Полный текст (1 191 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الأنبياء: ٣٥]، يعني هذه صادرة من الله -جل وعلا-، وفي قوله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة البروج: ١٠]، هذه صادرة من مخلوق، والله -جل وعلا- يقدر هذه الفتن وتكون على يد مخلوق، يكون تحقيق هذه الفتن على يد مخلوق، فيجتمعان في فتنة واحدة، الله -جل وعلا- يقدرها على من أراده من أراد أن يفتنه ثم يجريها على يد أحد من خلقه، وكونها تقدر كوناً لا يعني أنها تطلب شرعاً، يعني هذا الذي حصلت على يده هذه الفتنة يذم وإلا ما يذم؟ يذم بلا شك، يعني هذا الإنسان ارتكب معصية واستحق عقوبة على هذه المعصية، أجرى الله -جل وعلا- هذه العقوبة على يد مخلوق، هل يقال: إن هذا ارتكب معصية ولا في إشكال يصاب أو ما يصاب، والثاني قدر الله له أن يفعل كذا وهو بريء من هذه المعصية، لا، كل له ما يخصه من خطاب الشرع، هذا الإنسان ارتكب معصية، يتحمل، ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [سورة الشورى: ٣٠] هذا الذي حصل الانتقام بسببه مذموم؛ لأنه لم يؤذن له شرعاً لم يفعل، ينتقم من هذا الشخص، نعم من وكل إليه أمر الحدود وارتكب إنسان حداً من حدود الله، فأقامه عليه ولي الأمر أو من ينيبه، ولي الأمر محمود، بل لو عطله لصار مذموماً، لكن الكلام في عادي الناس يروح يبتلي إنسان في نفسه أو ماله أو بدنه، إذا قيل له، قال: يا أخي هذا مذنب ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ما هو بأنت اللي تحاسبه وتعاقبه، ولذا يقول: الفتنة تكون من الأفعال الصادرة من الله تعالى، ومن العبد كالبلية والمصيبة والقتل والعذاب والمعصية وغيرها من المكروهات، فإن كانت من الله تعالى فهي على وجه الحكمة؛ لأنه قد يقول قائل: الله -جل وعلا- يقول: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [سورة طه: ٤٠]، ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [سورة الأنبياء: ٣٥]، الفتنة مذمومة، والفتن تساق في كتب أهل العلم على أنها مذمومة، وفي النصوص مذمومة، كيف يَفتن الناس ثم يذمهم عليها، كما أنه قدر على هذا أن يطيع، وقدر على هذا أن يعصي، وركب فيه حرية الاختيار، يعني ما في إجبار، ما في إجبار، الشخص الذي يجلس في بيته، ويسمع الأذان، ويسمع الإقامة، ويسمع الإمام في المكبر يقرأ ويصلي
стр. 282
ويسلم، وهو في بيته، هل يقول أحداً أن هذا لا يستطيع الذهاب إلى المسجد؛ لأنه مكتوب عليه، ما يستطيع، له اختيار، له حرية، يقف ثم يمشي ويذهب إلى المسجد ما في ما يمنع، دخلنا في مصالحه الدنيا، الدنيوية، قال: أنا والله مكتوب علي أني فقير، يجلس في بيته، أو يقول: مكتوب أني عقيم، لماذا أتزوج؟ ما يمكن يستدل بمثل هذه الأمور، لكن استدلاله على الأمور الشرعية بالقدر موروث من المشركين، ﴿لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [سورة الأنعام: ١٤٨]، وليس لأحد أن يحتج بالقدر، فإن كانت من الله تعالى فهي على وجه الحكمة، الله -جل وعلا- ابتلى آدم بمنعه من الأكل من الشجرة، وزين له الشيطان، ووسوس له الشيطان، وأغراه فأكل من الشجرة، عصى، عصى آدم ربه، وأخرج بسبب ذلك من الجنة، حصلت المحاجة بين آدم وموسى ﵉، فقال موسى لآدم: أنت آدم خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، أخرجت نفسك وذريتك من الجنة، فصار سبب في خروجه وخروج ولده من الجنة، بسبب المعصية، آدم رد عليه، أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، وكتب لك التوراة بيده، كم تجد هذه المعصية كتبت علي قبل أن أخلق؟ قال: بأربعين عاماً، قال: فحجَّ آدمُ موسى، يعني غلبه بالحجة، هل نقول: أنه غلبه بالحجة لأنه استدل بالقدر؟ كل واحد يعصي، يقول: والله مكتوب علي، لا، لا لأنه احتج بالقدر على المعصية، احتج بالقدر على المصيبة؛ لأن هذه المعصية لما تاب واجتباه الله -جل وعلا-، وهداه، نعم ما صارت معصية، المعصية إذا تاب منها الإنسان العاصي تُبدل حسنات، فذهب أثرها وبقي أثرها بقي أثرها من حيث الثواب والعقاب، وبقي أثرها المترتب عليها من إخراج نفسه وذريته من الجنة صارت مصيبة، وللإنسان أن يستدل بالمصائب، بالقدر على المصائب، قال: لماذا وراك سقطت يا أخي في الحفرة؟ يقول: شيء مكتوب علي، لكن لو ارتكب معصية وسقط في هذه الحفرة عمداً، ويغلب على ظنه أنه يتضرر، لا يجوز أن يحتج بالقدر؛ لأن هذه معصية، لكن المصيبة يحتج بها في القدر.
стр. 283
على كل حال يقول: فإن كانت من الله تعالى فهي على وجه الحكمة، وإن كانت من الإنسان بغير أمر الله فهي مذمومة، فهي مذمومة، كيف تكون هذه الفتنة من إنسان لإنسان بأمر الله -جل وعلا-، أُمر النبي ﵊ وأمته تبعاً له أن يجاهدوا الكفار والمنافقين، وينزلوا بهم الضرر بسبب كفرهم لكنه بإذن من الله -جل وعلا-، لكن إذا كان هذا الابتلاء وهذا الافتتان من المخلوق للمخلوق غير مأذون به من الله -جل وعلا- فهو مذموم فقد ذم الله الإنسان بإيقاع الفتنة كقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [سورة البقرة: ١٩١]، الفتنة أشد من القتل لماذا؟ لأن الفتنة تعرض الدين للزوال، والقتل يعرض الحياة للزوال، ولا مناسبة بين تعريض الدين الذي يترتب عليه تضييع الآخرة كلها، يعني يخلد في عذاب دائم في عذاب مستمر هذا الذي خسر، هذا الذي خسر بالفعل، أما من يخسر الدنيا وقد حفظ دينه وثُبِّت عليه هذا لا يأسف على شيء، ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة الزمر: ١٥]، أما خسارة الدنيا لا خسارة، لا تساوي شيء؛ لأن عمر الإنسان ستين سبعين ثمانين مائة سنة ينتهي، لكن أبد الآباد مخلد في جنة أو في نار، هذا الربح العظيم، أو الخسارة، هذه الكارثة التي لا يمكن تعوضها، ولذا يقول الله -جل وعلا-: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [سورة البقرة: ١٩١]، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [سورة البقرة: ١٩١]، فقوله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [سورة البروج: ١٠]، هؤلاء فتنوهم بغير إذن من الله -جل وعلا- فهم فذمهم الله -جل وعلا-، ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [سورة البروج: ١٠]، نسأل الله العافية؛ لأنه بغير إذن، لكن لو حصل تحريق عند من يقول بجواز تحريق اللوطي مثلاً، هؤلاء فتنوا المؤمنين وحرقوهم؛ لأنهم آمنوا، ففتنوهم بغير إذن من الله -جل وعلا-، لكن لو حصل تحريق عند من يرى جواز التحريق للوطي هذا قول عند أهل العلم، وأقوال أهل العلم في المسألة كثيرة، لكن عند من يقول لو حرق
стр. 284
مذموم وإلا مأذون به؟ مأذون به فلا يذم، هذا على القول، وإن كان المرجح أنه لا يعذب بالنار إلا الله -جل وعلا-.
الذي يفتن بعض الناس ويحصل له من غير ما يحصل بالتحريق، قتل مثلاً، فإن كان مأذوناً له فيه فهو ممدوح، وإن كان غير مأذون له فهو مذموم.
وقوله: ﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [سورة الصافات: ١٦٢]، وقوله: ﴿بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [سورة القلم: ٦]، وقوله: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ﴾ [سورة المائدة٤٩]، الراغب يجمع كل الآيات الواردة في مكان واحد ويفسرها، وهذه ميزة هذا الكتاب كأنه تفسير موضوعي.
وقال غيره: أصل الفتنة الاختبار، ثم استعملت فيما أخرجته المحنة والاختبار إلى المكروه، يعني صارت النتيجة، نتيجة هذا الاختبار ليست حميدة، فيكون النهاية هي الفتنة، ثم أطلقت على كل مكروه فتنة، أو آيل إليه كالكفر والإثم، والتحريق، والفضيحة، والفجور وغير ذلك، هذا ما يتعلق بالفتنة ومعانيها.
((كقطع)):، كقطع بكسر القاف وفتح الطاء، بكسر القاف وفتح الطاء جمع قطعة، قطع جمع قطعة.
стр. 285
((الليل المظلم)): الليل المظلم، لفرط سوادها وظلمتها، تشبه بالليل المظلم؛ لأن بعض الليل فيه نور، يعني الليالي المقمرة فيها نور، أما الليالي أواخر الشهر أو أوائله فهي مظلمة، ((كقطع الليل)): المظلم لفرط سوادها وظلمتها وعدم تبين الصلاح والفساد، أنت إذا قابلك أحد في الليلة المظلمة أو عثرت على شيء، أو وقفت على شيء فإنك لا تميزه هل هو ضار أو نافع، ما تدري، هل هذا الشخص صالح يريد نفعك، أو فاسد يريد ضررك، ما تدري؛ لأنها مظلمة، وعدم تبين الصلاح والفساد منها، وفيه إيماء، يعني إشارة من بعد، إلى أن أهل هذه الفتن ما قال الله تعالى في حقهم: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ [سورة يونس: ٢٧]، لتناسب قطع الليل المظلم، وجوههم مظلمة، تناسب جداً قطع الليل المظلم؛ لأن في الحديث إيماء إلى هذه الآية، وحاصل المعنى، معنى الحديث: تعجلوا بالأعمال الصالحة بادروا بها تعجلوا بها، قبل مجيء الفتن المظلمة، قبل مجيء الفتن المظلمة، من القتل والنهب، والاختلاف بين المسلمين في أمر الدنيا والدين، فإنكم لا تطيقون الأعمال على وجه الكمال فيها.
الفتن أول ما تبدأ كالنار، شرارة تبدأ يسيرة، ثم يجر بعضها إلى بعض، حتى وجد في بعض البلاد من يحاسب إذا وجد النور قرب صلاة الصبح في بيته، ووجد في بعض البلاد من يفحص فحصاً دورياً على ركب بعض الفئات هل يصلون أو لا يصلون، - نسأل الله السلامة والعافية -، يعني كيف يخطر على بال أن مثل هذا يوجد، إلا أنها الفتن، يعني جر بعضها إلى بعض، بدأت صغيرة ثم استشرت، يعني كنا في السابق يعني المساجد أبوابها مفتوحة ليل نهار؛ لأنه لن يدخلها إلا شخص يريد أن يتعبد فوجد الإفساد مثلاً في المساجد، وجد من يمزق المصاحف، وجد من يبول، وجد من يكتب كتابات كفرية، فاقتضى النظر عند ولاة الأمر أن يصدر التوجيه بإغلاق المساجد، الأصل أن المساجد مفتوحة.
стр. 286
كان المسجد في عهده ﵊ مفتوحاً –كما في صحيح البخاري- والكلاب تغدو وتروح، تغدو وتروح، لكن ما الذي جعل الولاة يوصون بإغلاق المساجد، نعم، وإغلاق دورات المياه؟ لوجود الإفساد فيها، فوجد من يبول على المصاحف، وجد من يكتب في المحراب كلمات كفرية، فاقتضى التوجيه أن تغلق، لكن يبقى أن من كان عليه علامات صلاح، وأراد أن يتعبد بما أمر به من البقاء والمكث في المسجد بعد صلاة الصبح أو غيره من الصلوات، هذا ينبغي أن يسهل له الأمر، ويكون أيضاً المسجد من ضمانه، إذا لم يوجد حارس يحرس المسجد، فأقول: مثل هذه الأمور ما الذي جرّ عليها؟ جر عليها وجود الفتن، وبمبدئها كالشرار إلى أن زاد الأمر إلى حد قد يزداد الأمر عن ذلك إذا زادت هذه الفتن كما في بعض البلاد، يعني من الذي يدعو إلى إغلاق دورات المياه، وجد آثار معاصي، وجد آثار معاصي، فلن تسهل هذه المعاصي بفتح مثل هذه الأمور، الأصل إنما هي وضعت لنفع الناس، فإذا استغلت فيما يضر تغلق؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وليس معنى هذا أننا نضيق على العُبَّاد وأننا نخرجهم، لا، لا أبداً، يعني من ظهرت عليه علامات الصدق يمكن من المسجد ولا يجوز إخراجه بحال، لكن مع ذلك يحتاط للمسجد فإما أن يكون فيه حارس يحرسه من العابثين حتى يغلق، أو يكون من ضمان هذا الذي بقي، يقول له: اقفل الباب، وإلا يأخذ مفتاح ويتصرف.
على كل حال مثل هذه الأمور شرارة، تبدأ ثم بعد ذلك يزيد الأمر إلى أن يحصل ما لا يخطر على البال، يعني إذا وجد الكهرب النور، وشغال في آخر الليل يحاسب، يستدعى من قبل الجهات ويحاسب، في بعض البلاد، فمتى وصلوا إلى هذا الحد؟ إلا ما قبله مراحل مر بها يسيرة ثم زاد، ثم زادت إلى أن، والواقي هو الله -جل وعلا-، وأسباب البشر مهما عظمت ومهما قويت وتعددت وانتشرت فلن تفيد إذا لم يرد الله -جل وعلا- النفع.
стр. 287
((كقطع الليل)): المراد من التشبيه بيان حال الفتن من حيث أنه بشيع فضيع، بشيع فضيع، يعني هل يقول قائل: إن الظلام أفضل من النور؟ الغلس الشديد الذي لا ترى فيه يدك هل يستطيع أن يقول أحد أنه أفضل من الشمس في رابعة النهار؟ لا يمكن أن يقولها إلا بالنسبة للنوم، النوم الظلام أفضل، لكن يبقى أنه بالنسبة لرعاية مصالح العباد، ومعايشهم لا بد من النور.
والمراد من التشبيه بيان حال الفتن من حيث إنه بشيع فضيع ولا يعرف سببها، ولا طريق الخلاص منها، ولا يعرف سببها، ولا طريق الخلاص منها، فالمبادرة المسارعة بإدراك الشيء قبل فواته، قبل فواته، أو بدفعه قبل وقوعه، يعني المبادرة قبل فوات الأمر أمر لا بد منه، أو إن أمكن الدفع قبل الوقوع فهذا أولى، لكن إذا وقعت لا بد من التسبب في رفعها.
((يصبح الرجل)): ومثله المرأة؛ لأن النساء شقائق الرجال، والحكم واحد، والمرأة تدخل في خطاب الرجل في كثير من النصوص، ما لم يدل الدليل على تخصيصها.
((يصبح الرجل))، ومثله المرأة ((مؤمناً)): أي موصوفاً بأصل الإيمان أو كماله، المقصود أن أصل الإيمان موجود، يصح أن يطلق عليه مؤمن.
((يصبح الرجل ويمسي كافراً)): ويمسي كافراً أي حقيقة يعني يخرج من الدين بالكلية، أو يكفر كفراً أصغر، أو كفر نعمة، أو يتشبه بالكفار فيعمل عملهم من قتل ونهب وسلب؛ لأن الأصل أن هذا ليس من أخلاق المؤمنين، أو مشابهاً للكفار، أو فاعلاً أفعالهم بإهدار دماء المسلمين، وأموالهم، وأعراضهم.
стр. 288
((ويمسي مؤمناً، ويصبح كافراً)): مثله، وقال بعض أهل العلم أن المعنى: يصبح محرماً ما حرمه الله -جل وعلا-، ويمسي مستحلاً إياه، وبالعكس؛ لأن استحلال الحرام المتفق عليه المعلوم من الدين بالضرورة، أو تحريم الحلال المعلوم من الدين بالضرورة، هذا -نسأل الله العافية- كفر ردة، يعني حينما يحاول بعض الناس أن يجعل مخرج لبعض فئات الكفار أن لهم نصيب من الجنة، يعني الآن في بعض الوسائل يروج أن اليهود والنصارى مؤمنين، يشاركوننا في الإيمان بالله، فلهم نصيبهم، ووجد من يترحم عليهم، وأهل العلم يقولون: هم كفار بالإجماع، ومن شك في كفرهم كفر إجماعاً، يعني يوجد في الوسائل من يروج لمثل هذا، ولذلك يقولون: ((ويمسي مؤمناً، ويصبح كافراً)) قيل: المعنى يصبح محرماً ما حرمه الله، ويمسي مستحلاً إياه، وبالعكس، يعني الأمور المختلف فيها والراجح مثلاً تحريمها نسمع كثيراً من يحللها، الأمور المختلف فيها والراجح حلها نسمع من يحرمها، لكن الإشكال في ما يخرج به من الدين بالكلية، ما يكفر به، وهو تحليل الحرام المجمع عليه، أو تحريم الحلال المجمع عليه.
الحاصل من ذلك التذبذب في أمر الدين، والتتبع لأمر الدنيا، حاصل ذلك التذبذب في أمر الدين، والتتبع لأمر الدنيا، كما بينه بقوله ﵊: ((يبيع)) أي الرجل، أو ((أحدهم)) كما في بعض الروايات: ((دينه)) يبيع دينه، يترك دينه ((بعرض من الدنيا))، أي بأخذ متاع دنيء وثمن رديء من الدنيا، وبعض الروايات قليل، بعرض قليل، وقد جاء استثناء، وقد جاء استثناء ((من أحياه الله بالعلم)) عند ابن ماجه والطبراني، طيب، يبيع دينه بعرض قليل يسير قد يقول قائل يفترض أن هذا الذي يتصدى لتعليم الناس وإفتائهم، نعم أعطي ثمناً كثيراً يعني هل مفهوم أن الذم لمن أخذ قليل؟ نعم، افترض أن هذا قيل له: هذا مليون وأفتي بكذا، يقول: والله الحديث بعرض قليل، وهذا كثير، يعني يستحق الإنسان أن يضحي، نعم ألا يدري مثل هذا أن ((ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها)) الدنيا كلها شيء لا شيء بالنسبة للآخرة، لو أعطي الإنسان مليار ما عادل ركعتي الفجر، فكيف يقول مفهوم الحديث قليل، وإذا وجد كثير يمكن ألا يدخل، لا، لا أبداً.
стр. 289
جاء استثناء من أحياه الله بالعلم، ((إلا من أحياه الله بالعلم))، وهذا عند ابن ماجه والطبراني في مثل هؤلاء الذين أحياهم الله بالعلم، ونور بصائرهم وثبتهم على دينه، وجعلهم من الراسخين، هؤلاء تمر الفتن ولا تضرهم، تمر هذه الفتن التي تموج ولا تضرهم؛ لأن الله -جل وعلا- يثبتهم.
وجاء عند الترمذي: ((تكون بين يدي الساعة)) بين يدي -يعني قبلها-، ومن أشراطها فتن، والتنكير للتعظيم، يعني فتن عظيمة، عظام ومحن جسام، كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها يعني في تلك الفتن، والظاهر أن المراد بالإصباح –كما يقول أهل العلم- الإصباح والإمساء تقلب الناس فيها، تقلب الناس فيها وقتاً دون وقت، لا بخصوص الزمانين، يعني لا أنه، لا يلزم منه أن يكون بيوم واحد يتغير، هو في الصباح مسلم، وفي المساء كافر، إنما بالتدريج، لكن الكلام على الحكم عليه وهو في هذا الوقت مؤمن بعده في وقت يليه كافر، المفترض أن أنه شخص مؤمن في أول النهار وكافر في آخره، ما يدخل في الحديث؛ لأنه ما أمسى؟ أو العكس في أول الليل مؤمن، وفي آخره كافر، نعم، ليس المراد حقيقة الإصباح والإمساء، وإنما يراد به التقلب في الأوقات، تقلب الناس فيها وقتاً دون وقت، لا بخصوص الزمانين، فكأنه كناية عن تردد أحوالهم وتذبذب أقوالهم، وتنوع أفعالهم من عهد ونقض، يبرم عهد، والله -جل وعلا- يقول: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [سورة المائدة: ١]، ثم ينقض، ويعاهد ويغدر، من عهد ونقض، وأمانة وخيانة، ((وإذا أؤتمن خان)) هذا من، من أوصاف المنافقين –نسأل الله العافية- ومعروف ومنكر، وسنة وبدعة، وإيمان وكفر، هذا التذبذب يحصل، وظهر كثيراً في هذه الأيام، تجد الإنسان ما أعلمه، ما أحلمه، ما أعقله، ثم بعد ذلك يخرج بشيء لا يخطر على القلوب، نسأل الله الثبات، أو العكس.
المقصود أن مثل هذه الأمور من سمات، أي أوقات الفتن، أوقات الفتن.
((بعرض من الدنيا)) أي بقليل من حطامها، والعرض ما عرض لك من منافع.
стр. 290
((القاعد غير من القائم))، ((القاعد غير من القائم))، وهذا جاء في الصحيح، في صحيح البخاري، ((والماشي فيه خير من الساعي)) يعني القاعد خير من القائم، والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي، يعني المسرع إلى هذه الفتن، المقصود أن التباعد خير في أي مرتبة، التباعد من الفتن خير، الفتن في وسط، في مكان ما، من قرب منها هو المذموم، وكل ما أبعد عنها الإنسان فهو الممدوح، يعني الشخص القاعد، القاعد لا يرى شيئاً، فهو معصوم من هذه الحيثية، القاعد لا يرى أمامه شيء، لكن القائم الفتنة إليه أسرع من الفتنة إلى القاعد؛ لأنه إذا نظر أمامه وجد ما يستهويه وما يغريه، فيذهب فيمشي، ثم بعد ذلك إذ بالناس يتهافتون عليه بسرعة فيسرع، ويتأثر بها، لكن لو وجد فتنة ووجد قاعد، ووجد شخص قائم، وجد قاعد يقول: أنا ما لي دعوة بالناس، علي بنفسي، طيب في مشكلة هناك وما عليه من أحد، وواحد قائم ينظر ويتأمل من أجل إيش؟ من أجل أن يسعى في حلها أو في تخفيفها، ثم يجد ماشي يمشي إلى ذلك، وجد من يسعى هرولة، من أجل إيش؟ المشاركة في حل هذه الفتنة، وفي فضح هذه الفتنة، أيهم أفضل؟ الساعي، ثم الماشي، ثم القائم ثم القاعد، يعني المسألة إيش؟ مبناها على هذه الفتن، والتأثر بها سلباً أو إيجاباً، لكن الغالب في أيام الفتن وأيام الاضطراب أنها تؤثر سلباً في كثير من في عموم الناس، لكن يبقى أن بعضهم يمكن أن يؤثر فيها إيجاباً فمثل هذا مشاركته في حلها أي للحكمة وهو الممدوح.
((من تشرف لها تستشرفه))، من تشرف لها تستشرفه؛ لأن من العصمة ألا تسمع عن هذه الفتنة، ومن العصمة أيضاً ألا تمشي إليها، ومن العصمة ألا تسعى إليها، لا سيما إذا كنت ليست لديك القدرة في التأثير، كثير من الناس قابل للتأثر، وبعضهم فيه تأثير، وبعضهم سجال، قد يتأثر فيها وقد يؤثر، فمثل هؤلاء كل له حكمه كما سيأتي في حكم العزلة والخلطة، ((من تشرف لها تستشرفه))، تستهويه، أخبار غريبة، أخبار جديدة، يسمع أشياء؛ لأن الناس في الغالب يَمَلون الركود، تجد مثلاً عشرين ثلاثين سنة الناس راكدين على حال واحد، ثم يوجد فتنة تموج في الناس تجد الناس كلهم حولها، زرافات ووحدان، تستشرفهم.
стр. 291
المقصود أن مثل هذه الأمور التي فيها تغيير للمجتمع أو تساهم في تغيير هذه، تستشرف كثير، وتستهويهم، ((تستشرفهم، فمن وجد منها ملجأ أو معاذاً فليعذ به)) يعني ما يكفي أن يكون قاعد، إنما يذهب وينصرف في الاتجاه المعاكس ليجد ما يحميه ويقيه من هذه الفتنة، ((فمن وجد منها ملجأ أو معاذاً فليعذ به))، طيب.
المخرج من الفتن ، وجدت الفتن، وجدت الفتن، والآن تموج من حولنا، والناس يتخطفون من حولنا، ونحن نعيش في أمن ورخاء ورغد ولله الحمد والمنة، نسأل الله -جل وعلا- أن يديم هذا بتوفيقنا لرضاه.
стр. 292
المخرج: الاعتصام بكتاب الله -جل وعلا- والعمل بسنة نبيه ﵊، وقد جاء في الحديث: ((تكون فتن)) قيل: يا رسول الله فما المخرج منها: قال: ((كتاب الله)) فعلى المسلم الذي يحسن القراءة أن يكون ديدنه تلاوة كتاب الله، قراءة القرآن، في كل وقت، هذا فيه مخرج من الفتن، وفيه أيضاً بكل حرف عشر حسنات، يعني تجلس بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس أسبوع وتختم القرآن، ساعة، تختم القرآن في أسبوع، ثلاثة ملايين حسنة، ومع ذلك العصمة في كتاب الله، فمن يفرط في مثل هذا؟ ما يفرط إلا محروم، نسأل الله السلامة والعافية، يعني في وقت قصير ولا يعوقك عن تحصيل أي مصلحة، لا دين ولا دنيا، ومع ذلك تجد الذين يجلسون انتظاراً لارتفاع الشمس قلة، ونراهم في بلادنا، بلاد الخير والفضل، أقل من القليل، بل كثير من المساجد ما يجلس أحد، ما يجلس أحد، ذهبنا إلى بعض المناطق، مناطق المملكة التي في عرف كثير من الناس محل ازدراء، ليست محل، يعني ما هي بمحل التزام واستقامة، وفيها طوائف مبتدعة، وفيها اختلاط وكذا، وجلس بعد صلاة الصبح صفان إلى أن ارتفعت الشمس، ومظاهرهم ليست من مظاهر الاستقامة والالتزام، فالزهد في مثل هذه الأمور التي جاء الحث عليها لا شك أنه خذلان، يعني ما الذي يمنع أن يجلس طلاب العلم، يجلس عامة المسلمين، كبار السن، خيار الناس، بعد صلاة الصبح إلى أن تنتشر الشمس لمدة ساعة، ويقرأ القرآن، أسبوع ثلاثة ملايين حسنة، ويعصم من الشيطان، يعصم من الدجال، الإنسان في، غني عن العصمة من الفتن؟ المخرج في كتاب الله، العمل بسنة النبي ﵊ ((عليكم بسنتي))، والذي لا يعمل بالسنة لا بد وأن يبتلى ببدعة، لا بد أن يبتلى ببدعة، عليه أيضاً أن يلزم العبادة، في أوقات الفتن ففيها مخرج، وفي الحديث الصحيح: ((العبادة في الهرج كهجرة إلي))، ((العبادة في الهرج كهجرة إلي)) فعلى الإنسان أن يلزم هذه العبادة.
стр. 293
الفرائض عليه أن يسعى في تكميلها، يعني إذا كان يعقل منها النصف أو الربع، أو الثلث يسعى أن يعقل جميع هذه الفرائض؛ لأنه ما تقرب بشيء أحب إلى الله مما افترض عليه، ثم بعد ذلك يسعى فيما يسد الخلل من الإكثار من النوافل من جنس هذه العبادة، يكثر من نوافل الصلاة، يكثر من نوافل الصيام، من نوافل الحج والعمرة، ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما)) الأذكار التي لا تكلف الإنسان شيئا، ً ورتب عليها الأجور العظيمة، إبراهيم ﵇ يقول للنبي ﵊: ((يا محمد أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة قيعان، غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر)) تجد الإنسان يغرس الشجرة، أو يغرس النخلة، ويتكلف عليها المبالغ والجهود، وخمس سنوات أو ست ما تثمر، سبحان الله غرس شجرة في الجنة، الحمد لله غرس شجرة في الجنة، وهكذا، ما الذي يعجز عن أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وهي الباقيات الصالحات، ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ﴾ [سورة الكهف: ٤٦]، يعني أفضل من المال ومن البنين، وهي لا تكلف شيء، وأنت جالس، وأنت قائم، ماشي، مضطجع، في نور، في ظلام، على أي حال تذكر الله، سبحان الله وبحمده في دقيقه ونصف مائة مرة حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر، يعني الذي يلهج بذكر الله، هل يخذل في وقت الفتن إذا كان ذلك من أخلاص واستحضار لهذه الأذكار؟ لن يخذل بإذن الله، وجاءت الأحاديث الكثيرة في الذكر والذاكرين، ((سبق المفردون، الذاكرون الله كثيراً والذاكرات)) وللذكر أكثر من مائة فائدة، ذكرها ابن القيم -رحمه الله تعالى- في أول الوابل الصيب في الكلم الطيب، الوابل الصيب من الكلم الطيب، فالعبادة في وقت الفتن وقت الهرج الذي هو: القتل بلسان الحبشة، لا شك أنه فيه مخرج عظيم وتوفيق من الله -جل وعلا- للخروج من هذه الفتن.
لزوم جماعة المسلمين، يعني إذا وجدت هذه الفتن، ووجد القتل على الإنسان أن يلزم جماعة المسلمين.
стр. 294
أيضاً يكثر الاستعاذة بالله -جل وعلا- من هذه الفتن، يكثر الاستعاذة بالله -جل وعلا- من هذه الفتن، عله أن يوافق ساعة استجابة فيعصم منها، يعني موقف العلماء وطلاب العلم في أيام الفتن، عليهم أن يبصروا الناس، ويثبتوهم، ويربطوا على قلوبهم، ويبينوا لهم ما جاء في ذلك من نصوص، ولا يجعلونهم يتخبطون ويتبعون كل ناعق يتكلم ممن له شأن، ومن لا شأن له.
اللهم صلي وسلم على عبدك ورسولك.
في الحديث الصحيح عند الإمام البخاري وغيره من قوله ﵊: ((يوشك أن يكون خير مال المسلم أو خير مال المسلم غنم أو غنماً يتبع فيها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن، يفر بدينه من الفتن))، ((يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتبع فيها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن)).
إذا وجدت الفتن تلاطمت وعجز الإنسان عن حماية نفسه ومن تحت يده، فضلاً عن أن يكون مؤثراً في غيره، وخشي على نفسه أن يتأثر ينطبق عليه هذا الحديث، يفر بدينه من الفتن ويعتزل الناس؛ لأن مثل هذا الحديث، لا شك أنه في وقت الفتن التي لا يدرى وجه الصواب فيها، ممن يخشى أن يتأثر ولا يطمع من نفسه ولا يؤنس من نفسه أو يغلب على ظنه أنه يؤثر، أما الشخص الذي يؤثر في غيره فلا شك أن الصبر على مخالطة الناس، وتحمل أذاهم، وبذل الجهد في نفعهم، هذا هو المتعين، أما من كان لا أثر له في الناس، ويخشى على نفسه أو على ولده من هذه الفتن، فإنه ينطبق عليه هذا الحديث ويفر بدينه من الفتن، فالعزلة والخلطة يبحثها أهل العلم، وقديماً ألف في العزلة، وأبو سليمان الخطابي في القرن الرابع له كتاب من أنفع الكتب في فضل العزلة.
стр. 295
هناك عزلة كلية، وهناك عزلة جزئية، عزلة جزئية في بعض الأوقات دون بعض، يعني يصلي مع الناس الجماعة، ويشهد الجمع والأعياد، ويحضر المناسبات الشرعية، لكنه لا يكثر الاختلاط بالناس؛ لأن كثرة الخلطة بالناس لا شك أن أثرها على القلب ظاهر، وإن كان هذا يتفاوت بتفاوت الناس، بعض الناس وجوده في المحافل والمجالس خير، يسعى جاهداً في نفع الناس، وبعض الناس سلبي لا خير ولا شر، وبعض الناس وجوده ضرر، لكن في الجملة الخلطة كثرتها مع الناس لا بد أن يكون لها أثر على القلب؛ لأن هذه الخطرات التي تخطر على القلوب في أوقات الضيق، يعني شخص يسمع في صلاة التهجد في ليالي العشر مثلاً وهو ساجد يضحك، لماذا ضحك؟، هل لأنه قام من فراشه واتبع الخطوات الشرعية إلى مجيئه إلى المسجد، وصلى مع المسلمين؟، أو لأنه جاء من مجلس فيه قيل وقال ونكت وكذا؟ لأن بعض الناس مبتلى بصحبة هؤلاء، أو يكون يساهم فيها، في النكت، ثم تأتيه في وقت لا يستطيع دفعها، وهو في أحوج الأوقات، وهو من أحوج، في أحوج الأوقات إلى قلبه، يحتاج لاستحضار قلبه ليدعو مع حضور القلب ويستجاب ليؤدي العبادة على الوجه المطلوب، تجد مثلاً الذي ابتلي بالنكت تجده يضحك، الذي ابتلي بالتقليد تجده يقلد في أوقات الضيق في عشية عرفة يقلد، الذي ابتلي بالغيبة والنميمة تجده في هذا الموطن العظيم يغتاب لا يستطيع أن يملك نفسه، فعلى الإنسان أن يقلل من الخلطة بقدر الإمكان على ألا يترك الواجبات، ولا يقصر في الحقوق؛ لأن من وسائل حفظ القلب الفضول كما يقول ابن القيم، فضول الطعام، فضول النوم، فضول الأكل، -اللي هو الطعام-، فضول الكلام، فضول النظر، فضول الخلطة كل هذه مؤثرة؛ لأنها كلها منافذ تصب في القلب، تجد الإنسان يفتح المصحف ويقرأ لمدة ساعة ما يدري ويش قرأ، قيل وقال، وذهب وراح، وجاء، وفي الصلاة ثم يخرج منها كما دخل.
стр. 296
القصة اللي ذكرناها مراراً شخص تقدم إلى المسجد وصار بجوار المؤذن، قرأ من القرآن ما قرأ حتى جاءت الإقامة، لما كبر الإمام كبر معه، يقول: فنظرت إلى المسجد فإذا المسجد كبير ونظيف، لكن ما فيه منبر، قلت: أكيد أن هذا مسجد فروض ما هو بجامع، ويصلي، لكن لا بد يصير جامع هذا ما في أفضل منه، لكن المشكلة المنبر وين، فإذا بجوار المحراب غرفة قلت: سهل، هذه تصلح تسقف مع النصف وتصير منبر ويش المانع، وهو يصلي، فتح الغرفة فإذا فيها أثاث، يقول: ما انتهيت من نقل الأثاث إلا مع السلام، ما الذي جعل هذه الخطرات تخطر له في هذا الوقت؟ إلا لأن وقته معمور بالقيل والقال، وإلا لو حفظ نفسه لحفظ، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، فالخلطة هذا أثرها، والعزلة لا شك أن فيها نفع عظيم لا سيما في أوقات الفتن التي لا يستطاع رفعها ولا دفعها، ويخشى من تأثر الإنسان بها، فإذا كان الإنسان من النوع المؤثر هذا لا يجوز له أن يعتزل بل لا بد أن يخالط الناس ويؤثر فيهم، ويسعى في تخفيف هذه الفتن، إذا كان يتأثر ولا يؤثر مثل هذا مع وجود هذه المنكرات، مع وجود هذه الفتن عليه أن يعتزل، والشراح شراح البخاري وغيره، يقولون: المتعين في هذه الأزمان العزلة، الشراح بعضهم في الثامن، وبعضهم في التاسع، يعني من سبعمائة سنة، أو ستمائة سنة، وخمسمائة سنة، يقولون: المتعين العزلة؛ لعدم خلو المحافل من المنكرات، يقولون هذا قبل الانفتاح وقبل الدشوش، وقبل اختلاط المسلمين بغيرهم، وقبل العادات الوافدة من الكفار، يقولون: متعين عزلة، إحنا أدركنا الناس قبل ثلاثين سنة يختلف وضعهم اختلاف جذري، قبل انفتاح الدنيا، فكيف بقبل خمسمائة ستمائة سنة، على كل حال مثل هذه الأمور إنما تقدر بحسب اختلاف الناس والأحوال والظروف والحاجة إلى الإنسان وما يترتب على ذلك من فعل واجبات، أو ترك واجبات، وتضييع حقوق، لأنه يوجد في هذه الأوقات ولله الحمد من يؤدي الحقوق وزيادة، تجدوه في الدوام من الثامنة إلى الثانية، وتجده إذا خرج يذهب إلى المسجد الذي يصلى فيه على الجنائز، ثم بعد ذلك يتبع الجنازة إلى المقبرة، ثم يعود إلى بيته يجيب على أسئلة مثلاً، ويأنس بأولاده ويؤنسهم ثم إذا صلى
стр. 297
المغرب تجد عنده درس مثلاً، يا طالب، يا معلم، أو متعلم، وبعد العشاء تجده يونس أهله وأصحابه أو درس ثاني، أو يزور أخ في الله ثم بعد ذلك ينام، ويتجهز لليوم الثاني وهكذا، خير عظيم مثل هذا البرنامج، لكن بعض الناس إن راح إلى الوظيفة ضيع، ضيع الوظيفة، وضيع غيره بسببه، وما سلم الناس منه، وإذا جاءه مراجع نهره وزجره، وإذا التقى بزميل وإلا كذا حمله من أعماله، وخرج إلى يمين ويسار، وضيع الدوام، وضيع نفسه وضيع غيره، وإذا خرج من دوامه ما وفق لأعمال صالحة، تجد أوقاته معمورة بما لا ينفع، بل بما يضر، فالناس أجناس، والوقت لا زالت البركة موجودة، لا زالت البركة موجودة، الذي يقول: إن البركة ذهبت هذا ليس بصحيح، وإذا أراد أن يجرب بركة الوقت يجلس بعد صلاة العشاء خمس ساعات في الشتاء، لا يخرج يمين ولا يسار، يشوف بركة الوقت، كيف ينجز إذا جلس، أو يجلس بعد صلاة الصبح في الصيف إلى العاشرة ينتج فيه ما ينتجه غيره في عشرة أيام من المضيعين، فالوقت إذا حفظ وسعى الإنسان في أسباب حفظ الوقت فإن الله -جل وعلا- يبارك له فيه.
стр. 298
قد يقول قائل: لماذا ابتلينا بهذه الفتن، ولماذا كان الناس قبلنا ما فتنوا أو الفتن عندهم أقل أو كذا؟ جاء الحديث الصحيح: ((لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم)) ((لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم))، طيب ماذا يصنع؟ أنت جئت في الزمان المتأخر، وزمان الفتن؟ عليك أن تبذل ما في وسعك، وإذا علم الله منك صدق النية أعانك في عدم التأثر بل التأثير، وإذا عملت وعبدت الله -جل وعلا- في هذه الأوقات فأبشر، تمسكت بالسنة فلك أجر خمسين من الصحابة، أجر خمسين من الصحابة، يعني الذي يحصل له مثل هذا الوعد هل يتمنى أنه في زمان سابق؟ لكن يبقى أن أجر الصحبة وشرف الصحبة لن يناله أحد كائناً من كان، يبقى شرف الصحبة وفضل الصحبة وأجر الصحبة، على، ما يدخل في المفاضلة، لكن الأعمال الأخرى، العامل في أوقات الفتن وأيام المحن، عند فساد الزمان وأهله، لا شك أنه كما جاء في الحديث الذي حسنه جمع من أهل العلم أن له أجر خمسين، قالوا: منهم أو منا يا رسول الله؟ قال: ((بل منكم)). فالإنسان لا يضيق صدره لوجود هذه الفتن، وجود هذه المعاصي، وجود هذه المنكرات، لا يضيق صدره، عليه أن يسعى في الإصلاح بقدر الإمكان وأن يتجه إلى الله -جل وعلا- بقلبه وقالبه، وأن يكثر من تلاوة القرآن والأذكار ونوافل العبادات، وحينئذ يكون له أجر خمسين من الصحابة.
стр. 299
يقول قائل مثلاً: أبتلينا بكثرة هذه الفتن، ابتلينا بالمعارضين، ابتلينا بالمخالفين، ابتلينا بمن يتكلم في الأخيار، لماذا؟ لتعظم الأجور، وتعظم الأوزار، أنت وجدت في هذا الزمن ليعظم أجرك إذا عملت، وإذا خالفت يعظم ذنبك، هناك فتن لكنها غير مؤثرة تأثير الفتن العامة التي يصبح فيها الرجل مؤمن ويمسي كافر، فتنة الرجل في أهله وماله جاء في الحديث أنها تكفرها الصلاة والصيام، إذا افتتن، يغش معنى يفتتن؟ ينشغل بهم، مثل هذه الفتنة تكفرها الصلاة والصيام لكن الإشكال في الفتن العظيمة، التي تموج وتترك الناس حيرى، هذه هي الفتن التي على المسلم أن يسعى في درءها ورفعها ويأخذ بكافة الاحتياطات ألا يقع فيها، ولا تقوم الساعة كما في الحديث الصحيح حتى يغبط أهل القبور، هذه في أوقات الفتن المدلهمة التي لا يستطيع الإنسان فيها أن يخرج منها سالماً، هذا يتمنى، ولذلك أجازوا تمني الموت في زمن الفتن، جاء النهي عن تمني الموت، النهي عن تمني الموت: ((لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به)) لكن جاء أنه في آخر الزمان يأتي إلى صاحب القبر ويقول: يا ليتني مكانك، ((ولا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور)) لماذا؟ لأن الضرر محقق بالبقاء، فالإنسان يخشى على دينه فالموت وزوال الدنيا أسهل بكثير من أن يعرض الدين للخطر، فإذا وصل الحد إلى هذا الأمر جاز للإنسان أن يتمنى خشيةً على دينه في أوقات الفتن التي قد لا يتميز فيها الحق فيتبع، أو لا يوفق الإنسان، أو يحال دونه ودون اتباع الحق، فمثل هذا لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور، ويتمنى الإنسان الموت وتمناه بعض الصحابة لما حصل بعض الفتن، وما زال الأخيار إذا حصل ما حصل وهذا مستثنى من النهي عن تمني الموت؛ لأن النهي عن تمني الموت بسبب ضر أصابه في دنياه، يعني خسر خسارة كارثة فادحة، أو صار عليه حادث، أو انكسر، أو كذا يتمنى الموت؟ هذا لا يجوز له أن يتمنى الموت، لكن إذا كان لا يعرف هل بقاءه مصلحة أو لا؟ يقول: اللهم أحيني ما كانت الحياة خير لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 300
يقول: ما هي الفتن التي ظهرت في الوقت الحالي، اذكرها جزاك الله خيراً؟
هذه أمور تدرك، هذه أمور تدرك، هذه الوسائل التي غزت البيوت، صار الناس يتساهلون بها شيئاً فشيئاً إلى أن استباحوا، إلى أن وصلوا بعضهم إلى حد الإباحية المطلقة، إلى حال البهيمية ويعرض في بيوت المسلمين من الشبهات والشهوات الشيء الذي انحرف بسببه كثير من العوام، عوام من خيار الناس فوق السبعين كانوا عمار مساجد، في روضات المساجد، والآن ما يصلون، هذه ما هي بفتن؟ هذه من أعظم الفتن، إن كنت لا تدركها أنت بنفسك تخشى على نفسك من مثل هذا، ويزين لك شياطين الإنس والجن، يوحون إليك أن هذه القنوات ذات حدين، وأنها فيها نفع، وفيها مشايخ وفيها علم الهرب، الهرب، وغيرها من الفتن، يعني كون الكفار يتسلطون على المسلمين وبعض المسلمين يشرع، وبعض العلماء يتكلم بكلام يرضي به بعض الأعداء، هذه فتن، يقتدى به من قبل عوام الناس، وحينئذ عليهم الوزر، ووزر من عمل به.
كيف نعرف فتن الشبهات وما موقفنا أمامها؟
إذا كنت لا تستطيع أن تميز، فلا يجوز لك أن تعرض نفسك لسماعها؛ لأنه يأتي أحياناً مناظرات بين سني وبدعي، بين سني ورافضي وإلا سني وإلا جهمي، وإلا، المقصود يأتي مناظرات ويأتي أطروحات، أطروحات في هذه القنوات فيقول الإنسان: من باب حب الاستطلاع ويمكن يقر في ذهنك شبهة لا تستطيع اجتثاثها، فأنت إذا كنت لا تستطيع أن تميز فلا يجوز لك أن تعرض نفسك لها.
يقول: هل علي ﵁ عذب من غلو فيه بالنار؟ وما هو تعليقكم على ذلك؟
نعم، يقول ﵁:
لما رأيت الأمر أمراً منكراً ... أججت ناري ودعوت قنبراً
ادعوا فيه الألوهية.
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [سورة العنكبوت: ٢]، يعني الإنسان ليس في مأمن، مهما بلغ في المنزلة من الفتن لا بد أن يعرض والفتن تعرض على القلوب كالحصير كما جاء في صحيح مسلم عوداً عوداً، لا بد أن تعرض، لكن من ثبته الله -جل وعلا- فهو سالم، وإلا فإنه يشرب مثل هذه الفتن وتَقر في قلبه حتى تغطيه.
стр. 301
يقول: ما رأيكم بما يوجد من فتنة الفتوى وتضاربها ووقوع الحرج عند الكثير بما يأخذ فما توجيه ... إلى آخره؟
على كل حال الإنسان إن كان من أهل النظر فعليه العمل بالدليل، إن كان من أهل النظر والاجتهاد، ولا يسعه أن يقلد أحداً، وإن كان من العامة أو من أشباه العامة ممن لم يتأهل للنظر والاجتهاد، فإن عليه أن يقتدي بمن تبرأ الذمة بتقليده، ولا يتخبط ويتتبع الفتاوى التي توافق هواه، فإنه حينئذ يكون عبداً لهواه، وعليه أن ينظر في متبوعه، إن جمع بين العلم والدين والورع فهو أهل لأن يقتدى به،
وليس في فتواه مفت متبع ... ما لم يضف للعلم والدين الورع
قد يقول قائل: أنا والله لا أستطيع أن أميز أيهم أفضل، وأيهم أعلم وأيهم أورع، على كل حال الاستفاضة على ألسنة العلماء، وعلى ألسنة الأخيار كافية في مثل هذا، يعني إذا أثنى عليه أهل العلم المعروفون بالتحفظ والتثبت تكفي.
هل ما يوضع من آلات كهربائية لاصطياد الذباب من قَبيل الإحراق بالنار الذي هو من خصائص الله -جل وعلا-؟
على كل حال هي تخالف وتفارق النار التي هي ذات اللهب، وإن كان فيها شيء من الإحراق والصعق، لكن هذا الناموس المؤذي إذا لم يتحقق دفعه إلا بمثل هذه، فإنما آذى طبعاً جاز قتله شرعاً، وإذا لم يتمكن متمكن من وسيلة غيرها فلا مانع منها إن -شاء الله تعالى-.
يقول: ما الأشياء المستحب عملها في أوقات الفتن؟
ذكرنا بعض الأشياء ولعلها تكفي.
هل العزلة من المستحبات؟
وذكرنا أيضاً ما يتعلق بالعزلة ومتى ترجح، والخلطة ومتى ترجح.
يقول: هل تمرد الدنمركيين الأخباث على نبينا محمد ﷺ من الفتن، وكيف نتعامل معهم؟
نعم من الفتن، وينظر في الإنسان في المسلم ماذا يقدم؟ هل يجد في نفسه الهم نصرةً لدينه بأقل الأحوال، أو لا يهمه هذا الأمر، علماً بأن الإنسان إذا بذل ما يستطيعه فلا يظن أن هذا شر محض، فالكلام في عرضه ﵊ في قصة الإفك جاء قول الله -جل وعلا-: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ﴾ [سورة النور: ١١].
يقول: هل الواقع الذي نعيشه فتن كقطع الليل المظلم؟
стр. 302
يعني في بلدنا ما يظهر؛ لأن الحق واضح وله من ينصره وواضح في أمام الناس ومعلوم الحلال والحرام والمعروف من المنكر، فلم يأتي زمانه بالنسبة لبلادنا، وإن وجد في بعض الجهات وبعض الأقطار.
يقول: من المعلوم أن للإقبال على عبادة الله أثراً عظيماً في الخلاص من الفتن، فأي العبادات التي لها الأثر الأعظم في ذلك، وهل إخفاء الأعمال الصالحة سبب للخلاص من التعرض للفتن بعد رحمة الله؟
لا شك أن العبادات لها أثر، والعبادة في الهرج كما يقول النبي ﵊: ((كهجرة إلي)) والمخرج من الفتن كتاب الله، وهو من أشرف العبادات، ومن أشرف الأعمال؛ لأنه أفضل الأذكار، وجاء في الذكر من الشرف والفضل العظيم ما جاء نصوص الكتاب والسنة، فهذه لا شك أن لها أثر كبير في الحماية من الفتن.
يقول: وهل إخفاء الأعمال الصالحة سبب للخلاص من التعرض للفتن؟
هو سبب للإخلاص، من أسباب الإخلاص الذي هو شرط القبول، الذي هو شرط القبول، لكن يبقى أن أخفاء الأعمال قد يكون أفضل، وقد يكون إبرازها أفضل، إذا كان لا يخشى على عمله من رياء وأبرزها من أجل أن يقتدى به، من أجل أن يقتدى به، فلا شك أن أجره أعظم، ومن سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، يعني لو افترضنا أن مسجد ما يجلس فيه أحد بعد صلاة الصبح، ثم جلس، جلس الإمام لا شك أنه بعد مدة طالت أو قصرت سوف يجلس آخر، يقتدي به وينشط، ثم يجلس ثاني، وثالث، ورابع، وهكذا، فمثل هذا عمل ظاهر، ما يقول: أنا والله أروح للبيت وأخفي عملي، لا أحد، نعم جاء في الحديث وهو مصحح عند بعض العلماء: ((الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن، كالمسر بالصدقة)) وهو يحتمل أنه يقرأ أمام الناس لكن لا يجهر، يقرأ بإخفات، ويحتمل أيضاً أن يسر به في بيته، وإذا حصل هذا وهذا شيء للاقتداء به، وشيء يحفظ به إخلاصه، جمع بين الأمرين فهو أفضل، وأكمل.
стр. 303
هذا يقول: التحدث عن الإنذارات التي تصل إلينا مثل انخفاض درجة الحرارة تحت الصفر، والبرد الشديد، وارتفاع الأسعار، ومقارنتها بالحرارة وانخفاض، إيش؟ والجو الجميل، يقول: ومقارنتها بجودة الحرارة وانخفاض الأسعار والجو الجميل في بلاد الغرب، هل هي اختبار من الله -جل وعلا- أم إنذارات؟
هي لا شك أنها بالنسبة لهم فتنة، ومكافئة لهم في الدنيا، عما يحصل من بعضهم من ما ظاهره أنه خير، حتى إذا وافوا يوم القيامة لم يبق لهم حسنة، وما يحصل في بلاد المسلمين لا شك أنها عقوبات فيما يفعلون، ويمحصون بها، ويمحص بعضهم على كل حال مثل هذه الإنذارات ووجود السعة والرخاء في بلاد الكفار، الدنيا جنة الكافر، سجن المؤمن وجنة الكافر، والدنيا كلها بحذافيرها غير مأسوف عليها، ولذلك الإنسان إنما خلق لتحقيق العبودية فقط، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: ٥٦]، لكن كيف تتحقق هذه العبودية؟ لا بد من الأخذ بأسباب تعين على بقاء النوع، ولذا جاء قوله -جل وعلا-: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [سورة القصص: ٧٧].
يقول: في الدعاء أو الحديث: ((والشر ليس إليك)) وفي القرآن، ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [سورة طه: ٤٠]، ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [سورة الأنبياء: ٣٥].
القدر كله خيره وشره من الله -جل وعلا-، خيره وشره من الله -جل وعلا-، لكن من باب الأدب في الأسلوب في العبارة ما يضاف الشر إلى الله -جل وعلا-، ولذا جاء في قوله: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [سورة الجن: ١٠]، لما جاء الشر تحدث عن الشر تحدث عنه بصيغة المبني للمجهول، ولما جاء ذكر الخير الرشد أظهر الفاعل وهو الله -جل وعلا-، والكل من الله، لكن من باب التأدب في العبارة وفي الأسلوب، لا يضاف الشر إلى الله -جل وعلا-.
الإقامة بقي عليها شيء؟
طالب: ....
هاه.
في مسائل عامة لا يمكن أن يجاب عنها من قبل فرد، بل هي مما تعم الأمة بكاملها، وهي عملية أيضاً، فيرجع فيها إلى الهيئات العلمية التي وكل إليها مثل هذا الأمر.
стр. 304
يقول: ما أفضل طريقة لضبط العلم، وما أفضل طريقة لتسجيل الفوائد في دروس العلم، وكيف؟
هذه أسئلة تتعلق بالعلم والطلب، ولنا في المسألة أشرطة كيف يحفظ، كيف يقرأ، والمنهجية في قراءة الكتب، وكيف يقدم في الأولويات، في المختصرات، في المطولات، في الشروح، في المتون، في الحواشي، كل هذا موجود ومسجل كله، ويحتاج بسطه إلى وقت.
كيف يحكم الشخص على إخلاصه؟
إذا كانت خلوته مثل جلوته، ما في أي فرق بينهما عنده، ونشاطه إلى العبادة في وقت ظهوره أمام الناس مثل نشاطه إذا خلا فهو هذا دليل على إخلاصه.
مقاطعة منتجات الدنماركية؟
لا شك أنها فيها نكاية لهم، وخسروا خسائر عظيمة، وليس بأيدينا مما نقاومهم به ونرد عليهم به إلا هذا، فهذا أقل ما يقدم.
يقول: هل اختلاف العلماء في الأحكام فهذا شيخ يحل المساهمة الفلانية، وهذا يحرم، هل تعتبر فتنة؟
لا شك أن الخلاف موجود في المسائل الفرعية موجود من عصر الصحابة، لكن العبرة بالصواب، القول الراجح، والعبرة بمن جمع شروط الفتوى، وليس كل واحد يمكن أن يقلد في فتواه.
يقول: هل ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة هل تعتبر فتنة؟
فتنة في معناها الأعم، وهي اختبار الناس، الغني بغناه، والفقير بفقره، يشمل هذا كله.
يقول: حفظت القرآن قبل شهر ونيتي أن أراجع خمسة أجزاء يومياً، السؤال: متى يرسخ القرآن في ذهني، على أني حفظته في ثلاث سنوات؟
لا شك أنه مع المراجعة يثبت، مع المراجعة يثبت، ومع الإهمال ينسى، هو أشد تفلتاً من الإبل في عقرها، لكن مع المراجعة إذا خصصت قدر تستطيع مراجعته وتكرره يومياً لا شك أنك تضبطه ولا يتلفت عليك.
يقول: ما حكم الأناشيد التي ظهرت وكثرت وفيها ألحان تشبه الأغاني وما موقفنا منها؟
стр. 305
الأصل في النشيد أنه كلام شعر موزون مقفى، وألقي بين يدي النبي ﵊، مباح اللفظ، ما فيه ما يستنكر، وأدي على لحون العرب، أدي على لحون العرب، لا على لحون الأعاجم، وأهل الفسق، ولم يصد عما هو أهم منه؛ لأنه شعر، الشعر كلام، حسنه حسن، وقبيحه قبيح، فإذا لم يكن غالباً على غيره لأنه جاء في الحديث الصحيح: ((لئن يمتلأ جوف أحدكم قيحاً حتى يَرِيه خير له من أن يمتلأ شعراً)) فإذا أخذ منه بقدر مناسب، وسمعه بلحون العرب، وسلم من الآلات لا يجوز أن تصحبه آلة، وكان لفظه مباحاً فأنشد بين يدي النبي ﵊.
يقول: ما رأيك بخروج بعض العلماء في قنوات الفساد وإلقاء الدروس والمحاضرات فيها؟
حجتهم أنهم يوصلون العلم إلى الأماكن التي يصل إليها الشر من خلال هذه القنوات، وأنهم يستهدفون فئات لا يمكن حضورهم في المساجد، فهم يوصلون هذا الفضل إلى هذه القنوات، لكن هذه القنوات الموبوءة القذرة التي يستهزأ فيها أو من خلالها بالله وبدينه وبرسوله وتبث من خلالها السموم الشهوات والشبهات، لا شك أنها تجعل خروج مثل هذا العالم أو طالب العلم مبرر لاقتناء بعض الناس لهذه القناة، ولا شك أن درء المفاسد عند أهل العلم مقدم على جلب المصالح، أنت تسعى لإصلاح الناس، وترجو بذلك ثواب الله، وترتكب هذه المحظور وما عند الله لا ينال بسخطه.
يقول: هل الأفضل للإنسان الصمت أو السعي في الإصلاح إذا كان الشخص لا يظهر له رجحان المصلحة؟
لا، حينئذٍ يعتزل، إذا لم يظهر له رجحان فيعتزل، كما اعتزل سعد بن أبي وقاص ما حصل في أيام الصحابة، اعتزل وهو من العشرة المبشرين؛ لأنه لم يترج له شيء، وابن عمر كذلك.
يقول: نأمل الحديث عن فتنة التصاوير؟
стр. 306
لا شك أن التصاوير بجميع أشكالها وآلاتها كثرت وانتشرت وسرت بين المسلمين من غير نكير، كل هذا بسبب كثرة الإمساس واختلاف وجهة النظر، والبحث عن المخارج الذي وقع فيه الناس، قالوا: إنها عمت بها البلوى، فلا بد أن نوجد مخرج يخرجنا من النصوص الشديدة في حكم التصوير، ((وأشد الناس عذاباً المصورين))، ((يقال لأحدهم: أحيوا ما خلقتم))، هذه عظائم لكن مع ذلك تجد كثرتها، تجعل بعض الناس يجيب لها مخارج، فتجد التصوير الشمسي يقول: هذا ليس بتصوير، لا يمكن أن يدخل ضغط زر وتخرج هذه الصورة بهذه السرعة، ويكون من أشد الناس عذاباً، ما يمكن، يقول: ما تتصور هذا، نقول: أيضاً إذا ضغط زر المسدس بلحظة وقتل مسلم فوراً حصل له الوعيد الشديد ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا﴾ [سورة النساء: ٩٣]، يعني سهولة الأمر كلمة ينطق بها يهوي بها في النار سبعين خريفاً، فليس النظر إلى سهولة الأمر وعظمه، النظر في ما جاء فيه من نصوص، فهي الحكم، كون بعض الناس يقول: هذا تصوير أو ليس بتصوير، من أهل العلم، من أهل الفضل، من أهل الخير، من أهل الصلاح، كونه ارتكب هذا الأمر وصور، هذا الأمر إليه، والله المستعان.
الصور المجسمة التي يُجمع عليها أهل العلم الآن تتداول في بيوت المسلمين وفي محافلهم، وفي بلدانهم من دون نكير، على أنها لعب البنات، التي جاءت النصوص بها، وعائشة عندها لعب بنات، وعندها فرس له جناحان وهكذا، يعني اللي عمره ثلاثين، أربعين ما أدرك لعب البنات في ذلك الوقت في بلادنا، هي التي يتحدث عنها، تتحدث عنها النصوص وهي التي يشرحها أهل العلم، لعب البنات قالوا: وساد كبير في رأسه وساد صغير، وانتهى هذا كل لعب البنات، لكن تأتي بلعبة فاتنة مصورة بأدق تصوير، وتتحرك وتتصرف تصرف العقلاء، مضاهاة تامة لخلق الله، إذا أضجعت أغمضت عيناها، إذا أجلست فتحت، إذا صفق لها رقصت، هل هذه لعب البنات التي كانت عند عائشة؟ لا والله إن هذه هي المحرمة بالإجماع، وزاد الأمر فصار يستورد أحجام استغنى بها بعض الفساق؛ لأن هذا سببه الفتنة بمثل هذه الأمور، والسيئة تقول: أختي، أختي تجر إلى ما وراءها، والله المستعان.
стр. 307
يقول: ما أفضل طبعة لكتاب الراغب في المفردات مفردات القرآن؟
أفضل الطبعات لكن ما أظنها موجودة؛ لأنها ما صورت، طبعة محمد أحمد خلف الله، مطبوعة في مصر قبل أربعين سنة، أو خمسين، لكن طبعة الحلبي مجزئة لا بأس بها.
ما حكم جوال الكاميرا؟
الجوال هذا يمكن أن يصور به ما يجوز تصويره من غير ذوات الأرواح، ويمكن أن يصور به ذوات الأرواح، لكن الحصول على مثل هذه الآلات لا شك أنه يسهل هذه المعصية، ويجرئ الإنسان عليها، رأينا شباب خيار من أبعد الناس عن هذه الأمور، واقتنى هذا الجوال ثم بعد ذلك لا يجرؤ أن يصور نفسه؛ لأن التصوير حرام، لا يجرؤ أن يصور أباه أو أمه، أو أخاه، أو الشيخ الفلان، القريب أو المحب، ما، لا يجرؤ؛ لأنه ما زال التصوير عنده حرام، لكن يأتيه ولد طفل أو بنت ثم في المراحل الأولى تحبو، تنازعه نفسه، متى يتكرر عليك مثل هذا المنظر، هذا إن فاتك هذا فات، خلاص، لن يتكرر، ثم تبدأ، أو الولد يبدأ يمشي خطوة خطوتين ويعثر، هذا، نزاع عظيم في النفس، وبسببه تهاوى كثير من الشباب على التصوير؛ لأنهم بدءوا خلاص، صور. . . . . . . . . إيش اللي يمنعك أنك تصور. . . . . . . . . لأن هناك مواقف لا يملك الإنسان نفسه منها، يقول له الشيطان: خلاص ها الخطوتين خلاص لن تتكرر في حياتك، وأنت يمكن في يوم من الأيام تقتنع بالتصوير ثم تندم، وتعدى كثير من الناس وتخطى هذه المرحلة بسبب اقتناءه هذه الكاميرا، ولا شك أن تيسير الوسائل ييسر الغايات.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 308
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
فسنة النبي ﵊ مصدر، بل المصدر الثاني من حيث قوة الثبوت، وإن كانت في لزومها للمكلفين والتزام المكلفين بما دلت عليه بمنزلة القرآن؛ لأنها وحي كالقرآن، فالنبي ﵊ لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وسنته بياناً لما جاء في كتاب الله -جل وعلا-، فهي حجة ملزمة لمن يقتدي به ويأتسي-﵊، ولم يقل بخلاف ذلك أحد ممن يعتد بقوله من أهل العلم بل كلهم مجمعون على أن هذه السنة أصل مستقل، وإن كانت بياناً لما جاء في كتاب الله -جل وعلا- ففيها من الأحكام ما لا يوجد في القرآن، وإن جاء في القرآن ما يشير إليه ويشمله بعمومه، فقد جاء مبيناً مفصلاً في كلام النبي ﵊ وفي فعله، فجاء فعله بياناً لما أجمل في كتاب الله، وكذلك قوله ﵊ وأحاديثه ﵊ متنوعة، فمنها ما جاء تفسيراً للقرآن، ومنها ما جاء بياناً لما يلزم اعتقاده في الله -جل وعلا- وما يجب له، ومنها ما جاء في بيان الأحكام والآداب وغيرها من أبواب الدين، ومنها الأحاديث الجوامع التي تشمل جميع أبواب الدين، أو جل أبوابه، من هذه الأحاديث الجوامع ما أودعه الإمام الحافظ النووي -رحمه الله تعالى- في كتابه الأربعين وما زاده الحافظ ابن رجب عليها.
الكلام على سند الحديث:
فمن هذه الأحاديث ما أشير إليه في المقدمة، وهو ما رواه أبو عيسى الترمذي وابن ماجة في كتابيهما من رواية الأوزاعي عن قرة بن عبد الرحمن بن حيويل عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) وقال عنه الترمذي: حديث غريب، والغالب أن ما يحكم عليه الترمذي بهذا الحكم مجرداً عن الحكم بالصحة والحسن الغالب عليه الضعف، لكن حسنه النووي -رحمه الله تعالى-.
стр. 309
وقال ابن رجب: حسنه المصنف -رحمه الله تعالى– يعني النووي– لأن رجال إسناده ثقات، رجال إسناده ثقات، قرة بن عبد الرحمن بن حيويل مختلف فيه، وثقه قوم وضعفه آخرون، وقال ابن عبد البر: هذا الحديث محفوظ عن الزهري، بهذا الإسناد من رواية الثقات، وهو موافق لتحسين النووي له، بل كلام ابن عبد البر أقوى من كلام النووي.
يقول: هذا الحديث محفوظاً عن الزهري بهذا الإسناد، عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، موصولاً مرفوعاً إلى النبي ﵊، لكن قال ابن رجب: وأما أكثر الأئمة فقالوا: ليس هو بمحفوظ بهذا الإسناد، الإمام الحافظ إمام أهل المغرب ابن عبد البر يقول: محفوظ بهذا الإسناد عن الزهري، وابن رجب وهو من الأئمة المطلعين أهل الخبرة والنقد يقول: وأما أكثر الأئمة فقالوا: ليس هو بمحفوظ بهذا الإسناد، وإنما هو محفوظ عن الزهري عن علي بن الحسين عن النبي ﷺ مرسلاً، كذلك رواه الثقات عن الزهري منهم مالك في الموطأ، ويونس ومعمر وإبراهيم بن سعد إلا أنه قال: ((من إيمان المرء تركه ما لا يعنيه)) عندنا تحسين النووي وقول الإمام الحافظ أبي عمر ابن عبد البر، أنه محفوظ عن الزهري بهذا الإسناد من رواية الثقات، يقابل هذا حكم الترمذي على الحديث بأنه غريب، وعرفنا أنه غالباً ما يحكم على الحديث الضعيف بهذا، إذا جرد ذلك عن الحكم بالصحة والحسن، عندنا تحسين النووي وشهادة ابن عبد البر للحديث بأنه محفوظ عن الثقات بهذا الإسناد، يعني موصولاً.
стр. 310
وقول الحافظ ابن رجب أن أكثر الأئمة قالوا: ليس هو بمحفوظ بهذا الإسناد -يعني بإسناد متصل- وإنما محفوظ عن الزهري عن علي بن الحسين مرسلاً، يقول: كذلك رواه الثقات عن الزهري منهم مالك في الموطأ، ومالك في الموطأ -رحمه الله تعالى- كثيراً ما يعمد على الإرسال، وإن كان الحديث محفوظاً متصلاً بل قد يكون في الصحيحين متصل والإمام مالك ﵀ يسوقه مرسلاً؛ لأن الإمام مالك -رحمه الله تعالى- لا فرق عنده بين المرسل والمتصل، هو يعمد إلى الطرق المرسلة ويترك -رحمه الله تعالى- الطرق الموصولة؛ لأن المرسل عنده حجة كالمتصل، فكون الإمام مالك يخرجه مرسلاً لا يقدح في الحديث؛ لأنه كثيراً ما يعمد إلى الأحاديث المتصلة فيسوقها من الطرق المرسلة؛ لأنه لا فرق عنده بين المرسل والمتصل، وهو يحتج بالمرسل –كما هو معروف في مذهبه– وأشار إلى ذلك جميع أصحابه، وكذلك ممن يعمل بالمرسل الإمام أبو حنيفة.
واحتج مالك كذا النعمان ... به وتابعوهما ودانوا لكن المرسل في قول أكثر أهل العلم ضعيف، فهل نرد على ابن البر الذي يقول: أنه محفوظ بالسند المتصل لكون مالك أخرجه مرسلاً، قد يكون موجود عند مالك على الوجهين، والإمام مالك -رحمه الله تعالى- كثيراً ما يعمد إلى الأحاديث المتصلة المعروفة بالاتصال التي لا إشكال في أسانيدها ويرويها مرسلة، وموطأه شاهد طافح بمثل هذا النوع، يونس ومعمر أيضاً رووه مرسلاً عن علي بن الحسين عن النبي ﷺ .
стр. 311
وممن قال أنه لا يصح إلا علي بن الحسين مرسلاً الإمام أحمد ويحيى بن معين والبخاري والدارقطني، هؤلاء أئمة هذا الشأن، يقول: قد خلط الضعفاء في إسناده عن الزهري تخليطاً فاحشاً والصحيح فيه المرسل، يقول: ورواه عبد الله بن عمر، عن عمر معروف المكبر، عن الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن النبي ﷺ ، عن أبيه فيكون حينئذ متصلاً، وجعله من مسند الحسين بن علي، وخرجه الإمام أحمد في مسنده من هذا الوجه، والعمري ليس بالحافظ كما هو معروف، وخرجه أيضاً من وجه آخر عن الحسين عن النبي ﵊ وضعفه البخاري في تاريخه من هذا الوجه، وقال: لا يصح إلا عن علي بن الحسين مرسلاً، وقد روي عن النبي ﵊ من وجوه أخر وكلها ضعيفة.
الإمام أحمد حكم على أن الطريقة المرسلة هي المحفوظة، وخرجه في مسنده عن عبد الله بن عمر العمري عن الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه متصلاً، فكيف يحكم على المرسل بأنه هو المحفوظ ويخرجه في مسنده متصلاً، الإمام أحمد ﵀ لم يلتزم في مسنده بالصحة، وهنا مسألة وهي تعارض الوصل والإرسال، وهي مسألة معروفة عند أهل العلم، لا تتعارض الطريق الأولى المخرجة في الترمذي وابن ماجة من رواية الأوزاعي عن قرة بن عبد الرحمن عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، مع رواية علي بن الحسين مرسلاً، لكن تعارض الوصل والإرسال فيما أخرجه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر العمري عن الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه، هنا يكون الوصل والإرسال، ولا شك أن من رواه مرسلاً أكثر، ومن رجح إرساله من الأئمة أحفظ، فالمرجح هو الإرسال.
стр. 312
لكن يبقى هل نقول: إن هذا الخبر المرسل يمكن أن يشهد له الطريق الموصول الذي خرجه الترمذي وابن ماجة، يكون شاهداً من حديث أبي هريرة، يكون علي بن الحسين مرة يروى عنه مرسلاً، ومرة موصولاً عن أبيه، ويشهد له حديث أبي هريرة المخرج في سنن الترمذي وابن ماجة، وعلى كل حال الحديث وإن سمعنا ما فيه من أقوال الحفاظ، وقد اختلف في وصله وإرساله وإن كان الراجح فيه الإرسال عند أكثر الحفاظ وهو المحفوظ حينئذ والموصول على قولهم هذا يسمى شاذ، فالذي يعمل بالمرسل كالإمام مالك، وقد خرجه كذلك في موطأه لا إشكال عنده فيه؛ لأنه يعمل بالمرسل، والذي لا يعمل بالمرسل كالإمام أحمد ﵀ يشكل على أصوله؛ لأنه لا يعمل بالمرسل ورجح إرساله وأخرجه في مسنده موصولاً، فيرد على الإمام أحمد لكن مثل هذا الكلام وإن اختلف في وصله وإرساله إلا أن معناه صحيح، وضعفه ليس بشديد، الذي وصله عبد الله بن عمر العمري ضعيف عند الحفاظ من قبل حفظه، لكن ضعفه ليس بشديد، فإذا ضممنا روايته إلى الرواية الأولى إن كانت محفوظة على كلام ابن عبد البر والنووي فشاهد القول يكون له، وحينئذ يبلغ الخبر درجة الحسن، وإن قلنا: أنه وهم من راويه ورفعه خطأ والصواب إرساله، يبقى مرسلاً وينظر في متنه، ينتقل النظر فيه إلى المتن.
الحديث من حيث المعنى: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) من حيث المعنى صحيح، وضعفه –كما ذكرنا– ليس بشديد؛ لأن عبد الله بن عمر العمري ضعيف من قبل حفظه، لكن ضعفه ليس بشديد، فعلى فرض أن رواية الترمذي وابن ماجة محفوظة يشهد أحدهما للآخر، ويصل إلى درجة الحُسن والاحتجاج، وعلى كل حال المعنى صحيح، معناه صحيح، وعمومات الشريعة تدل على أنه له أصلاً، وله ما يشهد له.
معنى: (من حسن إسلام):
стр. 313
فقوله في الحديث: ((من حسن إسلام المرء)) هذه (من) تبعيضية؛ لأن ترك ما لا يعني ليس هو كل حسن إسلام المرء، فـ (من) هذه تبعيضية، بل بعض إسلام المرء تركه ما لا يعنيه؛ لأن الإسلام مشتمل على واجبات، ومشتمل على ترك محرمات، ومنها ترك ما لا يعنيه، فـ (من) هذه تبعيضية، يقول الطوفي في شرحه على الأربعين: إنما جميع حسن إسلام المرء ترك ما لا يعني، وفعل ما يعني -يعني إذا انضم إلى ترك ما لا يعني فعل ما يعني، ترك ما لا يعني إذا انضم إليه فعل ما يعني صار جميع حسن الإسلام، لماذا لا يكون هو الإسلام كله؟ يقول: فإذا فعل ما يعنيه وترك ما لا يعنيه فقد كمل حسن إسلامه، لماذا لا يكمل إسلامه؟ يكمل حسن الإسلام ولا يكمل الإسلام على قوله.
الآن حسن الإسلام أليس هو قدراً زائداً على أصل الإسلام؟ فإذا كمل القدر الزائد على الأصل المطلوب ألا يكمل الأصل من دون كماله؟ من باب أولى، هذا ما قرره الطوفي يقول: إنما جميع حسن الإسلام ترك ما لا يعني وفعل ما يعني، فإذا فعل ما يعنيه وترك ما لا يعنيه، فقد كمل حسن إسلامه. . . . . . . . .
وفي الحديث: ((من حسن إسلامه)) ولم يقل إيمانه؛ لأن الترك لما لا يعنيه متعلق بالأمور الظاهرة والإسلام كذلك، الترك لما لا يعنيه متعلق بالأمور الظاهرة والإسلام كذلك، وأما الإيمان فتعلقه بالأعمال الباطنة.
إذا كان في خاطره خواطر وهواجس تدور في نفسه وتسترسل معه وهي لا تعنيه من قريب أو بعيد، تجد الواحد من الناس الذي لا يعنيه أمر العامة في نفسه يزور أعمال ورجال يقومون بهذه الأعمال، وهو في نفسه، وهو ليس بيده حل ولا قيد، ليس بيده شيء، هذا العمل الذي يزوره في نفسه لا يعنيه؛ فهل نقول: أن مثل هذا لا يدخل في الحديث؟ يعني الخواطر إذا استرسلت فيما لا يعني الإنسان، تجد الإنسان يسترسل في أمور كثيرة، يجر بعضها بعضاً وتعوقه عن كثير من أذكاره وأوراده والتفكر، وفيما هو أهم من ذلك، هل نقول: أن ترك هذه الأمور لا تعنيه؟ تعنيه، فالحديث يشمل الجوارح وما يعمل بالجوارح من الأعمال الظاهرة، ويشمل أيضاً الخواطر والهواجس على ما سيأتي.
стр. 314
يقول: وأما الإيمان فتعلقه بالأعمال الباطنة أظهر، وإن كانت الأعمال شرطاً في الإيمان إلا أن الشرط خارج عن الماهية كما هو معروف ومقرر عند أهل بخلاف الركن.
يقول الطوفي: والترك والفعل ضدان ((من حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه)) والترك والفعل ضدان، إنما يتعاقبان على الأعمال الظاهرة دون الباطنة؛ لأن الظاهرة حركات اختيارية يتأتى فيها الترك والفعل اختياراً، ماذا يريد أن يقرر الطوفي؟ الطوفي يقول: لماذا قال: ((من حسن إسلام المرء)) ولم يقل من حسن إيمانه؟
أولاً: جاء لفظ: (من حسن إيمان) في بعض طرق الحديث.
الأمر الثاني: أن الإسلام إن أطلق مجرداً دخل فيه الإيمان والعكس، وهو يريد أن يقرر، لماذا قال: من حسن إسلامه ولم يقل من حسن إيمانه؟ يقول: لأن الترك متعلق بالأفعال الظاهرة، والإيمان أمر خفي باطن، فما دام الترك متعلق بالأفعال الظاهرة إذن هو مما يخرم العمل الظاهر وهو الإسلام، ولا علاقة له بالإيمان؛ لأنه عمل قلبي، والمقرر أن الذي يخرم الإسلام يخرم الإيمان، فإذا أخل ببعض الأعمال الواجبة نقص من إيمانه بقدر هذا الخلل، فهناك ترابط والتزام بين الإسلام والإيمان.
стр. 315
وقال في الحديث: من حسن إسلامه ولم يقل من إسلامه؛ لأن ترك ما لا يعني ليس هو نفس الإسلام، ولا جزءاً منه، شخص رأى آخر يشيد مبنى، فدخل هذا الفضولي وقال: لو فعلت هذا، لو جعلت المجلس هنا، لو جعلت الباب هنا، لو هدمت هذا، لا يعنيه، يقول: إن هذا لا علاقة له بالإسلام المبني على الأركان المعروفة والواجبات التي بينت الشريعة، لا علاقة له، لم يقل: من إسلامه؛ لأن ترك ما لا يعني ليس هو نفس الإسلام ولا جزء من الإسلام، يعني كون هذا الفضولي يدخل على هذا المبنى، ويقول لصاحبه: سكر الباب هذا، وافتح هذا، أو انقل هذه الغرفة إلى المكان الفلاني، نعم شل الدرج من الجهة هذه وضعها في الجهة هذه، هذا لا يعنيه بالفعل، ومن حسن إسلامه تركه هذه الاقتراحات؛ لأنها لا تعنيه، لكن هل هي من الإسلام؟ هل هي من صلب الإسلام أو جزء من أجزاء الإسلام؟ ليست منه، وليست جزءاً من أجزائه، ولذا لم يقل: من إسلامه، وإنما قال: من حسن إسلامه، لكن قد تكون هذه التصرفات الفضولية، وتصرف الإنسان فيما لا يعنيه، قد يخل بإسلامه مباشرة، يأتي إلى شخص يصلي، يقول: ليش تكلف نفسك تطلع تصلي مع جماعة؟ هذا الأمر لا يعنيك من جهة، لكن هذا يخدش إسلامك، لأنك إيش؟ ماذا فعلت؟ ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [(١٠) سورة العلق] غير منصوص عليها في الشريعة، وإن كان عمله فعلاً وتركاً لا يعنيك، لكن عملك أنت، يعني أنت معاقب ومحاسب عليه، هذه المسألة فيها دقائق واستطرادات وأمور لا يمكن الإحاطة بها؛ لأن هذا الحديث من الجوامع، يدخل في كل شيء، في كل باب من أبواب الدين.
قال في الحديث: من حسن إسلامه، ولم يقل من إسلامه؛ لأن ترك ما لا يعنيه ليس هو نفس الإسلام ولا جزءاً منه بل هو وصفه وهو حصنه، الحصن ليس هو ذات الشيء، إنما هو وصف من أوصافه، وحسن الشيء ليس هو ذاته ولا جزؤه، هذا من كلام الطوفي أيضاً.
стр. 316
والإسلام جاء تعريفه في حديث جبريل المشهور لما سأل النبي ﵊ أجابه بقوله ﵊: ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً)) وهذا الحديث متفق عليه كما هو معروف من حديث أبي هريرة، وتفرد به مسلم من رواية عمر، والإسلام في الأصل: الإذعان والانقياد والاستسلام.
معنى قوله: (المرء):
((من حسن إسلام المرء)) المرء: الرجل، المرء هو الرجل يقابله المرأة، يعني هذا مما يفرق بينه وبين مؤنثه بالتاء، مرء وامرأة، وإن جاء للرجال هل معنى أن النساء لا يخاطبن بمثل هذا الحديث؟ ((من حسن إسلام المرء)) ألا تدخل المرأة في المرء؟ المرء هو الرجل يقابله المرأة، وجاء في الحديث ((من حسن إسلام المرء)) هل معنى هذا أن النساء في حل من مثل هذا الحديث؟ يحسن إسلامها ولم لم تترك ما لا يعنيها؟ والخبر إن جاء في الرجال؛ فالرجال نُص عليهم من باب التغليب، ويدخل في خطاب الرجال النساء، يدخلن في عموم خطاب الرجال، كما قال -جل وعلا- عن مريم ﵍: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [(١٢) سورة التحريم] يعني الخطاب متمحض لامرأة، يعني ما تدخل في عموم الرجال؟ يعني لو قال: كانت من القانتات، لأن الخطاب يخصها، لكن لما كان مخاطبة الشريعة كلها جاءت للرجال أو جلها للرجال من باب التغليب يدخل في ذلك النساء إلا إذا دل الدليل على اختصاص الرجال بشيء، أو اختصاص النساء بشيء آخر.
معنى الترك:
((تركه)) الترك يقابل الفعل، والترك عمل قلبي، الترك عمل، لئلا يقال: ((إنما الأعمال بالنيات)) والصيام ترك إذن لا يحتاج إلى نية، نقول: لا، الترك عمل قلبي داخل في الأعمال، ولذا سماه الصحابي عملاً في قوله:
لئن قعدنا والنبي يعملُ ... فذاك منا العمل المضللُ إن قعدوا عن مساعدته في بناء المسجد وتركهم لمساعدته سماه عملاً.
لئن قعدنا والنبي يعملُ ... فذاك منا العمل المضللُ والترك وإن كان عملاً قلبياً إلا أنه ترك لأعمال ظاهرة.
الأمور التي لا تعني الإنسان:
стр. 317
((تركه ما لا يعنيه)) (ما) هذه اسم موصول، وهي في الأصل لغير العاقل، بمعنى الذي، ويؤتى بها للتعميم؛ لأن الغالب غير العقلاء، مما لا يعنيه، و (لا) هذه نافية، و ((يعنيه)) يقال: عناه الأمر يعنيه إذا تعلقت عنايته به، وكان من غرضه وإرادته.
يقول الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى-: والعناية شدة الاهتمام بالشيء، يقال: عناه يعنيه إذا اهتم به وطلبه، كثيراً ما يقال: عُني به فلان، وقد يقال: اعتنى به فلان، هذا الشيء عُني به فلان، أو اعتنى به فلان، أيهما الأفصح؟ مثلاً كتاب -كتاب لإمام من الأئمة- حققه شخص، قال: اعتنى به وخرج أحاديثه، ورقم آياته وقابل نسخه فلان، اعتنى به، وقد يقال: عني به أو بعناية فلان، أيهما أفصح؟
طالب: اعتنى به.
اعتنى به أفصح، كيف؟
أيهما أفصح يا شيخ؟
طالب:. . . . . . . . .
لا هم ينصون على أن عني به أفصح؛ لأن المصدر عناية أفصح من اعتنى به، وإن جاز في اللفظ الثاني ليس هناك ما يمنع من استعمالها، إلا أنها أقل؛ لأن الاعتناء بالشيء والعناية به متقاربان، لكن أصل المادة العناية.
وهنا قال: ((ما لا يعنيه)) ما قال: يعتني به، يقول الطوفي: والذي يعني الإنسان من الأمور ما يتعلق بضرورة حياته في معاشه وسلامته في معاده، وذلك يسير بالنسبة إلى ما لا يعنيه، فإذا اقتصر الإنسان على ما يعنيه من الأمور سلم من شر عظيم عميم، وذلك يكون بحسن الإسلام؛ لأن السلامة من الشر خير عظيم، والسلامة من الشر من حسن إسلام المرء.
стр. 318
والإنسان إذا عرف الهدف من وجوده، الهدف لماذا خلق؟ وحدد الهدف، وسعى لتحقيق هذا الهدف، وما يخدم هذا الهدف، سلم من شر كبير، وارتاح الراحة التامة، ونعم باله، وسلم من كثير من الأمور التي يتعرض لها كثير من الناس من أسباب الشقاء في هذه الحياة، إذا عرف الإنسان أنه مخلوق للعبادة، مخلوق لعبادة الله -جل وعلا-، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [(٥٦) سورة الذاريات] وسعى لتحقيق هذا الهدف، وجاء من باب التبع لتحقيق هذا الهدف، ما يُعِينه على البقاء في هذه الدنيا لتحقيق هذا الهدف، فالهدف من الوجود ومن الخلق العبادة، لكن هل تستطيع أن تعبد الله -جل وعلا- من غير أن تأكل أو تشرب أو تنام أو تلبس؟ لا تستطيع، إذن هذه الأمور وسائل لتحقيق الهدف الأعظم، هذه الوسائل بعض الناس يجعلها هي الأهداف، لما كانت هذه وسائل جاء التنبيه عليها في قوله -جل وعلا-: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [(٧٧) سورة القصص] الذي يقال له هذا الكلام من تصور الهدف وسعى لتحقيقه، لو تصور الهدف من وجوده، وسعى بالفعل جاداً لتحقيقه، يقال له: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ لكن الذي هدفه الدنيا، ينبغي أن يقال له: يا أخي لا تنس الآخرة، كما هو حال كثير من الناس اليوم، وما أصيب الناس بالشقاء والأمراض سواء كانت العضوية أو النفسية إلا لما كان هدفهم وغايتهم. . . . . . . . .
стр. 319
أقول: من سعى لتحقيق الهدف من وجوده ارتاح الراحة التامة من كثير مما يعانيه الناس اليوم من أمراض عضوية ونفسية، لماذا؟ لأن هدفه محدد، غير مشتت، هدفه أن يرضي الله -جل وعلا- بعبادته التي خلق من أجلها، فهو يسعى لتحقيق هذا الهدف، وما يعين على تحقيق هذا الهدف من باب التبع، لا على سبيل الاستقلال، لا على جهة الاستقلال، لكن إذا كان هدفه الدنيا تشتت، الدنيا كما يقول الناس: لا يلحق لها طرف، أمورها لا تنتهي، مطالبها لا يمكن الإحاطة بها، وجاءت الإشارة إلى هذا المعنى في قوله ﵊: ((من أصبح والدنيا همه شتت الله شمله)) بلا شك يريد أن يحوش الدنيا بحذافيرها لا يستطيع، الدنيا لا يمكن الإحاطة بها، ونهم الإنسان إذا انفتح على هذه الدنيا لا يمكن أن يرتاح له بال؛ لأنه أي شيء يراه بحيث يعجبه عند فلان أو علان يريده، ذكر عند فلان بيت قصر منيف، سعى لتحقيق هذا الهدف، ذكر عند علان سيارة فارهة، سعى لتحقيق هذا الهدف، ذكر عند فلان امرأة جميلة أو بنت سعى لتحقيق هذا الهدف، كيف يحيط بهذه الأمور؟ لا يمكن أن يحيط بهذه الأمور ولو بذل جميع ما أوتي من .... وما مد له من عمر، واستغل جميع اللحظات من عمره لا يستطيع أن يحقق مثل هذه الأمور، ولن يحصل له من دنياه إلا ما كتب له، لكن من جعل الهدف الشرعي الحقيقي وهو عبادة الله -جل وعلا- على مراده -جل وعلا- وعلى ضوء ما جاء عن نبيه ﵊ القدوة الأسوة، يجتمع همه، ولا يتفرق شمله، ويحدد مساره وحينئذ يرتاح يمشي على نور وعلى بينة، وعلى برهان، وعلى بصيرة.
يقول: والذي يعني الإنسان من الأمور ما يتعلق بضرورة حياته في معاشه وسلامته في معاده، وهذا الأهم وذلك يسير بالنسبة إلى ما لا يعنيه، فإذا اكتفى الإنسان على ما يعينه من الأمور سلم من شر عظيم، وذلك يعود بحسن الإسلام؛ لأن السلامة من الشر خير عظيم، والسلامة من الشر من حسن إسلام المرء.
стр. 320
ثم قال: والذي يعني الإنسان من أمر معاشه –يعني الذي بواسطته يحقق الهدف من وجوده– ما يشبعه من جوع، لكن لو زاد على ذلك؟ عاد عليه بالضرر، زاد عليه بالتخمة والأمراض، ويرويه من عطش، فإن زاد على ذلك؟ كذلك، ويستره من ظهور عورته، ويعفه من زنا، وما تعلق بذلك على جهة دفع الضرورة، لا على جهة التلذذ والتمتع والاستكثار، ولا يمنع الشرع من أن يتمتع الإنسان بهذه الوسائل التي يحقق بها الهدف، ولذلك جعل في بضع أحدكم صدقة، أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ قال: ((نعم)) له أجر، الشرع لا يمنع من التلذذ ولا يمنع من الانتفاع بما أباحه الله -جل وعلا-.
لكن الإنسان إنما يستعمل هذه الأمور ليستعين بها على طاعة الله -جل وعلا- لينال بها وهي أمور عادية، أمور يضطر إليها الإنسان تنقلب بالنية الصالحة بالاستعانة بها على طاعة الله -جل وعلا- تنقلب عبادات والذي يعنيه من أمر معاده الإسلام والإيمان والإحسان، والذي يعنيه من أمر معاده ما جاء في حديث جبريل، الإسلام والإيمان والإحسان، والإمعان في هذا والاستكثار منه أولى من الإقلال والاختصار بخلاف الأول، الإمعان من أركان الإسلام وشرائعه من الإيمان وما يعالج أمراض القلوب من الإحسان والمراقبة لله -جل وعلا-، الإكثار من هذا أولى من الإقلال، بخلاف الإكثار من أمور الدنيا أمور المعاش، الإقلال منها أولى، لكن لا يصل الحد من الإقلال في أمور الدنيا، إلى أن يصل إلى حد يتضرر به البدن، بحيث لا يستطيع القيام بما أوجب الله عليه، ولا يصل الإكثار من بعض أبواب الدين الإخلال بما هو أهم منها وأوجب، جاء في الحديث: ((أعني على نفسك بكثرة السجود)) يعني الإكثار من الصلاة، من نوافل العبادة، من قراءة القرآن، من الذكر، من نفع الناس العام والخاص، النفع المتعدي واللازم، هذه أمور مطلوبة شرعاً؛ لكن مع التوازن.
следующие страницы →