Полный текст (447 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وليس في هذا فتح باب لارتكاب هذه الذنوب وهذه المعاصي ولو كانت صغائر؛ لأن بعض الناس يعتمد على مثل هذا الوعد، الحسنات يذهبن السيئات فيرتكب ما يرتكب، يأكل الربا، ويقول: أصلي تمحها، يرتكب الفواحش ويقول: أصلي تمحها، أتبع السيئة الحسنة تمحها، نقول: لا، الكبائر والفواحش هذه لا بد فيها من التوبة، والمراد بالسيئات التي تمحوها الحسنات هي الصغائر، وإلا لا فائدة من شرعية الحدود، يزني ويصلي وينتهي الإشكال، والإشكال أنه يوجد في بعض المجتمعات من يفهم هذا الفهم، ويتساهل في مثل هذه الأمور، ويقول: إذا صليت الحمد لله، هذا موجود في بعض المجتمعات، لكن مع ذلك الكبائر لا بد فيها من توبة عند أهل العلم، ما رتب عليه الحدود لا تمحوها الحسنات التي أمر بها الإنسان يعني الصلاة ما تمسح جريمة الزنا ولا جريمة الربا، نعم إذا أديت على الوجه الشرعي الكامل هي في الأصل تنهى عن الفحشاء والمنكر، لكن افترض أن الإنسان كما هو غالب حال الناس أنه يصلي صلاة مجزئة صحيحة مسقطة للطلب، لكن لا تترتب عليها آثارها، نقول: هذه الصلاة إذا كفرت نفسها يكفي كما قال شيخ الإسلام.
((وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)) حسن الخلق أثقل ما يوضع في الميزان، وأقرب الناس مجلساً من النبي ﵊ أحسنهم خلقاً، ((البر حسن الخلق)) ((وخالق الناس بخلق حسن)) من أجل أن تعيش مع الناس محبوباً مقدراً محترماً متقرباً بذلك قبل كل شيء إلى الله -جل وعلا-، " ((خالق الناس بخلق حسن)) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن" والحسن عند الترمذي: ما سلم من الشذوذ، وروي من غير وجه، ولم يتفرد به راويه.
. . . . . . . . . قال الترمذي ما سلم ... من الشذوذ مع راوٍ ما اتهم
يعني لم يكن راويه متهماً بكذب.
стр. 352
"ولم يكن فرداً ورد" يعني يروى من غير وجه، هذا الحسن "وفي بعض النسخ: حسن صحيح" وهذا التعبير مشكل عند أهل العلم، وقد بلغت أقوالهم فيه إلى خمسة عشر قولاً، خمسة عشر قول في مراد الترمذي بقوله: "حسن صحيح" لكن من أشهرها: أنه إذا كان قد روي الحديث من أكثر من طريق فيكون حسناً من طريق صحيحاً من طريق آخر، وإذا كان طريقه واحد فهو على سبيل التردد هل بلغ إلى مرتبة الصحة أو قصر دونها إلى مرتبة الحسن، إلى غير ذلك مما قاله أهل العلم.
سم.
قال الإمام النووي -عليه رحمة الله-:
عن أبي العباس عبد الله بن عباس ﵄ ...
عبدِ الله.
عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كنت خلف رسول الله ﷺ يوماً فقال: ((يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وفي رواية غير الترمذي: ((احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)).
يعرفْك، جواب الطلب يعرفْك.
((يعرفْك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً)).
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث التاسع عشر:
стр. 353
"عن أبي العباس عبد الله بن عباس" حبر الأمة وترجمان القرآن -رضي الله تعالى عنه-ما يعني عنه وعن أبيه، قال: كنت خلف النبي ﷺ يوماً، إما رديفاً له في دابة، أو يمشي وراءه في يوم من الأيام غير محدد "فقال: ((يا غلام)) " ابن عباس غلام صبي، لم يبلغ الحلم، مات النبي ﵊ وابن عباس قد ناهز الاحتلام، يعني في الثالثة عشر من عمره ((يا غلام)) يعني من باب المداعبة والملاطفة للصغير لينتبه ويعي، ويحفظ ما يقال له، ((يا غلام إني أعلمك كلمات)) وليس المراد ابن عباس فقط بهذه الكلمات، لكنه خوطب بها والمراد بذلك جميع من يبلغه الخبر؛ لأن ابن عباس أدى هذه السنة وحملت عنه، فهي لازمة للجميع ((إني أعلمك كلمات)) كلمات يعني جمل، جمع كلمة، والكلمة تطلق ويراد بها الجملة، كلمة الإخلاص، كلمة التوحيد لا إله إلا الله، وأصدق كلمة قالها شاعر قول لبيد وهي شطر بيت:
. . . . . . . . . ... وكلمة بها كلام قد يؤم
يعني قد يقصد في كلام ابن مالك، فتطلق الكلمة ويراد بها الجملة وهنا جمل، هذه الكلمات جمل.
((احفظ الله يحفظك)) احفظ الله يعني احفظ حدود الله، لا تقرب ما نهاك عنه، ولا تتعدى ما أمرك الله به، قف عند حدوده، إذا أمرك فأتمر، إذا نهاك فانته ((احفظ الله يحفظك)) يحفظك جواب الطلب، أو جواب شرط مقدر عند بعضهم، ((احفظ الله)) إن تحفظ الله يحفظك، والأول أيسر، إذا قلنا: جواب الطلب ما احتجنا إلى تقدير ((احفظ الله يحفظك)) يحفظك في دينك، يحفظك في عقلك، يحفظك في بدنك، يحفظك في أهلك ومالك، في جميع ما تحتاج إليه من حفظ.
((احفظ الله تجده تجاهك)) يعني كل ما تطلب منه قريب، فهو قريب منك -جل وعلا-، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [(١٦) سورة ق] ((احفظ الله تجده تجاهك)) يعني أمامك فإذا حفظت الله -جل وعلا-، وتصورت أنه أمامك سهل عليك كل مطلوب.
стр. 354
((إذا سألت فاسأل الله)) إذا سألت أي حاجة من الحوائج من أمور دينك أو دنياك فاتجه إلى الله -جل وعلا-؛ لأنه هو الذي بيده أزمة الأمور كلها، وإذا كان المسئول عنه لا يقدر عليه إلا الله فسؤال غير الله شرك، وإذا كان المسئول يقدر عليه المخلوق فلا مانع من أن يسأل، لكن السؤال أولاً وآخراً والاتجاه إلى الله -جل وعلا-؛ لأنه هو الذي يسخر هذا المسئول أن يعطي، فالله -جل وعلا- هو المعطي ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ﴾ [(٣٣) سورة النور] المال لله، ليس للخلق، والرسول ﵊ يقول: ((إنما أنا قاسم، والله المعطي)) حتى فيما يملكه الإنسان لا يستطيع أن يعطي ولا يمنع من تلقاء نفسه، وإنما هو سبب في العطاء والمنع، والمعطي والمانع هو الله -جل وعلا-.
((وإذا استعنت فاستعن بالله)) إذا استعنت فاستعن بالله وحده؛ لأنه هو الذي يعينك ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [(٥) سورة الفاتحة] يعني لا نستعين بغيرك؛ لأن تقديم المعمول يقتضي الحصر، قد تكون الاستعانة بالمخلوق فيما يقدر عليه، أما إذا استعنت بمخلوق فيما لا يقدر عليه فهذا الشرك، وإذا استعنت بمخلوق فيما يقدر عليه يا فلان ناولني كذا، أو أعطني كذا، أو أحضر لي كذا، فهذا لا بأس به، لكن لتعلم أن هذا المستعان به لا يستطيع أن ينفعك، ولا يستطيع أن يعينك إلا بتقدير الله -جل وعلا-، وهو سبب.
((واعلم أن الأمة لو اجتمعت)) الأمة والأمة أعم من أن تكون أمة إجابة أو أمة دعوة أو أمة إنس أو أمة جن، كل المخلوقات، جنس الأمة، فيشمل جميع الأمم، جميع المخلوقات.
стр. 355
((واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك)) لو أصيب الإنسان بمرض عادي يصاب به كثير من الناس ويشفون، وهذا الذي أصيب بهذا المرض من أعظم ملوك الدنيا، أصيب بهذا المرض الذي شفي منه طبقات الناس الفقراء والمساكين والأغنياء والكبار والصغار، هذا الملك من حرصه على الشفاء أحضر جميع الأطباء على وجه الأرض، كل من عنده شيء من علم الطب أحضره، هل يستطيع أن يضمن أن يشفى من هذا المرض؟ أولاً: المرض ليس بمعضل، المرض عادي وشفي منه كثير من الناس، والآن أحضر الأطباء قاطبة، المهرة وغير المهرة، كل من له يد في الطب أحضرهم هذا الملك، هل يستطيعون أن يشفوه؟ لا والله ما يستطيعون، إذا كان الله كتب له الموت بسببه ولو كان في البروج المشيدة، فإن الموت سوف ينزل إليه.
إذا علمنا أن الموت قد ينزل بلا سبب، ينزل فجأة، وهو ينزل في مثل هذه الصورة، ولو اجتمعت أطباء الدنيا كلها ما استطاعوا أن ينفعوه، ولا أن يدفعوا عنه، ولا أن يزيدوا فيما كتب له من حياة ولا لحظة ﴿إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [(٤٩) سورة يونس] لا يستطيع أن يقدم ولا يؤخر لنفسه شيء، ولا يستطيع أحد من المخلوقين أن يقدم له شيء في هذه الحالة.
((واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك)) تجدون بعض الناس يصاب بما يسميه الأطباء بالموت الدماغي، ويقررون أنه ميت، ويقررون قطع الأجهزة عنه، وقد يفاوضون على التبرع بأعضائه، ثم إن كان الله قد كتب له شيء من الحياة فإنه يشفى مع ذلك كله، وهنا وقائع حصلت قرر ثلاثة من الأطباء أنه انتهى خلاص، مات دماغياً ولا أمل في حياته، ثم بعد ذلك يفيق، وبعضهم يقررون له عكس ذلك، كم من واحد كتب له أمر بالخروج معافى من مرضه، ويموت قبل أن يخرج من المستشفى، والشواهد موجودة، يعني ما هو بضرب من الخيال.
стр. 356
يحدثنا واحد من الإخوان يعمل في مستشفى تخصصي، قال: إن الأطباء اجتمعوا حول مريض، وقرروا أنه ميت دماغياً، فاستدعوا إخوانه لأن والده ميت، إخوانه أربعة، فقالوا: ما دام الأمر كذلك، وعندنا مرضى واحد يحتاج إلى كلية، وواحد يحتاج إلى عين، وواحد يحتاج إلى كذا، فما رأيكم وهو ما يضيره الآن هو ميت، ثلاثة من الإخوة وافقوا، والرابع رفض، قال: والله ما نملك أن نتصرف فيه، علماً بأن مسألة التبرع بالأعضاء هذه لا يملكها أحد لا المريض ولا غير المريض، نفسه ليس بملكاً له، وإن أفتى من أفتى بجواز ذلك.
على كل حال المسألة معروفة، لكن هذا الحاصل، ثلاثة وافقوا وواحد رفض، هذا المريض الذي يفاوض عليه يسمع الكلام، لكنه لا يستطيع أن يحرك شعرة، أراد الله -جل وعلا- له أن يفيق، والله إن المسألة حقيقية يا الإخوان، واحد وقف عليها وهو ثقة من الثقات، ويحدثني مباشرة، ولما أفاق وعوفي وشفي صارت العداوة بينه وبين إخوته الثلاثة، وصار الرابع أقرب الناس إليه، الرجل يبي يشلحونه، وهو يسمع الكلام، يسمع الكلام الآن سبحان الله، هؤلاء الأطباء ما استطاعوا أن يضروه، لماذا؟ لأن الله لم يكتب عليه هذا الضرر، وإلا كم من واحد تصرف فيه، بل كتب الله عليه الضرر فتضرر، والله المستعان.
((واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك)) ما يستطيعون، جميع الأسباب متوافرة للنفع، والله -جل وعلا- لم يرد له الانتفاع لا يمكن أن ينتفع ((إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)) اجتمعت الأمم من الجن والإنس من ناطق وأعجم كلهم اجتمعوا على أن يضروا فلاناً وأن يقتلوه، أو يسيئوا إليه، والله -جل وعلا- لم يكتب عليه هذا الضرر لا يمكن أن يصلوا إليه.
стр. 357
الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- في تفسير سورة النساء عند قوله -جل وعلا-: ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [(٧٨) سورة النساء] ذكر قصة لشخص من الأمم السابقة كان عبداً عند أسرة مملوك، وكانت المرأة في الشهر الأخير، في الأيام الأخيرة من حمل، فرأى هذا العبد رؤيا، فقال: إن هذه المرأة سوف تلد بنتاً، وسوف تزني هذه البنت مائة زنية، وتكون في النهاية هي زوجتك، هذه البنت، فولدت بنتاً، فقيل له: أحضر السكين من أجل قطع السرة، فأحضر السكين وبقر بها بطن البنت، لماذا؟ لأنه قيل له: إنك تتزوج هذه البنت وسوف تزني مائة زنية، أراد أن يتخلص منها، بقر بطنها وهرب إلى بلد اشتغل فيه بالتجارة، فصار من الأثرياء، وبعد عشرين سنة عاد إلى بلده، وأراد أن يتزوج من بلده، وعلى يقين أن تلك البنت قد ماتت، فأوصى امرأة أن تخطب له أجمل بنت في البلد، وكان من تمام الرؤيا أنها ستموت بسبب العنكبوت، الحشرة الضعيفة هذه، ألفى على امرأة عجوز قال لها: أريد أجمل بنت في البلد، فخطبت هذه البنت، عولجت البنت خيط بطنها وشفيت وعوفيت، فخطبت له هذه البنت، ودفع ما دفع، ودخل بها فرأى أثر شق البطن، عرف أنها هي، ما كان يظن أو يتوقع ولا واحد بالألف أن تلك البنت موجودة في الأحياء، لما رأى أثر شق البطن تذكر الرؤيا، ثم سألها هل حصل منها شيء؟ هل قارفت شيء؟ قالت: نعم، إنه حصل منها شيء، قال: مرة أو مرتين؟ قالت: الله أعلم كثير، قال: مائة، قالت: الله أعلم، لكن ليست ببعيد، الرجل لما رأى هذه البنت وأعجبته وأشرب قلبه حبها ما استطاع المفارقة؛ لأن هذه المشكلة أن الإنسان قد يفتن ببنت لجمالها، ثم لا يستطيع مفارقتها، وقد تؤثر عليه في دينه، وقد يغمض عن عينيه أشياء مخلة لدينه، وقد تكون مخلة بعرضه، إذا فتن بها، عمران بن حطان كان من خيار الناس، فخطب امرأة من الخوارج جميلة، وقال: نكتسب أجر الدعوة ندعوها إلى مذهب أهل السنة، والحاصل العكس ما زالت به حتى صار من رؤوس الخوارج، -نسأل الله السلامة والعافية-، وكثير من الإخوان يقول: نطلب الجمال والدين يجي بالدعوة، والنبي ﵊ يقول: ((فاظفر بذات الدين تربت يداك)) أقدم على الزواج بهذه
стр. 358
البنت، مع أنه تيقن أنها هي التي في الرؤيا، فشيد لها قصراً منيفاً جزم أن العنكبوت لا تدخله، جزم أن العنكبوت من أي جهة تجئ؟! فإذا به في يوم من الأيام جالس مع زوجته، فإذا بالعنكبوت تنزل من السقف، تذكر الرؤيا قال لها: أنت تموتين بسبب هذه الحشرة، قالت: هذه حشرة أموت بسببها، فقامت ففركتها بعرقوبها في الأرض بعقبها فأصيبت بالعقب بالأكلة، هذه نوع من الجذام صار هذا العقب يتآكل شيئاً فشيئاً إلى أن ماتت بسببه.
هذه القصة لم يرد بها حديث صحيح وإلا خبر عن الصادق، لكنها لها دلالات، ويؤتى بها في تفسير الآية للمناسبة؛ لأنه وضع القصر المشيد المنيف، ومع ذلك نزلت بها المنية مع هذه الاحتياطات.
((رفعت الأقلام، وجفت الصحف)) المقادير كتبت قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ((رفعت الأقلام، وجفت الصحف)) ما في الآن إلا أن كلاً ميسر لما خلق له، إذا تبي تغير مما كتب الله لك ما يمكن، إلا ما يقال في البر والصلة ((من أراد أن ينسأ له أثره، ويبسط له في رزقه فليصل رحمه)) على الخلاف بين أهل العلم في الزيادة الحاصلة عن الصلة، منهم من يقول: زيادة حقيقية، ومنهم من يقول: زيادة معنوية، بركة في الوقت، وليست زيادة حقيقية في عدد السنين، الخلاف في هذه المسألة معروف، والأمر فيها ثابت.
стр. 359
((رفعت الأقلام، وجفت الصحف)) ما عاد في كتابة ((وجفت الصحف)) فرغ من الكتابة قبل خلق الخلق بخمسين ألف سنة "رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وفي رواية غير الترمذي" يعني رواية الإمام أحمد في المسند: ((احفظ الله تجده أمامك)) بمعنى تجاهك ((تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)) المشركون الذين نزل القرآن على النبي ﵊ وهو بين ظهرانيهم كانوا يشركون في الرخاء، ويوحدون في الشدة، يدعون غير الله في الرخاء، ويدعونه ويخلصون في الشدة، لكن هذا ينفع وإلا ما ينفع؟ لا ينفع، ((تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)) والإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في القواعد الأربع قال: "إن مشركي زماننا أعظم شركاً من الأولين؛ لأن الأولين يشركون في الرخاء ويوحدون في الشدة، ومشركي زماننا شركهم دائم في الرخاء والشدة" تجده يوطأ ويدهس بالأقدام في مواضع الزحام، ويقول: يا علي، يا حسين، يا بدوي، يا عبد القادر، يا فلان، الشرك الأكبر -نسأل الله السلامة والعافية-.
стр. 360
((تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)) يعرفك في الشدة، كثير من الناس إذا جاء وقت الحاجة والوقت الذي يستغله، يريد استغلاله في الخير للمضاعفات العظيمة، والمواسم يقول: نستغل هذه المواسم، ليلة القدر نحييها، أو نحيي العشر الأواخر كلها، لا نضيع منها شيء، ولا نفرط بشيء، ونترك القيل والقال، وإذا جاورنا في المسجد الحرام أو في مسجد النبي ﵊ نستغل كل لحظة، لكن أين أنت في الرخاء؟ أين موقعك من هذه العبادات؟ وموقعها منك في أيام الرخاء؟ ماذا تفعل في طول وقتك؟ في طول عمرك؟ في أيام الرخاء؟ هل عودت نفسك على الحزم؟ عودت نفسك على التلاوة؟ على الصلاة؟ على الذكر؟ إن كنت عودت نفسك في طول العام فأبشر، والواقع يشهد بذلك، يأتي بعض الناس ويجاور في أقدس البقاع، يقول: المسألة عشر ليالي، وترجى فيها ليلة القدر أستغلها، وأترك القيل والقال، وأنكب على المصحف، والسلف يختمون في كل ليلة، أنا أختم كل ليلة، هل يستطيع وهو ما عود نفسه في أيام الرخاء؟ ما يستطيع، ولا يعان على ذلك، ورأينا منهم أعداد كبيرة من طلاب العلم يقضون أوقاتهم في القليل والقال، يعتكفون في المساجد، لكن لا يصبرون عما كانوا يزاولونه قبل ذلك في حال الرخاء، تجد الكلام المباح موجود بكثرة، وقد يتعدونه إلى شيء مما فيه ما فيه، وقد لا يصبرون عن شيء كانوا يزاولونه، منهم من يأتي بالصحف والمجلات لأنه اعتادها، ومنهم من يحضر الآلات، ومنهم من يستعمل الجوال ليل نهار كل وقته، ونصيب القرآن منه كنصيبه في وقت الرخاء، ما يستطيع، رأينا من يجلس من بعد صلاة العصر في المسجد الحرام يريد أن يقرأ إلى الفطور، يعني في الصيف يستطيع أن يقرأ عشرة أجزاء، ثم تجده يفتح المصحف يقرأ خمس دقائق وهو ما تعود، ثم يغلق المصحف ويتلفت يمين شمال غادي وإلا رايح، ثم يعود إلى المصحف ما وجد أحد يعود إلى المصحف خمس دقائق إن جاء أحد، وإلا قام هو يبحث عن الناس؛ لأن هذه حاله في حال الرخاء، ثم إذا أوى إلى مضجعه أسف وندم على أن ضيع اليوم، وتوعد نفسه في الغد، ثم نفس ما كان تعوده في حال الرخاء ((تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة)).
стр. 361
((واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك)) ما أخطأك يعني ما حصل لك من خير أو شر ما يمكن أن يخطئك؛ لأن الله كتبه عليه، وهو حاصل لك لا محالة، يعني بعض الناس ما أخطأك لم يكن ليصيبك، يعني أمامه شخص أو مجموعة من الناس وقد تأخر عنهم، سقط عليهم جدار أو دهستهم سيارة، لو تقدم دقيقة واحدة كان معهم، جزى الله فلان خيراً الذي حبسني هذه الدقيقة، لو أنت بينهم ولم يكتب عليك ما حصل لهم لم يكن ليصيبك ما أصابهم، ((وما أصابك لم يكن ليخطئك)) ولو تأخرت، لو تقدمت ما في فائدة، (لو) ما تنفع، هذا مكتوب عليك لا بد أن يحصل، ومما يذكر أن شخصاً حجز على رحلة في سفر، فنعس في المطار وفاتته الطائرة، يعني مهتم وجاء وحضر قبل الموعد، لكن نعس في المطار، ففاتته الطائرة فرجع إلى بيته مهموماً مغموماً ودخل يدعو بالويل والثبور فاتته الطائرة، فذهب إلى فراشه، ما لبثوا أن أعلنوا عن الطائرة أنها حصل فيها خلل واحترقت، فجاءت أمه لتبشره بالخبر، فرحت أمه فرحاً شديداً أن ولدها وفلذة كبدها لم يكن معهم، فلما أيقظته لتخبره الخبر فإذا هو ميت، ((ما أصابك لم يكن ليخطئك)) ما تقول: والله ما رحت معهم جلست دونهم، أنت في فراشك ومت، أنفاس معدودة، دقائق محدودة لا تتقدم ولا تتأخر.
((واعلم أن النصر مع الصبر)) النصر مع الصبر بعض الناس يستعجل في أموره الخاصة، وفي أمور الأمة يستعجل بها، ويرجو النصر من قرب، لا، لا بد من الصبر والمصابرة ﴿اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ﴾ [(٢٠٠) سورة آل عمران] ثم بعد ذلك يأتي الترجي ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ [(٢٠٠) سورة آل عمران] النصر مع الصبر، يقول: كيف ينصر كفار على مسلمين؟ المسلمون يحتاجون إلى صبر، يحتاجون إلى جهاد، يحتاجون إلى تضحية، يحتاجون إلى إخلاص، يحتاجون إلى إعادة نظر في واقعهم ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ [(٤٠) سورة الحج].
стр. 362
((وأن الفرج مع الكرب)) إذا ازداد الكرب فاعلم أن الفرج قريب ((وأن مع العسر يسراً)) إذا وجد العسر فإن معه اليسر، إذا وجدت الشدة وجد الفرج، وإذا وجد العسر والضيق وجد اليسر والسعة، ولن يغلب عسر يسرين ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [(٦) سورة الشرح] أعيد العسر معرفة، والمعرفة إذا أعيدت معرفة كانت عين الأولى، نفس الأولى، العسر الأول هو العسر الثاني، والنكرة إذا أعيدت نكرة كانت غيرها، فاليسر الأول غير اليسر الثاني، ولذا جاء في الخبر: ((لن يغلب عسر يسرين)) نعم.
سم.
قال المؤلف -عليه رحمة الله-:
عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري ﵁ قال ...
عقبةَ بن عمروٍ.
عقبةَ بن عمروٍ الأنصاري البدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت)) رواه البخاري.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث العشرين:
"عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري" نسبة إلى بدر، وهل هذه النسبة إلى الوقعة الغزوة غزوة بدرة أو المكان المسمى بهذا الاسم؟ الأكثر على أنه لم يشهد بدراً، وإنما نزلها فنسب إليها، وإن كان الإمام البخاري يثبته فيمن شهد بدر، لكن الأكثر على أنه لم يشهد بدر، وإنما نزلها فنسب إليها "﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن مما أدرك الناس)) " (إن) تأكيد، (مما) يعني بعض ما أدركه الناس من كلام النبوة الأولى، يعني ليس جميع ما أدركه الناس من كلام النبوة الأولى، إنما هذا شيء مما أدركه الناس من كلام النبوة الأولى، من كلام الأنبياء في الأمم السابقة، هذا مما أثر عنهم، وثبت عنهم.
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [(١٤ - ١٥) سورة الأعلى] إلى أن قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [(١٨ - ١٩) سورة الأعلى] يعني هذا أيضاً مما وجد في النبوة الأولى وفي الكتب السابقة.
((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت)) رواه البخاري.
стр. 363
لأننا قد نقرأ أنه أوحي إلى موسى، أوحي إلى عيسى، أوحي إلى داود، أوحي إلى غيرهم من الأنبياء، وما يؤثر عن الأمم السابقة إما أن يوجد في شرعنا ما يدل عليه فهذا حق ومقبول ما يدل عليه، وإن وجد في شرعنا ما يمنعه ويخالفه فهو مرفوض، وإن كان ليس في شرعنا ما يدل عليه ولا ما يمنعه، فهذا هو الكلام المباح الذي يحدث به بلا حرج؛ لأنه لا يعارضنا في شرعنا، ولا يوجد في شرعنا ما يدل عليه، فجاء في الحديث: ((حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)) وفي رواية: ((فإن فيهم الأعاجيب)) شريطة ألا يكون في شرعنا ما يرده ويرفضه.
((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي)) الآن ويش عندنا؟ حاء وياء وإلا بدون ياء؟ ((إذا لم)) فيه ياء وإلا كسرة؟
طالب:. . . . . . . . .
كل النسخ هكذا؟
طالب:. . . . . . . . .
كسرة وإلا في ياء؟
طالب: نسخة فيها ياء.
فيها ياء تستحي؟
طالب: أيوه.
طيب عمل لم، الجزم، لم تجزم.
طالب:. . . . . . . . .
حرف نفي وجزم وقلب، كيف يجزم مثل هذا الفعل؟ بحذف حرف العلة، وإذا أثبتت الياء هل يكون حرف العلة محذوف وإلا موجود؟ يعني تكون لم عملت وإلا ما عملت؟
طالب: أيوه عملت.
في صحيح البخاري في الأصل الترجمة: "باب إذا لم تستح" بدون ياء "فاصنع ما شئت" وفي الحديث الذي ذكره تحت هذه الترجمة ((إذا لم تستحي)) بالياء، لماذا؟ لأن هذا الفعل يختلف عند قريش عن تميم، فهو عند قريش بياءين ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي﴾ [(٢٦) سورة البقرة] بياءين، وعند تميم بياء واحدة ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِ﴾ وعلى هذا إذا دخل عليه الجازم فعلى لغة تميم تكون كسرة "إذا لم تستح" بدون ياء، وعلى لغة قريش يكون بياء واحدة، وتكون الياء الثانية هي التي حذفت للجازم، ولذلك قد يقول قائل وهو يقرأ في الصحيح: لماذا الترجمة حذفت الياء وفي الحديث أثبتت الياء؟ البخاري ﵀ حينما ترجم استعمل لغة تميم، وفي الحديث استعمل لغة قريش؛ لأن النبي ﵊ منهم.
على كل حال: ((إذا لم تستحي)) الرواية جاءت بالياء على لغة قريش، فالصواب أن تثبت الياء، ترجمة البخاري كونه على لغة تميم هذا ما يضر؛ لأنه يوردها من كلامه ﵀.
стр. 364
" ((إذا لم تستحي فاصنع ما شئت)) رواه البخاري" وهذا الأسلوب يحتمل معنيين: إما أن يكون قوله: ((فاصنع ما شئت)) تهديد، يعني إذا رفع عنك هذا الخلق العظيم الذي هو شعبة من شعب الإيمان اصنع ما شئت، كقوله -جل وعلا-: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [(٤٠) سورة فصلت] تهديد، ويحتمل أن يكون إباحة، اصنع ما شئت إذا كان هذا العمل مما لا يستحيا منه فاصنعه، إباحة، إذا كان الإنسان سوياً على الفطرة، ورأى أن هذا العمل لا يستحيا منه؛ لأن الناس يتفاوتون في هذه الصفة وهذه الخلة، يتفاوتون تفاوتاً عظيماً، والمراد بذلك أوساط الناس الذين هم باقون على الفطرة ليس عندهم غلو في هذا الباب وشطط، وليس عندهم تساهل.
((إذا لم تستحي)) إذا كنت من هذا النوع، ورأيت أن هذا العمل مما لا يستحيا منه فاصنعه، والاختيار الأول وهو أن هذا تهديد، وأنه لا بد أن تستحيي، والحياء شعبة من الإيمان، فإذا نزع عنك هذا الخلق العظيم فأنت لم تتقيد بأوامر ولا بنواهي، ولا تستحي لا من الله ولا من خلقه، الآن اصنع ما شئت، والله بالمرصاد، نعم.
سم.
قال المؤلف -عليه رحمة الله-:
عن أبي عمرو، وقيل: أبي عمرة سفيان بن عبد الله ﵁ قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك، قال: ((قل: آمنت بالله، ثم استقم)) رواه مسلم.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث الحادي والعشرين:
"عن أبي عمرو، وقيل: أبي عمرة" خلاف في كنيته "سفيان بن عبد الله" يعني اشتهر باسمه، فاختلف في كنيته، ﵁ هذه العادة أن من يشتهر بالكنية يضيع الاسم، ومن يشتهر بالاسم تضيع الكنية "-رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك" يعني قول واضح شامل لا أحتاج أن أسأل معه أحد، هذا سؤال عظيم، طلب عظيم، وجوابه عظيم، أجابه النبي ﵊ لأن الإنسان قد يسأل ثم يبقى في نفسه شيء من السؤال فيسأل غير المسئول الأول ليوضح له، لكن إذا كان المجيب من أعطي جوامع الكلم، أفصح الخلق، وأنصح الخلق، هل يحتاج أن يسأل بعده؟ لا.
стр. 365
قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك؟ قال: ((قل: آمنت بالله، ثم استقم))، ((قل: آمنت بالله)) قل، انطق بإيمانك، واعتقد بقلبك، واعمل بجوارحك، واستمر على ذلك، استمر على ذلك ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [(٩٩) سورة الحجر] ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [(١٣) سورة الأحقاف] فمطلوب الإيمان والاستقامة من غير اعوجاج، الاعتدال على هذا الصراط المستقيم، وهذه هي العبارة الشرعية التي يعبر بها ويوصف بها الإنسان الملازم للصراط المستقيم، يقال: مستقيم، والناس يقولون: ملتزم، نعم هي تؤدي المعنى، لكن إذا كانت العبارة شرعية جاءت بها النصوص فهي أولى من غيرها، إذا قيل: فلان ملتزم، معناه أنه مستقيم، ملتزم للأوامر، ملتزم بترك النواهي، نعم، فهو مستقيم، لكن العبارة الشرعية التي جاءت بها النصوص أولى من غيرها، ولو أدت معناها.
((قل: آمنت بالله، ثم استقم)) على هذا الإيمان، وقد أمر النبي ﵊ بالاستقامة في سورة هود؟ هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾ [(١١٢) سورة هود] أمر النبي ﵊ بالاستقامة، وهو أعظم مستقيم، إنما أمر بها من أجل أن يهتم بها من يقتدي به بهذا الأمر، وأن يلزم الاستقامة، ويستمر عليها، فالمسلمون قاطبة في كل ركعة يقولون: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ [(٦) سورة الفاتحة] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ﴾ [(١٣٦) سورة النساء] يعني الزموا هذا الإيمان، واستمروا عليه، لا يمنع أن يؤمر المستقيم بالاستقامة، ويؤمر المؤمن بالإيمان، والمراد بذلك الاستمرار على هذه الاستقامة، والاستمرار على هذا الإيمان.
سم.
قال الإمام النووي -عليه رحمة الله-:
عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ فقال: أرأيت إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئاً أأدخل الجنة؟ قال: ((نعم)) رواه مسلم.
ومعنى؟ من المتن.
ومعنى حرمت الحرام: اجتنبته.
ومعنى أحللت الحلال: فعلته معتقداً حله، والله أعلم.
стр. 366
نعم يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث الثاني والعشرين:
"عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄" يعني عن جابر وعن أبيه عبد الله بن حرام الشهيد "﵄ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ فقال: أرأيت" يعني أخبرني يا رسول الله "إذا صليت المكتوبات" يعني اقتصرت على الفرائض ولم أزد عليها، لا سنن قبلية ولا بعدية، كما جاء في حديث الأعرابي في قوله بعد أن ذكر الصلوات الخمس، قال: هل علي غيرها؟ قال: ((لا إلا أن تطوع)) هذا أراد أن يقتصر على المكتوبات ولا يزيد نوافل لا قبل ولا بعد "وصمت رمضان" الفرض فقط، ما يصوم الست ولا عرفة ولا عاشوراء ولا أي يوم، ولا اثنين ولا خميس ولا بيض، يصوم رمضان، "وأحللت الحلال" يعني فعلته معتقداً حله "وحرمت الحرام" تركت الحرام، يعني تركت جنس الحرام، أحللت جنس الحلال، يعني جميع ما أحله الله أستحله معتقداً حله، أفعله معتقداً حله، وحرمت الحرام، يعني اجتنبته معتقداً حرمته "ولم أزد على ذلك شيئاً أأدخل الجنة؟ قال: ((نعم)) " لأن مقتضى التقوى فعل المأمورات وترك المحظورات، وهذا هو المعروف في النصوص بالمقتصد، المقتصد الذي لا يزيد على ما أوجب الله عليه، ولا يترك سوى ما حرم الله عليه، لا يفعل نوافل ومستحبات، ولا يترك المكروهات والمباحات، هذا مقتصد، هذا مثل الذي صرفه بقدر دخله، لا يزيد ولا ينقص، أفضل منه السابق بالخيرات، وهو الذي يزيد على الفرائض النوافل، ويزيد على ترك المحظورات ترك المكروهات، هذا سابق بالخيرات، ودون المقتصد الظالم لنفسه، عنده أصل الدين، عنده التوحيد، لكنه قد يخل ببعض الواجبات، وقد يرتكب بعض المحظورات، هذا ظالم لنفسه، هذا خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، هؤلاء الأقسام، فهذه الأقسام الثلاثة كلها مآلها إلى الجنة كما جاء في سورة فاطر، فهم الثلاثة كلهم إلى الجنة، أما بالنسبة للسابق هذا معروف من أول وهلة، وكذلك المقتصد، وأما الظالم لنفسه فإنه إما أن يدخل برحمة أرحم الراحمين من أول وهلة، تكفر عنه هذه الذنوب الناشئة عن ترك الواجبات وفعل المحظورات أو يطهر، يعذب بقدرها، ثم يكون مآله إلى الجنة.
стр. 367
"أرأيت إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام" ما قال: وزكيت، أخرجت الزكاة المفروضة، ولعل النبي ﵊ يعرف من حاله أنه ليس عنده ما يزكي، علماً بأن ما ترك يدخل في: حرمت الحرام؛ لأن منع الزكاة حرام، منع الزكاة من عظائم الأمور، فهو داخل في قوله: "حرمت الحرام" أما بالنسبة للحج فالذي يغلب على الظن أنه لم يكن فرض؛ لأنه ما فرض إلا في السنة التاسعة، وإذا كان قد فرض فإنه كالزكاة يدخل في حرمت الحرام.
قد يقول قائل: لماذا ما أصنع هذا الشيء إذا كان هذا يكفي لدخول الجنة؟ لماذا أتعب نفسي بقيام ليل؟ وأتعب نفسي بطلب علم؟ وأتعب نفسي بصيام هواجر وقيام ليالي الشتاء وغير ذلك؟ لماذا أخرج قدر زائد على ما أوجب الله من مالي؟ ولماذا ولماذا؟ ألا تريد أن تكون سابقاً بالخيرات؟! أتضمن أن هذه الفرائض التي تؤديها تؤديها على الوجه المطلوب؟ ألا تريد أن تكمل هذه الفرائض من هذه النوافل إذا وجد الخلل؟ يعني لا وجه لقول من يقول: أنا أقتصر على هذه وكفى، من يضمن أنك تؤديها على الوجه الشرعي المطلوب، لا يكون فيها خلل، فالخلل في الفرائض يكمل من النوافل، فمن نعم الله -جل وعلا- أن شرع لعباده هذه النوافل.
سم.
قال المؤلف -عليه رحمة الله-:
عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الطَهور شطر الإيمان، والحمد لله)) ...
الطُهور.
((الطَهور شطر الإيمان))
الطُهور.
((الطُهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها)) رواه مسلم.
يقول -رحمة الله عليه- في الحديث الثالث والعشرين من هذه الأربعين المباركة يقول: "عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((الطهور شطر الإيمان)) " والمراد به التطهر، والطَهور هو الماء الذي يتطهر به، لكن المراد به فعل التطهر، ويراد به طهارة الظاهر وطهارة الباطن، طهارة الجوارح، وطهارة القلب.
стр. 368
((شطر الإيمان)) يعني نصف الإيمان، الذي لا يتطهر لا ظاهراً ولا باطناً، لا شك أن الطهور شرط لصحة الصلاة، وهذا شأنه عظيم، الذي يصلي بلا طهارة صلاته باطلة ((شطر الإيمان)) لكن هل يكفي الشطر الثاني دون الشطر الأول؟ يكفي نصف الإيمان؟ هاه؟ لا، لا يكفي؛ لأن الصلاة مردودة بدون الطهور ((لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ)) ((لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)).
((الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان)) الحمد لله هذه الكلمة وصف الرب -جل وعلا- بصفات كماله ونعوت جلاله مع حبه وتعظيمه، هذه تملأ الميزان، وكثير من أهل العلم يعرف الحمد بأنه الثناء، وهذا رده ابن القيم؛ لأن النبي ﵊ غاير بين الحمد والثناء، في حديث: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى علي عبدي، فإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي)) فالثناء غير الحمد، واختار ابن القيم أن الحمد وصف الرب -جل وعلا- بصفات الكمال ونعوت الجلال مع الحب والتعظيم له.
((الحمد لله تملأ الميزان)) كلمة ليس لها وزن يعني حسي، الكلام معنوي ليس له وزن حسي، ولا يمنع في قدرة الله -جل وعلا- أن تجسد هذه المعاني، وتوضع في كفة الميزان، كما جاء في البقرة وآل عمران، ((كأنهما غمامتان أو غيايتان تحاجان عن صاحبهما)) السموات والأرض قالتا: أتينا طائعين، القدرة الإلهية لا يقف دونها شيء، فتجسيد المعاني أمر سهل أمام هذه القدرة العظيمة.
((والحمد لله تملأ الميزان)) والميزان الذي له كفتان ولسان، هذا معتقد أهل السنة، وأنه حقيقة توزن به الأعمال، وإن كان المعتزلة ينكرون الميزان، ويرون أنه أمر معنوي، هو عبارة عن العدل ((تملأ الميزان)) إذا كانت كلمة هذه كلمة الحمد لله، يعني هي كلمة يسيرة جداً لا تكلف شيء، وأنت على وضعك تقول: الحمد لله تملأ الميزان، لكن كم من محروم ممن يعرف هذا الكلام ويسمع هذا الكلام، ويحرم النطق بهذه الكلمة وبغيرها من الباقيات الصالحات التي هي غراس الجنة.
стр. 369
((والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن)) هاتان الجملتان: ((تملآن، أو تملأ)) يعني شك من الراوي ((ما بين السماء والأرض)) يعني كم بين السماء والأرض؟ مسيرة خمسمائة عام، تصور الأرض ما هي بأرضك أنت التي توجد فيها، جميع الأرض المبسوطة هذه وما بينها وبين السماء سبحان الله والحمد لله تملآنه.
طالب:. . . . . . . . .
ترى ما بقي إلا شوي.
طالب:. . . . . . . . .
تملآن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام كلمة أو كلمتين فضل الله لا يحد، وجوده لا يقدر قدره، ((والصلاة نور)) وهذا النور ملاحظ على وجوه المصلين، وظاهر عليها وبين، وجاء في الخبر مما لا تصح نسبته إلى النبي ﵊: ((من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار)) والشاهد الواقع، الواقع يشهد بذلك، وإن لم تصح نسبته إلى النبي ﵊.
((والصدقة برهان)) دليل قطعي على صدق صاحبه، على صدق إيمانه؛ لأن النفوس جبلت على حب المال، فكون الإنسان يخرج هذا المال طيبة به نفسه، لا شك أن هذا دليل قاطع، برهان ساطع على صدق إيمانه.
((والصبر ضياء)) الصبر على الطاعة، الصبر عن المعصية، الصبر على الأقدار المؤلمة لا شك أنه ضياء ينير الطريق لصاحبه، لكن فيه نوع مشقة؛ لأن الله -جل وعلا- وصف الشمس بأنها ضياء، والقمر نور، فضياء الشمس معه شيء من الإحراق بخلاف نور القمر، ((الصلاة نور)) ليس فيها مشقة، لكن الصبر في كثير من أحواله فيه مشقة، ولذا وصف بما وصفت به الشمس، ففيه مع كونه ينير البصيرة وينير الطريق إلا أنه فيه شيء من الشدة.
((والقرآن حجة لك أو عليك)) القرآن كلام الله المنزل على نبيه ﵊ بواسطة جبريل، المحفوظ بين الدفتين، الذي من قام يقرأه كأنما خاطب الرحمن بالكلم، هذا أنت تقرأ، ولا يخلو إما أن يكون حجة لك، إذا كنت مؤمناً به مصدقاً بجميع ما فيه، عامل بأوامره، مجتنب لنواهيه، هذا حجة لك يوم القيامة، أو حجة عليك، إذا أخذته وحفظته ونمت عنه، ونمت عن الصلاة، أو فعلت ما يخالف من أوامره ونواهيه، فإنه يكون حينئذٍ حجة عليك.
стр. 370
((كل الناس يغدو)) ما في أحد ما يغدو، إذا أصبح الناس انتشروا في الأرض لطلب الرزق، لكن بعض الناس غدوه لمصلحته، وبعض الناس غدوه وبال عليه ((فبائع نفسه)) وكلهم يبيعون النفس، فإما أن تبيعها إلى الله -جل وعلا-، فتعتقها من ناره، أو تبيعها إلى الشيطان بفعل المعاصي والجرائم والمنكرات فتوبقها في النار -نسأل الله السلامة والعافية-.
((كل الناس يغدو)) كل الناس يتعبون ﴿إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ﴾ [(١٠٤) سورة النساء] ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾ [(١٤٠) سورة آل عمران] كل الناس تتعب، لكن الذي تعبه يعود عليه بالنفع في دينه ودنياه هذا الذي يعتق نفسه، أما الذي تعبه يعود وبالاً عليه فهذا يوبقها في النار، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد ....
يعني كأن العزيمة اتجهت إلى إنهاء الكتاب؛ لأن كثير من الإخوان ملوا، يعني كتاب صغير يحتاج إلى سنين، نكمل لهم الكتاب.
طالب:. . . . . . . . .
جزاكم الله خير، بارك الله فيكم.
أقول: إن استطعنا أن نكمله في اليومين الباقيين وإلا إن احتجنا الخميس أخذناه، والغالب أننا على هذه الطريقة نكمله في غداً والذي يليه -إن شاء الله تعالى-.
اللهم صل على محمد وعلى آله. ...
стр. 371
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح الأربعين النووية (١٣)
الشيخ: عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
اللهم اغفر لشيخنا والسامعين والحاضرين.
قال المؤلف -عليه رحمة الله-:
عن أبي ذر الغفاري ﵁ عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أُكْسُكم.
أَكسُكم.
أَكسُكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)) رواه مسلم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث الرابع والعشرين من حديث أبي ذر جندب بن جنادة الغفاري، هذا الحديث العظيم أعظم أحاديث أهل الشام كما قال أحمد وغيره.
стр. 372
"عن أبي ذر الغفاري -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه " إذا روى النبي ﵊ عن ربه غير القرآن فإنه يسمى الحديث القدسي أو الإلهي، والأحاديث القدسية فيها مصنفات جمعها أهل العلم في أكثر من مصنف، وحكمها من حيث الإضافة إلى الله -جل وعلا- يميزها بهذه الإضافة عن الحديث النبوي، فأضيفت إلى الله -جل وعلا-، فقيل: هذا حديث إلهي أو حديث قدسي، إضافة إلى الإله أو القدوس، ومن حيث اللفظ ليست في حكم القرآن باعتبار أن القرآن منقول باللفظ متعبد بلفظه، وأما الأحاديث القدسية فحكمها من هذه الحيثية حكم الحديث النبوي، تجوز روايته بالمعنى، ولذا تجد هذا الحديث بلفظه عند مسلم وتجده عند غير مسلم بألفاظ مختلفة، وهو في حكم الحديث النبوي من حيث اللفظ، غير متعبد بلفظه، تجوز روايته بالمعنى كالأحاديث النبوية.
"عن ربه أنه قال: ((يا عبادي)) " هذه الإضافة إلى الله -جل وعلا- إضافة تشريف، هذه إضافة تشريف يقول الشاعر:
ومما زادني فرحاً وتيهاً ... دخولي في قولك: يا عبادي
وكدت بأخمصي أطأ الثريا ... وأن صيرت أحمد لي نبيا
فهذا النداء من الله -جل وعلا- للعباد تشريف لهم بوصف العبودية الذي هو من أشرف الأوصاف، فالعبودية لله -جل وعلا- من أشرف الأوصاف ووصف الله بها نبيه ﵊ في أشرف المواطن.
стр. 373
((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي)) الله -جل وعلا- حرم الظلم على نفسه مع أن حقيقة الظلم مستحيلة بالنسبة لله -جل وعلا-؛ لأن الظلم حقيقته التصرف في ملك الغير بغير إذنه، والكل ملك لله -جل وعلا-، فالله -جل وعلا- من كرمه وجوده وفضله وإحسانه وعدله امتنع، منع نفسه من الظلم، وهو الذي منع نفسه، وهو الذي حرمه على نفسه، ولا يتصور أن يوصف هذا التحريم من الله -جل وعلا- وكذلك الإيجاب على نفسه ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [(١٢) سورة الأنعام] يعني أوجبها على نفسه، فليس للعباد حق على الله -جل وعلا- أن يتصف بالمحرم الذي يتصف به المخلوق، أو الواجب الذي يتصف به المخلوق، مع أن المعتزلة من معتقدهم أنه يجب على الله -جل وعلا- كذا، يوجبون عليه تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فالله -جل وعلا- من كرمه وفضله أن منع نفسه من الظلم، امتنع من الظلم، وحرمه على نفسه، ومنعها منه، وأوجب على نفسه أشياء، وكتب على نفسه أشياء.
((إني حرمت الظلم)) وضع الشيء في غير موضعه، هذا حده، مع أن هناك أشياء قد تندرج في هذا التعريف ولا تدخل في الظلم، الذي هو مجرد وضع الشيء في غير موضعه، يعني لو أن إنساناً وضع شيئاً لا أثر له، وأبدل شيئاً بشيء لا أثر له، لنفترض أن سلعتين من السلع المباحة التي تباع في الأسواق جديدة، ما استعملت، فأخذ مثلاً قلم، أخذ قلمين يجربهما في المحل، ووضع غطاء هذا على الثاني والعكس، هذا في غير موضعه، لكن هل يسمى ظلم؟ هذا لا أثر له ألبتة، وبينه وبين الظلم الذي هو أعظم أنواع الظلم الذي هو الشرك بينها مراتب كثيرة جداً لا تعد ولا تحصى، منها ما يصل إلى الكراهة، ومنها ما يصل إلى التحريم، ومنها ما هو أعظم من ذلك، فهذا الحد يدخل فيه كل ما ذكر، لكن هناك أشياء معفو عنها.
ولو نزيد قيد في تعريف الظلم مما له أثر، وضع الشيء الذي له أثر في غير موضعه، أما ما لا أثر له مثلما قلنا في القلم، أخذ قلمين وجربهما وحط غطاء كل واحد للثاني، وهذا لا أثر له؛ لأنهما متفقان في الصنعة وفي القيمة وفي اللون، ما يفرق.
стр. 374
((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي)) الله -جل وعلا- يصف أنه له نفسي ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ [(١١٦) سورة المائدة] والمراد بذلك ذاته -جل وعلا- مع أن الذات يطلقها أهل العلم على الله -جل وعلا- فيقولون: الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، مع أنها بمعنى النفس لم يرد بها دليل صريح، إبراهيم ﵇ كذب ثلاث كذبات كلها في ذات الله، وليس المراد بها في نفس الله، وإنما من أجله، على كل حال حديث صحيح صريح قد يعوز في مسألة إثبات الذات، وأهل العلم يقولون عن الله -جل وعلا- أن له ذات لا تشبه الذوات.
((إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً)) يعني حرم الله الظلم على خلقه، كما حرم عليهم أشياء كثيرة ومنها الظلم، وأقبح أنواع الظلم الشرك ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [(١٣) سورة لقمان] ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [(٨٢) سورة الأنعام].
((وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)) اعتمدوا هذا التحريم والتزموه، فلا ترتكبوا شيئاً يتضمن ظلماً لأحد، لا للنفس ولا للغير ((فلا تظالموا)).
((يا عبادي كلكم ضال)) ضال تائه عن الصراط المستقيم إما يميناً وإما شمالاً، وهذا أعظم أنواع الضلال، يعني قد يوصف الإنسان بأنه ضال، يعني لم يهتد الطريق الذي يريد أن يسلكه يقال: ضال، ومن الرواة معاوية بن عبد الكريم الضال، ثقة، مع أنه وصف بالضال؛ لأنه ضل يعني ضاع في طريق مكة، وليس هذا هو المقصود، إنما المقصود الضلال الحيد والميل عن الصراط المستقيم.
((كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم)) قد يقول قائل: إن الناس ولدوا على الفطرة: ((كل مولود يولد على الفطرة)) والفطرة الدين، فكيف يقال: إن الناس كلهم ضلال؟ نعم يولدون على الفطرة ثم تجتالهم الشياطين في الغالب.
стр. 375
((كلكم ضال)) وإذا أردنا أن نأخذ الضلال بما هو أعم من الضلال التام فلا بد أن يوجد هذا الضلال حتى عند أصلح الناس، فيحتاج إلى طلب الهداية، الضلال بمطلقه وهو الحيد عن الصراط المستقيم ولو شيئاً يسيراً، هذا موجود عند الناس كلهم، حتى المولود على الفطرة يوجد عنده لا بد أن يوجد عنده شيء من الانحراف إلا من عصمه الله -جل وعلا- من الأنبياء ((يا عبادي كلكم ضال)) وقد حصل من بعض الأنبياء ما حصل قبل النبوة وقبل الرسالة، والخلاف بين أهل العلم في عصمتهم من الصغائر، المقصود أن هذا الوصف الثابت في هذا الحديث لا بد أن يتصف به كل عبد من عباد الله قل هذا الضلال أو كثر، صغر أو كبر، ((كلكم ضال)) هذا الأصل ((إلا من هديته)) فالله -جل وعلا- يهدي من يشاء بأنواع الهداية، هداية الدلالة والإرشاد، وهداية التوفيق والقبول.
((فاستهدوني)) يعني اطلبوا مني الهداية ولا تطلبوها من غيري، ((فاستهدوني أهدكم)) السين والتاء للطب ((فاستهدوني أهدكم)) فنطلب الهداية من الله -جل وعلا- في كل وقت وفي كل حين، ونلهج بها، وهذه مطلوبة من كل أحد، وفرض على كل مصل أن يقول في كل ركعة: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ [(٦) سورة الفاتحة] على خلاف بين أهل العلم في مسألة المأموم.
((يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته)) الأصل أن الإنسان يولد في بطن أمه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ثم بعد ذلك يطعم من ثدي أمه ومن كسب أبيه، فالمطعم هو الله -جل وعلا-، والأم والأب ومن سواهم كلهم أسباب لهذا الطعام وهذا الشراب ((فاستطعموني)) يعني اطلبوا مني الطعام ((أطعمكم)) هذا بالنسبة للمولود ظاهر، بالنسبة للكبار يبذلون الأسباب، ويطلبون الكسب والطعام والشراب من الله -جل وعلا-، فمنه -جل وعلا- كل شيء، وهو مصدر، وهو الرازق -جل وعلا-، لكن من يكون على يديه الرزق من المخلوقين هو سبب، ولذا أشرف الخلق ﵊ يقول: ((إنما أنا قاسم والله المعطي)).
стр. 376
((يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته)) الأصل أن الإنسان يولد ويخرج من بطن أمه عارياً هذا الأصل فيه، ثم بعد ذلك تحصل له الكسوة من الله -جل وعلا-، وإن وجد السبب الذي يتحقق به هذا الأمر من والد أو والدة أو قريب أو بعيد ((فاستكسوني أكسكم)) أطلبوا مني الكساء، ولا تطلبوه من غيري.
((يا عبادي إنكم تخطئون)) هذا المشهور، تخطئون من أخطأ الرباعي، وبعضهم يضبطها تخطَئون من خطئ الثلاثي، ويفرق بين خطئ وأخطأ، أخطأ من غير قصد ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [(٢٨٦) سورة البقرة] وخطئ خاطئ هذا من قصد الخطأ، وقوله: ((وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني)) يدل على أنه الخطأ الذي يترتب عليه الذنب الذي تطلب له المغفرة، وعلى كل حال تخطئون هذا هو الأشهر.
((بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً)) ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [(٥٣) سورة الزمر] الله -جل وعلا- يغفر الذنوب جميعاً، لكن لا بد من الاستغفار ((فاستغفروني أغفر لكم)) يعني اطلبوا مني المغفرة لما بدر منكم من خطأ ومن مخالفات فيغفر الله -جل وعلا- لمن استغفره.
((فاستغفروني أغفر لكم)) يستغفر، يستعتب، يندم، يستحضر قلبه عند الاستغفار، يحضر قلبه عند الندم ليتم الوعد ((فاستغفروني أغفر لكم)) ومن لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، وفوائد الاستغفار كثيرة جداً، ذكرها أهل العلم في كتب الأذكار، وممن ذكرها ابن القيم في الوابل الصيب، ذكر فوائد الذكر، ومنه الاستغفار.
((يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني)) الله -جل وعلا- هو النافع وهو الضار، الله -جل وعلا- تعالى وتقدس لا يستطيع أحد أن يصل إليه فيحاول ضره، نعم قد يؤذيه ابن آدم كما جاء في الحديث: ((يؤذيني ابن آدم)) لا شك أن المعاصي وأعظمها الشرك أذية، ومن آذى النبي ﵊ فقد آذى الله، لكن ليس بمعناه الذي ندركه ونحسه، كما هو الحاصل للمخلوق.
((إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني)) الله -جل وعلا- هو الغني عن خلقه.
стр. 377
((يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم)) يعني بدون استثناء، جميع الثقلين من أول مخلوق إلى آخر مخلوق، ((كانوا على أتقى قلب رجل)) أتقى قلب رجل، يقول بعض الشراح: المراد محمد ﵊، لو كان الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم، من الثقلين من الجن والإنس كانوا على أتقى قلب رجل وهو محمد ﵊ ((ما زاد ذلك في ملكي شيئاً)) الله -جل وعلا- لا تنفعه طاعة مطيع، ولا تضره معصية العاصي ((ما زاد ذلك في ملكي شيئاً)) ومعلوم أنه إذا كانت الرعية صالحين أتقياء فإن الملك من المخلوقين ينتفع بهم كثيراً في ملكه، وإذا كانوا كلهم خارجين عن الطاعة فاسدين مفسدين فإن الملك يتضرر بهم، هذا بالنسبة للمخلوقين، أما الرب -جل وعلا- ((لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجل)) لو كانوا كلهم على مستوى واحد، على مستوى قلب محمد ﵊ أتقى الخلق وأعلم الخلق وأخشاهم لله ما زاد ذلك في ملك الله شيئا، وكذلك لو كانوا على شاكلة قلب إبليس، أفجر مخلوق، ما نقص ذلك من ملك الله شيئاً.
((يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً)) كما هو مقرر ومعلوم بالضرورة أن الطاعة لا تنفع الله -جل وعلا-، الله غني عن الخلق، عن طاعتهم، ولا تضره معاصيهم.
стр. 378
((يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم)) جميع المخلوقين ((قاموا في صعيد واحد)) أرض مستوية منبسطة تستوعبهم جميعهم، تستوعب جميع الخلق من الأولين والآخرين، من الإنس والجن ((قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته)) كل واحد يسأل من هؤلاء الخلق الذين لا يحصيهم إلا الله -جل وعلا-، لو كل واحد سأل وأعطي مسألته، وكل واحد يسأل غير ما سأله غيره ((ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيَط إذا أُدخل البحر)) تأتي بالإبرة الصقيلة التي لا يعلق بها ماء، ولا تشرب الماء، فالمراد بالمخيط الإبرة الكبيرة، المخيط الذي يخاط به، وأكثر ما يستعمل في بيوت الشعر، نعم، المخيط، أما الإبرة الصغيرة تخاط بها الثياب، ((إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر)) هذا في الحقيقة لا ينقص من ملك الله شيئاً، لكن هذا مثال تقريبي، أدخل المخيط أو الإبرة أو أي شيء صقيل ثم أخرجه لا يعلق به شيء؛ لأنه صقيل ما يشرب الماء.
((يا عبادي إنما هي أعمالكم)) تقدم لنا في قصة موسى والخضر أشرنا إليها، وأن العصفور نقر بمنقاره من البحر، وأن الخضر قال لموسى: ما نقص علمي وعلمك أو ما علمي وعلمك بالنسبة لعلم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر.
((يا عبادي إنما هي أعمالكم)) أعمالكم، كل واحد بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
((إنما هي أعمالكم أحصيها)) أضبطها وأحفظها في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ((أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها)) كل يجد جزاء عمله، ((فمن وجد خيراً فليحمد الله)) الذي وفقه على فعل الخيرات ((ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)) لأن الله -جل وعلا- هداه ودله وأرشده وركب فيه من الاختيار والعقل الذي يدرك به ما ينفعه ويضره، ثم بعد ذلك اختار الطريق الثاني ((ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)).
стр. 379
نعم الله -جل وعلا- ما ترك له حجة يحتج بها، لا يمكن أن يأتي يوم القيامة ويقول: أنت كتبتني شقياً فكيف تلومني؟ كما تقول الجبرية، لا، ترك له من الحرية، بين له الطريق، هداه النجدين، وبين له الطريق كما لو وجد عنده الماء، وجد عنده الماء، ولا يوجد ما يمنعه منه، نعم، ثم لم يشرب فعطش، من يلوم حينئذٍ؟ لا يلومن إلا نفسه، هو الذي فرط، لو سافر سفراً بعيداً يقطع به المفاوز ولم يحمل معه ماء ولا زاد، فمات جوعاً وعطشاً من يلوم؟ يلوم نفسه؛ لأنه هو الذي فرط، وهو الذي خان نفسه، فالذي بُين له الحلال والحرام، وبُين له طريق الحق والصواب وطريق الضلال ثم اختار الضلال لا يلومن إلا نفسه، العبد له مشيئة وله حرية وله اختيار، لكنه لا يخرج عن مشيئة الله وإرادته، فإذا أذن المؤذن ثم جلس في بيته ولم يصل قال: إنه كتب، هذا مكتوب عليه أنه ما يصلي، واحتج بالقدر على هذه المعايب، ليس له ذلك؛ لأنه ما الذي يدريه أنه مكتوب عليه أنه لا يصلي؟ ومن الذي يمنعه من أن ينهض إلى المواضئ ويتوضأ ويذهب إلى المسجد؟ في أحد يمنعه؟ في أحد حاول أن يقوم للصلاة وعجز؟ هل يمكن أن يقول: والله حاولت أقوم وكلما قمت إلى الصلاة سقطت؟ هذا إذا حاول وعجز معذور، هذا مريض، يصلي على حسب حاله، لكن الذي أعطاه الله -جل وعلا- من القدرة ومن الحرية والاختيار أن يذهب ويتوضأ ويذهب إلى المسجد ويرجع من دون أي معترض، ثم يقول: أنا مكتوب علي أني ما أصلي، الاحتجاج بالقدر على المصائب لا على المعايب، ولذلك لما تحاج آدم وموسى، موسى قال لآدم: أنت أبو البشر خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك جنته، أخرجتنا وذريتك من الجنة، يلومه، قال له آدم: كم تجد هذا قد كتب علي قبل أن أفعل؟ قال: قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، فحج آدم موسى، يعني ما احتج آدم على المعصية بالقدر، إنما احتج على المصيبة التي نشأت عن هذه المعصية بالقدر، وأما المعصية فذهب أثرها بالتوبة، ما صارت معصية؛ لأن الله تاب عليه واجتباه وهداه، فزال أثرها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والتوبة تهدم ما كان قبلها، فاحتج بالقدر على المصيبة الناشئة عن هذه المعصية التي تاب منها ولم تكن بعد ذلك معصية، فلا
стр. 380
يلومن إلا نفسه.
قد يتسبب إنسان في إضلال إنسان، ثم يتجه باللوم عليه، كما يفعل أهل النار -نسأل الله السلامة والعافية- يلومون الأتباع، يلومون المتبوعين، أنتم الذين أضللتمونا؛ لأنه قد يكون شخص سبب في إضلال شخص، سبب في إغواء شخص، أراد أن يصلي، قال: انتظر بعدين إن شاء الله، فما زال به حتى خرج الوقت، لا تلوم إلا نفسك، أنت الذي أطعته، فأنت مسئول عن ذنبك، وهو مسئول عن ذنبه وذنبك أيضاً؛ لأنه تسبب فيه، والله المستعان.
سم.
قال المؤلف -عليه رحمة الله-:
عن أبي ذر ﵁ أيضاً أن ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا للنبي ﷺ : يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: ((أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون، إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة)) قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: ((أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجراً)) رواه مسلم.
بعد وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعروف، هاه؟
طالب: ونهي عن منكر.
طيب.
يقول -رحمه الله تعالى-: "وعن أبي ذر -رضي الله تعالى عنه- أيضاً" لأنه هو راوي الحديث السابق "أن أناساً من أصحاب رسول الله ﷺ " يعني من الفقراء، من فقراء المسلمين يعملون من شرائع الله بما يستطيعون، الأعمال البدنية ما عندهم فيها إشكال، لكن ليست لديهم أموال يتصدقون بها، وينفعون غيرهم، فحز في أنفسهم أن يكون لدى الأغنياء ما يتصدقون به، وليس عندهم ما يتصدقون به، أناس من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا له ﵊: "يا رسول الله ذهب أهل الدثور -الأموال- بالأجور" يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون، يصلون ويصومون مثلما نفعل، ويزيدون علينا بالصدقة، يتصدقون بفضول أموالهم، القدر الزائد مما يحتاجون إليه من أموال يتصدقون به.
стр. 381
قال: ((أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به)) يعني تتصدقون به، والتاء محذوفة هنا، وهي معلومة كما في تظالموا، تتظالموا أصلها.
((أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به، إن بكل تسبيحة صدقة)) تسبيحة صدقة منك على نفسك، صدقة منك على نفسك؛ لأنه يثبت بها الأجر العظيم، كما يثبت الأجر بدفع الأموال والصدقات.
((وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة)) الباقيات الصالحات، ولا يضرك بأيهن بدأت، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر، غراس الجنة، لك في كل جملة شجرة في الجنة، ولك بها صدقة على نفسك، أنت الآن تتصدق على نفسك بهذا الكلام الذي لا يكلفك شيئاً، والذكر فوائده أكثر من أن تحصى، ابن القيم أحصى ما يقرب من مائة فائدة في مقدمة الوابل الصيب، وفي الذكر من الفوائد أكثر من ذلك.
((وأمر بالمعروف صدقة)) الأمر بالمعروف صدقة على نفسك وعلى غيرك، يعني إذا كان التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير صدقة منك على نفسك؛ لأن نفعه قاصر لك، وفيه أيضاً نفع متعدي، وإن لم يدركه الناس، قد يقول الإنسان: أنا أصلي، أقوم الليل، هذا نفعه قاصر، نقول: لا، فيه نفع متعدي لغيرك، لمجتمعك، لأمتك؛ لأن الله يدفع بعبادتك ويدفع بدعائك عنك وعن غيرك، فالأمور تبدو قاصرة وهي في حقيقتها متعدية.
يأتي شخص لمن عنده قدرة لنفع الناس، يأتي إليه وهو يصلي أو يقرأ القرآن أو يذكر الله يقول: قم يا أخي ما هذا وقته، النفع المتعدي أفضل، اترك القرآن، اترك الصلاة لوقت غير هذا، نقول: لا يمكن أن يستعين على هذا إلا بهذا، فلا بد أن يضرب من جميع أبواب الخير بسهم، لا يمكن أن ينفع الناس إلا إذا أحسن ما بينه وبين ربه، وصدق في عبادة ربه، يستعين بهذا على هذا، فلا يقال: إن هذا نفع قاصر، مفضول، وهذا نفع متعدي أفضل، اترك القاصر ما هو بصحيح هذا، بل افعل هذا وهذا، وفي أركان الإسلام ما يدل، أو ما يخرم هذه القاعدة، الصلاة نفعها قاصر، يعني في رعف الناس وعرف أهل العلم، والزكاة نفعها متعدي، وأيهما أفضل الصلاة وإلا الزكاة؟ الصلاة بلا إشكال قولاً واحداً.
стр. 382
((ونهي عن المنكر صدقة)) ترى أخاك مقصراً في شيء فتحثه عليه، وتأمره به، تراه يرتكب مخالفة تكفه عنها، وتنهاه عن ذلك، صدقة منك على نفسك وعلى غيرك.
((وفي بضع أحدكم صدقة)) كل ما تقدم متصور عند الناس، التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذه واضحة أنها صدقات، وواضحة أنها مما يبتغى بها وجه الله، لكن ماذا عن جماع الرجل امرأته؟ قال: ((وفي بضع أحدكم صدقة)) تعجب الصحابة الإنسان يأتي إلى ما يحتاجه ويتلذذ به ويكون له أجر، يعني إذا شرب الإنسان الماء هل يؤجر عليه؟ هل نقول: يمكن ما شربت ماء شربت خمر؟ لا يلزم، قد لا تشرب الماء، لكن لا يمكن تشرب الخمر، لكن هذه الغريزة الدافعة القوية إما صرفتها بالحلال انصرفت في حرام.
((وفي بضع أحدكم صدقة)) قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: ((أرأيتم)) يعني هذا لو شرب الماء ليتقوى به على العبادة، أكل الأكل ليتقوى به على الطاعة، نام ليستعد لوظائف اليوم اللاحق، كل هذا يؤجر عليه بالنية الصالحة.
قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: ((أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجراً)) رواه مسلم.
هذا من باب القياس، قياس العكس، يعني لو أن الإنسان .. ، عندنا حلال وعندنا حرام، إذا عدل عن الحرام إلى الحلال يعني النبي ﵊ قاس الحلال بالحرام قياساً عكسياً، فإذا جامع زوجته أو أمته التي تحل له كان له أجر، قياساً عكسياً على استعمال الحرام، يعني لو أن إنساناً تعامل بالبيوع معاملات شرعية، يبيع مع الناس على وجه شرعي، وإن لم يبع معهم ويتعامل معهم على الوجه الشرعي اضطر إلى أن يتعامل بمعاملات غير شرعية من ربا وغش وخداع وغرر، فكونه ينشغل بما شرعه الله -جل وعلا- عن الحرام فيستحضر هذه النية الصالحة يؤجر عليها أجراً عظيماً، ومن أهل العلم من يقول: إنه رتب الأجر على مجرد الوطء، ما في حاجة أن تنوي به أنك تنصرف به عن الحرام، لكن إن نويت ذلك فالأجر أعظم.
стр. 383
((أرأيتم لو وضعها)) يعني وضع هذه النطفة أو هذه الشهوة ((في حرام أكان عليه وزر؟ )) الجواب؟ نعم عليه وزر، قال: ((فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)) رواه مسلم.
وهذه المسألة وهي الانشغال بالحلال عن الحرام، منه ما يحتاج إلى نية، ومنه ما لا يحتاج، فالجلوس في المسجد يؤجر عليه باعتباره عبادة، ينتظر الصلاة، يذكر الله في أشرف البقاع، لكن إذا قصد بجلوسه في المسجد الانكفاف عن المجالس وفضول الكلام، يقول: إن جلست في البيت جاءني أحد، إن رحت إلى أحد أو جيت لا نسلم من القيل والقال، فأنا أجلس في المسجد أحفظ لساني، وكثير من السلف يحفظ صيامه بالمكث في المسجد، إذا صام مكث في المسجد عن القيل والقال؛ لأن الإنسان لا بد أن يتكلم، وأن يبدر منه في كلامه شيء، فهم يحفظون، إذا استحضر هذه النية كان أجره أعظم، وإن قال: إن شهوته شديدة وقوية إذا لم يجلس في المسجد تعرض لرؤية النساء وافتتن بهن، استحضر هذه النية أيضاً يؤجر على ذلك، بخلاف ما إذا لم يخطر ذلك له على بال فإنما يؤجر على مجرد بقائه في المسجد، الأجر المقرر له، نعم.
قال المؤلف -عليه رحمة الله-:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة)) رواه البخاري ومسلم.
стр. 384
في هذا الحديث يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل سلامى)) " المراد بذلك المفاصل التي اشتمل عليها البدن من العظام، وقدروها بثلاثمائة وستين مفصلاً –عضواً- يمكن فصله عن غيره، وهذه المفاصل وجودها في البدن من أعظم نعم الله -جل وعلا-، ومن أراد أن يتبين ذلك فلينظر إلى الضرر العظيم فيما إذا تصلب عنده مفصل، لو الأصبع الصغيرة، لا يستطيع الإنسان أن يثنيها، يتأذى به أذى لا يعرفه إلا هو، لو أن الرجل الذي يمدها ويكفها كيفما شاء ومتى أراد تصلبت، لا يستطيع أن يعطفها، تأذى بها أذى عظيماً، هذه نعم من الله -جل وعلا-، لا يقدرها ويعرف قدرها إلا من فقدها، هذه النعم تحتاج إلى شكر، شكر لله -جل وعلا- بأن تستعمل فيما يرضيه، وأن يتصدق عنها شكراً للواهب -جل وعلا-، فعلى الإنسان أن يتصدق يومياً بثلاثمائة وستين صدقة، يعني لو أن الأمر انتهى إلى هذا لصار فيه من المشقة على الناس الشيء العظيم، كثير من الناس لا يستطيع أن يتصدق، فكيف يتصدق بعدد السلامى، بعدد المفاصل، ثلاثمائة وستين صدقة، كل سلامى من الناس عليه صدقة، كيف نتصدق؟ كثير من الناس فقراء، قال: ((كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة)) تحكم بين اثنين بالعدل وتصلح بين اثنين صدقة، قد يقول قائل: متى نجد أناس متنازعين، وإذا تنازعوا لا يأتون إلينا لنصلح بينهم، يذهبون إلى المحاكم، فما يتيسر لنا مثل هذا.
((وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها)) رجل زمن مقعد، ترفعه إلى دابته وتضعه عليها، أو تجعل نفسك تكأة له يصعد على دابته بواسطتك، هذه صدقة، قد يقول قائل: أنا عمري كله ما قد صادفت واحد يقول: ارفعني على سيارتي أو على دابتي، في حلول، حلول كثيرة ولله الحمد، شرعنا ولله الحمد ما ضيق علينا، الدين يسر.
((تعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة)) امتطى الدابة وركب السيارة ونسي شيء في الأرض، قال: اعطني إياه جزاك الله خير، تعطيه إياه صدقة.
стр. 385
((والكلمة الطيبة صدقة)) كلمة طيبة، هذه كل يملكها، وكل يزاولها، يعني ما هي مثلما تقدم، قد لا تجد من يطلب الإعانة منك، يعني لو وجدت إنسان بحاجة إلى إعانة، صاحب سيارة ومعه أسرته في طريق ومنبشرة السيارة، هذه من أعظم الصدقات أن تعينه على إصلاحها، ما كل الناس لديه القدرة على إصلاح مثل هذا، أو تجد شخص على الطريق يشير إليك لتحمله هذه صدقة عظيمة منك عليه، شريطة أن تأمن على نفسك؛ لأنه كثر من يقطع مثل هذه الأمور بسبب سوء تصرفاته، يشير إلى الناس في الطريق ثم إذا ركب مع أحد أجبره على أن يحيد عن الطريق يميناً أو شمالاً، وأخذ ما معه من مال، وقد يقتله، وقد يتعرض له بالأذى، فإذا غلب على ظنك أن هذا الشخص صادق في أنه يريد أن يحمل إلى البلد الفلاني أو المكان الفلاني هذا من أعظم الصدقات.
((الكلمة الطيبة صدقة)) سواءً كانت في تعليم أو في أمر بمعرف ونهي عن منكر، كلها كلام طيب، أو دعاء تدعو له وتسلم عليه، كل هذا كلام طيب ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [(١٠) سورة فاطر].
((والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة)) تصور كم بين بيتك وبين المسجد؟ كل خطوة ترفع خطوة حسنة، تضع الرجل الأخرى حسنة، فضل الله واسع، وبعض الناس يحرص على أن يكون البيت قريباً من المسجد، نعم هذا يعينه على الصلاة في المسجد، وقد يتثاقل إذا كان بيته بعيداًَ عن المسجد، لكن إذا عرف الإنسان أن بكل خطوة حسنة وصدقة فإنه يهون عليه الأمر، ولذا لما أراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى جوار المسجد قال النبي ﵊: ((بني سلمة دياركم تكتب آثاركم)) الزموا دياركم ولو كانت بعيدة، نعم الناس ضعف عندهم إرادة الخير الوارد في مثل هذا النص، فتجده إذا أراد أن يخرج لصلاة الظهر إلى المسجد وبيته خطوات، حسب لها ألف حساب، في الصيف مثلاً الشمس حارة، والكسل عام، فتجده يحسب حساب، يمكن البيت عن المسجد مائة متر، ويتأول لنفسه يقول: هذه مشقة عظيمة، ليست مشقة، إذا تصورت الأجر المرتب على ذلك والإثم الناشئ عن ترك الصلاة في المسجد مع الجماعة، إذا تصورت ذلك هان عليك هذا الأمر، والله المستعان.
стр. 386
((والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة)) جاء في الجمعة: ((من بكر وابتكر، وغسل واغتسل، ومشى ولم يركب، ودنى واستمع من الإمام وأنصت كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها)) لكن كم ممن يسمع مثل هذا الخبر وكأنه خبر جريدة، لا يؤثر فيه شيئاً، لا يبكر، يأتي قرب دخول الإمام، أو بعد دخول الإمام، وتجده من العجلة لا يغتسل ولا يغسل، وتجده يركب ولا يمشي، ويكون بعيداً عن الإمام، وقد لا يوفق للإنصات، وهو يسمع هذا الأجر العظيم، مع أن الحديث فيه كلام لأهل العلم، لكن بعضهم أثبته، أجر سنة صيامها وقيامها، كل خطوة، والخير موجود في أمة محمد إلى قيام الساعة.
نعرف من الشباب من يبعد عن المسجد كيلوات، في أقصى البلد، ويقصد إلى مسجد تصلى فيه على الجنائز، وهذا مقصد حسن، كونه يتجاوز عشرة جوامع إلى هذا الجامع من أجل أن يصلي على الجنائز هذا مقصد شرعي، بكل جنازة قيراط، ويمشي، يتجهز من طلوع الشمس، هو جلس في مسجده الذي صلى فيه الصبح إلى أن ارتفعت الشمس، ثم تجهز لصلاة الجمعة، ومشى ساعة أو ساعتين، كم خطوة في هذا؟ والذهاب والإياب حسابهما سواء، فلا يركب لا في ذهابه ولا في إيابه، أجور عظيمة، والموفق من وفقه الله، ويسر عليه هذا الأمر، وإلا فهو شاق، وتجد كثير من الناس بما في ذلك بعض من ينتسب إلى العلم تجده إنما يحضر إلى الجمعة راكباً مع الإمام أو قبيل الإمام، هذا حرمان بلا شك.
((وتميط الأذى عن الطريق صدقة)) إماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان، وهي صدقة منك على نفسك، حيث تصدقت عليها، وأيضاً صدقة منك على غيرك الذي قد يتأذى بهذا الأذى، والله المستعان.
سم.
قال المؤلف -عليه رحمة الله-:
عن النواس بن سمعان ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس)) رواه مسلم.
стр. 387
وعن وابصة بن معبد ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال: ((جئت تسأل عن البر والإثم؟ )) قلت: نعم، قال: ((استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك)) حديث حسن، رويناه في مسندي الإمام أحمد والدارمي بإسناد حسن.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث السابع والعشرين:
عن النواس بن سمعان -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ قال: ((البر حسن الخلق)) وجاء تفسير البر في آية البقرة ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ [(١٧٧) سورة البقرة] يعني جاء تفسيره في القرآن غير التفسير المذكور هنا، فالبر يشتمل على أشياء كثيرة، البر اسم جامع لكل خصال الخير بدأ من الإيمان بالله وبقية أركان الإيمان، وجميع شرائع الإسلام كلها بر، لكن النبي ﵊ حصر البر هنا بحسن الخلق، وحسن الخلق أشمل من أن يكون في التعامل مع المخلوق، فتتلقى الشرائع الإلهية والأوامر والنواهي بصدر رحب، لا مع ضيق النفس، لا مع تأفف، لا مع تذمر، فحسن الخلق يشمل جميع المعاملات، معاملة الإنسان مع ربه، معاملة الإنسان مع نفسه، معاملته مع غيره، حسن الخلق، وما وضع في الميزان أثقل من حسن الخلق.
((البر حسن الخلق)) هذا أسلوب حصر، تعريف جزئي الجملة يدل على الحصر، والحصر هنا إضافي للاهتمام بشأن ما حصر فيه المسند إليه، ليس بحصر حقيقي؛ لأن البر يكون بشرائع من شرائع الإسلام غير حسن الخلق، وإن كان حسن الخلق يمكن أن يدخل في جميع شرائع الإسلام، لكن مع ذلك هذا الحصر إضافي ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ [(١٤٤) سورة آل عمران] هو رسول ﵊، وهو أيضاً له صفات أخرى بشرية ينتابه فيها ما ينتاب البشر، وما الشاعر إلا حسان، هناك شعراء غير حسان، على كل حال يسمونه في مثل هذه الحالة حصر إضافي.
((البر حسن الخلق، والإثم)) ما يقابل البر ((ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس)) لأنه لا بد أن يكون فيه شيء، إذا كرهت أن يطلع عليه الناس، وتخشى أن ينكر عليك لا بد أن يكون فيه شيء.
стр. 388
قد يقول قائل: يكره الإنسان المخلص أن يطلع الناس على أعماله الصالحة، صلى بالليل، وصام بالنهار، وكره أن يطلع الناس عليه، ليس من هذا الباب؛ لأنه جاء فضل الإخفاء، إخفاء الصلاة، إخفاء العبادة، إخفاء الصدقة ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) مطلوب الإخفاء، ويكره أن يطلع عليه الناس؛ لئلا يخدش إخلاصه، فإذا كان خوفه من اطلاع الناس على عمله أن يتأثر في إخلاصه، وأن ينتابه شيء من الشرك الخفي، فإن هذا شر، لكن إذا خشي أن يطلع الناس على عمله لئلا ينكروا عليه فهو المراد هنا: ((وكرهت أن يطلع عليه الناس)).
أحياناً يكون العمل صالح، والأفضل أن يخفيه عن الناس؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص، قد يكون الأفضل له أن يظهره للناس من أجل أن يقتدى به، عمل صالح يقتدى به، فيكون له أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة، وصلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة، وقد تكون في المسجد أفضل منها في البيت إذا رأى الناس يتساهلون في النوافل أو يتهمونه بأنه لا يصلي النوافل وهو ممن يقتدى به، إذا أظهر ذلك أحياناً كان أفضل، يكون في حقه أفضل.
стр. 389
((الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة)) هذا الحديث حسن مخرج في سنن أبي داود وغيره ((الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة)) هل المراد بالجاهر والمسر الذي يقرأ عند الناس في المسجد، يقرأ بين الناس إما برفع صوت أو بخفض صوت، أو أن يقرأ بين الناس في المسجد أو يقرأ في بيته؟ الجهر والإسرار كما يكون في الصوت يكون أيضاً في الظهور والخفاء، والمطابقة إنما تتم بين الجهر والإسرار بالقرآن، مع الجهر والإسرار بالصدقة أن تكون القراءة على الملأ، أو في الخلوة؛ لأنه لا يتصور أن يتصدق بصوت أو بعدم صوت، إنما يتصدق والناس ينظرون إليه، أو يتصدق فيخفي صدقته عن الناس، ومثل هذا قراءة القرآن، إذا قرأ بين الناس ولو أسر بصوته صار حكمه حكم المعلن بالصدقة، لكن قد يعتري رفع الصوت بالقرآن بين الناس ما يعتريه بخلاف الإسرار بالقراءة ولو كانت بين الناس؛ لأنه إذا قرأ بصوت يستحسنه الناس ويمدحونه به، ويثنون عليه، قد يتأثر بهذا المدح بخلاف ما إذا قرأ سراً، لا سيما إذا كان هناك من يتشوش بقراءته، فلا شك أن الإسرار أفضل.
((وكرهت أن يطلع عليه الناس)) رواه مسلم.
"وعن وابصة بن معبد -رضي الله تعالى عنه- قال: أتيت رسول الله ﷺ " فبادره النبي ﵊ وأخبره عما في نفسه؛ لأن الله -جل وعلا- أطلع نبيه على ما في نفسه، أو يكون بلغه بواسطة شخص تحدث إليه الواسطة، وإلا فما في القلوب لا يعلمه إلا علام الغيوب، النبي ﵊ لا يعلم الغيب، لا يعلم الغيب إلا الله -جل وعلا-.
قال: ((جئت تسأل عن البر؟ )) قلت: نعم، قال: ((استفت قلبك)) القلب السليم يدرك البر والإثم، القلب السليم لا القلوب المدخولة المنحرفة والفطر المتغيرة لا، هذا لا تدرك بذاتها.
стр. 390
((استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب)) إذا كنت ترتاح لهذا العمل وأنت قلبك سليم، وفطرتك مستقيمة ما اجتالتك الشياطين فالبر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب ((والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر)) يعني سألت عن حكم مسألة وارتحت واطمأن قلبك إلى جواب من أفتاك هذا البر، لكن إذا كنت سألت هذا العالم وأفتاك بكلام لم ترتح له، لا سيما إذا كان يوافق هواك، ارتكبت شيئاً في حج أو عمرة ثم سألت من تثق بعلمه، وقال: ما عليك شيء، وأنت ما زال في قلبك شيء، احتمال أن يكون عليك دم، فأنت إذا ترددت في هذا اسأل غيره، اسأل غير هذا العالم لتطمئن، فإذا أفتاك ثاني خلاص انتهت المشكلة، وأما إذا أفتاك بما يخالف هواك الأول قال: عليك دم، تقول: والله أنا ما أنا مرتاح لهذا الجواب، ليش ما أنت مرتاح؟ لأنه لا يوافق هواك، لا لأن صدرك مرتاح وقلبك مطمئن، فمثل هذا الذي يغلب على الظن أنك تبحث عن رخص.
((والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك)) يعني مهما أفتوك وأنت في تردد من هذا، فلو قدر أن شخصاً على مذهب لا يرى أكل مثل هذا الحيوان، ثم ذهب يستفتي من يرى حل هذا الحيوان، بيرتاح لهذه الفتوى وإلا ما يرتاح؟ حنبلي سأل شافعي مثلاً أو مالكي عن الثعلب يؤكل وإلا ما يؤكل؟ قال: يؤكل، هذا السائل بيرتاح لهذه الفتوى؟ إلا لهوى في نفسه، هو محتاج للأكل، قد يكون محتاج للأكل فيوافق هواه، حينئذٍ لا يرتاح، وإن أفتاه من أفتاه، لو أفتاه الإمام الشافعي برأسه، والإمام مالك نجم السنن، فإنه حينئذٍ لا يرتاح؛ لأنه شب على كراهية مثل هذا اللحم أو تحريم هذا اللحم.
((وإن أفتاك الناس وأفتوك)) حديث حسن، رويناه، وعلى اصطلاح ابن الصلاح يقول: "رويّناه في مسندي الإمامين أحمد بن حنبل والدارمي بإسناد حسن.
والحديث فيه انقطاع، ولكن له شواهد، شواهد منها حديث النواس بن سمعان الذي قبله.
следующие страницы →