← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 23423

شرح الأربعين النووية - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (447 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أنا لا أستطيع المواصلة؛ لأن عندي ارتباط بعد صلاة المغرب فتكون فرصة لكم لمراجعة ما قرأ وما يقرأ وإن صرف في قراءة القرآن على الوجه المأمور به فخير ما تمضى فيه الساعات والدقائق. هل يجب على المرأة طاعة زوجها بمجرد العقد عليها, أو لا يكون ذلك إلا بعد الدخول؟ على كل حال هي زوجة من العقد, لكنها إذا سلمت نفسه لها والتزم بجميع متطلباتها, من سكن, ونفقة وغيرها, مما تحتاجه لزمها طاعته. فتاة مبتدئة في طلب العلم وأصيبت بالعين, فهي إذا تعمقت في الطلب واجتهدت تصرع, وتصيح وتبكي علما بأنها تحب العلم الشرعي ولديها همة عالية للطلب فحفظت تسعة متون وحفظت القرآن ونخاف أن يكون هذا الصرع صارف لها عن العلم فما توجيهكم؟ إذا بذلت الأسباب بالرقية الشرعية بأن ترقي نفسها, أو تسعى لرقيتها من قبل من يوثق به، من أهل الدين والعلم والورع والمعرفة في هذه الأمور، فبذل السبب مطلوب, وإن صبرت واحتسبت والصرع كما جاء في المرأة التي تصرع في عهده ﵊ قال: ((إن صبرت فلك الجنة)) قالت: "أصبر" لكنها تصبر على الصرع ولا تصبر على التكشف فقالت: "ادع الله لي أن لا أتكشف"، هذا غاية ما تسمو إليه، ونحن في كمال العقل في كمال الإدراك نسعى إلى التكشف بأيدينا وبطوعنا واختيارنا، - نسأل الله السلامة والعافية-، على كل حال قال: أجبرها والدها وذهب بها إلى راقي يقرأ عليها لكن لم تستمر لارتكابه بعض المنكرات؟ ولهذا ينص على أن يكن الراقي ثقة، ثقة؛ لأنه وجد يعني وإن كان نادر وقليل, لكنه وجد من بعض غير الثقات من يتصدى للرقية، فحصل منه ما حصل من بعض المنكرات كما ذكرت. وقال لها والدها: بأنه سيذهب بها إلى السعودية ليبحث لها عن راقي وهي ترفض ذلك، فكيف تبر أباها؟ قل تطع أباها؛ لأنه لم يأمرها بمعصية, يذهب بها إلى راق موثوق سواء كان في بلده, أو في السعودية أو في غيرها شريطة أن يكون موثوقاً. لي قريبة متزوجة لها زوج غني ولكنه بخيل جداً, ولا يعطيها مالاً يعني لا يعطيها مالاً حتى للمستلزمات الأساسية مثل الأكل وغيرها؟ هل يجوز إعطاؤها من الزكاة؟

стр. 282

العلماء يختلفون في المرأة تحت الغني غير المنفق، فإن نظرنا إلى حالها فهي محتاجة في حكم الفقراء، وإذا نظرنا إلى من تجب عليه النفقة وهو الزوج وهو غني فلا يجوز أن تصرف الزكاة، وحينئذ عليها أن تذهب إلى المحكمة وتطالبه بتقرير ما يكفيها ويكفي ولدها بالمعروف فيأخذ منه قهراً؛ لأن هذا مما يجب عليه، وإن تيسر لها أن تأخذ من ماله ما يكفيها ويكفي ولدها بالمعروف, ولو من غير علمه فلها ذلك كما قال النبي ﵊ لهند امرأة أبي سفيان لما جاءت وقالت له: "إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفي ولدي ويكفيني وولدي بالمعروف"، قال: ((خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف)). يقول: حديث أبي هريرة الذي نحن بصدده يمثل بعض علماء المصطلح بأنه مقلوب فما توجيه قولهم ذلك؟ وما توضيح السياق الذي فيه القلب؟ ابن القيم أطال في حديث أبي هريرة وقال: إنه مقلوب: ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه)) يقول: إنه مقلوب باعتبار أن البعير يضع يديه قبل ركبتيه فيكون آخره معارض لأوله, ونقول: إنه ليس بمقلوب؛ لأن مجرد وضع اليدين على الأرض ليس ببروك، ولا يلزم من التشبيه أن يكون من كل وجه، والأمثلة على ذلك كثيرة, ونقول: مجرد وضع اليدين هذا ليس ببروك، وإنما البروك النزول على الأرض بقوة, سواء كان على اليدين أو على الركبتين، وفي صحيح البخاري: "فبرك عمر بين يدي النبي ﵊ على ركبتيه" على ركبتيه, يعني: نزل على الأرض بقوة؛ فالذي ينزل على يديه بقوة هذا يبرك كما يبركم البعير، ونسمع من ينزل بقوة على ركبتيه هذا ممنوع، ومن ينزل بقوة على يديه هذه ممنوع، والمطلوب في الصلاة عدم مشابهة البهائم، فالبعير ينزل بقوة يثير الغبار يفرق الحصى, وإذا وضع يديه المصلي قبل ركبتيه هذا لا يسمى باركاً بروك البعير، بل ممتثلاً لقوله: ((وليضع يديه على ركبتيه)). اللهم صل على محمد وعلى آله. طالب:. . . . . . . . . إيه . . . . . . . . . رمضان ما يصلي. بلغت عنه. طالب:. . . . . . . . . لكن بلغت عنه الهيئة.

стр. 283

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شرح الأربعين النووية (١٠) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [(٥١) سورة المؤمنون] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [(١٧٢) سورة البقرة] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنا يستجاب لذلك)) رواه مسلم. وعن أبي محمد الحسن بن علي سبط رسول الله ﷺ وريحانته ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ : ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) رواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) حديث حسن، رواه الترمذي وغيره. الشيخ: عبد الكريم الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. سم. الحمد لله، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ثم أما بعد: الحديث العاشر يا شيخ؟ العاشر أيوه. أكل الحرام يمنع إجابة الدعاء: عن أبي هريرة ... العنوان ليس من النص. الحديث العاشر عن أبي هريرة. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [(٥١) سورة المؤمنون] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [(١٧٢) سورة البقرة] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنا يستجاب لذلك)) رواه مسلم.

стр. 284

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: نبهنا مراراً أنه لا يقال قبل (أما بعد) (ثم) ما نحتاج أن نقول: ثم أما بعد، أما بعد على طول، جاء فيها أكثر من ثلاثين حديث بدون (ثم) والإتيان بها سنة كما هو ديدنه ﵊ في خطبه ورسائله، وإبدالها بالواو لأن كثير من الناس يقول: وبعد، لا يجزئ عن (أما) ولا تتأدى السنة إلا بهذا اللفظ (أما بعد). يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: الحديث العاشر: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً)) الله -جل وعلا- مقدس منزه عن العيوب والنقائص، لا يقبل ما كان بضد ذلك، لا من الأعمال، ولا من الأقوال، ولا من الاعتقادات، ولا أي شيء يمكن أن يوصف بغير هذا الوصف الذي هو الطيب. ((إن الله تعالى طيب)) يخبر عن الله -جل وعلا- بأنه طيب، لكن هل يسمى بالطيب؟ محل خلاف بين أهل العلم، فمنهم من أثبت الطيب في الأسماء الحسنى، ومنهم من قال: إن هذا على سبيل الخبر، وسبيل الإخبار أوسع من باب التسمية والوصف كما هو معلوم.

стр. 285

((إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً)) وحذف المفعول للتعميم؛ ليسرح الذهن في كل مسرح مما يمكن أن يوصف بأنه طيب فيقبله الله -جل وعلا-، أو ما كان بضده من الخبيث والرديء فإن الله -جل وعلا- لا يقبله، ((إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً)) لا يقبل من الاعتقادات إلا الطيب، وهو ما دلت عليه النصوص، نصوص الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة، ولا يقبل من الأعمال إلا ما دل عليه الدليل، ولا يقبل من الأقوال إلا الكلم الطيب، ولا يقبل من التصرفات من صدقات وغيرها إلا ما كان طيباً في مورده ومصرفه، لا يقبل إلا طيباً، ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [(٢٦٧) سورة البقرة] ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [(١٥٧) سورة الأعراف] فالمحرمات خبائث، والرديء خبيث، ((كسب الحجام خبيث)) ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [(٢٦٧) سورة البقرة] ولو لم يكن محرماً، يعني النفقة بالمال الرديء لو قدر أن عندك تمر من النوع الجيد، وتمر من النوع الرديء، واحتبست الجيد لنفسك ولأولادك وتصدقت بالرديء هذا ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [(٢٦٧) سورة البقرة] لكنها صدقة لها أجرها بقدرها، لكن ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [(٩٢) سورة آل عمران] أنت تحب الطيب فأنفق طيب، يعني لن تنالوا كمال البر إلا بهذا، وإن كانت الصدقة بالدون مقبولة -إن شاء الله تعالى-، ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ﴾ [(٢٦٧) سورة البقرة] يعني المال الخبيث الذي هو رديء في هذه الآية، الذي هو الرديء، النوع الرديء من الطعام، ومن سائر الأموال، لكن لا يقال: إن هذا التمر الذي هو دون مما ادخرته لنفسك وولدك، لا تتصدق منه، بل ترميه للمزابل وغيرها، لا، هذا إذا لم تحتج إليه تصدق به تجد من يأكله، لكنه نفقة مفضولة، ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [(٩٢) سورة آل عمران] وهذا يدل على سخاء النفس وجودها، وإيثارها لما عند الله -جل وعلا-، على حظ النفس كما هو معلوم.

стр. 286

الطيب يقابله الخبيث، الطيب الحلال والخبيث الحرام في قوله -جل وعلا-: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [(١٥٧) سورة الأعراف] فالمحرمات كلها خبائث، وقد يرد سؤال وهو أن العين الواحدة قد تكون مباحة في وقت محرمة في وقت كالحمر الإنسية مثلاً، كانت حلال ثم حرمت هل كانت طيبة ثم صارت خبيثة؟ يعني انقلبت عينها؟ أو أن العين لم تتغير ولم تتأثر؟ يعني هل الخبث حسي؟ لا شك أنها رجس، يعني أنها نجسة، ومع ذلك هل كانت طيبة لما كانت حلالاً ثم انقلبت عينها إلى نجاسة بعد أن صارت حراماً؟ وقل مثل هذا في الخمر فيما طرأ عليه التحريم بعد التحليل أو العكس، هل أعيانه انقلبت؟ لأنه لما كانت حلال فهي مندرجة في: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [(١٥٧) سورة الأعراف] ولما صارت حراماً اندرجت في: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [(١٥٧) سورة الأعراف] أو نقول: إن الطيب والخبث أمر معنوي يتبع النص؟ يتبع النص، فما كان حلالاً فهو طيب، وما كان حراماً فهو خبيث، هل نقول هذا أو نقول: إن الله -جل وعلا- قادر على أن يحيل هذه الأعيان من الطيب إلى الخبث الحسي بعد أن حرمها بعد أن كانت حلالاً؟ أقوال أهل العلم ما فيها بت في مثل هذه المسألة، لكن النص ظاهر في أن الحلال طيب وأن الحرام خبيث، وقد يطلق الخبث على غير الحرام على الرديء من الشيء ((من أكل من هاتين الشجرتين الخبيثتين)) يعني الثوم والبصل، ولذا ابن حزم يرى أن أكلهما حرام؛ لأنهما خبيثتان، والنص الصحيح الصريح في صحيح مسلم وغيره قال: أحرام هما يا رسول الله؟ قال: ((أنا لا أحرم ما أحل الله)) وهما حلال، وإن كانا خبيثتين لكنهما دون، ليست من الطيب الذي هو فاضل مقدم على غيره مرغوب فيه عقلاً وشرعاً وحساً، على كل حال هذه الأمور تفصيلها يطول.

стр. 287

((إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين)) لا يقبل إلا طيب، الطيب إن كان المراد فيما يقابله الخبيث الحرام فهذا مردود بلا شك، وإن كان فيما دون ذلك مما ليس بحرام وإن كان أقل فنفي القبول هنا لعله ينطبق إلى أو يندرج فيما دون ذلك وهو نفي الثواب المرتب عليه؛ لأنه يطلق نفي القبول ويراد به نفي الصحة، كما أنه يطلق نفي القبول ويراد به نفي الثواب المرتب على العمل، فرق بين ((لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ)) و ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)) هذا نفي للصحة؛ لأن النفي عاد إلى شرط، إلى شرط مؤثر في العمل، وبين ((لا يقبل الله صلاة من في جوفه خمر)) أو ((صلاة عبد آبق)) النفي هنا لم يعد إلى شرط، فهنا ينفى الثواب المرتب على العبادة، ومن هذا قوله -جل وعلا-: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [(٢٧) سورة المائدة] يعني الثواب المرتب على عباداتهم في مقابل معاصيهم لا يترتب عليها ثوابها، ولم يقل أحد من أهل العلم، ما عرف عن أحد من أهل العلم أن الفساق يؤمرون بإعادة العبادات لأن عباداتهم غير صحيحة، عباداتهم صحيحة ومجزئة ومسقطة للطلب، لكن النظر في الثواب المرتب عليها.

стр. 288

((وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين)) قال -جل وعلا-: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [(٥١) سورة المؤمنون] ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [(٥١) سورة المؤمنون] يعني لا تأكلوا من الخبيث، إنما الإنسان مأمور بأن يأكل من الطيب، ولا يأكل من الخبيث، والمنهي عنه المنهي عن أكله إنما هو الخبيث الذي هو المحرم، أما الدون فكون الإنسان يقصد إلى التمر الرديء أو البر الرديء، أو ما أشبه ذلك لنفسه ويرى أن هذا يعني يمكن يعينه على كسر نفسه، وعدم ترفعه على غيره مع أداء حق الله الذي أوجبه عليه، قد يكون هذا مسلك لبعض الصالحين، وإن كان الأصل أن الله -جل وعلا- يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، وهنا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [(٥١) سورة المؤمنون] التي أحلها الله -جل وعلا- وأباحها، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [(١٧٢) سورة البقرة] نفس الأمر ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [(٥١) سورة المؤمنون] وقال للمؤمنين آمراً لهم: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [(٥٧) سورة البقرة] فيستوي في هذا الأمر الرسل وأتباع الرسل، والرسل وأتباعهم. "ثم ذكر الرجل" ذكر النبي ﵊ الرجل "يطيل السفر" وإطالة السفر، السفر في الجملة مظنة لإجابة الدعوة، وجاء ما يدل على ذلك في المرفوع "الرجل يطيل السفر" هذه من أسباب الإجابة "أشعث أغبر" منكسر القلب غير مترفع ولا متكبر، النبي ﵊ لما خرج لصلاة الاستسقاء خرج ﵊ متواضعاً متذللاً متخشعاً متضرعاً؛ ليكون أدعى إلى إجابة الدعوة.

стр. 289

"أشعث أغبر" لأن الإنسان لا شك أنه يتأثر إذا لبس الجديد، أو ركب الفاخر الفاره، أو سكن المسكن الواسع الجميل، لا شك أن نفسيته تتأثر، بينما إذا لبس الوسط لا يقال: يلبس الرديء الخلق بحيث يزدريه الناس، لا، يتوسط في أموره، يركب المتوسط من المركوبات، يسكن المتوسط من البيوت، والدنيا ليست دار مقر وإنما هي ممر، فلا تكون محل عناية الإنسان وهمه الأول والآخر، إنما همه تحقيق ما خلق من أجله، وهو عبودية الله -جل وعلا-، والاستعانة بمتع هذه الدنيا؛ ليصل بذلك إلى تحقيق الهدف: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [(٧٧) سورة القصص] وبعض الناس عكس جعل الهدف اللهث وراء هذه الدنيا، وجمع الحطام، والملبس الفاخر، والمسكن الواسع الفاخر، والمركب الفاره وهكذا. يعني يأتي الإنسان ليجاور في بيت الله الحرام أو في مسجد رسوله ﵊ ثم يبحث عن أرقى الفنادق، الأمر أقل من ذلك، أهون من ذلك، قد يشغله هذا المسكن عما هو بصدده، وقد لا يعان على اجتماع قلبه، إذا وقف بين يدي الله -جل وعلا- في مثل هذا المسكن، فالتوسط في الأمور هو المطلوب. ((أشعث أغبر يمد يديه)) يعني جاء في الخبر: ((البذاذة من الإيمان)) ولا يعني أن الإنسان يلبس الرديء من كل شيء، أو يأكل الرديء من كل شيء، أو يسكن الرديء بحيث يمقته الناس، ويزدرونه، المسلم عزيز بدينه، عليه أن يتوسط في أموره كلها، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [(١٤٣) سورة البقرة]. ((أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء)) ورفع اليدين في الدعاء جاء في أكثر من مائة حديث، وجُمع فيه أجزاء لأهل العلم، أجزاء في رفع اليدين في الدعاء وهذا هو الأصل ما لم يكن في عبادة، فإن العبادة تؤدى كما جاءت عن القدوة ﵊، الصلاة ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) فلا يرفع يديه في الصلاة إلا فيما جاء فيه الرفع، لا يرفع يديه في الخطبة إلا فيما جاء فيه الرفع وهكذا، أما ما عدا ذلك فالأصل في الدعاء رفع اليدين.

стр. 290

((يمد يديه إلى السماء)) والله -جل وعلا- يستحيي أن يرد يدي عبده إذا رفعهما إليه صفراً، ((يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء)) من أسباب إجابة الدعوة ((يا رب يا رب)) والدعاء بـ (يا رب) جاء في أكثر الأدعية القرآنية، يا رب، ربنا، ربنا، وجاء في خواتم سورة آل عمران في العشر الآيات الأخيرة منها تكرار ربنا خمس مرات، حتى قال جمع من أهل العلم أن الإنسان إذا ضمن دعاءه المصدر بربنا، أو يا رب خمس مرات فإنه حري بالإجابة؛ لأنه لما تمت الخمس قال الله -جل وعلا-: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [(١٩٥) سورة آل عمران] فاستعمال هذا الاسم من أسماء الله -جل وعلا- من أسباب الإجابة، فعندنا الأسباب متوافرة، يطيل السفر، وأشعث، ويمد يديه إلى السماء، ويستعمل هذه الصيغة: يا رب يا رب، الأسباب متوافرة، لكن الشأن في وجود المانع من قبول الدعاء كما هو الحاصل هنا. ((ومطعمه حرام)) في كسبه لا يتورع عما حرم الله -جل وعلا-، في ما يأكله لا يتورع في أكل ما حرم عليه، أو شرب ما حرم عليه، ((مطعمه حرام، ومشربه حرام)) هذه موانع ((وملبسه حرام)) يعني الحرام محيط به، محدق به من كل وجه، في باطنه وظاهره. ((وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب له)) استبعاد ((أنى يستجاب له)) الأسباب متوافرة ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [(٦٠) سورة غافر] دعا، وبذل السبب في إجابة الدعوة، لكن المانع من قبولها موجود ((فأنى يستجاب لذلك)) أو ((أنى يستجاب له)) استبعاد لإجابة الدعوة إذا كان هذا وضعه، لوجود هذه الموانع، ((فأنى)) وهو مجرد استبعاد لا استحالة، لا ييأس المسلم من دعاء الله -جل وعلا-؛ لأنه قد يدعو الله -جل وعلا- أن ينفي عنه وأن يبعده عن هذه الموانع، وقد أجاب الله -جل وعلا- دعوة شر الخلق وهو إبليس، أجاب الله دعوته، فليس هنا استحالة لإجابة الدعاء، وإنما هو استبعاد.

стр. 291

بهذا نعرف خطأ من يقول وقد سُمعت من بعض طلاب العلم مع الأسف أننا إذا طُلب منا الاستسقاء، يعني طلب ولي الأمر من المسلمين الاستسقاء قال بعضهم: إن هذا استهزاء، واستخفاف بأمر الله وشأنه، نتخوض في الحرام من كل وجه، ثم بعد ذلك نخرج نستسقي، وقد استسقينا واستسقينا واستسقينا فلم نسق، هذا خطأ شنيع -نسأل الله العافية-، هذا هو الاستحسار من جهة، هذا هو الاستحسار دعوت دعوت فلم أر يستجاب لي، هذا من جهة، الأمر الثاني: أنه استبعاد واستحالة لما عند الله -جل وعلا-، نعم النبي ﵊ يقول: ((فأنى يستجاب له)) ليحرص المسلم على التخلص من هذه الموانع، قال سعد: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، قال: ((أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة)) فالمطعم له شأن عظيم في إجابة الدعوة، لكن لا يعني أننا نتفوه بمثل هذا الكلام، وفينا من الأخيار ومن الصالحين من ترجى إجابة دعوته، نعم عموم الناس دخلت عليهم الشبهات، وبعضهم يزاول الحرام، ويأكل الحرام، ويتخبط في الحرام، لكن لا يعني أن هذا معناه استحالة إجابة الدعوة، نعم يسعى المسلم بل عليه أن يسعى لانتفاء هذه الموانع، لكن عليه أن يبدأ بإصلاح نفسه قبل غيره، ثم بعد ذلك يدعو الناس الأقرب فالأقرب. ((فأنى يستجاب له)) وعرفنا أن هذا مجرد استبعاد لوجود الموانع، وقد يغلب السبب المانع، وقد يغلب المانع فلا يستجاب له حينئذٍ، والله -جل وعلا- يبتلي عباده، فقد يستجيب لهم فوراً حتى مع انتفاء الموانع قد لا يستجاب للإنسان في ظاهر الأمر؛ لأنه ما من دعوة يدعو بها مسلم يعني بغض النظر عن وجود الموانع إلا أنه إما أن يستجاب له بما طلب، أو يدفع عنه من الشر مقدار ما طلب أو أعظم، وقد تدخر له هذه الدعوة إلى وقت هو أحوج بها منه إلى هذا الوقت. نعم اقرأ الحديث الذي يليه.

стр. 292

لأنه جاءنا اقتراحات من كثير من الإخوان أننا نشرح الأحاديث بطريقة مناسبة لهذا المختصر، ولا نصنع مثلما صنعنا في العام الماضي والذي قبله، فمعدل ثلاثة أحاديث -إن شاء الله- في كل يوم، إن استطعنا أن نشرح أربعة؛ لنقلل المدة التي يشرح بها هذا الكتاب الذي هو أخصر كتاب في الحديث، يعني إذا أخذنا عشر سنوات في هذا الكتاب، فماذا عن الكتب الأخرى؟ لا سيما وأن الأحاديث التي هي القواعد الكلية قد انتهت، يعني بقي أحاديث هي قواعد ومهمة في حياة المسلم، وهي من جوامع الكلم، لكن لعلنا نشرح في اليوم بدلاً من حديث واحد ثلاثة أحاديث، فنكون توسطنا في الأمر، وأنا أعرف واحد من المشايخ شرح الكتاب في ثلاثة دروس، وضعت دورة في أسبوع فانتهى منها في يوم الاثنين، لا هذا ولا هذا، لا عاد صنيعنا الأول كل درس حديث واحد، ولا أن نشرح في كل يوم عشرين حديث أو خمسة عشر حديث، يعني ثلاثة أربعة معدل طيب -إن شاء الله-، وفي سنتين نكون انتهينا منه. سم. أو ثلاث. سم. عن أبي محمد الحسن بن علي سبط رسول الله ﷺ وريحانته ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ : ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) رواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. في الحديث الحادي عشر يقول النووي -رحمه الله تعالى- في هذا الكتاب المختصر النافع:

стр. 293

"عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب" الحسن بن علي بن أبي طالب "سبط رسول الله ﷺ " السبط ابن البنت، والحفيد ابن الابن، والسبط واحد الأسباط، وأسباط بني إسرائيل هم أولاد يعقوب ﵇، يقال لهم: الأسباط، فهم أولاد الأولاد، والمعروف أن الأسباط أولاد البنات، فيه مخالفة وإلا ما في؟ نعم، سبط رسول الله ابن بنت الرسول ﵊ فاطمة ﵂ وأرضاها-، وهذا هو المعروف في السبط في لغة العرب أنه ابن البنت، وقد يكون في اصطلاح من تقدم يشمل ابن البنت وابن الولد وابن الابن بدليل أن أسباط بني إسرائيل أولاد أولاد، ما هم بأولاد بنات، ولعل هذه التسميات التي لا يترتب على الاختلاف فيها أحكام شرعية الاصطلاح فيها واسع، ولا مشاحة في مثل هذا الاصطلاح؛ لأنه لا يترتب عليه حكم شرعي يتغير من اصطلاح إلى اصطلاح.

стр. 294

مثال ذلك: العم أخو الأب لا يجوز بحال أن نسميه خالاً، والخال أخو الأم لا يجوز بحال أن نسميه عماً، لماذا؟ لأنه يترتب عليه أحكام شرعية، لكن أبو الزوجة بعض المجتمعات تسميه عم، وبعض المجتمعات تسميه خال، ومثله أبو الزوج، يعني هل يلام من يسميه عم أو يلام من يسميه خال؟ نقول: لا مشاحة في الاصطلاح، هو أبو الزوج أبو الزوجة لا يترتب عليه تغير في الحكم الشرعي، هل يترتب عليه تغير حكم؟ هل يتأثر ميراثه إذا قلنا: عم وإلا خال؟ هو لن يرث على كل حال، لن يرث سواءً سميناه عماً أو خالاً، بخلاف العم أخي الأب، والخال أخي الأم فإنه لا يجوز بحال أن نسمي أحدهما باسم الآخر، وهذه القاعدة التي يطلقها أهل العلم أنه لا مشاحة في الاصطلاح يجب تقييدها، يعني إذا قال شخص: أنا أصطلح لنفسي أن الأرض فوق والسماء تحت، يوافق وإلا ما يوافق؟ يقال: لا مشاحة في الاصطلاح؟ نعم؟ لا، لا بد وأن يشاحح، ولا بد أن يرد عليه، إذا سمى الشمال جنوب والجنوب شمال، هذا تترتب عليه أحكام كثيرة، نقول: يشاحح في الاصطلاح، لكن في الخارطة مثلاً الناس مطبقون على أن الشمال فوق في الخارطة، والجنوب تحت، لو عكس صار الجنوب فوق والشمال تحت، من غير تغيير للواقع، قلب الخارطة وجعل الجنوب فوق، والشمال تحت، نقول: لا مشاحة في الاصطلاح، ما يترتب عليه شيء، ما يغير من الواقع شيء، وابن حوقل من أوائل الجغرافيين العرب عاكس الخارطة، عنده فوق الجنوب. على كل حال هذه القاعدة يجب تقييدها، وعندنا سبط رسول الله ﷺ هذا ابن البنت، كما هو واقعه ﵁ وأرضاه-.

стр. 295

"سبط رسول الله ﷺ وريحانته ﵄" ﵄ الضمير يعود على الحسن وأبيه؛ لأنه ذكر الأب، الحسن بن علي، لكن قد يقول قائل: إنه ذُكر أربعة محمد الابن، والحسن الأب، وعلي وأبو طالب، ذُكر أربعة، فالترضي يكون عمن؟ عن المسلم وغير المسلم لا يجوز الترضي عنه، ولا الترحم عليه، مع أن العرف عند أهل العلم أن الترضي إنما هو للصحابة، فعندنا من الصحابة اثنان الحسن وعلي، أبو طالب مات على الكفر -نسأل الله السلامة والعافية وحسن الختام- كما هو معروف في قصته في الصحيح، ومحمد ليس بصحابي، نعم يترحم عليه، كثيراً ما يقولون: "عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵄" يعني على سبيل التبعية لعبد الله بن عمرو. "﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ : ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) " وحفظ أحاديث كثيرة جداً، لكن أكثرها بواسطة؛ لأنه من صغار الصحابة، فكثير منها بواسطة، وإذا كان ابن عباس لم يثبت عنه أنه روى مباشرة عن النبي ﵊ إلا ما يقارب الأربعين حديثاً، وما عداه فبواسطة، فالحسن على قربه من النبي ﵊ مثله، الصغير لا يحضر كل مجلس، ولا يحفظ كل ما يسمع، ولا ينتبه لكل ما يقال، على كل حال هذا الحديث الذي معنا مما حفظه من النبي ﷺ . "قال: حفظت من رسول الله ﷺ قوله: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) " ((دع)) يعني اترك، والأمر مستعمل كما هنا، والمضارع مستعمل ((من لم يدع قول الزور)) والمصدر مستعمل ((لينتهين أقوام عن ودعهم)) والماضي منه أميت فلم يستعمل، ما استعمل الماضي من هذه المادة، ما في ودع بمعنى ترك، وقرئ في الشواذ: "ما ودعك ربك" لكنها قراءة شاذة، وأهل العلم ينصون على أن الماضي من هذه المادة قد أميت، واستعمل الأمر كما هنا ((دع ما يريبك)) اترك ما تشك فيه، و (ما) من صيغ العموم، كل شيء يريبك وتشك فيه دعه، بمعنى اتركه.

стр. 296

((يريبك)) من راب الثلاثي، وقد يقال: أراب يريب رباعياً إلى اترك هذا الشيء الذي ترتاب فيه، وتشك فيه إلى أمر أو إلى شيء لا تشك فيه، ولا ترتاب فيه، وهذا من أصعب الأمور على كثير من الناس، التخلي عن المشكوك فيه مع الحاجة إليه صعب على النفوس، مع أن البخاري ذكر عن حسان بن أبي سنان قال: ما رأيت شيئاً أهون من الورع، الورع سهل، ما رأيت شيئاً أهون من الورع ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) هذا الكلام من مثل حسان مقبول؛ لأن هذه منزلته، وعرف عنه الورع الشديد مع أن سفيان استغرب هذا الكلام، وهو سفيان الثوري من أئمة المسلمين ومن ساداتهم، ومن أزهد الناس وأورعهم، ومع ذلك يقول: كيف يقول حسان هذا الكلام؟ لكنها مقامات، بعض الناس يظن هذا الأمر ضرب من الخيال، يعني بعض الناس ما يستوعب مثل هذا الكلام؛ لأنه لا يستطيع ولا يتصور أن يحصل منه هذا الأمر، بعض الناس إذا سمع أن قراءة القرآن في سبع أمرها سهل جداً، قال: هذا ما هو بصحيح، هذا مستحيل، فضلاً عن أنه يقرأ القرآن في ثلاث وفي يوم، هذا شيء لا يطاق في عرف كثير من الناس؛ لأنه ما تعود هذا الأمر، ولا اطر نفسه على هذا العمل، يعني يتعجب بعض الناس من صيام بعض الناس النوافل في الصيف، وبعضهم يتعجب من قيام الليل في الليالي الشاتية الطويلة، ويرى أن هذا أمر لا يطاق، لكن المسألة كل له مقامه، والنبي ﵊ قام حتى تفطرت قدماه ﵊؛ لعلو مقامه ومنزلته ومكانه عند الله -جل وعلا-، وحسان بن أبي سنان يقول: ما رأيت شيئاً أهون من الورع، الكلام النظري سهل، ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) لكن المحك عند العمل، إذا وقع بيدك شيء أنت بحاجة إليه اختبر نفسك في هذا المقام، وليس الأمر خاص بأمر الدنيا، تجد متاع سيارة في كيفية عقدها شبهة ثم تتجاوز وتسكت لا، حتى عند بعض طلاب العلم يقع في يده الكتاب النفيس النادر فيكون في عقده شيء يبي يترك هذا الكتاب الذي وقع بيده بعد أن تعب عليه، وحرص عليه، وبحث عنه سنين؟! أو هذا يدع هذا البيت الذي ما صدق أنه يوقع العقد، هذه أمور يعني فيها منازعة في النفوس، وفيها مشادة، فيها جذب وأخذ ورد، لكن من يغلب نفسه وهواه هذا هو

стр. 297

السعيد، ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) أي شيء تشك فيه، أي شيء فيه أدنى شبهة أتركه، كما تقدم في حديث النعمان بن بشير: ((الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)) هكذا ينبغي لطالب العلم على وجه الخصوص، والمسلم عموماً أن يأطر نفسه على هذا الأمر، يبتعد عن الشبهات ليضع لنفسه سياجاً يأمن معه ارتكاب المحرمات، والنفس لا نهاية لها، وعرفنا في دروس مضت أن سلف هذه الأمة يتركون من الحلال الشيء الكثير؛ لأن النفس إذا ضرت على شيء تعودت عليه لا تطيق فراقه، فقد لا يحصل هذا الشيء الذي عود نفسه عليه من وجه حلال بين، ثم بعد ذلك يرتكب شبهة، يقول: الشبهة الحمد لله ما ارتكبنا حرام، لكن الشبهة تجره إلى الحرام، ((كالراعي حول الحمى)) فكل شيء يقربك من الحرام ابتعد عنه ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ [(١٨٧) سورة البقرة]. ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) من كل شيء، هذا ضابط، أي شيء تشك فيه اتركه، ولا تقدم على شيء إلا أن تجزم بأنه حلال، لا شبهة فيه ولا كراهية فضلاً عن أن يكون محرماً. بعض الناس يستفتي بعض من يتصدر للفتوى ويجيبه بكلام يوافق هواه ومع ذلك نفسه لا ترتاح لهذه الفتوى، ويقول: الحمد لله أفتاني من تبرأ الذمة بتقليده، ووين أروح أدور غير هذا؟ العامة عندهم مثل يقول: ضع بينك وبين النار مطوع، يعني اللي يفتيك خلاص أنت بذمته، صحيح أنت بذمته، وهو آثم إذا أفتاك بغير الحق، لكن مع ذلك ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) ((والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر ولو أفتاك الناس وأفتوك)) فإذا أفتاك بما يوافق هواك وفي نفسك شيء منه لم تقتنع به عليك أن تسأل غيره، عليك أن تسأل غير هذا الذي أفتاك.

стр. 298

نعود إلى حال حسان بن أبي سنان وهو يقول: ما رأيت شيئاً أهون من الورع، ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) هذا بالنسبة لأمور الآخرة، وما يتعلق بالثواب والعقاب ظاهر، لكنه من أشد الأمور على النفوس، ذكرنا أن سفيان استغرب هذا الكلام من حسان، لكن حسان بالمقام الذي يناسب مثل هذا الكلام، وقد يقوله قائل ومقامه دون، قد نقوله اتباعاً للنص، تسأل فتقول: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) هذا الأمر سهل، نعم في الكلام النظري سهل، لكن عند التطبيق من أصعب الأمور، يعني سهل على الإنسان أن يأتي إلى شخص مصاب ويصبره، ويقرأ عليه النصوص، لكن ماذا عنه نفسه لو أصيب؟ لو أصيب هو يستطيع أن يستحضر هذه النصوص ويصبر الصبر المطلوب؟ كثير من الناس لا يحتمل هذه الأمور، نعم عنده استعداد تام لتصبير غيره، ويظهر بمظهر هو من أرضى الناس بقدر الله، ثم إذا أصيب ظهرت النتيجة صفر؛ لأن الكلام النظري سهل، والتطبيق العملي هو المحك، يعني بعض الناس يأتي إلى مريض مريض سكري مثلاً، يقول: العلاج سهل اقبض يدك وأطلق رجلك، يعني لا تأكل كثيراً، وامش كثيراً، العلاج سهل، لكن خله يصاب هو وشوف، يعني يصاب بنهم شديد على كل ما له أثر في هذا المرض، وهذا مجرب عند المرضى كلهم، بعض من يصاب يستغفل أهله وزوجته وأولاده ويذهب إلى المستودع ويأكل مما يؤثر فيه، يصاب بنهم قد يكون قبل ذلك ليست الشهوة بمثل ما هي عليه الآن بعد المرض، فالعبرة بالتطبيق، بالعمل، أما الكلام النظري هذا أكثر الناس يحسنه، سهل، لكن ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) إذا قاله مثل حسان بن أبي سنان فمنزلته مثل ذلك، بل قيل عنه: إنه أرفع من ذلك، ﵀. هذا الحديث يدخل كسابقه ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)) يدخل في كل شيء، حتى جعلوه من الأحاديث الأربعة التي جاءت في نظم طاهر بن المفوز الذي ذكرناه في أول الحديث: عمدة الدين عندنا كلمات ... أربع من قول خير البرية هاه؟ اترك الشبهات وازهد ودع ما ... جج ليس يعنيك واعملن بنية

стр. 299

((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) يدخل في الاعتقادات نفياً وإثباتاً، فلا تثبت لله -جل وعلا- إلا ما تجزم بثبوته عنه، وما كان مشكوكاً فيه ولم يتفق عليه علماء هذه الأمة من سلفها وأئمتها فإنك لا تثبته لله -جل وعلا-، إذا أردت أن تصلي صلاة يختلف فيها أهل العلم من الصلوات الخاصة الذي جاء فيها بعض النصوص التي يختلف أهل العلم في ثبوتها ونفيها، صلاة التسابيح، صلاة الرغائب، صلاة كذا، صلاة كذا، لا تقدم على هذه العبادة إلا مع عدم الشك في ثبوتها؛ لئلا تتعبد لله -جل وعلا- بما لم يشرعه، أمور المعاملات ظاهرة، مثلما قلنا في المقتنيات من المآكل والمشارب والملابس والمساكن لا تقدم على شيء إلا في عقد صحيح تبرأ به الذمة، والعقود التي تشك في صحتها، وإن أفتاك من أفتاك بأنها صحيحة فإنك لا تقدم عليها امتثالاً لهذا الأمر؛ لأن فيها ما يريب. "رواه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح". الذي يليه. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) حديث حسن، رواه الترمذي وغيره. الحديث الثاني عشر: يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) حديث حسن، رواه الترمذي وغيره هكذا. يعني موصولاً عن أبي هريرة عن النبي ﵊، ورواه غيره مرسلاً. اختلف فيه العلماء في وصله وإرساله، لكن الترمذي حكم عليه بأنه حسن، والمؤلف أيضاً -رحمه الله تعالى- النووي حكم عليه بأنه حسن، وقال بعضهم بأنه مرسل، لا يثبت موصولاً، وعلى كل حال أقل أحواله الحسن، وصححه بعضهم بشواهده.

стр. 300

عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، يعني من كماله وتمامه، وهو محمول على ما لا يعنيه من المباحات، تركه ما لا يعنيه من المباحات، لا يتدخل فيما لا يعنيه، لا يتدخل في شئون غيره، لا يسأل عما لا حاجة له به، لا ينظر إلى ما لا يحتاج للنظر إليه، لا يستمع إلى ما لا يحتاج استماعه، ما لا ينفعه في دينه أو دنياه، وليس بحاجة لهذه الأمور؛ لأنها لا تعنيه، فمن تمام إسلامه وحسن إسلامه وكماله ألا ينظر إلى هذه الأمور. كثير من الناس مغرم بتتبع هذه الأمور التي لا تعنيه، بل فيها إضاعة لوقته وجهده واهتمامه، ولها آثار على قلبه؛ لأن هذه الأمور منافذ للقلب إذا تكلم فيما لا يعنيه، ونظر إلى ما لا يعنيه، واستمع إلى ما لا يعنيه، هذه المنافذ إلى القلب التي تورثه تشتتاً وعدم اجتماع، فيصاب بالغفلة، إذا أكثر النظر في الأمور التي لا تعنيه، وهو ماش في طريقه هذه العمارة ما شاء الله كم دور؟ ولمن؟ ولماذا فعلوا كذا؟ ولماذا كان اللون كذا؟ هذا لا يعنيك، اشتغل بما يعنيك، لو أنت قلت: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم بدلاً من هذا الفضول لكان أكمل لإسلامك، وأحفظ لقلبك، ومثله الاستماع، بعض الناس يحب سماع كل شيء، وإذا فاته شيء ماذا قال فلان؟ ماذا حصل؟ ماذا؟ بعضهم فضول النظر، وهذه الأمور هي التي تصيب القلب بالتشتت والغفلة عما يراد من الإنسان، فمنافذ القلب السمع والبصر، واللسان، فضول القول، فضول النظر، فضول الاستماع، فضول النوم، فضول الأكل، كل هذه الفضول الإنسان ليس بحاجة إليها، إنما يقتصر على ما يحتاج إليه، ويقتصر على ما يعنيه.

стр. 301

((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) قد يقول قائل -وقد قيل- في بعض الوسائل أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تدخل في شئون الغير، ويدخل في هذا الحديث ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) نقول: لا، هو مأمور به شرعاً فهو يعنيه، مأمور بالأمر بالمعروف فهو مما يعنيه، مأمور بالنهي عن المنكر فهو يعنيه، ولو تركه لأخل بواجب أوجبه الله عليه، فهو آثم بسببه على حسب قدرته واستطاعته، يعني يردد في الوسائل أن هذا الأمر والنهي تدخل في شئون الغير، فهو في الحقيقة لا يعنيه، نقول: لا، يعنيه، بل هو ملزم به شرعاً، ولذا طلب منه: ((من رأى منكم منكراً فليغيره)) هذا نقول: لا يعنيه؟ وهو مأمور به أمر صريح، ما هو باستنباط، أمر صريح ((فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه)) فهذا يعنيه، ولا يمكن أن يقال: إن هذا الأمر يعني ما لك دخل بالناس، هذه كلمة يرددها، ما عليك من الناس، كل يبي يدفن بقبره لحاله، لا، أنت تبي تسأل عن هذا المنكر الذي رأيته فلم تغيره؛ لأنك مأمور وداخل في عموم (من) ((من رأى منكم)) والمراد بالرؤية هنا أعم من البصرية، قيل لك: إن فلان ارتكب منكراً، أو يوجد منكر في المكان الفلاني تقول: هذا لا يعنيني، نقول: يعنيك؛ لأنك مأمور بالتغيير، تقول: أنا ما رأيت، والرسول يقول: ((من رأى)) نقول: لا، الرؤية هنا أعم من أن تكون بصرية، إذا بلغك بطريق صحيح فكأنك رأيت، والنبي ﵊ خوطب بالرؤية في أمور لم يرها؛ لأنها بلغته بما يثبت به الخبر: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ [(٦) سورة الفجر] ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [(١) سورة الفيل] ما رأى، لكنه بلغه بخبر قطعي كأنه رؤية، وإلا لو قلنا: إن ما جاء بالنصوص بلفظ الرؤية يقتصر على البصرية لقلنا: إن الأعمى لا يلزمه الأمر والنهي، ولا يلزمه الغسل إذا احتلم؛ لأنه لم ير المني "هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: ((نعم إذا هي رأت الماء)) طيب لو قدر أنها في ليل في ظلام، وجزمت يقيناً أن الماء قد خرج، أو جزم الأعمى، أو الرجل في الظلام أنه قد خرج منه الماء، نقول: لا، لا يغتسل؛ لأنه ما رأى

стр. 302

الماء، هل يمكن أن يقول بهذا أحد؟ ما يقول بهذا أحد. فالرؤية أعم من أن تكون بصرية، فإذا بلغك المنكر بمن يثبت بقوله الخبر عليك أن تنكر، نعم عليك أن تتثبت عليك أن تتريث لا تتعجل؛ لأن الأساليب الآن الكيدية تنوعت وتعددت، فيمكن أن يشاع خبر فإذا استعجل الإنسان في إنكاره خفت مصداقيته، ثم إذا تكرر منه ذلك صار كلامه وجوده مثل عدمه، فنقول: عليك أن تتثبت، فإذا ثبت لديك بما لا مجال فيه للشك، عليك أن تغير، عليك أن تنكر. ولو قلنا بأن مثل هذا لا يعني المسلم فأيضاً جميع أبواب الخير أيضاً المتعلقة بغيره إذا طردنا هذا قلنا: لا تعنيه، أمر فلان، أو أمر المجموعة من الطلاب لا يعنيك لماذا تعلمهم الخير؟ نفس الشيء، أنت في منعك إياه من مزاولة المنكر أنفع له من أن تعلمه العلم؛ لأنك تحول دونه ودون ما هو ضرر محض عليه، ومعلوم أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فأنت إذا رأيت عاصياً تبادر إلى إنكار المنكر قبل أن تسعى لتعليمه العلم، وحثه على طلب العلم، ثم إذا زال هذا المنكر تدعوه إلى أن يكمل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، يعني من حسن إسلام المرء، يعني من كماله وهذا قلنا أنه في المباحات، أما إذا كان في المحرمات أو في الواجبات فإنه من صميمه وصلبه، من صميم دينه، من صميم إسلامه تركه ما لا يعنيه في هذه الأمور المحرمة أو فعل أو ترك الواجبات، فإن هذا أمر ليس من كمال الإسلام، ولا من حسنه فقط، بل من صميمه من لبه، والله أعلم. وصلى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. نشوف بعض الأسئلة. هذا يقول: ظهرت في الآونة الأخيرة تُفرق بين طلاب العلم، أو تَفرق بين طلاب العلم، وأصبح كل فريق منهم يتعصب إما للشيخ أو لجماعة، وبعضهم يطعن في العلماء الذين عرف عنهم العلم والعمل، فما هو توجيهكم؟

стр. 303

على كل حال أعراض المسلمين كما قال ابن دقيق العيد: حفرة من حفر النار، حفرة من حفر النار، وما جاء في الغيبة من النصوص القطعية والنميمة ما جاء فيها معروف في نصوص الكتاب والسنة، ويبقى أن مثل هذا العلم أو مثل هذا الانشغال بالقيل والقال والوقوع في أعراض الناس، هذا علامة خذلان، علامة خذلان، يحرم طالب العلم من العلم والعمل، هذا مشاهد أن من اشتغل بهذه الأمور انصرف عنها وهي تدخل دخولاً أولياً في حديث الباب: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) هذا إذا كان الأمر مباح، أما إذا كان الأمر أشد من ذلك دخلت فيه الغيبة والنميمة وما أشبه ذلك، والوقيعة في الأعراض هذا أمره خطير جداً، حقوق الناس لا تقبل الغفران، بخلاف حقوق الله -جل وعلا-، إذا قصر الإنسان في حق الله فهو تحت المشيئة، لكن حقوق العباد لا بد من استيفائها، وهذا من التحريش الذي رضيه الشيطان بعد أن أيس أن يعبد في جزيرة العرب، فعلى طالب العلم أن يهتم بنفسه، وأن يهتم بتكميل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح. سؤاله الثاني يقول: حكم لبن الأتان؟ حكم لبن الأتان نجس لا يجوز شربه. يقول: ما الفرق بين المطعم والغذاء في قوله: ((ومطعمه حرام، وغذي بالحرام))؟ المطعم والمشرب هما الغذاء، فعطف الغذاء عليهما من باب عطف العام على الخاص. يقول: ما هو سبب خلاف أهل العلم في رفع اليدين عند دعاء الخطيب يوم الجمعة؟ وما الراجح في ذلك؟ الراجح أنه لا يرفع يديه لا الخطيب ولا المستمع إلا في الاستسقاء، إذا استسقى الخطيب في خطبة الجمعة يرفع يديه، ويرفع يديه أيضاً كل من يستمع إليه، أما إذا دعا بغير الاستسقاء فإنه لا يرفع، وقد أنكر الصحابي ﵁ على الخطيب الذي رفع يديه. يقول: يذكر بعض أهل العلم أن النووي تراجع عن عقيدته الأشعرية، وألف رسالة في هذا ستخرج قريباً؟

стр. 304

على كل حال النووي في كتبه كلها يقرر عقيدة الأشعرية، وحري به أن يرجع، لكن مع ذلك هو النووي -رحمة الله عليه- له من الحسنات الشيء الكثير، والذي يغلب على الظن من خلال مؤلفاته أن نفس الإخلاص فيه ظاهر، نفس الزهد والعبادة واضح، وعلى كل حال ليس هو بمعصوم، كونه خالف الاعتقاد هذه زلة عظيمة، وهفوة كبيرة، والذي نراه أنه مقلد في هذا الباب، ليس بمجتهد. استشكل الشيخ ابن عثيمين في كون السبط هو ابن البنت، في كون أخوة يوسف أنبياء، وهذا في تفسير آل عمران. على كل حال مثلما ذكرنا هم أولاد أولاد يعقوب، الأسباط أولاد يعقوب فكونه يطلق عليهم أسباط في شرع من قبلنا، ويطلق السبط في شرعنا أو في لغتنا، عندنا في لغة العرب يطلق هذا مجرد اصطلاح، ولا يمنع أن يختلف الاصطلاح من جيل إلى جيل. الأمر الثاني: كون أخوة يوسف أنبياء شيخ الإسلام يرى هذا الرأي أنهم أنبياء، والحافظ ابن كثير يقول: لم أقف على ما يدل على نبوتهم. يقول: هل يجب على المسلم أن يتحرى في أكله، ويسأل من يدعوه لوليمة مثلاً فيقول له: ما نوع هذا اللحم؟ أو من أي بلد هو؟ وهل ذبح على الطريقة الإسلامية؟ وكذلك مثل هذا في المطاعم؟ المسألة مسألة غلبة ظن، إذا كان الإنسان في بلاد مسلمين، والذي يغلب على الظن أن الذي يذبح مسلم، أو كتابي، فإذا غلب على ظنه ذلك فإنه لا يسأل، لكن إذا كان في بلد مختلط، وقد يتناول ما يذبحه غير المسلم لكثرة من يزاول ذلك في هذا البلد، أو ما يرد إلى هذا البلد على كل حال المسألة تبعاً لغلبة الظن. يقول: هل صحيح ما يقال: إن الحسن بن علي أفضل من الحسين ﵄؟ هو الأكبر، وقال النبي ﵊: ((إن ابني هذا سيد)) وعلى كل حال هما سيدا شباب أهل الجنة، ومنزلتهما من النبي ﵊ واحدة، وكل بعمله. يقول: يوجد معاملة في أحد البنوك ولا أدري عن حكمها، وهي أن الشخص يقول للبنك: أريد قرضاً، فيقول البنك: نحن نشتري أسهم بسعر وقدره تسعة وثلاثين ألف ونتملكها ثم نبيعها لك بسعر القسط وهو واحد وخمسين ألف، فهل هذا جائز؟ ومن وقع فيه ماذا عليه؟

стр. 305

المسالة مسألة تورق، والأسهم إذا كانت عروض تجارية يعني ما هي في وقت الاكتتاب قبل أن تكون عروض يشترى بهذه الدراهم التي اجتمعت من الاكتتاب، يشترى بها عروض، تباع وتشترى هذه العروض على أن السهم جزء مشاع من هذه الشركة إذا كانت الشركة نقية، والذي يفتى به جواز بيع وتداول هذه الأسهم، وإن كنت لست مرتاحاً لها. على كل حال إذا كانت من الأسهم النقية، وهي عبارة عن عروض تجارية تتداول فيها هذه الأسهم، والسهم جزء مشاع من هذه الشركة، فلا مانع من شرائه عند من يرتاح لمثل هذه الأمور، وإلا فالأسهم عندي كلها فيها ما فيها، أقل ما فيها الشبهة. المسألة تعود إلى مسألة التورق، مسألة التورق إذا جاء المحتاج لمبلغ من المال إلى شخص يملك هذا المال ولا يرضى أن يقرضه بغير زيادة، فإنه يبيع عليه سلعة وإن كان لا يحتاجها، وإنما يحتاج قيمتها لقضاء حاجته، فعامة أهل العلم على الجواز، يأتي إلى هذا التاجر وعنده هذه البضاعة يملكها ملكاً تاماًَ مستقراً فيبيعها عليه، ويقبضها قبضاً شرعياً معتبراً ثم يبيعها إلى طرف ثالث، هذه مسألة تورق جائزة عند عامة أهل العلم، وإن منعها ابن عباس وشيخ الإسلام ابن تيمية، لكن عامة أهل العلم على جوازها. يقول: حديث: ((دع ما يريبك)) بعض المؤسسات المصرفية استعملت هذا الحديث في الدعاية لها فهل يجوز لهم ذلك؟ العبرة بالواقع، إذا كان هذا المصرف ما فيه شبهات فليستعملوا هذا الحديث، وإذا كان عندهم شيء من الشبهات، وعندهم شيء مما يريب فهذا استهتار واستخفاف بالحديث. عمدة الدين عندنا كلمات ... أربع من قول خير البرية هذه الأحاديث: ((اتق الله حيثما كنت)) و ((ازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس)) اتق الله وازهد ودع ما ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) واعملن بنية ((إنما الأعمال بالنيات)). هذا يسال عن علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين. إذا بلغك الخبر الصادق الذي لا تشك فيه يقيناً هذا علم اليقين، وإذا رأيت ما بلغك عنه بالخبر صار عين اليقين، وإذا استعملته إضافة إلى رؤيته صار حق اليقين.

стр. 306

يمثلون بالعسل إذا جاءك جمع من الناس يستحيل تواطئهم على الكذب وقالوا: إن العسل موجود في الأسواق هذا علم اليقين، ثم إذا ذهبت بنفسك إلى السوق ورأيته صار علم اليقين، فإذا لعقته وطعمته صار حق اليقين. يقول: ما معنى قول المتكلمين: النظر والقصد إلى النظر والشك؟ يعني الخلاف في أول واجب على المكلف، يعني المعروف عند أهل الحق أن أول واجب النطق بالشهادتين ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)) هذا أول واجب على المكلف، وبهما يدخل في الإسلام، المتكلمون يقولون: أول واجب النظر، أن تنظر في الدلائل التي تستدل بها وتتوصل إلى وجود الله -جل وعلا-، ولأنه هو الخالق، وأنه هو الرب المعبود، يعني ليست أدلة شرعية، أدلة عقلية وكونية، النظر في هذه الأدلة أو القصد إلى النظر الذي هو وسيلة النظر، ومنهم من يقول: قبل ذلك أن تشك فتكون المعبودات عندك على حد سواء، ثم بعد ذلك تؤسس وتنظر في الإله الحق، وهذا كله باطل، ليس عليه دليل، ولا أثارة من علم. شخص مذنب على نفسه وأهله وعمره ثلاثون عاماً ما نصيحتكم له؟ ويبدو أنه قد أيس من الدنيا والدين نسأل الله العافية؟

стр. 307

لا، لا، المجال مفتوح، التوبة مقبولة قبل أن يغرغر، وقبل أن تطلع الشمس من مغربها، وإذا تاب توبة نصوحاً بشروطها المعروفة عند أهل العلم فإن الله يتوب عليه، والتوبة تهدم ما كان قبلها، بل الأمر أعظم من ذلك، يتصور هذا الإنسان المسرف على نفسه أن السيئات التي ارتكبها وزاولها تقلب له حسنات، تبدل له حسنات، ومن الذي يحول بينه وبين ربه، وأي أمل أعظم من هذا، لا يكفي أن تهدم سيئاته، وإنما تبدل سيئاته حسنات، هذا الإسراف في هذه المدة التي زاول فيها هذه المعاصي تبدل سيئاته حسنات بالنص، حتى أن رأي شيخ الإسلام ﵀ أن هذه الحسنات المنقلبة عن سيئات تضاعف، الحسنة بعشر أمثالها، فضل الله واسع، وإن كان المترجح أن البدل له حكم المبدل، وأن الحسنة حسنة واحدة؛ لأنها منقلبة عن سيئة، والسيئات لا تضاعف، والبدل له حكم المبدل، وبهذا ننفصل عن السؤال والإشكال الذي يورده بعضهم، يورد بعضهم إشكال حول تبديل السيئات حسنات، وأنه إذا افترضنا أن شخصين في السبعين من العمر، أو الثمانين أحدهما نشأ شاباً في طاعة الله، مقبلاً على ربه، عبادة ربه منذ أن وجد إلى أن بلغ الثمانين، وأعماله كلها طاعات لازمة ومتعدية، والثاني بلغ من العمر الثمانين وهو مسرف على نفسه في المعاصي والجرائم والكبائر والسيئات، ثم تاب لما بلغ الثمانين، قد يقول قائل: إذا كانت سيئات هذا الرجل العاصي المسرف أعماله السيئة ونشاطه فيها أكثر مما عمله ذلك من الحسنات، قد يكون أفضل منه، على كلام شيخ الإسلام، لو افترضنا أن عنده في خلال هذه الثمانين سنة مليون سيئة، والثاني عنده مليون حسنة، تاب هذا عن هذه المليون السيئة، وصارت عشر ملايين حسنة أقل شيء، ضوعفت، صارت حسنات ثم ضوعفت، صار أفضل من الثاني الذي نشأ في عبادة الله إلى الثمانين، والعدل الإلهي وعموم الشريعة ونصوصها وقواعدها لا يأتي بمثل هذا؛ لأن الشرع مدح من نشأ في طاعة الله، وقلبه معلق في المساجد، وجاء نصوص كثيرة في هذا الأمر، بينما هذا الشخص الذي نشأ على الشر والفساد وطيلة عمره، إذا قلنا: إن حسناته المبدلة من سيئات لا تضاعف، وحسنات الآخر مضاعفة انفصلنا عن هذا الإشكال، والقاعدة أن البدل له حكم المبدل.

стр. 308

يقول: رجل أراد العمرة لكن لم يحرم من الميقات ماذا عليه؟ أهل العلم يلزمونه بأنه ترك نسك عليه دم، وهذا هو القول الوسط في المسألة، يعني خلاف قول سعيد بن المسيب الذي يقول: لا شيء عليه، وقول سعيد بن جبير الذي يقول: لا حج له، المسألة بين هذين القولين قول جمهور أهل العلم أنه ترك نسكاً فعليه أن يريق دماً. هذا يقول: أعتقد بقول أهل السنة والجماعة في القدر، ولكن عندما يحاجني البعض من الناس على أن الله قدر كل شيء. ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [(٤٩) سورة القمر] قدر المقادير قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة. ولكن عندما يحاجني البعض من الناس على أن الله قدر كل شيء حتى قدر مصائر الناس في الجنة والنار، وأنه تعالى أعطى العبد المشيئة، ولكن مع ذلك لا يشاء العبد إلا تبعاً لمشيئة الله، فكيف يكون الجواب؟ إذا النهاية أن الأمر بيد الله، ولا يكون شيء إلا ما كتبه الله. الصحابة سألوا النبي ﵊ إذا كان كل شيء مقدر فلما العمل؟ فقال: ((أعملوا فكل ميسر لما خلق له)) وأنت حينما تحكم على نفسك بأنك محكوم عليك ومقدر عليك ومفروغ من أمرك، والله جعل لك مشيئة واختيار، هداك الطريقين، هداك السبيلين، هداك النجدين، وأنت حر ومختار، نعم لن تخرج عن قدر الله بحال، لكن لك أن تختار لنفسك أن تصلي أو لا تصلي، يعني إذا سمعت المؤذن هل في أحد يمنعك أن تقوم وتتوضأ وتذهب إلى المسجد وتصلي؟ فأنت إذا فعلت ذلك فأنت اخترت طريق الهدى، وإن قلت: إنه مكتوب علي في القدر في الأزل، لماذا أفعل؟ لماذا أصلي وأنا مكتوب علي ومقدر علي؟ قلت: أنت اخترت الطريق الثاني، طريق النار -نسأل الله السلامة والعافية-، فالله -جل وعلا- قدر عليك، لكن هداك النجدين، وأعطاك حرية تستطيع أن تزاول بها ما كلفت به، فعليك أن تفعل ما أمرت به، وما وراء ذلك اتركه لله -جل وعلا-، واحرص أن تكون ممن كتبت له الهداية، والطريق واضح، السبيل ظاهر. يقول: في حديث عمارة بن رؤيبة الذي أنكر رفع اليدين، وقال: إن النبي ﵊ لم يثبت عنه إلا رفع الأصبع عند الدعاء. نعم ثبت عنه ﵊ أنه كان يحرك أصبعه يدعو بها.

стр. 309

أنه يسن للخطيب رفع أصبعه عند الدعاء في الخطبة، وهل يقال مثل ذلك في حق المستمع؟ على كل حال المستمع عليه أن يستمع، عليه أن ينصت، وإذا رفع حرك أصبعه لا يضره -إن شاء الله تعالى-. يقول: كيف أنكر على أمر لم أره، ولا أستطيع أن أغيره؛ لعدم القرب والمباشرة؟ إذا لم تره ولم يبلغك بطريق صحيح لا يلزمك إنكاره، لكن إذا رأيته سواءً كان ببصرك أو بعلمك الذي لا تشك فيه فأنت داخل في حديث: ((من رأى منكم منكراً فليغيره)) وكونك بعيداً عنه لا يمنع أن تنكره بوسيلة مناسبة، ولو بالاتصال الهاتفي، أو برسالة، أو ما أشبه ذلك. يقول: رأينا بعض العلماء يخرج في المساجد وفي القنوات الفضائية كث اللحية، ولا يأخذ منها شيء، ثم ما يلبث إلا وقد أخذ منها شيئاً فشيئاً مع العلم أن هذه الظاهرة تتزايد فما السبب؟ على كل حال يوجد من يفتي بالقص والأخذ من اللحية مستدلاً بما ذكر عن بعض الصحابة كابن عمر وأبي هريرة وغيرهما، وعدوا من الصحابة بضعة عشر، لكن العبرة بما ثبت عن النبي ﵊، فهو القدوة وهو الأسوة، وتعرف قراءته من خلفه باضطراب لحيته، وجاء في وصفه ﵊ أنه كث اللحية، وجاء الأمر بإعفاء اللحية، توفير اللحى، وإكرام اللحى، فكيف يعارض قوله وفعله بقول غيره أو فعله؟! وما من مسألة من مسائل الدين إلا ويوجد من الصحابة -إلا ما ندر الأمور المجمع عليها إلا ما ندر- إلا ويوجد من الصحابة من لم يبلغه الخبر فتجده يخالف؛ لأنه لم يبلغه الخبر، أو بلغه الخبر لكنه تأول كابن عمر، ابن عمر حينما أخذ من لحيته في النسك خاصة متأولاً ما جاء في آية الفتح: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [(٢٧) سورة الفتح] فإذا حلق رأسه وهو يرى الجمع بينهما فماذا بقي للتقصير؟ ما بقي إلا اللحية، فإذا كان هذا تأويله فكيف يقتدى به باستمرار يعني في كل مناسبة وفي كل .. ؟! ويجعل هذا هو الأصل مع أن ما جاء عن النبي ﵊ من فعله وقوله صريح وواضح.

стр. 310

يعني جاء مسائل لا يقول بها إلا أهل البدع، وذكر عن بعض الصحابة أنه كان يفعلها، يعني حينما يذكر عن ابن عباس أنه يرى المتعة مع أنه ثبت عنه الرجوع، هل نقول: إن المتعة حلال لأن ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن يقول بها؟ وعمر يقول: لا أوتى بناكح المتعة إلا جلدته الحد، يعني ما من مسألة من المسائل إلا ويوجد من يخالف فيها، فهل العبرة بالمخالف أو العبرة بالأصل القدوة والأسوة النبي ﵊؟ والله المستعان، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 311

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شرح الأربعين النووية (١١) شرح حديث رقم: (١٣ - ١٤ - ١٥ - ١٦) الشيخ: عبد الكريم الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذا يقول: ذكر بعض الشراح أن الطيب من أسماء الله استدلالاً بهذا الحديث فما مأخذ استدلاله؟ ذكرنا أن هذا قول لبعض أهل العلم، وأن من أهل العلم من ذكره في الأسماء الحسنى، ومنهم من يقول: إن هذا جاء على سبيل الإخبار، ولا تثبت التسمية بخبر ما لم ينص على أنه اسم؛ لأن دائرة الأخبار أوسع، والأمر في هذا فيه سعة -إن شاء الله-. يقول: توجد خاصية في أجهزة الحاسب الآلي توفر لك البحث عن شبكات الاتصال في الإنترنت، وبعض الناس إذا بحث عن الشبكات ربما يحصل عليها من جيرانه، أو ممن يستخدمون الإنترنت ممن هم قريبون منه، يقول: هل يجوز أن أستخدم هذه الشبكة وأتصل منها بالإنترنت بدون علم صاحبها الأساسي، وبعضهم يقول: إن صاحبها لم يضع الرقم السري للشبكة مما يعني أنه موافق لمن يبحث عن الشبكات أن يستفيد منها، ولكن هو لا يعلم هل أحد استفاد من شبكته؟ هل هذا الفعل يعتبر من التعدي على مال المسلم؟ على كل حال إذا كان المشترِك الذي دفع المال للاشتراك يستخدمها في الخير، ويتضرر من استخدامك لاشتراكه فهذا لا يجوز، أما إذا كان يستخدم هذا الاشتراك في غير الخير فلا مانع من مزاحمته حينئذٍ، وتقليل الشر بالنسبة له، ولو تضرر بذلك، هذا إن كان يستعملها في غير الخير، وإذا كان لا يتضرر بذلك فالأمر فيه سعة -إن شاء الله-. نعم يقول: ذكر بعض الشراح أن تشديد الذال في غذي غلط مع أنها وردت في المصابيح مشددة فما الصواب في ذلك؟ هل وردت في المصابيح قال: بتشديد الذال المعجمة، أو ضبطت بالشكل وعليها شدة؟ الشراح قاطبة يقولون: بالتخفيف. هذا يقول: نود توجيه كلمة عن الإجازة وما ينبغي للإنسان أن يعمل فيها؟

стр. 312

الإجازة كما هو معلوم نوع من الفراغ بالنسبة للارتباط الرسمي، والفراغ من نعم الله -جل وعلا- للإنسان، وكثير من الناس مغبون في هذه النعمة بحيث تضيع أوقاته سدى ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ)) هذا الفراغ من الارتباط الرسمي الذي يوفر لك الوقت؛ لتتقرب إلى الله -جل وعلا- بما ينفعك في دينك ودنياك، فالعاقل الذي عرف حقيقة هذه الدنيا، وعرفة حقيقة عمر الإنسان، وأنه دقائق وثوان تتصرم شيئاً فشيئاً إلى أن يقال: فلان مات، فماذا قدم في هذه الدقائق وهذه الثواني؟ غراس الجنة التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، لا يكلفه شيئاً، كل جملة سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر شجرة في الجنة، هذا بدلاً من أن تمكث السنين في انتظار هذه الشجرة لتثمر من شجر الدنيا التي قد تثمر وقد لا تثمر، سبحان الله شجرة، مضمونة، ((الجنة قيعان، وغراسها التسبيح والتحميد والتهليل)) هذا لا يكلف شيء، فكثير من الناس مغبون تضيع هذه الأوقات دون أن يستغلها فيما يرضي الله ويقربه إليه، طالب العلم عليه أن يرتب هذا الوقت من صلاة الفجر إلى قدوم النوم في المساء، يقسم هذا الوقت على حسب الفنون والعلوم، ويحفظ ما يستطيع حفظه ويقرأ من الكتب ما يستطيع، ويحضر من الدروس ما يقدر عليه، ويضيف إلى ذلك الأعمال الأخرى من نوافل الصيام والصلاة والصدقة والبر والصلة وعيادة المرضى، وتشييع الجنائز وغير ذلك، قد يقول قائل: الوقت لا يستوعب، نقول: الوقت يستوعب، والموفق من وفقه الله -جل وعلا- لاستغلال وقته، والله المستعان. يقول: قوله: ((ما لا يعنيه)) هل يشمل الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات؟ أو مقيد بالكلام لرواية: ((من حسن إسلام المرء قلة الكلام بما لا يعنيه))؟ يعني التنصيص على الكلام لا ينفي ما عداه؛ لأنه فرد من أفراد (ما) التي هي للعموم، ما لا يعنيه من أي شيء، ينصرف عنه، ويهتم بما ينفعه، التنصيص على الكلام لأهميته، التنصيص على بعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص. يقول: هل المضاعفة فيما زاد على العشر حسنات لا يكون إلا لمن حسن إسلامه كما في رواية مسلم؟

стр. 313

نعم المضاعفة إلى العشر لكل مسلم، ويبقى أن المضاعفات الكثيرة على حسب قوة الإيمان، وصدق اليقين وصحة العمل وحسن الإسلام، إلى سبعمائة ضعف، وجاء في خبر مخرج في المسند وغيره، وهو مضعف عند أهل العلم، لكن أهل العلم يتداولونه في مثل هذا الباب يقولون: "إن الله ليضاعف لبعض عباده الحسنة إلى ألفي ألف حسنة" مليوني حسنة، فضل الله لا يحد، والحديث ضعيف. هذا من بريطانيا يقول: يكثر عندنا تربية القطط في البيوت، فما حكم إطعامها من لحوم الميتة؟ أولاً: تربية القطط معروف أن لها وعليها، تنجس الأماكن وهي من الطوافين يحسن إليها بلا شك، وتأكل الحشرات المؤذية فلها وعليها، يبقى أن الأصل في مثل هذا الجواز، لكنها لا تباع ولا تشترى، لا يدفع فيها الأموال، وقد نهى عن ثمن السنور، وأما إطعامها للميتة فلا مانع منه؛ لأنها تأكل ما لا يجوز أكله من غير نكير، تأكل الفئران، وهو في حكم الميتة. وهذا من أمريكا يقول: جاري مشترك في إنترنت لا سلكي وبثه يصل إلى جهازي فهل يجوز لي أن أستخدمه من غير إذنه؟ هذا تقدم الجواب عليه. سم. الحمد لله، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، أما بعد: عن أبي حمزة أنس بن مالك ﵁ خادم رسول الله ﷺ عن النبي ﷺ قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) رواه البخاري ومسلم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث الثالث عشر: "عن أبي حمزة" هذه كنية أنس بن مالك، خادم النبي ﵊، لما قدم النبي ﵊ المدينة، وكان عمر أنس في ذلك الوقت عشر سنين، جاءت به أمه إلى النبي ﵊ وقالت: إن ابني هذا يريد أن يخدمك، فخدم النبي ﵊ عشر سنين إلى وفاته ﵊، وكان سنه عند وفاة النبي ﵊ عشرين سنة، عشر وعشر، استفاد من قربه من النبي ﵊ ما لم يفده غيره، وإن لم يحفظ عنه ﵊ مثل ما حفظ أبو هريرة.

стр. 314

على كل حال النبي ﵊ قاسم والله المعطي، ومع ذلك دعا له النبي ﵊ بكثرة المال والولد والبركة، فبورك له في ذلك كله، فطال عمره إلى سنة ثلاث وتسعين من الهجرة، ومات عن مائة وثلاث سنين، مناقبه وفضائله لا تكاد تحصى، على كل حال هو خادم النبي ﵊ له هذه المزية، وهذه المنقبة يشاركه بعض الصحابة في شيء من الخدمة، لكنه متفرغ لخدمة النبي ﵊. "عن النبي ﷺ قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) رواه البخاري ومسلم" ((لا يؤمن)) الأصل في النفي نفي حقيقة الشيء، لكن النفي هنا لا ينفي حقيقة الإيمان، ولا أصل الإيمان، إنما ينفي كمال الإيمان الواجب، كما يقول أهل العلم، بدليل أن من لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه أنه لا يخرج بذلك عن دائرة الإيمان بل هو مؤمن، ولا يخرج بذلك عن دائرة الإسلام بل هو مسلم، لكنه ارتكب هذا الإثم، وهذا الذنب ونقص من إيمانه بقدر ذلك، فالمنفي هو كمال الإيمان. ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب)) فيصل إلى هذه الغاية، لا يكمل الإيمان حتى يصل إلى هذه الغاية مع غايات أخرى جاء فيها نفي كمال الإيمان، حتى يصل إليها، ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه)) ((والله لا يؤمن، والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه)) الأحاديث في هذا كثيرة دليل على أن هذه من فروع الإيمان، ومن شعب الإيمان، لا تؤثر في أصل الإيمان وارتفاع أصل الإيمان، وإنما تؤثر في كماله وتخدش في تمامه.

стр. 315

((حتى يحب لأخيه)) لأخيه المسلم ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [(١٠) سورة الحجرات] يحب للمسلمين، ومنهم من يقول، من أهل العلم من يرى أن هذا اللفظ يتناول جميع الناس، المسلم وغير المسلم؛ لأنه مفرد مضاف فيعم، نعم هو يعم جميع الإخوة، لكن من أهل العلم من يرى أنه يعم جميع الجنس، فيحب للكافر أن يسلم، ولا شك أن هذا مطلوب، هذه وظيفة الرسل، ووظيفة أتباعهم، الدعوة إلى الإسلام لإنقاذ البشرية من الضلال إلى الهدى، من النار إلى الجنة هذا مطلوب، لكن هل يدخل في هذا الحديث أو يدل عليه نصوص أخرى؟ هذا الكلام، وإلا كونه مطلوب مطلوب ((لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من)) إيش؟ من يضبطها لنا؟ طالب:. . . . . . . . . حُمُر كذا؟ حُمُر جمع حمار، حُمْر جمع أحمر وحمراء، يعني غالية عند أهلها، والنعم جمع بهيمة الأنعام، نعم؟ طالب:. . . . . . . . . هاه؟ طالب:. . . . . . . . . الميم ساكنة حمْر. طالب:. . . . . . . . . نعم صحيح. فهذا مطلوب أن تسعى لإنقاذ غير المسلمين من الكفر؛ لتكسب الأجور العظيمة، وهم أيضاً تكون رحمة لهم، كما بعث النبي ﵊ رحمة للعالمين، فهذا مطلوب، ومطلوب أيضاً إنقاذ المسلم من المخالفات التي تعرضه للعقوبة في الدنيا والآخرة، تحب لأخيك المسلم، تحب لأخيك في النسب، تحب لأخيك فيما هو أعم من ذلك، وإن كان الحصر في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [(١٠) سورة الحجرات] يدل على أن غير المسلم ليس بأخ لك ولو كان ابناً لأمك وأبيك.

стр. 316

((حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) يحب لأخيه ما يحب لنفسه من أمور الدين والدنيا، يحب لأخيه ما يحبه لنفسه، إذاً طلب المنافسة والمسابقة والمسارعة ألا تقتضي أن تحب لنفسك أكثر مما تحب لأخيك؟ لأنك إذا أحببت لأخيك نظير ما تحبه لنفسك أين المنافسة؟ أين المسابقة؟ مسابقة مفاعلة من طرفين، كل واحد يحرص على أن يسبق الآخر، ومقتضى ذلك أن تحرص على أن تسبق أخاك ﴿وَسَارِعُواْ﴾ [(١٣٣) سورة آل عمران] ﴿سَابِقُوا﴾ [(٢١) سورة الحديد] فأنت من خلال هذه الأوامر بالمسارعة والمسابقة مطلوب منك أن تسبق أخاك، وأن تسرع إلى الخير قبل أخيك، هذا مقتضى المسارعة والمسابقة، ومن لازم ذلك أن تحرص على أن تسبقه وأن تصل إلى الخير قبله، هل فيه ما يضاد هذا الحديث أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه؟ يعني مقتضى المسابقة مقتضى المسارعة يعني مقتضى المسابقة أن تسبقه بالخير، وتحرص على سبقه، ومن لازم ذلك أن يكون دونك في هذه المسابقة، ومقتضى المسارعة أن تصل إلى الخير قبله، ومن لازم ذلك ومن مفهومه أن يتأخر عنك، فأنت مأمور بتحقيق هذه الأوامر، ومن لازمها أن تتقدم عليه، وأن يتأخر عنك، فهل في هذا ما يعارض ما يدل عليه الحديث؟ في وإلا ما في؟ طالب: لا يعارضه. كيف؟ طالب:. . . . . . . . . أنت ما أنت مطالب بالمسابقة؟ ومن لازم هذا الطلب أن تحقق السرعة وتحقق السبق، وتحرص على السبق، ومن لازمه أن يتأخر أخوك عنك، يعني إذا قيل لك: سارع وسابق هل تتمنى أن يسبقك أخوك؟ طالب: لا أتمنى. أو يسير معك؟ طالب: أن أتقدم عليه. إذاً هو يتأخر عنك. طالب:. . . . . . . . . نعم؟ طالب:. . . . . . . . . ما أسمعك. طالب:. . . . . . . . . فرق؟ طالب:. . . . . . . . . إيه. طالب:. . . . . . . . . نعم؟ طالب:. . . . . . . . . نافس أبا بكر نعم، نافس أبا بكر فجاء أبو بكر بجميع ماله وجاء عمر بنصف ماله، هذه منافسة ومسابقة ومسارعة في الخير، نعم؟ طالب:. . . . . . . . . والله يا الإخوان الظاهر أن البلاء بي، ما أسمع. طالب:. . . . . . . . .

стр. 317

المنافسة مطلوبة، المسابقة مطلوبة، المسارعة مطلوبة، لكن هل من لازم هذه المنافسة ومن لازم هذه المسابقة ومن لازم هذه المسارعة أن تحرص على أن تسبقه وتحرص على أن تصل إلى الهدف قبله، وأن تقدم أكثر مما قدم فيتأخر عنك؟ طالب: نعم يتقدم وأنا أتقدم، لكن لا يلزم أن يكون هو ... أن يتأخر عني، قد يتقدم عني. ويش لازم السبق؟ طالب: كلها النية. ويش لازم السبق؟ أن تسبقه، ويش المفهوم من أن تسبقه؟ طالب: المسابقة والمسارعة في العمل. أن يتأخر عنك، ما يفهم منه أن يتأخر عنك؟ طالب: لا. لا، مسابقة مسارعة، ويش معنى السبق؟ طالب: قد يسبق أحياناً، وقد أسبق أنا، قد تكون نيته هو تختلف عن نيتي، فهنا النية داخلة دخول أولي في العمل. يعني لا تتأثر إن وصل إلى الهدف قبلك؟ طالب: لا، في الخيرات؟ إيه. طالب: هذا يدعوني إلى التنافس والمسارعة. نعم؟ طالب:. . . . . . . . . لا، يعني ما يلزم منها المشاحنة، ولا حسد، ولا شيء، هي مسألة حث على المبادرة إلى الخيرات، والمسارعة والمنافسة والمسابقة تكون بين طرفين فأكثر، ووجد شيء من هذا في الواقع العملي لبعض السلف، يتنافسون في صيام الهواجر، في قيام الليل، في التلاوة، وفي غيرها من أجل أن تشحذ الهمم؛ لئلا يسبق إلى الخيرات، على كل حال الحديث محكم، وإن كان أيضاً ثقيل على كثير من النفوس، يعني كثير من النفوس مثل هذا الأمر في غاية الصعوبة الحقيقة، تحب لأخيك ما تحب لنفسك، هذا ثقيل على كثير من النفوس لا سيما التي فيها شيء من الدخل والتخليط، أما النفوس والقلوب السليمة فإن هذا أمر يسير عليها، يعني لا يضيرك، بل تفرح بما يحصل لأخيك المسلم مما تفرح به لنفسك، وبعض القلوب التي فيها دخل، وفيها دخن، وفيها دغل هذه يسوءها ما يسر غيره من الناس، ولا شك أن هذا ضرب من الحسد المذموم الذي جاءت النصوص بذمه. ((حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) الطالب، طالب العلم يعني في الدراسات المعروفة التي فيها الترتيب على حسب المكتسب من العلم، الذي ترتيبه الأول هل يتمنى لجميع زملائه ويحب لجميع زملائه أن يكون كل واحد منهم الأول؟ الأول مكرر؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 318

نعم إذا كان طلبه للعلم لله، ولا يرجو من وراء ذلك أمر دنيوي، قد يتمنى هذا، إذا كان قلبه سليماً، وطلبه للعلم خالص لله يتمنى ذلك؛ لأن هذا مما يقربه إلى الله -جل وعلا-، وهذا مقصد عنده، لكن إذا كانت المنافسة من أجل الدنيا، تمنى أن يكون الأول على دفعته من أجل أن يحقق من أغراض الدنيا قبل الثاني وقبل الثالث، إذا كانت المسألة دنيوية فيتصور مثل هذا، وقد يغفل الإنسان، وقد لا يكون له هدف لا دنيا ولا آخرة ويحب أن يكون الأول ويتقدم على غيره بناءً على ما جبل عليه الإنسان من حب للشرف، لكن على المسلم لا سيما طالب العلم ألا يغفل عن هذه الحديث؛ لأنه لو غفل عنه وقع في المخالفة شعر أو لم يشعر. ولا شك أن هذه منزلة عالية، كون الإنسان يصل على هذا الحد، وأن الخير يصل إليه، أو يصل إلى غيره من المسلمين على حد سواء، هذه مرتبة عليا، صعبة على كثير من الناس، ولا تتحملها كثير من النفوس، لكن مع ذلك إذا ربى الإنسان قلبه على التوجيهات الإلهية والتربية النبوية لا شك أنه لا يهتم بمثل هذا، بل يفرح بما يحصل لأخيه من الخير كما يفرح به لنفسه، ويسوؤه ما يحصل لأخيه من السوء ما يسوؤه إذا حصل له بنفسه. ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) (ما) من صيغ العموم، كل ما يحبه لنفسه يحبه لأخيه.

стр. 319

الأصل في المسلم المؤمن الذي يفهم من قوله: ((لا يؤمن)) أنه لا يحب إلا الخير، ويكره الشر، لكن قد يوجد عند بعض المسلمين من المخالفات التي وصل به الأمر إلى أن يحبها، يحب بعض المحرمات، فهل مثل هذا يدخل في الحديث ((ما يحب لنفسه)) يحب هذا المحرم، يحب شرب الخمر مثلاً فهل نقول: إنه لا يؤمن حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من هذا المحرم؟ لا؛ لأن الأصل في المسلم والمؤمن الذي يفهم من ((لا يؤمن)) أنه لا يحب إلا ما يقربه إلى الله -جل وعلا-، وعليه أن يبغض ما يبعده من الله -جل وعلا-، فهو وإن أحب بعض المحرمات وبعض المنكرات، وبعض المظاهر المخالفة للشرع، فإن هذه المحبة ليست شرعية، فلا تدخل في الحديث، هناك بعض الأمور المباحة، يحبها بعض الناس، ويغرم بها، كمحبة بعض متع الدنيا، هذا مفتون بالإبل، وهذا مفتون بالغنم، وهذا مفتون بالبقر، وهذا بالسيارات، وهذا كذا، هل مما يدخل في هذا الحديث أنك إذا كنت تحب السيارات الفاخرة أن تحب لجميع المسلمين أن يركبوها، أو يلبسوا أفخر الثياب، أو يأكلوا أطيب المطاعم؟ أو أنت تحب الإبل تتمنى لجميع المسلمين مثل ما تحبه لنفسك من أن يكون عندهم إبل؟ المقصود أن تحب له ما يقربه إلى الله -جل وعلا-، وتكره له كل ما يسوؤه، كل ما يسوؤه تكرهه له. سم. عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)) رواه البخاري ومسلم. عن إيش؟ عن أبي مسعود؟ طالب: ابن مسعود. الصحابي. طالب: ابن مسعود. ابن؟ طالب: إيه. وإلا أبي مسعود؟ طالب: أبو مسعود. ابن مسعود وإلا أبي مسعود؟ طالب: ابن مسعود.

стр. 320

نعم هذا الحديث يقول الرسول ﵊: ((لا يحل دم امرئ مسلم)) ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم)) المسلم معصوم الدم، إذا دخل في الإسلام بالنطق بالشهادتين صار معصوم الدم والمال، لا يجوز أن يعتدى عليه لا على دمه ولا على ماله ولا على عرضه، فهو معصوم الدم والمال والعرض إلا بحقها، ومن حقها ما ذكر في هذا الحديث: ((لا يحل)) لا يباح دم المسلم ((دم امرئ)) ومثله المرأة؛ لأنها تدخل في خطاب الرجال، قد يقول قائل: لا يحل دم امرئ ذكر، لكن ماذا عن المرأة؟ ما قال: لا يحل دم امرأة، المرأة تدخل في خطاب الرجال، فهي مثله لا يحل دمها إلا بإحدى هذه الثلاث، يعني خصال، أولاها: الثيب الزاني، الثيب الزاني حكمه الرجم، والمراد بالثيب من وطئ في نكاح صحيح، ومن وطئ في نكاح صحيح هذا ثيب، ولو لم يطأ إلا مرة واحدة، بخلاف من وطئ بنكاح باطل، فإن هذا بكر ولو تكرر منه ذلك، لا بد من الوطء، وأن يكون في نكاح صحيح؛ ليكون ثيباً رجلاً كان أو امرأة، ((الثيب بالثيب جلد مائة والرجم)) "والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة" في القرآن المنسوخ لفظه، وحديث عبادة في الصحيح: ((خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)) فالرجم ثابت في الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم، فإذا زنا الثيب الذي وطئ في نكاح صحيح سواءً كان امرأة أو رجلاً، فإن حده الرجم، يرجم بالحجارة المتوسطة حتى يموت، ولا يقتل بغير الرجم، لا بسيف ولا بمسدس ولا بغيره، ولا بخنق ولا غرق، ولا شيء، ولا بإحراق، إنما يرجم بالحجارة المتوسطة، متوسطة الحجم الذي ليست كبيرة تقتله لأول مرة حتى يذوق العذاب، وليست صغيرة تزيد في عذابه مدة طويلة إلى أن يموت، هي متوسطة ((الثيب بالثيب)) الثيب الزاني، هذه الخصلة الأولى، الزنا -نسأل الله السلامة والعافية- ومن عظائم الأمور، ومن الفواحش ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [(٣٢) سورة الإسراء] فشأنه عظيم وقد قرن بالقتل والشرك ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا
следующие страницы →