Полный текст (447 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
إلى أن حلت ما قرأت شيء من القرآن, حجها صحيح وإلا غير صحيح؟ صحيح فليس القرآن من متطلبات الحج، فالدلالة هنا تبعية ملغاة باعتبار المعارضة, عدا على خلاف بين أهل العلم في ثبوت المعارض وعدم ثبوته، ومثل ذلك حينما يستدل الحنفية على امتداد وقت الظهر إلى مصير ظل الشيء مثليه بحديث: ((إنما مثلكم ومثل من كان قبلكم كمثل من استأجر أجيراً إلى نصف النهار - يعني: إلى الزوال- بدينار، ثم استأجر أجيراً إلى وقت العصر بدينا، ثم استأجر أجيراً إلى غروب الشمس بدينارين، فاحتج أهل الكتاب, فقالوا: نحن أكثر عملاً وأقل أجرا))، ولا يمكن أن يكون المثل الأول الذي نصف النهار مثل لليهود، والمثل الثاني من نصف النهار إلى وقت العصر مثل للنصارى، ومثل من وقت العصر إلى غروب الشمس هو غروب المسلمين فحتج اليهود واحتجاجهم ظاهر، وقتهم أطول وأجرهم أقل، احتجاج النصارى, يقول الحنفية: لا يمكن أن يكون ظاهراً وجيهاً إلا أذا قلنا: أن وقت الظهر يمتد إلى مصير ظل الشيء مثليه، لأنه قلنا: وقت الظهر ينتهي إلى مصير ظل الشيء مثله ما قلنا: أنهم أكثر عملاً، هل يمكن أن يستدل بمثل هذا الحديث على وقت الظهر إلى مصير ظل الشيء مثله مع وجود أحاديث صحيحة صريحة، حديث عبد الله بن عمر بن العاص في مسلم: ((ووقت الظهر إلى مصير كل شيء مثله))، يعني: يعارض تعارض هذه الدلالة التبعية التي لن يساق الحديث من أجلها إنما سيق الحديث لبيان فضل هذه الأمة، هذه دلالة تبعية معارضة بدلالة أصح وأصرح منها، أصرح منها فمثل هذا تكون الدلالة تبعية ملغاة على القول بأنه يمكن أن يكون في بعض الأوقات, أو في بعض الأماكن أن وقت الظهر يساوي أو أكثر من وقت العصر, إذا قلنا أنها ينتهي بمصير كل شيء مثله، على أن ابن حزم وهو والواقع يشهد بأن وقت الظهر أطول في كل زمان وفي كل مكان من وقت العصر، حتى على قول الجمهور الذين يرون أن وقت الظهر ينتهي بمصير ظل كل شيء مثله، ((ألا وإن لكل ملك حمى))، قلنا: أن هذا بيان للواقع وأن الملوك يحمون، ومنهم: من يحمي بحق فيكون من نوع المباح, ومنهم: من يحمي ظلم, وعدوان, لا حق له في هذا الحمى لمنع المسلمين مما أباحه الله لهم من مصالح الخاصة, وهذا من النوع
стр. 177
المحرم، ((ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه))، ألا وإن حمى الله محارمه، المحارم التي جاءت الأدلة بتحريمها هذه هي الحمى الذي لا يجوز أن يقترب منه, ولذا جاء النص على قوله تعلى: ﴿فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ [سورة البقرة: ١٨٧] القرب من المحرم يوقع فيه لا محالة، ولذا جاءت الشريعة بسد الذرائع، جاءت الشريعة بسد الذرائع الموصلة إلى المحرمات، نسمع الآن الأقوال والمقالات فيما يسمع, ويرى ويقرأ الحملة على موضوع سد الذرائع, حتى قال من قال: بأننا ضيعنا على أنفسنا بسد الذرائع والمحرمات قليلة, فلماذا هذا التضييق؟ وكتب من كتب في الصحف وغيرها بعنوان فتح الذرائع، لماذا؟ لأن المحرمات المنصوصة بعينها قليلة, وهو يريد أن يتنصل عن هذه المحرمات ويترك الحرية لنفسه يفعل ما يشاء، لماذا حرم النظر إلى المرأة الأجنبية؟ هل حرم النظر لمجرد النظر؟ لماذا حرم الاستماع إلى ما يثير الغرائز كل هذا إنما حرم من أجل الفاحشة من أجل الفاحشة الموبقة من الموبقات, - نسأل الله السلامة والعافية-، فالأبواب الموصلة إليها كلها موصدة, وهؤلاء يريدون أن تفتح هذه الأبواب، وهل يعقل أن الإنسان إذا وقع على شفير الشيء أن يملك نفسه دونه؟!!
стр. 178
تقول عائشة: "كان النبي ﵊ يأمرني فأتزر ثم يباشرني وأنا حائض" حتى قرر جمع من أهل العلم أنه يجوز الاستمتاع بما فوق السرة وما تحت الركبة، ويبقى ما دون ذلك حمى لئلا تقرب المرأة وقت المحيض، هذا حمى, وهذا من باب سد الذرائع, وإن كان يوجد ما يدل على استعمال ما فوق ذلك لمن يملك نفسه، لمن يملك نفسه, والعلماء يقررون بالنسبة للقبلة للصائم أنها تجوز لمن يملك إربه, ويمنع لمن لا يملك خشية أن يقع فيما يبطل صومه، سد الذرائع بابه معروف في الشرع ومقرر، ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍَ﴾ [سورة الأنعام: ١٠٨] سب آلة المشركين لا شك أنه حصل من الأنبياء، حصل تكسيرها, وتحطيمها, لكن لما كان ذريعة إلى أن يسب الرب - جل وعلا- منع من هذه الحيثية سداً لهذه للذريعة، ألا وإن حمى الله محارمه, فالحرام البين هذا مما لا يختلف فيه ولا يجوز أن يقرب، بل يجب أن يبتعد عنه، الوسائل الموصلة إلى المحرمات لها أحكام هذه المحرمات، والوسائل لها أحكام الغايات، والمحرم والمحارم كلها من الحرمان الذي هو المنع، فيمنع منها ومن قربانها، من أن يقرب منها أو يستعمل الوسائل الموصلة إليها، ((ألا وإن حمى الله محارمه)) فمن يستعمل وسائل هذه المحرمات لا شك أنه يجد نفسه في يوم من الأيام مقارف لهذه المحرمات، مثل ما قلنا: في التدرج في كسب الأموال، تجده يحرص على الحلال في أول الأمر يستبرأ لدينه وعرضه، ثم يقوده النهم، ومنهومان لا يشبعان، طالب علم وطالب مال، يقوده النهم بعد ذلك إلى أن يأتي إلى الأمور المختلف فيها والراجح جوازها، ثم ينتقل إلى الأمور المختلف فيها والمرجح تحريمها, ثم بعد ذلك يقوده ذلك إلى المحرم المجمع عليه، ((ألا)) وهذه حرف تنبيه وتوكيد أيضاً وإن حرف توكيد حمى الله محارمه، ((ألا وإن في الجسد مضغة))، ألا وإن في الجسد، الجسد والبدن واحد, والمراد به: المحسوس, وهو قسيم الروح والنفس التي يتركب منهما الإنسان، ((ألا وإن في الجسد مضغة))، يعني: بقدر ما يمضغ قطعة لحم صغيرة, بقدر ما يمضغه الإنسان، بقدر ما يمضغه من الطعام، مضغة ((إذا صلحت صلح الجسد
стр. 179
كله))، وصلحت وصلح تضبط بفتح اللام وضمها, والفتح أكثر وأشهر، ((صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)) , وإذا كان الأمر كذلك فعلى المسلم أن يُعنى بإصلاح قلبه، أن يكون همه بإصلاح قلبه أكثر من همه بإصلاح بدنه، وصلاح القلب لابد أن يكون الاهتمام به أكثر من الاهتمام بصلاح العمل، وللقلب آفات، أوصلها بعضهم إلى نحو من الأربعين فعلى الإنسان أن يعرفه، وأن يعرف كيف يعالج قلبه منها ليبرأ منها، ومن تبعاتها، ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [سورة الشعراء: ٨٨ - ٨٩] فسلامة القلب هي محط النجاة, وهي السبب في نجاة الإنسان يوم لا ينفعه ماله ولا بنوه، ((ألا وإن في الجسد مضغة, إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب))، بعضهم يمثل القلب بالملِك، والأعضاء بالرعية، وأن هذا الملك إذا أمر هذه الرعية امتثلت، امتثلت هل يأمر القلب ولا تتحرك اليد، ترفض اليد، إذا لم تتحرك اليد فمعناه: أن هذا الأمر ملغى، ألغي هذه الأمر أرد أن يتناول شيء بأمر من القلب ثم عدل عنه، وبهذا يكون أبلغ من الملك لأن رعيته لا يمكن أن تخلفه بينما الملك يوجد في رعيته من يخالفه، ((إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب))، القلب هذا المضغة في بدن الإنسان هي الآمر, وهي الناهي بالنسبة للأعضاء، ,ولا يمكن لعضو من الأعضاء إلا إذا كان هذا العضو معطل وأمره حينئذ يكون لغواً وعبثاً, يعني إذا كانت اليد مشلولة, هل يمكن أن يقول القلب لهذه اليد ارتفعي فتناولي كذا؟ هل يمكن؟ إذا كانت اليد معطلة مشلولة لا يمكنه ومن السفه أن تأمر هذه اليد كما يقال للمقعد اجري، يمكن أن يأتي ملك بكامل عقله يأمر المقعد بأن يجري, أو يأمر الأعمى أن يبصر, إلا على القول بأن الأسباب لا أثر لها كما يقوله الأشعرية، يقولون: الأمر سهل، يقال للأعمى: انظر ما الذي أمامك هذا مقتضى قولهم، لأنهم يقررون أن أعمى الصين في أقصى المشرق يجوز أن يرى بقرة الأندلس، إذا كان يجوز عقلاً عندهم أن يرى بقرة الأندلس, لماذا لا يأمر أن يرى؟ إذا يجوز أمره بأن يرى لأن العقل إذا أجاز هذا
стр. 180
أجاز هذا، إذا أجاز الغاية أجاز الوسيلة، لكن هل هذا من العقل في شيء؟ يمكن إلغاء الأسباب إلغاء كلياً هذا خلل في العقل، كما أن الاعتماد على الأسباب خلل في الشرع كقول المعتزلة، فعلى هذا القلب لا يأمر اليد المشلولة أن ترتفع لتناول ما يحتاج إلى رفع اليد، لكن اليد السليمة التي يمكن أن تتناول، والرِجل السليمة التي يمكن أن تمشي, والعين السليمة التي يمكن أن تنظر, والأذن السليمة التي يمكن أن تسمع, لاشك أنها تأتمر بأمره, ولا يمكن ولا يتصور أن تتأخر عن أمره إلا إذا ألغى هذا الأمر، والقلب الذي هو بهذه المثابة هو محل العقل الذي هو مناط التكليف، هو محل العقل الذي هو مناط التكليف، وهذه المسألة كبرى مسألة محل العقل من البدن مسألة كبيرة جداً ومعضلة من المعضلات فالنصوص الشرعية كلها تخاطب القلب، النصوص الشرعية كلها تخاطب القلب، مع أنها تقرر أن مناط التكليف العقل، رفع القلم عن ثلاثة والمجنون حتى يعقل، فهناك ارتباط بين القلب والعقل لا محالة، يعني: من نظر إلى النصوص جزم بهذا وقطع به بدون تردد، ولذا يقرر أهل العلم أن محل العقل القلب، ويشكل على هذا من حيث الواقع, أنه لو نقل قلب من إنسان إلى إنسان ما تأثر المنقول إليه بأفكار المنقول منه، ولو تعرض الرأس لخلل تأثر العقل وإن كان القلب سليماً, فاعلاً, الذي هو المضغة, هذا إشكال لكن هل من أجل هذا الإشكال نقضي على النصوص التي منها: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَاَ﴾ [سورة الأعراف: ١٧٩] هل يمكن أن نقضي على مثل هذا؟ وعلى الجمع بين النصوص التي تخاطب القلب, وتجعل مناط التكليف القلب مما يدل على أنهما شيء واحد، أو أحدهما ظرف, والثاني مظروف, كل النصوص على هذا, هل نقضي عليها بمثل قولهم: أن القلب قد يكون سليماً والعقل مختل أو العكس، قد يكون القلب سقيماً من الناحية الطبية, والعقل سليم الذي هو مناط ومتعلق التكاليف الشرعية، هل نقول: أن العقل شيء مستقل استقلال تام كما يقوله الأطباء عن القلب الذي هو المضغة، حتى قرر بعضهم: أن هناك قلب متعلق بالبدن قلب محسوس قلب متعلق بالبدن محسوس وهو المضغة، وقلب متعلق بالشعور, وهو المعقول ألا محسوس المتعلق بالدماغ، هذا يقوله
стр. 181
بعضهم لكن الحديث يقول في الجسد ومضغة, يعني: محسوسة، وهذا واقع القلب المعروف المعقل في داخل القفص الصدري مضغة, يعني: إذا فتح الرأس يوجد فيه مضغة تعرف بالقلب؟ نعم؟ بإجماع الأطباء لا، فهذا الحديث الصحيح المتفق عليه يقرر أن القلب الذي يتعلق به الصلاح والفساد هو هذه المضغة، وهل مع هذا البيان ما يحتاج إليه من بيان، مع النصوص الأخرى الواردة في الكتاب والسنة؟ لا، لكن ما موقف المسلم من مثل هذه الأمور التي تشاع بين فينة وأخرى على يد الأطباء, أو على غيرهم ممن يعلمون ظاهر من الحياة الدنيا، هل تختل عقيدة المسلم واتباعه للنصوص الكتاب والسنة بمثل هذا الكلام؟ يعني: أحياناً يظهر لك أشياء محسوسة الحمل يخبر عنه قبل خروجه من بطن أمه بستة أشهر, خمسة أشهر, يقال: ما في بطنها ولد أم بنت ثم يقع الواقع كذلك، وقد يصور بآلاتهم وأجهزتهم والنبي ﵊ يقول: ((في خمس لا يعلمهن إلا الله، لا يعلم ما في الأرحام إلا الله,)) هل تختل عقيدتنا بمثل ما يقرره الأطباء بمثل هذا؟ الاستمطار الذي يدعونه في سورة الواقعة ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ* أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ*لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ﴾ [سورة الواقعة: ٦٨ - ٧٠] ما قال: لجعلناه لأنه ما يحتاج إلى تأكيد ما في يمكن أحد أن يتردد في هذا من أجل أن يؤكد له الكلام هو يدعون الاستمطار الآن، هل تختل عقائدنا بمثل هذه الاكتشافات؟ أبداً، نصوصنا على العين والرأس إذا استوعبنا استطعنا أن نوفق بها ونعمة, وإلا فالنصوص قاضية على كل قول، وقد م الإسلام لا تثبت إلا على قنطرة التثبيت، ولذلك إذا تعارضت هذه الأقوال مع النصوص الصريحة الصحيحة نضرب بها عرض الحائط، نضرب بها عرض الحائط، ونقرر أن العقل في القلب كما اتفقت على ذلك النصوص كلها، يعني: وإن قلنا: بقول هو رواية عن الإمام أحمد أن له اتصال بالدماغ، محله القلب وله اتصال بالدماغ، بمعنى: أنه يتأثر بتأثر الدماغ وبذلك تجتمع الأقوال، ويكون المحل الأصلي، والمقر الأصلي للقلب للعقل هو القلب, ويكون هناك مؤثر أخر وهو الدماغ، يعني: كما يتركب الكهرباء من السالب والموجب,
стр. 182
يعني: لا يمكن أن يقوم الكهرباء بواحد منهما, وعلى كل حال القول المحقق أن العقل محله القلب كما يقرره عامة أهل العلم.
стр. 183
إذا كان القلب بالنسبة للمسلم بهذه المثابة مدار الصلاح والفساد عليها, فلماذا يغفل كثير من الناس عن إصلاح قلبه، وتجد كثير من الأمراض المتعلقة بالقلب مستعصية لدى كثير من المسلمين حتى من بعض من ينتسب إلى العلم وطلبه, تجده يقول: حاولنا وعجزنا، حاولنا إصلاح النية, وعجزنا طيب، حاولنا الإقبال على الله والخشوع في الصلاة عجزنا، حاولنا ترك الحسد عجزنا، حاولنا محاربة العجب عجزنا، وتجده يسعى جاهداً لمعرفة أحكام الصلاة, وأحكام الصيام هذا مطلوب: ((من يرد الله به خيراً يفقه في الدين)) لكن المدار على القلب، لماذا لا نسعى في إصلاحه؟ ونجد الكتابات مع أن القرآن والسنة الاهتمام فيهما ظاهر بالقلب وما يصلح القلب ظاهر, لكن نجد المؤلفات عند أهل العلم أقل بكثير من كتب الفقه العملي الظاهر، ونحن بحاجة إلى إصلاح الباطن، لأن المدار على هذا الباطن، والنبي ﵊ يقول: ((التقوى هاهنا)) نعم التقوى خفية محلها القلب لكن علامتها, وعلامات صدق هذه الدعوة تظهر على الجوارح، ولذا يخطأ كثير من يقول: التقوى هاهنا، والأمارات والعلامات عليه ظاهرة بضد ما ادعى، تجده يرتكب المحرم ويقول هذه أمور ظاهر ما في مشكلة، التقوى هاهنا كما قال النبي ﵊، يا أخي لو اتقيت لما فعلت، كما قال النبي ﵊ لابن مظعون لما تأول وشرب الخمر قال: ((لو اتقى الله ما شرب الخمر))، فيكف تعصي الرب بالمعاصي الظاهرةِ وتزعم التقوى, وحقيقة التقوى: فعل الأوامر, واجتناب النواهي، نعم, محلها القلب لكن آثارها تظهر على الجوارح كالشهود، كالشهود للدعوة فإذا كان على الجوارح ما يناقض التقوى فأنت كاذب في دعواك، وإذا ظهر على جوارحك ما يوافق التقوى من فعل الأوامر واجتناب النواهي فدعواك صادقة، فدعواك صادقة، رواه البخاري ومسلم فهو متفق عليه، وفي الصحيح ألفاظ كثيرة لهذا الحديث مثل ما مثلنا: بالمشبهات, والشبهات, ومتشابهات, ومشتبهات, وترجم عليه الإمام البخاري في مواضع من كتابه خمسة كلها استنباطات وأورده في كتاب الإيمان ومحله الأصلي، لأن الإيمان محله القلب, والحديث نص على القلب، وإن كان للجوارح نصيب من الإيمان لأنه
стр. 184
قول باللسان, واعتقاد بالجنان, الذي هو القلب, وعمل بالأركان، فالعمل بالأركان كالأدلة على ما في القلب، والقلب سمي قلب إنما هو لتقلبه ولذا كان كثير ما يدعوا النبي ﵊ بقوله: ((يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)) القلب أيضاً يقال له: فؤاد.
بنقل عدلاٍ ضابط الفؤاد، وهو القلب.
منهم من يقول إن القلب سمي بذلك لأنه يوجد مقلوب في البدن، لكن هذا ليس بصحيح, لأنه ليس له أعلى وأسفل ليعرف أنه مقلوب, أو غير مقلوب.
قررنا أن ينتهي الدرس في تمام الساعة السادسة، فالبخاري - رحمه الله تعالى- أورد الحديث في باب الإيمان وأورده أيضاً في أوائل المعاملات، من أجل اتقاء الشبهات، من أجل اتقاء الشبهات، وأورد حديث أو خبر عن حسان بن أبي سنان حسان بن أبي سنان قال: " ما رأيت شيئاً أهون من الورع" ما رأيت شيئاً أهون من الورع، ((دع ما يريبك إلى مالا يريبك)) هذا يتكلم من مقامه هو لا من مقام عامة الناس أو جل الناس، يعني: إذا كان الورع يستصعبه سفيان وابن المبارك وغيرهما, فضلاً عما دونهما, فكيف يقول حسان بن أبي سنان: "ما رأيت شيئاً أهون من الورع", لأن هناك أمور صعبة وعسيرة لكنها بالمقابل يسيرة على من يسرها الله عليه، يسيرة على من حسان بن أبي سنان سهل عليه الورع يترك أي شيء يشك فيه, يتركه لكن هل هذا سهل على عموم الناس؟ هذا ليس بسهل, يعني: كم نجد في الناس من مرضى يمنعون من أشياء تؤثر على صحتهم ومع ذلك يرتكبونها, فيكف بما يؤثر في الدين، مع أن الدين رأس المال ينبغي أن يكون الاعتناء به والاهتمام به أكثر، لكن واقع الناس يدل على أن اهتمامه بصحتهم بأكثر من اهتمامه بسلامة دينهم، هذا واقع عموم الناس.
стр. 185
تقول: ما رأيت شيئاً أهون من علاج السكر, مثلاً ويش علاجه مثلما قال حسان بن سنان: " كف يدك وأرسل رجلك" يعني: امش كثيراً ولا تأكل كثيراً، هل يطيقه كثير من المرضى هذا العلاج؟ لو أطاقوه ما مرضوا أصلاً, وتجده يمرض ويغمى عليه من هذا المرض ويعود فيأكل، لأن هذه أمورفيها نزاع نفسي وصراع، بعضهم الناس يتغلب عليه, وبعضهم لا يتغلب عليه فحسان بن أبي سنان يستطيع أن يتغلب على ما يوقعه في هذه الشبهات فضلاً عن المحرمات, ولذا تجده يقول: "ما رأيت شيئاً أهون من الورع"، ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) , هذا أمر سهل, إذا كان الإنسان يحمل إلى المستشفى مغمى عليه لأنه أكثر من التمر، وهو مريض سكر، تقول يا أخي: لا تأكل اترك الأكل اقبض يدك وأرسل رجلك, مثل نظير ما قال حسان بالنسبة للورع، يقول: إن شاء الله، إذا طلع من المستشفى, وتجد سبحان الله الابتلاء كان قبل الابتلاء الرغبة في الحلويات والنشويات أقل من الرغبة فيها بعد, هذا الابتلاء بعد هذا المنع، ثم بعد ذلك لا يستطيع أن يملك نفسه, فكيف يملك نفسه أمام مغريات الدنيا بالورع، وحسان بن أبي سنان يقول: "ما رأيت شيء أهون من الورع"، هذا هو الذي قطع أعناق العلماء والعباد فضلاً عن عامة الناس, فكل يتحدث من مقامه، كل يتحدث من مقامه نسأل الله - جل وعلا- أن يستعملنا وإياكم فيما يرضيه، وأن يجنبنا وإياكم ما يغضبه من معاصيه والله وأعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يقول: هل من الشبهات تعتبر وجه من أوجه التحليل فبعض الناس يستحل بعض المنكرات بحجة كونها من المتشابهات واختلف فيها علماء هذا العصر؟
стр. 186
في الحديث الشبهات قسيم للحلال وليست بقسم منه، الشبهات قسيم للحلال، كما أنها قسيم للحرام, وليس بقسم منه فلا يقال: بأنها حلال, ولا يقال: بأنها حرام, ولا يتذرع بكون هذه الشبهة يجوز ارتكابها إلا إذا ظاقت المسالك فبين أن يرتكب أمر فيه شبه، أو أمر محرم سواء، إذا ضاقت به المسالك فارتكاب الشبهات أسهل من ارتكاب المحرم المجمع عليه، مثال ذلك: مسألة التورق التي ذكرناها وأباحاها عامة العلماء منهم الأئمة الأربعة وأتباعهم, وحرمها ابن عباس, وعمر بن عبد العزيز، وشيخ الإسلام ابن تيمية, إذا ما وجد إلا تورق, أو ربا محرم, ماذا ترتكب؟ ترتكب هذه التي عامة أهل العلم على جوازها، فهي أسهل من الربا المحرم بكثير، لكن ليست من الحلال البين لوجوب من يخالف فيها، وإن كان الراجح جوازها فأنت ترتكب هذه الشبهة في مقابل المحرم، لكن لا ترتكبها في مقابل المباح المجمع على حله.
يقول: نحن كمسلمون.
هذا خطأ كمسلمين، وأيضاً التشبيه هنا بل نحن مسلمون.
نعلم أن جميع الأديان اليوم باطلة غير الإسلام؟.
لا شك أن جميع الأديان منسوخة، منسوخة بعد بعثة النبي ﵊: ((والله لا يسمع بي يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي إلا دخل النار)) , ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [سورة آل عمران: ٨٥]، كلها باطلة وأهل العلم ينقلون الإجماع على أن اليهود والنصارى كفار، حتى قالوا: من شك في كفرهم كفر، هذا ما في إشكال.
يقول أن جميع الأديان باطلة غير الإسلام فكيف ندعو اليوم للاعتراف بأديانهم؟
لالا لا تجوز الدعوة للاعتراف بأديانهم، يعني: إذا كان الاعتراف من باب إقرارهم بإقرار الشرع لهم بالجزية هذا ما في إشكال، هذا شرع، مجرد إقرارهم في هذه الدنيا، أما في الآخرة لا نصيب لهم فيها, وإن كان المراد بالاعتراف: أنهم على حق فلا, ولا يجوز بحال أن يظن بأهل الفجور خيراً كما قال الحافظ بن كثير: ومن عظائم الأمور أن يظن بأهل الفجور خيراً.
للاعتراف بأديانهم الباطلة فما هي حقيقة هذه الدعوات؟
стр. 187
هذا الدعوات التي تقال الآن يعني: حقيقتها فيما يظهر والعلم عند الله – تعالى-، وأنا ما شاركت في هذا، لكن ما سمعنا عنهم, ممن شارك يقول: أننا نتحاور في الأمور المشتركة، الأديان كلها تحرم الظلم، تحرم القتل بغير حق، نتفق على هذا ونبين لأولئك أن ديننا يحرم هذه الأمور فننفي ما نتهم به من الإرهاب واستحلال الدماء وما أشبه ذلك، هذا الذي يقولونه.
يقول: إذا كان الإنسان يعيشون معه في مجتمعه كفار, فهل يتعايش معهم؟ وهل يخالطهم؟ وهل تلغى الفروق بينهم؟
المسألة مسألة هجرة, وخلطة, ولكل منهما ما يبرره والهجر علاج، فإذ كان هو الأنفع والأجدى لاسيما من يخالطهم يخشى على تأثره بهم, ولا يرجى تأثيره فيهم, مثل هذا يلزمه أن يعتزلهم كما يلزمه أن يعتزل الفساق من المسلمين, بل من باب أولى وإذا كان يستطيع التأثير فيهم ولا يتأثر بما لديهم من عادات, ومن أفكار فإن هذا يخالطهم ويدعوهم، مع أنه ينبغي أن يحافظ على القدر المطلوب من مبغضهم، لأن الحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان، ولا يمنع ذلك أن يصلهم تأليف لهم، لا يمنع أن يصلهم تأليف لهم إذا كانت هذا الصلة تُجدي وتنفع في دعوتهم.
يقول نقرأ الكتب،
يعني إذا كان قصده باعتبار أننا مسلمين, أو لأننا مسلمون؟ هذا لا إشكال يعني: إذا كانت الكاف للتعليل هي تأتي فالعبارة صحيحة.
يقول: نقرأ الكتب وننتهي من القراءة لكن نحس بأننا لم نضبط الكتاب، نحس أننا لم نضبط الكتاب وأعني بالقراءة القراءة العادية؟
стр. 188
لا شك أن الناس يتفاوتون فمنهم من إذا قرأ الكتاب أدرك منه يعني: قراءة مرور، قراءة عرض, منهم: من يدرك عشرة بالمائة، ومنهم: من يدرك واحد بالمائة، ومنهم: من يدرك عشرين بالمائة, ومنهم: من يدرك خمسين بالمائة, كل على حسبه باعتبار قوة الحفظ والفهم وضعف ذلك، فمن لديه قوة في الحافظة، قوة في الفهم يدرك, ومن كانت حافظته أضعف كان إدراكه أقل، ولكن لن تحم الفائدة إذا قرأت، فقد تختبر نفسك إذا انتهيت من الكتاب, تستذكر لا تذكر شيء، قد لا تذكر شيء وقد تذكر مسألة, أو مسألتين, أو مسائل لكن فرق بينك وبين من لم يقرأ الكتاب أنه إذا طرح مسألة في مجلس أنه طرح مسألة في مجلس أنه إذا طرح مسألة في مجلس أنك تذكر, أن هذه المسألة مرة عليك بينما الذي لم يقرأ الكتاب لا يذكر شيئاً ولو كان من أذكاء الناس وأشد الناس حافظة، لأن تذكر أن هذه المسألة مرة في الكتاب الفلاني قد لا تذكرها بالتفصيل لكن تذكرها إجمالاً، ولابد من التركيز أثناء القراءة، القراءة النافعة يكون فيها تركيز ويكون فيها أيضاً نقل للرؤوس الفوائد ويكون في الكتاب علامات على أن هذا الكلام مهم يحتاج إلى حفظ, أو مهم يحتاج إلى فهم، أو مهم يحتاج إلى نقل في كراسة تذكر فيها الفوائد والنوادر، وغير ذلك من الفنون والمعارف التي يحتاجها الإنسان حسب أهميتها.
يقول: ما حكم اللحوم المستوردة من الخارج؟
стр. 189
أما المستوردة من البلدان غير أهل الكتاب, وغير المسلمين فهذه لا شك تحريمها، لأن أكل ذبحية المشرك حرام على المسلم، يبقى ذبحية المسلم وذبيحة الكتابي، ﴿حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ﴾ [سورة المائدة: ٥] مباح ثم بعد ذلك حسب ما يغلب على الظن, لأن من البلدان التي كانت بلدان كتابية، منها من تخلت عن دينها, ومنهم من تمرد على دينه، ويغلب على الظن أنهم يذبحون بطرق لا تجوز عندنا, على خلافٍ بين أهل العلم أنه له يلزم أن يذبح الكتابي بطريقة موافقة لطريقتنا, أو لا يلزم بطريقته هو وطعامه حل لنا، لكن الأكثر على أنه لا بد أن يذكي تذكيةً شرعية، ومع ذلك إذا وردنا الطعام من بلاد، من بلاد كتابية, أهلها يهود أو نصارى فإننا نأكل؛ لأن طعامهم حل لنا، من تورع باعتبار أنهم دخلهم ما دخلهم من تنصل وتنكب لأدنياهم من جهة، ومن غل وحقد على المسلمين, تجدهم يصدرون لنا شيء قد يضر بنا سواء, كان يضر بنا من الناحية الصحية, أو من ناحية الدين, قد يدخلوه في هذه الأطعمة التي يصدرونها لنا ما يضر بأدياننا وأبداننا, فمن اتقاها من أجل هذا لاسيما إذا قويت الشبهة فاستبرأ لدينه وعرضه، وإذا ضعفت الشبهة فإن ترك مثل هذا إنما هو كما يقرر بعض أهل العلم من الوسواس، من الوسواس، وبعض الناس يحمله الورع على ترك، ترك الأطعمة التي تزرع في بلده من مسلمين, وهي لا تحتاج إلى تذكية، زروع وثمار هذا الورع وسواس، يقول لماذا؟ يقول: لأن هذا الزرع تدوسه الحيوانات، قد تدوسه الإبل قد تدوسه البقر، ويحتمل أن هذه الحيوانات بالت أو راثت على هذه الزرع أثناء الدياسة، والشافعية يرون أن بول ما يؤكل لحمه حرام، فمن هذا الباب يتقيه، أولاً: كون هذا البول وقع أو ما وقع احتمال، الأمر الثاني: أنه يمكن أن تداس بطرق أخرى، الأمر الثالث: أن القول بحلها راجح والأدلة ظاهرة على ذلك احتمال أيضاً أن تكون دياستها بواسطة الحمر، لكن على حسب ما يقوى، إذا كان أنت تعرف أن هذا المزارع يدوس الزرع بحمر, واحتمال أن تبول هذه الحمر وبولها نجس، على حسب ما يغلب على ظنك, أما إذا كان الغالب على الظن فإن ترك هذه الأطعمة من أجل هذا إنما هو وسواس، وبعضهم يقول: إن هذه الزروع
стр. 190
والحروث في بعضها أوقاف، وبعض الموقوف عليهم أيتام, وقد يظلم هؤلاء الأيتام فلا أخذ منه هذا أيضاً نوع من الوسواس، نعم, إذا عرفت فلان بعينه من المزارعين يغش, أو يرتكب كذا, أو محرمات, أو كذا اجتنب زرعه.
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم.
стр. 191
شرح الأربعين النووية (٧)
شرح حديث: "الدين النصيحة"
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يقول هذا: هل الأسهم من الأمور المشتبه التي يجب الابتعاد عنها؟
أولاً: الأمور المشتبهة ليست على درجة واحدة, فمنها: ما يجب الابتعاد عنه, إذا قويت فيه الشبهة، ومنها: ما ينبغي الابتعاد عنه, وهو ما إذا كانت الشبهة ضعيفة، فالأسهم لا شك أن الشبهة فيها واردة؛ لأن أركان البيع من حيازة المبيع, وقيام هذه المعاملات على أمور أشبه ما تكون بالوهمية فيها: الغرر, وفيها: الخداع، وفيها: النجش، وفيها: أمور كثيرة, ووجد في الواقع ما يجعل الإنسان يجزم بالمنع، لكن المنع على العموم يحتاج إلى شيء من مزيدٍ من النظر في بعض الشركات، أما الشركات التي تسمونها مختلطة لا أدنى ريب ولا شك في منعها, والتي يسمونها النقية, والسلمية هذه الشبهة فيها واردة، وهي التي ينبغي اجتنابها، أما ما وجد فيه الاختلاط بين المباح والمحرم, فإن مثل هذا يجب اجتنابها.
يقول: رجل يعمل أجيراً عند رجل غير مسلم ويؤجره على تربية الخنازير, فما حكم أجرته هذه؟
الأجير هذا مسلم ويعمل عند مستأجر غير مسلم، هذا لا يجوز له أن يعمل في تربية الخنازير، ولا يجوز له أن يستأجر على أمر محرم, وامتلاكها وتربيتها, كلها من الأمور المحرمة.
يقول: أثبتت إحدى الندوات للإعجاز العلمي أن الفؤاد غير القلب، واستدلوا بأن في القرآن كلمة قلب, وأيضاَ الفؤاد ليس في القرآن كلمة. والكلمتين مختلفتين تؤديان إلى معنى واحد, وهذا على القول بنفي الترادف في اللغة، الترادف يثبته كثير من أئمة اللغة, ومنهم من ينفيه عن الترادف من كل وجه، وأن الفؤاد يأتي بعد السمع, والبصر, في كل الآيات أما إذا ورد القلب فإنه لا تكون بهذه الترتيب ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [سورة الجاثية: ٢٣].
الكتابة ليست واضحة, لكن لا يعني أن الكلمة قدمت, أو أخرت, أن هذا يدل على اختلاف المعنى.
دعاء الذهاب إلى المسجد, هل يكرر حتى يستوعب كل الطريق؟ أو يقال مرة وحدة فقط؟ ثم يأتي بما شاء من أذكار مطلقة؟
стр. 192
نعم الأمر كذلك مرة واحدة, ثم يستغل ما بقي من الوقت بالذكر.
ما حكم الجمع بين أكثر من دعاء من أدعية الركوع والسجود؟
((الركوع عظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء))، فيؤتى من الدعاء بما لا يشق, وليحرص الإنسان على الأدعية الجوامع؛ لأنه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
يقول: كثير من الطلبة المتخرجين في الجامعة عندنا نأتي .... بل عندنا هنا في المدينة، يتخلفون بعد تخرجهم سنوات بحجة طلب العلم فهل هذا جائز، وهل يعتبر خروجاً عن ولي الأمر؟
стр. 193
إذا اشترط عليهم ولي الأمر الرجوع إلى بلادهم بمجرد التخرج فلا شك أن هذه معصية؛ لأن المنظور إليه في هذا الشرع نفع البلد الذي جاؤوا منه والذي من أجله جيء بهؤلاء الطلاب للدراسة، مثل هؤلاء الطلبة الذين جاؤوا للتعلم إنما جيء بهم لنفع بلدانهم، وإذا اشترط عليهم أن يعودوا بمجرد التخرج فعليهم أن يعودوا، وهناك حيل يسلكها بعض الطلاب، طلاب العلم ولا شك أنهم يسلكونها للوصول إلى الانتفاع، والأمور بمقاصدها، بعضهم يسلكها للانتفاع في أمور دينه وعلمه ومنهم من يسلكها للانتفاع في أمر الدنيا، بعض الطلاب رأينا مجموعة منهم الجامعة بدلاً من أن تكون أربع سنوات يجعلها في سبع أو ثمان سنوات، يعيد كل فصل، من أجل أن يكون مكثه في هذا البلد فإن كان قصده الإفادة من العلم والتحصيل خارج الجامعة وهذا الأمور بمقاصدها، هذا يؤجر على ذلك، لكن لا شك أن بلده. . . . . . . . . وما في علم الله - جل وعلا - لا يتغير وقد يقع الشيء أو المقضي موقوفاً على سبب، فإن حصل السبب حصل المسبب وإلا فلا، والدعاء سبب من الأسباب، سبب فيكتب له كذا, أو عليه كذا, إلا إن دعا, وفي حديث الصلة صلة الرحم، الخلاف بين أهل العلم معروف باعتبار أن الآجال والأرزاق كلها محددة, حينما أرسل الملك إلى الحمل وهو في بطن أمه, بكتب أجله, ورزقه, وشقي, أم سعيد، ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٣٤] , فإذا جاء الأجل لا راد له, إذا حضر، وقبل ذلك قبل مجيئه يمكن أن يؤجل إذا فعل السبب وهو الصلة، هذا القول على القول بأن الزيادة حقيقة في المدة, ومنهم من يقول: إن الزيادة عبارة عن البركة في العمر, بمعنى: أنه يبارك له في عمره, وإن كان قصيراً فقد يعيش الإنسان أربعين سنة، مثل عمر بن عبد العزيز عمره أربعون لما مات, لكن هل هذه الأربعون مثل الأربعين بالنسبة لفلان, أو مثل الستين, أو السبعين , بل المائة, بالنسبة لكثير من الناس؟ النووي أيضاً مات وعمره ست وخمسين, أو أقل ستة وأربعين, ما أدري نسيت أنا، المقصود أنهم أن مثل هؤلاء بورك لهم في أعمارهم البركة ظاهرة، وعلى القول بأن الزيادة ((ينسأ له في أثره)) , زيادة معنوية,
стр. 194
وأن المقصود به البركة هذا لا إشكال, مع تحديد الأجل, وقل مثل هذا في بسط الرزق بسط الصلة سبب من أسباب بسط الرزق، الصلة سبب من أسباب بسط الرزق, فإذا وجد السبب وجد المسبب.
يقول: هل يأثم من يتخيل عند جماع زوجته أنها امرأة أخرى يزني بها، - نسأل الله العافية-؟
إذا كان يتصور أنه يزني هذا يأثم، وإذا كان يتصور ويتخيل أن امرأته على شكل غير واقعها وأنها أجمل من واقعها فهذا قد يلحق بحديث النفس، لكنه يواقع زوجته، أما إذا كان يتخيل أنه يجامع فلانة, أو فلانة ممن يحرم عليه هذا لا يجوز بحال، لكن قد يتخيل ويتصور أن زوجته أجمل وأفضل من واقعها، وقد يتخيل صورة يرسمها في ذهنه لا وجود لها في الخارج فمثل هذا قد يعفى عنه, ويكون من باب حديث النفس، أما أن يتصور أنه يجامع امرأة أجنبية معينة تحرم عليه فهذا لا يجوز.
يقول: ما المراد بقولكم أن قول أبي حنيفة أحوط في المأكولات؟
لأنه يرى أن الأصل المنع, وغيره يرى أن الأصل الإباحة، وأما في المشروبات فقول الحنفية في النبيذ معروف, وغيرهم يمنعون النبيذ، القواعد التي يطلقها أهل العلم مثل قول الحنفية: الحلال ما أحله الله, وقول غيرهم: الحرام ما حرمه الله، هذه لا تنتقض بوجود مثال أو مثالين يخرج عنها, لا يمكن أن تنقض القواعد, ولكل قاعدة ما يخرج عنها.
يقول: هل التورية على الوالدين حتى لا تغضبهم من العقوق؟
التورية في محلها للخروج من مظلمة, هذه شرعية حيلة شرعية، في المعاريض مندوحة عن الكذب، وإذا كنت في عمل خير فقدك أبوك, ولا حاجة له بك في هذا الوقت، وأنت تحضر درس مثلاً, وأبوك لا يرغب في حضورك الدروس، وأنت محتاج إلى هذا الدرس, وليس هو بحاجة إليك بحيث لا يتعارض أمره الواجب تنفيذه مع حضورك الدرس المستحب حضوره, إذا كنت في درس ووالدك لا يحتاجك لكنه لا يرغب في حضورك الدروس لا لحاجة إليك, فإذا وريت جمعت بين الحسنيين, ويكون هذا حينئذٍ من البر.
يقول: إذا تلفظ الشخص عند نومه وقال: أما إني متصدق بعرضي على جميع من أخطأ علي أو اغتابني، وهو لم يخطأ عليه أحد هل هذا يعتبر تلفظ بالنية؟
стр. 195
هذا إباحة وتحليل لمن يعتدي عليه على سبيل العموم، سواء وجد أم لم يوجد وهذا يدل على سلامة الصدر, وفعله بعضهم، بعض العلماء فعل هذا وعلى كل حال هذا دليل على أن الإنسان سليم الصدر لا يحمل غلاً ولا حقداً على أحد.
يقول: أشكل علي قولكم بأن المتشابهة هو الذي يراعى فيه نظر الناس؟
أولاً: يراعى فيه الشرع، ((فقد استبرأ لدينه)) ثم بعد ذلك قد يراعى فيه قالة الناس, ولذا قال: ((وعرضه))، فإذا خشي أن تقرضه الألسنة بفعله هذا الأمر فليتركه، يعني: ولو كان مباحاً ما لم يضر به فيتركه من أجل أن لا يقع فريسة لألسن الناس، ولئلا يقع في أمر يأثم به الناس من أجله، هذا استبراء للعرض يقول: مع أن النبي ﷺ امتنع عن قتل المنافقين حتى لا يقال أن محمداً يقتل أصحابه مع أنه بين لكن لما يترتب على ذلك. . . . . . . . .
النبي ﵊ لما قال هذا الكلام لئلا يقال: إن محمداً يقتل أصحابه, لم يراع في ذلك ﵊ – شخصه, وإنما راعى الدين خشية أن يكن ذلك صاداً عن دخول بعض الناس في الإسلام؛ لأنهم إذا سمعوا أن النبي ﵊ قتل من هم معه في الظاهر خشوا على أنفسهم من القتل فامتنعوا عن الدخول في الدين.
يقول: ماذا نقول في تحية المسجد من متشابهات؟
стр. 196
أمس تعرضنا من اعتبار أنها من المتشابهة لتعارض الأدلة، ما من المتشابهة لتعارض الأدلة, فليست من الحلال البين لا سميا في أوقات النهي, ولا من الحرام البين، ليست من الحلال البين؛ لوجود المعارض، وليست من الحرام البين لوجود المعارض، فعندنا أحاديث النهي صحيحة, وصريحة عن الصلاة في الأوقات الخمسة، وعندنا أوامر تأمر الداخل وهذا أيضا الصلاة في أوقات النهي، تأمر الداخل أن يجلس أو تنهاه أن لا يجلس حتى يصلي ركعتين، فإذا دخل الإنسان في مثل هذا الوقت حديث صحيح يقول: ((لا تجلس حتى تصلي ركعتين)) , وحديث صحيح يقول: ((لا صلاة بعد العصر)) هذا يورث التشابه، لا شك أن هذا يورث التشابه؛ لأنه ليس من الحلال البين, ولا من الحرام البين، لكن لا يمكن أن يبقى التشابه وأن يكون هذا التشابه لدى جميع العلماء, بل لا بد من التصرف تجاه هذه النصوص, وهناك قواعد للتعامل مع هذه النصوص المتعارضة معروف قول جمهور أهل العلم, وهو المنع مطلقاً من التنفل في هذه الأوقات الأوقات الخمسة، ((لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس, ولا صلاة بعد الفجر أو بعد الصبح حتى تطلع الشمس)) , " وثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا" الأوقات المضيقة الثلاثة، حينما تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع, وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، وحين تتضيق الشمس للغروب حتى تغرب، حتى تغرب، فهذه الأوقات الثلاثة جاء النهي عن الصلاة فيها، أما الفرائض فلا تدخل للأدلة الدالة على أنها تصلى في أي وقت، ((إذا نام أحدكم عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)) يعني: متى ذكرها يصليها، لكن مثل تحية المسجد حديث: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)) يشمل هذه الأوقات وغيرها من الأوقات عام في جميع الأوقات، وحديث الخسوف: ((فإذا رأيتموهما فصلوا فادعوا الله وصلوا)) , في أي: وقت هذا أيضاً عام في الأوقات لكنه خاص بهذه الصلوات، خاص بهذه الصلوات، فالشافعية يقولون: ما دام هذا خاص بهذا الصلوات, وأحاديث النهي عامة في جميع الصلوات فالخاص مقدم على العام, ويصلون في أي وقت هذه الصلوات، ويقولون: أنها من ذوات الأسباب ويطردون في
стр. 197
ذلك في كل ما له سبب, كركعتي الطواف, وركعتي الوضوء، وركعتي الإحرام، كل ما له سبب والجمهور يرون المنع مطلقاً حتى ما له سبب، بناء على أن أحاديث ذوات الأسباب عامة في جميع الأوقات، وأحاديث النهي خاصة بهذه الأوقات, والخاص مقدم على العام، وليس قول هؤلاء بأولى من قول هؤلاء، من حيث العموم والخصوص؛ لأنه ليس العموم والخصوص الذي بين هذه النصوص مطلق، لنقول: إن الخاص مقدم على العام، إنما هو عموم وخصوصٌ وجهي، وهذه المسألة مثلما ذكرنا سابقاً يقرر جمع من أهل العلم أنها من عضل المسائل، ما يأتي طالب علم مبتدئ ويقول: أحاديث النهي عامة وأحاديث ذوات الأسباب خاصة والخاص يقدم على العام, ويصلي في أي وقت بنفس مرتاحة حتى ولا العكس؛ لأن هذه المسألة ليست بالمسألة السهلة الهينة, وما يقوله الشافعية: بفعل ذوات الأسباب بالجمع والطريقة التي يسلكونها هي معارضة لما يقوله الجمهور بنفس المستوى، بنفس المستوى لكن نحتاج في مثل هذا التعارض إلى مرجح خارجي، يعني: لا نقول أن هذه المسألة من المتشابهات ونسكت؟ مثل من يقول: لا تدخل المسجد في هذه الأوقات، أو مثل من يقول: اضطجع لا تجلس هذه ليست حلول؛ لأن النبي ﵊ ما ترك شيء إلا بينه، ووجود مثل هذا المتشابه لا يظن أنه من الحرج الذي نفي عن الأمة فينبغي أن ينتفي لا، وجود هذا المتشابهة لا شك أنه لتعظم أجور المجتهدين؛ لأنه لو كان العلم كله سهل وواضح, صار الناس كلهم علماء، صار الناس كلهم علماء، وإذا وجد الترغيب في شيء لا بد أن يوجد في طريقه ما يعوق عن تحصيل كثير من الناس من أجل المجاهدة، من أجل المجاهدة، لماذا؟ لأن الجنة حفت بالمكارة، يعني: لو أن الجنة حفت بالشهوات ما دخل أحد النار، ولو أن النار حفت بالمكارة ما دخلت أحد النار، لكن الحكمة الإلهية, وهذا هو مقتضى التكليف وإلزام ما فيه كلفة أن تحف الجنة بالمكارة، فطريق الاجتهاد فيه شيء من الوعورة وفيه شيء من الصعوبة, لكن الإنسان إذا عرف المقابل، وهو رفعة الدرجات في الدنيا والآخرة، فضل العالم على العابد: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [سورة المجادلة: ١١] ﴿شَهِدَ
стр. 198
اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ﴾ [سورة آل عمران: ١٨] يعني: مقامات رفيعة جداً, إذا عرف الطالب للعلم هذه الوعود ممن لا يخلف الميعاد هانت في سبيل تحصيله الصعاب، ووجد هذا المتشابهة كالعوائق في طرق التحصيل لمن لا يصبر ولا يصابر، أما من صبر وصابر وثابر, ولديه الأهلية للتحصيل, فإن هذا لا شك أنه يدرك لأنه لا يوجد متشابهة يستغلق على جميع أهل العلم حتى الراسخين, إلا الشيء اليسير عند من يقول به والتشابه نسبي قد يكون متشابهة بالنسبة لفلان، ومحكم, وواضح عند آخرين والعكس.
على كل حال مسألة ذوات الأسباب وأوقات النهي, يعني: بدلاً من أن نطيل في المرجحات الخارجية نأتي بالخلاصة, وهو أن الوقتين الموسعين الأمر فيهما سهل، لأن المنع من الصلاة فيهما إنما هو من باب الوسيلة, للمنع من الصلاة في الأوقات المضيقة، فالأصل أن النهي من أجل مخالفة المشركين، والمشركون إنما يسجدون للشمس عند طلوعها, وعند غروبها، فلئلا يسترسل الإنسان في الصلاة حتى يصل إلى الوقت المضيق منع من الصلاة من بعد طلوع الصبح إلى طلوع الشمس وارتفاعها, ومنع أيضاً من صلاة العصر إلى أن تتضيق للغروب فيأتي الوقت المضيق، فالصلاة في هذين الوقتين الموسعين أمرها سهل وأما بالنسبة للصلاة في الأوقات المضيقة, وهي قصيرة فالأمر فيها أشد، والذي يترجح عندي أن الإنسان لو صلى تحية المسجد في الوقتين الموسعين ألا حرج عليه، لكن إذا دخل المسجد في الأوقات المضيقة الثلاثة عليه أن ينتظر، عليه أن ينتظر.
هل يجوز الاقتداء بالمسبوق؟
إذا دخلت مع شخص وقد فاتكما شيء من الصلاة فلما سلم الإمام من صلاته قمتما لقضاء ما فاتكما، نعم يجوز أن يقتدي أحد المسبوقين بالآخر إذا كان يصلح أن يكون إماماً له؛ لأنهما في حكم المنفردَين بعد سلام الإمام، الذي يقضي الصلاة في حكم المنفرد ويجوز له أن يقتدي بمن بجواره، لكن النبي ﵊ في غزوة تبوك فاته بعض الصلاة مع عبد الرحمن بن عوف ولم يقتدي بمن بجواره ولم ينقل ذلك لكن لو اقتدى، الأمر فيه سعة -إن شاء الله تعالى-.
стр. 199
يقول: متى يقوم المسبوق إلى إتمام صلاته؟ أبعد سلام الإمام الأولى أم الثانية؟
بعد الثانية، بعد السلام الثاني.
هل يجوز زواج زوج العم؟
المقصود: أنه ينبغي أن يكون السؤال، هل يجوز الزواج بزوجة العم هكذا؟ لعل المراد هذا، هل يجوز الزواج بزوجة العم؟ زوجة العم ليست بمحرم فإذا طلقها, أو مات عنها وفرغت من عدتها لك أن تتزوجها.
يقول: كيف نتقي الشبهات في مسائل الاختلاف مثلاً في ركعتي دخول المسجد بعد العصر؟
إذا كنت أهل للنظر في الأدلة والاستدلال فتعمل ما يؤديك إليه اجتهادك، تعمل بما تدين الله به من علم، وإذا كنت لست بأهل للنظر والاجتهاد ففرضك تقليد من تبرأ الذمة بتقليده، ممن جمع بين العلم والدين والورع.
يقول: وجدت ملصق كتب عليه: لا يليق مد الرجلين تجاه المصاحف فما الحكم في ذلك؟
لا شك أن مد الرجلين تجاه المصاحف امتهان، امتهان ولو لم يقصد, أما إذا قصد فالأمر أعظم، سم.
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: قال الإمام العلامة الحافظ النووي - رحمه الله تعالى-: الحديث السابع: عن أبي رقية تميم بن أوس الداري ﵁: أن النبي ﷺ قال: ((الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم)) [رواه مسلم].
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين: أما بعد.
стр. 200
فيقول النووي - رحمه الله تعالى- في الحديث السابع من الأربعين: وعن أبي رقية تميم بن أوس الداري، الكنية بالبنت سبق الحديث عنها في الدرس الماضي, تميم بن أوس الداري كان نصرانياً فأسلم, وله منقبة لا يشاركه فيها أحد، له منقبة لا يشاركه فيها أحد، وهي أن النبي ﵊ روى عنه، روى عنه حديث الجساسة في صحيح مسلم وهذه منقبة ﵁ " أن النبي ﷺ قال: ((الدين النصيحة))، الدين أشمل وأعم من الإسلام والإيمان والإحسان، بل هو مجموع ما ذكر، الدين هو الإيمان والإسلام والإحسان مجتمعة، بجميع أبوابه وتفاصليه وتفاريعه؛ لأن جبريل لما سأل النبي ﵊ في الحديث الذي تقدم عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، قال النبي ﵊ في آخر الحديث: ((هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)) فدل على أن الألفاظ الثلاثة داخلة في الدين، والأمر كذلك في حديث: ((من يرد الله به خير يفقه في الدين))، من يرد الله خير يفقه في الدين، فالدين أشمل من الفقه, والدين أشمل من باب أو أبواب من أبواب العلم، فلا يُستدل على من يُعنى بالتفسير وما يتعلق بالقرآن ما يستدل عليه بأن الفقه أفضل؛ لأن النبي ﵊ قال: ((من يرد الله به خيراً يفقه في الدين)) , فهو يتفقه في الدين وإن كان يعاني التفسير، ولا يستدل بحديث: ((من يرد الله به خيراً يفقه في الدين)) , على من يتخصص في العقيدة مثلاً؛ لأنه يتفقه في الدين؛ لأن الدين أعم، ولا يورد هذا الاستدلال على من يتخصص بالسنة والحديث؛ لأنه يتفقه في الدين، فالدين أعم من أن يكون المراد به الاصطلاح العرفي المقصور على الأحكام العملية، المراد بالدين بجميع أبوابه الشامل للفقه العملي, والفقه العقدي, الذي يسميه أهل العلم الفقه الأكبر، وما يؤخذ منه من أصول من الكتاب والسنة, وما يعينه على فهم الكتاب والسنة كل هذا تفقه في الدين، كل هذا تفقه في الدين، الدين بما يشمله مما ذكر النصيحة، ((الدين النصيحة))، الدين مبتدأ, والنصيحة خبر، الدين مبتدأ والنصيحة خبر، والجزءان للجملة من المبتدأ والخبر معرفتان، وإذا كان الأسلوب بتعريف جزأي
стр. 201
الجملة فإنه من أساليب الحصر، أساليب الحصر, فكأن الدين كله النصيحة، وكأنه قيل: ما الدين إلا النصيحة، أو قيل: إنما الدين النصيحة, هذا حصر كما في قوله: "أنما الأعمال بالنيات" أسلوب حصري وتعريف جزأي الجملة من أساليب الحصر الدين النصيحة، وجاء في الحديث: ((الحج عرفة))، الحج عرفة هذا أيضاً حصر, لكن إذا تأملنا في الحديثين الحج عرفة فقط، يعني: الحاج يأتي إلى عرفة ويجلس فيها ويقف فيها ويرجع لا يحرم، لا ينوي الدخول في النسك وهو ركن، ولا يطوف، ولا يسعى وهو ركن، ولا يبيت في منى ومزدلفة وهما من الواجبات، ولا يحلق أو يقصر من شعره وهو واجب من الواجبات، إذا قلنا بمقتضى الأسلوب الحصري, قلنا: للإنسان أن يأتي إلى عرفة ويرجع؛ لأن الحج عرفة، لكن الأمر كذلك أولى، ليس الأمر كذلك، بل أركان الحج كما هو معروف، نية الدخول في النسك، والوقوف بعرفة, والطواف, والسعي، يعني كلها لا بد منها كلها أركان، إذا ما فائدة الحصر في قوله: ((الدين النصيحة)) أو ((الحج عرفة))؟ يعني: هناك حصر حقيقي, وهناك حصر إضافي، الحصر الحقيقي إذا اقتضى مفهومه انتفاء ما عداه، هذا حصر حقيقي، لا إله إلا الله، يعني: لا معبود بحق إلا الله, هذا حصر حقيقي؛ لأنه لا يوجد غيره من يعبد بحق لا يوجد سوى الله - جل وعلا -، وأما بالنسبة لـ ((الدين النصيحة))، و ((الحج عرفة))، والشاعر حسان، والكريم حاتم، وهكذا من الأسانيد التي يفهم منها الحصر, لكنه حصر إضافي، حصر إضافي وليس بحصر حقيقي، فرق بين الحصر الحقيقي الذي له مفهوم والحصر الإضافي الذي لا مفهوم له.
стр. 202
الدين النصيحة، الدين عرفناه أنه بعمومه يشمل جميع أبواب الدين، كله محصور في النصيحة وهي حيازة الحظ للمنصوح له، حيازة الحظ للمنصوح له، من قولهم: نصحت العسل إذا خلصته من الشوائب، أو نصحت الثوب إذا خطته، وكل هذا فيه تسديد للنقص الحاصل، سواء كان في المنصوح, أو في العسل المخلص من الشوائب، أو في الثوب المرفو بالخياطة، هذه حيازة حظ للمنصوح له، ((الدين النصيحة)) قالوا: ولا يوجد كلمة تجمع الخير كله مثل هذه الكلمة, ومثل كلمة: "الفلاح" النصيحة بجميع ما تحمله هذه الكلمة من حيازة للحظ، لمن أسديت له هذه النصيحة، في بعض الروايات ثلاثاً، ((الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة))، ثلاث مرات كررها لأهميتها، وسكت ﵊، سكت ﵊، لكن الصحابة -رضوان الله عليهم- لا يتركون مثل هذا الأمر المجمل حتى يبيَن، وهذا فيما يُحتاج إليه، يقيض الله - جل وعلا - من يسأل ويستفصل، أما ما لا يحتاج إليه فقد يستمر فيه الإجمال لعدم الحاجة إليه؛ لأن هناك أمور مجملة في الكتاب والسنة ليس المكلف بحاجة إلى معرفتها، وهناك مبهمات في الكتاب والسنة ما قال الصحابة - رضوان الله عليهم- من هو؟ ﴿وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ [سورة القصص: ٢٠] ما قالوا: من هو يا رسول الله، لماذا؟ لأنه لا يترتب على معرفته فائدة للمكلف، ولو ترتب على ذلك فائدة لبينه النبي ﵊ ابتداء أو لقيض الله له من يسأل عنه، ولا أحرص من الصحابة، يعني بعض طلاب العلم اليوم تجد وده يتمنى أن ينتهي الدرس بسرعة، فتمر أمور مجملة في كلام المعلم فلا يستفصل خشية أن يطول الكلام، صحيح هذا موجود، فهمت يا أخي يقول لك: والله ما فهمت، ليش ما سألت، ما سأل على شان ينتهي الدرس، لكن هل هذا يتصور في الصحابة؟ لا يمكن.
((قلنا: لمن يا رسول الله! ))، النصيحة لمن ما دام الدين النصيحة من ننصح؟، ((قال: لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم)). [رواه مسلم].
стр. 203
فهذا يدلنا على أن ما لم يسأل عنه الصحابة لا سيما بعد جمع الطرق للخبر، الذين لم يسألوا عنه نجزم بأننا لسنا بحاجة إلى معرفته، ولو كنا بحاجة إلى معرفته لقيض الله من يسأل عنه كما هنا.
((قلنا: لمن يا رسول الله))؟ النبي ﵊ أخر البيان إلى وقت الحاجة، وأهل العلم يقولون: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، لكنه يجوز تأخيره إلى وقت الحاجة، ((قال: لله، ولكتابه، ولرسوله))، النصيحة لله تكون باعتقاد وحدانيته, وألوهيته، والإيمان بجميع ما جاء في كتابه، وعلى لسان رسوله ﵊ مما يتعلق بالذات الإلهية من أسماء وصفات وأفعال مما صحت به الأخبار، ولا بد من تحقيق ذلك، ولا بد من تخليصه وتنقيته، من شوائب الشرك والبدع، والمعاصي، وهذا تمام النصيحة لله، اعتقاد ربوبيته, وأنه هو الخالق, الرازق, المدبر, المحي, المميت, إلى غير ذلك من أسمائه الحسنى، وكذلك الصفات العلى التي ثبتت لله - جل وعلا - في كتابه وعلى لسان نبيه، وكذلك ما يتعلق به من أفعال العباد من إفراده بالألوهية فلا يدعى إلا الله ولا يصلى إلا لله، ولا يصرف أي نوع من أنواع العبادة إلا لله - جل وعلا-، فلا يشرك به معه غيره كائناً من كان، لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ومع الأسف أننا نجد في أوساط المسلمين من يصرف بعض حقوق الرب لبعض المخلوقين، لبعض المخلوقين, من الأولياء, والصالحين، والأنبياء وغيرهم, ولا شك أن هذا تشريك بل شرك إذا صرف لمخلوق ما لا يجوز أن يصرف إلا لله - جل وعلا- من حقوقه هذا هو الشرك وهذا غش، وليس بنصح، والنصيحة على خلاف هذا، بل لا بد من الإقرار بالربوبية, والألوهية، وما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﵊ من أسماء وصفات واعتقاد أنه هو المدبر، وأنه هو الخالق، لا خالق سواه، ولا رب إلا إياه.
стр. 204
نعم يوجد من يصرف بعض حقوق الله كالدعاء, يدعو المخلوق، ويرجو المخلوق، ويخاف المخلوق، ويذبحُ للمخلوق، ويطوف على قبر المخلوق، كل هذه عبادات لا تجوز إلا لله - جل وعلا، ويلبس الشيطان على هؤلاء الذين يعتقدون في الأنبياء والأولياء والصالحين، وأنه من احترامهم وتعظيمهم وتقديرهم أن تبنى عليهم المشاهد, والقباب وغيرها، وتعدى الأمر ذلك إلى أن بنيت على الأوهام، بنيت على الأوهام, ففي كشمير ضريح الشعرة، ضريح من أعظم وأكبر الأضرحة، إيش الشعرة هذه؟ قالوا: إنها شعرة من شعر الشيخ عبد القادر الجيلاني، وعليها ضريح كبير، فوصفوا ما وصفوا من أن المياه تجري من تحت هذا الضريح فإذا جرت وخرجت من الطرف الآخر بيعت كما يباع الطيب، يباع الماء هذا كما يباع الطيب، وهذا غلو، ((إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو))، ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) , اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد, وبنيت المساجد على القبور, ودفن الأموات في المساجد، وعظموا وصرف لهم بعض ما يختص بالله - جل وعلا-.
стр. 205
((لله، ولكتابه))، الكتاب: هو القرآن المحفوظ بين الدفتين الذي نزل به جبريل من عند الله - جل وعلا - على قلب محمد ﵊، وتناقلته الأمة جيلاً بعد جيل، ووصل إلينا كما نزل محفوظ، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [سورة الحجر: ٩]، محفوظ كما أنزل، مصون من الزيادة والنقصان، لا يجوز أن يزاد فيه حرف, ولا يجوز أن ينقص منه حرف، وقد تكفل الله بحفظه, فلم يتطرق إليه التغيير والتبديل، بينما الكتب السابقة استحفظوا عليها، وُكِلَ حفظها إلى البشر, فما حفظوها بل غيروا, وبدلوا, وحرفوا, وزادوا ونقصوا، ولا أدل على ذلك أنك لا تكاد تجد نسختين من كتاب واحد متطابقتين، وذكر البيهقي في الشعب, في دلائل النبوة، ذكر البيهقي في الدلائل: أن القاضي يحيى بن أكثم دعا يهودياً إلى الإسلام فما استجاب، ولما كان على رأس السنة, يعني: بعد مضى سنة كاملة جاء هذا اليهودي ليعلن إسلامه عند يحيى بن أكثم فقال له: ما الذي منعك من الإسلام لما دعوتك في العام الماضي، وجئت مسلماً في هذا العام؟ قال: في هذه المدة نسخت نسخاً من التوراة، وزدت فيها ونقصت وقدمت وأخرت فذهبت بها إلى اليهود فاشتروها مني واعتمدوها, وصاروا يقرؤونها ويعملون بها، ثم عمدت إلى نسخ نسختها من الإنجيل وفعلت فيها كما فعلت بالتوراة، ثم ذهبت بها إلى النصارى في سوقهم فاشتروها مني تخطفوها من يدي وقرؤوها وعملوا بها، وقد صنعت فيها ما صنعت، ثم عمدت إلى نسخ من القرآن نسختها وغيرت فيها شيئاً يسيراً, لا يكاد يفطن له, فلما عرضتها على الوراقين من المسلمين كل من رآه رماه في وجهي، وقال هذا محرف، فجزمت بأن هذا الدين هو الحق، وأنه هو المحفوظ وهو الباقي.
стр. 206
يقول: يحيى بن أكثم لما حججت عرضت القصة على سفيان بن عيينة فقال لي: هذا موجود في القرآن، هذا موجود في القرآن ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [سورة الحجر: ٩] تكفل الله بحفظه، وقال في الكتب الأخرى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُواْ﴾ [سورة المائدة: ٤٤]، فلم يحفظوا؛ فالقرآن كلام الله تكلم به - جل وعلا - بصوت وحرف مسموع، سمعه جبريل، سمعه جبريل من الله - جل وعلا -، ونزل به جبريل إلى النبي ﵊، ومنه - جل وعلا- بدأ وإليه يعود، منزل غير مخلوق إلى غير ذلك مما يتعلق بعقيدة سلف هذه الأمة وأئمتها في القرآن فعلينا أن نعتقد ذلك وهو عين النصيحة لكتاب الله, إضافة إلى العمل به، والائتمار بأوامره، والانتهاء عن نواهيه، إضافة إلى تلاوته حق تلاوته, على الوجه المأمور به, بالتدبر والترتيل، وتعظيمه وعدم امتهانه، وكل ما فيه تعظيم للقرآن فهو مطلوب وهو من النصيحة لكتاب الله، وكل ما يفهم منه ما يخل بهذا التعظيم فإنه ممنوع، فلا تمد الأرجل كما جاء في السؤال إلى القرآن؛ لأنه امتهان, ولا يكتب على ورق فيه قذر, أو شيء من نجاسة, أو ما أشبه ذلك، أو يوضع في مكان متنجس، أو يدخل به في أماكن غير محترمة، كل هذا من امتهان القرآن وعدم النصح له، فاحترامه وتعظيمه, واعتقاد أنه منزل من عند الله - جل وعلا - غير مخلوق، ومنه بدأ ومنه يعود في آخر الزمان, والعمل به بجميع الأوامر فتفعل, وجميع النواهي فتترك على ما سيأتي في حديث: ((إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم, وما نهيتكم عنه فاجتنبوه)) سيأتي بالحديث في الدرس القادم - إن شاء الله تعالى-.
стр. 207
((ولرسوله))، النصيحة للرسول ﵊، يعني: كونه يشار إليه بمقتضى الحكمة إذا استشار هذا ظاهر، وإلا فقد يقول قائل: كيف يتم النصح لله - جل وعلا-، وكيف يتم النصح لكتابه، وكيف يتم النصح لرسوله ﵊ ونحن إنما نتلقى الهدى الذي منه النصح من الله, وكتابه, ورسوله؟ النصيحة على الوجه الذي ذكر لا إشكال فيه، ليس معنى أن الله - جل وعلا - بحاجة إلى أن ينصح ويوجه كما أن المخلوق بحاجة إلى ذلك، والكتاب الكامل الشامل، الذي من قام يقرؤوه كأنما خاطب الرحمن بالكلم, هذا ليس بحاجة إلى نصح بمعنى: تسديد فهو الكامل الذي لا يحتاج إلى تسديد؛ لأن أصل النصح التخليص من الشوائب, أو إزالة النقائص، كالخرق بالثوب بالخياطة ونحوها، والله - جل وعلا - وكتابه ورسوله ليسوا بحاجة إلى النصيحة بهذا المعنى, وإنما النصيحة لهم بالمعنى الذي تقدم، النصيحة للرسول ﵊ باعتباره بشر ينوبه ما ينوب البشر، ويعتريه ما يعتري البشر، النص ظاهر, يعني: استطب ﵊، وطب غيره واستشار في الحروب، وأشير إليه, وحينئذ يجب بذل النصيحة، وإذا حرم الغش لآحاد الناس, فلن يحرم بالنسبة له ﵊ من باب أولى, هذا من هذه النواحي وهي أمور يسيرة، لكن هل النبي ﵊ باعتباره مؤيداً بالوحي هو بحاجة إلى نصيحة آحاد الناس، فيما استشار فيه ﵊، لا شك أنه مأمور بالمشورة، وأن المستشار لا بد أن ينصح له من هذه الحيثية، وما عدا ذلك فالمراد بنصيحته الإيمان به, والاقتداء, والائتساء به, واعتقاد أنه معصوم فيما يبلغ به عن الله - جل وعلا -, وأنه أكمل الخلق, وأعظم الخلق, وأكرم الخلق, وأتقاهم, وأخشاهم لله - جل وعلا -، واعتقاد تعظيمه من غير غلو يخرجه, من كونه عبداًً لله - جل وعلا - رسولاً منه، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [سورة الإسراء: ١] لا يجوز أن يصرف له باسم التعظيم شيء من حقوق الرب - جل وعلا -، لا له ولا لغيره, وإنما اعتقاد كماله البشري، وإلا فقد قال ﵊: ((إنما أنا بشر أقضي على نحو ما أسمع))، فهو بشر من هذه
стр. 208
الحيثية, لكن بالنسبة للبشر هو أكملهم, وهو خيرهم, وهو أفضلهم، وهو سيد ولد آدم، وفضائله وشمائله، ومعجزاته ودلائل نبوته أكثر من أن تحصر.
((ولرسوله)) أيضاً ما يتعلق بسنته، تعظيم السنة من النصح للرسول ﵊، إذا كان النصح للكتاب جاء على سبيل الاستقلال, فالنصح للسنة جاء تبعاً للنصح له ﵊ ومعنى النصح للسنة العناية بها، العناية بها, والاهتمام بشأنها, والعمل بمقتضاها، العمل بمقتضاها.
стр. 209
((ولأئمة المسلمين وعامتهم)) وهؤلاء بحاجة إلى النصح, بمعناه العرفي، ((ولأئمة المسلمين))، أئمة المسلمين طائفتان من الناس كما يقرر ذلك أهل العلم، هم ولاة الأمور, ممن ولاهم الله - جل وعلا - أمور المسلمين، هؤلاء هم الأئمة, وأئمة المسلمين هم علماؤهم، علماء الأمة المجتهدون, المخلصون الناصحون لله ولرسوله، كلا الطائفتين داخلتان في أئمة المسلمين, فكيف ينصح أئمة المسلمين سواء قلنا: هم العلماء, أو الحكام؟ ينصحون، بالنسبة للحكام لا شك أنهم بشر، يعتريهم ما يعتري البشر، وقد يزيدون على البشر باعتبار أن الله - جل وعلا - مكنهم، مكنهم من دماء الناس, وأموالهم, وأعراضهم؛ لأن بأيديهم القوة, والسلطة, فهذه الأعمال مظنة لوقوع ما يُمنع شرعاً، فالنصيحة لهم تكون ببيان الحق لهم، وتنبيههم على ما يقعون فيه من مخالفات، ويجب أن يكون هذا بأسلوب يحقق المصلحة ولا يترتب عليه مفسدة؛ لأن المنكر لا يجوز أن يزال بمنكر، المنكر لا يجوز إزالته بمنكر، وقالوا: أيضاً من النصح لولي الأمر جمع الكلمة عليه، وعدم تفريق الناس عنه، ونشر محاسنه لتجتمع عليه الكلمة, والكف عن ذكر مساوئه لئلا تنفر القلوب عنه، مع بيان أن هذا العمل من غير تنصيص على أن يكون من فلان أوعلان، أن هذا العمل محرم؛ لأن البيان لا بد منه وقد أخذ العهد والميثاق على أهل العلم أن يبينوا؛ لأنه إذا ارتكب محرم ولم يبين عامة الناس يظنونه مباح، لكن لا يلزم أن يقال: أن الأمير فلان، أو الوزير فلان, أو فلان أوعلان ارتكب كذا, أو فعل كذا؛ بل الأسلوب الشرعي: "ما بال أقوام يفعلون كذا" , البيان لا بد منه, بما يحقق المصلحة، وولي الأمر ينصح، وكذالك عامة الناس الأصل في النصيحة أن تكون سراً؛ لأنها أقرب إلى الإخلاص وأدعى إلى القبول؛ لأن الإنسان إذا نصح علناً ولو كان من آحاد الناس الاحتمال الأقوى أنه يصر ويعاند, ويستكبر, لكن إذا نصح سر بالأسلوب المناسب فإنه في الغالب يقبل، وولي الأمر من أولى الناس بذلك، لكن لا يعني: أنها تمر الأمور المحرمة وتمشي على عامة الناس من غير بيان لحكمها، يبين أن هذا الأمر محرم، لكن قد يقول قائل: أنه قد لا يمكن البيان في بعض الأمور إلا بمعرفة أصحابها،
стр. 210
يعني: بعض الأمور يستقل بها شخص من الناس، يصرح بتصريح أو يأمر بأمر فيه معصية، وتتناقله الوسائل ويعرف الناس كلهم أن هذا صدر من فلان، فإذا بين على المنبر عرف الناس أن المقصود فلان، مثل هذا لا شك أنه يبادر بالنصيحة سراً ليرجع عنه ويبين هو بنفسه للناس، لكن لا يمنع أنه إذا مرت هذه المسألة وجاء لها مناسبة بين حكم الله فيها، لتقوم الحجة على من أراد أن يفعل مثل هذا الفعل، ولعل من فعله أن يرتدع من غير تسمية له, ومن غير إجلاب عليه, وإثارة لعموم الناس.
стр. 211
((ولأئمة المسلمين)) بالنسبة للطائفة الثانية من أئمة المسلمين وهم العلماء، كيف يتم النصح لهم وهم أهل العلم الذين يتوقع منهم ويتوخى منهم النصح لغيرهم؟، لا شك أنهم بشر وظروفهم هي ظروف الناس، وحاجاتهم ومطالبهم هي حاجات الناس، وأُسرهم وما تتطلب هذه الأسر هي ما يتطلبه عامة الناس، لكن يبقى أن أهل العلم باعتبار ما عندهم من علم الأصل فيهم الخير، الأصل فيهم الخير، وإن وقع خلافه فهو قليل نادر مع تأويل لارتكابه, أو مع ضغط عليه رأى أنه لا يستطيع الوقوف أمامهم، الآن بيوت بعض طلاب العلم فيها ما ينكر مثل ما في بيوت الناس، والسبب في ذلك التوسع في المباحات، وفتح الباب لأمور الدنيا لما فتحت على الناس فتح الباب على مصراعيه، فصارت بيوت بعض طلاب العلم مثل بيوت عامة الناس، بل مثل بيوت علية القوم، ويحصل فيها ما يحصل من مخالفات، هؤلاء بحاجة إلى نصيحة، هؤلاء بحاجة إلى نصيحة، وهم أولى من غيرهم بالنصيحة لماذا؟ لأنهم قدوات ويضل بسببهم فئام من الناس, بخلاف عامة المسلمين إذا ضل هو قد يقتدي به من يعجب به, لكن عموم الناس ما يقتدون به، ما يتقدون بعامي لكن يقتدون بعالم، فإذا حصل منه مخالفة اقتدى به، وأنا أعرف أسرة كبيرة مكونة من أُسر لا يوجد عندهم خادمات, لما وجدت خادمة في بيت واحد منهم من طلاب العلم, كلهم استقدموا خادمة لماذا؟ لأنه قدوة بالنسبة لهم، وكلهم يتداولون هذه المقالة لو أن الخادمة فيها شيء ما استقدمها فلان، والمسألة في الاستقدام بغير محرم، وهذا حرام لا يجوز أن تستقدم بغير محرم، أما وجود الخادمة في البيوت مع الحاجة إليها مع الحاجة إليها فهذا قيد لأنها أجنبية، وذريعة لأن يوجد شيء من الفساد, وقد وجد وأيضاً مع انتفاء الخلوة المحرمة, والاحتشام الكامل, والحيطة, والحذر, كل هذا بالنسبة للحاجة تبيحه الحاجة مع وجود هذه الاحتياطات مع أن السلامة لا يعدلها شيء، السلامة لا يعدها شيء، يعني: لو أن إنساناً قال: إن زوجته لا تطيق عمل البيت، فهي إما أن تغسل الثياب, وتنظف البيت, أو تطبخ الطعام، أو نحضر خادمة لتتولى بعض الأعمال، وقد يقوم مقام الخادمة شراء الطعام جاهزاً وما يصرف للخادمة يدفع فرق لهذا الطعام الجاهز,
стр. 212
نقول: هذا حلال؛ لأنه كم وقع من المصائب والكوارث في بيوت المسلمين بسبب الخدم والسائقين، ووجد أيضاً أنواع وضروب من السحر, ووجد ظلم في البيوت من قبل أربابها لهؤلاء الخدم والسائقين؛ فالأخطاء مشتركة بين الجهتين، إذا وجدت هذه الأمور في بيت عالم من علماء المسلمين لا شك أن الناس يبادرون بالاقتداء به ويقلدونه فيما يصنع، فإذا وجدت هذه عند العامة فضررها لا شك أنه أخف من أن توجد عند عالم، ولذا نُص عليهم على جهة الاستقلال، أئمة المسلمين, من أئمة المسلمين من يقع عنده الخطأ في نفسه, أو فيمن تحت يده فتسدى إليه النصيحة بالرفق واللين من صغير إلى كبير، يستشعر هيبة من أمامه بالأسلوب المناسب، وإذا أفتى بفتوى مخالفة للدليل فينصح وتتخذ الإجراءات المناسبة، أولاً: يتثبت من صدور هذه الفتوى، يتثبت من صدور هذه الفتوى، وقبل ذلك ينظر في هذه الفتوى, وموافقتها للدليل أو مخالفتها للدليل؛ لأنه قد يصدر فتوى يستغربها بعض الناس، فإذا تأملت وبحثت وجد أن لها أصل، وأنها ليست بخطأ، ولو خالف ما عليه غالب الناس، ثم إذا تثبتنا وتأكدنا من أن هذه الفتوى مخالفة لدليل شرعي, أو يترتب عليها إثارة، يترتب عليها مفسدة نتأكد من صدورها عنه. وما آفة الأخبار إلا رواتها.
стр. 213
فقد يشاع عن فلان أنه أفتى بكذا، ثم إذا ذُهب إليه ونُصح نفى، قال: لم أقل هذا, وإن وجد في بعض صفوف طلاب العلم, من يقول الكلام ثم ينفيه، يقول: ما قلت فيزيد الطين بِله، يزيد المخالفة الشرعية يزيد يضيف إليها الكذب, - نسأل الله العافية -، هذا حُفظ على بعض من يتصدر الفتوى في وسائل الإعلام ثم بعد ذلك ينفي، لكن العبرة بأهل العلم الصالحين المصلحين المخلصين، أهل العلم والدين والتقوى والورع والعمل، هؤلاء ليسوا بمعصومين، ليسوا بمعصومين، يصدر منهم الفتوى التي لم يستفرغ وسعه وجهده في دارستها والنظر في عواقبها, فيذهب إن كانت النصيحة بواسطة من يهابه هذا العالم لعلمه أو سنه، أو لطريقته في معالجة الأمور, كان أفضل وإلا فعلى من سمع أن يذهب إلى هذا العالم, ولا يقول له: أنت قلت كذا وهو خطأ، لا، يأتي على سبيل الاستفهام، يقول: يا ... يسأله مسائل, يدخل هذه المسألة من بين هذه المسائل؛ لأن النفس تأنف من المواجهة، النفس البشرية جبلت على هذا، وهو موجود وملاحظ في عصرنا، النصيحة ثقيلة حتى عند طلاب العلم، يعني تأتي إلى إمام مسجد وتقول له: حصل منك كذا، لا يطيق مثل هذا الكلام، وهو في الأصل طالب علم حافظ القرآن كل هذا لأن النفوس والنيات مدخولة, ليست صافية وإلا فالمفترض أن يفرح بمن أهدى إليه هذه النصيحة، إذا جاء إلى العالم يقول له: ما رأيك في كذا؟ وما قولك في كذا؟ وينبسط معه في الكلام حتى ينشرح له صدره، ويسأله عن مسائل يجيدها هذا العالم ويميل إليها, ويرتاح إليها, حتى يجد الطريق والمسلك إلى قلبه، ثم يقول: ما رأيك في كذا؟ ما رأيك في كذا؟ يعني معالجة الأمور لا بد منها بالحكمة؛ لأن الهدف الإصلاح, فليس الهدف أن يقول: والله فلان ذهب إلى الشيخ الفلاني الكبير وغير رأيه، هل هذا هو القصد؟ هل هذه هي الغاية؟ أبداً الغاية أن المنكر يزول، فعلينا أن نستعمل الوسائل المناسبة، والناس يتفاوتون في قدراتهم, وإدراكهم، بعض الناس من أول وهلة تستطيع أن تدلي بما تقول من أول كلمة، والأمر عنده سهل ولا ينتبه لما تصبو إليه وتريد من أول الأمر، وبعضهم لا، لا بد أن تأتي بمقدمات وتشرق وتغرب ثم في النهاية تعطيه ما عندك، كل هذا من أجل أن
стр. 214
ينفتح الصدر، ويستعد لقبول ما يلقى إليه، ما رأيك في كذا وقد قيل به في هذا الوقت، وقال به فلان من المتقدمين؟ لا يشعر أنه هو المقصود مباشرة، لكنه لكن عامة أهل العلم على خلافه والدليل الفلاني يقتضي رده وهكذا .. المقصود أنه يأتي بأسلوب مناسب ليدخل إلى قلب هذا الشيخ, لا سيما إذا كان كبيراً في السن كبيراً في العلم، وكل وإنسان يعامل بما يليق به.
العامة نصيحتهم ظاهرة بدلالتهم على الخير, وكفهم على الشر باللين, والحكمة, والرفق، فيدلون على ما يصلح شأن دينهم ودنياهم، حتى لو وجدت إنساناً دخل في مشروع يغلب على ظنك أنه يخفق فيه تنصحه، تقول: هذا المشروع والذي يظهر والله أعلم وقد جُرب, أنه لا جدوى من ورائه هذه نصيحة، وإذا كان ينشغل بأمور مفضولة ويترك أمور فاضلة تُسدى له النصيحة, بأن يهتم بالأهم فالأهم.
وجدت على هذا الشخص ملاحظة, أو نقل من قبل أهلك نقلوا لك ملاحظة على أهله إن كان أهلك ممن يستطيع التغيير والنصح يقدم النصيحة للأهل مباشرة، وإذا كانوا لا يستطيعون ونقلوا لك فعليك أن تسدي النصيحة لقيِّم هذه المرأة, وولي أمرها؛ فيحصل الخير لا سيما مع الرفق واللين، ولا مانع من أن تبدى بعض المحاسن، يقال: والله يا فلان أنت يلاحظ عليك ما شاء الله المبادرة إلى المسجد, والمحافظة على الصلوات، والإكثار من قراءة القرآن، وما شاء الله كل يدعو لك ويثني عليك, لكن يلاحظ أن ثوبك نازل قليلاً عن الكعب, ولا يخفى عليك ما جاء من قوله ﵊: ((ما أسفل من الكعبين فهو في النار)) , ولا يظن بك أنك تجر ثوبك خيلاء, لكن هذا النص وعليك أن تمتثل بالأسلوب الذي يحقق المصلحة, بمثل هذه الطريقة يقبل الحق، لكن لو قلت له مباشرة: هل تعلم أن جُزأك الأسفل في النار، وأبو طالب عليه نعلين من نار يغلي منهما دماغه، مباشرة إيش يرد؟ هذا في الغالب لن يقبل، لكن بالأسلوب المناسب يبين له ما عنده من محاسن لكي تستطيع أن تلج إلى قلبه.
стр. 215
أيضاً بعض الشباب يكون عندهم حماس، يرون بعض المنكرات فيأتون إلى العالم أو طالب العلم مندفعين، بعضهم يرى أن هذا منكر، وهو في الحقيقة ليس بمنكر أو مما اختلف فيه, أو الأثر المترتب عليه ما يستحق كل هذه الحماسة، وبعض المشايخ لا يوفق لمعالجة أوضاعهم فيزيد الطين بلة، يعني: بدلاً من أن يكون متحمس على مسألة يتحمس على مسائل ثم على هذا العالم, ويجر إليه بقية العلماء، يقول بقية العلماء بهذه الطريقة, ثم ينقم على المجتمع كله، لكن ماذا لو إذا جاء هذا الشاب المتحمس وقد رأى منكراً، ولا يظن به أنه جاء إلا لتغيير هذا المنكر، والنبي ﵊ يقول: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه)) هذا العالم أو طالب العلم الذي أتى إليه هذا الشاب أو هؤلاء الشباب لا بد أن يتعامل معهم بأسلوب يمتص هذا الحماس منهم، لا يقال: أن الغيرة تزال من قلوبهم لا، الغيرة لا بد منها لكن بإزاء هذا المنكر يدعى لهم ويقول: أنتم ما جئتم إلا غيرة لله, وعلى محارم الله, وعلى أعراض المسلمين, وعلى كذا وجزاكم الله خير، لكن تعلمون أن كذا وكذا, يعني: يقدم بمقدمة ثم يلج إلى قلوبهم, ويملي عليهم ما شاء، وهو بدوره بلغته هذه الرسالة منهم, وعليه أن يوصلها إلى من فوقها وتنحل الأمور والإشكالات بهذه الطريقة، أما أن توصد الأبواب في وجوه الشباب هذه آثارها ليست بجيدة, ينقمون على هذا العالم، ويطردون يقولون كل العلماء بهذا الطريقة ما وجدنا من يستقبلنا, ثم بعد ذلك ينقمون على المجتمع ويحصل منهم ما يحصل، وليس هذا بمبرر لمن يحصل منه ما يحصل، أنه استعمل معه هذا الأسلوب وأن يكون مبرر له أبداً، هو المسئول الأول عن عمله، ويسأل عن عمله أيضاً المتسبب، لكن لا يعفيه أنه سلك معه هذا المسلك أن يخرج بأعمال تخريبية, أو ما أشبه ذلك, أبداً هذا لا يعفيه من المسئولية هو المسئول الأول عن عمله لكن أيضاً المتسبب له دور في مثل هذا، فعلينا أن نعالج الأمور كلها بالحكمة، فمثل هذا الشاب المتحمس الغيور, الذي رأى رجل مثلاً يخاطب امرأة, أو رأى امرأة كاشفة متبرجة, وأراد أن يحد من هذه المظاهر السيئة يأتي، هو لا يستطيع أن يصل
следующие страницы →