك، وجاهد نفسك عن درء المفاسد عنك بقدر الإمكان، لكن إذا لم تستطع فأمر التنفل واسع ليس مثل أمر الفرض.
стр. 279
يطلق أيضاًِ على الاختبار كما قال -جل وعلا-: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [سورة طه: ٤٠]، يعني اختبرناك اختباراً، هذا بالنسبة موسى ﵇، وما حصل عن نتيجة الاختبار، اصطفاه الله -جل وعلا-، ثبت في الاختبار وظهرت نتيجته المشرفة فاصطفاه الله -جل وعلا- فصار من جملة المصطفين.
стр. 280
وفيما يُدفع إليه الإنسان، وفيما يُدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء، وهو في الشدة أظهر معناً وأكثر استعمالاً، يعني الإنسان يفتن ويبتلى بالسراء والضراء، يبتلى بالسراء، كما يبتلى بالضراء، يبتلى بالفقر ويبتلى بالغنى، ينظر هل يصبر إذا ابتلي بالضراء والفقر، أو يشكر إذا ابتلي بالسراء والغنى؟ فإن صبر صارت العاقبة الحميدة، وإن شكر في حال السراء صارت عاقبته حميدة والعلماء -كما هو معلوم- يختلفون في أيهما الأفضل، الغني الشاكر، أو الفقير الصابر، في كلام طويل لهم، لكن شيخ الإسلام –كما هو معلوم- يرجح أن المفاضلة إنما هي بالتقوى، فبقدر ما يكون الإنسان أتقى لله، سواءً كان غنياً أو فقيراً فهو أفضل من غيره، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [سورة الحجرات: ١٣]، وفيما يُدفع إليه الإنسان، وفيما يُدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء، وهو في الشدة أظهر معناً وأكثر استعمالاً، كما قال -جل وعلا-: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [سورة الأنبياء: ٣٥]، ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [سورة الأنبياء: ٣٥]، ومنه قوله -جل وعلا-: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [سورة الإسراء: ٧٣] أي يوقعونك في بلية وشدة في صرفك عن العمل بما أوحي إليك، يسعون جاهدين لصرفك عما أوحى الله إليك، وقال أيضاً الراغب في مفردات القرآن: وهذا الكتاب يحتاجه كل طالب علم؛ لأنه أشبه ما يكون بالتفسير الموضوعي، يعني آيات الفتنة يجمعها في موضع واحد ويفسرها، يعني تريد، هل الترف محمود وإلا مذموم مثلاً، الذي يعيشه كثير من الناس الآن، هل هو محمود وإلا مذموم؟ انظر في مثل هذا الكتاب وتجد ما ورد في الترف من آيات ويفسرها، ما ورد في الإخبات، ما ورد في الخضوع مثلاً، ما ورد في جميع الموضوعات التي تطرق لها القرآن، موجود مجموع هذه الآيات كلها في موضع واحد ويتكلم عليها، وقال أيضاً: الفتنة تكون من الأفعال الصادرة من الله -جل وعلا-، ومن العبد تكون تصدر من الله -جل وعلا-، وتكون أيضاً من العبد، كالبلية والمصيبة والقتل والعذاب والمعصية وغيرها، الله -جل وعلا- يقول: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [سورة
стр. 281
الأنبياء: ٣٥]، يعني هذه صادرة من الله -جل وعلا-، وفي قوله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة البروج: ١٠]، هذه صادرة من مخلوق، والله -جل وعلا- يقدر هذه الفتن وتكون على يد مخلوق، يكون تحقيق هذه الفتن على يد مخلوق، فيجتمعان في فتنة واحدة، الله -جل وعلا- يقدرها على من أراده من أراد أن يفتنه ثم يجريها على يد أحد من خلقه، وكونها تقدر كوناً لا يعني أنها تطلب شرعاً، يعني هذا الذي حصلت على يده هذه الفتنة يذم وإلا ما يذم؟ يذم بلا شك، يعني هذا الإنسان ارتكب معصية واستحق عقوبة على هذه المعصية، أجرى الله -جل وعلا- هذه العقوبة على يد مخلوق، هل يقال: إن هذا ارتكب معصية ولا في إشكال يصاب أو ما يصاب، والثاني قدر الله له أن يفعل كذا وهو بريء من هذه المعصية، لا، كل له ما يخصه من خطاب الشرع، هذا الإنسان ارتكب معصية، يتحمل، ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [سورة الشورى: ٣٠] هذا الذي حصل الانتقام بسببه مذموم؛ لأنه لم يؤذن له شرعاً لم يفعل، ينتقم من هذا الشخص، نعم من وكل إليه أمر الحدود وارتكب إنسان حداً من حدود الله، فأقامه عليه ولي الأمر أو من ينيبه، ولي الأمر محمود، بل لو عطله لصار مذموماً، لكن الكلام في عادي الناس يروح يبتلي إنسان في نفسه أو ماله أو بدنه، إذا قيل له، قال: يا أخي هذا مذنب ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ما هو بأنت اللي تحاسبه وتعاقبه، ولذا يقول: الفتنة تكون من الأفعال الصادرة من الله تعالى، ومن العبد كالبلية والمصيبة والقتل والعذاب والمعصية وغيرها من المكروهات، فإن كانت من الله تعالى فهي على وجه الحكمة؛ لأنه قد يقول قائل: الله -جل وعلا- يقول: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [سورة طه: ٤٠]، ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [سورة الأنبياء: ٣٥]، الفتنة مذمومة، والفتن تساق في كتب أهل العلم على أنها مذمومة، وفي النصوص مذمومة، كيف يَفتن الناس ثم يذمهم عليها، كما أنه قدر على هذا أن يطيع، وقدر على هذا أن يعصي، وركب فيه حرية الاختيار، يعني ما في إجبار، ما في إجبار، الشخص الذي يجلس في بيته، ويسمع الأذان، ويسمع الإقامة، ويسمع الإمام في المكبر يقرأ ويصلي
стр. 282
ويسلم، وهو في بيته، هل يقول أحداً أن هذا لا يستطيع الذهاب إلى المسجد؛ لأنه مكتوب عليه، ما يستطيع، له اختيار، له حرية، يقف ثم يمشي ويذهب إلى المسجد ما في ما يمنع، دخلنا في مصالحه الدنيا، الدنيوية، قال: أنا والله مكتوب علي أني فقير، يجلس في بيته، أو يقول: مكتوب أني عقيم، لماذا أتزوج؟ ما يمكن يستدل بمثل هذه الأمور، لكن استدلاله على الأمور الشرعية بالقدر موروث من المشركين، ﴿لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [سورة الأنعام: ١٤٨]، وليس لأحد أن يحتج بالقدر، فإن كانت من الله تعالى فهي على وجه الحكمة، الله -جل وعلا- ابتلى آدم بمنعه من الأكل من الشجرة، وزين له الشيطان، ووسوس له الشيطان، وأغراه فأكل من الشجرة، عصى، عصى آدم ربه، وأخرج بسبب ذلك من الجنة، حصلت المحاجة بين آدم وموسى ﵉، فقال موسى لآدم: أنت آدم خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، أخرجت نفسك وذريتك من الجنة، فصار سبب في خروجه وخروج ولده من الجنة، بسبب المعصية، آدم رد عليه، أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، وكتب لك التوراة بيده، كم تجد هذه المعصية كتبت علي قبل أن أخلق؟ قال: بأربعين عاماً، قال: فحجَّ آدمُ موسى، يعني غلبه بالحجة، هل نقول: أنه غلبه بالحجة لأنه استدل بالقدر؟ كل واحد يعصي، يقول: والله مكتوب علي، لا، لا لأنه احتج بالقدر على المعصية، احتج بالقدر على المصيبة؛ لأن هذه المعصية لما تاب واجتباه الله -جل وعلا-، وهداه، نعم ما صارت معصية، المعصية إذا تاب منها الإنسان العاصي تُبدل حسنات، فذهب أثرها وبقي أثرها بقي أثرها من حيث الثواب والعقاب، وبقي أثرها المترتب عليها من إخراج نفسه وذريته من الجنة صارت مصيبة، وللإنسان أن يستدل بالمصائب، بالقدر على المصائب، قال: لماذا وراك سقطت يا أخي في الحفرة؟ يقول: شيء مكتوب علي، لكن لو ارتكب معصية وسقط في هذه الحفرة عمداً، ويغلب على ظنه أنه يتضرر، لا يجوز أن يحتج بالقدر؛ لأن هذه معصية، لكن المصيبة يحتج بها في القدر.
стр. 283
على كل حال يقول: فإن كانت من الله تعالى فهي على وجه الحكمة، وإن كانت من الإنسان بغير أمر الله فهي مذمومة، فهي مذمومة، كيف تكون هذه الفتنة من إنسان لإنسان بأمر الله -جل وعلا-، أُمر النبي ﵊ وأمته تبعاً له أن يجاهدوا الكفار والمنافقين، وينزلوا بهم الضرر بسبب كفرهم لكنه بإذن من الله -جل وعلا-، لكن إذا كان هذا الابتلاء وهذا الافتتان من المخلوق للمخلوق غير مأذون به من الله -جل وعلا- فهو مذموم فقد ذم الله الإنسان بإيقاع الفتنة كقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [سورة البقرة: ١٩١]، الفتنة أشد من القتل لماذا؟ لأن الفتنة تعرض الدين للزوال، والقتل يعرض الحياة للزوال، ولا مناسبة بين تعريض الدين الذي يترتب عليه تضييع الآخرة كلها، يعني يخلد في عذاب دائم في عذاب مستمر هذا الذي خسر، هذا الذي خسر بالفعل، أما من يخسر الدنيا وقد حفظ دينه وثُبِّت عليه هذا لا يأسف على شيء، ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة الزمر: ١٥]، أما خسارة الدنيا لا خسارة، لا تساوي شيء؛ لأن عمر الإنسان ستين سبعين ثمانين مائة سنة ينتهي، لكن أبد الآباد مخلد في جنة أو في نار، هذا الربح العظيم، أو الخسارة، هذه الكارثة التي لا يمكن تعوضها، ولذا يقول الله -جل وعلا-: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [سورة البقرة: ١٩١]، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [سورة البقرة: ١٩١]، فقوله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [سورة البروج: ١٠]، هؤلاء فتنوهم بغير إذن من الله -جل وعلا- فهم فذمهم الله -جل وعلا-، ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [سورة البروج: ١٠]، نسأل الله العافية؛ لأنه بغير إذن، لكن لو حصل تحريق عند من يقول بجواز تحريق اللوطي مثلاً، هؤلاء فتنوا المؤمنين وحرقوهم؛ لأنهم آمنوا، ففتنوهم بغير إذن من الله -جل وعلا-، لكن لو حصل تحريق عند من يرى جواز التحريق للوطي هذا قول عند أهل العلم، وأقوال أهل العلم في المسألة كثيرة، لكن عند من يقول لو حرق
стр. 284
مذموم وإلا مأذون به؟ مأذون به فلا يذم، هذا على القول، وإن كان المرجح أنه لا يعذب بالنار إلا الله -جل وعلا-.
الذي يفتن بعض الناس ويحصل له من غير ما يحصل بالتحريق، قتل مثلاً، فإن كان مأذوناً له فيه فهو ممدوح، وإن كان غير مأذون له فهو مذموم.
وقوله: ﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [سورة الصافات: ١٦٢]، وقوله: ﴿بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [سورة القلم: ٦]، وقوله: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ﴾ [سورة المائدة٤٩]، الراغب يجمع كل الآيات الواردة في مكان واحد ويفسرها، وهذه ميزة هذا الكتاب كأنه تفسير موضوعي.
وقال غيره: أصل الفتنة الاختبار، ثم استعملت فيما أخرجته المحنة والاختبار إلى المكروه، يعني صارت النتيجة، نتيجة هذا الاختبار ليست حميدة، فيكون النهاية هي الفتنة، ثم أطلقت على كل مكروه فتنة، أو آيل إليه كالكفر والإثم، والتحريق، والفضيحة، والفجور وغير ذلك، هذا ما يتعلق بالفتنة ومعانيها.
((كقطع)):، كقطع بكسر القاف وفتح الطاء، بكسر القاف وفتح الطاء جمع قطعة، قطع جمع قطعة.
стр. 285
((الليل المظلم)): الليل المظلم، لفرط سوادها وظلمتها، تشبه بالليل المظلم؛ لأن بعض الليل فيه نور، يعني الليالي المقمرة فيها نور، أما الليالي أواخر الشهر أو أوائله فهي مظلمة، ((كقطع الليل)): المظلم لفرط سوادها وظلمتها وعدم تبين الصلاح والفساد، أنت إذا قابلك أحد في الليلة المظلمة أو عثرت على شيء، أو وقفت على شيء فإنك لا تميزه هل هو ضار أو نافع، ما تدري، هل هذا الشخص صالح يريد نفعك، أو فاسد يريد ضررك، ما تدري؛ لأنها مظلمة، وعدم تبين الصلاح والفساد منها، وفيه إيماء، يعني إشارة من بعد، إلى أن أهل هذه الفتن ما قال الله تعالى في حقهم: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ [سورة يونس: ٢٧]، لتناسب قطع الليل المظلم، وجوههم مظلمة، تناسب جداً قطع الليل المظلم؛ لأن في الحديث إيماء إلى هذه الآية، وحاصل المعنى، معنى الحديث: تعجلوا بالأعمال الصالحة بادروا بها تعجلوا بها، قبل مجيء الفتن المظلمة، قبل مجيء الفتن المظلمة، من القتل والنهب، والاختلاف بين المسلمين في أمر الدنيا والدين، فإنكم لا تطيقون الأعمال على وجه الكمال فيها.
الفتن أول ما تبدأ كالنار، شرارة تبدأ يسيرة، ثم يجر بعضها إلى بعض، حتى وجد في بعض البلاد من يحاسب إذا وجد النور قرب صلاة الصبح في بيته، ووجد في بعض البلاد من يفحص فحصاً دورياً على ركب بعض الفئات هل يصلون أو لا يصلون، - نسأل الله السلامة والعافية -، يعني كيف يخطر على بال أن مثل هذا يوجد، إلا أنها الفتن، يعني جر بعضها إلى بعض، بدأت صغيرة ثم استشرت، يعني كنا في السابق يعني المساجد أبوابها مفتوحة ليل نهار؛ لأنه لن يدخلها إلا شخص يريد أن يتعبد فوجد الإفساد مثلاً في المساجد، وجد من يمزق المصاحف، وجد من يبول، وجد من يكتب كتابات كفرية، فاقتضى النظر عند ولاة الأمر أن يصدر التوجيه بإغلاق المساجد، الأصل أن المساجد مفتوحة.
следующие страницы →