← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23582

أحكام القرآن للكيا الهراسي

الكيا الهراسي

Полный текст (904 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

(مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) «١» . وقوله تعالى: (أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ) ، يفيد أنه لو كان به قروح في رأسه، أو جراح، فاحتاج إلى سده وتغطيته، كان حكمه في الفدية حكم الحلق، وكذلك سائر الأمراض التي تصيبه، واحتاج معها إلى لبس الثياب جاز له أن يستبيح ذلك ويفتدى. لأن الله تعالى لم يخصص شيئا من ذلك، فهو عموم في الكل. فعلى هذا إن قال قائل: (أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ) معناه: فحلق، ففدية قبل الحلق «٢» ، وهو غير مذكور وإن كان مرادا، وكذلك اللبس وتغطية الرأس، كل ذلك غير مذكور وهو مراد، لأن المعنى فيه استباحة ما يحظره الإحرام للعذر، وكذلك لو لم يكن مريضا وكان به أذى في بدنه، يحتاج معه إلى حلق الشعر، كان في حكم الرأس في باب الفدية، إذ كان المعنى معقولا وهو استباحة ما يحرمه الإحرام في حالة العذر. وصيام الجبرانات «٣» ثلاثة أيام في خبر كعب بن عجرة، ويحكى فيه خلاف ذلك عن الحسن وعكرمة، وأن الصيام لها عشرة أيام كصيام المتمتع. وأما النسك فأقله شاة. والفدية بالصدقة، أن يطعم ستة مساكين ثلاثة آصع من تمر أو

стр. 107

طعام، فأما الصدقة بالطعام والدم، فيمكنه عند الشافعي، والصيام، حيث شاء، وأبو حنيفة يجوز الصدقة حيث شاء، لمطلق قوله ففدية من صيام أو صدقة أو نسك، غير أن الدم اختص بالحرم بقوله: (ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) ، وقال: (هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ) . والشافعي يرى أن وجوب الذبح متى كان في الحرم، أوجب اختصاص التصدق باللحم بالحرم أيضا، وهذا أيضا مذكور في علم الخلاف.. قوله تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) الآية..، والتمتع كرهه عمر، لأنه أحب عمارة البيت بكثرة الزوار له في غير الموسم، وأراد إدخال الرفق على أهل الحرم بدخول الناس إليهم، تحقيقا لدعوة إبراهيم ﵇ بقوله: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) «١» . ورخص الشرع في ذلك نظرا لأرباب الدور البعيدة «٢» ، وليجمعوا بين النسكين في أيام الحج، مراغمة لأهل الجاهلية، في جعلهم العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور وأكبر الكبائر. وسماه الله تعالى تمتعا، لأنه تمتع بربح سفر العمرة. ولزمه الدم لذلك، ولم يجب على حاضري المسجد الحرام، لأنهم لم يربحوا سفرا. وأبو حنيفة يقول: لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام، فإن قرن منهم قارن أو تمتع، فهو مخطئ، وعليه دم لا يأكل منه، لأنه ليس هو بدم متعة، إنما هو دم جناية.

стр. 108

والشافعي يقول: لهم أن يتمتعوا بلا هدي.. واحتج أبو حنيفة بقوله تعالى: (ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ «١» حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) . فانصرف ظاهره إلى القرآن والمتعة، أي: ليس للحاضرين ذلك، ولو كان المراد به الدم لقال: «ذلك على من لم يكن» . والشافعي يقول: لهم، بمعنى عليهم، وإلا فالنسك لا يختلف في متعة أهل مكة من القرآن. والتمتع دليل على أن القرآن رخصة، لكنه رآها لأرباب المسافة البعيدة، وذلك يقتضي كون الإقران أفضل، لأن الرخصة لا تكون أفضل، بل هي لمكان الحاجة، وكونه رخصة، يقتضي كون الدم دم جبر، حتى لا يؤكل منه خلافا لأبي حنيفة. ثم اعتقد أبو حنيفة أن استثناء أهل مكة، إنما كان لإلمامهم بالأهل، فالإلمام بالأهل بين العمرة والحج في حق الآفاقي، يمنع كونه متمتعا، ولم ينظر إلى صورة السفر، وقال: إذا خرج من مكة حتى جاوز الميقات، فهو متمتع، إن حج من عامه ذلك، إذا لم يلم بأهله بعد العمرة. وقال أبو يوسف: إنه ليس بمتمتع، لأن ميقاته الآن في الحج ميقات أهل بلده، لأن الميقات صار بينه وبين مكة، فكان بمنزلة عوده إلى أهله، وزعموا أنه لو أحرم بالعمرة في رمضان، واعتمر في شوال، وحج من عامه، كان متمتعا، وإن وقع الإحرام في غير أشهر الحج،

стр. 109

وقالوا: يعتبر وقوع أكثر الطواف في أشهر الحج، فإن وقع في «١» غيره لم يكن متمتعا، يعني الأكثر. وشيء من ذلك لا يعتبر عندنا.. وأما حاضري المسجد الحرام، فهم من كان دون مسافة القصر عند الشافعي، ودون الميقات عند أبي حنيفة، ويبعد جعل أهل ذي الحليفة من حاضري المسجد الحرام، وبينهم وبين مكة مسيرة عشرة أيام. وذكر عبد الله بن الزبير، وعروة بن الزبير متعة أخرى: وهو أن يحصر الحاج المفرد بمرض أو أمر يحبسه فيقدم فيجعلها عمرة، ويتمتع بحجه إلى العام القابل ويحج، فهدا المتمتع بالعمرة إلى الحج، فكان من مذهبه أن المحصر لا يحل، ولكنه يبقى على إحرامه، حتى ينحر عنه الهدي يوم النحر، ثم يحلق ويبقي على إحرامه، حتى يقدم مكة فيتحلل بعمل عمرة من حجه.. والذي ذكره ابن الزبير بخلاف عموم قوله: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) بعد قوله: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) ، ولم يفصل في حكم الإحصار بين الحج والعمرة، والنبي ﵇ وأصحابه، حين حصروا بالحديبية، حلق وحل وأمرهم بالإحلال، وعلى أن الذي يلزم بالفوات، ليس بعمرة، وإنما هو مثل عمل عمرة، وهي من أعمال الحج. والله يقول: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) . فجعل الهدي معلقا بفعل العمرة والحج،

стр. 110

والدم الذي يلزمه هو بالإحصار، غير متعلق بوجود الحج بعد العمرة، وهذه المتعة هي الإحلال إلى النساء، لا على الوجه الذي ذكرناه من الجمع بين العمرة والحج في أشهر الحج. نعم إذا بان أنه ليس بعمرة، فالذي قاله أبو حنيفة، من وجوب قضاء الحج والعمرة على المحصر بعد التحلل ليس بصحيح. المتعة الأخرى: وهي فسخ الحج، إذا طاف له قبل يوم النحر، وهذا الحكم غير ثابت، إلا على قول ابن عباس، فإنه كان يراه على ما رواه عطاء عنه، وأنه كان يقول: لا يطوف أحد بالبيت قبل يوم النحر إلا حل من حجه، فقيل له: من أين قلت ذلك؟ .. فقال: من سنة رسول الله ﷺ ، وأمره الناس في حجة الوداع أن يحلوا، ومن قول الله تعالى: (ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) ، وتظاهرت الأخبار أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه بفسخ الحج، من لم يكن معه منهم هدي، ولم يحل هو ﵇ وقال: «إني سقت الهدى فلا أحل إلى يوم النحر» ، ثم أمرهم فأحرموا بالحج يوم التروية، حين أرادوا الخروج إلى منى، وهي إحدى المتعتين اللتين قال عمر: متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ وأنا أنهي عنهما وأضرب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج. وروي عن بلال بن الحارث «١» المزني أنه قال: قلت: يا رسول

стр. 111

الله، فسخ الحج لنا خاصة أم لمن بعدنا؟ .. فقال: لا، بل لنا خاصة. وقال أبو ذر «١» : لم يكن فسخ الحج بعمرة، إلا لأصحاب رسول الله.. وقال قوم: إن أمر النبي ﷺ أصحابه بالإحلال، كان على وجه آخر، وذكر مجاهد ذلك الوجه، وهو أن أصحاب رسول الله ﷺ ، ما كانوا فرضوا الحج أولا، بل أمرهم أن يهلوا مطلقا، وينتظرون ما يؤمرون به، وكذلك أهل على اليمن، وكذلك كان إحرام النبي ﵇، ويدل عليه قوله ﵇: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة» . وكأنه خرج ينتظر ما يؤمر به، وبه أمر أصحابه، ويدل عليه قوله ﷺ : «أتاني آت من ربي في هذا الوادي المبارك- وهو بوادي العقيق- فقال: صل بهذا الوادي وقل حجة في عمرة» .

стр. 112

فهذا يدل على أن النبي ﷺ ، خرج منتظرا ما يؤمر به، فلما بلغ الوادي أمر بحجة في عمرة، ثم أهل أصحاب النبي ﵇ بالحج، وظنوا أنه أمرهم بذلك، فلم يكن إحرامهم صحيحا، أو مروا بالمتعة بأن يطوفوا البيت، ويحلوا ويعملوا عمل العمرة ويحرموا بالحج، كما يؤمر من يحرم بشيء لا يسميه أنه يجعله عمرة إن شاء، وهذا ليس له وجه، فإن الصرف إلى الحج إن لم يصح، فلا حاجة إلى الفسخ، وإن صح ففسخه هو الحكم المنسوخ. ولأن المقصود إبانة حكم مفسوخ، وفي وقتنا هذا تمام العمرة، إذا صرف إلى أحد النسكين، تعين فلا يقبل الفسخ.. والصحيح في ذلك ما ذكرته عائشة، وقد أنكرت أن يكون النبي ﵇، أمر بفسخ الحج على حال، وقالت: «خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فمنا من أهلّ بالحج، ومنا من أهلّ بالعمرة، ومنا من قرن» ، فمن أهل بحج مفرد أو قرن، لم يحل حتى يقضي مناسك الحج، ومن أهل بعمرة وطاف وسعى، حل من إحرامه حتى يستقبل حجا.. وروي عن أصحاب أبي حنيفة، بناء على الأقوال الأولى، أن هدي المتعة لا يجزئ قبل يوم النحر، لأن النبي ﵇ قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة» . وقد كان النبي ﵇ قارنا وقد ساق الهدي، وقال لعلي: «إني سقت الهدي فلا أحل قبل يوم النحر» «١» ، فدل على امتناع جواز ذبح الهدى للمتعة قبل يوم النحر.

стр. 113

وهذا فاسد، فإنه بيّنا أن النبي ﵇، لم يأمر أحدا بفسخ الحج وجعله عمرة، وأن الأمر على ما قالته عائشة، وإنما قال ﵇ ما قال، لأنهم التمسوا من رسول الله ﷺ ، أن يعتمر معهم، فذكر أنه أحرم بالحج وأنه لا يقضي «١» مناسكه، إلا في يوم النحر وبعده. وكانت عائشة وافقت رسول الله ﷺ ، ولذلك قالت: أكل نسائك ينصرفن بنسكين وأنا أنصرف بنسك واحد؟ فأمر رسول الله ﷺ عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم، فاعتمرت وانصرفت بنسكين. وقوله تعالى: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) الآية (١٩٦) . يدل على أن صيام الثلاثة الأيام يجب أن يقع في الحج، لا كما قال أبو حنيفة، إنه يجوز ذلك بعد الإحرام بالعمرة، قبل الإحرام بالحج.. وقوله تعالى: (فِي الْحَجِّ) : إما أن يكون المراد به: في الإحرام بالحج، أو في أشهر الحج، وأحد المعنيين خلاف الإجماع فتعين الثاني.. وكيف يجوز أن يعلق البدل على عدم الأصل، ثم يجوز البدل في غير وقت جواز الأصل؟ وإن زعموا أن رسول الله ﷺ قال: «إني سقت الهدي فلا أحل قبل يوم النحر» ، فهذا هو التحلل من الحج لا غيره.

стр. 114

ولأصحاب الشافعي خلاف في جواز تقديم العبادة المالية على وقت الوجوب إذا وجد سببها. ولكن سبب البدل يكون بسبب الأصل لا محالة، فأما أن يمتنع الأصل، ولا يمتنع البدل فلا وجه له، وبه يعلم أن لا سبب قبل الإحرام بالحج، فإنه إنما يمتنع بإخلاء بعض وقت الحج عن الإحرام بالحج وشغله بغيره، فلا يظهر ذلك ولا يتحقق، قبل الإحرام بالحج. ولأجل بناء البدل على الأصل قلنا: إن لم يصم المتمتع قبل يوم النحر، صام الثلاث بعد أيام التشريق.: وقال أبو حنيفة: لا يصوم بعد أيام الحج، ويصوم قبل الإحرام بالحج وأيامه، وهذا تناقض بين، وقصارى قوله تعالى: (فِي الْحَجِّ) بيان وقت الجواز، وأنه يتهيأ له في تلك الحالة، لأنه يكون على صورة المقيمين، وإلا فصيام الثلاثة والسبعة والهدى ميقاتها واحد، ويجوز تأخيرها عندنا بعذر السفر، وهو كأداء الكفارات بعد وجوبها من غير فرق. وسوى أصحاب الشافعي بين الأصل والبدل، وصيام السبعة والثلاثة في أن جميعها شيء واحد. وفرق أبو حنيفة وأصحابه بينهما وقالوا: إذا وجد الهدي بعد دخوله في الصوم قبل أن يحل، فعليه الهدي ويبطل حكم الصوم. وعند الشافعي: كما لا يبطل صوم السبعة بوجود الهدى بعد الثلاثة، فكذلك بعد الصوم في أول اليوم أو في ثانيه، لأن الله تعالى قال: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ) (١٩٦) فجعل الجميع بدلا.

стр. 115

وزعم المخالف أن صوم الثلاثة يتوقف عليها الحل، ففرض الهدي قائم عليه، ما لم يحل وتمضي أيام النحر التي هي مسنونة للحلق، فمتى وجد فعليه أن يهدي، وزعموا أن الهدي مشروط للإحلال، لأنه لا يجوز أن يحل قبل ذبح الهدي، لقوله تعالى: (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) . فمن لم يحل حتى وجد الهدي، فعليه الهدي، لأن الله لم يفرق في إيجابه الهدي بين حاله قبل دخوله في الصوم أو بعده، وهذا غلط، ولو كان وجوب الهدي لمكان التوصل به إلى الإحلال، ما ثبت وجوبه إلا على هذا الوصف، ويسقط بالإحلال دون الهدي، إذا لم يجد الهدي ولم يصم الثلاثة، وهذا خلاف الإجماع. ولأنه أوجب الهدى على المتمتع، فكان ذلك مضافا إلى تمتعه لا إلى غيره، وذلك لا يستدعي وصف الإحلال، ولو كان لوصف الإحلال، لما شرع صوم السبعة بدلا عن الهدي بعد الإحلال، لأن البدل يقصد به ما قصد بالأصل، ولا يجوز أن يشرع بعض البدل لمقصود، وبعضه لمقصود آخر.. نعم أوجب الله تعالى عليه الهدي أولا جزاء على تمتعه، فإذا لم يجد أوجب الصوم، فإذا ابتدأ الصوم ها هنا أو صوم الظهار، فقد صح الصوم، ومتى صح الصوم، سقط عنه فرض الرقبة والهدي لصحة الجزاء المفعول عنه، ولذلك قالوا في المتيمم إذا رأى الماء في خلال صلاته، إن فرض الطهارة بالماء يسقط عنه لهذه الصلاة، فخرج الوضوء عن كونه شرطا في حق هذه الصلاة، وليس يمكن أن يقال إن الصلاة أو الصوم موقوفان لا يحكم بصحتهما، فإن الوقف إنما يكون إذا لم تكمل شرائط الصحة، فأما إذا كملت الشرائط، فلا يمكن أن يجعل موقوفا، ولو بطلت العبادة، فليس بطلانها نظرا إلى الحال، بل لمكان

стр. 116

الفساد فيما مضى، وفساده فيما مضى لعدم شرطه فيما مضى.. قوله تعالى: (وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ) ، يحتمل الرجوع إلى أهله ويحتمل الصوم في الطريق في حالة الرجوع من منى. وقوله (كامِلَةٌ) ، يحتمل أنها كاملة في قيامها مقام الهدي. ويحتمل أن يزيل به خيال تأويل مستكره، وهو أن الواو ربما تذكر بمعنى أو، فأزال هذا الاحتمال بقوله: كاملة. وجعل الشافعي هذا من البيان الأول، فقيل له: قوله: ثلاثة وسبعة، غير مفتقر إلى البيان، فكيف يعده من أقسام البيان؟ .. فأجاب بأنه لا يحتاج إلى بيان ليخرج به عن حد الإشكال، ولكنه يخرج به عن حد الاحتمال البعيد الضعيف، فجعلناه في أول أقسام البيان، لأن معناه تجلى على وجه لا مرتقى بعده في درجات البيان.. قوله: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ) (١٩٧) . اختلف الناس في أشهر الحج ما هي؟ .. فقال ابن عباس وابن عمر: إنها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة «١» . وعن ابن مسعود: أنها شوال وذو القعدة وذو الحجة «٢» . وعن ابن عباس وابن عمر في رواية أخرى مثله، وكذلك روي عن طاوس ومجاهد..

стр. 117

وقال قائلون: يجوز أن لا يكون ذلك اختلافا في حقيقة، وأن يكون مراد من قال: وذو الحجة أنه بعضه، لأن الحج لا محالة، إنما هو في بعض هذه الأشهر لا في جميعها، لأنه لا خلاف أنه ليس يبقى بعد أيام منى شيء من مناسك الحج، فأريد بعض الشيء يذكر جميعه، كما قال ﷺ في أيام منى ثلاثة، وإنما هي يومان وبعض الثالث. ويقال: حجبت عام كذا، وإنما حج في بعضه، ولقيت فلانا في سنة كذا، وإنما كان لقاؤه في بعضها، وكلمته يوم الجمعة وإنما المراد به البعض.. هذا في فعل لا يستغرق كل الوقت.. ويحتمل وجها آخر: وهو أن الجاهلية كانوا ينسئون الشهور، فيجعلون صفر المحرم، ويستحلون المحرم على حسب ما يتفق لهم من الأمور التي يريدون بها القتال، فأبطل الله تعالى النسيء، وأقر وقت الحج على ما كان عليه ابتداؤه يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة إثنا عشر شهرا منها أربعة حرم: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادي وشعبان، فقال الله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ) ، يعني بها هذه الأشهر، التي ثبت وقت الحج فيها، دون ما كان عليه أهل الجاهلية من تبديل الشهور وتقديم الحج وتأخيره، وقد كان الحج عندهم معلقا بأشهر الحج، التي هي الأشهر الحرم الثلاثة التي يأمنون فيها صادرين وواردين، فذكر الله تعالى هذه الأشهر، وأخبر باستقرار أمر الحج فيها، وحظر عليهم تغييرها وتبديلها إلى غيرها. ويحتمل أيضا أن الله تعالى لما قدم ذكر التمتع إلى الحج، ورخص فيه وأبطل به ما كانت العرب تعتقده من حظر العمرة في هذه الأشهر،

стр. 118

قال الله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ) ، فأفاد بذلك أن الأشهر التي يصح فيها التمتع بالعمرة إلى الحج، ويثبت حكمه فيها، هي هذه الأشهر، وأن من اعتمر في غيرها ثم حج، لم يكن متمتعا، ولم يكن له حكم التمتع. قوله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ «١» قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) (١٨٩) : فاستدل بعض الحنفية، على كون جميع شهور السنة مواقيت للحج، كما كانت بأسرها مواقيت للناس، ولزمهم من هذا أن يكون الحج المطلق، عبارة عن الإحرام فقط، دون سائر الأفعال، مع أن الإحرام عندهم، ليس من الحج، بل هو شرط الحج، والذي هو الحج من طواف القدوم في غير أشهر الحج، وسعى، لم يجز إجماعا، فإذا علم ذلك، فحمل اللفظ على بعض الشهور، أولى من حمل الحج المطلق على الإحرام، الذي ليس من الحج، وإنما هو طريق إليه وشرط له، ولأن الله تعالى لم يرد جعل الأهلة ميقاتا للحج، باعتبار كونها أهلة، فإن الإحرام ليس يتعين له أول الشهر، ولا المواقيت أيضا، وإنما الأهلة عبارة عن جملة الشهر، فإن السائل سأل رسول الله ﷺ على ما أجمع عليه أهل التفسير وقال: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو مستدقا، ثم ينمو حتى يتكامل ثم ينقص. وكان السؤال من معاذ بن جبل ﵁، عن زيادة القمر ونقصانه، فأخبر الله تعالى أن الحكمة في زيادته ونقصانه، زوال الالتباس

стр. 119

عن أوقات الناس في حجهم، وحل ديونهم، وعدد نسائهم، ومدد حواملهم، وأجرة أجرائهم وغير ذلك. ولا شك أن الوقت في الوقوف متعلق بالهلال، فالهلال ميقات له، لأنه به يعرف، وكذلك الطواف، فلا يتضمن ما قلناه، إطلاق اسم الحج على شرط الحج، دون نفس الحج. فإن قيل: فعلى قولكم أيضا قد قال تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ) والأفعال كالوقوف، وسائر الأفعال إنما تقع في غير الأهلة، بل في وسط الشهر لا في الأشهر، فليس في شوال من أفعال الحج شيء، فقد أخرجتم الحج عن أن يكون اسمه متناولا لشيء من الأفعال سوى الإحرام. قلنا في جواب ذلك: إن الإحرام ركن الحج عندنا، فقوله: (الحجّ أشهر) ، يعني عقد الحج وإنشاؤه في أشهر معلومات.. قالوا: احتمل أن يكون المراد به غالب أحوال الناس، وكأنه قال تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ) في تعارف الناس، فمن فرض في هذه الأشهر الحج، فلا يخلن بحقه، وليرفض الفسوق والرفث والجدال كما قال الله تعالى في صوم رمضان: (أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ) ، والمقصود به تهوين الأمر عليهم دعاء إلى فعله، لا سيما وليس في قوله: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ) صنفة الأمر، فيجوز أن يكون إخبارا عن متعارف أحوال الناس، في إيقاع الإحرام بالحج في هذه الأشهر، وهذا لأنا لا ننكر احتمال اللفظ له، إلا أن الظاهر ما قلناه. ومما سألوه أن من فروض الحج، ما يفعل بعد أشهر الحج، ويكون مفعولا في وقته، وهو طواف الزيارة، ولم يجز شيئا من فروض الصلاة

стр. 120

يفعل بعد خروج وقتها، إلا على وجه القضاء، فلم يجز أن يكون ركن العبادة باقيا في غير وقتها، فبقي إحرامه كاملا بعد أشهر الحج، وهو يوم النحر قبل رمي الجمار، حتى قال الشافعي: «إن جامع يوم النحر قبل رمي الجمار فسد حجه» ، فدل على كونه وقتا للإحرام بالعبادة، وليس بقاء العبادة في هذا الوقت، على نحو بقاء العصر بعد غروب الشمس، والصبح بعد طلوع الشمس، فإن ذلك وقت العذر والضرورة، لا وقته الأصلي، ولذلك لا يجوز تأخير صلاة العصر، إلى وقت يعلم وقوعها بعد غروب الشمس، وها هنا يوم النحر وقت أصلي لأفعال الحج، فليكن وقتا لعقد الإحرام.. والجواب عنه، أنه وقت لأعمال حج، لا يتصور بقاء الإحرام به، فإن الطواف في هذا اليوم، إنما يكون لحج يقدم الإحرام به قبل يوم النحر، وذلك الحج بالاتفاق، لا يتصور بقاؤه في هذا الوقت، والذي ينعقد من الإحرام في هذا الوقت، لا يتصور أن يكون هذا الوقت وقتا لأعماله، فكيف يجوز الاستدلال به؟ بل يقال إن فواته يدل على أن الوقت الذي لا يبقي فيه الإحرام، لا يجوز أن يكون وقتا لابتداء مثله، وهذا أقرب في الاستدلال. قوله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ «١» الْحَجَّ) (١٩٧) أي أوجبه على نفسه فيه. وظن بعض الناس أنه لا بد من شيء يصح القصد إليه، ويصح فرضه، يعني إيجابه، وهو التلبية، وهو مذهب أبي حنيفة. والشافعي يقول: أوجب فيه على نفسه فعل الحج، وهو منقسم

стр. 121

إلى كف النفس عن المحظورات، كالصوم، وإلى أفعال تباشرها «١» .. قوله: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ) «٢» الآية (١٩٧) : قال ابن عمر: الرفث الجماع. وعن ابن عباس مثل ذلك. وروي عنه أنه التعريض بالنساء. والأصل في الرفث الإفحاش في القول، وبالفرج الجماع، وباليد الغمز للجماع، هذا أصل اللغة. فدلت الآية، على النهي عن الرفث في هذه الوجوه كلها، ومن أجله حرم العلماء ما دون الجماع في الإحرام، وأوجبوا في القبلة الدم. وأما الفسوق فالسباب «٣» ، والجدال والمراء، وقيل: هو أن تجادل صاحبك حتى تغضبه، والفسوق المعاصي، فدلت الآية على تحريم أشياء لأجل الإحرام، وعلى تأكيد التحريم، في أشياء محرمة في غير الإحرام، تعظيما للإحرام، ومثله قوله: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن جهل عليه

стр. 122

فليقل إني امرؤ صائم «١» » .. قوله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا) «٢» في هذا المقام، يعطي التزود للحج حتى لا يتكلوا على الناس وسؤالهم، وقوله في مساق ذكر الحج: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ «٣» أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) (١٩٨) . يدل على جواز التجارة في الحج، حتى لا يتوهم متوهم أن ذلك لا يجوز، حتى لا يصرفه عن إكمال الحج، كما لا يجوز «٤» الاصطياد. قوله تعالى: (فَإِذا أَفَضْتُمْ «٥» مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ) (١٩٨) :

стр. 123

فيه دليل على أن الوقوف بعرفة من مناسك الحج.. وقوله: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ) (١٩٩) .. قيل: معناه أنه خطاب للحمس وهم قريش، فإنهم كانوا يقفون بالمزدلفة، ويقف سائر الناس بعرفات، فلما جاء الإسلام، أمرت قريش بأن تفيض من حيث أفاض الناس ويقفوا منهم «١» .. وقال الضحاك: إنه أراد به الوقوف بالمزدلفة، وأن يفيضوا من حيث أفاض إبراهيم ﵇، وسماه الناس، كما سماه أمة، لأنه بوحدته «٢» أمة كالناس، وأكثر الناس على القول الأول، إلا أن قول الضحاك أقوى من حيث دلالة النظم، فإن الله تعالى قال: (فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ) ، فذكر الإفاضة من عرفات، ثم أردف ذلك بقوله: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ) ، وثم تقتضي الترتيب لا محالة، فعلمنا أن هذه الإفاضة، هي بعد الإفاضة من عرفات، وليس بعدها إفاضة، إلا من المزدلفة وهي المشعر الحرام، فكان حمله

стр. 124

على هذا، أولى منه على الإفاضة من عرفة، لأن الإفاضة من عرفة، قد تقدم ذكرها، فلا وجه لإعادتها. ويبعد أن يقول: (فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ، فَاذْكُرُوا اللَّهَ) بعد الإفاضة من المشعر الحرام، ثم أفيضوا من عرفات. وغاية ما قيل في القول الآخر: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ) ، عائد إلى الكلام الأول، وهو الخطاب بذكر الحج ومناسكه، ثم قال: أيها المأمورون بالحج من قريش- بعد ما تقدم ذكرنا له- أفيضوا من حيث أفاض الناس، فيكون ذلك راجعا إلى صلة خطاب المأمورين، وهو كقوله تعالى: (ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) «١» . والمعنى: ثم بعد ما ذكرنا لكم، أخبركم أنا أتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن. ويعترض عليه، أن ذكر الإفاضة إذا تقدم وعقب بعده بنسك آخر، يقتضي الإفاضة، فلا يحسن أن يذكر بكلمة ثم ما يرجع على الإفاضة من الذي تقدم، دون أن يرجع إلى ما يليه. وقد قيل: إن ثم بمعنى الواو، ولا يبعد أن يقول: (فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ) ، (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ) ، مثل قوله تعالى: (ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) «٢» .. ومعناه: وكان من الذين آمنوا، (ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ) «٣» ومعناه «والله شهيد» .

стр. 125

فقيل لهم: قد ذكر الإفاضة من عرفات، فأي معنى لذكر الإفاضة ثانيا؟ فأجابوا: بأن فائدته أن يعلم أنه ليس خطابا لمن كان يقف بها من قبل، دون من لم يكن يرى الوقوف بها، فيكون التاركون للوقوف على ملة إبراهيم في الوقوف بالمزدلفة دون عرفات، فأبطل ظان «١» الظان لذلك بقوله: (أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ) .. أما كون الوقوف ركنا لا يصح الحج بدونه، فإنما علم بالإجماع وفيه إخبار أيضا، فمنه ما رواه عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: سئل النبي ﵇: كيف الحج؟ قال: «يوم عرفة، من جاء عرفة ليلة جمع قبل الفجر فقدتم حجه» .. وروى الشعبي عن عروة بن مضرس الطائي، أن النبي ﵇ قال بالمزدلفة: «من صلّى معنا هذه الصلاة، ووقف معنا هذا الموقف، ووقف بعرفة ليلا أو نهارا، فقد تم حجه وقضى تفثه» «٢» . وليس وجوب الوقوف والاعتداد به مخصوصا بالليل أو النهار، فالوقوف نهارا غير مفروض، وإنما هو مسنون، وقد دل ما رويناه من الخبر ومطلق قوله تعالى: (ثُمَّ أَفِيضُوا) ، على عدم اختصاصه بليل أو نهار، ولا يعرف لمذهب مالك وجه، إلا أن أهل الجاهلية كانوا يدفعون منها، إذا صارت الشمس على رؤوس الجبال، كأنها عمائم الرجال في وجوههم، وإنما كانوا يدفعون من المزدلفة، بعد طلوع

стр. 126

الشمس، فخالفهم النبي ﵇، ودفع من عرفات بعد الغروب، ومن المزدلفة قبل طلوع الشمس، فرأى أن خاصية الشريعة في مراغمة الكفار في عاداتهم، والمراغمة إنما تحصل بالوقوف ليلا.. والذي قالوه، لا يقتضي أن يكون فرضا، بل يجوز أن يكون ندبا، فإثبات الوجوب على هذا المعنى لا وجه له. وقوله تعالى: (فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ) ، ولم يختلف العلماء في أن المشعر الحرام هو المزدلفة، ويسمى جمعا أيضا، والذكر الثاني في قوله تعالى: (وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ) ، هذا الذكر المفعول عند المزدلفة غداة جمع، فيكون الذكر الأول غير الثاني، والصلاة تسمى ذكرا لقوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) «١» . فيجوز أن يفهم منه تأخير صلاة المغرب، إلى أن تجمع مع العشاء بالمزدلفة، وتواترت الأخبار في جمع النبي ﵇ بين المغرب والعشاء بالمزدلفة. واختلف فيمن صلّى المغرب قبل أن يأتي المزدلفة، فالشافعي وأبو يوسف يجوزان، وأبو حنيفة ومحمد لا يجوزان. فأما الوقوف بالمزدلفة فليس بركن عند أكثر العلماء، وقال الأصم وابن علية: إنه ركن، وقوله ﵇: الحج عرفة. ومن وقف بعرفة قبل أن يطلع الفجر، فقدتم حجه بإدراك عرفة، ولم يشترط معه الوقوف بجمع.

стр. 127

نعم قد قال الله تعالى: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ) ، والذكر بالإجماع ليس بواجب، ولعل المراد بالذكر الصلاة، وهي الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة. قوله تعالى: (فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً) (٢٠٠) : قضاء المناسك أداؤها على التمام مثل قوله تعالى: (فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً) «١» . وقال ﷺ : «فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» «٢» يعني: فافعلوا على تمام. وقوله تعالى: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ) : فيه معنيان محتملان: أحدهما: الأذكار المفعولة في خلال المناسك كقوله: (إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) «٣» . وهو مأمور به قبل الطلاق على مجرى قولهم: إذا حججت فطف بالبيت، وإذا صليت فتوضأ، وإذا أحرمت فاغتسل. قوله تعالى: (فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ) ،

стр. 128

يجوز أن يريد به الأذكار المسنونة بعرفات والمزدلفة، وعند الرمي والطواف، وقد قيل فيه: إن أهل الجاهلية، كانوا يقفون عند قضاء المناسك، ذاكرين مآثرهم ومفاخرهم، فأبدلهم الله تعالى ذلك بذكره والثناء عليه «١» ، وقال ﷺ : «إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظيمها للآباء، الناس من آدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، ثم تلا: (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى) إلى قوله (عَلِيمٌ خَبِيرٌ) «٢» . قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) (٢٠٣) . وقال في موضع آخر: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ) «٣» . فرأى الشافعي: أن «المعلومات» : العشر الأول من ذي الحية، وآخرها يوم النحر. وروي عن علي ﵁، أن «المعلومات» يوم النحر ويومان بعده، في أيهما شئت. وروى الطحاوي عن أبي يوسف، أنه قال في جواب مسألة أبي العباس الطوسي، عن الأيام المعلومات، إنها أيام النحر، وقال: روي

стр. 129

ذلك عن عمر وعلي ﵄ وإليه أذهب، لأنه قال تعالى: (عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ) . وحكى الكرخي عن محمد، أن الأيام المعلومات أيام النحر الثلاث: يوم الأضحى ويومان بعده. وعن أبي حنيفة: المعلومات: العشر، ولم يختلف قول أبي حنيفة في ذلك كما لم يختلف قول الشافعي. واحتجاج من احتج على أن المعلومات، أيام النحر، بقوله تعالى: (عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ) ، لا يصح، لأن في العشر يوم النحر، وفيه الذبح، فعلى قول أبي يوسف ومحمد، لا فرق بين المعلومات والمعدودات، لأن المعدودات المذكورة في القرآن أيام التشريق فلا خلاف، ولا يشك أحد في أن المعدودات لا تتناول أيام العشر، فإن الله تعالى يقول: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) وليس في العشر حكم يتعلق بيومين دون الثالث. وروي عن ابن عباس أن المعلومات العشر، والمعدودات أيام التشريق، وهو قول الجمهور، وليس في الأدلة ما يقتضي افتراقهما. ودلالة المعدودات على أيام التشريق بينة من جهة ما بعدها، فأما دلالة المعلومات على العشر، فليست ظاهرة من جنب الآية. ولم يختلف أهل العلم أن أيام منى ثلاثة بعد يوم النحر، وأن للحاج أن يتعجل في اليوم الثاني منها، إذا رمى الجمار وينفر، وأن له أن يتأخر إلى اليوم الثالث، حتى يرمي الجمار فيه ثم ينفر.

стр. 130

قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ «١» قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) (٢٠٤) ، مع قوله: (إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ) «٢» ، تنبيه على الاحتياط، فيما يتعلق بأمور الدين والدنيا، واستبراء أحوال القضاة والشهود.. قوله: (يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ» وَالْأَقْرَبِينَ) (٢١٥) : يبعد حمله على الواجب الثابت في الحال، فإنه لا يجب الإنفاق على اليتامى والمساكين والذي يجب لهم الزكاة، وذلك لا ينصرف إلى الوالدين والأقربين، إلا أنه يحمل على صدقة التطوع. ويجوز أن يريد به الصدقة المتطوع بها. ويجوز أن يزيد به إبانة مصارف المال التي يستحق بها الثواب. وقد قيل: قد انتسخت بآية الزكاة.. هذا على تقدير كون المراد بالآية الزكاة، فإنها تجب لليتامى والمساكين «٤» .. ويبعد أن يقال: إن المراد في البعض التطوع، وفي البعض الفرض، واللفظ واحد ...

стр. 131

قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ «١» ) (٢١٦) . وذلك إما أن يكون مجملا موقوفا على بيان يرد ما بعده من البيان، لامتناع قتال الناس كلهم، وإما أن يكون مبنيا على معهود متقدم، ولا يعقل دون هذين. قوله: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ) الآية (٢١٧) : وقال عطاء: لم ينسخ ذلك وكان يحلف عليه. وقال آخرون: هي منسوخة بقوله تعالى: (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) «٢» . ولا شك أن عموم ذلك، يرفع خصوص ما قبله عند الشافعي، وإن خالفه بعض الأصوليين في انتساخ القيد بالمطلق بعده، ورأوا نسخ «٣» القتال في البلد الحرام، بعموم قوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) «٤» ، وهذا أيضا من قبيل الأول. نعم صح ورود العمومين بعد المقيدين. وذكر الحسن وغيره، أن الكفار سألوا النبي ﵇ عن ذلك على جهة التعنيت للمسلمين، باستحلالهم القتال في الشهر الحرام.

стр. 132

وقال آخرون: إن المسلمين سألوا عن ذلك ليعلموا كيف الحكم فيه. وقيل: إنها نزلت على سبب، وهو قتل واقد بن عبد الله الحضرمي مشركا، فقال المشركون: قد استحل محمد القتال في الشهر الحرام، ورأى المشركون مناقضة قولهم بإقامتهم على الكفر، مع استعظامهم القتل في الأشهر الحرام، مع أن الكفر أعظم الإجرام. فإن وردت الآية العامة على هذا السبب، فلا شك في النسخ، فإن اللفظ العام في موضع السبب نص. وفيه أيضا شيء آخر وهو: أن الله تعالى نبه على العلة فقال: إنهم استعظموا القتل في الشهر الحرام، فالذي كان منهم أعظم، وإنما سقطت حرمتهم في الشهر الحرام، لعظم جرائمهم، وهو الكفر بالله في الشهر الحرام. قوله تعالى: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ «١» وَالْمَيْسِرِ» ) الآية (٢١٩) ... فأما تحريم الخمر، فيمكن أن يوجد من هذا، لأن قوله :

стр. 133

(وَإِثْمُهُما «١» أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما) ، يدل على المفسدة في شربها، وأن ما فيها من المنفعة لا يقاوم بالمفسدة. ويمكن أن يقال: إن المفسدة في السكر، وليس في ذلك بيان تحريم القليل الذي لا يسكر. ويمكن أن يقال لا، بل في شرب الخمر مفسدة عظيمة، لإفضاء قليل الشرب إلى كثيره، وذلك يحتمل أيضا وليس بنص. وأما الميسر فهو في اللغة من التجزئة، وكل ما جزأته ففد يسرته، ويقال للجازئ ياسر لأنه يجزر الجزور، والميسر: الجزور نفسه إذا جزئ، وكانوا ينحرون جزورا، ويجعلونه أقساما، يتقامرون عليها بالقداح على عادتهم في ذلك، فكل من خرج له قدح، نظر إلى ما عليه من التسمية، فيحكمون له بما يقتضيه من أسماء القداح، فسمي على هذا سائر ضروب القمار ميسرا. وقال ابن عباس: «الميسر: القمار» . وقال عطاء: «حتى لعب الصبيان بالكعاب والجوز» . وكانت المخاطرة في أول الإسلام مباحة، حتى خاطر أبو بكر المشركين، حتى نزلت (الم، غُلِبَتِ الرُّومُ) «٢» . فقال النبي ﷺ : «زد في المخاطرة وامدد في الأجل» «٣» ، ثم حظر ذلك

стр. 134

ونسخ بتحريم القمار، وحرم القمار مطلقا، إلا ما رخص فيه من الرهان في السبق في الدواب والإبل والنصال «١» ، واستثنى ذلك لأن فيه رياضة للخيل وتدريبا لها على الركض، وفيها قوة واستظهار على العدو، وقال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ) «٢» يقتضي جواز السبق بها، لما فيه من القوة على العدو، وكذلك الرمي. وظاهر تحريم الميسر- وهو القمار- يمنع مخاطرة، يتوهم فيها إخفاق البعض وإنجاح البعض، وهو معنى القمار بعينه «٣» ، وظاهره يمنع القرعة في العبيد، يعتقهم المريض ثم يموت، لما فيه من القمار في إنجاح البعض وإخفاق البعض، لولا ما فيه من الخبر الصحيح، الذي خص هذا العموم لأجله.. قوله تعالى: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ) (٢٢٠) : واليتيم: هو المنفرد عن أحد أبويه، فقد يكون يتيما من جهة الأم مع بقاء أبيه، وقد يكون يتيما من جهة الأب مع بقاء الأم، والإطلاق أظهر في اليتم من قبل الأب. وظواهر القرآن في أحكام اليتامى، محمولة على الفاقدين لآبائهم وهم صغار.

стр. 135

ولا يحمل ذلك على البالغ، إلا على وجه المجاز عند قرب العهد بالبلوغ، واليتيم في الأصل اسم للمنفرد، ولذلك سميت المرأة المنفردة عن الزوج يتيمة، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، قال الشاعر: إن القبور تنكح الأيامى ... النسوة الأرامل اليتامى وتسمى الرابية يتيمة لانفرادها عما حواليها من الأرض. ويقولون: الدرة اليتيمة لأنها كانت مفردة لا نظير لها. قال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً) ، كره المسلمون أن يضموا اليتامى إليهم، وتحرجوا أن يخالطوهم في شيء فنزل قوله تعالى: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ) .. (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ) أي أخرجكم وضيق عليكم، ولكن وسع ويسر فقال: (وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) . وقال ﵇: «ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة» «١» . وتوفرت الأخبار في دفع مال اليتيم مضاربة والتجارة به. وقد جوزت الآية ضروبا من الأحكام:

стр. 136

أحدها: قوله تعالى: (قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ) ، فيه الدلالة على جواز خلط ماله بماله، وجوز التصرف فيه بالبيع والشراء إذا وافق الصلاح، وجواز دفعه إلى غيره مضاربة، وفيه دلالة على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث، لأن الإصلاح الذي تتضمنه الآية إنما يعلم من طريق الاجتهاد، وغالب الظن. فإذا ثبت ذلك، فقد اختلف العلماء في أفراد تصرفات في مال اليتيم ونفسه، ومتعلق كل واحد منهم في تجويز ما جوزه ظاهر القرآن في ابتغاء المصلحة. وقال أبو حنيفة: لولي الطفل أن يشتري ماله لنفسه بأكثر من ثمن مثله، لأنه إصلاح دل عليه ظاهر القرآن، والذي لا يجوز يقول: لم يذكر فيه المصرف بل قال: (إِصْلاحٌ لَهُمْ) من غير أن يذكر فيه الذي يجوز له النظر، وعندنا الجد يجوز له ذلك، والأب في حق ولده الذي ماتت والدته، يتصرف على هذا الوجه، ولا متعلق في الآية من، حيث العموم أصلا، إذ ليس للمصرف ذكر يعم أو يحصر. ويقول أبو حنيفة: إذا كان الإصلاح خيرا فيجوز تزويجه ويجوز أن يزوج منه. والشافعي لا يرى التزويج أصلا، إلا من جهة دفع الحاجة، ولا حاجة قبل البلوغ. وأحمد يجوز للوصي التزويج لأنه إصلاح، ووجه قول الشافعي ما ذكرناه، والشافعي يجوز للجد التزويج مع الوصي لا بحكم هذه الآية. وأبو حنيفة يجوز للقاضي تزويج اليتيم بظاهر القرآن، فهذه المذاهب نشأت من هذه الآية..

стр. 137

فإن ثبت كون التزويج إصلاحا، فظاهر الآية يقتضي جوازه، ودل الظاهر على أن ولي اليتيم يعلمه أمر الدين والدنيا، ويستأجر له ويؤاجره ممن يعلمه الصناعات، وله أن ينفق عليه من ماله، وإذا وهب لليتيم شيء فللوصي أن يقبضه له لما فيه من الإصلاح. نعم، ليس في ظاهر الآية ذكر من يجوز له التصرف ولا يجوز، ويجوز أن يكون معنى قوله: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى) ، أي يسألك القوام عن اليتامى الكافلين لهم، وذلك مجمل لا يعلم منه غير الكافل والقيم، وما يشترط فيه من الأوصاف.. قوله تعالى: (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) (٢٢١) : وقد روي عن ابن عمر، أنه كان إذا سئل عن نكاح اليهودية والنصرانية قال: «إن الله تعالى حرم المشركات على المسلمين ولا أعلم شيئا من الشرك أكثر من أن يقول: «عيسى ربنا» «١» .. وأما الباقون فإنهم جوزوه تعلقا بقوله تعالى: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) «٢» . ولا تعارض بين هذا وبين قوله: (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ» «٣» ، فإن ظاهر لفظ المشرك لا يتناول أهل «٤» الكتاب، لقوله تعالى: (ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ)

стр. 138

(عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) «١» . وقال: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ) «٢» ففرق بينهم في اللفظ، وظاهر العطف يقتضي مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، إلا بدليل يقتضي الإفراد تعظيما على خلاف ظاهر اللفظ، كقوله: (مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ) «٣» . (وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ) «٤» إلا أن ذلك خلاف الوضع الأصلي، ولأن اسم الشرك عموم وليس بنص. وقوله: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) بعد قوله (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ) نص، فلا تعارض بين المحتمل وبين ما ليس بمحتمل. وليس من التأويل قول القائل: أراد بقوله: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) . أي أوتوا الكتاب من قبلكم وأسلموا. وكقوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ)

стр. 139

(وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) «١» . وقوله: (مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ) «٢» الآية. فإن الله تعالى قال: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ) ، ثم قال: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) . والقسم الثاني على هذا الرأي هو القسم الأول بعينه. ولأنه لا يشكل على أحد جواز التزوج بمن أسلمت وصارت من أعيان المسلمين. قالوا: فقد قال الله تعالى: (أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) ، (٢٢١) فجعل العلة في تحريم نكاحهن الدعاء إلى النار. والجواب عنه أن ذلك علة لقوله تعالى: (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ) ، لأن المشرك يدعو إلى النار. وهذه العلة تطرد عندنا في جميع الكفار، فإن المسلم خير من الكافر مطلقا، وهذا بين. فإن زعموا أن قوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) «٣» . وقوله: (لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا) «٤» .

стр. 140

وقوله تعالى: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ) «١» . صريح في تحريم النكاح، الذي هو سبب الاتحاد والوصلة والسكن والرحمة، وكيف يجوز أن يحصل لنا مع الكفار ما قاله الله تعالى: (خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) «٢» ؟ والجواب: أن ذلك منع من موادة ومخالطة، ترجع إلى المحاباة في أمر الدين، وما أوجب الله على المسلمين من قتالهم والتغليظ عليهم دون التودد إليهم، في حفظ ذمتهم وعصمتهم، ومبايعتهم ومشاراتهم والإنفاق عليهم، إذا كانوا مملوكين، إلى غير ذلك مما يخالف الشرع، ويورث المودة. وقد قيل: إن الآية نزلت «٣» في مشركي العرب المحاربين، الذين كانوا لرسول الله أعداء وللمؤمنين، فنهوا عن نكاحهن، حتى لا يملن بهم إلى مودة أهاليهن من المشركين، فيؤدي ذلك إلى التقصير منهم في قتالهم دون أهل الذمة. والمراد به غير الذين أمرنا بترك قتالهم، إلا أن أصحاب الشافعي يتعلقون بقوله تعالى: (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ) ، في تحريم الأمة الكتابية مطلقا، في حالتي وجود طول الحرة وعدمها. فقيل لهم: فقد قال: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) ، وذلك يعارض هذا؟

стр. 141

فأجابوا بأن سياق الآية يدل على الإختصاص بالحرة لأنه قال: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) «١» . ثم قال: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ) «٢» . وكل ذلك مخصوص بالحرة، غير متصور في الأمة بحال. ولأنه تعالى قال بعده: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا» أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ) «٤» . فلو كان اسم المحصنات يتناول الإماء لما قال: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) ، فدل أن المحصنة المذكورة ها هنا هي الحرة، فلا تعلق للمخالف بالآية. ولهم أن يقولوا على ما تعلقنا به من عموم لفظ المشركة: إن الآية ظاهرها الحرة، فإنه تعالى قال: (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ) ولو كانت المشركة عامة في الجميع، لما صح هذا القول.

стр. 142

فعلم أن الآية سيقت لبيان تحريم المشركات الحرائر، ثم المشركات الإماء معلومات من طريق الفحوى والأولى. وظن قوم أن قوله تعالى: (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ) ، يدل على جواز نكاح الأمة مع وجود الطول، لأن الله تعال أمر المؤمنين بتزويج «١» الأمة المؤمنة، بدلا من الحرة المشركة التي تعجبهم لوجدان الطول إليها، وواجد الطول إلى الحرة المشركة، هو واحده إلى الحرة المسلمة. وهذا غلط من الكلام فإنه ليس في قوله: (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ) ذكر نكاح الإماء في تلك الحال، وأنه لا خلاف في أن نكاح الإماء مكروه مع القدرة على طول الحرة، وإنما ذلك تنفير عن نكاح الحرة المشركة، فإن العرب كانوا بطباعهم نافرين عن نكاح الإماء، فقال: (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ) ، فإذا نفرتم عن نكاح الأمة المسلمة فإن المشركة أولى بأن تكرهوا نكاحها. قوله تعالى: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) الآية (٢٢٢) : قد يكون اسما للحيض نفسه. ويجوز أيضا أن يكون موضع الحيض كالمقيل والمبيت، وهو موضع القيلولة والبيتوتة «٢» . ودل اللفظ على أن المراد بالمحيض ها هنا الحيض، لأن الجواب ورد

стр. 143

بقوله: (قُلْ هُوَ أَذىً) ، وذلك صفة لنفس الحيض لا للموضع الذي فيه. ويحتمل أن يقال: قوله (فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ) ، هو موضع الحيض، لأن الاعتزال في المحيض لا يتحقق له معنى إذا أراد به نفس الدم. وقد كان اليهود يتجنبون مؤاكلة النساء ومشاربتهن ومجالستهن في الحيض، فنسخ الإسلام ذلك، فسأل المسلمون عن الوطء، وقالوا: ألا نطأهن يا رسول الله؟ يعني أنه إذا لم نجتنب سائر الأعضاء منهن، فلا نجتنب موضع الحيض؟ فاستثنى الله تعالى موضع الحيض بقوله: (قُلْ هُوَ أَذىً) «١» ، أي موضع الأذى، وإلا فنفس الدم مجتنب ولا يقرب، وقد عرفوا نجاسته، فإن النجاسة مجتنبة، وذلك يقتضي كون التحريم مختصا بموضع الأذى، وهو الصحيح من مذهب الشافعي. وعبر عن الموضع بالأذى، مع أن الأذى ليس عبارة عن نفس النجاسة، بل هو كناية عن العيافة «٢» في حق متوخي النظافة. وأبو حنيفة يحرم ما تحت الإزار، ويحتج بأن قوله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ) ، دال على حظر ما فوق الإزار وما تحته، غير أنه قام الدليل فيما فوق الإزار في الإباحة، وبقي ما دونه على حكم العموم.

стр. 144

وهذا غير صحيح، فإنهم إنما سألوا بناء على ما علموا من استباحة مخالطتها في المأكل والمشرب والفراش، وإنما سألوا عن الوطء فقط، فلا يجوز أن تكون الآية دالة على الاعتزال المطلق، مع ما ذكرناه. وإنما معنى الآية: قل هو أذى فاعتزلوا إتيان النساء في المحيض، أو وطء النساء في المحيض، فهو مضمر محذوف دل عليه ما بعده وهو قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) . فمد التحريم إلى غاية التحليل، فذكر بعد الغاية الإتيان، فدل أن المحرم قبله هو الإتيان فقط. ويدل عليه حديث حماد بن سلمة عن ثابت بن أنس، أن اليهود كانوا يخرجون الحائض من البيت، ولا يؤاكلونها ولا يجامعونها في بيت، فسئل النبي ﵇ عن ذلك، فأنزل الله تعالى: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً) ، فقال ﷺ : «جامعوهن في البيوت وافعلوا كل شيء إلا النكاح» «١» .. وروي عن عائشة أن النبي ﵇ قال لها: «ناوليني الخمرة، فقالت: إني حائض، فقال: ليست حيضتك في يدك» «٢» .. وذلك يدل على حل كل عضو ليس فيه حيض، فهذا يدل على معنى الآية..

стр. 145

قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) . تنازع أهل العلم في معناه: فقال قوم: هو انقطاع الدم، فيجوز وطؤها بعد انقطاع الدم، من غير فرق بين أقل الحيض وأكثره. ومنهم من حرم قبل الغسل، من غير فرق بين أقل الحيض أو أكثره، وهو قول الشافعي. وأبو حنيفة أباحه قبل الغسل، إذا انقطع الدم على الأكثر، وحرم إذا انقطع على ما دون الأكثر، مع وجوب الغسل عليها، مع الحكم بطهارتها. أما من أتاح الوطء مطلقا، فإنه يتعلق بقوله تعالى: (حَتَّى يَطْهُرْنَ) ، ومعلوم أنها طاهرة وإنما أراد به: حتى يطهرن من العارض وهو الحيض. ويقال: طهرت من الحيض والنفاس «إذا زال الحيض والنفاس، ولذلك يقال زمان الطهر وزمان الحيض» «١» ، وإنما هو زمان طهر المرأة وإن لم تغتسل للأكثر. وإذا لم تكن حائضا فهي طاهرة، وليس بين كونها حائضا وطاهرة درجة ثالثة، فقد طهرت إذا. فهذا قول ظاهر إلا أن قوله: (فَإِذا تَطَهَّرْنَ) ، يخالف هذا المذهب ظاهره،
следующие страницы →